شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 20-2
أهل الأثرالأرشيف العلمي

السماحة في البيع والشراء

السؤال

هل الغبن والمماكسة التي تكون في السعر معهودة دائماً في البيع، أم ينبغي للمشتري والبائع تجنبها؟ وما توجيهكم في السماحة لكلا المتبايعين؟

الجواب

إن السماحة في البيع والشراء، والأخذ والعطاء، فيها فضل عظيم، ولذلك دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبها بالرحمة، وقال بعض العلماء: بل هو خبر، فقال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: (رحم الله امرأً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى) والسماحة من اليُسر، والله عزَّ وجلَّ يحب اليُسر، ومن يسَّر على الناس يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة.
والمراد بالسماحة في البيع: - في بعض الأحيان تكون عامة في تعامل الإنسان.

  • وتارةً تكون خاصة.
    فالسماحة الخاصة: تكون عند الموجب، كأن يكون الإنسان تاجراً يبيع السلع، فإذا رأى فقيراً ساعده ويسَّر له، ولو جاءه بربح قليل قَبِل منه ذلك القليل وتسامح معه، فهذه سماحة خاصة، ولا شك أن صاحبها مرحوم من الله عزَّ وجلَّ على قدر ما يكون منه من إحسان.
    وقد تكون السماحة عامة: لا يفرق فيها صاحبها بين غني ولا فقير، فبمجرد أن يقف عليه أخوه المسلم تذكر ما بينه وبينه من أخوة الإسلام، وأحب لذلك الأخ مثل ما يحب لنفسه، وأصبح طلق الوجه، ومُيَسِّراً في بيعه وشرائه، يبيع بطيبة نفس، فيكتب الله له بالبركة في ربحه، فيرضى بأقل القليل من الربح، فإذا جاء يعرض السلعة عرضها، ولم يبالغ في ربحها، واكتفى بالقليل.
    ولذلك قال العلماء: ليست العبرة بكثرة الأرباح، وإنما العبرة بوضع الله للبركة، فكم من أرباح قليلة بارك الله لأهلها فأصبحت كثيرة، وأنت ترى بعض التجار وضع الله لهم البركة فيما يجنون من أموال، وتجد أرباحهم معقولة، وتصرفاتهم في السوق مقبولة من الناس، وقد وضع الله لهم القبول، فهم يرضون بالقليل، فمثل هؤلاء توضع لهم البركة بسبب اليُسر والسماحة، وإذا أصبح الإنسان مُيَسِّراً سهلاً، فإذا جئت تشتري الشيء انظر فيه، فإذا وجدت الشيء يستحق القيمة، كما ذكر لك البائع، فإياك أن تستغل ضعفه، وإياك أن تستغل حاجته، فبعضٌ من الناس يعلم أن الرجل مديون، وأنه سيبيع عمارته، أو يبيع سيارته، أو يبيع أرضه، فيغتنم فرصة الحاجة، فمثل هذا إذا ضيَّق على أخيه حَرِيٌّ أن يضيق الله عليه، وحَرِيٌّ أن ينزع الله البركة من السلعة التي يأخذها، ولذلك على المسلم أن يعلم أن الله ليس بغافل عما يعمل وأنه مطلع على ما يكون منه، وأن الله ابتلاه بكثرة المال لكي يظهر صدق إيمانه، وكمال يقينه، وشكره لنعمة ربه وفضله عليه، فإذا قابل هذه النعمة بالشكر، وأخذ يسامح الناس، فمن وجده مديوناً يبيع ماله، فإن استطاع أن يعطيه المال أعطاه، وإذا لم يستطع اشترى منه الشيء بحقه وقدره، فهذا من السماحة، ومما يثيب الله عليه أهله.
    فالسماحة في البيع أن تقتصر على أقل الربح.
    قيل لـ عبد الرحمن بن عوف: (كيف أصبحت ثرياً غنياً في تجارتك؟ قال: كنتُ أرضى بأقل الربح)، وهذا نوع من سياسة التجارة، ومن أعظم الأسباب التي يصبح الإنسان بها حائزاً على ثقة الناس، وأيضاً حائزاً على أكثر الربح؛ لأنه إذا رضي بأقل الربح نفقت السلعة عنده، وأصبحت أرباحه أكثر من غيره، وأصبح الذين يشترون منه أكثر ممن يشترون من غيره، فيكسب الوقت، ويكسب كثرة من يشتري منه، ويكسب الثقة بكثرة من يشتري منه، وحينئذ يكون له أضعاف ما يكون لمن يبالغ في الربح، فالذي يبالغ في الربح يجعل على السلعة ربحاً مضاعَفاً، فيتأخر بيع السلعة، وقلَّ مَن يشتري منه إلا الغني أو المحتاج الذي يضطر لشراء السلعة؛ لكن الأول يشتري منه الكلُّ؛ لأن ربحَه معقول.
    فالمقصود: أن السماحة في البيع الرضا بالقليل من الربح، وإذا علمتَ أن أخاك أعطاك ربحاً معقولاً، فبادر وبِعْ.
    وأما السماحة في الأخذ والشراء: ألَّا تسوم الشيء بأقل مما يستحق، فإياك أن تظلم أخاك فتعطيه أقل مما يستحق! وقد جاء في حديث ابن ماجة واخْتُلِفَ في إسناده وإن كان ضعَّفَه بعضُ العلماء رحمهم الله: أن أم ورقة اشتكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: (يا رسول الله! إني أدخل إلى السوق، فأرى السلعة، وأعلم أنها تستحق مالاً، فأعطي أقل مما تستحق، فإذا ساومني الرجل حتى يصل إلى ما تستحقه اشتريت -بمعنى: أنها تسوم بالأقل حتى تصل إلى القدر الذي تريده وتعلم أن السلعة تستحقه- وإن كنتُ أريد أن أبيع السلعة سُمتها بأكثر، فلا يزال يراجعني حتى يصل إلى القدر الذي يعطيه، أفيحل لي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ادفعي مالك؛ فإن شاء أن يأخذ، وإن شاء أن يبيع)، يعني: لا تساوميه بهذا الوجه، فتظلمي السلعة حقها؛ ولكن أعطي السوم الذي تريدين، وهذا لا شك أنه يريح الإنسان، ويختصر له الوقت.
    إذا أنت جئت إلى رجل، وقلت له: هذه سلعتك -مثلاً- قيمتها عشرة آلاف، فبدل أن تقول: ثمانية آلاف، ثمانية آلاف ونصف، تسعة آلاف، ويضيع عليك الوقت، اختصر الوقت وقل له: هذه تسعة آلاف، إذا كنت تريد أن تبيع فالحمد لله، وإذا كنت لا تريد أن تبيع فيفتح الله، وييسر الله لي ما هو خير منها، فإذا أراد أن يبيع أخذت وحمدت الله، وإذا أراد ألَّا يبيع انصرفتَ مباشرةً وبمجرد أن تتجاوز يقول: يا فلان! تعال خُذْ.
    فاختصرتَ الوقت، وارتحتَ.
    ولربما أثناء السَّوْم وقَعَتْ خصومةٌ، فإن المشتري ربما لا يأمن الضرر، ففي بعض الأحيان ربما أنه لو سامَ بأقل مما تستحق السلعة لسفَّهَه الرجلُ كما هو شأن بعض الناس أنه يكون فيه حِدَّة، فربما سفَّهَه، وربما ظن أنه يريد أن يخذُلَه ونحو ذلك.
    فالمقصود: أن الإنسان الأفضل له والأكمل أن يتعاطى السماحة، وأن يكون سهلاً ميسراً في بيعه وشرائه، وأخذه وعطائه، والله ما رأينا أحداً يعامل الناس بالسماحة إلا وجدنا الله يلطف به من حيث لا يحتسب، وانظر في التجار، وانظر في إخوانك بل حتى في أقرب الناس منك، انظر إليه في تعامله مع الناس، فإذا وجدته سمحاً ميسراً وجدت أموره ميسرة كما يسر على الناس، وإن وجدته يدقق ويشدد ويضيق على الناس ويأخذهم بالشدة والعنت ضيق الله عليه، حتى إنك تنظر في أحوال مرضه وأحوال عافيته تجد الأمور معه في غاية العسر، سبحان الله! مثلما يفعل مع الناس.
    فتجد الرجل السمح إذا كان في مرض أو شدة وجدت من تيسير الله في شفائه ودوائه وطبيبه وعلاجه ما يوافق ما يفعله مع الناس.
    وتجد الآخر الذي ينكد على الناس ويضيق على الناس تجد أموره منكدة، (لا يظلم اللهُ الناسَ شيئاً أبداً)، ما إن يطرق باباً إلا أقفله الله في وجهه، وأخَّره كما أخَّر الناس، وتأذَّى كما أذى الناس؛ لأن التضييق على الناس ربما -والعياذ بالله- ابتُلي الإنسان بسببه بدعوةِ مَن لا تُرَدُّ دعوتُه، ولربما نكَّد على الغير وضيَّق عليهم وترك السماحة معهم، فدُعي عليه، فنُزعت البركة من ماله، أو نزعت البركة من علمه أو عمله، نسأل الله السلامة والعافية.
    فينبغي للمسلم أن يكون سمحاً في أموره، وأن يأخذ من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعامله ما يعينه على ذلك، فمن تذكر سنة النبي صلى الله عليه وسلم وجعل هديه نبراساً له في أموره وشئونه؛ فإنه يجد نفسه -لا شعورياً- تنساب وراء ذلك الخير الكثير من البساطة واليُسر والسماحة وحسن المعاملة مع الناس حتى يعيش حميداً ويموت بالذكر الحميد، وهذا عاجل ما يكون له في الدنيا، ولَمَا ينتظره عند الله أجل وأسمى.
    والله تعالى أعلم.

حكم أخذ المرأة من مال زوجها بغير إذنه

السؤال

هل في شكاية هند للنبي صلى الله عليه وسلم تقتير زوجها في النفقة عليها، وإذْنِ النبي صلى الله عليه وسلم لها بالأخذ من ماله بالمعروف، هل هو خاص بها أم عام لمثلها، علماً بأنه قد تكثُر طلبات الزوجة ولا يستطيع الزوج تلبيتها دائماً؟

الجواب

حديث هند رضي الله عنها قالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شَحِيْح مِسِّيْك، أفآخذ من ماله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف).
يقول أهل العلم: إن أبا سفيان كان يقتِّر عليها -على ضوء الشكوى-.
وقيل: لا.
بل إنها ادعت ذلك، والله أعلم! هل أصابتْ أو أخطأتْ؟ قالوا: ربما كانت -وهذا لا يبعُد؛ لأن هنداً كانت من أشراف قريش وعِلْية قريش، وأمثال هؤلاء من النسوة كان عندهن نوع من البذخ، والإسراف في التعامل، فإذا صدمها الزوج بوضع الأمور في نصابها وصفته بأنه شَحِيْح وأنه مِسِّيْك، والله أعلم بما بين أبي سفيان وهند! ونحن لا ندخل بينهما، فالله أعلم؛ لكن الذي ذكره بعض العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما فطن لذلك، ولذلك قال لها: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) فدل على أن الأمر راجع للكفاية، وأنه لا يجوز لها أن تتجاوز المعروف.
وبناءً على ذلك: فحديث هند في قول جماهير العلماء رحمهم الله على أنه قاعدة عامة، وأن كل امرأة ظلمها زوجها وحرمها نفقتها يجوز لها أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها بالمعروف، والمراد بـ (ما يكفيها وولدها): حقوق النفقة، فمثلاً: إذا كان الزوج مقتِّراً في الطعام، وتحتاج لأطفالها إلى طعام، أو جاء بنوع من الطعام الردئ، وهو قد فتح الله عليه، فالنفقة مقدرة بحال الزوج؛ لأن الله أمر كلَّ ذي سعة أن ينفق من سعته: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق:7] قُدِرَ بمعنى: ضُيِّق، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:7]، فدل على أن النفقة راجعة إلى حال الزوج.
وبناءً على ذلك: إذا كان الزوج غنياً وضيَّق على زوجته، وأصبحت الزوجة لا تجد طعاماً، أو تجد طعاماً لكنه مضيِّق ومقتِّر فيه أخذت ما يكفيها، فلو فُرِض أن كلفتها الشهرية في الطعام: ألف وخمسمائة، وأعطاها ألفاً، فإنها وأولادها قد ثبت استحقاقهم منه خمسمائة، فتأخذ من ماله بقدر الخمسمائة ولا تزيد، وهكذا بالنسبة للكسوة، فإذا كان لم ينفق عليها في كسوتها وأعطاها -مثلاً- مائتين، والكسوة تستحق لمثلها بالمعروف -من مثله في ماله ووسعه- خمسمائة، فضيَّق عليها وأعطاها أربعمائة أو أعطاها ثلاثمائة، فتأخذ إلى تمام الخمسمائة، وهذا شيء بينها وبين الله عزَّ وجلَّ، تتقي الله عزَّ وجلَّ في مال زوجها، وعلى الزوج أن يتقي الله في رعيته.
والواقع أن سائر النفقات بين الأزواج والزوجات تحتاج إلى شيء من العدل والإنصاف، والأفضل للزوج أن يكون سمحاً وعلى الزوج خاصةً إذا كانت المرأة صالحة وفيها خير أن يتقي الله عزَّ وجلَّ فيها، وأن يعينها على أمور دينها بإصلاح دنياها، ولذلك كان السلف رحمهم الله يتسامحون مع الأهل والزوجات في مثل هذا، فإذا كانت المرأة -مثلاً- صالحة ديِّنة واحتاجت إلى شهود بعض المناسبات وكانت من بيت أو من أسرة تحتاج إلى كثرة شهود المناسبات، وهو يعلم فيها الدين والصلاح، ويحس أن ثَمَّ إحراجاً لها أن تلبس نوعاً معيناً، وأنها تحتاج إلى نوع من اللباس وإن كان غالباً لكنه يعيش طويلاً، والمرأة محافظَةٌ وفيها صيانةٌ، فلا مانع أن يجبر خاطرها، وأن يظهرها بالمظهر الحسن، فكم تتجمل الزوجة مع زوجها في المناسبات! وكم تحمل همه عند إكرام ضيوفه وقرابته ومن ينزل به، وكم حرصت على أن تُظْهِره على أحسن الأحوال! فمثل هذه المشاعر ينبغي وأن تقابَل بالمثل، ولذلك إذا عامل الإنسان زوجه بنفس الأحاسيس والمشاعر ضحت المرأة، وشعرت أنها عند بعل كريم وعند زوج كريم، فكم من مواقف احتاج الرجل أن تسهر زوجتُه معه فسَهِرَتْ! وكم من مواقف احتاج فيها أن تضحي الزوجة بالخدمة فضحَّتْ! وكم من مواقف احتاج الزوج فيها إلى أن تصبر الزوجة على أبنائه وأذيتهم وإضرارهم فصبرتْ وتحملتْ! وربما يمر عليك في العام ثلاثة أو أربعة مواقف في مناسبات خاصة، فربما تكون هذه المناسبة زواج أختها أو زواج أخيها ولا تتكرر، فجبر خاطرها بمثل هذه السماحة والتضحية والتيسير بشرط ألَّا يصل إلى التبذير والإسراف -طيب وتحتسب عند الله أن يخلف عليك ما أنفقت، ويبارك لك في زوجتك، وتحتسب عند الله أن تكون ديِّنة تثبت على دينها، فإن المرأة الصالحة إذا كانت ديِّنة في نفسها ربما انهزمت أمام المجتمع، فلربما وقفت في المناسبات بحالة رثَّة، ورمقتها الأبصار ونظرت إليها، وحصل لها من الضيق والحرج ما لا تتحمله، وقد لا تستطيع أنت الرجل أن تتحمل ذلك، ولو تصورت نفسك وأنت تلبس جميل الثياب ومحاسن الثياب وتتكلف بهيئتك وبزَّتك وثوبك بما لا تستطيعه وأنت رجل، فكيف بالمرأة التي تُفْتَن بالمظاهر! وكيف بالمرأة التي لا تستطيع أن تتحمل إهانة الغير لها أو لمزها أو الحط من قَدْرها! هذه الأمور ينبغي -وخاصةً على الأخيار- التنبه لها، وأن يُعامِل الغيرَ مثل ما يحب أن يُعامَل مِن غيره، ولا شك أن عماد الأمور كلها على تقوى الله عزَّ وجلَّ.
ولا أزال أوصي وأكرر الوصية بالصبر، خاصةً على الصالحات والتجمُّل معهن، واحتساب الأجر عند الله عزَّ وجلَّ في ذلك.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يلهمنا السداد والرشاد، وأن يلطف بنا في الآخرة والمعاد، إنه ولي ذلك والقادر عليه وهو رب العباد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

شرح زاد المستقنع -

باب الشركة [2]

من الأمور المترتبة على عقد شركة العنان:

تصرف الشريك في مال شريكه

بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه، ويترتب على هذا أحكام الوكالة من الأمانة والنصح لمن يعامله ويشاركه، والضمان عند التعدي والإفراط، سواء في النقد أو في الشرط.

تصرف الشريك في مال شريكه

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فينفذ تصرف كل منهما فيهما]: يعني: في المالين.
تقدم معنا في المجلس الماضي بيان حقيقة شركة العنان في اللغة والاصطلاح.
ثم شرع المصنف رحمه الله في بيان ما يترتب على وجود عقد هذه الشركة، و (الفاء) هنا للتفريع والتفصيل، فإذا ثبت أنه يجوز للطرفين أن يشتركا بماليهما ويكون ذلك على سبيل شركة العنان، فإنه يترتب على ذلك أن ينفذ تصرف كل منهما في المالين، فلو دفع زيد عشرة آلاف ريال ودفع رجل آخر عشرة آلاف ريال واشتركا، فإنه حينئذٍ يحق لكل واحد منهما أن يتصرف في ماله؛ لأنه يملكه في الأصل، ويحق له أن يتصرف في مال أخيه وصاحبه؛ لأنه وكيل عنه.
وإذا أُثبت في قوله: [فينفذ تصرف]: فالعقود: - فيها ما هو نافذ.

  • وفيها ما هو موقوف.
  • وفيها ما هو صحيح.
  • وفيها ما هو فاسد.
  • وفيها ما هو باطل.
    فإذا قيل: عقد نافذ ترتبت عليه الأحكام الشرعية.
    مثلاً: البيع، إذا قلنا: هذا بيع نافذ فإننا حينئذٍ نحكم بملكية الثمن والمثمن على سبيل المعاوضة بين الطرفين، ونحكم بالآثار المترتبة على البيع، فإذا قلنا: ينفذ تصرف كل منهما، فهذه العشرون ألفاً التي اتفقا عليها واشتركا فيها لو باع أحد الشريكين واشترى بهذا المبلغ فإنه ينفذ تصرفه، فلو أخذ العشرين ألفاً وأخذ منها خمسة آلاف، وصرفها دولارات، وتاجر في العملة، وأصبح يربح من خلال متاجرته وصرفه، قلنا: إن تصرفه صحيح؛ لأنه يتصرف في مال إما أصالةً وهي العشرة آلاف التي يملكها، وإما وكالةً بالنسبة لنصيب صاحبه، فأي مبلغ يسحبه من الشركة التي هي رأس مالها عشرون ألفاً، إذا سحب عشرة آلاف من العشرين ألفاً فخمسة آلاف يتصرف فيها بالأصالة، وخمسة آلاف يتصرف فيها بالوكالة.
    كذلك أيضاً لو أنهما دفعا في شركة العنان خمسة ملايين، واتفقا على أنهما يتاجران بهذا المبلغ، فاشترى أحدهما عمارة لكي يستثمرها، فإن هذا الشراء والعقد الذي تم بمال الشركة عقد صحيح وينفذ وتترتب عليه الأحكام الشرعية، فيصح شراؤه، ثم بعد مدة لو رأى أن هذه العمارة من المصلحة أنه اشتراها بمليون على حساب الشركة وسيبيعها بثلاثة ملايين أو بأربعة ملايين فباعها، فإن البيع صحيح كما لو باع ماله هو؛ لأنه بمقتضى عقد الشركة صار إما أصيلاً يتصرف في المال أصالةً، وإما أن يتصرف فيه وكالةً، هذا معنى قوله: [فينفذ تصرف].
    كذلك أيضاً لو أنهما اشتريا عمارةً بمليون، فهذه العمارة تكون ملكاً للطرفين، فلو أن أحدهما أجَّر هذه العمارة في الموسم بخمسمائة ألف أو بمليون أو بأي مبلغ ما دام أنه في حدود التصرف المعقول والمقبول وفق عرف أهل التجارة، نقول: إن التأجير الذي تم تأجير صحيح، وعقده صحيح، فليس للآخر أن يقول: أن أملك من العمارة نصفها فلا تؤجرها، أو يقول: العمارة أملك نصفها فلا تبعها، ولا يقول أيضاً: الخمسة ملايين أملك نصفها فلا تشترِ أية عمارة، ولا تشترِ العمائر، ليس من حقه، كل منهما يتصرف في هذا المال وفق المصلحة، ووفق ما فيه خير الشركة، وما يعود عليهما بالنفع.

تصرف الشريك في مال الشركة بحكم الملك في نصيبه

قوله: [بحكم المُلك في نصيبه، وبالوكالة في نصيب شريكه]: (المُلك أو المِلك أو المَلك) هو مثلث من المثلثات، بحكم المُلك في نصيبه، وبحكم الوكالة في نصيب صاحبه، إذا اشترك الاثنان في مال الشركة فإن كلاهما أصيل في ماله وكيل في مال الآخر.
وقول المصنف: [بحكم]: يعني: أن القاضي والفقيه والمفتي يفتي ويحكم بصحة هذا التصرف بناءً على أن عقد الشركة يقتضي أنه مالك لنصيبه؛ لأنه ماله وخرج من ماله، ويقتضي أيضاً أنه وكيل عن صاحبه.

تصرف الشريك في مال الشركة بالوكالة في نصيب شريكه

قوله: [وبالوكالة في نصيب شريكه]: يعني: بحكم الوكالة.
وإذا قلتَ: إن الشريك مع شريكه وكيلٌ، تترتب عليه أحكام الوكالة.

أحكام الوكالة المترتبة على تصرف الشريك في مال الشركة بالوكالة

وبناءً عليه: فأول مسألة أن يده على مال صاحبه يدُ أمانة، وقد قدَّمنا في باب الوكالة أن الوكالة تقتضي أن يكون أميناً على مال موكله، فإذا قلتَ: إن يده يدُ أمانة، تتفرع جميع الأحكام المتعلقة على يد

الأمانة

. فتقول:

الأمانة

  • أولاً: مقتضى كونِها يد أمانةٍ: أن يتصرف بكل نزاهة بعيداً عن الخيانة والإضرار، فكل من الشريكين يجب عليه أن يكون ناصحاً لشريكه، وأن يكون قلبُه وقالَبُه على وَفْق المصلحة، فلا يُظْهِرُ أنه شريكُه في الظاهر ويريد أن يضر به في الباطن.
  • ثانياً: لا يتعامل في الظاهر بما يخالف مقتضى الأمانة.
    إذاً: عندنا جانبان: - ما يتعلق بقلبه إذا غش أخاه.
  • إذا كان في ظاهره أنه لا يريد تنمية مال التجارة، ولا يريد تنمية مال الشركة.
    فإنه يأثم شرعاً؛ لأنه دخل مع أخيه على النصيحة للمسلم، وأنه يريد أن يستثمر ماله، فيجب عليه أن يتعاطى جميع الأسباب.
    قال بعض العلماء: ومقتضى ذلك أنه لو كان هناك عمل معين من التجارات يحسن القيام به والظروف مهيأة للقيام به، وعلم أن مصلحة مال الشركة أن يدخل في هذا المال فتأخر؛ فإنه يعتبر خلاف الأمانة، ولا يخلو من تبعةٍ ومسئوليةٍِ أمام الله عزَّ وجلَّ، لماذا؟ لأنهما حينما تعاقدا -والله مطلع على هذا العقد وآمرٌ لكل منهما أن يفي بمقتضى العقد- قد تعاقدا أن ينصح كل منهما للآخر، وتعاقدا على أن يبذل كل منهما ما في وسعه لتنمية المال كأنه ماله.
    وعلى هذا: أولاً: ينبغي عليه النصيحة لمن يعامله ويشاركه.

الضمان عند التعدي أو التقصير في النقد والبيع والشراء

ثانياً: لا يجوز له أن يتسبب في إدخال أي ضرر من خلال تصرفه في مال الشركة، فكل تصرف من الشريكين يُضْمَن بضابط الوكالة، فإن كان التصرف الذي قام به معتبراً عند أهل الخبرة، وليس فيه تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه، وإن تعدى أو فرط من خلال تصرفه فإنه يضمن المال، ولا يكون -في هذه الحالة- الشريكُ متحملاً المسئولية.
أ- بيع النسيئة: ومثال ذلك لو أن اثنين اشتركا بمليون لاستثماره في التجارات، ثم شاء الله عزَّ وجلَّ أن أحدهما أخذ من المليون نصفها -مثلاً- واشترى نوعاً من السلع، وأصبح يبيعها بالنسيئة والأجل ولا يبيعها نقداً، أو يبيع بعضها نسيئةً وبعضها حاضراً ونقداً، فنقول: إن الوكيل لا يجوز له أن يبيع نسيئة إلا إذا أذن له موكله.
وعلى هذا: فلو أنه اشترى -مثلاً- بمليون ريال سلعاً، فباع نصفها نقداً ونصفها نسيئةً، نقول لشريكه: ما رأيك في هذه المسألة؟ هل استأذنك؟ فإن قال: لم يستأذني فإن مقتضى الوكالة ألا يبيع نسيئةً حتى يستأذن صاحبه، فإن عَدَلَ عن هذا الأصل فقد تعدَّى وفرَّط.
فنقول: بالنسبة لما بعتَه نقداً فهو بينك وبين أخيك، وما بعتَه نسيئةً فإنك تتحمل المسئولية عن جميع المبلغ، والمقدار الذي يتعلق بشريكك تدفعه له ولا يتحمل قيمة ذلك نسيئةً، هذا بيع، وأنت تصرفت فيه من عند نفسك، وتتحمل مسئوليته.
هذا إذا كان بيع النقد وبيع النسيئة.
ب- البيع عن طريق فيه مخاطرة: ولو أن اثنين دفع كل منهما عشرة آلاف ريال، فأصبح رأس مال الشركة عشرين ألف ريال، واشتريا به محلاً تجارياً، كأن يكون محل طعام، أو محل أدوية، أو محل أكسية أو نحو ذلك، فقام أحدهما وباع وأصبح يصرف البضاعة عن طريقٍ فيه مخاطرة.
ومن المعلوم أن البيع: - يكون نقداً.

  • ويكون -مثلاً- عن طريق الشيكات.
    والذي عن طريق الشيكات ليس كالذي هو نقد، فالنقد مضمون الحق؛ ولكن الذي عن طريق الشيك لا يأمن أن يكون الشيك بدون رصيد، وأيضاً لا يأمن ضياع الشيك، أو تحمل المسئولية في هذا الشيك، ففيه نوع من المخاطرة.
    فإذا باع وأخذ وقبض المبلغ فلا إشكال، ولا ضرر على الشريك الآخر.
    لكن لو أنه باع بالشيك، ثم تبين أن الشيك بدون رصيد، فقد تكون هناك مسئولية، ولا شك أنه سيتحمل المسئولية، فهذا الشيك -الذي هو بدون رصيد- سيضطر إلى انتظار تسديد المبلغ من هذا الشخص، فلو كان هذا الشخص قد تحمل عشر عمليات أو ثلاث عمليات أو أربع أو خمس، بهذه الطريقة، فسيصبح مديوناً لخمسة أو ستة، فلو دخلت الشركة في هذا الدين ربما جلست سنوات، وهذا مفلس، لو فرضنا أنه مفلس، وأعطى الشيك بدون رصيد، فستتضرر الشركة بتأخر سداده.
    فحينئذٍ نقول: ما دمت قد أعطيت على هذه الوجه الذي فيه وجه النسأ فإنك تتحمل المسئولية لوحدك، وإذا رضي الشريك أن يدخل معه، وقال: أتحمل معك المسئولية فلا إشكال، أما إذا قال الشريك: لم أسمح لك أن تبيع بهذه الطريقة، وقد بعت بها؛ فإنك تتحمل المسئولية، وحينئذٍ تغرم للشريك حصته، فلو كانت الصفقة التي أتممتها -فرضاً- بخمسة آلاف ريال، فإن للشريك فيها ألفين وخمسمائة ريال تعطيه إياها نقداً قيمة المبيع حاضراً، ثم وجهه على هذا الذي ماطل.
    إذاً: حينما قلنا: إنه بحكم الوكالة في مال صاحبه يستلزم هذا أن تترتب مسائل الوكالة على هذا النوع من المعاملة، وهذه فائدة: أن العلماء قدموا باب الوكالة على باب الشركة؛ لأن هناك مسائل في الشركة تترتب على الوكالة، ولأن الشركة تعتبر نوعاً من أنواع الوكالة؛ ولأن كلاً من الشريكين ينظر إلى المصلحة في ماله أو في الجزء الذي يتعلق به من مال الشركة.
    ج- البيع بغير نقد البلد: وقول المصنف: [وبالوكالة في نصيب شريكه]: يطَّرِد في جميع المسائل، فلو أن الوكيل باع بغير نقد البلد، مثلاً: المعروف عندنا أننا نتعامل بالريالات، فباع بالدولارات، والبيع بالدولارات مشكلتها أنه إذا باع بغير نقد البلد لم يأمن أن تكون القيمة ناقصة، فاليوم -مثلاً- قيمة الدولار ثلاثة ريالات، وقد تكون في الغد ريالين، فحينئذٍ تكون -مثلاً- السلعة بثلاثة آلاف ريال، فإذا باعها فسيبيعها بألف دولار اليوم؛ ولكن المبلغ إذا صُرِف في الغد فسيصرف بألفين.
    إذاً: البيع بغير نقد البلد فيه مخاطرة، فربما ترتفع قيمة النقد فيكون أربح للشركة، وربما نزلت قيمة النقد فأضر بالشركة.
    وبناءً على ذلك: إذا باع الوكيل بغير نقد البلد ضمن.
    ففي جميع هذه المسائل: أن يبيع نسيئة، وأن يبيع بغير نقد البلد، وأن يخاطر، كل هذه المسائل يتحمل الشريك فيها المسئولية إذا لم يجرِ العُرْف بذلك، ولم يكن هناك شرط -أي: استئذان- فلو أنه استأذن صاحبه وشريكه وقال له: يا فلان! نحن لو أننا لم نبِع إلا نقداً لأضررنا بمصلحة الشركة، فأرى من مصلحة الشركة ومن كثرة من يتعامل معنا أن الأفضل والأصلح أن نقبل هذه الشيكات أو أن الأفضل والأصلح أن نبيع بالنسيئة والأجل إلى سنة أو إلى سنتين، فإن قال له: قبلت فيتحملان المسئولية معاً.
    ولو أن هذا المماطل والمفلس جلس سنوات فإنهما يتحملان المسئولية معاً.
    هذا بالنسبة لو استأذنه.
    كذلك لو قال له: يا فلان! أريد أن أبيع بالدولارات، أو ثمة أناس سيأتونني بجنيهات فهل أبيع فقط بالريالات؟ أو أبيع بالعملة الأخرى؟ فإن له: بِعْ بأية عملة، فهذا تفويض.
    ولو باع بأية عملة، فغلت العملة أو رخصت فإنها تكون على مال الشركة ربحاً وخسارة.
    وهذا معنى قوله رحمه الله: [وبالوكالة في نصيب شريكه].

الضمان عند التعدي أو التفريط في الشرط

قال العلماء: كما أن النقود وصفة البيع والشراء يتحمل فيها الوكيل المسئولية، كذلك يتحمل المسئولية عن شرط الشركة.
أ- مخالفة المكان المشروط لعمل الشركة فيه: فمثلاً: لو أن اثنين دفع كل منهما خمسة آلاف ريال، فأصبح رأس مال الشركة عشرة آلاف ريال.
وقال: يا فلان! نشترك -يعني: هذه شركة بيننا-؛ ولكن أشترط أن تكون شركتنا في المدينة، أو أشترط أن يكون عملنا في مكة، أو أشترط أن يكون عملنا -مثلاً- في هذه القرية، ولا نخرج عنها، فأنا أرى أنه من الخطر أن نخاطر ونخرج بشركتنا إلى مكان آخر، فإن قال: قبلتُ وقع الاتفاق بينهما على أن عمل الشركة يكون في المدينة، أو في مكة، أو في أي موضع، ويجب على الشريك الآخر ألَّا يجاوز هذا الاتفاق، فلو أنه خرج بالمال من مكة التي اتُّفِق على البيع فيها فبمجرد خروجه من مكة يُصبح المال في ذمته، ويخرج المال من الوكالة إلى باب الضمان.
وعلى هذا لا يتاجر إلا في حدود ما اتُّفِق عليه.
ب- مخالفة السلع المشروطة: كذلك لو قال له: يا فلان! هذه عشرة آلاف ريال؛ ولكني لا أستطيع أن أعمل بهذه العشرة آلاف إلا في تجارة العود أو في تجارة الطيب عموماً، فإن قال له -مثلاً-: في تجارة الطيب فقال: لا أريد إلا العود، ولا أريد إلا الخشب من العود، أو أريد الدهن من العود، أو أريد الدهن من الأطياب، أو أريد ثلاثة أنواع من الطيب، فبمجرد خروجه عن هذا المتَّفَق عليه خرج عن الشركة، وأصبح متحملاً المسئولية بذلك التصرف وضامناً للمال.
ج- مخالفة نوع التعامل المشروط: وهكذا بالنسبة للتعامل، فإذا قال له: نتعامل مع التجار، ويكون بيعنا بالجملة.
فباع بالمفرَّق، فإنه في هذه الحالة يضمن.
وكل ما اتُّفِق عليه من بنود الشركة وصار بينهما شرطاً -بشرط ألَّا يتضمن الغرر، وألَّا يتضمن الضرر- فإنه يصبح لازماً للطرفين.
د- مخالفة العرف فيما يوجب الضرر: - أيضاً: بالعرف: قد يكون العرف دالاً على تضمين الشريك.
الآن -مثلاً- لو أن شخصاً اتفق مع آخر، فدفع أحدُهما عشرة آلاف، والآخر عشرة آلاف، فأصبح رأس المال عشرين ألفاً، فاحتِيْج أن يتاجَرَ في القماش، فقال أحد الشريكين للآخر: سأسافر وأحضر القماش الذي نريد أن نتاجر فيه.
فقال له: سافِرْ، فسافَرَ واشترى صفقة من القماش بعشرة آلاف، فأراد أن يأتي بها، ويجلبها إلى المكان المتفق عليه بين الطرفين، فإذا به متردد بين ثلاث وسائل: وسيلة أكثر خطراً وضرراً، ووسيلة أقل خطراً وضرراً، ووسيلة بينهما، ولا يُقْدِم أحدٌ على النقل بالوسيلة التي هي أكثر مخطارة إلا ويتحمل المسئولية، فإنه لو كان -مثلاً- نقل البضاعة عن طريق البحر غير مأمون، فحينئذٍ يعدل إلى البر، فإن أصر على نقلها بالبحر نقول: يستأذن شريكه، فإن أذِنَ فالحمد لله، فلو غرقت السفينة غرقت عليهما، فإن لم يستأذنه فالعرف قاضٍ أنه إذا سلك هذا الطريق فقد خاطر وغرر بمال الشركة، فيتحمل المسئولية.
إذاً: كوننا نقول: يُعطى حكم الوكالة، فهذا يوجب الدخول في جميع التصرفات.
فكل ما يتصرف به الشريك في مال الشركة يتصرف به وَفق ما هو معروف وبمجرد خروجه عن المعروف المألوف يتحمل المسئولية، وبمجرد خروجه عن الشرط المتفق عليه بين الطرفين يتحمل المسئولية.
وقس على هذا ما يكون من مسائل التجارة بمال الشركة.

شروط شركة العنان

[ويشترط أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين، ولو مغشوشين يسيراً]: الشركة تأتي على أقسام: القسم الأول: ما يسمى بشركة الأموال.
والقسم الثاني: يسمى بشركة الأعمال.
والقسم الثالث: يسمى بشركة الوجوه.
فشركة الأموال تشمل نوعين: - العنان.

  • والمفاوضة.
    ورأس المال -في كل من العنان والمفاوضة-: من النقود، على تفصيل سيأتي -إن شاء الله- في شركة المفاوضة؛ لأن الأمر أوسع منه في شركة العنان، وأما بالنسبة لشركة الأموال فلابد من أن يجتمع الطرفان أو الشريكان أو الثلاثة الشركاء أو الأربعة في المال، بخلاف شركة الأعمال، فقد يكون العمل من أحدهما والمال من الآخر، أو يكون العمل من الاثنين، فالأول: مضاربة، والثاني: شركة أبدان.

شروط متعلقة بالشريكين

بالنسبة لمسألة الشروط المتعلقة بشركة العنان: فبعضها يتعلق بالشريكين، وبعضها يتعلق بمحل الشركة الذي هو المال المتفق عليه، وما ينتج عنه من الربح.
فأما بالنسبة للشريكين فقد ذكرنا أنه يُشترط فيهما أهليتهما للشركة، وذكرنا هذه الأهلية وضوابطها.

الشروط المعتبرة في محل الشركة

يبقى

السؤال

ما هو الشرط المعتبر في محل الشركة؟ محل الشركة: مكان التعاقد، فإذا تعاقدا على شركة العنان، فينبغي أن يكون لها ضوابط وشروط: أ- رأس المال المعلوم: الشرط الأول: رأس مال، وأن يكون معلوماً: وبناءً على ذلك: فلو قال له: أشاركك بمالٍ، ولم يبين نوع المال ولا جنسه ولا قدره ولا صفته، فإن الشركة لا تصح؛ لأنها شركة بمجهول.
وأجمع العلماء -رحمهم الله- على أن شركة العنان إذا وقعت بمال معلوم -والمال المعلوم: كقولك: أشاركك بعشرة آلاف مني وعشرة آلاف منك، فالعشرة آلاف ريال معلومة- فحينئذٍ تصح.
وأما بالنسبة للجهالة فيستوي أن يكون جهالةَ جنس، أو جهالةَ نوع، أو جهالةَ قَدْر، وقد فصلنا في أنواع الجهالات في باب البيوع.
لكن من أمثلتها: النقدان: فإن قال له: أشاركك بذهب، أو أشاركك بفضة فقد حدد الجنس، وحدد النوع بقوله: ذهب، أو قوله: فضة؛ ولكنه لم يحدد قَدْر الذهب وقَدْر الفضة، ولا نوع الذهب والفضة، هل هو تِبْر أم مصوغ أم مضروب، فحينئذٍ تكون جهالة، فهذا النوع من الجهالة يقتضي عدم صحة الشركة.
فلابد أن يعين تعييناً يوجب ارتفاع الجهالة، وقد ذكرنا ضوابط التعيين وما ينبغي أن يلتزم به المتعاقدان إذا اشترطنا العلم بالثمن والمُثمن.
يقول العلماء: إن محل الشركة الذي اتفق عليه الطرفان -وهو رأس المال- يُنَزَّل منزلة الثمن والمُثْمَن في البيع، لأن المراد من الثمن والمُثْمَن في المعاوضة بينهما: الربح، وكذلك في الشركة حينما دفعتَ أنتَ خمسة آلاف، ودفعتُ أنا خمسة آلاف، فمقتضى ذلك والمقصود من ذلك: أن تربح هذه العشرة، فتربح في نصيبك، ويربح أيضاً من يشاركك في نصيبه.
إذاً: الخلاصة: يشترط في صحة عقد الشركة أن يكون رأس المال معلوماً، فلا يصح أن يكون بالمجهول، ورأس المال إما أن يكون من النقدين؛ الذهب والفضة، أو يكون من غير النقدين، وسنبين حكم شركة العنان بغير النقدين، كالعُروض، فمثلاًَ: لو جاء يُمَثِّل بالنقدين عرفنا المثال؛ لكن من غير النقدين، مثل أن يقول له: أشاركك بهذا الكيس من الأرز -على القول بصحة شركة العنان بالعُروض، وسنبين ما هو الصحيح في هذه المسألة-، فلو دفع أحدهما كيس أرز، والثاني كيس سكر، على أن يباع وبقيمتهما تكون الشركة، فقالوا: إذا كان مجهول الكمية لا يصح؛ لأنه ربما ظن صاحبه أن هذا الكيس سعته مائة كيلو، ولربما ظن أنه مائة وخمسين، وإذا به أقل من ذلك، فإذا كان الطعام جزافاً وكان غير معين وزناً ولا كيلاً فإنه حينئذٍ لا يصح أن يُشارك عليه؛ لكن لو عُرِف أن هذا النوع من الأكياس فيه مائة كيلو فالمعروف عرفاً كأنه تلفظ به؛ لكن نتكلم إذا كان مجهول القدر، فهذا مثال الجهالة في رأس المال إذا كان من العُروض.
أو يقول له: أشاركك بسيارة من عندي بقيمة سيارة من عندك.
فالسيارة التي عنده أو قيمة هذه السيارة مجهولة، لا ندري هل هي غالية فتكون كما يرجو الشريك، أو تكون دون ذلك؟! الخلاصة: أنه يشترط أول شيء: العلم برأس المال، ولا يصح أن يكون رأس مال شركة العنان مجهولاً.
نعم.
ب- أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين: [ويشترط أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين]: هذا هو الشرط الثاني: النقدان هما: الذهب والفضة، وسبب تسميتهما بالنقدين كما قال بعض العلماء: أنهم كانوا في القديم إذا دفعت الدراهم وهي من الفضة، أو دفعت الدنانير وهي من الذهب، فإنها تُنْقَد وتُخْتَبر؛ لأنها ربما كانت زائفة، وربما كانت مغشوشة، فقد يكون ظاهرها ذهباً؛ ولكنها مغشوشة في داخلها، ويعرف ذلك بإنكسارها عند محاولة كسرها، كذلك تختبر بالضرب على الأرض، والصيارفة لهم ذوق وحس في ذلك.
فإذا اتفق اثنان على شركة عنان برأس مال من ذهب أو رأس مال من فضة من النقدين، الدراهم أو الدنانير، وفي زماننا الريالات أصلها فضة، والدولارات والجنيهات والليرات والدنانير أصلها ذهب، فهذه العُملة إذا اتُّفِق على أي نوع منها ننظر إلى رصيده وأصله، ننظر إلى الأصل، فإذا اتُّفِق في الريالات فشركة العنان هذه بفضة، وإذا اتفق على الجنيهات فهي شركة عنان بذهب، فإذا اتفق الطرفان على شركة عنان بذهب بقدر معلوم، فإن الشركة تصح بإجماع العلماء، وكل العلماء متفقون على أن الشريكين إذا دفعا من النقدين من الذهب أو الفضة واتفق النوع أنه ذهب من الطرفين أو فضة من الطرفين فإن شركة العنان صحيحة، وليس هناك خلاف بين أهل العلم، وقد حكى هذا الإجماع غير واحد من العلماء رحمهم الله وأشار إلى ذلك الإمام ابن قدامة، والإمام ابن المنذر وغيرهما رحمة الله عليهم: أنه إذا اتفق الطرفان على ذهب مضروب أو فضة مضروبة -وفي زماننا العُملة على حسبها- أن الإجماع قائم؛ هذا إذا اتحد يعني: كان ذهباً من الطرفين، أو فضةً من الطرفين، أو أية عملة أخرى متحدة من الطرفين.
أما لو أن أحدهما دفع ذهباً والآخر دفع فضة فحينئذٍ شدّد طائفة من العلماء ونُسب هذا القول إلى الجمهور، فقالوا: لا يصح أن يدفع أحدهما بالذهب والثاني بالفضة؛ لأنه إذا وقع العقد على هذه الصورة فإنه يتضمن عقدين في عقد واحد، وأيضاً ربما تضمن الغرر.
وتوضيح ذلك: قالوا: لأنه إذا دفع أحدهما الذهب ودفع الآخر الفضة؛ فمعناه أننا سنضطر: إما إلى صرف الذهب، أو إلى صرف الفضة؛ لأنه لا يمكن أن تكون الشركة مُقَدَّرة حتى نعلم قدر رأس المال، فنحتاج -مثلاً- لو كان الرواج للذهب إلى أن نصرف الفضة بالذهب، فإذا كانت الدراهم في يوم الشركة نقول -مثلاً- الثلاثة دراهم أو الخمسة دراهم بدينار، فلو صُرِفت الثلاثة بدينار فإنها قد تأتي في الغد بأقل، وقد تأتي في الغد بأكثر، وقيل: إذا اتَّفَقَ اليوم فإن الصرف غداً يختلف، وحينئذٍ يتفقان على رأس مال بقيمة، وفي الغد تختلف القيمة، فلا يؤمَن الغرر، وحينئذٍ يدفع رأس مال معلوم أم مجهول؟ قيل: مجهول، صحيح أنه في الظاهر معلوم؛ لكنه سيئول إلى جهالة، إذْ لا نضمن أن يكون الصرف غالياً، ولا نضمن أن يكون الصرف رخيصاً، وكذلك في زماننا، لو دفع أحدهم بالريالات، ودفع الآخر بالدولارات فمعنى ذلك أنه يحتاج إلى صرف الدولارات بالريالات إذا كان الرواج للريالات، أو يحتاج إلى صرف الريالات بالدولارات إذا كان التعامل بالدولارات، وهذا الصرف لا يُضمن؛ لأنه إذا قال له: ادفع ثلاثين ألف ريال، وأدفع أنا عشرة آلاف دولار؛ لأن الصرف اليوم للدولار بثلاثة ريالات، فحينئذٍ يكون قد اتفق معه على شيء لا تُضْمَن نتيجته، فاليوم كما ذكرنا ربما تكون بثلاثة ريالات، وآخر النهار ربما يرتفع وربما ينخفض، وربما بقي على حاله.
فرأس المال متردد ومتذبذب ولا يمكن أن يُضمن بقاؤه على حال واحدة.
فلذلك شدد فيه طائفة من العلماء رحمهم الله؛ لكن على القول بأنه يجوز أن يدخل في الشركة بذهب مقابل فضة، وبفضة مقابل ذهب.
فالسؤال: كيف تطبق الأحكام؟ قالوا: يكون احتساب الصرف بيوم العقد، وهذا المبلغ يُنَزَّل على يوم العقد، وعند التقاضي يُرجع إلى القيمة يوم الاتفاق ويوم التعاقد.
وهذا لا شك أنه يوجِد شبهةً.
والذي ذكره أصحاب القول المانع، حتى نُسب إلى الجمهور، وشبهتهم قوية؛ لأنه لو أرادا أن يتخذا رأس ماليهما خاصةً عند حصول ضرر أو حصول مفسدة أو حصول أمر يوجِب انفساخ الشركة فجأة، فإننا قد نصرف الأربعة ريالات بدولار، وحينئذٍ يكون رُبُعُ المال مستهلَكلاً للطرف الثاني، مثلاً: لو أن الشركة دخلت بمائة ألف ريال، وهذه المائة ألف في الأصل مقسومة: خمسون ألفاً من هذا، وخمسون ألفاً من هذا، فالخمسون ألفاً من أحدهما كانت دولارات فصُرِفت ريالات في يوم التعاقد، وفي اليوم الذي حصل فيه ما يوجب فسخ الشركة ورجوع كل منهما برأس ماله على صاحبه أو على مال الشركة يوجب أن نعرف كم لهذا من الدولارات، فحينئذٍ سنضطر لو أنه صفيت الشركة على المائة ألف نفسها؛ لكنها نفس المائة ألف في ذلك اليوم كانت الدولارات غالية، فسيدخل قدر من صاحب الدولارات على صاحب الريالات؛ لأنه لا يستطيع أن يعاوضه إلا بحصول نقص في رأس المال، وكذلك أيضاً العكس، فلو أنها صرفت في النقص؛ فحينئذٍ سيأخذ صاحب الريالات ربحاً؛ لأنه سيحصل هناك نوع من الفضل، فلو فرضنا أنه في يوم التصافي بينهما، وعندنا الخسارة وعندنا الربح، فأنت إذا جئت تنظر إلى مائة ألف ريال، فإن خمسين ألف ريال منها لكل واحد منهما، فلا تستطيع أن تؤمِّن رأس مال هذا إلا بأكثر من خمسين ألفاً، في حالة ما إذا جئت تصرف دولارات حتى ترد له رأس ماله، وحينئذٍ يحصل الضرر فيدخل أحدهما على الآخر في حال الزيادة، وفي حال النقص لو أن الدولارات صُرفت بنصف قيمتها، يعني: كانت بأربعة ريالات حينما اتفقا على الشركة، وحينما فسخا الشركة كانت قيمة الدولار ريالين، فإذا كانت قيمة الدولار ريالين فمعناه أن هذا نصف القيمة، وستصبح المائة ألف فيها ما هو ربح، فيُقسم رأس المال ويُعطى هذا الدولارات التي له، ويُعطى هذا الريالات التي له، ويبقى نصف قيمة الدولارات الذي يعادل الثمن؛ لأنه يدخل بتشطير المبلغين، هذا الثمن سيأخذ (1 على 16) الطرف المقابل، وهذا القدر الذي هو (1 من 16) في الأصل من قيمة الدولارات.
إذاً: دخول العملتين المختلفتين في شركة بهذا الوجه يوجد نوعاً من التداخل ونوعاً من الإضرار لأحد الشريكين في مال الآخر، وفي حال الغلاء قد يتضرر الطرف الذي بالعملة الثابتة، وفي حال الرخص يتضرر الطرف الذي شارك بالعملة غير الثابتة، والتي صُرِف مال الشركة بها.
وعلى هذا فإنه يقوي مذهب من قال: إنه لابد من اتحادهما في النوع.
أي: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة.
وقوله رحمه الله: [من النقدين]: فيه مسألتان: المسألة الأولى: صحة شركة العنان إذا كانت من الذهب أو الفضة: على التفصيل الذي ذكرناه.
وهذا -كما ذكرنا- إجماع؛ أنك لو اتفقت مع أخيك على ريالات أو دولارات فإنه لا إشكال في صحة شركة العنان.
ج- النقد المضروب: المسألة الثانية في (النقدين): يشترط أن يكونا مضروبين: فلو أنه اتَّفَق معه بذهب أو فضة من غير النقد المضروب لم تصح الشركة، مثلاً: لو قال أحدهما: أدفع حلياً وأساور، مثل: البناجر، عندي مائة بنجرة من الذهب،

حكم الشراكة بالعروض

يتفرع على قوله رحمه الله: [من النقدين]: المفهوم، وقد ذكرنا أن العلماء -رحمهم الله- في كتب الفقه يعتبرون المفهوم.
فلما قال رحمه الله: [من النقدين] يَرِدُ

السؤال

هل يجوز أن تكون شركة العنان من غير النقدين؟ أولاً: ما صورة المسألة، وما مثالها؟ صورة المسألة: أن يقول له: ما دام أن شركة العنان جائزة فلنشترك في شركة العنان بسياراتنا، تدفع أنت سيارتك، وأدفع أنا سيارتي، ثم بعد ذلك نشترك ونساهم ونتاجر ونستثمر هذا المال الذي دفعناه، هذا مثاله في المعدودات، أو يقول له: عندي طن من الحديد، والآخر يقول: عندي طن آخر من الحديد، فنجمعهما.
إذاً: سيارة مقابل سيارة، وطن حديد في مقابله طن حديد، حديد بحديد، نحاس بنحاس، طعام بطعام، هذه كلها من العُروض.
هناك صورة ثانية للعُروض: أن تكون مختلفة، مثل ما ذكرت في الذهب والفضة أن يتحدا ويختلفا كذلك في العُروض، يتحدا ويختلفا.
يتحدا: كسيارة بسيارة، وطعام بطعام، وثياب بثياب، ونحو ذلك.
ويختلفا: يقول أحدهما: عندي طن من الحديد، فيقول الآخر: عندي طن من النحاس، أو من الخشب.
أو يقول أحدهما: عندي سيارة، ويقول الآخر: عندي ثياب أو أقمشة، فأرادا أن يجمعا العَرَضين ويستثمرا هذين العَرَضين في تجارة شركة العنان.

أقوال العلماء في الشراكة بالعروض

للعلماء في هذه المسألة قولان: أ- القول الأول: قال جمهور العلماء: لا يجوز أن يكون رأس المال من غير النقدين: الذهب، والفضة، وهذا القول قال به طائفة من السلف رحمهم الله من أئمة التابعين، كالإمام محمد بن سيرين، وقال به أيضاً سفيان الثوري وهو مذهب أهل الرأي، والشافعية، والحنفية، والحنابلة على إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله ورحم الجميع -وقد اختار هذه الرواية غير واحد من أصحابه- هذا القول يقول: لا يجوز أن تكون شركة العنان إلا بذهب أو فضة، ويُشترط في الذهب والفضة أن تكون مضروبة، يعني: من النقود كالدراهم والدنانير.
ب- القول الثاني: يجوز أن يكون رأس المال من العُروض.
وهذا القول قال به بعض المالكية رحمهم الله، وبعض العلماء ينسبه لمذهبهم، ولا تخلو النسبة من بعض النظر؛ لأن فيه وجهاً، فبعض المالكية رحمهم الله نصَّ وأطلق على جوازها بالعُروض.
فالمالكية يوافقون الإمام أحمد في رواية، وهو قول بعض أصحاب الإمام أبي حنيفة، يعني: أنه مذهب المالكية وبعض الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، واختار هذه الرواية شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله على الجميع.
فقالوا: يجوز أن يتفق الاثنان بالعُروض من الأطعمة والأكسية وغيرها؛ لكن عند المالكية لا يجيزون إلا في حدود معينة، فقالوا: إذا كان رأس المال من الطعام لا يجوز، قالوا: لأنه إذا شاركه بطعام يكون من بيع الطعام قبل قبضه.
كيف؟ قالوا: لأنه إذا دفع في العُروض طعاماً في مقابل شيء آخر من العُروض الأخرى، أو دفع طعاماً في مقابل طعام، قالوا في صورة مقابلة الطعام بالعُروض: كأن أحد الشريكين قابَلَ الآخر معاوضةً، وكأن رأس المال هذا في مقابل رأس المال الآخر، فحينئذٍ تكون المعاوضة قبل القبض؛ لأن الشريك الآخر لم يقبض حصة شريكه، وحينئذٍ يكون عند المالكية شرط في شركة العنان: أنه لابد من إطلاق اليد على المالين، يعني: لا يصح أن تقع الشركة إلا بعد أن يكون المالان قد أطلقت يدا الشريكين عليهما، كأن يُوْضَعا في دكان واحد، أو يُوْضَعا في متجر واحد، فيوضع الطعام في متجر واحد، فحينئذٍ إذا وضعت اليد عليهما كان ذلك موجباً للاعتبار أو الحكم بالصحة؛ لكن قبل أن توضع اليد عليهما لا يصح.
وحينئذٍ قالوا: إن الطعام لا يمكن أن توضع اليد عليه؛ لأن الشركة لم تكن على الطعام، إنما وقعت على قيمة الطعام، فهما يشتركان في الطعام بقيمته، وهذا منصوص عليه، فإذا كانت الشركة بقيمة الطعام كما ذكرنا في مسألة قيمة الدولارت والريالات، إذا كانت الشركة بقيمة الطعام، فأنت تنظر إلى أن الطعام سيُباع قبل الدخول في الشركة، وقبل تنفيذ الشركة واستثمار الأموال.
فحينئذٍ يكون البيعُ وبيعُ عِوَضِه بطعام ولم يقبض الطرف الثاني الطعام، فيصبح حينئذٍ من بيع الطعام قبل قبضه، وبيع الطعام قبل قبضه منهي عنه كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
الخلاصة: هناك قول يقول: لا يصح ولا يجوز أن يكون رأس المال من العروض، وهو مذهب جمهور العلماء.
وهناك قول يقول: يجوز ويصح أن يكون رأس مال شركة العنان من العُروض.

حجج القول بالجواز والمنع في الشراكة بالعروض

الذين أجازوا والذين منعوا، ما هي حججهم؟ القول الأول -وهو قول الجمهور- يقول: إننا إذا بعنا العروض سنبيعها بقيمة، وإذا جئنا عند التفاسخ -يعني: فسخ الشركة- أو طرأ الفسخ فجأة، فإننا سنبيعها بقيمة قد تختلف عن القيمة التي كانت في حال الاتفاق، أو إذا جئنا نقيم بقيمة موافقة للقيمة التي كانت في حال الاتفاق فإننا سنظلم أحد الطرفين: مثال ذلك: لو أن السيارة بيعت أثناء الاتفاق -السيارة التي شارك بها- بخمسين ألف ريال، ثم بعد سنتين حصل التفاسخ، فحينئذٍ كم قيمة السيارة بعد سنتين؟ هل ستبقى قيمة السيارة خمسين ألفاً؟

الجواب

لا.
وبطبيعة الحال ستنزل قيمة السيارة، لو بيعت أثناء التفاسح لوجدنا قيمتها عشرين ألفاً أو خمساً وعشرين ألفاً، فكأنه يظلمه في نصف القيمة، فسيرجع الشريك بخمسين ألفاً، ويُطالب بالخمسين ألفاً التي هي قيمة السيارة أثناء الاتفاق على الشركة، مع أنه أثناء التفاسخ لو جئنا نقدر قيمةً مِثْلِيَّة لما دفعه في الشركة لوجدناها بنصف القيمة، فيدخل على شريكه بخمس وعشرين ألفاً، والأصل أن هذه الخمسة والعشرين ألفاً ينبغي أن تكون من أرباح الشركة.
وعلى هذا لو كان رأسُ مالِه مائةَ ألف، وعند التفاسخ كان مائةً وخمسة وعشرين ألفاً، فكانت مائة ألف، وعند التفاسخ حصل التراد، فإننا نرد لأحد الشريكين وهو صاحب السيارة أو صاحب العَرَض جزءاً من الربح؛ لأن قيمة العَرَض نزلت إلى النصف؛ لأن العروض تقدر بمثلها.
يعني: لو أن شخصاً جاءك بسيارة وقال لك: أنا شريكك بهذه السيارة، فإنك حينئذ تنظر إلى مثل السيارة بأوصافها وذاتها، وتقدرها، فإذا قدرتَها بخمسين ألفاً ودخل معك الشركة أصبحت الخمسون ألفاً هي رأسُ ماله.
وفي الحقيقة أن المسألة قد يعترض فيها معترض على الجمهور ويقول: إن صاحب السيارة دخل الشركة بخمسين ألفاً حقيقةً، ولم يدخل بسيارته.
والجواب: إن من دقة الجمهور أنهم نظروا إلى الاتفاق؛ لأن الصيغة والاتفاق تَمَّا والعين موجودة، يعني: حينما اتفقنا كطرفين، هل الذي قدَّمه حين قدَّمه خمسين ألفاً أو أنه قدَّم سيارة؟ الجواب: قدَّم سيارة.
فأنت إذا نظرتَ -وهذا من دقة الشريعة- لن تجد على وجه الأرض حكماً أتمَّ ولا أكملَ من هذه الشريعة، ينظر العلماء إلى كلِّ شيء، الوقت، والزمان وغير ذلك، وكلُّ كلمة لها قيمتُها ودلالتهُا، لن تجد تشريعاً ولن تجد منهجاً يعطي العقود حقها وقدرها بكل تفصيل، ويقف مع كلمة المتعاقدين ومقصودهم يقف مع أعراف الناس، مثل الشريعة الإسلامية.
فهم يقولون: إن الأصل في الشريعة أنه إذا حصل التعاقد يكون بالصيغة: (الإيجاب، والقبول).
ونحن لا ننظر إلى أن السيارة قد بيعت؛ لأن بيعها وقع بعد الاتفاق على الشركة؛ لكن رأس مال الشركة أثناء التعاقد وقع على ماذا؟ على عَرَض، وتم الاتفاق على عين وهي السيارة، ولم يتم الاتفاق على النقد وهي (الخمسون ألفاً)، وإنما حصلت الخمسون ألفاً واستُغلت الشركة؛ لأنه يقال: ستُباع العُروض وتُستثمر أموالُها، فتستغل الشركة؛ لكنها في الأصل وقع عليها العقد.
فلابد أن نقف مع العقد؛ لأن الشريعة لو أجازت الانصراف عن العقد لدخلت كثير من الاعتراضات على بقية العقود التي أعملت فيها الشريعة اتفاق الطرفين في العقد.
ولذلك وقف الجمهور عند هذا الأصل، فقالوا: اتفق الطرفان على هذه العروض، فلو أنها بيعت أثناء التعاقد أو بعد التعاقد ولو بساعة -بيعت بخمسين ألفاً- فإنه عند التراد وعند فسخ الشركة ستُباع بأقل أو أكثر، وقل أن نجد عَرَضاً بعد سنتين أو ثلاث سنوات بنفس الثمن، ولربما فُسخت الشركة بعد عشرين سنة، وبعد عشرين سنة ربما كانت القيمة أضعافاً كما في الأشياء النادرة، ولربما كانت القيمة أقل وأرخص.
إذاً: الضرر موجود.
ثانياً: قالوا: إنه إذا اتفق الطرفان على هذه الشركة، وأعطى أحدهما سيارة بخمسين، وأعطى الآخر سيارة بخمسة وعشرين، على أن الشركة متفاوتة في الرءوس، أو أعطى أحدهما سيارة بخمسين والآخر أعطى سيارة بخمسين فربما أن سيارة أحدهما اليوم تباع بخمسين؛ ولكنها في الغد ستباع بعشرين، أو بخمسة وعشرين، أو بثلاثين، فلا نضمن قيمة العروض، ولربما دخل أحدهما الشركة بطعام، ودخل الآخر بعطور، والعطور قيمها ثابتة، والأطعمة قيمها غير ثابتة.
فالمقصود: أنهم قالوا: إننا لا نمنع إلا من موجب، وهو خوف الضرر، وهذه الجهالة التي قد توجب الإضرار بأحد الطرفين في حال الغلاء أو في حال الرخص، وحينئذ لا تصح الشركة على هذا الوجه.
وهذا لا شك أنه أقوى وأرجح.
وأما الذين أجازوا فلهم تعليل، قالوا: إن الاتفاق على القيم، ثم إنه إذا رضي بهذه القيمة فقد رضي عما ينشأ من خسارة وربح، وهذا لا يخلو من نظر.
والذي تطمئن إليه النفس أن الاتفاق على العروض فيه شبهة.
يعني: القول بجواز شركة العنان بالعروض لا يخلو من نظر، والشبهة فيه قوية، وسيأتي مزيدُ تفصيلٍ -إن شاء الله- في المضاربة، وهي القِراض، إذا كانت القِراض أو المضاربة، وهي من الضرب في الأرض -التجارة- إذا كانت على العروض فإن جماهير العلماء رحمهم الله اختلفوا على منعها، وسنذكر هذا ونبين وجه ذلك وأن العلة فيه أشبه بالعلة التي ذكرناها في شركة العنان.

حكم الشراكة بالمال المغشوش

[ويشترط أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين، ولو مغشوشين يسيراً]: لأن الذهب مادة ضعيفة، وتحتاج إلى شيء يعين على تماسكها، فتُخلط بالنحاس، فيكون مخلوطاً بالنحاس، ولربما خُلط بمعادن أخرى، فالدراهم والدنانير فيها الصحاح وهي ضد المكسَّرة، وفيها السليمة وهي ضد المغشوشة.
ثم إن المغشوش على مراتب: - هناك المغشوش غشاً يسيراً.

  • وهناك المغشوش غشاً متفاحشاً.
    فالمغشوش غشاً يسيراً يتسامح فيه العلماء، وهذا التسامح مبني على باب ذكره العلماء، وهو باب الاستحسان، فتسامَحوا في هذا اليسير من الغش، وقالوا: يجوز أن يتعاملا أو يتعاقدا على شركة عنان بذهب أو فضة مغشوش كل منهما غشاً يسيراً.
    أما لو كان الغش فادحاً فإننا لا ندري كم نسبة الذهب في الدينار، ولا ندري كم نسبة الفضة في الدرهم، فأحدهما يعطي ذهباً مغشوشاً، وقد يكون غشه كثيراً بحيث لا يتعادل مع الآخر، فعند التقاضي يحصل الظلم مثل ما ذكرنا في شركة العروض؛ لأنه إذا كان الغش قوياً دخل أحدهما على مال الآخر.
    أي: لو أن هذا الذهب مغشوشٌ غشاً يصل إلى الثلث، أو إلى الربع، فهذا الغش ليس بيسير، فحينئذ يكون ثلاثة أرباعه ذهباً، والربع مغشوشاً، فربع القيمة لهذا الدينار دخلت على الشركة، فعند التقاضي والتراد، وعند التفاسخ سيكون هناك ضرر على قيمة الدنانير والدراهم التي ستؤخذ في تصفية الحقوق، فيُعطى ديناراً سليماً، فإذا أعطي ديناراً سليماً فمعناه أنه سيأخذ من الربح جزءاً.
    يعني: إذا كانت نسبةُ الغِشِّ الرُّبُعَ فمعنى ذلك أنه إذا جئنا لنفسخ الشركة أو ننظر إلى ربح الشركة فهناك نسبة الربع ستدخل على الربح، ويأخذ صاحب الدراهم المغشوشة والدنانير المغشوشة نسبة غشه من الذهب والفضة، مع أنه لم يدفعها ذهباً ولم يدفعها فضةً، فيدخل على ربح الشركة، ويظلم الطرفَ الآخَرَ باستحقاق شيء ليس من حقه.

ضوابط الاشتراك في الربح

قال رحمه الله تعالى: [وأن يشترطا -لكل منهما- جزءاً من الربح مشاعاً معلوماً، فإن لم يُذْكر الربح، أو شرطا لأحدهما جزءاً معلوماً، أو دراهم معلومة، أو ربح أحد الثوبين لم تصح، وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة]: - فقوله رحمه الله: (وأن يشترطا لكل منهما جزءاً من الربح مشاعاً معلوماً): الشركة تقوم على ثلاثة أشياء مهمة: رأسُ المالِ الذي سيستثمر، ثم العمل والربح الذي يُنتجُ ويُثمرُ.
فأما بالنسبة لرأس المال فقد ذكرنا شروطه.
وبالنسبة للعمل فستأتي بعض الأحكام التي سنذكرها وننبه فيها على اختلاف بعض الشركات؛ لكن من حيث شركة العنان فإن العمل يكون من الطرفين، ويجوز أن يعمل أحدهما ويسامح الآخر، ولا بأس بذلك، فمثلاً: لو أننا اشتركنا بعشرين ألفاً دفع كل واحد منا عشرة، ثم اشترينا بهذه العشرين محلاً تجارياً، فكان أحد الشريكين يأتي إلى المحل بما يقارب من العشر ساعات، ويأتي الآخر في حدود ساعة، فهذا لا يضر، ما دام أنهما متفقان وبينهما تراضٍ فلا إشكال؛ لكن في أصل الشركة العمل يكون بينهما.
فبالنسبة لشركة العنان فيها اشتراك في المال وهو رأس المال، واشتراك في العمل الذي يُستثمَر به رأس المال؛ لكن من ناحية الربح فالربح بين الطرفين، وبناءً على ذلك لا يصح في شركة العنان أن ينفرد أحدهما بالربح فيقول: أشاركك بعشرة آلاف منك وعشرة آلاف مني على أن الربح لي وحدي، فهذا لا يجوز، أو يقول له: أشاركك بعشرة آلاف منك وعشرة آلاف مني والربح كله لك، لا يصح، فلابد أن يكونا شريكين في الربح؛ لأن مقتضى الشراكة يقتضي هذا، وأجمع العلماء رحمهم الله على صحة شركة العنان إذا وقع الاتفاق على الاشتراك في الربح.
لكن يرد

السؤال

ما هي ضوابط الاشتراك في الربح؟ اشترطنا في الربح الاشتراك؛ لأن الربح في الأصل ناتج عن رأس المال، وإذا كان الربح ناتجاً عن رأس المال فمعناه أنني أستحق كما تستحق، فلا يجوز لأحدهما أن ينفرد به كما ذكرنا.
وكذلك أيضاً ينبغي أن يكون هذا الربح الذي يتفق عليه الطرفان ربحاً مشاعاً، فيقول له: تدفع عشرة آلاف وأدفع أنا عشرة آلاف، على أن الربح بيننا، فلك نصف الربح ولي نصف الربح.
هذا النوع من شركة العنان، إذا كان رأس المال متساوياً، والعمل متساوياً، والربح متساوياً، فبإجماع العلماء على أنها شركة شرعية، ولا إشكال فيها، إذا اتفقا على رأس مال متساوٍ، والعمل كان بينهما، وكان نسبة الربح بينهما متساوية، فبالإجماع على أنها شركة جائزة، ولا حرج في هذا النوع من التعامل.
لكن لو أن أحدهما اشترط الربح دون الآخر فذلك لا يجوز.
وقد قال بعض العلماء: لا خلاف.
وقال بعض العلماء: أجمع كل من نحفظ عنهم العلم أنه لا يجوز لأحدهما أن يستأثر بالربح.
وبعضهم يحكي الإجماع بصيغة (الإجماع)، وبعضهم يحكي الإجماع بصيغة: (لا خلاف)، فليس هناك أحد من العلماء يقول: من حقه أن يستأثر بجزء من الربح.
وبناءً على هذا: فإننا نقول: إنه إذا قال له: الربح كله لي، فلا يجوز.
وإذا قال له: الربح بيني وبينك، فإنه يجوز ويُشرَع.
وهذا الجزء من الربح ينبغي أن يكون مشاعاً، والمشاع هو المشترك على الشيوع، يقول له: لي النصف ولك النصف، أو لي ثلاثة أرباع الربح، ولك الربع، أو لي الثلثان ولك الثلث، فإن الثلث والربع والنصف كل منها جزء مشاع، وعلى هذا لا يجوز أن يُدخِل نسبة مبهمة، كأن يقول له: لك جزء من الربح ولا يحدد.
إذاً: إذا قال له: لك جزء من الربح، أو أعطيك من الربح شيئاً، فلا يجوز.
أو قال له: أرضيك من الربح، فإن هذا يعتبر جهالةً موجبةً لعدم صحة الشركة، وعدم صحة التعاقد على هذا الوجه الموجب للغرر، بل لابد أن يعلم نسبته من الربح، وكم له من ذلك النتاج الذي يكون من استثمار الشركة.

الأسئلة

حكم اشتراط الزيادة في الربح بسبب الحذاقة والخبرة في الشركة

السؤال

إذا عمل شريكان بأبدانهما في عمل واحد، وكان عملهما متشابهاً وفي وقت واحد، إلا أن أحدهما أحذق من الآخر، وأكثر حرفة منه، فهل له أن يشترط زيادةً على شريكه؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فلا يجوز أن يُنظَر في الشركة إلى مثل هذا من حيث الجملة، والسبب في هذا أن الشركة إذا دخل الاثنان على ربح فيها أو على اشتراك في النتاج الذي يكون منها، فإن الحذق من أحدهما والضعف من الآخر بمثابة الشيء الواحد، يعني: حذق هذا يجبر ضعف هذا، ولا نأتي ونقول: نميز بينكما بالحذق؛ لأنه أثناء الشركة يريد الله سبحانه وتعالى أن هذا الذي تقل زبائنه ويقل حذقه، يكون عمله أكثر من الحاذق، فالمسألة ليست بمضمونها، ولذلك يقولون: يدخل غالباً في الربح والنَّتاج: أن الشخص يتحمل مسئولية المخاطرة، مثلاً: إذا اشترك الاثنان في العمل، مثل الصيادين، والنجارين، والحدادين، ربما تجد الرجل من أمهر خلق الله؛ لكن لا يأتيه أحد أثناء مدة الشركة إلا الرجل والرجلان، وتجد الآخر أضعف حالاً منه؛ لكن يريد الله أنه في زمان الشركة جاءه أناس أكثر من الآخر، فلا نأتي نقيس ونقول: هذا بهذا، فالحذق وكثرة الزبائن وكثرة العملاء لا يلُتْفَت إليها؛ لأنها مدخولة على الخطر، وكل منهما قد حمل الآخر، وأصبح الضمان في العمل كالشيء الواحد، إذ لو جئنا ننظر إلى حذقهما لم تكن شركة؛ لأننا أعطينا كل واحد منهما حقه، فالشراكة تقتضي أن كلاً منهما يتحمل عن الآخر، ولذلك لو أن أحدهما دخل وهو أقل خبرة وشاء الله أنه لم يربح، وانكسرت التجارة، ثم دخل الثاني بعده، وشاء الله أن يكون أكثر خبرة، ونمت التجارة واستُثمرت، فلا يقل: أنا الذي نميت المال، ويكون الربح لي.
هذا ضابط عام من حيث الجملة في الشركة لا يُلْتَفَت إليه؛ لأنه لو جئنا نلتفت إليه خرجنا عن مقصود الشركة؛ لأنك ما شاركت إلا وأنت تريد أنك مع شريكك كالشيء الواحد، وأن موجب الشركة يحتم عليك أن تتحمل من شريكك ما يتحمله منك، وأن تضمن من شريكك ما يضمنه منك، وكل منكما يجبر كسر الآخر، وكل منكما يحسن إلى الآخر بما كان له من نتاج.
فأياً ما كان هذا النوع لا يُلتفت إليه، ولو جئنا ننظر في الشركات إلى القوة والخبرة فمعنى ذلك أننا سندخل في تفصيلات كثيرة، وسنخرج عن أصل الشركة، وهذا أمر من حيث الأصل العام في الشركة غير مقبول، ولذلك حينما ذكروا شركة الأبدان والعمل ذكروا حديث الاشتراك في غزوة بدر، فإن فيه أن عبد الله بن مسعود وعمار وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم اشتركوا، فجاء سعد بأسيرين، ولم يأتِ صاحباه بشيء، وسعد له بلاء في الجهاد أكثر من غيره، فما جاء يقول: أنا الذي أبليت وأنا الذي حصَّلت، ولو قال هذه الكلمة فإنه قد خرج عن كونه شريكاً؛ لأنه في هذه الحالة أصبح منفرداً عن الآخرَين بما كان من عمل، ومقتضى الشركة أن تدخل على الخطر، فإن كان فتح الله عزَّ وجلَّ لأخيك وشريكك فهذا خير لكما بمقتضى الاتفاق، وإن فتح الله عزَّ وجلَّ عليك ولم يفتح على شريكك فهو شريك معك؛ لأن الله عزَّ وجلَّ قد جعلكما كالشيء الواحد بموجب هذا العقد والاتفاق.
فلا يُلتَفت إلى مسألة الحذق وعدمه.
والله تعالى أعلم.

معنى كلمة (لو) في مصطلحات المتون

السؤال

مر معنا أن كلمة (لو) معناها في هذا اللفظ المبارك إشارة إلى الخلاف، فهل هذا مُطَّرِد في جميع المتون؟

الجواب

( لو) يُشار إليها بالخلاف المذهبي؛ لكن تختلف؛ لأن المتون تختلف مصطلحاتها، وبعض العلماء المصطلحات في متونهم الفقهية فيها على قسمين: القسم الأول: المصطلحات المشهورة والغالبة، كقوله: ويجوز ذلك على المشهور، فالمشهور مصطلح في جميع المذاهب: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وكلهم يستخدمون هذا المصطلح، والقول المشهور هو الذي عليه العمل والفتوى، قيل: الذي عمل به الأكثر في المذهب، وقيل: إنه الأقرب للدليل أو لأصول الإمام، على حسب الضوابط عند العلماء رحمهم الله.
كذلك ربما يكون المصطلح مصطلحاً شائعاً عند الجميع، وفي متون المذاهب كلها ربما يكون المصطلح خاصاً، فقد يأتي عالم ويضع مصطلحاً خاصاً لمتنه، يخرج فيه عن المصطلحات المشهورة، فإذا قرأت المتن تتقيد بهذا بمصطلحه الذي ذكره، على سبيل المثال: يقول صاحب المختصر خليل بن إسحاق: مشيراً بـ (فيها) للمدونة، وبـ (أُوِّلَ) إلى اختلاف شارحيها في فهمها، وبـ (الظهور) لـ ابن رشد، وبـ (القول) للمانذلي، وبـ (الترجيح) لـ ابن يونس، وبـ (الاختيار) للخمي.
مثلاً إذا قال: وفيها لا يجوز.
أي: المدوَّنة، أو يقول: لا يجوز وهذا قول في المذهب؛ لكن في الفنون الأخرى، قد تكون (فيها) ولا تعني قولاً أصلاً.
إذاً: هذا مصطلح خاص لصاحب المتن.
وبـ (أُوِّل) إلى اختلاف شارحيها في فهما: وقد تجد بعض العلماء يقول: وهل يجوز ذلك أو لا يجوز؟ فيه تأويلان، (تأويلان) مثل قوله: قولان أو وجهان؛ لكن قد يُصْطَلَح على التأويل بمعنىً خاص مثل ما ذكرنا، فيكون قوله: تأويلان أو ثلاثة، إشارة إلى أنه اختُلِف في فهم عبارة المدوَّنة، فمنهم مَن أوَّلها على الجواز، ومنهم مَن أوَّلها على التحريم، أو تكون عبارة (المدوَّنة) التي نُقِل فيها القول عن الإمام، تكون محتملة للتحريم وللكراهة، فمنهم مَن أَخَذ بظاهرها فحرَّم، ومنهم مَن أَخَذ بالمعنى وبالأصول العامة وفَهِمَها على ضوء الأصول العامة فقال: يُكره كراهة تنزيه.
هذه كلها ضوابط يُرْجع إليها، ولذلك يقولون: لا يمكن لأحد أن يستفيد من كتاب الفقه حتى يقرأ مقدمته، فإن العلماء -رحمهم الله- اعتنوا ببيان المصطلحات في المقدمات، ولا يمكن لأحد أن يضبط هذه الكتب إلا بالرجوع إلى المقدمات، وينبغي أن يُنْتَبَه لهذا الأمر، خاصةً وأن بعض طلاب العلم في هذا الزمان يرجع إلى كتب العلماء مباشرة، دون سبق قراءة لمقدمة هذه الكتب ومعرفة الضوابط والقيود، والمصطلحات.
يعني: ربما يأتي إلى كتاب وينقل منه إجماعاً وليس بإجماع، مثلاً: الإمام النووي يقول: اختلف أصحابنا، هل يجب هذا التكرار أو لا يجب في هذه المسألة على قولين: قيل بالوجوب.
وقيل بعدمه.
ومحل الخلاف إن وجد الشرط، فإن لم يوجد فلا يجب إجماعاً.
فيأتي ويقول: لا تجب المسألة إجماعاً، وينقل عن الإمام هذا.
فإجماعاً يعني: إجماع أصحاب القولين، وهذا إجماع داخل المذهب، والإجماع المذهبي لا علاقة له بالإجماع العام الذي هو حجة، فينقل إجماعات بدون إجماع، فتجد مثل هذه العبارة، وقد يُعَبَّر بالاتفاق، فيقول: وهل يجوز أو لا يجوز؟ قال قولٌ بالجواز، وينسب القول إلى صاحبه، وقال قول بعدم الجواز، ومحل الخلاف بين القولين إن ظهر -مثلاً: إن ظهر الشيء- فإن كان مخفياً أو غير ظاهر فاتفقوا على عدم الجواز، واتفقوا صيغة إجماع؛ لكنها في هذا الموضع تعني اتفاق أصحاب القولين.
وفي بعض الأحيان نجد بعض العلماء يُعَبِّر بالإجماع كإجماع، ويُعَبِّر بالاتفاق لاتفاق الأئمة الأربعة، يعني: إذا قال: واتفق العلماء، المراد: الأئمة الأربعة، وهذا ليس بإجماع؛ لأن الأئمة الأربعة إذا اتفقوا فليس بإجماع، فقد يتفقون على أمر مجمع عليه، وقد يتفقون على أمر يخالفهم غيرهم، كالإمام داود الظاهري رحمه الله.
إذاً: لابد من معرفة المصطلحات، ومعرفة عبارات العلماء، وطريقة تناول هذه العبارات، مثل كلمةٍ أو وصفٍ ففي بعض الأحيان تجد عبارة: واختار الشيخ عدم الجواز، في كتب الحنابلة رحمهم الله إذا قالوا: واختار الشيخ عدم الجواز، فهو شيخ الإسلام رحمه الله، فقد أصبح مصطلحاً خاصاً به، وهذه المصطلحات الخاصة تكون للأئمة لجلالة قدرهم، وعلو شأنهم، ولأنهم أبلوا بلاءً عظيماً في العلم، ومثلاً: تجد مصطلح (القاضي) وقال القاضي: لا يجوز، فعند الحنابلة إذا قيل: قال القاضي فهو القاضي أبو يعلى رحمه الله، وقد يقال: قال القاضي عند المالكية ويراد به القاضي عياض، وقد يطلق عند المالكية ويراد به القاضي ابن رشد، الجد أو الحفيد على حسب النقل.
فهذه عبارات لابد من معرفتها، ولابد من الرجوع إلى مصطلحات العلماء رحمهم الله.
نسأل الله العظيم أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يتقبل ذلك منا، إنه سميع مجيب.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

شرح زاد المستقنع -

باب الشركة [3]

أصل عقد الشركة يقتضي المشاركة في الربح والنتاج، ولهذه المسألة شروط وضوابط وأحكام فصلها العلماء في معرض بيانهم للشروط التي ينبغي توافرها للحكم بصحة الشركة.

من شروط صحة شركة العنان: أن يكون الربح مشاعاً معلوماً

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فلا زال المصنف رحمه الله في معرض بيانه للشروط التي ينبغي توافرها للحكم بصحة شركة العنان، ومن ذلك: مسألة الربح، فإن الشريكين إذا دفع كل واحد منهما مالاً واتفقا على المتاجرة بالمال الذي اشتركا فيه، فإنه ينبغي أن يحددا نسبة ربح لكل منهما، وذلك لأن أصل عقد الشركة يقتضي المشاركة في الربح.
وبناءً على هذا: لا يجوز أن يكون الربح كله لواحد منهما، فلو دفع كل واحد منهما عشرة آلاف -مثلاً- واتفقا على أن الربح لأحدهما لم يصح؛ لأن مقتضى الشراكة أن يكون لكل منهما نصيب من هذا الربح.
وقد بيَّن المصنف رحمه الله أن لكل واحد من الشريكين حظاً من الربح، ثم هذا الحظ من الربح، لابد أن يكون مشاعاً معلوماً، فلما قال: [مشاعاً] دل على أنه لا يجوز أن يستبد به أحدهما دون الآخر، كما يقول رجل لآخر: أعطني عشرة آلاف وأدفع أنا عشرة آلاف وتكون الشركة بيننا، والربح كله لي أو الربح كله لك، فإنه غير مشاع، ولا يجوز.
كذلك ينبغي أن يكون هذا المشاع معلوماً، فلو قال له: ادفع عشرة آلاف، وأنا أدفع عشرة آلاف، ونشترك في تجارة العود -مثلاً-، على أن لي جزءاً من الربح، ويسكت، ولا يحدده، ولا يبين كم قدر ذلك الجزء من الربح، فإنه لا يجوز؛ لأنه مشاع غير معلوم.
فلابد أن يكون الربح مشاعاً ومعلوماً.
ومشاعاً: أي: لا يستبد به أحدهما دون الآخر.
ومعلوماً: أي: غير مجهول، والجهالة في الربح تكون بالنصيب نفسه، كقوله: نشترك بعشرين ألفاً، تدفع عشرة آلاف، وأدفع عشرة آلاف، ولك جزء من الربح نتفق عليه لاحقاً، أو سوف نتراضى على الربح، أو نقتسم الربح بيننا بعد ذلك بما يُرضي كل منا الآخر، كل هذا من الجهالة، وقد قال جماهير السلف والخلف بعدم جواز هذا النوع من الشركة، وهو أن يكون نصيب كل واحد منهما مجهولاً في الشركة.
إذاً: تكون الجهالة بعدم تحديد النسبة -نسبة كل واحد منهما من الربح- وتزول هذه الجهالة بالتحديد، كقوله: لي نصف الربح ولك نصفه، أو لي ثلثا الربح ولك ثلث، أو لي ثلاثة أرباع الربح ولك الربع، وهكذا.
فقوله: النصف، أو الثلثان، أو الثلاثة أرباع والربع، كله مشاع معلوم؛ لأن نسبة النصف معلومة، ونسبة الثلث والربع معلومة، على خلاف بين العلماء: هل ينبغي أن يكون الربح متعلقاً برأس المال؟ فمثلاً: إذا دفعنا رأس مال مشترك بيننا بالسوية، فهل ينبغي أن يكون الربح بالسوية؟ فمن دفع النصف من رأس المال يكون له النصف من الربح، ومن دفع الثلثين، يكون له الثلثان من الربح؟ هذا لا شك أنه أحوط الأقوال وأولاها -إن شاء الله- بالصواب، وهو أن الربح يتعلق برأس المال، وذلك لأن شركة العنان لا تشبه شركة المضاربة كما يقول بعض الفقهاء، فيجيز تفاضل النسبة في الربح بتفاضل العمل.
والأقوى والأشبه بالأصول: أنه لابد أن تكون نسبة الربح على نسبة رأس المال، فإذا اشتركا بعشرين ألفاً ودفع كل واحد منهما عشرة آلاف، فالربح ينبغي أن يكون مناصفةً بينهما، وإذا كان المبلغ أربعين ألفاً دفع أحدُهما ثلاثين ألفاً، ودفع الآخر عشرة آلاف، فالربح يكون بينهما أرباعاً، ثلاثة أرباع لِمَن دفع ثلاثين، والربع يكون للآخر.
وإن كان بعض العلماء يجيز التساوي في رأس المال مع التفاضل في الربح، كأن تدفع خمسين ألف ريال، ويدفع الآخر خمسين ألف ريال، ويكون لأحدكما ثلثا الربح، فقد تفاضل الربح مع تساوي رأس المال، وإن كان الأوجه والأقرب -إن شاء الله- للصواب التساوي؛ لأن القياس هنا مُعْتَرَضٌ عليه، وسنبين -إن شاء الله- في باب المضاربة أنه قياس على الخارج من الأصل، ولا يستقيم على هذا الوجه.

صور عدم كون الربح مشاعاً معلوماً

قال رحمه الله تعالى: [فإن لم يذكرا الربحَ، أو شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً، أو دراهم معلومة، أو ربح أحد الثوبين، لم تصح]:

عدم تسمية الربح

(فإن لم يذكرا الربحَ): إذا لم يذكر الطرفان الربح وقالا: نشترك بأربعين ألفاً ودخلا في الشركة ولم يحددا نسبة ربح كل منهما من المال، فإنه لا يجوز، ولا تصح الشركة.
والسبب في هذا أن العلماء رحمهم الله يقولون: إن الربح محل العقد في الشركة، ومعنى قولهم: (محل العقد) أي: أن العقد ورد عن الربح، فمثلاً: حينما تتفق مع شخص على التجارة في السيارات، وتقول: نشترك في شركة بخمسين ألفاً، تدفع نصفها، وأدفع أنا نصفها، ونتاجر في السيارات، نشتري السيارات ونبيعها ونستثمر، فإنكما إذا اتفقتما على الخمسين ألفاً أن تتاجرا فيها، فإن محل العقد ومورد الصيغة (نشترك) على الخمسين ألفاً وعلى ربحها ونتاجها.
إذاً: محل العقد منصب على الربح، ومنصب على رأس المال، قالوا: وإذا كان العقد منصباً على محله، وهو الربح، فلا يجوز أن يكون الربح مجهولاً، كما لا يجوز في البيع أن يكون الثمن والمُثْمَن مجهولاً، وقد بينا في البيع أنه لا يصح أن يتعاقد الطرفان في المعاوضة على شيء مجهول، كذلك هنا لا يصح أن يتعاقد الشريكان بدفع كل منهما لمال، وهو لا يدري كم ربحه من ذلك المال، ثم إن وجود الجهالة في الربح تفضي إلى الخصومة والنزاع، وتفضي إلى الأذية والإضرار؛ لأن كلاً منهما سيحاول بعد ذلك أن يكون له الأحظ من الربح، وحينئذٍ يظلم أحدهما الآخر، ولربما وقعت في ذلك الشحناء، وقد بينا أن الشريعة لا تجيز الوسائل المفضية إلى المفاسد المحرمة، كالشحناء ونحوها من الخصومات والنزاعات التي تترتب على الجهالة، وقد فصلنا هذه المسألة، وبيناها وبينا مقاصد الشريعة حينما تكلمنا على بيع المجهول.

أن يشترط أحدهما جزءاً مجهولاً

قوله: [أو شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً]: مثل أن يقول: لي شيء من الربح، فالشيء من الربح مجهول، ما يُدرَى أهو كثير أو قليل، فهذا لا يجوز.

أن يشترط أحدهما دراهم معلومة

قوله: [أو دراهم معلومة]: كقوله: نشترك ولي ألف، أو لي عشرة آلاف من الربح، فلا يجوز.
وقوله: [أو ربح أحد الثوبين، لم تصح]: إذا حدد أحد الشريكين شيئاً من الشركة على أن يأخذ ربحه، فإنه محرم ولا يجوز؛ لأنه قد لا يربح إلا هذا الثوب، ولذلك نص العلماء رحمهم الله على تحريم هذا النوع من الاشتراط.
فقوله: [فإن لم يذكرا الربحَ، أو شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً، أو دراهم معلومة، أو ربح أحد الثوبين، لم تصح]: والدراهم المعلومة في زماننا كقوله: نشترك بعشرين ألفاً، ويكون لي كل شهر -مثلاً- ألف ريال، أو يكون لي في نهاية الشركة عشرة آلاف؛ لاحتمال ألَّا تربح الشركة إلا هذه، فإنه لو قال لي: أشاركك بعشرين ألفاً، منك نصفها، ومني نصفها، على أن آخُذَ عشرةَ آلافٍ من الربح، أو آخُذَ عشرين ألفاً، أو آخُذَ خمسةَ آلافٍ، أو آخُذَ ألفاً، فإنه إذا حدد شيئاً معيناً من المال فإنه غرر، وقد نص جماهير العلماء حتى إن ابن المنذر رحمه الله يحكي الإجماع على أنه إذا اشترط مالاً معيناً كألف ريال أو عشرة آلاف درهم أو نحو ذلك أن الشركة باطلة، ولا يجوز أن يحدد مالاً معيناً أو جزءاً معيناً؛ لأنه يحتمل أن الشركة لا تربح إلا هذا الشيء.
ومن أمثلة هذا النوع في زماننا: أن يشتركا -مثلاً- في تجارة العود، فيقول له: نشترك في تجارة العود خشباً ودهناً، ويكون رأس المال خمسين ألف ريال، اتفقا ودفعا الخمسين ألفاً، هذا خمسة وعشرون، وهذا خمسة وعشرون، فلما أرادا التعاقد على إتمام الشركة قال أحدهما: أشترط أن يكون لي ربح عود الخشب، ويكون لك ربح عود الدهن.
فهذا لا يجوز؛ لاحتمال ألَّا يربحا إلا عود الدهن، فيُظلم أحدهما بنصيبه، ويستفيد الآخر من نصيب صاحبه دون أن يعاوضه بحق الشركة، والعكس: فلو قال له: لي ربح الخشب، فإنه يحتمل ألَّا يربح إلا الخشب، فحينئذٍ يُظلم الطرف الثاني الذي يكون له ربح الدهن.
وعلى هذا قال العلماء: يدخلان في الشركة ويكون الربح مشاعاً بينهما، فلا يحددان نسبةً معينةً، ولا ربحاً من جزء معين، ولا من نتاجٍ معينٍ من الشركة، بل يكون على أصل الشيوع الذي ذكرناه.
وقد حكى ابن المنذر رحمه الله الإجماع على أنه لو ذكر مع النسبة شيئاً معيناً كقوله: لي ألف ريال كل شهر، أو لي خمسمائة كل شهر، كأن يقول له: أدخل معك، ونشترك في تجارة العود، أو تجارة السيارات؛ ولكن أشترط أنني آخذ كل شهر ألف ريال، أو آخذ كل شهر خمسمائة ريال، فإنه لا يجوز؛ لأن فيه غرراً، ولذلك خرج عن مقتضى الشركة بالتميز عن صاحبه بهذا القدر.

اشتراط ما يوجب الضرر والغرر

[أو ربح أحد الثوبين]: قوله: لي ربح أحد الثوبين: هذا إذا اشتركا في شراء ثوبين، فقال أحدهما: تأخذُ أنت ربح الثوب القطن، وآخذُ أنا ربح الثوب الصوف، فهذا لا يجوز؛ لأنه يفصل ربح الشركة عن الطرفين.
وهذه أمثلة -كما ذكرنا غير مرة- أن العلماء والفقهاء رحمهم الله يذكرون أمثلة يقصدون منها التقعيد.
والمسألة ليست في الثياب، إنما المسألة أنه لا يجوز أن يعطيه ربحاً مجهولاً.
وفي حكم الجهالة: التغريرُ، كأن يدخلا في الشركة في تجارة الأقمشة -مثلاً-، فيشتريا بنصف المال أقمشة من القطن، وبالنصف الآخر أقمشة من الصوف، فيقول أحدهما للآخر: الآن اشترينا القماش، فتأخذُ أنت ربح الصوف، وآخذُ أنا ربح القطن، فلا يجوز، فكما أن الجهالة تكون في الأول، كذلك تكون أيضاً في الأخير، وتكون في الأثناء.
فإذا قال له: تأخذُ ربح كذا، وآخذُ ربح كذا، فلا يجوز.
وفي زماننا: لو أنهما اشتركا بمائة ألف ريال ودخلا في الشركة، وكان من عادتهما أن يسافر أحدهما إلى الخارج ليجلب التجارة، فالشركة بينهما تستلزم بضائعَ تستورَد ثم تُباع، فقال أحدهما: السفرة الأولى لي ربحُها، والسفرة الثانية لك ربحُها، تسافر أنت وتأخذ الربح، أو أسافر أنا وآخذ الربح، أو لي ربح السفر إلى المشرق، ولك ربح السفر إلى المغرب.
إذاً: ليس مراد العلماء في مسألة (لي ربح أحد الثوبين) القصر على الثياب أو على مسألة البضائع إذا كانت من الثياب، لا.
إنما هي قاعدة: أن الشركة تستلزم دخول الشريكين مستويين، من بداية العقد إلى نهاية العقد.
وبناءً على ذلك: فلو اشترط أحدهما على الآخر نصيباً معيناً، مثل: لي ربحُ أحدِ الثوبين، أو لي ألفُ ريالٍ كل شهر، أو لي عشرةُ آلافٍ كل سنة، أو لي من الربح صافياً خمسةُ آلافٍِ، ثم نقسم الربح بيننا، كل ذلك مما يوجب الجهالة، ومما يغرر بالطرف الآخر الذي فرض عليه الشرط.
وعلى هذا لا يجوز أن يحدد ربحاً من أحد المبيعات، ولا يجوز -كما في زماننا- أن يحدد ربح سَفْرة من السَّفْرات، أو يقول له: إذا كانت السَّفْرة إلى جهة كذا كان لي ربحها، وأنت إلى جهة أخرى يكون لك ربحها، أو تكون التجارةُ صيفيةً شتويةً، فيقول: لي ربح الصيف، ولك ربح الشتاء، كتجارة الرطب والتمر -مثلاً-، فيقول له: ندفع مائة ألف ونشتري التمر ونبيعه، ونشتري الرطب ونبيعه، فما كان من نتاج الرطب فلك ربحه، وما كان من نتاج التمر فلي ربحه.
وهكذا لو أن الشريكين دخلا في الشركة، على أن يتاجرا -مثلاً- في العطورات عموماً، وكان أحدهما أعرف بالعود، والآخر يعرف بقية الأصناف، فشاء الله أن الذي يعرف العود قال: أسافر وأجلب العود وأبيعه ولي ربحه، وأنت تسافر للأنواع الأخرى ولك ربحها.
هذا كله لا يجوز.
لماذا؟ أولاً: لأن مقتضى عقد الشركة يستلزم دخولهما سوياً في الربح، وأن يكون أحدهما حاملاً لكسر الآخر.
ثانياً: لأننا لو أجزنا هذا النوع لغرر أحدهما بالآخر؛ لاحتمال ألَّا يربح إلا الوجه الذي حدده، واحتمال ألَّا يربح إلا الصفقة أو العَرَض الذي خصه، وفي ذلك ضرر على الطرف الثاني.

جهل الربح في المساقاة وأحكامه

[وكذا مُساقاةٌ، ومُزارَعةٌ، ومُضارَبةٌ]: المساقاة: من السقي.
والمزارعة: من الزرع.
والمساقاة: أن يدفع رب الأرض التي عليها النخل وما في حكمه -وسيأتي إن شاء الله بيان ما الذي يلتحق بالنخل- أن يدفع النخل إلى العامل على أن يقوم بسقيه وإصلاحه ورعايته، والثمرة بينهما على ما اشترطا.
ومثال ذلك: عندك بستان ووقتك لا يسمح لك بالعمل فيه، أو ليست عندك خبرة بإدارة هذا البستان، فتأتي إلى عامل وتقول له: اشتغل في هذا البستان، واسقِ زرعه -يعني: النخل الموجود فيه- وأصلح النخل، ثم الثمرة الموجودة في النخل بيني وبينك مناصَفَةً، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بيهود خيبر، كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها)، فكانوا -أي: اليهود- يعملون في النخل، ويصلحونه، ويرعونه بالسقي، ويقومون على رعايته حتى تخرج الثمرة، فتُقسم بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمر ذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في عهد أبي بكر، وفي عهد عمر رضي الله عنه، أخرجهم وأجلاهم، كما هو مشهور.
الشاهد: أن المساقاة أن يدفع رب الأرض للعامل الأرضَ على أن يعمل فيها، ويقول له: خذ جزءاً من الثمرة.
كيف نقدر المساقاة على مسألتنا؟ مثال ذلك أن يقول رب المال أو رب الأرض للعامل: اسقِ الأرض وأُرْضِيكَ.
فيقول: كم لي؟ فيقول له: لا يهمك، نتفق.
إذاً: يدخل المساقاة على جهالة، وهذا لا يجوز.
وإذا بطُلت ينقلب العامل إلى أجرة المثل، فيقدر تعبه، ويأخذ أجرة المثل، وسوف نبين ذلك إن شاء الله.
هذه هي جهالة النسبة.
ومن جهالة النسبة: إدخال المجهول على المعلوم، كقوله: اسقِ الأرض، ولك نصف ما يخرج، وهدية من عندي، أو رَضْوَة من عندي، فالرَّضْوَة مجهولة، وصحيحٌ أن نصف الثمرة معلوم.
وإذا قال: أعطيك نصف الثمرة، فهذا معلوم؛ لكن إذا قال: أعطيك هديةً أو رَضْوَةً، صيَّرت المعلوم مجهولاً، والقاعدة تقول: (دخول المجهول على المعلوم يُصَيِّر المعلومَ مجهولاً)، فصحيحٌ أنه حدد النصف أو الربع؛ لكنه حينما أدخل الهديةَ والرَّضْوَةَ المجهولة أصبح المعلوم مجهولاً، ولذلك لا يجوز هذا النوع.
فنحن ذكرنا أن يجهل النسبة، أو يُدخل مجهولاً على النسبة المعلومة، أو يُدخل معلوماً مفروضاً أو معيناً من الأرض: معلوماً مفروضاً: يقول له: اسقِ الأرض ولك نصف الثمرة، وأعطيك كل شهر مائة، أو أعطيك خمسين، أو نحو ذلك.
أو يقول له: اسقِ نخلي وزرعي وأعطيك الثمرة التي في النوع الفلاني، فقد يكون نخله -مثلاً- سكرياً أو برحياً، فيقول للعامل: إن سقيت المزرعة فلك ثمرة البرحي، ولي ثمرة السكري.
فهذا لا يجوز؛ لاحتمال ألَّا تخرج إلا ثمرة السكري، فيُظلم رب الأرض؛ لأن هذا ماله، وله الحق أن يأخذ منه، واحتمال ألَّا يخرج إلا البرحي، فيُظلم العامل، فيكدح طيلة عامه بدون ثمرة وبدون نتيجة، فهذا مما فيه غرر وفيه ضرر، وكما ذكرنا في الشركة أنه إذا حدد جزءاً معلوماً فلا.
وقد قيل في حديث رافع بن خديج رضي الله عنه والذي وقعت فيه الخصومة بين الصحابة رضوان الله عليهم والخلاف في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن شراء المزارع، وعن إجارة الأراضي، حتى إن زيد بن ثابت رضي الله عنه استغفر لـ رافع وقال: (أنا أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منه)، وكذلك جاء عن رافع ما يدل فعلاً على أن النهي المراد به أن يقول: اسقِ الأرض وآخذُ الذي هو قريب من الماء، وتأخذ البعيد من الماء.
وهذا فسره رافع كما في الصحيحين؛ يقول: (إنما كانوا يؤاجرون على الماذِيانات، وأقبال الجداول) فمن المعلوم أن القناطر كانت من التراب، وكانوا يزرعون، وبطبيعة الحال كان الثمر الذي يُزرع أو البذر الذي يُزرع بجوار القنطرة أجود وأفضل، وغالباً ما يسلم، فيقول رب الأرض: أنا آخذ الذي يلي الجدول، وأنت أيها العامل تأخذ الذي هو بعد الجدول، قال رضي الله عنه: (كانوا يؤاجرون على الماذِيانات -في القناطر- وأقبال الجداول -يعني: التي تجري فيها المياه- فيسلم هذا -أي: الذي عند الماء-، ويهلك هذا -البعيد عن الماء للعطش أو يخرج ضعيفاً-، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: وأما ما كان بشيء معلوم فلا بأس) يعني: ما كان لا غرر فيه ولا ضرر ويدخل الطرفان فيه فلا بأس، مثلاً: حينما يقول له: ولك نصف الثمرة، دخل الاثنان، الصالح منها وغير الصالح، ودخل الاثنان في غُنْمها وغُرْمهما.
وعلى هذا ذكر المصنف رحمه الله أنه لا يجوز للشريكين أن يغرر أحدهما بالآخر؛ لأن مقتضى عقد الشركة قائم على نصيحة كل منهما للآخر، ولا يمكن أن تصلح الشركة وأحدهما يستفضل نفسه على الآخر، ولا يمكن لشريك أن يعامل شريكه بأمانة ونزاهة ونصيحة وحرص على المصلحة للشركة إذا كان يعلم أن شريكه قد غبنه؛ لأنه يحس أنه مظلوم، ولربما تأثُّره بظلم شريكه يضر بمصالح الشركة، ولذلك لابد أن يدخلا وهما مستويان في الغُنْم والغُرْم.
وهذا على الأصل الذي ذكرناه، فلا يغرر رب المال، ولا يغرر الشريك بشريكه بتعيين ربح شيء معين، ولا نسبة مجهولة على الصفة التي بيناها وقررناها.

جهل الربح في المزارعة وأحكامه

قوله: [ومُزارَعةٌ]: كذلك المزارعة، كأن يكون عندك أرض زراعية ولا تحسن زراعتها، فتسلمها لرجل عنده خبرة، وهذا من سماحة الإسلام، وإن تبجح المعاصرون الذين لا يدينون بدين الإسلام أنهم نظموا أمورهم، فكم في الإسلام من تنظيمات وشرائع حكيمة عالية سامية؛ ولكن من الذي يفقهها؟! ومن الذي ينظر إلى هذه الشريعة نظرة تأمل، فيدرك فيها العدل والإنصاف، وإقامة الأمور على أتم الوجوه وأكملها؟! فانظر إلى العامل العاطل الذي ليس عنده عمل، إذا بالشريعة تؤمِّن له ذلك عن طريق هذه العقود الشرعية، فالعامل الذي تكون عنده خبرة في الزراعة، قد يبقى هكذا بدون عمل؛ لأنه لا يملك أرضاً يزرعها، فإذا بالشريعة تجيز للرجل الذي عنده أرض؛ وربما كانت الأرض لأيتام لا يحسنون زراعتها، ولربما كانت لمعتوه أو نحو ذلك، أو كانت لإنسان كثير الشغل، أو لطالب علم، أو لعالم لا يتفرغ لزراعتها، ولا يحسن زراعتها، فإذا بهذه الأعمال تؤمَّن، وتقول الشريعةُ لرب الأرض: ادفع أرضك لهذا العامل، ليستثمرها، فاستَغَلَّت طاقات الناس، وأمَّنت المجتمع من البطالة، فدعت إلى أن يدخل مع رب المال في هذه الأرض، فيزرعها وله جزء مما يخرج منها.
وهل البذر على رب الأرض أو على العامل؟ هذا على تفصيل سيأتي -إن شاء الله- في باب المزارعة.
فالشاهد: أن الأرض أصبحت شراكة بين الطرفين في ما يخرج منها، وليس في الرقبة ذاتها، إنما يشتركان في ما يخرج منها، فيقول له: خذ الأرض وازرعها، وما كان من نتاجٍ فبيني وبينك -الذي هو المناصفة- فإذا قال له: خذها وازرعها، ولي الزراعة التي بجوار الماء، أو لي الزراعة أو الثمرة التي تخرج من شرقيِّ الأرض ولك غربيُّها، أو لي قِبْلِيُّها ولك جنوبيُّها، أو نحو ذلك، لم يصح ولم يجُز، على التفصيل الذي ذكرناه في الشركة.

جهل الربح في المضاربة وأحكامه

قوله: [ومُضارَبةٌ]: وكذلك المضاربة، مُفاعَلةٌ من الضرب في الأرض للتجارة، وسيأتي -إن شاء الله- الكلام على عقد المضاربة وحقيقته ومشروعيته وأحكامه ومسائله إن شاء الله تعالى.
لكن مراد المصنف بقوله: [ومُضارَبةٌ] أي: مثل الذي مضى من الحكم بالتحريم في حال إعطاء نسبة من الربح مجهولة ينطبق على عقد المضاربة كما ينطبق على عقد الشركة، فلو قال له: خذ مائة ألف واضرب بها في الأرض للتجارة، وما كان من ربح فسأرضيك منه، أو سأعطيك ما يسرك، فهذا مجهول؛ فإنه لا يدري ما الذي يسره، فقد يكون الذي يسر العامل ثلاثة أرباع الربح، والذي يسره عند رب المال ربع الربح، وقد يسره النصف بالكثير، فهذا يُدخل المفاسد والشرور؛ وقد ذكرنا هذا في مقدمة البيوع حينما بيَّنَّا أن بيوع الجهالة تفضي إلى النزاع والخصومة، كذلك أيضاً لو قال له: اضرب بمالي في الأرض، فاشترى عشرين سيارة -مثلاً-، وأراد أن يتاجر بها، فقال له: هذه العشرون، لي منها فقط ربح سيارتين، والباقي لك ربحه، فهذا لا يجوز؛ لأنه يحتمل ألَّا تربح إلا هاتان السيارتان، واحتمال ألَّا تربح السيارتان وتربح بقية السيارات، ولذلك يدخل على غرر، فلابد أن يشتركا في الغُنْم والغُرْم، وعلى هذا فلابد أن يحددا نسبةً مشاعةً معلومة، كما قلنا في الشركة.
ولو قال له: اضرب بمالي في الأرض، والربح بيني وبينك -يعني: مناصفةً- وأعطيك مع الربح إكرامية، أو هدية، أو أرضيك بزيادة، لم يجز.

الخسارة في الشركة على قدر رأس المال

قوله: [والوضيعة على قدر المال]: [والوضيعة] أي: الخسارة.
[على قدر المال] أي: على قدر ما دفعه الطرفان، فمن دفع النصف فعليه الخسارة بالنصف.
وهذه المسألة تتعلق بالنكسة والمصيبة التي تحدث للشركة، فالطرفان دفعا مائة ألف، ودخلا في تجارة قماش أو طعام أو سيارات أو غير ذلك، ولما دخلا في التجارة اشتريا وخسرا في البيع، ووقعت الخسارة (بخمسين ألفاً)، سلمت خمسون وبقيت خمسون، فالسؤال الآن: هذه الخمسون ألفاً التي وقعت فيها الخسارة، وحصلت فيها النكسة للشركة، هل نجعلها على أحد الشريكين، أو نجعلها على الشريكين؟ وإذا جعلناها على الشريكين هل نجعلها بنسبة الربح أو بنسبة رأس المال؟

الجواب

أن الوضيعة تكون على نسبة رأس المال، في قول جماهير العلماء رحمهم الله، فمن دفع نصف مال الشركة يتحمل نصف الخسارة، ومن دفع ثلاثة أرباع مال الشركة يتحمل ثلاثة أرباع الخسارة، فلو أن الشركة بأربعين ألفاً، وهم أربعةُ أشخاص فقط، وكلُّ شخص دفع عشرة آلاف، وخسرت الشركة أربعة آلاف ريال من الأربعين، فإن ما بقي من رأس مال الشركة -وهو ستة وثلاثون- يقسم بينهم -أي: الأربعة-، وبعد ذلك تُجَزَّأُ الخسارة، وكلُّ واحد منهم يغرم ألف ريال؛ لأنه دَفَعَ رُبُعَ رأسِ المال، فيتحمل رُبُعَ الخسارة، فالأربعةُ آلاف ريال رُبُعُها ألف، فكل واحد منهم يتحمل ألف ريال، فتصبح حينئذٍ الخسارة مقسمة على الرءوس بحسب النسبة التي دخل بها الشركاء في شركتهم.

حكم خلط المال في الشركة

قال رحمه الله تعالى: [ولا يشترط خلط المالين، ولا كونهما من جنس واحد]: (فلا يشترط خلط المالين): في شركة العنان إذا دفع أحدهما مالاً والآخر دفع مثله، كأن يكون خمسين بخمسين، فللعماء قولان: - القول الأول: يجب أن يخلط الشريكان ماليهما حتى يصيرا كالمال الواحد، وأكَّدوا هذه الخلطة بأن يختلط المالان على وجه لا يمكن تمييز مال أحدهما من الآخر.
إذاً: لا بد عندهم من شرطين: - الخُلطة، وهو أن يجتمع المالان في مكان واحد، ويُخلَطان مع بعضهما.

  • ثانياً: ألَّا يكون أحد المالين متميزاً عن الآخر.
    فمثلاً: لو اشترك الاثنان فدفع أحدهما ريالات، والآخر دفع دولارات، فإن الدولارات متميزة عن الريالات، فعند هؤلاء لا يصح، بل لا بد أن يدخلا بالريالات فقط أو الدولارات فقط.
    ولو دخلا بالدراهم القديمة، مثل: الدرهم الإسلامي والدرهم البغلي، فالدراهم البغلية نوع، والدراهم الإسلامية نوع، فلو خلطت عُرف أن الدراهم البغلية لفلان، والدراهم الإسلامية لفلان، فالواجب أن تكون بدراهم معينة.
    فيشترطون الخُلطة على أتَمِّ الوجوه وأكملِها، وهذا هو أشد المذاهب، وهو مذهب الشافعية.
    وأكدوا هذا بأن: - لفظ الشركة وصورة الشركة وحقيقتها في الأصل تقتضي المشاركة، بحيث لا نستطيع أن نميز مال هذا من مال هذا، فإذا كان أحد المالين مميزاً لم تقع الشركة (هذا الوجه الأول).
  • قالوا: لو أن المالين دخلا مع بعضهما فإن ذلك أدعى لنصيحة كل من الطرفين للآخر، فإن الذي دفع ماله خمسين ألفاً حينما يراها مع خمسين ألفاً أخرى لا يستطيع أن يميزها ويحس أن ماله مع مال أخيه كالشيء الواحد، وهذا أدعى للحفظ، وأدعى لقوة النصيحة للمال؛ لكن لو أن المال تميَّز وعرفت الدولارات من الريالات، والدراهم من الدنانير، والدراهم بعضُها من بعض، والدنانير المشرقية من الدنانير المغربية -كما في القديم-، فإنه حينئذٍ لا يبعُد أن يضر أحدهما بمصلحة الآخر.
    (هذا الوجه الثاني).
  • القول الثاني: الجمهور: على أنه لا تشترط الخُلطة، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة.
    إلا أن المالكية رحمهم الله يشترطون وجود نوع من الخلطة تكون فيه إطلاق اليد، كما لو كان المالان في صندوق واحد أو حانوت واحد، وكلا الشريكين يعملان في المتاجرة به واستثماره.
    وهذا المذهب توسط بين المذهبين.
    والمذهب الثالث يختلف في هذا.
    ولعل مسألة الشركة بالعروض لها تأثير في هذه المسألة.
    قال رحمه الله: [ولا يشترط خلط المالين] قلنا: الأصل: الخلط؛ ولا شك أن الشريكين إذا أرادا أن يخرجا من الشبهة فليخلطا ماليهما خلطاً لا يتميز.
    هذا هو الأفضل والأكمل.

مسألة: اشتراط أن يكون المال في الشركة من جنس واحد

قوله: [ولا كونهما من جنس واحد]: أي: لا يشترط كون المالين من جنس واحد، فيمكن أن يكون أحدهما من الدراهم، والثاني من الدنانير.
وقد فصلنا في هذه المسألة حينما تكلمنا عن الشروط، وبينا أن الصحيح أن يكونا إما ذهباً وإما فضة، وأنه ينبغي إذا كانا من الذهب أن لا يكون مما يدخله الصرف، وبينا الشبهة في كون أحدهما من الدراهم، والثاني من الدنانير؛ لاحتمال اختلاف الصرف، وبينا أن من الأسباب التي تدعو إلى خوف الضرر: أنه -مثلاً- لو كان مال أحدهما من الدولارات -كما في زماننا-، والثاني من الريالات، وكان العرف الموجود -مثلاً- عندنا هنا بالريالات، فلربما دخلا في الشركة والدولار قيمته ثلاثة ريالات، وإذا تفاصلا وفسخا الشركة صارت قيمة الدولار أربعة ريالات، فيدخل الشريك على الربح بنسبة زائدة في قيمة الدولار؛ لأنه سيُرد له رأسُ ماله، ورأس ماله من الدولارات، وهذا يضر بمصلحة أحد الشريكين، إن كان الدولار غالياً أضر بالربح، وإن كان الدولار رخيصاً أضر بالشريك، فإذا كانت قيمة الدولار ريالين فإنه في هذه الحالة سيخسر ريالاً؛ لأنه دخل وقيمة الدولار ثلاثة ريالات، ويخرج من الشركة وقيمة الدولار ريالان، وحينئذٍ يتضرر.
وعلى هذا قلنا أنه لا بد من اتحاد العملة، واتحاد النقدين على وجه يؤمَن فيه الضرر والغرر.

الأسئلة

حكم الخسارة بسبب تفريط أحد الشريكين

السؤال

لو كانت الخسارة بسبب تفريط أحد الشريكين، فما الحكم؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه.
أما بعد: فإذا كانت الخسارة بسبب تفريط من أحد الشريكين، فإنه يتحمل مسئولية ذلك التفريط، وبينا ذلك بالأمثلة، منها: أن يقول الشريكان: نتفق على أن البيع لا يكون إلا بالنقد، فباع بالأجل، وباع بالنسيئة والتقسيط، ثم شاء الله أن الذي بِيْعَ له مفلس، وهذا فيه ضرر على الشركة؛ لأن الدفع يتأخر وتدخل الشركة أسوة للغرماء في مال المفلس، وهذا فيه مماطلة وفيه تأخير وإجحاف بمال الشريكين، فحينئذ هذا الضرر أدخله أحد الشريكين دون رضا الآخر.
فنقول للشريك الآخر: هل ترضى بما فعل؟ فإن قال: أرضى، فحينئذٍ يثيبه الله على صبره، وهذا من الإحسان.
أما لو قال: لا أرضى، فحينئذٍ يتحمل الشريك عاقبة هذه الخسارة، ويصبح الدين في مال الشريك، ويغرم لشريكه قيمة المال وربحه، واختلف العلماء: فقال بعضهم: يغرم قيمة المال والربح نقداً، فمثلاً: باع سيارة بعشرة آلاف ريال نسيئةً الذي هو التأخير بالتقسيط، والسيارة لو بيعت نقداً فستباع بخمسة آلاف، ورأس مال الشركة في السيارة أربعة آلاف ريال، فمعنى ذلك أن الربح للشركة سيكون ألف ريال.
فبعض العلماء يقول: يغرم الأربعة آلاف فقط، بمعنى أنه يرد لشريكه ألفين، دون الربح؛ لأن الصفقة ألغيت من أصلها ولأن البيع لم يكن بيع ربح، فقالوا: يرد الأصل فقط.
وبعض العلماء يقول: لا.
البيع تمت فيه صفقةُ ربح رضي فيها الشريك، وكان بالإمكان أن تكون بربح معجل، ففرَّط الشريك، فأدخل الربح المؤجل بالضرر، فيضمن الخمسمائة التي هي نصيب شريكه، فيدفع لشريكه ألفين وخمسمائة، التي هي قيمة البيع بخمسة آلاف نقداً، وهذا هو الأصح والأوجه، أنه يضمن لشريكه -في مثل هذه الصورة- الألفين التي هي جزء الشريك من رأس مال الشركة في الصفقة، ويضمن له الربح من نفس العين المباعة نقداً، وأما بالنسبة للشريك فيكون وجهه على المشتري ويتحمل مماطلته وتأخيره.
والله تعالى أعلم.

حكم زكاة الأموال المضارب بها

السؤال

اشتركت مع آخر في شركة (مضاربة)، وبعد عامين فسخت الشركة، فهل علي زكاة المال الذي اشتركتُ به مدة السنتين التي مكث المال فيها عند الشريك؟

الجواب

مال المضاربة تجب فيه الزكاة، والمال المعد للتجارة الأصل وجوب الزكاة فيه، حتى يدل الدليل على إسقاطها، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:267] وهذه الآية احتج بها أئمة السلف رحمهم الله، كـ مجاهد ومن تبعه من الأئمة الأربعة، وفقهاء المدينة السبعة كـ سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وغيرهم على أن عروض التجارة تجب فيها الزكاة؛ لأن الله عمم وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:267]، والكسب كان بالتجارة.
فالأصل في هذه الآية أن تكون في التجارة؛ لأن الغالب عندما يقال: إن الشخص اكتسب، إنما هو في الشيء الذي يكون فيه الكسب والربح، فهذه الآية من أقوى الحجج على إثبات الزكاة في عروض التجارة.
وعلى ذلك: الفتوى عند أئمة السلف وجماهير السلف والخلف رحمة الله عليهم على أن عروض التجارة تجب فيها الزكاة، وضُعِّف خلاف مَن خالف في هذه المسألة؛ لأن الأدلة فيها قوية، والأصل أنه مال، فكيف لا نوجب في عروض التجارة الزكاة وقد أوجبنا الزكاة على من حدث ماله بدون تجارة؟! فمن تاجر بماله فإنه من باب أولى وأحرى أن يزكي، وأقل ما نقول: إنه يجب عليه زكاة رأس المال؛ لأن رأس المال في حكم المال المدخر.
وعلى هذا تجب الزكاة في المضاربة تفريعاً على مسألة عروض التجارة؛ لأن مال المضارب مال قد دخل فيه صاحبه من أجل أن ينميه، ويقصد منه الربح والنتاج، كعروض التجارة سواءً بسواء، وعلى هذا تجب عليه الزكاة.
وللعلماء تفصيل في هذا: - بعض العلماء يرى أنه من الدَّين الذي إذا أراد أن يفسخه فسخه، فيقوّم ما عنده على رأس الحول ويزكيه، ويقومه كتقويم عروض التجارة.

  • ومنهم من يرى أن الربح غير مضمون، فيزكي رأس المال، ولا يزكي الربح.
    على تفصيل عند العلماء، سيأتي -إن شاء الله- عند بيان مسائل المضاربة.

حكم البيع في المسجد

السؤال

هل الاتفاق على سعر السلعة في المسجد يدخل تحت النهي عن البيع في المسجد؟!

الجواب

سبحان الله! إذا اتفقوا على قيمة السلعة، فماذا بقي في البيع؟! يعني: إذا اتفقوا على أن السلعة بخمسمائة فهذا أتم ما يكون به البيع، وإذا لم يكن هذا بيعاً فأي شيء يكون البيع؟! فلا شك أنه يدخل في البيع، وهذه من الغفلة عن الله؛ لأن المساجد بنيت لذكر الله عزَّ وجلَّ، ولا شك أن النهي عن البيع وحديث الدنيا -أعني: كراهية حديث الدنيا في المساجد- خاصةً إذا غلب مقصود الشرع، وقد قرر الإمام الشاطبي رحمه الله في الموافقات أنه ينبغي أن يكون المكلف في أموره وشئونه على وفق قصد الشرع.
فماذا قصد الشرع من المساجد؟ قصد الله عزَّ وجلَّ من بناء المساجد وعمارتها ما بينه في كتابه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:36]، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (مَن سمعتموه ينشد ضالته في المسجد فقولوا: لا ردها الله عليك) الله أكبر! مكروب، مفجوع في ماله، حلت به المصيبة، والشريعة شريعة رحمة وتيسير، يقوم يناشد الناس: مَن رأى ضالتي، كما في الحديث: (مَن رأى البعير الأحمر)، (فقولوا: لا ردها الله عليك) يعني: لا يقال له فقط: اسكت، بل يقال له: لا ردها الله عليك، وهذا يدل على عِظَم خطر الحديث في أمور الدنيا في المساجد، وإخراج المساجد عن مقصودها، بل ينبغي أن تعظم وتجل، والله إذا أحب عبداً من عباده قذف في قلبه حب المسجد وإجلاله وتعظيمه؛ لأنه لا يُعَظِّم المسجد إلا من يخاف الله جلَّ جلالُه، ولا يعظم المسجد إلا من يتقي الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:32].
وإذا أردت أن تنظر إلى الرجل الذي يحب الله عزَّ وجلَّ صدق المحبة، ويعَظِّمه كمال التعظيم فانظر إليه -ليس عند دخول مسجده- ولكن منذ أن يخرج من بيته، وهو خاشع متخشع، متذلل متضرع، ذاكر لربه، مقبل على الله عزَّ وجلَّ، لا تلهيه تجارة، ولا تلهيه شئون الدنيا، قد أقبل على الله ورمى بالدنيا وراء ظهره، فإذا دخل بيت الله عزَّ وجلَّ دخله بصدر منشرح، وقلب مطمئن، مقبل على الله عزَّ وجلَّ بكليته، وكأنه أسعد الناس في المسجد، وهذه نعم ينعم الله بها على من يشاء، والمحروم من حرم، فما جعل الله السنن الرواتب، والتبكير إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة إلا من أجل عمارة هذه المساجد.
ومن تعلق قلبه بها، فأحبها وأكثر من غشيانها، وأصبح قلبُه معلقاً بها صدق التعلق فقد تأذَّن الله أن يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
فالمساجد ما بنيت للقيل والقال، وهذه وصية خاصة لطلاب العلم: إذا أردت أن تعْظُم منزلتك عند الله سبحانه وتعالى فأعطِ كل عبادة حقها وقدرها، سواءً في الزمان أو في المكان، فمثلاً: إذا كان الزمان زمان عبادة، كعشرٍ من ذي الحجة، والعشر الأواخر، وقيام الأسحار، ونحو ذلك من الأوقات المفضلة، فإن استطعت أن تري الله منك الجد والاجتهاد فافعل، فإن الله يُعلي قدرك، ويُعْظِم أجرك، ويفتح عليك من واسع فضله.
وإذا أردت أن تعرف منزلتك عند الله، ومكانتك عند الله، فانظر إلى مقدار حرصك على هذا الخير، فإن كنتَ كلما دخلت المسجد وجدت في قلبك تعظيماً لبيوت الله، ووجدت أنك تطمئن، وأنك تنشرح، وأن هموم الدنيا كلها وراء ظهرك، وأنك في أنس وسعادة وغبطة، وتحس إذا خرجت من باب المسجد أنك في عذاب وشجى.
فإذا بلغت هذه المنزلة فاحمد الله، فإن الله قد أعطاك من فضله شيئاً عظيماً، وإن الله لا يعطي الدين إلا لمن أحب، وأما الدنيا فيعطيها لمن أحب وكره.
فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل لنا ولكم من ذلك أوفر حظ ونصيب.
ومما كان يوصي به بعض المشايخ رحمة الله عليهم أنه إذا دخل الإنسان المسجد فمن الأمور التي تعين على تعظيم هذه المساجد: - أن يتذكر المحروم من هذه المساجد.

  • أن يتذكر المريض الذي حُبس عن بيت الله في مرضه، فهو يتأوَّه ويتألَّم ويتمنى أنه في بيت الله جلَّ جلالُه.
  • وأن يتذكر مَن حُرِم من الطاعة كليةً، زاغ قلبه فأزاغ الله فؤاده.
    فيحمد الله أن الله شرح صدره للإسلام، وأن حببه للطاعة والقيام، فيدخل هذه المساجد وهو يحس أن الفضل كله لله وحده لا شريك له.
    كذلك مما يعين على تعظيمها: أن يحس الإنسان أنه ربما تكون هذه هي آخر صلواته وطاعاته، فيدخل إلى المسجد وهو منكسر القلب لله جلَّ جلالُه لعل الله سبحانه وتعالى أن يجبر كسره، وأن يُعْظِم أجره، فيحسن في عبادته وذكره وشكره، وهذا في معنى قولهم: (صلِّ صلاة مودِّع)، فإن الإنسان إذا أحس كأنها آخر صلاة يصليها، ولربما تكون آخر صلاة يصليها في المسجد، فكم من صحيح سوي قوي خرج من المسجد فأصابه الشلل فلم يعد إليه أبداً، وكم من صحيح سوي صلى عشاءه وأصبح وهو في لحده وقبره، فالمسلم الصالح الموفق يجعل مثل هذه الأمور والعبر والعظات أمام عينيه.
    ثم إذا عَظَّمْتَ شعائر الله -وهذا من الأمور التي يبارَك فيها للعبد- لوجدتَ الانشراح في المسجد، في حلق الذكر، في بيوت الله، ولأحسست أن هذه هي الدنيا، وأن هذه هي السعادة، ولا تحس أن غيرك أفضل منك، فمن عَظَّم نعمة الله تأذن الله له بالبركة فيها.
    فكم من طالب علم في مجلس علم لا يشعر بنعمة الله عليه، حتى يتأذن الله -والعياذ بالله- بزوال نعمته عنه.
    فالشعور بمكانة المساجد، وما فيها من الخير مطلوب.
    فهنيئاً ثم هنيئاً لمن عفَّر جبينه بالسجود بين يدي الله.
    وهنيئاً لمن رزقه الله عزَّ وجلَّ حب الآخرة والشوق إليها، فأقبل إلى بيوت الله يعمرها بذكره وشكره، وهو يحس أنه أسعد الناس بربه جلَّ جلالُه.
    ما الذي يجعل المصلي بمجرد انتهائه من الصلاة مع الجماعة ينطلق كالسهم وكأنه مسجون في مسجده؟! لأنه ما عرف قيمة هذه النعمة التي هو فيها، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (لَغَدْوَةٌ أو رَوْحَةٌ في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها) في الطاعات يستشعر الإنسان أنه لربما هذه اللحظة من رضوان الله عزَّ وجلَّ تكون سبباً في سعادة لا يشقى بعدها أبداً.
    والله يا أيها الأحبة! ما قَدَرْنا اللهَ حق قدره، ولو شعر الإنسان بعظيم ما يعده الله لأوليائه وأحبائه وأهل طاعته من رحمته وبركاته ومنِّه وكرمه لأصبح العبد معلقاً بالله جلَّ جلالُه لا يفتر عن ذكر الله طرفة عين، لكنا ما شعرنا بقيمة الطاعة، والمسلم لو تأمل حاله وهو موسد في قبره، وحيد فريد، لا مال ولا بنون، لا ينفعه جاه ولا سلطان، ولا أحد يغني عنه من الله شيئاً، وإذا بهذه الصلاة في ذلك الضيق، وفي تلك الظلمة تتفتح بها أركان القبر فتصبح نوراً له في قبره.
    في ظلمة القبر لا أمٌّ هناك ولا أبٌ ولا صديقٌ ثَمَّ يؤنسني فامنن علي بفضل منك يا أملي ما لي سواك إلهي من يخلصني من شعر أن هذه العبادة في هذا البيت من بيوت الله تكون نوراً له في الدنيا والآخرة، ونوراً له في قبره، حَسَّنها وأتمها، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:43].
    فلنقدر نعمة الله، ولنشعر أننا أسعد الناس بالله جلَّ جلالُه، وليشعر كل من دخل المسجد أنه ليس بحاجة إلى أن يضيع وقته في البيع والشراء والأخذ والعطاء، وإنه لمن العار على طالب علم وفقه الله فعلم الحلال والحرام وشرائع الإسلام، وأصبح قدوة أمام الناس والأنام أن يُنظر إليه وهو جالس في المسجد يضحك مع هذا ويلهو مع هذا، ولربما وقع ذلك في المواسم المفضلة، كالعشر الأواخر ونحوها.
    وقد كان السلف الصالح إذا دخلوا المساجد دخلوها بقلوب مطمئنة، خاشعة متخشعة، كما روي عن عبد الله بن عمر.
    فقد كان ابن عمر من أخشع الناس في طوافه، وكان رضي الله عنه وأرضاه ربما بقي في الشوط الواحد قدر خمسمائة آية، وهذا من طول ما كان؛ لأنه كان لا يجاوز الحجر حتى يقبِّله رضي الله عنه وأرضاه، وهذا الصحابي الجليل روى عنه أبو نعيم أن عروة بن الزبير دخل عليه وهو يطوف فسأله عن بنته رمانة، وكانت بنت عبد الله بن عمر، ويُثني عليها بالخير، فأراد عروة أن ينكحها، والنكاح للنفس جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكح الواهبة نفسها من الرجل، وقال له إنه يخطب رمانة إليه، فلم يلتفت إليه ابن عمر ولم يرد عليه شيئاً، وإنما أعرض وانصرف في ذكره وعبادته، فظن عروة أنه لا يأبه به، وأنه لا يريد إنكاحه وتزويجه، ثم مضى ابن عمر وسافر إلى المدينة؛ لأن ابن عمر كان في المدينة، وكان قد أتى إلى مكة إما في حج أو عمرة، فلما مرض ابن عمر إبان قدومه من المدينة، جاء عروة يعوده، فلما دخل عليه قال له ابن عمر رضي الله عنه: لقد ذكرت لي أنك تريد رمانة أكما أنت؟ أي: هل أنت على رغبتك وطلبك؟ قال: نعم، فقام فزوجه إياها، وقال له يعتذر: إنك قد سألتنيها في مقامٍ يتراءى للعبد ربُّه.
    والمراد بذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث عمر: (أن تعبد الله كأنك تراه) وهو مقام الإحسان.
    لا يحب أن يراه اللهُ وهو يلتفت إلى القيل والقال، ولا يحب أن يرى اللهُ منه ما لا يرضيه، وطلاب العلم وأهل الفضل خاصة، يتوجب عليهم أن يدخلونها -المساجد- بقلوب مطمئنة شاكرة ذاكرة تثني على الله بما هو أهله، فإذا بالناس ينظرون إليهم قدوةً، وكم من طالب علم سوي تقي نقي ذكي هدى الله به مَن نظر إليه في بكائه وخشوعه، فدله على ربه.
    وهذا كله من توفيق الله.
    نسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يجعلنا وإياكم هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن ل

شرح زاد المستقنع -

باب الشركة [4]

عقد المضاربة من عقود الشركة التي كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام وهذب أحكامها، فانتقل بها من المخاطرة إلى العدل والإنصاف، وقد دلت السنة والإجماع على مشروعية المضاربة، لما في هذا العقد من الحكم العظيمة والمقاصد الجليلة، فهو يعد من عقود الرفق؛ لما فيه من تكثير لمال المضارب من جهة، وتوفير عمل للمضارب من جهة أخرى، وقد فصل العلماء في هذه الأحكام وأعطوا كل ذي حق حقه.

النوع الثاني من الشركة: المضاربة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [الثاني: المضاربة]: أي: النوع الثاني من أنواع الشركات هو: المضاربة.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
السماحة في البيع والشراءالسؤالالجوابحكم أخذ المرأة من مال زوجها بغير إذنهالسؤالالجوابباب الشركة [2]تصرف الشريك في مال شريكهتصرف الشريك في مال شريكهتصرف الشريك في مال الشركة بحكم الملك في نصيبهتصرف الشريك في مال الشركة بالوكالة في نصيب شريكهأحكام الوكالة المترتبة على تصرف الشريك في مال الشركة بالوكالةالأمانةالأمانةالضمان عند التعدي أو التقصير في النقد والبيع والشراءالضمان عند التعدي أو التفريط في الشرطشروط شركة العنانشروط متعلقة بالشريكينالشروط المعتبرة في محل الشركةالسؤالحكم الشراكة بالعروضالسؤالأقوال العلماء في الشراكة بالعروضحجج القول بالجواز والمنع في الشراكة بالعروضالجوابحكم الشراكة بالمال المغشوشضوابط الاشتراك في الربحالسؤالالأسئلةحكم اشتراط الزيادة في الربح بسبب الحذاقة والخبرة في الشركةالسؤالالجوابمعنى كلمة (لو) في مصطلحات المتونالسؤالالجوابباب الشركة [3]من شروط صحة شركة العنان: أن يكون الربح مشاعاً معلوماًصور عدم كون الربح مشاعاً معلوماًعدم تسمية الربحأن يشترط أحدهما جزءاً مجهولاًأن يشترط أحدهما دراهم معلومةاشتراط ما يوجب الضرر والغررجهل الربح في المساقاة وأحكامهجهل الربح في المزارعة وأحكامهجهل الربح في المضاربة وأحكامهالخسارة في الشركة على قدر رأس المالالجوابحكم خلط المال في الشركةمسألة: اشتراط أن يكون المال في الشركة من جنس واحدالأسئلةحكم الخسارة بسبب تفريط أحد الشريكينالسؤالالجوابحكم زكاة الأموال المضارب بهاالسؤالالجوابحكم البيع في المسجدالسؤالالجوابباب الشركة [4]النوع الثاني من الشركة: المضاربة
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل