شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 9-12
أهل الأثرالأرشيف العلمي

حكم قوله: (أنت طالق لرضا زيد)

قال المصنف رحمه الله: [وأنت طالق لرضا زيد أو لمشيئته طلقت في الحال]: أنت طالق لرضا زيد أو لمشيئة زيد، أنت طالق لرضا أمي، أنت طالق لرضا أبي، أنت طالق لمشيئة أمي، أنت طالق لمشيئة أبي، اللام هنا إذا قصد بها التعليل فيقع الطلاق فوراً، يعني: طلقتك من أجل رضا أمي، أنت طالق لرضا أمي، يعني: من أجل أن أمي راضية بالطلاق، لكن إذا قصد باللام التعليق؛ فننتظر حتى يرضى من علق الطلاق عليه، ففرق بين المسألتين: اللام إذا قصد بها التعليل بأن قال: أنت طالق لرضا أمي، أي: طلقتك لأن أمي راضية بطلاقك، فحينئذٍ يمضي الطلاق، وإن قال: أنت طالق لرضا أمي، أي: إن رضيت أمي، فطلاقك معلق وموقوف حتى ترضى أمي، فإنه حينئذٍ نتوقف حتى ترضى أمه، وهكذا لو علقه على رضا غيرها أو مشيئته.
قال المصنف رحمه الله: [فإن قال: أردت الشرط قبل حكماً]: (قبل حكماً) يعني: يُقبل حكماً، وإذا قبل حكماً قُبل ديانةً، والحكم هو القضاء، ومراده هنا: أنه لو رفع عند القاضي وأراد القاضي أن يحكم عليه فقال: أنت قلت: أنت طالق لرضا أمي، فقال: قصدت بقولي: لرضا أمي، أي: إن رضيت أمي، وأمي لم ترض، فالقاضي يقبل منه قوله، ويحكم بعدم وقوع الطلاق؛ لأنه في هذه الحالة جاء بلفظ محتمل، والقاعدة: (أن الألفاظ المحتملة لا يلزم المتكلم فيها بشيء حتى يبين مراده) ولا يمكن أن يلزمه بأحدهما ما دام أن اللفظ يحتمل الأمرين.

تعليق الطلاق برؤية الهلال

قال المصنف رحمه الله: [وأنت طالق إن رأيت الهلال، فإن نوى رؤيتها لم تطلق حتى تراه وإلا طلقت بعد الغروب برؤية غيرها]: (أنت طالق إن رأيت الهلال) إذا قصد أن تراه حقيقة فهذه مسألة، وإن قصد دخول الشهر، أي: أنت طالق بدخولك في الشهر، فقوله: إن رأيت الهلال، يعني: إن دخل عليك الشهر الثاني؛ فهذه مسألة ثانية، فإن قصد الرؤية البصرية بأن تراه بنفسها فحينئذٍ لا تطلق إلا إذا رأت الهلال، ولعل الله أن يجعل لها فرجاً فيأتي الغيم ولا ترى الهلال فلا تطلق!! وذكر عن بعضهم أنه قال لامرأته هذا القول، وكانت تكرهه، فأمسكها وعصب عينها ومنعها من الظهور على سطح الدار خوفاً من وقوع الطلاق؛ لأنه علقه على رؤية الهلال، ولو رأت الهلال لمضى عليها الطلاق، لكنه ندم ورجع عن هذا، وهي كانت تريد أن يجعل الله لها فرجاً ومخرجاً.
فقوله: (أنت طالق إن رأيت الهلال) إن قصد أن تراه، فلا يقع الطلاق إلا برؤيتها، وإن قصد دخول الشهر الثاني فإنها تطلق برؤيتها وبرؤية غيرها، وكأنه يقول: بنهاية هذا الشهر فإن طلاقي عليك واقع، فحينئذٍ لا يُشترط أن ترى الهلال، وتطلق عليه بمجرد أن يدخل الشهر الذي يلي الشهر الذي هي فيه، حتى ولو رآه غيرها؛ لأن قصده ما ذكرناه، أما لو قصد أن ترى بنفسها فلا يقع إلا برؤيتها البصرية.

الأسئلة

مدة نفوذ مشيئة المرأة عند تعليق الطلاق بمشيئتها

السؤال

هل يشترط إذا أسند الطلاق إلى مشيئة المرأة أن تكون مشيئتها مقيدة بذلك الوقت، أي: لو شاءت بعد زمن، هل تطلق؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فذكرنا هذه المسألة، وأنه يقع تراخياً، وأن بعض العلماء يرى أنه لا بد وأن يكون في المجلس، وبعضهم يرى أنه لابد وأن يكون بعد الكلام مباشرة كما هو مذهب الشافعية، لكن الصحيح: أنه إذا أطلق يبقى مطلقاً وإذا قيد يبقى مقيداً، إذا قال لها: إن شئت، يبقى على إطلاقه، وحينئذٍ يستوي أن يكون بعد كلامه مباشرة أو بعده بفاصل.

استئذان المرأة من زوجها عند خروجها في كل مرة

السؤال

إذا طلبت الزوجة من زوجها أن يأذن لها إذناً عاماً، فهل الأفضل لها أن تستأذنه في كل خروج تعظيماً لحقه وإشعاراً لمكانه؟

الجواب

لا شك أن المرأة الصالحة إذا أحسنت التبعُّل لزوجها، وكانت على أتم أحوال الأدب؛ فهذا أكمل لدينها، (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) المرأة الصالحة الدينة دائماً تخشى الله عز وجل في حق بعلها، فحينما تجده يكرمها أو يأذن لها في أمر واحتاجت إلى هذا الأمر مرة ثانية مع وجود الإذن المسبق، وعلمت أنه لا يضجر، وإنما أرادت أن تجله وتوقره؛ فإن هذا قربة، ولها المثوبة من الله عز وجل على ما فعلت، وهكذا كل من له حق وفعلت فعلاً معه إجلالاً له؛ لأنك ما فعلت هذا إلا تعظيماً وإكراماً، فالمرأة أُمرت بإكرام زوجها، والله عز وجل يقول: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف:189] المرأة سكن للرجل، والزوج إذا نظر إلى امرأته وفيّة، كريمة، صالحة، كلما مكنها من أمر تأدبت معه، وكانت على الكمال في الانتفاع بإذنه؛ فإن هذا يزيد من محبتها، ولا شك أن كل زوجة ستعاشر زوجها سيشهد أمام الله بخيرها وشرها.
وهذا كمال وفضل، ولا تفعل هذا إلا المرأة الصالحة الدينة الكاملة الفاضلة، تستأذن زوجها مع وجود الإذن، لكن بشرط أن لا يضجر الزوج من ذلك، ولا يحدث عنده نوع من الكراهية، والمرأة فطنة تدرك هذه الأمور، ويذكر بعض مشائخنا -رحمة الله- عليهم مثلاً في تأدب طلاب العلم مع مشائخهم، وتأدب الصغار مع الكبار، وتأدب الولد مع والده أنه إذا وثق الوالد في ولده فأسند إليه أمراً، فرجع الولد إلى والده وسأله كيف يفعل؟ وماذا يأتي؟ وماذا يصنع؟ أعظم والده ذلك منه، ودله على كمال عقله وفضله ونبله، مع أنه يمكن أن يقوم بالأمر، لكنه قصد من هذا إشعار والده أنه ما زالت له ولاية عليه، وأنه وإن كان يثق أنه سيقوم بالأمر فإنه لا يزال محتاجاً إليه، هذا هو الشعور النفسي، وهو مرتبة الكمال والفضل، ولا يحرص على معالي الأمور ومكارم الأخلاق على أتم وجوهها إلا مؤمن صالح ومؤمنة صالحة.
المرأة تحرص غاية حرصها على طلب مرضاة الله عز وجل بمثل هذا، وهذه أمور قد يراها الإنسان يسيرة، ولكنها عند الله كبيرة، الأدب لا يضر صاحبه، بل ينفعه ويكرمه ويجله، وخاصة مسائل تعظيم شعائر الله عز وجل.
المرأة المؤمنة حينما يأذن لها زوجها، وترجع مرة ثانية وتأخذ منه الإذن مع وجود الإذن العام، أو تعلم أنه يرضى بالشيء، ومع ذلك تأتي وتقول له: هل أفعل أو لا أفعل؟ حينما تفعل هذا أمام أولادها ماذا سيكون له من الأثر؟ ولذلك كم من امرأة صالحة كانت تحت يد أم تخاف الله عز وجل وتتقيه وتحسن الأدب مع زوجها؛ وصلت إلى مراتب الكمال بما رأت من تصرفات أمها مع أبيها، وهذا هو البيت المسلم الكامل الفاضل.
والمسائل النفسية مهمة جداً، المرأة لما تستأذن من زوجها له آثار طيبة، حتى كان بعض العقلاء الحكماء من كبار السن يوصي أولاده بقوله: لا تأذن إذناً عاماً، وقل لامرأتك: إذا أرادت أن تستأذن أن تستأذن أمام أولادها وبناتها، حتى يتعلم أهل البيت الاستئذان، والإجلال لذي الحق، وما عرفنا بيوت المسلمين إلا على هذا الأثر، ولا قامت بيوت المسلمين إلا على هذا الإكرام من النساء الصالحات، وهذا والله لا ينقص المرأة أبداً، وأعداء الإسلام يحرصون كل الحرص على قطع مثل هذه المعاني، ويقولون: المرأة حرة في نفسها فلا تستأذن الرجل، وهذا كله اعتداء لحدود الله، وتمرد على الشريعة، وتمرد على مكارم الأخلاق الفاضلة؛ لأنهم يريدون المرأة كالرجل سواء بسواء والله يقول: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:36] وما أخبر الله عنه -وهو أصدق القائلين- فلن يستطيع أحد أن يرده كائناً من كان، فإن الرجل ليس كالأنثى، ولو شاب الغراب؛ لأن الله سبحانه وتعالى إذا حكم في أمر لا يمكن لأحد أن يعقب حكمه، ﴿يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:41].
فالمرأة حينما تأتي أمام أولادها وتقول: هل أخرج؟ يتعلم كل من في البيت أنه لا يخرج إلا بإذن الوالد، ولذلك كم من أطفال صغار نظروا إلى أمهاتهم وهن لا يخرجن إلا بالإذن، فأصبح الابن يتربى على الإذن، فنشأ البيت كله تحت قيادة الأب، ورعاية الأب، مع أم صالحة دينةٍ وفية كريمة ذات خلق وذات فضل، فصلحت الأسرة، وقد كانت بيوت المسلمين على هذا، وقوة الأمة الإسلامية تكون بقوة البيت المسلم وتماسكه واعترافه بقيام الرجل على المرأة.
وهذا الأدب فيه سمو وعلو للمرأة؛ لأن المرأة بفطرتها وخلقتها لا يمكن أن تصلح إلا بهذا، ولتنظر إلى أي بيت تكون فيه المرأة راعية لنفسها متمردة على بعلها تجده -والعياذ بالله- أشقى البيوت، تجده بيتاً مدمراً، والله لو جلسوا على المتاع الوفير، وأحسنوا فيما هم فيه من نعيم الدنيا؛ لكن صدورهم في ألم وشقاء وعناء لا يعلمه إلا الله عز وجل؛ لأن المرأة إذا رأتها ابنتها لا تستأذن، وتخرج متى شاءت، خراجة ولاجة متى أرادت، متمردة على بعلها؛ تمردت هي على أبيها غداً، وتمرد الابن على أبيه غداً، وأصبح البيت بدون قائد وبدون راعي، والله عز وجل جعل الرجل راعياً في بيته، وجعله قائماً على أهله وولده ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:6] ولذلك تجد المرأة المسلمة تربي أبناءها وبناتها من الصغر ومنذ نعومة أظفارهم على الأدب، فلا يخرج الولد من عند الباب حتى يستأذن والده، وحق لها أن لا تموت حتى ترى حُسن الأثر لمثل هذه الآداب والأخلاق في أولادها؛ لأن المرأة لو ربت أولادها على هذا الشعور النبيل الفاضل استقام أمر البيت، وتجد الآن -ما شاء الله ولا قوة إلا بالله- رجلاً كاملاً في رجولته، لكن ما إن يدخل بيت أبيه إلا عاد على حاله أيام الصغر، وفاءً وحفظاً للعهد الذي يقول عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (حفظ العهد من الإيمان)، فيدخل البيت وإذا به تحت والده، حتى أن بعضهم يقول: والله إنه كبر والدي، وهو في آخر عمره، وما زالت فيَّ هيبة والدي التي أعرفها في الصغر؛ لأن الأم كانت ممسكة بزمام البيت، وكانت محافظة على فرض هذا الشعور، ولله درها من أم، ولا يمكن أبداً أن تستقيم أمور البيوت ولا الحياة الزوجية إلا بمثل هذا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد - يعني: وهي تذهب إلى الصلاة لا بد أن تستأذن- فلا يمنعها) ويقول: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) فإذا كانت في الطاعات تستأذن، فكيف في أمور الدنيا؟ فلا شك أن خروج المرأة لا بد فيه من الإذن، ولا بد أن تراعي الأكمل والأفضل في هذا.
والإنسان إذا حرص دائماً على مراتب الكمال، كمّل الله عز وجل أموره في كل شيء، حتى وأنت في إدارتك ووظيفتك مع من هو أكبر منك وأعلى منك، تتأدب، فإذا بالقلوب تجمع على محبتك، والظنون السيئة تبتعد عنك؛ وهذا من حسن ما جعله الله لأهل الإيمان من الود، فإنه لما كملت أخلاقهم وكمل إيمانهم بحسن الخُلق جعل الله لهم المحبة في الخلق، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:96] أي: سيجعل الله لهم الود، وهو: خالص الحب، لكن بماذا؟ بفضله سبحانه ثم بالإيمان، وأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وأكملهم خلقاً، والمرأة المؤمنة إذا كمل خلقها كملت محبتها، وعندها تصبح المرأة ناجحة، وتصبح المرأة ممسكة بزمام الأمور، بعد كبر الأبناء والبنات؛ ترى حسن العاقبة والأحوال.
فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يكرمنا بهذه الأخلاق، وأن يهدي شباب المسلمين وشاباتهم إلى التمسك بها والعمل بها، والله تعالى أعلم.

كيفية الإيجاب والقبول لمن تولى طرفي عقد الزواج بالوكالة

السؤال

إذا تولى رجل طرفي عقد الزواج -كأن يكون ولياً للمرأة ووكيلاً للزوج- فكيف يكون الإيجاب والقبول؟

الجواب

هذه المسألة خلافية بين العلماء رحمهم الله، بعض أهل العلم يرى أنه يمكن أن يكون شخص واحد كافياً في طرفي العقد، وحينئذٍ لا يشترط الإيجاب والقبول؛ لأن العقد يقوم على الصيغة قولاً وفعلاً، فإذا انتفى وتعذر أن تكون الصيغة بالقول بأن يخاطب نفسه ويقول: بعت واشتريت، انتقلت إلى الفعل؛ لأنه بمجرد أن يأخذ الشيء المبيع ويقبضه، فقد انتقل إلى ملكه، مثلاً: يأخذ العشرة آلاف ريال ليشتري بها سيارة من الأيتام، فيضعها في رصيد الأيتام ثم يقبض السيارة فحينئذٍ قد تم العقد، فيكون الفعل منزلاً منزلة القول، فإذا تعذر القول انتقل إلى الفعل، كما هو الحال في المعاطاة ونحوها، والله تعالى أعلم.

حكم جمع المسافر للصلاة بدون قصر

السؤال

هل يجوز للمسافر أن يجمع بدون قصر؟

الجواب

المسافر لا شك أن الله عز وجل رخص له قصر الصلاة، فإذا أتم الصلاة أمكنه أن يجمع، مثلاً: جاء إلى مكة مسافراً، وطاف بالبيت، وأقيمت صلاة الظهر وهو يريد أن يسافر إلى الطائف، فلما صلى الظهر مع الإمام أربع ركعات؛ أقام صلاة العصر وصلاها ركعتين، فإنه أتم الصلاة الأولى، أو العكس، يتم الصلاة الثانية، مثل أن يقيم لصلاة الظهر ويصليها قصراً، وبعد سلامه يصلي العصر مع الإمام، فقد أتم الثانية، أو يدخل مع جماعة فاتتهم صلاة الظهر فأتموا، ثم تأتي مجموعة ثانية تصلي الظهر تامة فيصلي معهم بنية العصر، فصليت مع الجماعة الأولى الظهر ثم أردت أن تصلي العصر فجاءت جماعة ثانية فصليت معهم لتكسب أجر الجماعة، هذا كله لا بأس به، فتكون جمعت بين الصلاتين ولم تقصر لا الأولى ولا الثانية، أو جمعت بين الصلاتين فقصرت الأولى ولم تقصر الثانية أو العكس كله جائز، لكن لو يقصد ذلك وهو مسافر، فيتم الظهر ويتم العصر فهذا خلاف السنة، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: (فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأُقرت في السفر وزيدت في الحضر).
فلا ينبغي للمسلم أن يخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، وعليه التزام السنة، والحرص على صلاة العصر والظهر والعشاء مقصورة، تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يوجد العذر، مثل أن يصلي وراء مقيم متم، والله تعالى أعلم.

تقديم الحضور مبكراً للصف الأول على صلاة السنة في البيت

السؤال

من كان يؤدي ركعتي الفجر في بيته ولا يأتي المسجد إلا على الإقامة حرصاً منه على السنة، ولكن يفوته الصف الأول في الغالب، فهل في ذلك حرج؟

الجواب

لا، الأفضل أن يبكر إلى المسجد، ويصلي تحية المسجد، وينال فضيلة الصف الأول؛ لأن القاعدة عند العلماء أن فضائل الفرائض مقدمة على فضائل النوافل، فصلاة النافلة في البيت هذا بالنسبة لفضيلة النافلة (صلوا في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) هذا الوجه الأول للتفضيل.
الوجه الثاني: أن الفضيلة المنفصلة عن ذات الصلاة والفضيلة المتصلة بذات الصلاة إذا تعارضتا قُدمت الفضيلة المتصلة بذات الصلاة، والصف الأول فيه فضيلة المكان للصلاة، فتقدم على الفضيلة المنفصلة عن الصلاة، ولذلك قالوا: لو كنت عند ركوبك للسيارة تدرك الصف الأول، وتدرك تكبيرة الإحرام أو تدرك التأمين، ولو مشيت على قدميك لا تدرك ذلك، فاركب السيارة وهذا أفضل؛ لأنك تدرك فضيلة الصف الأول وفضيلة التأمين وهما فضيلتان متصلتان بالصلاة، بخلاف فضيلة المشي للصلاة فإنها فضيلة منفصلة عن الصلاة، وإذا تعارض المتصل والمنفصل قدم المتصل على المنفصل، فهذه كلها قواعد للتفضيل أشار إليها العلماء في كتب القواعد، فأنت تُقدم في هذه الحالة ما تَقَدَّم، لكن تنوي في قرارة قلبك أنه لولا أنك تريد الصف الأول وفضيلة الصف الأول لصليتها في بيتك حتى يكتب الله لك أجر السنة، والله تعالى أعلم.

حكم تحجيج الزوج لزوجته

السؤال

إذا كان الزوج مستطيعاً فهل يلزمه أن يحجج زوجته؟

الجواب

ليس على الزوج أن يحجج زوجته، ولكن الأفضل والأكمل أن يفعل ذلك، فإن حج الزوجة ليس من الأمور المتعلقة بالزوجية، ولكن لا شك أنه إذا احتسب الأجر عند الله عز وجل وحججها فإن الله يأجره، وينبغي للأزواج أن يحرصوا على ذلك، وأن يعينوا أزواجهم على الحج وعلى ذكر الله وطاعة الله عز وجل لما في ذلك من زيادة الخير والبر لهم، وإذا صلحت المرأة أصلح الله بصلاحها أمور البيت وصلحت لبعلها، وكان أول من يرى أثر صلاحها زوجها وأولادها، فعلى الزوج أن لا يُقصر في مثل هذا، وعليه أن يحتسب الثواب عند الله وليحمد الله جل جلاله أن رزقه امرأة تريد منه أن يعينها على طاعة ربها، فإذا فعل ذلك شكر الله عمله وبارك ماله وأحسن له العاقبة، والله تعالى أعلم.

الفرق بين: (عام مخصوص) و (عام مضاف إلى الخصوص)

السؤال

هل هناك فرق بين عام مخصوص وعام مضاف إلى الخصوص؟

الجواب

عام مخصوص أي: دخله مخصص، ودخله التخصيص، أي: جاء نص خاص يخص هذا العموم، تقول: هذا عام وهذا خاص، سواءً اختص بصحابي في زمان النبي صلى الله عليه وسلم أو اختص بشخص آخر توفرت فيه الصفات، مثلاً يقول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:282] لما قال الله تعالى: ((فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ)) وقال: ((وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)) دل ذلك على أن الأصل في الشهادة العدد؛ فلا يقبل الشاهد الواحد، ومع ذلك قبل عليه الصلاة والسلام شهادة خزيمة وحده، فعندنا عام وعندنا خاص، فهذا العام الذي ورد من الشرع خصه النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الصحابي، فجعل شهادته كشهادة رجلين، فهذا لا نعتبره لكل الأمة، فلا تكفي شهادة واحد في الأحكام، ولا يقبل القاضي شهادة الواحد وحده، وإنما يقضي بشهادة رجل مع امرأتين، أو شهادة رجل مع رجل، أو شهادة رجل مع اليمين في أمور الأموال، وما يتعلق بها كما سيأتي -إن شاء الله- في باب القضاء، فنقول: قضية خزيمة خاصة، والأصل في العام أن يبقى على عمومه، ولكنه عام دخله التخصيص على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الصحابي، فهذا تخصيص يختص بعينه.
وهناك تخصيص عمومي في الأزمنة والأمكنة والأشخاص، مثلاً: ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بتحية المسجد، وورد عنه أنه نهى عن الصلاة بعد صلاة العصر، والجمهور يرون أن الأمر بتحية المسجد عام، والنهي عن الصلاة بعد صلاة العصر خاص تعلق بالوقت والزمان، فيقولون: يصلي تحية المسجد في سائر الأوقات إلا في الأوقات التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا عام دخله التخصيص، فيقولون: هذا العموم يُفعل في كل وقت إلا في هذه الحالة الخاصة التي استثناها الشرع.
أما بالنسبة لعام أُريد به الخصوص، فيأتي اللفظ عاماً في كتاب الله عز وجل لكن المراد به الخصوص، فيختلف عن الأول، الأول عام شامل لجميع الأمة، فلما أمر بتحية المسجد فهو أمر لجميع الأمة بصلاة تحية المسجد، لكن قد يأتي أمر لا يريد به الله عز وجل العموم، وإنما يريد به طائفة معينة مثل: قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور:32] ((أَنكِحُوا)) كلنا مأمور أن ينكح، لكن هل أنا مأمور بهذا الأمر؟ إنما يؤمر به من عنده هذا الشيء، فحينئذٍ نقول له: أنكح الأيامى الذين عندك والصالحين من عبادك وإمائك، فعنده رقيق وانطبق عليه هذا الأمر، فهذا عام أُريد به خاص، وأُريد به طائفة مخصوصة، ولا يراد به العموم لكل الأمة؛ لأنه لا يمكن أن يكون لكل أحد عبدٌ أو أمة حتى ينكحها أو ينكحه.
فيكون النص عاماً ويراد به الخاص، ويكون خاصاً ويراد به العموم، ويأتي عام فيدخله التخصيص، ويأتي عام مراد به طائفة معينة خاصة، والنصوص يعمل بها على حسب ما دلت عليه الأدلة، ما لم تقم القرينة أو الدليل على التخصيص أو إرادة العموم، والله تعالى أعلم.

حكم طلب الزوجة الطلاق لأدنى مشكلة

السؤال

بمجرد حصول أدنى مشكلة بين الزوجين تطلب المرأة فوراً الطلاق، فهل يجوز لها ذلك؟

الجواب

لا يجوز للمرأة أن تسأل زوجها الطلاق من غير ما بأس، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حرمة ذلك كما في الصحيح، وورد فيه الوعيد الشديد وهو أن (الجنة على المرأة حرام إذا سألت الطلاق من غير ما بأس) -نسأل الله السلامة والعافية- فعلى المرأة أن تتقي الله عز وجل.
وأما بالنسبة للمشاكل الزوجية فالواجب على المرأة أن تصبر، وأن تحتسب عند الله عز وجل الثواب، وكل إنسان إذا ضاع حقه وأهينت كرامته، وأذل في عزه، واعتدي على ماله؛ فليحتسب أمره عند الله عز وجل، فإن الله نعم المولى ونعم النصير، والمرأة لا يرد حقها الطلاق، ولا يرد حقها هدمها لبيتها وأذيتها لأطفالها، فلتعلم المرأة أنها إذا سألت زوجها الطلاق أنها تهدم بيتاً من بيوت المسلمين، ولتعلم أنها إذا سألت الطلاق أنها تدمر أسرة من أسر المسلمين، والله سائلها عن ضياع أبنائها وفلذات كبدها، وعليها أن تكون قوية تستعصم بربها، وكم من صعاب ذللت وهموم تبددت ومشاكل وغموم أزيلت بالثقة بالله جل جلاله، فإن الله نعم المولى ونعم النصير، خاصة للمرأة لأنها ضعيفة، وضعفها موجب لرحمة الله عز وجل لها، ولعظيم شأن المرأة، ولكثرة المظالم التي تقع عليها؛ أخبر الله عز وجل أنه يسمع شكواها من فوق سبع سماوات، وهذا ليس خاصاً بالمرأة، بل هو سبحانه يسمع كل شكوى، ويجيب ويكشف كل بلوى، فهو سبحانه وتعالى منتهى الشكوى، وكاشف الضر والبلوى، جل جلاله وتقدست أسماؤه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إني أحرج حق الضعيفين: المرأة واليتيم).
وعلى المرأة أن تعلم أنها مهما فعلت مع زوجها فأجرها على الله، وكل إنسان يضع هذا الاعتقاد وهذا الشعور في قلبه يزول عنه عناء الدنيا ونكدها، إياك أن تفعل أي حسنة وتنتظر من أحد ثواباً أو جزاءً عليها غير الله جل جلاله، وطِّن نفسك على ذلك، ليس لك إلا ربك، ولا أرحم بك من الله جل جلاله، عوّد نفسك على ذلك فتستريح من هموم الدنيا كلها، كل هذا ثقة بالله وحده، ولذلك ما من أحد يُعلق قلبه بغير الله إلا عذبه الله بذلك التعلق.
ومن هنا قد تجد المرأة تكافح وتكابد وهمها أن ترضي زوجها دون أن يكون ف يبالها رضا الله عز وجل، فيأتي اليوم الذي يوليها ظهره فيكفر معروفها وينسى فضلها فتصدم بذلك، ولكنها إذا وطّنت قلبها بالاستعانة بالله وأصبحت في جميع حركاتها وسكناتها تلتمس أول ما تلتمس مرضاة الله، وإذا أحسنت لبعلها تفكر أول شيء هل هذا الإحسان الذي تريد أن تقوم به والسرور الذي تدخله عليه هل هو يرضي الله أو لا يرضيه؟ فإن كان يرضي الله فعلته، وإن كان لا يرضي الله تركته، ولا تبالي بأحد كائناً من كان، ووالله ما وطّنت نفسها على ذلك إلا جعل الله ضيق الدنيا عليها سعة، وأسعدها في نفسها وولدها وبعلها، ولو طلقها زوجها أو فارقها أبدلها الله خيراً منه.
ولا يمكن أن تستقيم حياة المرأة بل حياة كل عبد إلا بهذا الأساس، ولذلك أي إنسان يقوم بشيء يجامل به أهل الدنيا أو ينتظر به من أهل الدنيا شيئاً إلا عذبه الله به، وبكى طويلاً وبكى مريراً وتقرح قلبه وشقيت نفسه؛ فمن يريد غير الله عز وجل فقد خاب وخسر، فإن كان يطلب الغنى أذله الله بالفقر، وإن كان يطلب الكرامة ألبسه الله المهانة، فلا كرامة إلا بالذلة بين يدي الله، ولا عزة إلا بالذلة بين يدي الله عز وجل، ولا استغناء إلا بالله الذي لا تنفد خزائنه، فعلى المرأة دائماً أن توطن نفسها على ذلك، وليس عند كل مشكلة تصيح في وجه زوجها: طلقني طلقني، هذا ليس من العِشرة بالمعروف، وليس من شيمة المرأة المؤمنة.
الطلاق لا يذكر في بيت مؤمنة، أبداً، بل تصبر وإن رأت خيراً حمدته، وقالت: الفضل كله لله، قيل لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما ابتليت ورأت الشدة والكرب وضاقت عليها الأرض بما رحبت في أعز شيء تملكه المرأة بعد دينها وهو عرضها، قذفت وأوذيت رضي الله عنها وأرضاها، فلما أوحي إليه عليه الصلاة والسلام ببراءتها، وبشرها عليه الصلاة والسلام بذلك، وبدت أسارير وجهه تبرق عليه الصلاة والسلام من الفرح بنصر الله لوليته المؤمنة؛ وبعد أن انتهت الآيات قيل لها: اشكري رسول الله، قالت: لا والله، بل أشكر الله، أول شيء وجهت وجهها لله سبحانه الذي كان معها نعم المولى ونعم النصير، فرسول الأمة جلس بين يديها وقال: (يا عائشة -كما في الصحيح- إن كنت أذنبت ذنباً فتوبي إلى الله واستغفريه) فتنة عظيمة، وشهر عظيم مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه الأسى والبلاء مما يجده عليه الصلاة والسلام في عرضه؛ لأنه أمر ليس بالهين، ومع ذلك ثبتت أم المؤمنين ذلك الثبات العظيم، الذي دل على أنها موقنة بربها، والشيء من معدنه لا يستغرب، فأبوها صديق الأمة رضي الله عنه وأرضاه، الذي باع نفسه وماله وأهله كله لمرضاة الله جل جلاله، وهذا كله لا يكون إلا بكمال التوحيد وكمال الإخلاص ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:101] من يعتصم من الرجال أو من الإناث أو من الأقوياء أو من الضعفاء ﴿ومَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:101] سلوة الدنيا وسرورها وبهجتها وحبورها كله مطلوب بالثقة بالله جل جلاله، فالمرأة دائماً تعود نفسها على هذا، فإذا جاءت المشاكل وواجهت زوجها بما يكره هنا تزداد المشكلة، فالمرأة تحسن التبعل لزوجها وتقوم على خدمته، وبعض الأزواج -أصلحهم الله- قد يكون فظاً، وقد يكون غافلاً عن بيته، وعلى كل مؤمن أن يتقي الله ويفكر في زوجته وهي بين أربعة جدران تغسل ثوبه، وتكنس بيته، وترعى صغيره، وتقوم على شئونهم؛ حتى يستطيع أن يعاملها بما تستحقه، وأن يكافئ معروفها، فيكون براً وفياً لها، فإذا كان الرجل جاهلاً بهذه الأمور فصاح في وجهها واستفزها وآذاها، فخرجت منها هذه الكلمات، فلا ينبغي لها هذا؛ لأنها تعلم علم اليقين أنها تعامل الله سبحانه وتعالى ولا تعامل زوجاً فقط، فإذا فعلت ذلك أنعم الله عيشها وأقر عينها وأسعدها في نفسها وبيتها، وجعل لها حسن العاقبة.
وعلى الرجل المؤمن دائماً أن يقوي صلته بالله جل جلاله، فإذا فعل ذلك فقد نعم عيشه وطابت حياته ولما ينتظره عند الله عز وجل أعظم وأجل؛ لأن القلوب إذا عاملت ربها أعظم جزاءها كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال:70].
فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا كمال الإيمان به، وصدق الالتجاء إليه، وصدق المحبة والرغبة فيما عنده، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى وسلم وبارك على نبينا محمد.

شرح زاد المستقنع -

باب تعليق الطلاق بالشروط [8]

تعليق الطلاق بحصول شيء كلي لا يقع إلا بحصوله كله ولا يقع ببعضه إلا إذا نوى ذلك البعض، وقد بين العلماء أدلة هذه الأحكام.
وكذلك إذا علق الطلاق على فعل شيء ففعله ناسياً أو جاهلاً اختلف فيه الفقهاء رحمهم الله، وبينوا الفرق بين الحكم الوضعي والحكم التكليفي في هذه المسألة ونظائرها.

تعليق الطلاق بحصول شيء كلي فلا يحصل إلا بعضه

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصلٌ: وإن حلف لا يدخل داراً أو لا يخرج منها، فأدخل أو أخرج بعض جسده أو دخل طاق الباب، أو لا يلبس ثوباً من غزلها، فلبس ثوباً فيه منه، أو لا يشرب ماء هذا الإناء، فشرب بعضه لم يحنث] عقد المصنف رحمه الله هذا الفصل لبيان جملة من المسائل التي تتعلق بتعليق الطلاق نفياً وإثباتاً على فعل شيء أو تركه، فمتى يصدق عليه أنه أخل يُحكم بوقوع الطلاق، ومتى لا يصدق عليه ذلك فلا يحكم بوقوع الطلاق، وهذا يتوقف على جملة من الصفات يعلق الطلاق على وجودها، وهذه الصفات قد يريد بها الكل أو يريد بها البعض فينظر في هذا الاسم الذي ذكره، هل يصدق على كل الشيء أو بعض الشيء؟ وهل الذي فعله الكل أو البعض؟ ثم بعد ذلك يُحكم بالوقوع وعدمه.
قال المصنف رحمه الله: (إن حلف لا يدخل داراً) فإذا قال: إن دخل بيت فلان فامرأته طالق، أو قال بالعكس: امرأته طالق إن خرج من بيته اليوم، أو نحو ذلك.
فإذا علق الطلاق على الدخول فلا بد من وجود الدخول على الصفة الكاملة؛ لأن الإنسان قد يدخل بكامل جسده وقد يدخل بعض جسده فقط، فهل امرأته تطلق بمجرد وقوع الدخول لبعض الجسد، أم أنها لا تطلق إلا إذا حصل الدخول الكامل للجسد؟ وهل الجزء يُنَزَّل منزلة الكل أو لا؟ نقول: إذا وقع الدخول للجسم كله فلا إشكال أن امرأته طالق؛ لكن لو أنه أدخل يده لاستخراج شيء من البيت فهل تطلق المرأة؟ وهكذا لو أنه أدخل رجله ثم تذكر ورجع ولم يُدخِل كلَّ جسده، فهل نحكم بالطلاق؟

الجواب

لا بد من دخول جسمه كاملاً، والجزء لا يأخذ حكم الكل، والشريعة أحياناً تعطي الجزء حكم الكل، وهذا بالسريان، أو بالتجوز في اللفظ، وأحياناً لا تعطي الجزء حكم الكل، فتعطي الجزء حكم الكل كما إذا قال: يدك طالق، فالحكم كأنه قال: أنت طالق؛ لأن الطلاق لا يتعلق بالجزء وحده، ولا يمكن إسقاط الطلاق الذي أثبته، فهنا يأخذ الجزءُ حكمَ الكل، ومن ذلك إطلاق الشرع للمسجد الحرام على مكة كلها، وكذا تسمية الصلاة بالسجدة، وتسميتها بالركعة، وهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، لكن هناك مسائل لا تعطي فيها الشريعة الجزء حكم الكل وهي كمسألتنا، ومثل: مسألة الاعتكاف لو كان معتكفاً في المسجد فأخرج يده فإنه لا يبطل اعتكافه؛ لأن الاعتكاف يبطل بخروج الإنسان من دون حاجة من المسجد، فلو أخرج يده أو رجله أو جزءاً من جسده ولم يخرج بكل بدنه فإنه لا يبطل اعتكافه، فلابد من وجود الكل تاماً على الوجه المعتبر حتى يُحكم بوقوع ما رتب المكلف وقوع الشيء عليه، وفي السنة ما يدل على أن الجزء لا يأخذ حكم الكل، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كما في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معتكفاً في مسجده، فكان يناولها رأسه وهو معتكف فترجله) فهذا يدل على أن الجزء لا يأخذ حكم الكل؛ لأنه لا يجوز للمعتكف الخروج من المسجد، كذلك ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لـ عائشة وهو معتكف: (ناوليني الخمرة، قالت: يا رسول الله! إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك) لأنه قال: ناوليني، ومعنى ذلك: أنها ستدخل يدها، ففهمت عائشة أنها ممنوعة جزءاً وكلاً، فقالت: يا رسول الله! -وهي فقيهة رضي الله عنها- إني حائض، فقال: (إن حيضتك ليست في يدك)، يعني: أنك إن أدخلت اليد لم يكن ذلك دخولاً للجسم كله، وهكذا هذه المسألة التي ذكرها المصنف فلا يحنث بإدخال بعض جسده.
ثم عندنا استصحاب الأصل أنها امرأته، ولم يقع الدخول على الوجه التام الكامل، والأصل عدم الطلاق، فإذا قال: امرأته طالق إن دخل بيت محمد فأدخل جزءاً من جسده لم يحكم بطلاقٍ امرأته حتى يدخل جسمه كاملاً ولو للحظة يسيرة، فإذا دخل جسمه كاملاً ولو لطرفة عين فإنه تطلق عليه امرأته، وأما دخول بعض الجسم فلا يوجب ذلك ثبوت الطلاق.
العكس لو قال: امرأته طالق لو خرج اليوم من بيته، فأخرج يداً أو أخرج رجلاً، أو أخرج رأساً، لم تطلق امرأته حتى يخرج بتمامه وكماله.
مسألة: لو قال: امرأته طالق إن خرج من البيت وكانت امرأته حاملاً، وشاء الله أن تضع في الساعة السادسة، وفي الساعة السادسة إلا عشرة أخرج الزوج جزءاً من بدنه من البيت، ثم خرج من البيت بعد الولادة، فحينئذٍ تعتد بعد الولادة لأن الطلاق وقع بعد الولادة، ولكن إن وقع خروج الجسم كاملاً قبل ولادتها ولو بلحظة فإنها تطلق قبل الولادة وقت خروجه من البيت، وتخرج من عدتها بالولادة؛ لأن المطلقة الحامل تخرج من عدتها بالوضع، فحينئذٍ إن خرج الزوج بكل جسده قبل الولادة ولو بوقت يسير فإنه يحكم بكونها أجنبية؛ لأنها خرجت من عدتها بالوضع، أما لو أخرج بعض جسده ثم وضعت ولدها ثم خرج بجسمه كله بعد وضعها لولدها فتستأنف عدتها بالحيض؛ لأن الطلاق وقع بعد الولادة.
والحاصل: أن الجزء لا يأخذ حكم الكل في مسألتنا؛ لأنه علق الطلاق على صفة الدخول فلا بد من وقوعها من الجسم كاملاً ولا يجزئ وقوع البعض، وكذلك الحال في الخروج.
(أو دخل طاق الباب) هو القوس الذي تكون فيه عضادتي الباب، فلو جاء رجل ودخل على فم الباب ووقف على نفس الطاق بحيث إن جسمه مسامت للطاق، هذا هو الحد، فإن جاوزه حصل الدخول الفعلي بحيث يخلف هذا الطاق وراء ظهره ويدخل، وإن خرج وخلَّف الطاق وراء ظهره خروجاً فقد خرج، فالعبرة بهذا الحد الفاصل الذي يعتمد عليه الباب ويسمى: طاق الباب، فإن جاوزه حكم بالطلاق دخولاً وخروجاً، وإن لم يجاوزه لم يحكم بوقوع الطلاق.
(أولا يلبس ثوبا من غزلها فلبس فيه منه) علق الطلاق على لبس ثوبٍ من غزل امرأته، أو غزل أخته، أو غزل أمه.
الخ.
واللبس هو: الدخول في الشيء، فلو حلف بالله أنه لا يلبس الثوب، فنام ووضع الثوب فوقه، لم يحنث؛ لأنه لم يدخل فيه؛ لأن اللبس حقيقته الدخول، ولو كان محرماً فأخذ الثوب ووضعه على كتفيه لم تلزمه الفدية؛ لأنه لم يلبس، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تلبسوا القمص، ولا العمائم) بحيث يقع الدخول الفعلي.
وفي هذه المسألة: إذا كان الثوب فيه شيء من غزل المرأة ولبسه فقد حصل الدخول، ولذا قال بعض العلماء: يحنث ولو كان فيه أقل ما يكون من غزل المرأة، واختار المصنف أنه لا بد وأن يكون منسوجاً من غزلها نسجاً كاملاً، فلو كان النسج في بعض الثوب أو كان في هذا الثوب شيء من غزلها فإنه لا يحكم بالطلاق على ما اختاره رحمه الله، فيعلق هذا على التمام والكمال، فلا بد وأن يكون الثوب منسوجاً كله من غزلها حتى يقع الطلاق وإلا لم يقع.
(أو لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه لم يحنث) الإناء ينقسم إلى قسمين: إناء كبير وإناء صغير، فالكبير الذي لا يمكن لمثله أن يشربه، فإذا كان الإناء صغيراً فعلى ما ذكر المصنف من أنه إذا قال الرجل: لا يشرب ماء هذا الإناء، فمعناه: إن شربه تاماً كاملاً وقع الطلاق، فلو شرب منه وبقي منه بقية ولو قليلة لا يقع الطلاق؛ لأنه علقه على شربه تاماً كاملاً، فالمسألة مبنية على ما تقدم من أنه لا يأخذ البعض حكم الكل.
أما لو كان الإناء كبيراً فإنه لا يقدر على شرب كل ما في الإناء لأنه أمر مستحيل، مثل أن يقول: لا يشرب ماء هذا النهر، فإنه لا يمكن شرب كل النهر وإنما المراد أن لا يشرب من النهر، فهذه قرينة تدل على أنه يريد الشرب من الإناء أو من النهر.
والطلاق تارة يعلق على الشرب، وتارة يعلق على المشروب، وتارة يعلق على الإناء نفسه، فقد يقصد بقوله: لا يشرب من هذا الإناء، المشروب الذي فيه، فلو شرب منه ولو بعضه فإنه يقع الطلاق عند بعض العلماء لأن (من) للتبعيض، إذا قصد المشروب الذي داخل الإناء؛ لأن الإناء لا يُشرب وإنما يشرب الذي بداخله، فإذا قال: لا أشرب من هذا الإناء وقصد البعض فإنه لا يحنث إلا بالبعض، وإذا كان مراده: كل الإناء، فحينئذٍِ يرد فيه التفصيل ما بين الكبر والصغر، وأما إن قصد الإناء نفسه أنه لا يشرب منه، مثل أن يختصم مع رجل وقال له: امرأتي طالق إن شربت من إنائك، فيبقى الطلاق معلقاً على وقوع الشرب من الإناء سواءً كان فيه ماء أو غير ماء؛ لأن العبرة بالإناء نفسه، بغض النظر عن الذي يكون فيه، فإذا شرب من الإناء حكم بالطلاق.
إذاً: تارة يقصد بالامتناع عن الشرب من إناء مخصوص، وتارة يقصد نفس الشراب الذي في الإناء، فإن قال: والله ما أشرب من ماء هذا الإناء، ووضع في الإناء شراب برتقال أو لبناً لم يحنث، ولم يقع الطلاق؛ لأنه خصص فقال: من ماء هذا الإناء، وقصد الماء فلا ينصرف إلى غيره.
الخلاصة: أنه تارة يقصد الإناء نفسه، فحينئذٍ يقع الطلاق بأي مشروب في هذا الإناء سواء كان ماءً أو غيره، وتارة يقصد الماء الموجود في الإناء فيفصل بين أن يقصد تمام الإناء أو بعض الإناء، كما لو وجدت قرينة تدل على أنه يريد البعض، وتارة يقصد الأمرين سواءً كان في الإناء مشروب من الماء المسمى، أو كان غيره، فحينئذٍ يقع بأي واحد من الأمرين، سواء كان فيه شراب أو غيره وسواء استتمه أو لم يستتمه، فيحكم بوقوع الطلاق.

من علق الطلاق على فعل شيء ففعله ناسيا

ً قال المصنف رحمه الله: [وإن فعل المحلوف عليه ناسياً أو جاهلاً حنث في طلاق وعتاق فقط] النسيان: ذهاب الشيء عن بال الإنسان فلا يتذكره، والناسي إذا ذُكِّر يتذكر غالباً، وهذا من النقص الذي جعله الله عز وجل في بني آدم، ويعتبر النسيان من الأعذار الموجبة للتخفيف، فرحم الله العباد بإسقاط المؤاخذة عنهم حال النسيان، والنصوص في هذا واضحة في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:286] وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عن الله عز وجل أنه لما دعا المؤمنون بهذا الدعاء قال الله: (قد فعلت) أي: لا أؤاخذكم إن نسيتم أو أخطأتم، وقال عليه الصلاة والسلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والإجماع منعقد على أن النسيان عذر، لكن في الشريعة تفصيل في هذا العذر: ففي بعض الأحيان يوجب سقوط المؤاخذة عن الإنسان من حيث الإثم ومن حيث التبعية، فلا يؤاخذ بضمان، وذلك في حق الله عز وجل خاصة، مثال ذلك: لو تطيب الحاج ناسياً، ثم تذكر فغسل الطيب فلا شيء عليه في أصح قولي العلماء رحمهم الله ولا يأثم؛ لأنه لم يقصد وضع الطيب، وإنما الآثم هو الذي يمنعه ربه فيعتدي حدود الله وهو مستشعر هذا الاعتداء، أما هذا فهو ناسٍ وليس عنده إرادة العصيان لله عز وجل في هذا الشيء، فلا يحكم بإثمه من هذا الوجه، فأسقط الله عنه المؤاخذة، وهذا يسمى: سقوط المؤاخذة، وأما الضمان فإنه يسقط عنه، ولا تجب عليه الفدية عند الشافعية والحنابلة، أما عند الحنفية والمالكية فتجب عليه الفدية، يقولون: يسقط عنه الإثم ولا يسقط عنه ضمان حق الله عز وجل، والصحيح: قول الشافعية والحنابلة، فمن تطيب ناسياً أو غطى رأسه ناسياً أو لبس مخيطاً ناسياً ثم أزال ذلك لما تذكر فإنه يسقط عنه الإثم وتسقط عنه المؤاخذة.
وبعض مسائل العبادات والمعاملات يجب فيها ضمان الحق على الناسي إذا وقع في خلل، فيسقط عنه الإثم لمكان النسيان، ولكن يجب عليه ضمان الحق، خاصة في حقوق الناس، مثال ذلك: رجل استدان من آخر ألف ريال ثم نسي هذه الألف نسياناً كلياً، وتخاصما عند القاضي فقال: هل لفلان عليك شيء؟ قال: لا، ليس عندي شيء، قال: ألك بينة؟ قال: ما عندي بينة، قال: أتحلف اليمين؟ فحلف اليمين، فهو حلف بالله أنه ليس عنده شيء؛ لأنه لم يتذكر، ويجوز للإنسان أن يحلف على غالب ظنه ويقينه، فهو لم يتذكر أن لفلان عنده شيء، أو ظن أنه قد قاضاه، ثم بعد سنة أو سنوات تذكر أن لفلان عنده ألف ريال، فهذا النسيان يسقط عنه الإثم في حلفه، ويسقط عنه الإثم في القضاء، ولكن يجب عليه ضمان الألف الريال، مع أن القاضي قد حكم أن ذمته بريئة، فلا يسقط هذا الحق، ويجب عليه أن يضمن الحق لصاحبه، فيرد الألف ريال للشخص الذي استدانها منه، فهذا في حق المخلوق، وكذلك يجب عليه ضمان الحق في حق الخالق كما لو صلى ركعة من صلاة الصبح وظن أنه قد صلى الصبح تامة، ثم تذكر بعد طلوع الشمس أنه لم يصل الصبح، فهو معذور، ولكن لما تذكر يجب عليه ضمان حق الله عز وجل فيتوضأ ويصلي ولو خرج الوقت كما في الحديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك).
فهذه قاعدة: (إذا ألزمت الشريعة الناس بالضمان فهذا من باب الحكم الوضعي، وإذا أسقطت عنهم المؤاخذة فهذا من باب الحكم التكليفي)، والحكم الشرعي: إما حكم تكليفي وإما حكم وضعي، فمن حيث إسقاط المؤاخذة من جهة التكليف لا يحكم بإثم، ولذلك قال بعض العلماء: الناسي ليس بمكلف أثناء النسيان، فيسقط عنه الحكم من جهة الجانب التكليفي، لكن من جهة الجانب الوضعي لا يسقط عنه؛ لأن الشريعة أوجبت على الإنسان ضمان الحق بكل وجهٍ، فيضمن الحقوق لأهلها، وكونه ناسياً ثم يتذكر فإنه يعذر أثناء النسيان لكن بعد النسيان يجب عليه الضمان، فالنسيان والخطأ إذا ألزمت الشريعة فيهما بضمان فهذا من باب الحكم الوضعي.
مثال: لو أن رجلاً رأى طيراً وأطلق سلاحه ليصيده فأصاب شخصاً فقتله، فهذا خطأ مثل النسيان وكلاهما عذر، لكن يجب عليه أن يضمن دية هذا الشخص وأن يكفر كفارة قتل الخطأ، مع أنه خطأ، لأن الشريعة آخذته من باب الحكم الوضعي وليس من باب الحكم التكليفي، فالشريعة أوجبت الضمان لوجود القتل، بغض النظر عن كونه قاصداً أو غير قاصد.
مسألة: إن قال: إن دخلتُ الدار فامرأتي طالق، أو نسائي طوالق، ثم نسي هذا التعليق بالطلاق ودخل وهو ناسٍ، فهل يؤاخذ أو لا يؤاخذ؟ قال طائفة من العلماء: لا شيء عليه ولا يقع عليه الطلاق، وقال طائفة من العلماء: يؤاخذ في الطلاق وفي العتاق، قالوا: إن الطلاق أمره على الخطر حتى أن جده جد وهزله جد، والشريعة جعلت هذا اللفظ موجباً للمؤاخذة، فنحن نؤاخذه ولو كان ناسياً، وهذا الذي اختاره المصنف رحمه الله في الطلاق وفي العتاق كذلك، كما لو علق عتق عبده على دخول داره ثم نسي ودخل الدار ناسياً فإنه يحكم بعتق عبده؛ لأن النسيان لا يوجب سقوط العتق والطلاق؛ لأنه من باب الحكم الوضعي لا من باب الحكم التكليفي.

تعليق الطلاق على فعل شيء لم يفعل إلا بعضه مع النية

قال المصنف رحمه الله: [وإن فعل بعضه لم يحنث إلا أن ينويه] وإن فعل البعض لم يحنث إلا أن ينوي ذلك البعض، إذا قال مثلاً: لا أشرب من هذا الإناء، وقصد أي شيء يصدق عليه أنه شرب، فلو احتسى حسوات أو حسوة من الإناء بما يصدق عليه أنه شارب حكم بوقوع الطلاق، لأنه نوى ذلك البعض.
مثال آخر: قال: امرأتي طالق إن دخلت دار محمد، ونوى أن لا يدخل يده، وأن لا يدخل رجله، وأن لا يدخل أي جزءٍ منه، فيلزمه الطلاق بدخول البعض.

من حلف على فعل شيء يتجزأ فلا يبرأ إلا بفعله كاملا

ً قال المصنف رحمه الله: [وإن حلف ليفعلنه لم يبرأ إلا بفعله كله] يعني: إن حلف أن يقوم بشيء فإنه لا يحكم بوقوع الطلاق إلا إذا كان الشيء تاماً كاملاً، ولا يقع على البعض، فإذا قال: امرأته طالق إن بنى الجدار، أو بنى بيتاً، فعلق الطلاق على وجود البناء، فلو بنى بعض الجدار أو بعض البيت ولم يتمه لم يحكم بطلاق امرأته إلا بعد تمام البناء.
فلو ابتدأ بناء البيت في شهر وانتهى بعد ثلاثة أشهر وتوفي، فإنه أثناء البناء في الأشهر الأولى هي لا تزال في عصمته، ثم بعد تمام البناء حصل الطلاق وتوفي، فإذا وقع موته قبل تمام البناء فقد مات وهي في عصمته؛ لأنه علق ذلك على وجود البناء، والبناء لم يتم عند موته فهي في عصمته، لكن إن قلنا: يقع الطلاق على أقل شيء يتحقق به البناء، فبمجرد ما يقع ذلك البعض تخرج من عصمته وتكون امرأته مطلقة، ثم يفصل في ميراثها سواء كانت رجعية أو بائنة.

الأسئلة

حكم من علق الطلاق على فعله لشيء ثم وكل غيره أن يفعله

السؤال

لو قال: إن فعلت كذا فزوجتي طالق فوكل غيره أن يفعل ذلك الفعل، فهل تطلق؟ وهل الأصيل والوكيل بمنزلة واحدة أم لا؟

الجواب

باسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فهذا الأمر فيه تفصيل، هناك كلمات ينزل فيها الوكيل منزلة الأصيل، مثل أن يقول: والله لا أبني داراً، أو يقول: إن بنيت الدار فامرأتي طالق، ومعلوم أنه لا يبني بنفسه، وإنما يأمر غيره بالبناء، فإذا أمر غيره بالبناء وفعل البناء غيره، فإنه حينئذٍ يحكم بوقوع الطلاق؛ لأن هذا معلوم بداهة.
وأما إذا كان مراده بالفعل أن يفعله بنفسه فلا يقع الطلاق إلا إذا فعله بنفسه، والمعول في ذلك على الصيغة التي يذكرها، ولكن الأصل أن الوكيل ينزل منزلة الأصيل والله تعالى أعلم.

حكم قياس طلاق الناسي على المكره

السؤال

هل يمكن القول بأن الأصح عدم وقوع طلاق الناسي قياساً على عدم وقوع طلاق المكره، بجامع أن كلاً منهما غير مختارٍ لذلك بقلبه، وغير متعمدٍ له؟

الجواب

الأصل يقتضي أن المكره يقع طلاقه، لكن جاء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا طلاق في إغلاق) وجاء القياس القوي: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:106] فاختلف الوضع، وثبتت الرخصة للمكره، وإلا فالأصل يقتضي وقوعه، والهازل لا يقصد الطلاق، ولم يدر بخلده أنه يطلق زوجته، ومع ذلك طلق عليه الشرع زوجته، ولم يعتبر ذلك رخصة له، وجعل هزله جداً، وهذا يدل على خطر الطلاق، فكل باب نعمل فيه الأصول التي وردت وهدي الكتاب والسنة فيه، فلما كان أمر الطلاق - كما يقول العلماء- على الخطر استنباطاً من نصوص الكتاب والسنة فإنه حينئذٍ إذا طلق ناسياً كما اختار المصنف رحمه الله وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، أنه يمضي عليه طلاقه، والله تعالى أعلم.

من علق الطلاق على الخروج من البيت فهل تستثنى الضرورة

السؤال

إن علق الطلاق بخروجها من البيت فهل يستثنى من ذلك لو طلبت الضرورة كمرضٍ أو نحوه؟

الجواب

الحكم عام، سواءً خرجت لضرورة أو بدون ضرورة؛ لأن العبرة بالخروج، إلا إذا كان مراده أن تخرجي -مثلاً- لحفلة معينة، أو تخرجي إلى مناسبة معينة، فما كان مقيداً يقيد بتقييده، والله تعالى أعلم.

حكم من قصد بتعليق الطلاق الزجر

السؤال

إذا قال الزوج لزوجته: إن فعلت ذلك فأنت طالق قاصداً زجرها فلم تفعل ذلك، وانتهت المصلحة التي قصدها من وراء الزجر فهل يذهب حكم الطلاق أم لا؟

الجواب

بينا هذه المسألة: قصد الزجر، وهذا كله لا تأثير له، المؤثر عندنا أنه علق الطلاق بينه وبين الله على وقوع شيء، وهذا مذهب جماهير السلف ومنهم الأئمة الأربعة رحمة الله عليهم، فمن علق الطلاق على فعل أو ترك فنغض النظر عن كونه قاصداً أن يفعل أو يترك، فهذا الذي بينه وبين الله، والشريعة أعطته الطلاق معلقاً وأعطته الطلاق منجزاً، فإن شاء طلق امرأته، وإن شاء أبقاها، فإذا أقدم على الأحموقة -كما قال ابن عمر رضي الله عنه- فارتكب الأحموقة وجعل طلاقه معلقاً على شيء ألزمناه ما تلفظ به؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:2] وهو قد تقحم هذا الحد من حدود الله، فإن الطلاق من حدود الله، فإذا تعدى هذا الحد وألزم نفسه ما لم يلزمه الشرع؛ فإنه يلزم بما التزم، وهذا لا إشكال فيه فإن الأصل الشرعي دالٌ عليه.
فنقول: إذا علق طلاقه على فعل شيء أو ترك شيء فإنه ملزمٌ بهذا التعليق ويبقى التعليق على إطلاقه إلى الأبد، إلا إذا وجد ما يدل على التقييد والتخصيص، كأن يكون ذلك في حال خصومة معينة، وانقضت في الحال وبينه وبين الله تقييدها بهذا، أو كان الظرف الذي علق عليه من الظروف التي تنشأ وترتب على أحوال معينة، وقصد حالة دون أخرى، فحينئذٍ يتقيد بذلك القيد، والله تعالى أعلم.

حكم العدة بعد الطلقة الأولى في الطلاق المتتابع

السؤال

في انسحاب الطلاق وتواليه ألا يُحتاج إلى عدة بعد الطلقة الأولى، وذلك في قوله: كلما طلقت فأنت طالق؟

الجواب

إذا كانت في عدتها فهي رجعية والرجعية ينسحب عليها الطلاق، والرجعية يصح طلاقها وظهارها، فبناءً على ذلك: ينسحب ولا يشترط أن تنتهي من عدة الطلقة الأولى حتى تقع الطلقة الثانية، فلو قال لها: أنت طالق، بعد دخوله بها، فهي الطلقة الأولى، فإذا طلقها الثانية أثناء عدتها وقع عليها الطلاق، فالرجعية تأخذ حكم الزوجية من حيث تعلق الطلاق بها، وسيأتينا -إن شاء الله- بيان هذه المسألة في الأحكام المترتبة على الرجعة.

حكم حج المرأة عن الرجل

السؤال

هل للمرأة أن تحج عن الرجل؟

الجواب

لا بأس أن تحج المرأة عن الرجل والرجل عن المرأة؛ لأن الوكالة في الحج لا يشترط فيها اتحاد الجنسين، والدليل على ذلك: أن المرأة الخثعمية رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذنته في الحج عن أبيها فأذن لها، فدل على أنه لا بأس أن يحج الذكر عن الأنثى والعكس، ولا يشترط اتحاد الجنسين وهذا بإجماع العلماء رحمهم الله، والله تعالى أعلم.

كيفية حج الحائض

السؤال

كيف تحج الحائض؟

الجواب

كما قال صلى الله عليه وسلم: (اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) فلا تطوف بالبيت، ولا تسعى بين الصفا والمروة على اشتراط أن يكون السعي بعد الطواف على ظاهر السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أوقع سعياً إلا بعد طواف في حجه وعمرته، فتحتاط لهذا وتؤخر السعي، فتؤخر طوافها وسعيها، ثم يفصل فيها: إذا كانت مفردة؛ فالأمر يسير لأنها تمضي إلى عرفات وتبيت في مزدلفة، ثم ترمي جمرة العقبة، ثم تتحلل، ولا تنزل تطوف طواف الإفاضة لأنها لم تطهر، وتنتظر إلى طهرها ثم تطوف بالبيت وتسعى، وحينئذٍ تم حجها.
وإذا كانت قارنة فالقارنة مثل المفردة تذهب مباشرة إلى عرفات وتؤدي مناسك الحج، والعمرة تدخل تحت الحج في القران، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لـ عائشة (اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) وكانت قارنة، والدليل على أن عائشة حجت قارنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة كافيك لحجك وعمرتك) وبالإجماع أنها ما تحللت بعد عمرتها، وأنها ما فعلت عمرة قبل حجة الوداع، فدل على أنها انقلبت قارنة.
وإذا كانت متمتعة، فلا بد أن توقع عمرتها قبل الحج، فحينئذٍ ننظر: إن كان طهرها قبل الوقوف بعرفة، فإنها تبقى على إحرام العمرة ولا ترفضها، ثم إذا طهرت نزلت وطافت بالبيت وسعت وتحللت، ثم مضت إلى عرفات وأتمت النسك وهي متمتعة وعليها دم التمتع.
وأما إن كان الوقت الذي قبل الوقوف بعرفة لا يسع لطهرها، ولم تطهر قبل الوقوف بعرفة فتنقلب من التمتع إلى القران، وتصبح قارنة، فتذهب إلى عرفات، ثم تؤدي مناسك الحج، حتى إذا طهرت نزلت وطافت طواف الإفاضة وسعت سعي حجها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) وقد كانت أهلت عائشة بعمرة، ففي الصحيحين أنها لما جاءت سرف -وهي ما يسمى اليوم النوارية- حاضت، فدخل عليها صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، فقال: (ذاك شيء كتبه الله على بنات آدم، اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) لأن قدومه عليه الصلاة والسلام كان في رابع ذي الحجة، وحينئذٍ لا تتمكن من طوافها قبل الوقوف بعرفة، وما طهرت إلا بعد يوم النحر، ولذا قال العلماء: إنها انقلبت إلى القران، فدل على أن المرأة إذا أهلت بعمرة ولم تطهر قبل وقوفها بعرفة فإنها تنقلب إلى القران ويلزمها دم القران، والله تعالى أعلم.

ميقات المقيم في مكة إذا ذهب إلى أهله ثم رجع للحج

السؤال

من كان يدرس في مكة طيلة العام وليس من أهلها، وأراد أن يذهب لمدينته ثم يرجع لأداء الحج، فهل يلزمه إذا مر على ميقاته أن يحرم منه، أم أنه من أهل مكة ويكفيه الإحرام منها؟

الجواب

هذا السؤال فيه تفصيل: إن كان خروجه إلى بلده أو أهله قبل دخول أشهر الحج، ثم دخل إلى مكة قبل دخول أشهر الحج فحينئذٍ يهل بالحج من مكة وحكمه حكم أهل مكة؛ لأنه لم يدخل عليه ميقات الحج الزماني وقد تعلق بالميقات الأبعد المكاني.
وأما إن كان خروجه من مكة بعد دخول شهر شوال ثم دخل مكة من أي جهة من الجهات الآفاقية فإن حكمه حكم أهل تلك الجهة التي دخل منها، لا يدخل إلا بعمرة، أو يدخل حلالاً وإذا جاء الحج خرج إلى الميقات الذي مر به، والسبب: أنه مر بالميقات يريد الحج بعد دخول زمانه فلزمه ذلك الميقات، لقوله عليه الصلاة والسلام: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة) فحينئذٍ يقال له: إما أن تدخل بعمرة تتمتع بها إلى أن يأتي الحج وتهل للحج بمكة وأنت متمتع وعليك دم، أو تدخل حلالاً ثم إذا جاء وقت الحج خرجت إلى هذا الميقات وأحرمت منه، والله تعالى أعلم.

كيفية تحديد الميقات عند الحج عن الغير

السؤال

سائلة تقول: والدي من سكان بدر، وتوفي وأنا من سكان مكة، وأردت أن آتي بحجة عنه فهل يلزمني أن أذهب إلى ميقات سكن والدي؟

الجواب

الحج عن الميت ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون الميت مفرطاً وعليه الحج وتساهل وقصر، فاختار جمعٌ من العلماء أن يُحج عنه من الموضع الذي قصر منه؛ لأنه كان واجباً عليه أن يحج منه، قالوا: إذا كان مستطيعاً في ميقات فإنه أبعد يبدأ من الميقات الأبعد؛ لأن البديل يأخذ حكم الأصيل، والقاعدة: (أن البدل يأخذ حكم مبدله) فلو كان حياً ألزم أن يحرم من ذلك الميقات، فإذا فرط فيه لزمه الحج من الميقات الأبعد.
لكن إذا كان حجك عن والدك تطوعاً منك، حيث إنه لم يقصر رحمه الله وأردت أن تحجي عنه؛ لأنه لم يحج، فتهلين من مكة، ويجزئك أن تحرمي عن الوالد من بيتك، وهذا من بره، والله تعالى أعلم.

حكم أخذ الأجرة في الحج عن الغير

السؤال

رجلٌ محتاجٌ إلى مال وعليه دين فهل يجوز أن يتوكل عن أحدٍ ويحج عنه مقابل مبلغٍ من المال، وما بقي من هذا المال يسد به حاجته وديونه؟

الجواب

أوصيكم ونفسي دائماً أن لا يدخل الإنسان أمور الدنيا في الدين، فالله عز وجل أحل لعباده الطيبات، وأحل لهم المكاسب التي يتوصل الإنسان عن طريقها إلى الحلال، فيستغني الإنسان بربه، إذا كان يريد الدنيا فسوقها معروف، وإذا أراد الآخرة فليسعى لها سعيها وهو مؤمن، أي: مخلص موحد ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:19] انظر كيف قال الله: (أولئك) وهو اسم إشارة يدل على علو الدرجة وكما قال: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:69] ثم قال: (كان) وهي تدل على الدوام والاستمرار، ثم ذكر السعي، ولم يقل: كان منهم ذلك مشكورا، بل قال: ﴿كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ أي السعي: الذي سعوه بتوحيدٍ وإخلاص مشكور من الله عز وجل، فنعم السعي ونعم الساعي.
فإذا أردت أن تتاجر في الدنيا فسوقها معروف، وأحل لك ربك التجارات، وأباح لك الطيبات، فأما الحج فصنه عن الأخذ والعطاء والبيع والشراء، ولا تجعل الحج سلعة تزايد عليها وتساوم عليها، والصحيح عند العلماء: أنه لا يصح أن يحج عن الغير مقاطعة، أي: يقول له: أعطني خمسة آلاف ما زاد لي وما نقص أكمله لا يجوز هذا؛ لأنه بيع وشراء بالعبادة.
والواجب عليه أن يأخذ أجرة تبلغه الحج، فيكون خرج إلى الحج من أجل الحج، ولم يجعل حجه وعبادته ومشاعره مساوماً عليها بالدنيا، فهذه يراد بها وجه الله، وما جعل الحج ولا جعلت المناسك ولا جعل البيت ولا جعلت الصفا والمروة إلا لوجه الله جل جلاله، وأنت تقول: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، فالإنسان يخرج لوجه الله عز وجل، وابتغاء مرضاة الله عز وجل، يخرج بحجٍ خالص لوجه الله سبحانه وتعالى، لا للدنيا التي يريدها.
وصحيح أن الله أحل لنا أن نبتاع ونشتري في الحج لكن هذا وقع تبعاً وما وقع أساساً وأصلاً، أما شخص يقول: أنا ما أحج إلا لما تعطيني خمسة آلاف ريال، فمعناه: أن الخمسة الآلاف هي التي أخرجته، وجعلت همته للحج قوية.
والواجب على المسلم أن يتقي الله عز وجل، وأن يعلم أن المال إذا أُخذ بالدين فإنه منزوع البركة، وأن يعلم أن هذا المال الذي يأخذه قد يؤثر على عبادته وقد يؤثر على صلاته، وقد يؤثر على خشوعه، فعليه أن يتقي الله عز وجل.
فلا تجعل الحج محلاً للبيع والشراء، وارفع نفسك عن المساومة في شيء أراده الله لوجهه خالصاًَ لا شريك له.
فإذا أردت الحج عن الغير من أجل طاعة الله، تقول: أنا إنسان ما عندي نفقة ومحتاج وأريد شيئاً يبلغني الحج، فهذا يدل على أنك مشتاق إلى ذكر الله، مشتاق أن تكون مع الذاكرين ومع الملبين ونفسك تتقطع حرقة أن تحرم هذا الخير، فتقول: أعطني ما يبلغني بيت الله عز وجل، ما يبلغني الوقوف في هذه المشاعر، من أجل أن تذكر الله وحده لا شريك له، ثم تأتي وترد له ما زاد ولا تريد منه ديناراً ولا درهماً وإنما تريد وجه ربك وحده لا شريك له، إن فعلت ذلك طبت وطاب ممشاك وكان أجرك على الله عز وجل، ومن كان أجره على الله فقد تولى الله أمره والله نعم المولى ونعم النصير.
فعلى الإنسان أن يكون مخلصاً في كل شيء وفي العلم أيضاً، ولذلك قالوا: العالم يكون عالماً إذا لم يتكبر على من دونه، أي: لم يتعاظم على من دونه، ولم يحتقره، ولم يتعال على من فوقه، أي: لم يشوه من فوقه من العلماء فلا ينتقصهم أو يختبرهم، أو يحتقرهم، ولا يأخذ على علمه أجرا، فإذا فعل هذا طاب علمه وزكى، فأمور الآخرة لا تطيب ولن تطيب ولن يتقبلها الله إلا إذا أريد بها وجهه سبحانه وتعالى، وإذا فعل العبد ذلك تولى الله جزاءه، وتولى الله أجره في الدنيا والآخرة، فعلى الإنسان أن يتقي الله عز وجل.
ولذلك ما رأينا أحداً أدخل الدنيا في الدين إلا وجد شؤم ذلك في دنياه قبل أن يلقى ربه في آخرته، ووالله ما وجدنا شيئاً ينزع البركة مثل إدخال الدنيا في أمور الدين، والعبث بهذا الدين، سواءً في دعوة الإنسان، سواءً في علمه، سواءً في قراءته، في توجيهه، في نصحه، في وعظه، في خطبه.
فالواجب على المسلم في كل شيء أن لا يدخل الدنيا في أمور الدين، ولا يجعلها أكبر همه، وأن يراقب قلبه ويخاف الله عز وجل فلو قيل له: لا نعطيك شيئاً، مضى لوجه الله أشد حرصاً مما لو أعطي من الدنيا.
على المسلم دائماً أن يجعل الآخرة أكبر همه، ومبلغ علمه، وغاية رغبته وسؤله، وإذا فعل ذلك زكى الله عز وجل أمور دينه، ولذلك تجد البركة والخير في بعض مبتدئي طلبة العلم، عندما يطلب العلم وليس في قلبه إلا الله سبحانه وتعالى، قد يكون فقيراً، وقد يكون محتاجاً، وقد يكون مديوناً، وقد يكون مكروباً منكوباً مهموماً مغموماً ويصبر السنوات ثم بإخلاصه يفضل ربه عليه فيبدد همه، وينفس كربه، ويزيل غمه، ويقضي دينه، ويعلي درجته، ويحسن عاقبته، ويزكي ما يقوله وما يعمله.
والله لن تجد من ربك إلا كل خير، متى ما أصلحت قلبك لله عز وجل، ودائماً في كل كلمة تقولها، وفي كل عمل تعمله من أمور الآخرة اطعن في نفسك بأنك ما أردت وجه الله، حتى تبلغ درجة المخلصين الصادقين فعندها يستقيم قولك، ويطيب عملك وترى ما الذي سيعطيك الله من خير الدنيا قبل الآخرة، ومن أراد أن يرى ذلك جلياً فلينظره في صفوة الله عز وجل من خلقه من الأنبياء والرسل الذين أحسن الله عواقبهم في الأمور كلها، وجعل لهم عز الدين والدنيا والآخرة بإخلاصهم وتوحيدهم لله عز وجل، فما كانت الدنيا أكبر همهم، ولا مبلغ علمهم، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه: (ما أحب لو أن عندي مثل أحدٍ ذهباً)، جبل أحد الذي يقارب ثلاثة كيلومترات، وهو من أضخم الجبال وأكبرها يقول لـ أبي ذر: (يا أبا ذر! هل ترى أحداً؟ فنظرت إلى الشمس) وأحد يُرى من المدينة من ضخامته، يقول له هذه الكلمات تعليماً لكل مسلم، ونزعاً لهذه الدنيا من القلوب حتى لا تدخل على الدين فتفسده وتفسد صفاء القلب وإخلاصه؛ لأنها فتنة عظيمة، فيقول له: (يا أبا ذر! هل ترى أحداً؟ قال: فنظرت إلى الشمس، وأظن أنه سيبعثني إلى أحد، فقال: هل ترى أُحداً؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: ما أحب لو أن عندي مثل أحدٍ ذهباً - ليس فضةً بل ذهباً - تمسي عليَّ ثالثة أو رابعة) تصوَّر! ثلاثة كيلومترات كلها ذهب، ما قال: يمسي علي يوم واحد؛ لأنه ما يستطيع أن يوزعه في يوم واحد، فهو الصادق عليه الصلاة والسلام ولا يبالغ قال: (ما أحب لو أن عندي مثل أحدٍ ذهباً تمسي عليَّ ثالثةٌ أو رابعةٌ وعندي منه دينارٌ أو درهم)، نُزِعت الدنيا بالكلية من قلبه عليه الصلاة والسلام، فلم يبالِ بها، كان بيته عليه الصلاة والسلام حجرة لا يستطيع أن يسجد وأم المؤمنين رضي الله عنها مضطجعة حتى تقبض رجلها من ضيق هذه الحجرة؛ ولكن وسعه الله بالإخلاص والتوحيد، ووسعه الله بإرادة وجهه سبحانه وتعالى، وبما فيه من النور والحكمة، ولما يتلى فيه من آيات الله والحكمة، فالدنيا هينة، ومن أخلص عمله جاءته الدنيا صاغرة.
ووالله ثم والله ما عاملتَ الله بصدق إلا صدقك ربك، وثق ثقة تامة بذلك، واقرأ في سير العلماء، ونحن نشهد الله ونشهد ملائكته، ونشهد خلقه أجمعين أننا ما رأينا من الله في هذا العلم وفي هذا الدين إلا كل خير، وأن الله سبحانه وتعالى أعطانا وأولانا وأكرمنا وأحسن إلينا فوق ما كنا نرجو، وفوق ما كنا نأمل، وفوق ما كان يدور بخيالنا.
فما عليك إلا أن تخلص لله عز وجل، وإياك أن تدخل الدنيا في أمر من أمور دينك فيفسد عليك دينك.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الإخلاص لوجهه، وابتغاء ما عنده، وأن يجعل الآخرة أكبر همنا ومبلغ علمنا وغاية رغبتنا وسؤْلِنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

تعليق طلاق الرجل لزوجته على سرقتها لماله

السؤال

إذا قال الرجل لزوجته: إن سرقت مالي فأنت طالق، فسرقت غير النقود، فهل تأخذ حكم المال فتطلق؟

الجواب

المال يطلق على كل شيء له قيمة، فكل شيء له قيمة فهو مال، ولا يختص المال بالذهب والفضة، والناس تظن أن الأموال خاصة بالذهب والفضة، ولكن نصوص الشريعة دلت على أن المال عام شاملٌ لكل شيء له قيمة، لما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من صاحب مالٍ لا يؤدي زكاته) ثم ذكر الذهب والفضة، والإبل، والبقر، والغنم، فسمى الإبل والبقر والغنم مالاً، فدل على أن المال لا يختص بالذهب والفضة.
وكذلك ثبت في الصحيح من حديث الأعمى والأقرع والأبرص أن الأعمى قال للملك لما جاءه في صورة الفقير: (كنت فقيراً فأغناني الله، وكنت أعمى فرد الله علي بصري، فدونك الوادي فخذ من مالي ما شئت، فقال الملك: أمسك عليك مالك، فقد أنجاك الله وأهلك صاحبيك) فقال: (أمسك عليك مالك)، مع أن ماله غنم، فدل على أن المال لا يختص بالذهب والفضة، ولذلك يقولون: المال كل شيء له قيمة.
وقالوا: سمي المال مالاً؛ لأن النفوس تميل إليه وتهواه رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مالُ ومن ليس عنده مالُ فعنه الناس قد مالوا الناس لا تميل إلا لمن عنده مال، فسمي المال مالاً؛ لأن النفوس تميل إليه وتهواه وتحبه، فلا يختص بالذهب والفضة، فإذا قال لها: إن سرقت من مالي، وقصد الذهب والفضة نفعته نيته؛ لأن هذا تخصيص، ونيته نافعة فيما بينه وبين الله عز وجل، وأما في القضاء فإنه إذا قصد التخصيص وبين نفعه ذلك وحكم به.
والله تعالى أعلم.

شرح زاد المستقنع -

باب

التأويل

في الحلف التأويل منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم، ومن التأويل المذموم الغلو في تحميل النصوص القرآنية ما لا تحتمل، اعتماداً على نظريات قد تكون صحيحة، وقد تكون خاطئة، وهذا المسلك الجديد له آثاره السيئة.
أما التأويل في الحلف بالطلاق فقد يكون جائزاً دفعاً لظلم الظالم وهو من رحمة الله بعباده، ومن تيسيره عليهم، وقد اعتنى علماء الإسلام بهذا الباب وبينوا أحكامه ومسائله، وفي هذا الدرس بيان لذلك.

التأويل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب التأويل في الحلف].
التأويل عند العلماء: صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر، فاللفظ له معنى في ظاهره ومعنى في باطنه، ويحتج بالمعنيين، لكن المعنى القوي هو الظاهر، والمعنى الخفي هو المستتر، فالمتأول يصرف الكلام عن ظاهره إلى معنى مغاير مغيب في باطنه، وهذا التأويل يقع في النصوص وينقسم إلى قسمين: تأويلٌ محمود، وتأويل مذموم.

التأويل المحمود

أما التأويل المحمود: فهو تأويل النص بنص يصرفه عن ظاهره إلى معنى آخر، فحينئذٍ نقول: إن هذا التأويل تأويل محمود، مثال ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) (لا وضوء) يحتمل: لا وضوء صحيح، ويحتمل: لا وضوء كامل، فلما وجدنا كتاب الله عز وجل لا يأمر بالتسمية مع أنه أمر بالتسمية عند الذبح والذكاة فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:118] ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:4] فلما وجدناه في الوضوء وهو من أجل العبادات وأعظمها -لأنه مفتاح الصلاة- لم يأمر بالتسمية فيه فهمنا أن معنى: لا وضوء أي لا وضوء كامل، فصرفنا (لا وضوء) من نفي الصحة إلى نفي الكمال، ووجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما في حديث عثمان في الصحيح- يتوضأ وضوءاً تاماً كاملاً، ولم يذكر عثمان أنه تلفظ بالتسمية جهرة، أو اطلع على تسمية منه، فقال: إنه توضأ نحو وضوئي هذا، وهذا يدل على أن الأفعال كانت دون ذكر ودون أي قولٍ، فهذا يدل أيضاً على أن المراد بالحديث الأول: لا وضوء كامل، فيصرف النص من ظاهره الراجح إلى معناه المرجوح؛ لأن الأصل أن نحمله على أنه: لا وضوء صحيح.
مثال آخر: (لا إيمان لمن لا أمانة له) لا نقول لا إيمان يعني أنه -والعياذ بالله- كافر بالكلية، كما يقوله الخوارج، وإنما نقول: إنه إذا كان خائناً للأمانة فقد انتقص من دينه وإيمانه على قدر خيانته -نسأل الله السلامة والعافية- فيؤول ويصرف الحديث عن ظاهره لوجود نصوص أخرى تدل على أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر، فهذا تأويل، لكنه تأويل محمود؛ لوجود نصوص يعرفها العلماء الراسخون والأئمة المهتدون المهديون، فهؤلاء إذا أولوا نصاً وصرفوه عن ظاهره فإننا نقبل هذا التأويل، ولا نلجأ للتأويل إلا عند وجود نصوص أخرى تصرف النص الأول عن ظاهره.
مثال آخر: (لا يدخل الجنة عاق) لو أخذ على ظاهره لكان معناه أن العاق في النار: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:7] فإذا أخبر أن العاق لا يدخل الجنة فمعنى ذلك أنه في النار؛ لأنه لا يوجد منزلة بين المنزلتين.
فهذا الحديث يؤول على وجوه: الوجه الأول: لا يدخلها في الدخول الأول الذي يكون لأهل الجنة السابقين؛ لأنهم يخرجون من عرصات يوم القيامة فيدخلون الجنة، وأما أهل الكبائر فإنهم إذا شاء الله يدخلون النار تطهيراً ثم ينقلون إلى الجنة، فحينئذٍ يكون الدخول هو دخول التشريف والتكريم؛ ولا يمنع من دخولهم الجنة بعد أن يطهروا من كبائر الذنوب، فكأن العاق -والعياذ بالله- موعودٌ بالعذاب لا محالة.
الوجه الثاني: قال بعض العلماء: المعنى: أنه لا يوفق لحسن الخاتمة -نسأل الله السلامة والعافية- ولا يختم له بخاتمة أهل الإيمان، فيكون المراد: أنه لا يوفق، فلا يدخلها حقيقة؛ لأنه يختم له -والعياذ بالله- بخاتمة الكفار، وهذا قد يقع استدراجاً، فحينئذٍ لا تتعارض النصوص؛ لأنه إذا ختم له بخاتمة السوء فلا إشكال.
الوجه الثالث: أنه محمول على الوعيد، كما اختاره سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله وكان يقول: هذا محمول على الوعيد الشديد، وحينئذٍ لا يكون على ظاهره.
هذا كله تأويل؛ لوجود نصوص أخرى تدل على أن الكبائر لا تستوجب الخلود في النار أبداً، وإنما تستوجب دخولها تطهيراً إن لم يعف الله عن العبد؛ لأن مرتكب الكبائر عند أهل السنة والجماعة تحت مشيئة الله، إن عذبه الله فبعدله، وإن عفا عنه فبمحض إحسانه وكرمه وفضله ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:23] ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:41].
الشاهد أن هذا تأويل، لكنه تأويل بنصوص وأدلة، فهو تأويل محمود.

التأويل المذموم

أما التأويل المذموم فهو: العبث بنصوص الكتاب والسنة بالأهواء والآراء والاجتهادات التي لا تنبني على أصول صحيحة يقوى معها صرف اللفظ عن ظاهره، فهذا التأويل تلاعب بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحبه مطموس البصيرة؛ لأنه يعطل نصوص الكتاب والسنة ويلعب بها، كما يفعل بعض المتعصبة الذين يتعصبون لأئمتهم ولمشايخهم، فيعتقد أحدهم أن شيخه لا يمكن أن يخطئ، وكأنه نبي معصوم، فكلما جاء نص مخالف لشيخه لم يقبله وقال: هذا النص فيه وفيه وفيه، فيأتي بتأويلات وتكلفات وتعسفات، تترك بها نصوص الكتاب والسنة، وترمى والعياذ بالله وراء الظهور، فهذا إن لم يتداركه الله عز وجل برحمته فهو على خطر عظيم، ولذلك تجد أمثال هؤلاء محرومين من هدي الكتاب والسنة؛ لأنهم أعملوا فيها المعاول ففسدت أفهامهم وأعمالهم.
والواجب على المسلم أن يكون وقافاً عند الحق، وأن يكون الحق أحب إليه من كل أحد؛ لأن الله فرض علينا اتباع الحق ومحبته ولزومه، وبين أنه لا نجاة للعبد إلا بهذا الحق، وأن السماوات والأرض ما قامتا إلا من أجل الحق وللحق، فينبغي لكل مسلم أن يكون عنده تجرد.
إذاً: التأويل المذموم هو: صرف للنصوص والتلاعب بها بالأهواء والآراء، وهو مصادمة لحجج الله البينة الميسرة المنيرة، وإذهاب لنورها وبهائها، وإن كان نورها لا يذهب ولا ينطفئ أبداً، فالحق يعلو ولا يعلى عليه.

الإعجاز العلمي والتعسف في فهم القرآن

ومن التأويل المذموم: إسقاط آيات من كتاب الله عز وجل على النظريات التي لا أصل لها، والتلاعب بنصوص كتاب الله عز وجل، وتكلف الإعجاز فيها بشيء لا يمت إلى هدي الكتاب والسنة ولا إلى هدي السلف -في تفسير كتاب الله عز وجل- بصلة.
فمثل هذا لا يجوز، سواء كان في العلوم الطبيعية من طبٍ وهندسة أو في غيرها.
وقد سمعت بعض من ينتسب إلى الإعجاز يقول في قوله الله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق:19] يقول: إن هذا في صعود القمر، ولا يشك مسلم أن هذا تلاعب بكتاب الله؛ لأن الله أقسم فقال: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق:19 - 19] أي: (والله لتمرن) يقسم الله جل جلاله أنكم لتمرن يا معشر الكفار، ويا معشر المؤمنين، بأحوال الآخرة طبقاً عن طبق، وطبقاً بعد طبق، ستمرون بالقبور وعرصات القيامة، فهذا الأمر هو الذي وقعت فيه الخصومة، وهو الذي كذب به المشركون وردوه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءت به آيات القرآن، فمن قال: (المراد بها صعود القمر لأننا ما نصعد القمر إلا إذا اتسق) فقد تلاعب بكتاب الله عز وجل وقال على الله بغير علم.
فالحذر الحذر من مزالق الشيطان فقد يوقعك في القول على الله بدون علمٍ وبدون حجة.
وينبغي لكل مسلم أن لا يقبل مثل هذه التفاسير، بل يعتمد على تفسير الأئمة والعلماء، وخاصة أئمة السلف؛ لأن كتاب الله فسر، ومرت هذه القرون كلها وكتاب الله يفسر بهذا التفسير البين الواضح النير، الذي لا إشكال فيه، فاتبع سلفك الصالح، ودع الأمور المحدثات.
ثم لو أننا رأينا نظرية من النظريات فجربنا كتاب الله عليها، ولوينا نصوص الكتاب لتوافق هذه النظرية، ثم تبين بعد عشرات السنين أنها خطأ!! ماذا يقول الناس؟ وماذا يقال عن كتاب الله عز وجل؟ نحن نعلم علم اليقين أن الله سيري عباده آياته، فلا نتأول كتاب الله بمثل هذه التأويلات، أما إن وجدت أدلة واضحة مثل علوم الأجنة وعلوم الطب التي وجد أنها تدل عليها نصوص الكتاب والسنة فنفرح بهذا؛ لأنه عزٌّ وحجة ودلالة على صحة هذا الدين وصدقه، ولكن لا نبالغ، فإن الغلو في الأشياء يوجب الشر؛ والله يقول: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:171] فلا نبالغ في هذه الأمور، ولا نتكلف التأويل.
بعض هؤلاء يتبجح فيرد كلام العلماء الأوائل، ويقول: كانوا يفهمون كذا وكذا، كأنه يسخر بهم ويتهكم بهم، حتى أني سمعت من يشار إليه بالبنان في الإعجاز يتهكم على تفسير حبر الأمة وترجمانها عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه، فلا بارك الله في من تهجم عليه، فينبغي الحذر من مثل هذه الأمور.
وما كان محتملاً فعلينا أن نقول: إن هذا يحتمل كذا، فنورده بكل أدب؛ لأنه لا يوجد نص يدل عليه، والسلف لهم فهمهم وهذا الشيء الذي نورده إذا كان نص كتاب الله يحتمله فينبغي أن نتأدب مع السلف ونبين ما يحتمله التأويل والنظر، ولكن دون أن نغلو أو نبالغ، فإن الغلو لا خير فيه، وكل شيء جاوز حده انقلب إلى ضده، وأعداء الإسلام يريدون منا مثل هذا، يريدون أن نشكك في السلف الأوائل، ومعلوم أنه إذا تكلم أحد بمسألة في الإعجاز من أجل أن يقنع كافراً، فقد لا يقتنع الكافر حتى يلج الجمل في سم الخياط.
فلماذا يطعن في أئمة السلف؟! وما هي الفائدة؟! بل إن الكافر الذي تجاوره قد يعجب بهذا الطعن فيحاول أن يخرج شيئاً جديداً ويدعي به خطأ الأوائل، فمن كان يظن أنه قد أحسن في هذا، فالواقع أنه قد أساء.
فالحذر كل الحذر من هذه التأويلات! والحذر الحذر من التهكم على سلف الأمة، فالسلف والعلماء رحمهم الله هم أعلم الناس بتفسير كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهم أعلم بمواطن التنزيل، وخاصة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أعلم بلسان العرب ومدلولات هذا اللسان.
فعلينا أن نأخذ الحيطة من هذه التأويلات والتفسيرات الجديدة، ونحن لا نقول بردها كلها ولا نقول بقبولها كلها، وإنما نعرضها على كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكل شيء أسفر كتابُ الله عليه دليلاً قبلناه.
ثم الله يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ﴾ [فصلت:53] ما قال: في القرآن بل قال: (فِي الآفَاقِ)، وأراهم الله آياته، وانظر كيف ينظرون إلى الآيات من فوقهم ومن تحتهم، وعن يمينهم وعن شمالهم، ومن أمامهم ومن خلفهم، وفي أنفسهم، ومع ذلك لم تزدهم إلا إعراضاً وصدوداً، وهذه هي الحقيقة التي أثبتها كتاب الله عز وجل، فلماذا نلهث وراء هؤلاء، بل ونتكلف في ذلك حتى نرد على سلف الأمة وأئمة الإسلام على حساب أمثال هؤلاء الذين لا يدخلون الإسلام إلا بإعجاز، وقد يخرجون منه بأدنى شبهة؟! يقول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج:11] بعض من يتأثر بهذه التأويلات ويبالغ فيها إذا أصابته أقل فتنة انقلب على وجهه: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:11].
فالواجب الحذر من التأويلات في كتاب الله أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلينا أن نلتزم بمنهج السلف والصحابة، فإذا سألك الله يوم القيامة: لم فهمت هذه الآية على هذا الوجه؟ قلت: فهمت هذه الآية بآية أخرى -لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً- أو بقول رسولك عليه الصلاة والسلام، أو بقول حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعا له صلى الله عليه وسلم بفهم كتاب الله عز وجل، وفُتِح عليه بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثله ثقة يرضى ويؤتمن على دين الله عز وجل.
فالمقصود: أن التأويلات المذمومة ترد سواء كانت في العلوم الشرعية أو كانت في المعارف الطبيعية، والتأويل صرف النص عن ظاهره إلى معنى آخر، والمعنى الآخر معروف بالمعنى الباطن، وعند الكلام يقصدون الظاهر ولا يقصدون الباطن إلا بقرينة، يقول مثلاً: رأيت أسداً فوق جمل، هل الأسد يركب على الجمل؟ لا، فنفهم من هذا أنه رأى رجلاً شجاعاً وصفه بأنه أسد، أو يقول: أتيت المسجد فاغترفت من بحر، ويقصد عالماً على منهج الكتاب والسنة رآه بحراً، علمه غزير فاغترف منه، أو يقول: أتيت فلاناً وسألته حاجتي فوجدته بئراً لا تكدره الدلاء، والعرب عندهم أن البئر إذا كان ماؤها قليلاً ونُزِح منها تغيرت، لكن إذا كان ماؤها كثيراً لم تتغير، ولو اغترف منها ما اغترف يبقى الماء صافياً من كثرته، فالكريم الجواد الذي ماله لا يقطعه عن أحد، إذا جئته وسألته المرة الأولى، ثم المرة الثانية، ثم المرة الثالثة، ثم المرة الرابعة، يفرح بمجيئك؛ لأنه يحب الإحسان، ولا يعرف قبض يديه، لكن البخيل إذا جئته لا تنال المرة الأولى منه إلا بشق الأنفس، وأما المرة الثانية فيقفل بابه، فلذلك تعبر العرب عن هذا المعنى بالبئر الذي لا تكدره الدلاء، يعني: أنه رجلٌ يعطي ويعطي ولا تؤذيه كثرة المسألة، ولا كثرة الإلحاح، وذلك من كرمه، فلما تقول: أتيت فلاناً فوجدته بئراً! هل الرجل يصير بئراً؟! لا، فهذا صرف للفظ عن ظاهره، لأنك لا تريد بئراً حقيقياً ولا تريد دلواً حقيقياً وإنما تريد معنى باطناً.

المعاريض في الكلام للحاجة

وكما أن التأويل في النصوص محمود ومذموم، فكذلك التأويل في الكلام، فقد تكون محقاً في تأويلك، تستخدمه عند الحاجة، مثل أن تدفع عن نفسك ظلم ظالم، فتأتي بكلامٍ تقصد شيئاً ومن يسمعك يفهمه على المعنى الذي يريد، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (نحن من ماء) فكل إنسان مخلوق من الماء: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:6] فصار من سمعه يقول: أي ماء؟ ماء بني فلان؟ ماء بني فلان؟ وصدق النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قال له: (نخبرك ممن نحن إن أخبرتنا) لأنه كان يخاف العيون فلما أخبرهم الرجل بما يريدون سألهم: ممن أنتم؟ -لأنهم كانوا ثلاثة- فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن من ماء) فأخبره أنه مخلوق من ماء، وهذا نوع من التورية، وفي الأثر: (إن في التورية لمندوحة عن الكذب).
فقد تبتلى ببلاء فجعل الله لك فسحة في الخروج من هذا البلاء بالتورية، مثلاً: قرع على بابك رجل يعطلك عن عبادة، أو أنه يغتاب الناس، نمام، فيه شر، فتريد أن تبتعد عن شره، فيقول ابنك أو البواب الذي على الباب: خرج إلى الصلاة، لكن ما قال: لم يعد، وفعلاً أنت قد خرجت إلى الصلاة ورجعت.
كان إبراهيم النخعي سيداً من سادات التابعين، وإماماً من أئمة السلف رحمه الله برحمته الواسعة، وكان عنده جارية فإذا جاءه الثقيل الذي يشغله عن العلم، ويشغله بغيبة الناس يستئذن عليه خط دائرة على الأرض، وتضع أمته أصبعها في الدائرة وتقول: والله ما هو فيها -يعني: ليس في الدائرة- فيسمع الذي في الخارج: ما هو فيها؛ فيظن أنها تعني أنه ليس في البيت، وإنما مرادها ليس في الدائرة.
وكان مهنا من أصحاب الإمام أحمد رحمه الله عنده توريات، فكان إذا استأذن أحد يريد الإمام أحمد أو يريد المروزي من خيار أصحاب الإمام أحمد وكان مهنا يحبه ولا يحب أن يشوش أحد عليه أو يشغل الإمام عنه فكان يقول: إن المروزي ليس هنا، ويضع إصبعه على كفه، يعني: ليس في كفه وهذه تورية.
كذلك أيضاً قالوا: من أمثلة ذلك: أن يكون مظلوماً يحلَّف بالطلاق، فيقول -مثلاً: نسائي طوالق، ويعني بنسائه: محارمه، أخته وأمه وبنته وعمته وخالته، وهن طوالق، ولا يقصد نساءه اللاتي في عصمته، ومن أمثلتها قول: جواريَّ معتقات، أو: أعتقت جواريّ، والمراد بالجواري: السفن التي يملكها؛ لأنها جوارٍ في البحر، أو يقول -مثلاً-: والله ما رأيت فلاناً كأن يكون هناك شخص يريد أن يقتل آخر ظلماً، فإذا قلت: إنك رأيته، تكون قد دللت عليه ويحصل الضرر، فتريد أن تنقذ نفساً محرمة -كما ذكر الإمام ابن قدامة وغيره من الأئمة- فتقول: والله ما رأيت فلاناً وتقصد برأيت: الضرب على الرئة، أي: ما ضربته على رئته وكذلك تقول: والله ما ذكرت فلاناً، أي: ما تكلمت بذكره، وما ذكرته في مجلس، فهذا كله يقول النبي صلى الله عليه وسلم عنه: (إن في التورية لمندوحة عن الكذب).
لكن على طالب العلم أن يحذر من هذا، وعلى العالم أن يحذر من التوريات خاصة مع العوام فمن يسيء الفهم سيقول: الشيخ يكذب، والإمام يكذب؛ لأنه قد يفهم خطأ، فلذلك ينبغي استعمالها بحذر، فهي سلاح ذو حدين؛ فالإنسان إذا لم يحتج إليها ولم يكن مظلوماً ولم تكن هناك ضرورة فعليه أن يبتعد عنها ما أمكن.
ولا شك أن الصدق كله خير وبركة، لكن الله وسع على العباد، فهذا من التوسعة والرحمة على العباد، وفيه حديثٌ صحيحٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في التورية لمندوحة عن الكذب) وهي التي تسمى بالمعاريض، وكان عليه الصلاة والسلام يفعل هذا حتى في المزاح، وقد أمسك صحابياً من وراء ظهره فقال: (من يشتري مني هذا العبد؟ فقال: إذاً تجدني كاسداً، قال: إنك عند الله لست بكاسد) وهذا من ملاطفته عليه الصلاة والسلام، وقال لامرأة لما شكت زوجها: (زوجك الذي في عينه بياض، فقالت: لا يا رسول الله! إنه مبصر)، ظنت أنه يقصد أنه أعمى، فقال: (يا أمة الله! كل عينٌ فيها بياض).
وقال ملاطفاً لعجوز: (لا تدخل الجنة عجوز، فبكت فقال لها: ألم تسمعي قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ [الواقعة:35]) فهذا كله من الكلام الذي لا يراد ظاهره، وإنما يراد به معانٍ أخرى، اقتضت جلب المصلحة أو درأ المفسدة، فتجوز هذه التورية، وهذا في الحقيقة من عظمة هذا الدين؛ لأنه: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:195] فاللسان العربي اختار الله له أشرف كتبه وأفضلها وهو القرآن، ومن عظمة هذه اللغة أنها تحتمل المعاني العديدة، ومن هنا أجمع العلماء على عدم جواز ترجمة القرآن حرفياً؛ لأنه ليس هناك لسان بهذه السعة، وبهذا الإعجاز العجيب البديع الغريب الذي يتضمن ما تتضمنه هذه اللغة، فلا يستطيع المترجم مثلاً أن يترجم: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:187] لا يستطيع أن يترجمها بلسان آخر مع إبقاء المعاني الجميلة البديعة الموجودة فيها، وهكذا قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:223] لو ترجمت حرفياً إلى لسان آخر لكانت غير واضحة، فيحتاج في ترجمتها إلى جمل عديدة، حتى يبين هذا المدلول، ولا يمكن أن يوجد في لسان مثلما يوجد في اللسان العربي من المعاني العجيبة، والكلمة الواحدة ربما جاء فيها أكثر من عشرة معانٍ، وهذا من سعة اللغة، ومن هنا كانت المعاريض والمندوحات بشيء يحتمله اللفظ جائزة.

التأويل في الحلف

يقول المصنف رحمه الله تعالى: [باب التأويل في الحلف.
ومعناه: أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره]: أي: في هذا الموضع أبين لك جملة من المسائل في الحلف بالطلاق، أو ذكر الطلاق المعلق على شيء يقصد منه الحالف شيئاً غير اللفظ المذكور، وهذا الباب بابٌ مهم من أبواب الطلاق، اعتنى به الأئمة رحمهم الله على اختلاف المذاهب: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة رحمهم الله، حتى إن الظاهرية أشاروا إلى جملة من مسائله لأهميته وورود السنة بالإذن به.
وهو سعة ورحمة من الله عز وجل بعباده، فإن الإنسان قد يُظلم ويُطلب منه أن يطلق زوجته ويعلق طلاقها على أمرٍ ما، وهو مظلومٌ فيه، وربما أكره على أن يتكلم بالطلاق، أو يعلق طلاق زوجته على فعل شيء أو ترك شيء، فمن رحمة الله عز وجل أن جعل للعباد فرجاً ومخرجاً فيقول كلاماً وينوي شيئاً آخر، وحينئذٍ يكون للمطلِّق ظاهرٌ وباطن، فظاهره يدل على وقوع الطلاق إن اختل أمره، وباطنه أنه لا يقصد ذلك الظاهر الذي تلفظ به.
وقد تقدم بيان التأويل، وما هو مراد العلماء رحمهم الله به، وأن المقصود به: أن ينوي الإنسان شيئاً في قرارة قلبه ويتلفظ بكلامٍ يحتمل الذي نواه، وحينئذٍ يكون السامع قد فهم شيئاً والمتكلم يريد شيئاً آخر، وإذا كان التأويل في الطلاق، فمعنى ذلك أن السامع يظن أنه مطلق، والواقع أنه لا يقصد إيقاع الطلاق، بما قصده من ذلك التأويل.
وبينا أمثلة التأويل وصوره التي ذكرها العلماء رحمهم الله، وهذا من سعة اللغة العربية، فإن الله سبحانه وتعالى جعل هذا اللسان واسعاً، ومن هنا ساغ للمكلف أن يتلفظ بألفاظٍ يسمعها السامع ويظنها شيئاً ويريد المتكلم بها شيئاً آخر.
وبينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل هذه الرخصة ونبه الأمة عليها فقال في الحديث الصحيح: (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب) فبين عليه الصلاة والسلام أن المؤمن يستطيع أن يتخلص من الكذب -الذي هو من أقبح الأمور وأشنعها- بالتورية.
والتورية: أن يورِّي فيأتي بكلامٍ محتمِل فيقصد باطنه والسامع يظن ظاهره.
يقول رحمه الله: (باب التأويل في الحلف) أي باب التأويل في مسائل الطلاق خاصة في التعليق، أي سأذكر لك جملة من المسائل والأحكام التي تتعلق بالتأويل في الحلف في الطلاق.
وبين أن معناه أن يأتي بلفظٍ ولا يريد ظاهره، ومعنى ذلك أنه يشترط في اللفظ أن يكون محتملاً، يقول: جواري، ومراده السفن، لأنها تجري، وقد أخبر الله عز وجل عن ذلك ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ [الشورى:32] فيقول: جواري عتيقات، أو يقول: نسائي طوالق مني، ومراده بالنساء محارمه الذين هن لسن بزوجاته، ففي هذا مندوحة للإنسان إذا أكره وألجئ إلى الطلاق، وهذا من رحمة الله ولطفه بعباده.
قال المصنف رحمه الله: [فإذا حلف وتأول يمينه نفعه إلا أن يكون ظالماً] أي حلف على شيءٍ وكان حلفه بلفظٍ محتمل فقال: امرأتي طالق مالك عندي شيءٌ، أي إن كان عندي شيء فامرأتي طالق، فهذا ظاهر اللفظ، ومراده بالمال مالٌ معين، وكان الذي استحلفه بهذا المال ظالماً جائراً عليه يدعي أن له عنده حقوقاً والواقع أنه ليس له عنده حقوقاً، فألجأه أن يحلف بالطلاق، مثلاً: شخص قوي وعنده قوة قال له: أعطني العشرة الآلاف التي عندك قال له: أظن أنني سددتها لك، أعطيتها لك، قال: إذاً احلف بأن نساءك طوالق أو امرأتك طالق إن كنت لم تدفع لي هذه العشرة الآلاف أو إن كانت هذه العشرة الآلاف عندك، فحلف بطلاق زوجته أنه ما له عنده شيء، وقصد مالاً غير النقد التي هي العشرة الآلاف، أو قصد أنه ماله عنده شيء من ناحية الحق الثابت وهذا من حقه، أو قصد شيئاً آخر غير الذي فهمه سواء كان في عين المال، أو كان في صفة المال وحاله، فكل ذلك ينفعه إلا أن يكون ظالماً.

شروط التأويل في الحلف

إذاً: شرط التأويل أن لا يكون الحالف ظالماً، فإن كان ظالماً أو مغتصباً لحقوق الناس وحلف أنه ما اغتصب أو أنه ما سرق، أو أن شخصاً أعطاه أمانة فخانها -والعياذ بالله- فحلف أنه ما خان، وقصد التورية، فإن ذلك لا ينفعه.
إذاً: للتأويل شرطان: الشرط الأول: أن يكون اللفظ محتملاً للتأويل الذي ذكره مثلاً يقول: ما لك عندي شيءٌ، ويقصد بما النفي فإن هذا ينفعه في الظاهر، أو يقصد بما الموصولة أي: الذي لك عندي شيءٌ فينفعه هذا التأويل لأن اللفظ محتمل.
الشرط الثاني: أن يكون غير ظالم في ذلك الحلف أو ذلك الطلاق الذي تلفظ به.

مسألة: إن حلفه ظالم على شيء فنوى غيره

يقول المصنف: [فإن حلفه ظالمٌ (ما لزيد عندك شيءٌ) وله عنده وديعة بمكة فنوى غيره، أو بما الذي، أو حلف ما زيد هاهنا ونوى غير مكانه، أو حلف على امرأته لا سرقت منه شيئاً فخانته في وديعة ولم ينوها لم يحنث في الكل].
حلفه ظالمٌ ما لزيدٍ عنده شيءٌ، وكان الحلف على المال، فحلف أن زوجته طالق إن كان له عنده شيء، ويقصد في المدينة، أو في جدة فإنه ينفعه؛ لأن الذي نواه في قرارة قلبه وقصده أنه ليس له عنده شيءٌ في موضعٍ والحال كذلك، فإذاً بر في حلفه، ولا يقع عليه الطلاق، وهذا إذا كان مظلوماً، أو يقول: ما لزيدٍ عندي شيء، وقصد بما الذي، أي: الذي لزيد عندي شيءٌ، وحينئذٍ يستقيم اللفظ، ويكون باراً بحلفه؛ لأن الواقع أن لزيدٍ عنده شيئاً لكنه مظلوم، فحلف بهذه الصورة ليتخلص ويدفع المظلمة عنه.
لماذا فرق بين كونه ظالماً أو مظلوماً؟ قالوا: إذا كان مظلوماً فمقصود الشرع أن يدفع الظلم عنه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) فمقصود الشرع دفع الظلم ورفعه عن الناس، ولا يجيز الشرع الظلم، كما قال تعالى في الحديث القدسي: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً) فإذا حلف لدفع الظلم عن نفسه فقد وافق مقصوده مقصود الشرع.
وقد قرر العلماء هذا الأصل كما أشار إليه الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه النفيس (الموافقات) وهو من أوائل العلماء وجهابذة أئمة الأصول الذين تكلموا على المقاصد والنيات، قال رحمه الله: (قصد الشرع من المكلف أن يكون قصده موافقاً لقصد الشارع)، قصد الشرع من المكلف في جميع أموره الباطنة أن تكون موافقةً للشرع، فهو لما نوى أن يدفع الظلم عن نفسه بنية غير التي تلفظ به؛ وافق مقصود الشرع من إحقاق الحق وإبطال الباطل، فهذه التورية جائزة غير جائرة، ومشروعة غير ممنوعة، مأذونٌ بها شرعاً، لأنها محققة لمقاصد الشريعة، فوسع الله بها على عباده، وقد أفتى بها بعض العلماء رحمهم الله، وصاحب التورية قد تنفعه ولا تؤثر في عصمة زوجته، ولا يقع الطلاق؛ لأنه نوى غير ما تلفظ به في الظاهر، وقال عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)، وأشكل في هذه المسألة حديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك) فدل على أن من حلف يميناً فإنه يقبل منه الظاهر ولا يقبل منه الباطن؛ لأنه على ما يصدقك عليه صاحبك، فدل على أن المسموع هو الذي عليه العمل وأن الذي وقعت عليه يمينه هو المعتبر، ولكن بين العلماء عدم التعارض وأن المقصود من هذه اليمين: اليمين في مقاطع الحقوق، وهي اليمين التي تكون في المظالم ويحلفها الإنسان في القضاء أو يحلفها في الخصومة والنزاع، ويعتقد أنه مصيبٌ فيما قال، وصائبٌ فيما ذكر، فحينئذٍ لا بد وأن تكون اليمين موافقة لما حلفه عليه القاضي؛ لأنه لو فتح هذا الباب لتلاعب الناس بالأيمان، وأصبحت يمين القضاء لا يتوصل بها إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل.
ومن هنا فرق العلماء في التورية بين أن يكون ظالماً وبين أن يكون مظلوماً، وفرقوا بين أن يكون محقاً وبين أن يكون مبطلاً، فقالوا: إذا نوى في قرارة قلبه غير الذي تلفظ به فيما إذا كان محقاً أو مظلوماً فإن ذلك ينفعه؛ لأنه بهذا الفعل احتال حيلة شرعية، وقد دلت النصوص في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم على صحة الحيلة الشرعية، وأنه مأذونٌ بها شرعاً، قالوا: فلو بقي الحديث: (يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك) على ظاهره لما استطاع المحق أن يصل إلى حقه، ولأمكن المبطل أن يصل إلى باطله؛ لأنه ألجأه إلى اليمين واضطره إليها من أجل أن يصل إلى الحرام، فمن هنا ضيق عليه وقيل: يكون مأذوناً له شرعاً أن يوسع على نفسه بأن ينوي غير ما تلفظ به ليدفع عن نفسه الظلم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (نحن من ماء) فجعل الرجل يقول: من ماء بني فلان، أو بني فلان، ومراد النبي صلى عليه وسلم بقوله: (نحن من ماء) ما ذكر الله عز وجل: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:6] وهذا يدل على أن الأمر به سعة، وأنه لا بأس بالتورية، وأنها جائزة.
[أو بما الذي] قال: امرأتي طالق ما لك عندي شيءٌ؛ لأنه إذا قال: ما لك عندي شيء أي الذي لك عندي شيء و (ما) بمعنى (الذي)، ومن فقه القاضي أنه لا يقبل من الخصم أن يقول لخصمه: ما لك عندي شيء؛ لأنه يحتمل أن يقول: ما لك عندي شيء، أي الذي لك عندي شيءٌ، وحينئذٍ تضيع حقوق الناس بهذه التورية فلابد أن يقول: ليس لك عندي شيءٌ، لأنه لا يستطيع أن يدخل في هذه الجملة تورية، وبناءً على ذلك لو قال له: بقيت لي عندك عشرة آلاف، قال: ما بقيت لك عندي عشرة آلاف، وهو ظالمٌ له بالعشرة آلاف، فقال له: احلف على طلاق زوجتك أنه ما بقي لي عندك شيء، فقال: زوجتي طالق ما لك عندي شيء، أي: العشرة الآلاف التي لك عندي هي لك عندي، فعلى هذا يكون المعنى صحيحاً، وما نواه في قرارة قلبه قد أصاب به، وتنفعه هذه التورية ولا تضره بشيء أبداً.
[أو حلف ما زيدٌ هاهنا ونوى غير مكانه] قال: امرأتي طالق ما زيد هاهنا، كان زيد مظلوماً؛ وهناك ظلم يريد أن يأخذه ليؤذيه أو يعرضه للحرام، أو مثلاً: هناك امرأة يعتدى عليها، فقال له: احلف أنها ليست في الدار، فحلف بطلاق زوجته أنها ليست في الدار وقصد امرأة غيرها، ينفعه ذلك لأنه يتوصل إلى إحقاق حقٍ وإبطال باطل، ودفع مظلمة عن مظلوم، وهذا موافق لنصوص الشرع، وبعض الأئمة -رحمهم الله- استعملوا شيئاً من التوريات في التخلص من الأذية والضرر.
ويسوغ ذلك إذا جاء شخص يستأذن للدخول عليك وأنت تعرف أن هذا الشخص جاء بمشكلة أو جاء في بلية أو فيه ضرر، فاستأذن؛ فلك أن تستعمل معه التورية، فإذا قال: فلان موجود؟ فيرد عليه الأهل: بقولهم: فلان خرج، ومرادهم أنك خرجت قبل ساعة، وكنت قد خرجت ذلك اليوم، لكن ما قالوا: لم يعد، بل قالوا: خرج إلى الصلاة، وأنت خرجت إلى الصلاة، فهذه تورية، أو يقول المجيب: غير موجود ويشير إلى الغرفة، يعني غير موجود في الغرفة، وكان إبراهيم النخعي إذا جاءه ضيفٌ ثقيل خط على الأرض دائرة، وكانت جاريته تجيب، وتضع أصبعها في الدائرة فتقول: ما هو فيها، يعني ليس في داخل الدائرة، وهو ليس داخل الدائرة بل خارج عنها، وهذه من توريات السلف رحمهم الله؛ لأنه في بعض الأحيان قد يكون في دخول الشخص ضرر عليه، إما أن يتسبب في قطيعة رحم، أو يكون مغتاباً نماماً، أو يكون عنده بلاء أو فتنة، فالمقصود أنك تريد أن تدفع الضرر عنك، أو أنت مرهق متعب، ومثله لا يرد، فيسوغ لك أن توري وإلا فمن حقك أن تمنعه من الدخول، وهذا حق من حقوقك، لكن ليس كل الناس يفهم هذا الحق.
وهنا ننبه أنه ينبغي أن لا يحرج المسلم أخاه المسلم خاصة في مثل هذه القضايا، هل فلان موجود أو غير موجود؟ ومن الأمور التي ضيعها كثير من الناس إلا من رحم الله السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستئذان، وفيها رحمة من الله عز وجل على عباده، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من استأذن ثلاثاً فلم يؤذن له فلينصرف) يعني: إذا قرعت الباب ثلاث مرات ولم يُجب أحد فيجب عليك أن تنصرف، فهذه هي السنة، وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لو أن الناس طبقوا هذه السنة لارتاحوا من كثير من الإحراجات، يستأذن ثلاث مرات فإذا لم يؤذن له انصرف؛ لأن الله أعطى صاحب الدار حقاً أن لا يخرج لمن جاءه، وإن كان من حق الزائر أن تكرمه، وأن تستقبله، لكن ربما جاء في وقت ليس من حقه أن يأتي فيه، وربما جاء وعندك ما هو أهم وأولى وأحق خاصة العلماء، والأئمة، والخطباء، ومن انشغل بمصالح المسلمين العامة، فهؤلاء ينبغي على من يزورهم أن يتقي الله فيهم، خاصة في الأوقات الحرجة قبل الدرس، أو قبل المحاضرة، حيث تكون وراءه أمة تريد أن تنتفع بعلمه، فيأتي أناس يجلسون معه ويضيعون عليه وقته، فهذا لا يجوز لما فيه من الإضاعة للوقت، ولما فيه من الإضرار والأذية، وقد حرم الله على الصحابة أن يبقوا بعد طعامهم مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ارتبطت به الأمة، وكان بعض العلماء يقول: هذا الأصل مطرد في غير النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن المعنى الموجود في النبي صلى الله عليه وسلم موجودٌ في غيره، فإن غيره من العلماء مبتلى بما ابتلي به عليه الصلاة والسلام، وإن كان هناك فرقٌ بين الاثنين، فربما كان العالم عنده محاضرة، أو كان عنده درس يفيد به الأمة فلا ينبغي أن يؤذى ويحرج بمثل هذه التوريات؛ لأنه إذا أحرج بهذه التوريات ثم خرج ورآه من وري له -خاصة إذا كان من الجهال- ظن أن أهله يكذبون، وظن أنه كذب، وحينئذٍ يقع في سوء الظن، ويقع في التهمة، وهو الذي أحرج نفسه، فلذلك ينبغي أن لا يحرج المسلم أخاه، هذا بالنسبة للخاصة وكذا للعامة، فإذا علمت أن أخاك له أوقات يُزار فيها تخيرت هذه الأوقات، وأخذت بالسنة، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:28] ليس هناك أبلغ ولا أكمل من كلام الله جل وعلا، وشهد الله من فوق سبع سماوات؛ أنك إذا اتقيت الله وانصرفت فإنه أزكى لك، وكان بعض العلماء يقول: جربت ذلك فوجدت الزكاة، حتى أني استحب في بعض الأحيان أن آتي للشخص وأستأذن عليه ويقول لي: لا أستطيع، لأني أبحث عن هذه الزكاة، وأبحث عن هذا الخير الذي شهد الله عز وجل به من فوق سبع سماوات: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:28]، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا التمسك بالسنة.
وعلى المسلم أن يحرص على مثل هذا لأنها تترتب عليها حقوق وأمور، فعليه أن لا يكون مؤذياً لإخوانه المسلمين وأن لا يحيجهم لمثل هذه التوريات في الزيارات، وكذلك في الخصومات، فربما يسأل الشخص أخاه عن أمرٍ ما، فيخبره أخوه بالأمر، فيشك في خبره، ويقول له: احلف بطلاق زوجتك، فلا يجوز أن يحرج الناس في

مسألة: إذا حلف على زوجته بالطلاق إن سرقت منه شيئاً فخانت الوديعة

[أو حلف على امرأته (لا سرقت مني شيئاً) فخانته في وديعة ولم ينوها لم يحنث في الكل] لو خاف منها السرقة فقال لها: تحلفين أنك لا تسرقين مني فحلفت أنها لا تسرق، أو قال لها: إن سرقت مني فأنت طالق، فهددها بالطلاق إن سرقت، ثم شاء الله عز وجل أنه احتاج إليها في يوم من الأيام وقال لها: خذي هذه العشرة آلاف وضعيها عندك وديعة أو أمانة، فأخذت العشرة آلاف فخانته فيها وتصرفت فيها، فحينئذٍ الذي حلف عليه أو علق الطلاق عليه هو السرقة وما قصد سرقة الودائع، وسرقة الودائع خيانات ولا تعتبر من السرقة؛ لأن السرقة شيء، والخيانة شيء آخر، فالوديعة خيانتها ليست سرقة شرعاً، ولذلك من خان الوديعة، فعلى الصحيح لا تقطع يده؛ لأنه ليس بسارق شرعاً، واختلف في جاحد العارية كما سيأتينا -إن شاء الله- في باب السرقة.
فإذا قال لها: إن سرقت مني شيئاً فأنت طالقٌ، فخانته في الوديعة، فإنها لم تسرق حقيقة إلا إذا قصد مطلق الخيانة، فإن قال لها: إن سرقتِ مني فأنت طالق، يعني: إن خنتني في أي مال أو شيء ائتمنتك عليه فأنت طالق؛ فحينئذٍ تطلق.
هذا بالنسبة لمسألة إذا حلفها على السرقة وحصلت منها خيانة الوديعة.

الأسئلة

حكم إحراج المسلم ليحلف بالطلاق

السؤال

لو قال المستحلف للحالف: احلف أن نساءك طوالق لو كان لي شيء عندك، فهل في ذلك خدشٌ في الإيمان إذا لم يرض المستحلف من الحالف أن يحلف بالله لو ألجأه إلى الطلاق أثابكم الله؟

الجواب

ذكرنا أنه ينبغي أن لا يحرج المسلم أخاه المسلم، إلا إذا كان الرجل كذاباً جريئاً على حدود الله وأنت محتاج إلى المال، ومتضرر بظلمه لك فأحببت أن تحرجه، أو كذب عليك في أمر عظيم، أو إنسان والعياذ بالله منتهك لحدود الله عز وجل، وجاء في قضية انتهك فيها حدود الله، وجاء يعبث مع رجلٍ صالح أو عالم أو صابر فأحب أن يردعه، فقال له: علق الأمر على طلاق زوجاتك، فربما يحلف الأيمان المغلظة والعياذ بالله ولا يبالي، لكن لو قال له: طلق نساءك يكون الأمر عنده أشد، فإن أحب أن يردعه ويزجره فهذه مقاصد معتبرة وهو مأجور إذا قصد إصلاحه، وقصد إحقاق الحق وإبطال الباطل، ولا بأس بذلك، لكن لا ينبغي أن يكون ذلك ديدن الإنسان، ولا ينبغي للزوج أن يدمر بيته ويشتت أهله، ويفرق جمعه بمثل هذه الأمور التافهة، ويقول له: أهلي عندي أكرم من أن أطلقهم على هذا الشيء، فينبغي أن يستشعر نعمة الله عليه بالزوجة، وإكرام الضيف لا يتم بطلاق الزوجات، وإحقاق الحقوق وإبطال الباطل لا يكون بمثل هذه الأمور، بل لها وسائل شرعية معروفة علينا أن نلتزم بها، وهذا الوارد في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا حلف اليمين نحن نصدقه، من حلف لنا بالله نصدقه على الظاهر، وفي الحديث قال: (يا رسول الله! الرجل فاجر ولا يبالي -يعني يحلف اليمين ولا يبالي- فقال صلى الله عليه وسلم: ليس لك إلا يمينه) فنحن نقبل ما قبل الله لنا، ومن حلف اليمين قبلنا منه، فإن فر من خصومه في الدنيا، وفر من جبار الأرض، فلن يفر من جبار السماوات والأرض، ولن يستطيع أن يفر من خصومه يوم القيامة إذا أُخِذ من حسناته أو أُخِذ من سيئات صاحبه والعياذ بالله فوضعت على ظهره، وحمل أثقالها بين يدي الله عز وجل، وعذب بها في عذاب الله عز وجل، نسأل الله السلامة والعافية.
فعلى كل حال لا ينبغي التساهل في مثل هذه الأمور وينبغي على الأئمة والخطباء توجيه الناس؛ لأن الناس يحتاجون إلى توجيه، وينبغي لكل إمام مسجد أن لا يمر عليه أسبوع إلا وله جلسة إمامية يذكر الناس بمثل هذه الأمور التي تقع في معاملاتهم، لما فيها من عظيم الأجر والثواب، فكم من بيوتٍ هدمت، وأسر شتتت، بسبب جهل الأزواج والزوجات بالحقوق الواجبة عليهم؛ لأن الناس لا يعلم بعضهم بعضاً، ولا يرشد بعضهم بعضاً، فهذه الأمور التي تقع من الطلاقات المعلقة سببها الجهل، فتأتي في أمور تافهة يعلق عليها الطلاق، فلو وجه الناس أن البيوت أمانة، وأن الزوجة أمانة، وأن الأولاد أمانة، وأنه حرامٌ على الإنسان أن يدمر أهله وبيته ويفرق جمعه، فمن الذي يرضى أن يدخل الضرر على أولاده وأقرب الناس إليه وأهله وحبه وزوجه، فينسى فضلهم عليه حتى يقول هذه الكلمة التي تكون سبباً في طلاق زوجته وذهاب أسرته؟ فهذه أمور كلها تحتاج إلى توجيه، فإذا لم يحصل التوجيه، والتعليم للناس عظمت الغفلة، ولا تذهب الغفلة إلا بالتذكير، وبتعاهد الأئمة والناصحون بارك الله في علومهم وبارك الله في نصائحهم وتوجيهاتهم، ولذلك العالم والشيخ والإمام إذا وجدت له جلسة في الأسبوع أو جلسة كل يوم بعد صلاة العصر يوجه فيها كلمة قصيرة للناس فيما يحتاجونه بعلم وبصيرة، تجد هذا الحي مباركاً فيه، قليل المشاكل، كثير العلم، كثير الفائدة، كثير النفع، والموفق من وفقه الله.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا في القول والعمل، والله تعالى أعلم.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
حكم قوله: (أنت طالق لرضا زيد)تعليق الطلاق برؤية الهلالالأسئلةمدة نفوذ مشيئة المرأة عند تعليق الطلاق بمشيئتهاالسؤالالجواباستئذان المرأة من زوجها عند خروجها في كل مرةالسؤالالجوابكيفية الإيجاب والقبول لمن تولى طرفي عقد الزواج بالوكالةالسؤالالجوابحكم جمع المسافر للصلاة بدون قصرالسؤالالجوابتقديم الحضور مبكراً للصف الأول على صلاة السنة في البيتالسؤالالجوابحكم تحجيج الزوج لزوجتهالسؤالالجوابالفرق بين: (عام مخصوص) و (عام مضاف إلى الخصوص)السؤالالجوابحكم طلب الزوجة الطلاق لأدنى مشكلةالسؤالالجوابباب تعليق الطلاق بالشروط [8]تعليق الطلاق بحصول شيء كلي فلا يحصل إلا بعضهالجوابمن علق الطلاق على فعل شيء ففعله ناسياتعليق الطلاق على فعل شيء لم يفعل إلا بعضه مع النيةمن حلف على فعل شيء يتجزأ فلا يبرأ إلا بفعله كاملاالأسئلةحكم من علق الطلاق على فعله لشيء ثم وكل غيره أن يفعلهالسؤالالجوابحكم قياس طلاق الناسي على المكرهالسؤالالجوابمن علق الطلاق على الخروج من البيت فهل تستثنى الضرورةالسؤالالجوابحكم من قصد بتعليق الطلاق الزجرالسؤالالجوابحكم العدة بعد الطلقة الأولى في الطلاق المتتابعالسؤالالجوابحكم حج المرأة عن الرجلالسؤالالجوابكيفية حج الحائضالسؤالالجوابميقات المقيم في مكة إذا ذهب إلى أهله ثم رجع للحجالسؤالالجوابكيفية تحديد الميقات عند الحج عن الغيرالسؤالالجوابحكم أخذ الأجرة في الحج عن الغيرالسؤالالجوابتعليق طلاق الرجل لزوجته على سرقتها لمالهالسؤالالجوابالتأويلالتأويل المحمودالتأويل المذمومالإعجاز العلمي والتعسف في فهم القرآنالمعاريض في الكلام للحاجةالتأويل في الحلفشروط التأويل في الحلفمسألة: إن حلفه ظالم على شيء فنوى غيرهمسألة: إذا حلف على زوجته بالطلاق إن سرقت منه شيئاً فخانت الوديعةالأسئلةحكم إحراج المسلم ليحلف بالطلاقالسؤالالجواب
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل