بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فالمصنف رحمه الله تعالى يقول: [باب المحرمات في النكاح] قوله: (باب المحرمات في النكاح) هذه مقدمة عن المحرمات في النكاح.
والمحرمات في النكاح هن: النساء اللاتي حرم الله الزواج منهن، وينقسمن إلى نوعين: النوع الأول: المحرمات إلى الأبد.
والنوع الثاني: المحرمات إلى أمد.
المحرمات إلى أبد: هي كل امرأة لا تحل إلى أبد الآبدين.
والمحرمات إلى أمد: يعني: مؤقتاً، ويزول تحريمها بزوال السبب، وموانع النكاح.
والمحرمات من النكاح لها أسباب، وهذه الأسباب تنقسم إلى الأقسام التالية: - النسب.
- ثم الرضاع.
- ثم المصاهرة.
- ثم الكفر.
- ثم الرق.
- ثم العدد.
- ثم الجمع.
- ثم مانع التطليق ثلاثاً.
- ثم الزنا.
- ثم مانع اللعان.
- والأخير مانع الزوجية.
هذه أحد عشر مانعاً تمنع من النكاح؛ لكن بعضها يمنع إلى الأبد، وبعضها يمنع إلى أمد.
مثلاً: قلنا: النسب: وهن سبع جاء ذكرهن في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:23] الآية، سبع من النسوة يحرمن من جهة النسب، والنسب أصله الإضافة؛ لأنك تقول: فلان بن فلان، فنسبته إليه يعني: أضفته إليه.
وهذا هو النسب.
ثم المصاهرة: المصاهرة مثل، زوجات الآباء وزوجات الأبناء، يعني: زوجات الأصول وزوجات الفروع، وبنت الزوجة وأم الزوجة، وهؤلاء أربع من جهة المصاهرة.
الرضاع: مثل النسب يعني: الذي يحرم من جهة النسب يحرم من جهة الرضاع.
هذه ثلاثة موانع: النسب، والمصاهرة، والرضاع.
ثم مانع الكفر: فالمشركة لا يجوز نكاحها، ولا إنكاح المشرك، فأصبح الشرك والوثنية مانعين من الزواج: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:10]، وسنبين هذا.
ومانع الرق: بالنسبة للحر في زواجه من الأمة، وله شروط، وزواج العبد من الحرة، وسنبين هذا.
هذا مانع الرق.
ثم مانع العدد: رجل عنده أربع نسوة، لا يجوز له أن يتزوج حتى يطلق واحدة وتخرج من عدتها، فينكح بدلها واحدة، هذا مانع من جهة العدد، أنه استوفى العدد الذي له، وسنشرح هذا إن شاء الله ونبينه.
ثم مانع الجمع: وهو أن تجمع بين المرأة وأختها، والمرأة وعمتها أو خالتها، كما سيأتي تفصيله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:23] هذا مانع الجمع.
ثم مانع التطليق ثلاثاً: فلا تحل حتى تنكح زوجاً غيره، هذه امرأة طلقها رجل ثلاث تطليقات نقول: هذه محرمة عليك؛ لكن محرمة إلى أمد، وهو أن تنكح زوجاً غيرك ويذوق عسيلتها وتذوق عسيلته، فيحل لك إذا طلقها أن ترجع إليك.
ثم مانع الزنا: الزانية: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:3]، وسيأتي إن شاء الله تفصيله.
كذلك أيضاً عندنا مانع الزوجية: امرأة منكوحة للغير: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:24]، فالمرأة المحصنة التي هي في عصمة الغير لا يجوز للغير أن يتزوجها إلا ما استثنى الله، وهي أن تكون ذات زوج وأُسِرَت واستُرِقَّت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:24] فتُسْتَبرأ بعد سبيها كما جاء في حديث سبي أوطاس، وسيأتي إن شاء الله.
هذه كلها موانع النكاح، بعد ذلك كل مانع له تفصيلات.
فبالإجمال هؤلاء المحرمات: منهن محرمات إلى الأبد، ومنهن محرمات إلى أمد.
ثم المحرمات إلى الأبد منهن من تثبت لهن المحرمية، فبسبب حرمة نكاحها يجوز لك أن تصافحها، وأن تسافر معها، وأن تختلي معها، التي هي مثلاً: المحرمات من النسب، مثل: الأم والبنت والأخت والخالة والعمة، فهذه محرمة محرمية، وكذلك هناك محرمة ليست بذات محرم وهي المحرمة إلى أمد، والمحارم يشمل النسب والرضاع والمصاهرة والزوجة: - فهن سبع من جهة النسب: وهن السبع اللاتي ذكر الله. - وأربع من جهة المصاهرة: أم الزوجة، وبنت الزوجة، وزوجة الأب، وزوجة الابن.
- وكان من جهة الرضاع: يعني: ما كان من الرضاع منهما: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
- والزوجة.
هؤلاء الأربع أي واحدة منهن تحريمها يوجب المحرمية؛ لكن البقية لا.
فمثل ما يقع بعض الناس في الخطأ يقول: أخت زوجتي حرام عليَّ، فهي محرم لي، نقول: لا.
هي حرام وليست بمحرم.
بيان المحرمات من النساء وجهات التحريم المؤبد
تقدم معنا أن الله عز وجل حرم على المسلم أن ينكح جملة من النساء، وأن هؤلاء المحرمات لا يجوز للمسلم أن ينكحهن إما على التأبيد وإما على التأقيت، فقسم من النساء حرم الله نكاحهن والزواج منهن إلى الأبد، وقسم من النساء حرم الله نكاحهن والزواج منهن إلى أمد، يزول الحكم بزوال السبب.
فأما المحرمات إلى الأبد فذكرنا: أن هذا يشمل المحرمات من جهة النسب، والمحرمات من جهة المصاهرة، والمحرمات من جهة الرضاع، ويتبع ذلك تحريم الملاعنة، فهؤلاء النسوة لا يحل نكاحهن إلى الأبد، فعندنا: النسب، والمصاهرة، والرضاع، والملاعنة.
أما بالنسبة للمحرمات من النسب فسبع من النساء حرم الله عز وجل نكاحهن.
أولهن: الأم ثم البنت ثم الأخت ثم بنت الأخ ثم بنت الأخت ثم العمة ثم الخالة، فهؤلاء سبع من النسوة، الأصل والفرع ومن شاركك في أصلك في فروعه من النساء، ومن شارك أصل أصلك في أصله، فنقول: الأم وأم الأم وأمها وإن علت كما سيأتي التفصيل.
والبنت فرع هي وفروعها أو كانت من فرع ذكر كبنت الابن، فعندنا الأصل الأمهات وعندنا الفرع البنات، وعندنا شيء شاركنا في الأصل الأخوات، ولما كان الأخ الذكر لا يدخل في النكاح أسقط فصارت بنته، فقيل: بنت الأخ، فأصبحت من المحرمات، ثم يتبع ذلك العمة والخالة، فالعمة شاركت الأب الذكر، والخالة شاركت الأم الأنثى.
وهؤلاء المحرمات السبع شملتهن آية النساء.
بيان المحرمات من النسب وحكم كل نوع منها
يقول المؤلف رحمه الله: [تحرم أبداً الأم] والأم: هي كل أنثى لها عليك ولادة، والدليل على تحريمها قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:23]، والأم تشمل الأم المباشرة والأم بواسطة، فأمك وأم أمك وأم أبيك كلهن محارم، يحرم نكاحهن إلى الأبد، وهي محرم يجوز الجلوس معها والخلوة بها والسفر معها، فالأم الدليل على تحريمها -كما قلنا- قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:23]، والآية لما قالت: (أمهاتكم)، عممت فشملت كل أم، ولذلك لو سئُلت عن أم الجد أو أم جد الجد أو أم الأب أو أم أب الأب فكلهن محارم ومحرمات، لو قال لك: ما الدليل؟ تقول: عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:23]، فالله عز وجل لم يفرق بين أم وأخرى.
ومن هنا قال العلماء: أمهات الأصول أمهات للفروع، وأجمع أهل العلم رحمهم الله على أن هذا النوع من النساء لا يحل نكاحه إلى الأبد، سواء كانت أماً مباشرة أو أماً بواسطة.
قال: [وكل جدة وإن علت].
الأم وأمها وإن علت، فقوله: (كل) من صيغ العموم، (كل جدة)، فلم يفرق بين الجدة من الوالد والجدة من الوالدة.
قال: [والبنت] قوله: (والبنت) هذا النوع الثاني من المحرمات، وضابط البنت عند أهل العلم: هي كل أنثى لك عليها ولادة، يعني: جاءت منك أو جاءت من نسلك، فسواء كانت بنتاً مباشرة أو بنتاً بواسطة، والبنت بواسطة سواء جاءت بواسطة الذكور: كبنت الابن أو بنت ابن الابن، أو بواسطة الإناث كبنت بنتك، فجميع هذا النوع من النسوة محرم إلى الأبد، ويجوز لك أن تصافح أي واحدة من هؤلاء، وأن تختلي بها، وأن تسافر معها، فهي محرم لك، ولو سئُلت عن الدليل؟ تقول: عموم قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء:23]، ووجه الدلالة من الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لم يفرق بين بنت وأخرى، فقال سبحانه: (وبناتكم)، وبنت البنت بنت لجدها والد أمها وبنت الابن بنت لجدها والد أبيها، وعلى هذا فيحرم هذا النوع من المحرمات وهن البنات.
قال: [وبنت الابن] قوله: (وبنت الابن)، كما قلنا: البنت وبنتها وإن نزلن، سواء تمحضت بالذكور، أو تمحضت بالإناث، فمن تمحضت بالذكور: كبنت ابنك، ومن تمحضت بالإناث: كبنت بنتك، كل ذلك محرم بإجماع العلماء رحمهم الله.
قال: [وبنتاهما من حلال وحرام وإن سفلن] وبنتاهما من حلال بالإجماع، أما من حرام فهذه مسألة خلافية، نحن علمنا أن البنت من النكاح الصحيح ومن الحلال محرم ومحرمة، لكن لو أنه -والعياذ بالله- زنى بامرأة فولدت بنتاً، هل يحل له نكاحها؟ أو ولدت بنتاً ثم البنت تزوجت فولدت بنتاً، هل يحل له أن ينكح بنت بنته من الزنا، أو بنت ابنه من الزنا؟ جمهور العلماء: على أن الشريعة تحرم الزواج من بنته من الزنا كما تحرم الزواج من بنته من الحلال، ووجه ذلك: أنها بضعه منه ومخلوقة من مائه، وهي بنته من حيث الحقيقة، وإن كان الشرع قد أسقط هذه البنتية من حيث الحكم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الولد للفراش)، قالوا: إن الحرام يحرِّم، وهذا مذهب الجمهور، وفي هذه المسألة يقولون: العبرة بالمعاني لا بالألفاظ وحدها، فلما نظروا إلى المعنى في قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء:23] قالوا: إنها فرع عنه، فإن بنت الزنا فرع من مائه، ومخلوقة من مائه فتنزل منزلة البنت من الحلال.
وذهب طائفة من العلماء كما هو قول الشافعية: أن البنت من الزنا يجوز نكاحها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، ووجه الدلالة من هذا الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البنت منسوبة إلى الفراش، وأسقط ما بينها وبين الزاني، وقطع الصلة بالزاني كلية، فجاز له أن يطأها كالأجنبية.
وهذه المسألة تعتبر من مفردات المذهب الشافعي، ولذلك قال بعض من ينتقد المذاهب، في بعض اعتذاره عن اتباع مذهب الشافعية: وإن قلتُ: شافعياً، قالوا: بأنني أبيح نكاح البنت والبنت تحرم وفي بعض ألفاظ البيت: أبيح نكاح الأخت والأخت تحرم فهم يبيحون نكاح الأخت من الزنا والبنت من الزنا، فنكاح الأخت من الزنا كرجل زنى بامرأة فاستولدها بنتاً، فجاء ابنه وتزوجها، فإنه يتزوج أخته من الزنا والعياذ بالله! لكن الصحيح والذي يظهر والعلم عند الله: أن هذا النوع من النساء مشتبه، لا يفتى بحله ولا يفتى بحرمته؛ لأن فيه شبهاً من الحلال وشبهاً من الحرام، فشبهه من الحلال: قوله عليه الصلاة والسلام: الولد للفراش)، فأسقط ما بينه وبين الوالد من الصلة، وأهدر ماء الزنا.
وشبهه من الحرام: أن الماء ماؤه، وأن التخلق من الماء موجودة فيه، وقد نص على ذلك عليه الصلاة والسلام في حديث سبي أوطاس، فإنه لما نهى عن وطء المسبية حتى تستبرأ، فرأى رجلاً كأنه يريد أن يدخل على أمة مسبية، فقال صلى الله عليه وسلم: (أيغذوه في سمعه وبصره، لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره)، فجعل وطأها أثناء حملها محرماً، فقال: (أيغذوه في سمعه وبصره)، مع أن الولد للأول، ويكون دخول الثاني لا تأثير له.
لكن الذي يظهر كما ذكرنا: أن هذا النوع من النساء ممتنع للشبه من الوجهين، فنقول: لا نحلله ولا نجزم بحله، ولا نحرمه ولا نجزم بتحريمه، وبطبيعية الحال لا يستطيع الواحد أن يتزوج هذا النوع الذي لا يجزم بحله ولا بحرمته.
هذه المسألة تسري في جميع المسائل، يعني مثلاً: أم بنته من الزنا، وهكذا بالنسبة للتحريم من جهة المصاهرة كالتحريم من جهة النسب في المسألة التي ذكرناها.
قال: [وكل أخت] أي: ومما حرم الله كل أخت، الأخت ضابطها عند أهل العلم: هي كل أنثى شاركتك في أحد أصليك أو فيهما معاً، فشمل ثلاثة أنواع من الأخوات: الأخت الشقيقة: وهي التي شاركتك في الأصلين الأب والأم.
والأخت لأب: وهي التي شاركتك في أحد الأصلين من جهة الأب.
والأخت لأم: كذلك هي التي شاركتك في أحد الأصلين من جهة الإناث.
هذا النوع من النساء يحرم إلى الأبد، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء:23]، ولم يفرق بين أخت وأخت، وعمم سبحانه وتعالى فشمل الأخت الشقيقة ولأب ولأم، وأجمع العلماء على تحريم الأخوات سواءً كن شقيقات أو أخوات لأب أو لأم.
قال: [وبنتها] قوله: (وبنتها) بنت الأخت الشقيقة، وبنت الأخت لأب، وبنت الأخت لأم، بإجماع العلماء محرمة؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء:23]، فقد نص سبحانه وتعالى على تحريم بنت الأخت ولم يفرق بين أخت وأخرى.
وبنت الأخت: هي كل أنثى لأختك عليها ولادة.
قال: [وبنت بنتها].
قوله: (وبنت بنتها)، أي: بنت بنت الأخت: وهي كل أنثى لأختك عليها ولادة بواسطة، فيشمل أن تكون بنت ابن الأخت وبنت بنت الأخت، يعني: مثل ما ذكرنا في الأصول أنه يستوي في فروعه ما تمحض بالذكور أو تمحض بالإناث، كذلك في بنت الأخت وبنت الأخ؛ لأن بنت بنت الأخت وبنت ابن الأخت هي بنت للأخت، والله تعالى يقول: ﴿وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء:23]، ولم يفرق بين بنت أخت وأخرى، فشمل الصلب وشمل الواسطة.
قال: [وبنت كل أخ وبنتها] قوله: (وبنت كل أخ وبنتها) بنت كل أخ لم يذكر الأخ؛ لأن الذكر -كما ذكرنا- لا يدخل في التحريم؛ لأنه ليس من جنس ما ينكح، فقال: بنت الأخ، وبنت الأخ ضابطها عند العلماء: هي كل أنثى لأخيك عليها ولادة، سواء كانت مباشرة كبنته بصلب، أو بواسطة كبنت بنت الأخ، وبنت ابن الأخ، يعني: سواء كانت البنت بواسطة ذكر أو أنثى، والدليل على تحريم هذا النوع من النساء قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ﴾ [النساء:23]، ويشمل الأخ الشقيق والأخ لأب والأخ لأم، وهذا بإجماع العلماء رحمهم الله.
قال: [وبنت ابنه] قوله: (وبنت ابنه) بنت ابن الأخ، فلو أن لأخيك ابناً وأنجب فإنك تصبح عماً لأبيها، وعم الأب عم للفرع كما ذكرنا، فبنت ابن الأخ وبنت بنت الأخ الحكم فيهما سواء.
قال: [وبنتها وإن سفلت] نعم هذا واضح.
قال: [وكل عمة وخالة وإن علتا] قوله: (وكل عمة) العمة: هي كل أنثى شاركت أباك في أحد أصليه أو فيهما معاً، كل أنثى شاركت أباك في أحد أصليه مثل العمة لأب والعمة لأم، أو فيهما معاً وهي العمة الشقيقة، فثلاثة أنوع من العمات: العمة لأب: هي التي والدها ووالد أبيك واحد ولكن الأم مختلفة.
والعمة لأم: هي التي والدتها ووالدة أبيك واحدة وهي جدتك، والعمة الشقيقة: هي التي شاركت والدك في الأصلين معاً في الوالد والوالدة.
هذا النوع من النساء أجمع العلماء على تحريمه مطلقاً؛ العمة الشقيقة، والعمة لأب، والعمة لأم، والدليل على ذلك نص الله عز وجل في التنزيل: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ [النساء:23]، فنص على تحريم العمات ولم يفرق بين عمة وأخرى.
قال: [وخالة] قوله: (وخالة) الخالة: هي كل أنثى شاركت أمك في أحد أصليها أو فيهما معاً، كل أنثى شاركت أمك في أحد أصليها مثل الخالة لأب، والخالة لأم، أو فيهما معاً وهي الخالة الشقيقة، فلو أن الوالدة لها أخت من أب وأم تقول: هذه خالتي شقيقة، وإن كانت لها أخت من أب تقول: هذه خالتي لأب، لأنها شاركت والدتي في أبيها، وإن كانت لها أخت من أم تقول: هذه خالتي لأم، هذا بالنسبة للعمات والخالات.
إذاً: العمة والخالة محرمتان، وكذلك عمات الأصول يكنّ عمات للفروع، وخالات الأصول يكن خالات للفروع، فكما حرمنا عليك خالتك وعمتك نحرم عليك خالة الأم وخالة الأب، وعمة الأم وعمة الأب، فلو سألك سائل عن خالة وعمة جده: هل هي محرم؟ تقول: نعم، هما محرم لك يجوز لك أن تختلي بهما، وأن تجلس معهما، وأن تسافر بهما، وأنت محرم لهما؛ لأن خال أصلك خال لك، وخالة والدك وخالة والدتك كخالتك، وعلى هذا فإنه يسري التحريم في الخالات والعمات إذا كنّ للأصول، كما يكون تحريماً للشخص نفسه، والدليل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ﴾ [النساء:23]، وقد أجمع العلماء على أن عمات الأصول
التحريم بسبب اللعان وحكمه
قال رحمه الله: [والملاعنة على الملاعن].
هذا النوع نوع آخر من المحرمات الملاعنة، والملاعنة: مفاعلة من اللعن، والمفاعلة تستلزم وجود شخصين فأكثر، كالمقاتلة والمشاكلة، وتقع الملاعنة بين الزوج والزوجة، وسمي اللعان لعاناً لوجود اللعن فيه والعياذ بالله! ولذلك يبتدئ الرجل: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، شهد الرجل على نفسه باللعن، مع أن المرأة تشهد على نفسها بالغضب، والغضب أشد من اللعن؛ لأن الغضب -والعياذ بالله- أسوأ وأشد من لعنة الله عز وجل؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه:81].
ولأن ملاعنة المرأة للرجل لا تكون إلا بعد تمام الأيمان من الرجل، وتمام الأيمان من الرجل لا يكون إلا بعد اليمين الخامسة: ﴿أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:7] نسأل الله السلامة والعافية! الملاعنة هي أن يتهم الرجل امرأته بالزنا بعد أن يراها، أو يسمع بأذنه، ويعلم الشيء يقيناً، أو يأتي بشهادة عدول يثق فيهم على خلاف بين العلماء، أو ينفي ولداً أنه ولده، كأن يكون هذا الولد وقع في حالة غيبة يستحيل معها أن يكون منه، أو يكون وجود الشبهة، فالمهم سيأتي إن شاء الله ما يتعلق بأحكام اللعان.
لكن الذي يهمنا هنا مسألة وهي: أن الرجل إذا لاعن امرأته والعياذ بالله! ووقع اللعان بينهما، وتمت الأيمان، فرق بين الزوج والزوجة فراقاً إلى الأبد، فلا تحل له أبداً، حتى لو رجع عن لعانه وكذّب نفسه فهي حرام عليه إلى الأبد؛ ولذلك قال الراوي للحديث، أي: حديث عويمر العجلاني الذي في الصحيح: (مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما فلا يجتمعان أبداً).
وعلى هذا فإن اللعان يوجب الفرقة الأبدية، لكن هناك فرق بين التحريم في النسب الذي ذكرناه، وهن السبع النسوة اللاتي ذكرن، وبين التحريم في اللعان، والفرق أن التحريم في اللعان فرقة، يعني: تكون المرأة محرمة وليست بذات محرم، وفي النسب محرمة ومحرم، يعني: يجوز للرجل أن يجلس مع أمه وأخته وعمته، لكن إذا لاعن المرأة يفرق بينهما ولا يجلس معها، ولا يعتبر بينهما أي صلة إلى الأبد.
وعلى هذا تجد العلماء يقولون -في المرأة التي يحل لك أن تسافر معها والتي تأخذ حكم المحرمية- يقولون: هي كل أنثى محرمة إلى الأبد إلا الملاعنة.
أي: أن الملاعنة لا تدخل مع أنها محرمة إلى الأبد.
والملاعن والملاعنة يفرق بينهما ولا يجوز للملاعن بعد ذلك أن يأتي ويقول: أريد أن أتزوجها من جديد، أو أريد أن أنكحها؛ قال: (يا رسول الله! مالي -بعد أن لاعنها وتم اللعان بينهما قال: مالي، يعني: المهر الذي أعطيتها- فقال: إن كنت صادقاً فهو بما استحللت من فرجها -فمهرك الذي دفعته لقاء استمتاعك قبل زناها-، وإن كنت كاذباً فهو أبعد لك منها)، فقوله في الصحيح: (هو أبعد لك منها) دل على أنها هي بعيدة عنه، كما بعد المهر، وأن بينهما مباعدة وبينهما حرمة فلا يجتمعان أبداً.
بيان المحرمات من الرضاع وحكم كل نوع منها
[ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب] (ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، الرضاع: مص الثدي، وسيأتي إن شاء الله بيان مسائله وحقيقته؛ لأن العلماء أفردوا للرضاع باباً مستقلاً، إذ يحتاج الفقيه وطالب العلم أن يعلم حقيقة الرضاع، وكيفية الرضاع، ومتى يحكم بالرضاع، والآثار المترتبة على الحكم به، وهذا له باب مستقل، لكن الذي يهمنا هنا أن الرضاع يؤثر كالنسب، والحجة في ذلك صريح السنة وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، فأم من رضاع وبنت وأخت وعمة وخالة وبنت أخ وبنت أخت، كل هؤلاء محرمات من الرضاع كما يحرمن من النسب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على ذلك، وألحق بذلك المحرمات من المصاهرة، كأم الزوجة من الرضاع، وكذلك بنتها من الرضاع كلهن محرمات، وزوجة أبيه من الرضاع، وكذلك بنت زوجته من الرضاع كلهن محرمات، ويلتحقن في قول جماهير السلف والخلف رحمهم الله، وحكى بعض العلماء الإجماع على ذلك.
قال: [إلا أم أخته].
قوله: (إلا أم أخته)، أي: أم أخته من الرضاع، لو أن خديجة ومحمداً ارتضعا من فاطمة، فإن محمداً تحرم عليه فاطمة، لكن لا تحرم عليه أم أخته خديجة؛ لأنها أجنبية، خديجة ومحمد ارتضعا من فاطمة، ففاطمة أمهما من الرضاع هذا ما فيه إشكال في كونها محرمة، لكن أم الأخت من الرضاع التي لم يرتضع منها، القيد هنا: (التي لم يرتضع منها) لكن أم أخته من الرضاع التي رضع منها بالإجماع محرمة؛ لأنها أمه، لكن أم أخته من الرضاع إذا اشتركا في امرأة وكان للأخت التي شاركته في الرضاع أم غير التي رضع منها فإنها أجنبية، ففي الأصل أنها أجنبية وليست بمحرم، في النسب تحرم أم الأخت، ولكن في الرضاع لا تحرم أم الأخت إذا كانت على هذا الوجه.
قال: [وأخت ابنه] قوله: (وأخت ابنه) أي: من الرضاع، مثلاً: زيد من الناس عنده زوجة، وأثناء ما هي عنده وولدت له وثاب اللبن من وطئه أرضعت محمداً، فمحمد ولد لك حيث رضع من لبن زوجتك، فهو ناشئ عن مائك الذي ثاب منه اللبن، فمحمد هذا لو كانت له أخت حلّ لك نكاحها؛ لأن الأخت بالنسبة لك أجنبية، والذي دخل للمحرمية هو محمد الذي ارتضع من زوجتك، فتبقى أخواته وإخوانه -على الأصل- أجانب يحل نكاحهم، سواء من الإناث أو الذكور، فيبقى التحريم للشخص الذي رضع، وهذا سنفصله إن شاء الله أكثر في كتاب الرضاع، وذكره المصنف هنا للاستثناء، وأن الأصل يقتضي أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، لكن استثنيت هاتان المسألتان لشهرتهما، وهذا على سبيل التنبيه، وإلا سيأتي إن شاء الله تفصيل مسائل الرضاع، وبيان مسألة لبن الفحل والآثار المترتبة على الرضاع.
بيان المحرمات بالمصاهرة وحكم كل نوع منها
قال رحمه الله: [ويحرم بالعقد زوجة أبيه وكل جد] قوله: (ويحرم بالعقد) هذا النوع الرابع من المحرمات، أولاً: المحرمات بالنسب، وهن السبع اللاتي تقدمن، ثم بعد ذلك المحرمات بالملاعنة التي ذكرنا، ثم بعد ذلك النوع الثالث الرضاع وانتهينا منه.
ثم بعد ذلك سيشرع الآن في النوع الرابع وهو المصاهرة.
والمصاهرة: مفاعلة من الصهر، ويأتي هذا في الأصول والفروع من حيث الزوجية، فتأخذ أصلك وتأخذ فرعك، وتنظر إلى زوجة الأصل وزوجة الفرع حتى تضبط المحرمات من المصاهرة وهي أربع، ولابد أن تحفظهم؛ لأن هؤلاء النسوة محارم لك، والمحرمات من المصاهرة يحرمن إلى الأبد، وهن محارم.
وقلنا: المحارم ثلاثة: النسب، والرضاع، والمصاهرة، والواجب على كل مسلم بالغ أن يعلم هؤلاء المحارم حتى يعرف من هي المرأة التي يجوز له أن يختلي بها، والتي يجوز أن يصافحها، والتي يجوز أن يسافر معها، فبيّنا حكم النسب، وبيّنا أن الرضاع يأخذ حكم النسب، بقي المصاهرة وهو النوع الثالث من المحارم، وهو الرابع مما ذكره المصنف.
المصاهرة إذا أردت أن تضبطها أربع من النساء، والأربع تأخذ اثنتين منهن لأصلك ولفرعك، واحدة لأصلك وواحدة لفرعك، زوجة أصلك وزوجة فرعك، ثم اثنتين منهن أصل لزوجتك، وفرع زوجتك، وهما أم الزوجة، وبنت الزوجة، حتى تحفظ المصاهرة تأخذ هذا الضابط، فعندك أصولك وفروعك فانظر إلى نسائهم، زوجات الآباء وزوجات الأبناء، هذان نوعان من النسوة من جهة الأصول والفروع، وعندنا نوعان من النسوة من جهة الزوجة: أصلها وفرعها، فتقول: أم الزوجة وبنت الزوجة، فأصبحن أربعاً.
نبدأ أولاً بزوجات الأصول: هي كل أنثى عقد عليها والدك وإن علا، سواء دخل بها أو لم يدخل، سواء طلقها أو بقيت في عصمته أو مات عنها، فإنها محرم لك إلى الأبد.
زوجات الأصول: وهي كل أنثى عقد عليها أبوك أو أبوه وإن علا، وسواء كان من جهة الأب أو من جهة الأم كوالد الأم وأبيه، والدليل على هذا النوع الأول من أنواع المصاهرة قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:22] معنى قوله: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) قيل: إن إلا بمعنى: ولا ما قد سلف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء:92] أي: ولا خطأً كأن يتساهل ويتعاطى الأسباب.
ومنه قول الشاعر: وكل أخٍ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان أي: والفرقدان.
وحمل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: (ثمن الكلب سحت إلا الكلب الضاري) أي: والكلب الضاري لا يحل شراؤه وبيعه.
الشاهد: أن قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:22] أي: ولا ما قد سلف، فلا تستديموا نكاحهن وفارقوهن.
ما موضع الشاهد من هذه الآية؟ موضع الشاهد أن الله يقول: ﴿وَلا تَنكِحُوا﴾ [النساء:22] فحرم علينا أن ننكح ونتزوج ما نكح آباؤنا، وانظر إلى قوله: (ما نكح) والمرأة منكوحة للرجل بالعقد، فإنك تصف المرأة أنها منكوحة للإنسان بمجرد العقد عليها، ومن هنا قالوا: لا يشترط في تحريم زوجة الأب أن يدخل الأب بها، فلو أنه عقد عليها الساعة وطلقها مباشرة فهي محرم لك إلى الأبد، ومحرمة عليك إلى الأبد.
قوله: (ولا تنكحوا ما نكح) أي: ما عقد عليه آباؤكم سواءً بقين أو طلقن أو مات الآباء عنهن وهن في عصمة إلى آخره.
فلو سألك سائل: عن امرأة عقد عليها جده لأبيه ثم توفي عنها، أو طلقها، أو لم يدخل بها وطلقها قبل الدخول؟ تقول: هذه محرم لك إلى الأبد، وعلى هذا قالوا: يشمل هذا الأب من جهة الذكور ومن جهة الإناث، أي: الذي يدلي بذكور ويدلي بإناث، فإن زوجته محرمة إلى الأبد.
قال رحمه الله: [وزوجة ابنه وإن نزل] قوله: (وزوجة ابنه) النوع الثاني من المحرمات من المصاهرة: زوجات الأبناء، زوجات الأبناء يأخذن نفس الحكم، بمجرد أن يعقد ولدك على امرأة يحل لك أن تقابلها، وأن تصافحها، وأن تختلي بها، وأن تسافر معها، سواء دخل بها أو لم يدخل، ما الدليل على ذلك؟ قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:23]، ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أن الله حرم علينا حليلة الابن: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء:23]؛ لأن الآية الكريم صدرت بقوله جل ذكره وتقدست أسماؤه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:23]، فالعقد يقول: وحرمت عليكم حلائل أبنائكم، فلما كان هذا أصل التقدير معناه: أنه إذا كانت المرأة حليلة لولدك فإنها بمجرد أن تصير حليلة فهي محرم لك.
حسناً! لو أن الابن طلقها بعد العقد مباشرة أو مات عنها بعد العقد مباشرة فهي محرمة عليك إلى الأبد، فالله تعالى يقول: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء:23]، قال العلماء: وصف الله هذا النوع من المحرمات بكونه حليلة، وبالإجماع: أن الولد لو عقد على امرأة صارت حليلة له ومحرماً لوالده، أي: أن المرأة حليلة للرجل بمجرد أن يعقد عليها، وهذا بحكم الشرع، والشرع وصف حليلة الابن بكونها محرمة، إذاً فالقاعدة: أن كل امرأة عقد عليها الابن فهي محرمة على والده إلى الأبد.
يشمل هذا ابنك المباشر وابن ابنك وابن بنتك وإن نزل، فلو سئُلت عن ابن بنت ونحو ذلك تزوج امرأة وعقد عليها جاز لك بعد العقد مباشرة أن تدخل وتسلم عليها؛ لأنها أصبحت محرماً لك بمجرد العقد عليها.
قوله: (وإن نزل) ابن ابن وابن بنت وإن نزل، تمحض بالذكور أو تمحض بالإناث كما ذكرنا، والدليل عموم قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء:23]، ولم يفرق بين ابن وآخر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف الحسن بأنه ابن له، مع أنه بواسطة أنثى، فدل على أن من تمحض بالذكور أو تمحض بالإناث أنه ابنك ما دام أنه فرع لك.
قال: [دون بناتهن وأمهاتهن] قوله: (دون بناتهن وأمهاتهن)، فمثلاً: زوجة الأب لها بنت الذي هي ربيبة الأب، الوالد تزوج خديجة فخديجة بنتها محرم لوالدك؛ لأنها ربيبته، يجوز لك أن تتزوج ربيبة والدك، فهي حرام على والدك وحلال لك أنت، فتحريم المصاهرة يختص بمن ذكرنا.
قوله: (وأمهاتهن)، مثل: أن يتزوج الابن خديجة بمجرد عقد الولد على خديجة تحرم عليه أمها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:23]، لكن هذه الأم تحل لأبيه، فيجوز لأبيه أن يتزوجها، مثلما ذكرنا في الربيبة التي هي بنت زوجة الإنسان فهي محرم له ويحرم عليه نكاحها، ويجوز لابنه أن يتزوجها، وكذلك زوجة الابن أمها محرم للابن وحرام عليه أن يتزوجها، لكن يجوز لوالده أن ينكحها.
فالتحريم قيده الله عز وجل بضابطه، فأنت إذا قلت: بنت زوجتي حرام عليَّ وهي الربيبة، لكن ليست على الولد بحرام، فالابن يجوز له أن يتزوج الربيبة التي هي بنت زوجتك وهي حرام عليك، وكذلك أم زوجتك حرام عليك لكنها ليست بحرام على ابنك فيجوز له أن يتزوجها، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:24]، فإن التحريم قصر على الابن إذا تزوج امرأة أن ينكح أمها، لكن لم يحرم على أبيه ذلك، وقصر على الأب إذا كان قد تزوج امرأة لها بنت أن ينكح بنتها، لكن لم يحرم على ابنه ذلك، فيجوز له أن ينكحها؛ لأنها ليست بربيبة له وإنما هي ربيبة لأبيه، وكذلك أم زوجة أبيه ليست بأم زوجته وإنما هي أم لزوجة أبيه، فالحكم واضح في هذا، تقصر التحريم على موضعه الذي ورد به وتبقي ما عدا ذلك على الأصل من الجواز، وإذا راجعت المسألة فهي واضحة إن شاء الله.
قال: [وتحرم أم زوجته وجداتها بالعقد] قوله: (وتحرم أم زوجته وجداتها بالعقد)، هذا النوع الثالث أم الزوجة.
عندنا نوعان باقيان: أم الزوجة، وبنت الزوجة، وانظر إلى حكمة الله سبحانه وتعالى، وكمال لطفه، ودقة هذه الشريعة الإسلامية العظيمة، حينما جاءت تحرم أم زوجة الإنسان، الغالب أنه إذا عقد الرجل على امرأة فالبنت أجمل من أمها، وقلّ أن تجد رجلاً يطلق بنتاً ويتزوج أمها، فجعل الله تحريم أم الزوجة بمجرد العقد على ابنتها، ولأن البنت يصيبها من الغيرة الشديدة والأمر العظيم من الحقد على أمها لو أباح الشرع أنه لا يحرم التزوج بأمها إلا بعد الدخول بها، لكن جعل تحريم الأم بمجرد العقد على البنت، أما العكس إذا تزوج أماً فإن البنت وهي الربيبة لا تحرم إلا بعد الدخول بأمها، وذلك لقوله تعالى: ((وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)) [النساء:23]؛ فانظر كيف التوسعة! وفي الغالب أن الرجل لا يطلق امرأة ويتزوج أمها؛ لأن الغالب أن البنت أجمل من أمها وأكمل وأحظى عند الزوج، وهذا شيء جبلي فطري، والشريعة لا تعارض الغرائز والأشياء الطبيعية، إنما تريد أن تهذّب وتقوّم وتضع كل شيء في نصابه: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الأعراف:52]، فحكم الله الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين سبحانه! سبحانه ما أحكمه! وينبغي على طالب العلم إذا تعلم هذه الأحكام أن يزداد من العقيدة والإيمان، ما فائدة أن يعرف الإنسان الحكم ويقول: هذا حلال أو حرام فقط، هذا لا يكفي، بل ينبغي أن يصحبه اليقين، وأنه ليس هناك أكمل ولا أبدع ولا أجمل ولا أتقن من حكم الله سبحانه وتعالى قال سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام:115] وقال سبحانه: ﴿والله يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:41]، من هذا الذي يستطيع أن يستدرك على رب العزة والجلال، جل جلاله وتقدست أسماؤه؟!! لقد جعل الله تحريم الأم بمجرد العقد على البنت، لكن البنت التي هي أحظى وأجمل إنما جعل تحريمها بالدخول على أمها، فجعل الأمر على السعة.
شرح زاد المستقنع -
باب المحرمات في النكاح [2]
إن المحرمات إلى أمد يحرم نكاحهن حتى يزول المانع، فإذا زال المانع فإنه يجوز نكاحهن.
والمحرمات إلى أمد أنواع: منها أخت معتدته، وأخت زوجته، وبنتاهما وعمتاهما وخالتاهما وغيرهن ممن يحرمن على التأقيت.
والحكمة من التحريم هو الإبقاء على المحبة بين هؤلاء، وعدم التقاطع والتباغض، وهذه حكمة عظيمة.
بيان المحرمات من النساء على التأقيت
قال رحمه الله: [فصل: وتحرم إلى أمد].
قوله: (وتحرم إلى أمد) هذا النوع الثاني من المحرمات وهو التحريم إلى أمد.
فبعد أن بين رحمه الله المحرمات إلى الأبد شرع في بيان المحرمات إلى أمد، وهذا نوع من النسوة يحرمن مؤقتاً، مثلاً: عندنا المرأة المحرمة لا يجوز لك أن تتزوجها حتى تحل من إحرامها، وكذلك المرأة الزانية لا يجوز نكاحها حتى تتوب وتستبرئ من زناها، كذلك المرأة الكافرة لا يجوز نكاحها إلا ما استثناه الشرع من الكتابيات على التفصيل الذي سنذكره، لكن إذا أسلمت يجوز، إذاً معنى ذلك أن هؤلاء النسوة تحريمهن من جهة العوارض والأسباب، ويزول التحريم بزوال سببه.
من المحرمات إلى أمد أخت الزوجة
قال رحمه الله: [أخت معتدته].
قوله: (أخت معتدته)، أي: أخت الزوجة، وهي محرمة عليك سواء كانت الزوجة في عصمتك أو كانت في حال العدة، فهو قال: (أخت معتدته) حتى يُعْلَمَ أنها إذا كانت باقية في عصمته فهي محرمة من باب أولى وأحرى، وهذا النوع من النساء يدخل تحت مانع الجمع.
فالموانع عدة وهي: مانع النسب، ومانع المصاهرة، ومانع الرضاع، ومانع اللعان، هذه أربعة موانع تقدمت، ثم نشرع الآن في مانع الجمع، وهو الجمع بين الأختين، والمرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، هذا بالنسبة لمانع الجمع.
فابتدأ بالأخت وعادة العلماء يقولون: تحرم أخت الزوجة ما دامت الزوجة في العصمة أو كانت في عدتها، فإذا طلقت وخرجت من عدتها حلت أختها.
دليل هذا النوع من التحريم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:23]، (إلا ما قد سلف) أي: ولا ما قد سلف -كما ذكرنا-، فينبغي فراقهن، فيكون على العطف تشبيك الحكم، ومن حكمة الله عز وجل أنه حرم على الرجل أن يتزوج أخت زوجته في حال بقاء أختها في عصمته؛ لما في ذلك من قطع الأرحام، وظهور الحقد بين الأخوات، وقد جاء في الحديث الآخر في الرواية: (إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم)، فهذا يدل على أن العلة خوف قطيعة الرحم، ومن هنا يقول العلماء: إن التحريم هنا درء لمفسدة قطيعة الرحم، وأجمع العلماء على عدم جواز الجمع بين المرأة وأختها.
لكن هذا النوع من الموانع الذي هو مانع الجمع لا يوجب المحرمية كما ذكرنا، ويخطئ بعض الناس عندما يجلس مع أخت زوجته، فإذا قيل له: لماذا؟ يقول: هذه محرمة فهي كالأم والبنت، وهذا خطأ، فإنها محرمة إلى أمد، والمحرمة إلى أمد لا تأخذ حكم المحرمة إلى الأبد.
والأخت تشمل أخت الزوجة الشقيقة، وأخت الزوجة لأب، وأخت الزوجة لأم، فالحكم هنا عام، وألحقت بها الأخت من الرضاعة، فإنه لا يجمع بين المرأة وبين أختها من الرضاعة.
وعليه فلا يجمع بين المرأة وبين أختها من النسب، ولا أختها من الرضاعة.
قال: [وأخت زوجته] قوله: (وأخت زوجته) أخت معتدته، هي أخت زوجته، يعني: كأنه يقول: إن أخت الزوجة محرمة إلى أن تطلق وتخرج من عدة الطلاق، لكن ما دامت في عدة الطلاق لا، ومن هنا يلغزون ويقولون: رجل يعتد، وهو الذي يريد الزواج من أخت الزوجة، ومن كان عنده أربع نسوة وأراد أن يتزوج بامرأة خامسة لا يحل، فنقول له: فارق واحدة وتزوج الخامسة، فإذا طلق الواحدة لا يحل له أن يعقد على الخامسة حتى تخرج هذه من عدتها؛ لأنه لو أبحنا له أن ينكح الخامسة قبل أن تخرج الرابعة من عدته ومات، يكون قد مات وفي عصمته خمس من النسوة بحكم الشريعة؛ لأن المرأة في العدة آخذة حكم المرأة، ولذلك قالوا: إنه لابد من خروجه من العدة في قول جماهير السلف رحمة الله عليهم، وقضى به بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وعليه قالوا: لو ألغز يقال: رجل يعتد، بينما الأصل أن العدة تكون للمرأة، يقولون: هو الرجل الذي يريد الخامسة، فإنه إذا طلق الرابعة يعتد، يعني: لا يتزوج حتى تخرج الرابعة من عدتها، وهكذا لو طلق الزوجة وأراد أن ينكح أختها فإنه ينتظر إلى خروجها من العدة، لكن لو أن أختها ماتت، جاز له مباشرة أن ينكح أختها، في هذه الحالة ليست هناك عدة، فبمجرد موتها يحل له نكاح أختها.
حكم الجمع بين المرأة وبنت أختها أو عمتها أو خالتها
قال رحمه الله: [وبنتاهما وعمتاهما وخالتاهما].
قوله: (وبنتاهما) فلا يجوز أن يجمع بين المرأة وبنت أختها؛ لأنه جمع بين المرأة وخالتها، ومعلوم أنه لا يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.
قوله: (وعمتاهما وخالتاهما) لما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه: (نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها)، ومن هنا يعتبر العلماء: أن السنة تزيد على القرآن في الحكم، وهذا خلاف لبعض أصحاب الرأي الذين يقولون: إن السنة لا تزيد على القرآن، فهنا زاد التحريم الجمع بين المرأة وعمتها، فإن ظاهر القرآن يبيح؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:23]، والله تعالى حرم المحرمات ثم قال بعد ذلك: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:24]، فالأصل يقتضي أن التحريم يختص بالجمع بين الأختين، مفهوم ذلك: أن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها جائز بحكم القرآن؛ لكن جاء النص من السنة بالزيادة، وهذا مما يذكره العلماء: أن السنة تزيد على القرآن، بخلاف من يقول: إن السنة مفسرة مقيدة لمطلق القرآن، مخصصة للعموم إلى آخره، وهذا ليس على كل حال، بل السنة تزيد على القرآن، وتأتي بأحكام زائدة على القرآن، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا ألفين أحدكم جالساً على أريكته شبعان ريان يبلغه الحديث عني فيقول: ما وجدت هذا في كتاب الله، ولقد أوتيت القرآن ومثله معه)، ولقد صدق بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه، فكم من جالس على أريكته أشر بطر كفر نعمة الله عز وجل، ورد سنة النبي صلى الله عليه وسلم مدعياً أنه لا يجد ذلك في كتاب الله، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم غنية عنه وعن أمثاله.
جواز التزوج ببنت أخت المرأة وعمتها وخالتها بعد انتهاء عدتها
قال رحمه الله: [فإن طلقت وفرغت العدة أبحن].
قوله: (فإن طلقت وانتهت العدة) هذان شرطان.
إذاً: لابد من الأمرين: الطلاق، وانتهاء العدة، لكن لو ماتت فإنها تحل.
قال: [وإن تزوجهما في عقد أو عقدين معاً بطلا] يا إخوان! الحقيقة أن متون الفقه ومتون العلم ألَّفها علماء أجلاء، ومن الخطأ أن يظن الظان أن أهل العلم المعروفين بالورع والصلاح يأتون بشيء من عندهم، فالبعض يقول: هذه آراء واجتهادات، العلماء عندما يأتون بهذه المسائل الغريبة فهي منبنية على الأصول، ولو تأملت الآن المتون الفقهية وأمعنت النظر فيها، وركزت في الأدلة المستنبطة منها هذه الأحكام، لوجدت أنها لا تخرج عن أصل صحيح شرعي، لكن تختلف الأنظار هل هذا الأصل أولى أو ذاك؟ فهم الآن حينما يتكلمون على مانع الجمع، فإن القرآن فيه نهي عن الجمع، لكن قد يرد
السؤال
لو أن رجلاً جمع بين أختين -والعياذ بالله- معاً، وهذا الرجل جاهل بحكم الشريعة، كأن يكون أسلم حديثاً، ثم جاء وتزوج أختين مع بعض، وقيل له: هذا لا يحل، فما الحكم: هل نلغي النكاحين؟ أم نبقي النكاحين؟ أم نلغي أحدهما ونبقي الآخر؟ هذا فيه تفصيل: إن كانت إحداهما سابقة للأخرى بطل نكاح الأخيرة، وبقي نكاح الأولى على ما هو عليه؛ لأن الإخلال جاء من إدخال عقد الثانية على الأولى، فالأصل في عقد الأولى أنه صحيح وأصله مستصحب، ونلغي الثاني فكان وجود العقد وعدمه سواء، فنقول له: فارق الأخت الثانية، ويلزمك مفارقتها ويبقى عقد الأولى على ما هو عليه.
لكن لو تزوجهما معاً، دخل بهما معاً وعقد بهما معاً، فما الحكم؟ نقول: بطل نكاحهما معاً؛ لأنه مبني على أصلٍ فاسد، لا يصح النكاح على هذا الوجه، إذا لم تسبق إحداهما الأخرى وعقد عليهما معاً، يقع صورة هذه المسألة: ككفار أسلموا وهم حديثو عهد بالإسلام فقال أحدهما للآخر: يا فلان! زوجتك أختين لي، قال: قبلت، فقد وقع العقد على الاثنتين، نعم تزوج أختين مع بعض، فحينئذٍ جمع بين الأختين في عقد واحد، فيلغى عقد الأولى والثانية.
قال: [فإن تأخر أحدهما أو وقع في عدة الأخرى وهي بائن أو رجعية بطل] قوله: (فإن تأخر أحدهما) ما رأيكم تأخرت إحداهما، أو تأخر أحدهما؟ تأخر أحدهما بالتذكير التفاتاً للعقد، أي: فإن تأخر عقد إحداهما عن عقد الأخرى بطل نكاح الثانية دون نكاح الأولى كما ذكرنا، وهكذا لو وقع في عدتها فإنه يبطل نكاح الثانية، يستوي أن يقع في عدتها أو يقع في حال العصمة كما ذكرنا.
من المحرمات إلى أمد المحصنة والمعتدة
قال رحمه الله: [وتحرم المعتدة والمحصنة].
قوله: (وتحرم المعتدة) قال تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة:235]، فالمرأة المعتدة من طلاق تنتظر حتى تتم عدتها، وبعد ذلك تحل للأزواج، فلا يجوز أن ينكحها في حال عدتها، وقد حرم الله عز وجل المرأة المحصنة والمعتدة، وهذا مانع جديد غير المانع السابق.
قوله: (والمحصنة) هذا مانع الزوجية.
وضابط الزوجية: أن تكون المرأة في عصمة الغير، والدليل على ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:24] عطف المحصنات من النساء على قوله: (حرمت)، أي: حرمت عليكم المحصنات من النساء، والمحصنة: هي المرأة المزوجة؛ لأن الإحصان يطلق على الزواج، فيقال: أحصن الرجل إذا تزوج: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:25]، فهنا الإحصان الأول بمعنى الزواج، ويطلق الإحصان بمعنى العفة: حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل ومنه قوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء:25] يعني: عفيفات غير زانيات، قوله: (مسافحات) يعني: زانيات، والسفاح هو الزنا، ﴿وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَان﴾ [النساء:25] يعني: متخذات أصدقاء مثلما يقع عند أهل البغي والفجور.
فالمقصود: أن المرأة المحصنة في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ [النساء:24] من المحرمات إلى أمد، وهي: كل امرأة في عصمة الغير، فلا يجوز للرجل أن يتزوج منكوحة غيره، وإذا تزوج منكوحة غيره فهو زانٍ، هذا إذا كان يعلم أنها منكوحة لغيره، ويعلم بالتحريم، فحكم هذا أن يرجم إن كان محصناً.
والمرأة التي هي الزوجة إن رضيت به، أو كذبت وقالت: ما لي زوج ولها زوج، وتزوجت بزوج ثان عالمة بالحكم فهي زانية وترجم بزناها، هذا إذا ثبت عند القاضي أنها فعلت ذلك توصلاً إلى وطئه، ويكون حينئذٍ طلباً للزنا؛ لأن العقد باطل، فكأنها تبيح له ما حرم الله عز وجل دون إذنٍ شرعي فهو زنا.
فالمقصود: أن المرأة المحصنة لا يحل نكاحها، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ [النساء:24]، ويتبع ذلك المعتدة، فالشريعة حكمت بأن المعتدات في حكم الزوجات، وفائدة العدة أن يقوم الزوج بردها؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة:228] فجعل المرأة المعتدة تابعة لبعلها، فقال: (وبعولتهن) وهذا يدل على أنها لا تنكح، ولا يجوز للغير أن يدخل على زوجة الأول إلا بعد خروجها من العدة.
عدم جواز وطء المسبية إلا بعد استبرائها
قال رحمه الله: [والمستبرأة من غيره].
قوله: (والمستبرأة من غيره) المستبرأة من البراءة، وهي: التي تطلب براءة الرحم، مستبرأة من غيره مثلما يقع في الإماء، يقول الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:24] لا يحل للمسلم أن يطأ أو يتزوج امرأة مزوجة بغيره، إلا في حالة واحدة وهي: أن تكون كافرة، وتؤخذ أسيرة، وكانت زوجة لكافر قبل أن تسبى وتسترق، فإذا أخذت بالسبي يلغى نكاح الكفار، ويصير لها بحكم السبي حكم جديد، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:24]، فالسبي والنساء المسترقات في السبي يجوز وطؤهن، ولو كن زوجات للكفار قبل القتال وقبل الجهاد، فبالجهاد نشأ حكم جديد، فألغي زواجهن الأول وأصبحن ملكاً؛ لأنه لو لم يكن هذا لما وقع شيء اسمه ملك يمين، فقال الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:24] فاستثنى الله عز وجل الوطء بملك اليمين للمحصنة، لكنها تُسْتَبْرَأُ فلا يجوز وطؤها قبل الاستبراء؛ لأنه إذا وطأها ولم يستبرئها فإنه يدخل ماءه على ماء الكافر قبله، وهكذا لو كانت المرأة منكوحة لغيره ووقع الوطء شبهة، لا بد أن يستبرئها إذا كانت موطوءة من غيره، وسنتكلم إن شاء الله على العدد وأحكام الاستبراء في بابها إن شاء الله، والدليل على أن المستبرأة لا توطأ حديث سبي أوطاس، وذلك لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يريد أن يلم بالمسبية، يعني: يطأها، هذه المرأة المسبية كانت فراشاً للذي قبل، وفيها حمل بيّن، والمفروض أنه ينتظر حتى تضع حملها، وحينئذٍ يستبرئ الرحم، ويصبح خلواً له، فيطأ بملك اليمين، لكن ما يجوز أن يأتي بمسبية حامل ويطأها؛ لأن هذا يدخل ماءه على ماء غيره، فقال صلى الله عليه وسلم -لما رآه على باب الخيمة وهو يلم بها-: (أيلم بها، أيغذوه في سمعه وبصره -يعني: لو وطأها وهي حامل لانتشى ولد غيره بمائه- لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره)، وفي هذا يقول بعض العلماء: إن هذا يدل على عظم أمر الزنا؛ لأنه إذا زنى وأدخل على أهله ولداً ليس منهم، وأغذاه في سمعه وبصره -والعياذ بالله- وأدخل من يطعم من طعام قوم لا يحل له أن يطعم، ويشرب من شراب قوم لا يحل له أن يشرب، وأن ينظر إلى نسائهم وهم ليسوا بمحارم، فكل هذا من الآثار المترتبة على اختلاط الماء، ولذلك قال: (أيغذوه في سمعه وبصره، لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره)، فهذا يدل على أنه لا يجوز الوطء للمرأة التي علق ماؤها من الغير، وكذلك لا يجوز وطء معتدة غيره وامرأة غيره بعد فراقهما إلا بعد استبرائهما.
من المحرمات إلى أمد الزانية
قال رحمه الله: [والزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها].
ولا يجوز نكاح الزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها، هذان شرطان: الشرط الأول: يتعلق بصلاحها واستقامتها وتوبتها من الزنا.
والشرط الثاني: يتعلق بطهارة فرجها ورحمها، فأما بالنسبة للدليل على تحريم نكاح الزانية فقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:3] قيل: إن هذه الآية نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه وقد أراد أن ينكح عناقاً، ونكاح الرجل للمرأة الزانية يدخل الضرر على أولاده وذريته ونسله، وتختلط الأنساب، ولا يأمن منها أن تدنس فراشه، وتلوث نسبه والعياذ بالله! فتدخل عليه من الشر والبلاء، وتدخل على جماعته وجيرانه من السوء ما الله به عليم، فإن المرأة الزانية مشئومة وفيها من الشؤم والبلاء ما قد يكون سبباً في الضرر على غيرها، فكم أفسدت وأهلكت من بيوت وأسرٍ، ودمرت من أناسٍ بسبب ما يكون منها من الزنا نسأل الله السلامة والعافية! فالزانية شر عظيم، ولذلك حرم الله نكاح الزانيات، فقال تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور:3]، وعلى الصحيح من قولي العلماء: أن الزنا يمنع النكاح، فيحرم على المسلم أن ينكح الزانية، وهذا مانع آخر، فقد ذكرنا قبلاً مانع الجمع، ومانع الزوجية، ومانع العدة، والعدة في حكم الزوجية، وذكرنا بعد ذلك الاستبراء، ثم هانحن نذكر مانع الزنا، هذا المانع الرابع من موانع المحرمات إلى أمد، وتستطيع أن تجعل المستبرأة في حكم ذات الزوج؛ لأنها تابعة لماء الأول، وتجعل هذا مانعاً ثالثاً مؤقتاً، وهو مانع الزنا، والصحيح من أقوال العلماء: أن الزنا يمنع من النكاح ويحرم.
وعليه فلا يجوز أن ينكح المسلم الزانية إلا بشرطين: الشرط الأول: أن تتوب، وتوبتها تكون بما يظهر من صلاح حالها واستقامتها وبعدها عن الحرام.
وقال بعض العلماء: لا توبة لها إلا إذا اختبرت وظهرت براءتها، وقالوا: اختبارها أن تراود على الزنا فلا تعود، وهذا شرط صعب، فإن المرأة قد تتوب توبة نصوحاً، ولكنها إذا ذكرت بماضيها ربما ضعفت، ولذلك أمر التوبة في هذا من الصعوبة بمكان؛ لكن ظواهر الحال والقرائن الظاهرة إن شاء الله كافية.
بعض العلماء يعتبرون بصلاح الحال أغلب الحول، أي: أنه إذا مضى عليها أغلب الحول وهي مستقيمة طائعة نادمة على ما فات، وظهر من أحوالها التوبة صح منها ذلك، مثال ذلك: أنها كانت تخرج فصارت تقر في بيتها، وكانت تتصل بالناس فقطعت صلتها بالناس، فظهرت أمارات ودلائل وآثار تدل على صدق توبتها، حينها نحكم بتوبتها، فإذا حكمنا بتوبتها وظهر ما يدل على صلاحها واستقامتها، فإنه يستبرئ ما يكون منها، فلا يجوز له أن يطأها قبل أن تستبرئ من وطء الزنا؛ لأن هذا يوجب خلط الأنساب.
لكن لو كان الذي زنى -والعياذ بالله- يريد كما يقولون: أن يستر الزانية، فيتزوجها بعد أن خدع المرأة وأصابها فوجدها بكراً فيطمع فيها.
فمذهب طائفة من السلف: أنه يجوز له أن يتزوجها ويسترها.
وقال بعض الصحابة: أوله حرام وآخره حلال، وأوله سفاح وآخره نكاح، فخففوا في ذلك، وقال به بعض الأئمة.
وذهب طائفة من أهل العلم رحمهم الله، وهو الأقوى والصحيح: أنه لا يجوز له أن يعقد عليها حتى تتوب توبة نصوحاً، وتستبرئ من الحرام، حيث لا يجوز إدخال الحلال على الحرام، والسنة قاضية على أنه يجب التفريق بين الحلال والحرام، وذلك في حديث وطء المسبية فإنه يدل على أنه لا يجوز، وكما هو معلوم فإن عندنا نصاً يدل على أن ماء الزنا حرام، وليس للرجل فيه حق: (الولد للفراش)، فكيف نقول: يتزوجها من أجل أن يسترها، فحينئذٍ إن سترها ضيّع حق الولد فإنه يدخل ولداً على ذريته ليس منهم؛ ولذلك نص عليه الصلاة والسلام بقوله: (الولد للفراش)، فهذا يدل دلالة واضحة على أن هذا الولد ليس من حقه، فهو يتذرع بأن هذا الولد ولده، ويريد أن يبقيها في عصمته من أجل هذا الولد، والواقع أنه ليس بولده، وهذا الولد لابد وأن يأخذ حكمه الشرعي في كونه ولد سفاح، فإذا جاء يقول: أنا أسترها، إنما سترها بمحرم، وأدخل السفاح على النكاح، فأدخل ولداً ينسب إليه، ويقارن بأبنائه وبناته، يشاركهم ويزاحمهم في الإرث هو وذريته وذرية ذريته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إن بقي نسله، وكل ذلك مما ليس له أصل شرعي.
صحيح أن ستر المرأة مشروع، وأن الزاني يستر غيره ويستر نفسه فهذا لا بأس به، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه ماعز قال له: (ويحك ارجع فاستغفر الله ثم تب إليه) لكن أن يدخل الحلال على الحرام فلا؛ لأنه سيضر بحقوق الورثة، وهذا الولد ليس له حق؛ لأن هذا الماء الذي وطِئَ وأُنجب منه، واغتذى به الفرج، وحصل منه الإنجاب، ماء لا حرمة له، فهو بهذا الستر يدخل الحرمة، وبالإجماع على أنه يشرع الستر ما لم يتضمن إضراراً بالغير، وفواتاً لحقه، لو أن الرجل توفي وليس له ولد إلا هذا الولد الذي من الزنا، وفرضنا أنه طلق أم هذا الولد وتزوج زوجة ثانية وليس له إلا هذا الولد الذي من الزنا والعياذ بالله! ففي هذه الحالة تنتقل المرأة من إرثها من الربع إلى إرثها من الثمن، بسبب ولد الزنا؛ لأن هذا الولد يحجبها، ثم إن العصبة الذين هم قرابته أحق بميراثه، فيأتي ابن الزنا -والعياذ بالله- ويأخذ الميراث منهم تعصيباً.
فالمسألة ليست مسألة عاطفة، المسألة مسألة أحكام، ولذلك فإن قول من قال: لا يدخل الحرام على الحلال ولا يدخل الحلال على الحرام أقوى، والأصول شاهدة له، والسنة دالة عليه.
والذي تطمئن إليه النفس أنه لا يصح هذا، وهو اختيار جمع من العلماء وطائفة من مشايخنا رحمة الله عليهم، وهو أولى بالصواب إن شاء الله تعالى؛ لدلالة النصوص والأصول الشرعية عليه.
من المحرمات إلى أمد المطلقة ثلاثا
ً
قال رحمه الله: [ومطلقته ثلاثاً حتى يطأها زوج غيره] قوله: (ومطلقته ثلاثاً) إذا احتسبنا المستبرأة داخلة تحت المعتدة، فالنوع الرابع مطلقته ثلاثاً لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا -أي: الطلقة الثالثة- فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:230] فهذا نص على أن المرأة المطلقة ثلاثاً لا تحل حتى تنكح زوجاً غيره، وجاءت السنة بزيادة شرط فإن ظاهر القرآن: ﴿حَتَّى تَنكِحَ﴾ [البقرة:230] ظاهره العقد، وأنه إذا عقد عليها زوج حلت للأول الذي طلقها ثلاثاً إن طلقها الثاني أو بانت منه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن في حديث امرأة رفاعة بن رافع القرظي رضي الله عن الجميع حينما بانت من رفاعة وتزوجت عبد الرحمن بن الزبير رضي الله عنه وأرضاه، وجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتكت، وقالت حينما نكحت عبد الرحمن بن الزبير: (إنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب، فقال صلى الله عليه وسلم: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ فقال: لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)، فهي لما طلقها رفاعة الطلقة الثالثة بانت منه، وبت طلاقها وتزوجت عبد الرحمن بن الزبير فأرادت أن ترجع إلى رفاعة، وقيل: أن ما اتهمت به عبد الرحمن بن الزبير ليس بصحيح؛ لأنها لما جاءت تشتكي ابن الزبير كان معه ولد، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: (أهذا ولدك؟ قال: نعم) فعلم كذبها، وأنها تريد أن ترجع إلى الأول، ففطن صلى الله عليه وسلم لذلك، وعلى هذا ينبغي على القاضي والمفتي أن يكون ذا فطنة وذا علم وبصيرة، وأن ينتبه إلى ما يدعيه المدعي، وأن تكون عنده من الفراسة ما يمكنه من معرفة الكلام الذي يقال، والدعوة التي تذكر من الخصمين.
الشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يردها إلى رفاعة إلا بعد أن يذوق الثاني العسيلة، وهذا مكنىً به عن الجماع، ولذلك أجمع العلماء على أنها لا تحل للأول إلا بعد وطء الثاني لها، ويكون ذلك بإيلاج الحشفة أو قدرها إن كانت مقطوعة، وحصول الإيلاج في الفرج أمر شرعي معتبر، ثم إن أراد أن يطلقها بعد ذلك فإنه جائز؛ لكن بشرط ألا يكون نكاح محلل، فإذا وقع ذلك وطلقت ورجعت إلى الأول حلّت له، وسيأتي إن شاء الله بيانه في مسائل الطلاق، هل تحل له بثلاث طلقات جديدة، أو تحل له بطلقة واحدة على تفصيل عند العلماء رحمهم الله، هذا مانع التطليق ثلاثاً، وهو من الموانع المؤقتة، لأنها إذا نكحت زوجاً غيره مطلقها حلّت للذي قبل.
من المحرمات إلى أمد المحرِمة
قال رحمه الله: [والمحرمة حتى تحل].
مانع الإحرام مانع مؤقت، وقد بيّنا مانع الإحرام في كتاب المناسك، وبيّنا أن الصحيح من مذهب الجمهور: أن المحرم لا ينكح ولا يُنكح ولا يخطب، وبيّنا صريح السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يدل على رجحان هذا القول، وأجبنا عن أجوبة المخالفين، وأنه لا يحل نكاح المرأة المحرمة حتى تتحلل من إحرامها، ولا يجوز للرجل المحرم أن ينكح، ولو كانت المنكوحة حلالاً فلا يجوز نكاح المحرمين، ولا نكاح محرمة من حلال، ولا نكاح حلال من امرأة محرمة، ولا محرم من امرأة حلال، لا يجوز هذا سواء كان الاثنان محرمين، أو كان أحدهما محرماً، والآخر حلالاً، فلا يجوز النكاح على هذا الوجه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا ينكح المحرم -إذا كان زوجاً رجلاً- ولا يُنكح -إذا كان امرأة-)، فجمع بين الاثنين، ودل على تحريم النكاح بالإحرام.
حكم تزويج الكافر بمسلمة
قال رحمه الله: [ولا ينكح كافر مسلمة].
هذا مانع الكفر (لا ينكح كافر مسلمة)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:221]، فحرم الله عز وجل على الكافر أن ينكح المسلمة، وأباح للمسلم أن ينكح الكتابية مع أنها كافرة؛ وذلك لأن سلطان الرجل أقوى من سلطان المرأة، ولو أن الكافر تزوج المسلمة لأغواها، فإن المرأة أضعف من الرجل، وتسلط الرجل عليها أقوى، فجعل حق القوامة والعلو للإسلام لا للكفر، ولذلك لا يحل أن يكون الزوج كافراً، وقال تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة:10] إذا آمن الكافرات وهاجرن وثبت إيمانهن فلا يجوز أن نقوم بإرجاعهن إلى الكفار؛ لقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:10] فنص الله عز وجل على أنها حرام على الكافر في استدامة العقد، فمن باب أولى في إنشاء العقود، يعني: يستوي في ذلك أن تسلم فنمنعها من زوجها الكافر، أو يكون كافراً يريد أن يتزوج مسلمة، فلا يجوز للكافر أن يطأ المسلمة بالنكاح لا ابتداء بعقد نكاح ولا استدامة، فبمجرد إسلامها يفرق بينه وبينها.
حرمة تزوج المسلم بالكافرة باستثناء الكتابية
قال رحمه الله: [ولا مسلم ولو عبداً كافرة إلا حرة كتابية].
لا يجوز للمسلم أن يتزوج الكافرة؛ وهذا من الولاء والبراء الذي يقوم عليه دين الإسلام، فلا يجوز للمسلم أن يوالي أعداء الله عز وجل، والنكاح بطبيعة الحال مداخلة، وفيه من الود والمحبة ما قد يؤثر على الدين، وفتنة الدنيا قد تعمي البصيرة والعياذ بالله، ولذلك قطع الله عز وجل الروابط بين المسلمين والكافرين، وقدم حق الإسلام وحق طهارة العقيدة وسلامتها من المؤثرات والدواخل على شهوات النفوس؛ لأن البديل موجود، وفي الإسلام غناء عن الكفر، فلا يجوز للمسلم أن يتزوج الكافرة، فالكافرة شر وبلاء، وإن كان رجلاً قوياً قادراً على كفها ومنعها من التسلط عليه إذا أرادت أن تغويه، فإنه لا يستطيع أن يمنع سلطانها على أولاده، فإن الأم لها قوة ونفوذ على الأولاد، ولذلك أصبح لهذا الأمر خطران: خطر على الزوج، وخطر على الأولاد.
أضف إلى ذلك: أنه ما من رجل مسلم ينكح امرأة كافرة إلا وسيدخلها على قومه وجماعته وبيئته، فربما أغوت وأضلت كما ضلت، فكانت غاوية مغوية لغيرها فتفسد بيئة المسلمين، ولو أن كل مسلم ذهب وأتي بكافرة فُتن بجمالها، ثم أتى بها إلى بلاد المسلمين فإن هذا يدمر الإسلام، ويحدث فجوة عظيمة داخل البيوت وداخل الأسر، وأعظم ما تقوم عليه الأمم والمجتمعات الأسرة، وهو الكيان الذي منه ينطلق صلاح المجتمع، فلابد أن تكون قائمة على تقوى الله عز وجل، وتؤسس على تقوى من الله ورضوان، وتؤسس على صلاح الدين والإيمان بالله عز وجل.
فلا يجوز نكاح الكافرة: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:10] فحرم الله عز وجل الإمساك بعصم الكوافر، وحرم نكاح المشركات: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:221] فحرم نكاح الكافرات، لكن استثني الكتابية؛ لأن الكتابية لها دين سماوي، وأَلِفَتِ التعبد بذلك الدين السماوي، فهناك مدخل أن يؤثر عليها للإسلام، فيتزوجها وفي نيته أن يصلحها، ويقدم حق الله عز وجل على حق نفسه، ففي هذه الحالة الزواج من الكتابية على مطمع إسلامها مباح في أصل الشرع، وجماهير السلف رحمهم الله والخلف والأئمة والفتوى على جواز نكاح الكتابية؛ لأن الله يقول: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:5]، فنصه سبحانه وتعالى على حلّ المحصنات من أهل الكتاب، ويستوي في ذلك اليهود والنصارى.
وعند العلماء تفصيل: بعض العلماء يقول: يشترط أن تكون كتابية الأبوين، يعني: والدها كتابي وكذلك أمها كتابية، فإن كانت من أحدهما لم يصح، وظاهر القرآن أن العبرة بها؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة:5]، فإن كانت هي تدين بدين أهل الكتاب حلّ نكاحها على نص القرآن وظاهره، وهذه التفصيلات فيها محل اجتهاد ولا تخلو من نظر.
لكن مسألة الزواج من الكتابيات أمر يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والعصور والدهور، فلا يفتح باب النكاح من الكتابيات، ففي زماننا من المجرب والمعروف أنه شر عظيم وبلاء عظيم، وقوة نفوذ أهل الكتاب خاصة في العصور المتأخرة، فإن المرأة الكتابية قد تتزوج المسلم ثم بعد ذلك تأخذ أولادها منه بالقوة وتنتزعهم منه شاء أو أبى، وتستطيع أن تستغل نفوذاً أوسع من نفوذها، ولذلك لابد من فقه الفتوى في الزمان، والنظر إلى ما يجر على المسلمين ومجتمعات المسلمين من فتح هذا الباب من الشر العظيم والبلاء الوخيم، إضافة إلى ما يعرف منهن من أن بعضهن لا يعرفن إلا التهتك، يعني: ليس عندهن إلا الاسم فقط من كونهن كتابيات، والتهتك والعهر والفساد -والعياذ بالله- منتشر بينهن، أضف إلى ما عرف منهن من الكيد للإسلام والخديعة للمسلمين، والتظاهر بمحبة الإسلام من أجل أذية المسلمين، ولذلك لابد من وضع هذه الأمور كلها في الحسبان، فلا نأتي ونقول مثلاً: الله أحل لنا نساء أهل الكتاب، بل أحل لك أن تنكح المرأة المسلمة؛ لكن إذا أردت أن تتزوج امرأة مسلمة ولكنها شريرة، وتؤذي جيرانها، وتؤذي أهلك، ولربما كانت نمامة تنقل الحديث، هل يحل لك أن تدخلها على بيئتك ومجتمعك، أم تقف أمام حدود الله ونصوص الشرع من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فتتقي الله في جيرانك وأهلك وأمتك ومجتمعك؟ كذلك أيضاً أهل الكتاب في زماننا، فإننا وإن وجدنا النص يحل نكاح النساء منهم، ونظرنا إلى الواقع والحقيقة وما يجر ذلك من تبعات وأضرار، فإننا نعطي كل زمان حقه وقدره، فنقول: من أراد أن يأخذ بهذا الحلال، ينبغي أن يضع في حسبانه جميع الآثار والسلبيات والنتائج المترتبة على مثل هذا، والله عز وجل بمنه ورحمته قد أغنى المسلمين عن أمثال هؤلاء، وإنما يقع هذا خاصة في القديم حينما كان أهل الكتاب أهل ذمة وتحت المسلمين، وكانوا يتأثرون بالمسلمين، فالمرأة كانت تحب الإسلام، وهذا كان يقع في المجتمعات التي كان فيها أهل ذمة، ولكن بحكم بيئتها لا تستطيع أن تسلم، فإذا انتزعها المسلم من تلك البيئة وجاء بها أسلمت، ووقع هذا في عصور حينما كانت العزة للإسلام وأهله، ولا زالت والحمد لله العزة للإسلام وأهله، ولكن هناك أمور لابد من وضعها في الحسبان، ولا ينبغي أن نفتح الباب هكذا.
هناك بعض الباحثين كتب في هذه المسألة ورغّب وبيّن أنه حق، وبعض المحاضرين أتى بمحاضرة في نكاح الكتابيات وأنه أمر جائز، دون التفات إلى السلبيات والآثار التي ينبغي وضعها في الحسبان، فالشيء يكون حلالاً، لكنه في زمان يحتاج إلى نظر وتأمل، لا نقول: إننا نحرمه، ولكن نقول: من أراد أن يقدم على هذا الشيء، فعليه أن ينظر إلى الآثار السيئة الموجودة المترتبة على هذا الشيء، ثم يقارن: هل يستطيع أن يلقى الله سبحانه وتعالى وقد دفع عن الأمة وعن نفسه وعن ذريته وأهله وولده هذه كلها، أم أنه مستعد لأن يلقى الله سبحانه وتعالى بتبعة ذلك وسيئاته وآثامه؟
حكم تزوج الحر المسلم بأمة مسلمة
قال رحمه الله: [ولا ينكح حر مسلم أمة مسلمة إلا أن يخاف عنت العزوبة لحاجة المتعة أو الخدمة ويعجز عن طول حرة أو ثمن أمة] قوله: (ولا ينكح حر مسلم أمة مسلمة) هذا المانع يسمى: بمانع الرق، تعرفون أن الرق في الإسلام لا يختص بجنس ولا بلون ولا بطائفة ولا بطبقة، إنما هو لمن كفر، فإذا كفر وحاد الله ورسوله وشاق الله ورسوله، ووقع الجهاد الشرعي بالصفة الشرعية، وأذن الإمام في الرق، حينئذٍ كانت منقصة من جهة الكفر، فالحر المسلم إذا تزوج مثل هذا النوع الذي في أصله على الكفر فإن هذا يضر بولده ويضر بذريته؛ لأن الولد يتبع أمه رقاً وحرية؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (الولد للفراش)، وهذا من حق الولد على والده.
فالحر المسلم لا ينكح الأمة إلا بشرطين، وهذان الشرطان لا بد من تحققهما للحكم بالجواز وقد جمعتهما آية النساء: الشرط الأول: أن لا يستطيع طول الحرة، يعني: ليس عنده مال ولا قدرة على الزواج من حرة، فلو كان أقل زواج الحرة يكلف مثلاً خمسة آلاف، وليس عنده خمسة آلاف، والنص على اشتراط العجز في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء:25].
الشرط الثاني: أن يخشى على نفسه الزنا، والنص على الشرط الثاني قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء:25]، ومع ذلك فضّل الصبر، رعاية لحق الولد.
فهنا شرطان: أولاً: أن يخاف على نفسه الزنا.
وثانياً: ألا يملك طولاً.
فإن كان قادراً على الصبر صبر؛ وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (ومن يصبر يصبره الله، ومن يستعفف يعفه الله).
وأما بالنسبة لما يلتحق بمسألة خوف العنت، ألحق بعض العلماء الخدمة، كأن يكون مثلاً رجلاً كبير السن ولم يجد حرة يتزوجها، قالوا: يجوز أن يتزوج أمة، وفي هذه الحالة يتزوجها لوجود الحاجة والضرورة كما ذكرنا.
فمانع الرق هو أن لا يجوز أن ينكح حر مسلم أمة، فجاز للعبد أن ينكح الأمة للمساواة، وهذا تفريق من الشرع لا أحد يتدخل فيه، ولا يحق لأحد أن يقول: الإسلام يفرق أو ما يفرق، والله لو فرق الإسلام بين أرواحنا وأجسادنا لنعمت عيوننا، ويخسأ أعداء الإسلام، ولا نجلس ونحاول تحليل بعض الشبهات ونهدر جانب العبودية.
فالمرأ إذا وجد حكماً من أحكام الله عز وجل، والمرأة إذا وجدت حكماً من أحكام الله عز وجل في أمر فرق الله عز جل فيه بين مجتمعين، أو ساوى فيه بين مختلفين أو متضادين في الحكم، ما يملك الواحد منا إلا أن يقول: سمعنا وأطعنا، ولا نتكلف الرد ونجلس نحلل وكأننا مهزومون أمام أعدائنا، نقول للعدو: رغم أنفك، وعلى رغم أنفك نقبل ذلك، نعم نحن نفرق، وهناك فرق بين الرجل والمرأة نعم، وتقول المرأة بملء فِيها: رضيت بما يحكم الله عز وجل به، نعم ترضى بذلك وتؤمن به وتسلم به؛ حتى يخسأ عدو الله، أما أن نجلس نلفق ونقول: إن الإسلام لا يقبل هذا إلا في حالات اضطرارية وفي حالات استثنائية، ولا يبيح الرق إلا في حالة كذا وكذا، هذه أحكام شرعية لا يتدخل فيها المكلف، ولا يقيد شيئاً أطلقه كتاب الله وأطلقته سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يحاول أن يتكلف في الجواب عن شبهة هي من أصلها ساقطة؛ لأن أهل الشبهة يريدون من المسلم أن يقف موقف المهزوم، لكن لو أننا اعتدنا كلما جاءنا أعداء الإسلام بشبهة نقول: نعم، نرضى بذلك وإن رغم أنفك البعيد، نعم رضينا بذلك، وأبو بكر رضي الله عنه حينما جاءه كفار قريش وقالوا: قد زعم صاحبك أنه ذهب إلى بيت المقدس، قال: هو يقول ذلك؟ -وما زاد على هذا- قالوا: نعم، قال: صدق.
هو قادر أن يقول: إن الله على كل شيء قدير، وإن الله من قدرته قادر على أن يبين لهم، لكن أراد أن يخسئهم، قال: هو يقول ذلك؟ قالوا: نعم، قال: صدق.
ولو أن كل امرأة مسلمة من نساء المؤمنين كلما دخل عليها داخل بالشبهات تقول: نعم رضيت، الإسلام يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، نعم رضيت بملء قلبي وملء لساني، وما الذي يضرني؟ لا يضرني شيء؛ لأني أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله بحكمه حكيم عليم، فمثل هذه الأمور ينبغي وضعها في الحسبان.
فحينما يجعل الإسلام للرجل الحر أن يتزوج الأمة بشروط فهذا حكم الإسلام، ومن عايش الوضع، يعني حينما يكون الإسلام في زمان بينه وبين ملة تخالفه وتضاده وتعاديه، وهذا مشاهد فإن عدو الإسلام إذا تركته جاءك، فلابد للإسلام أن تكون له الكلمة، فلما امتنع هذا من قبول كلمة الإسلام، ووقف وأشهر السلاح في وجه الإسلام، والله عز وجل بحكمه من فوق سبع سماوات أمرنا بقتال هؤلاء، وأباح لنا استرقاقهم، ويصبح العبد مسلوب الحرية، ثم نأتي ونقول: لا ما يسلب الحرية، ما يضرب عليه الرق، ونجد من يقول: ما يضرب الرق إلا في حالات، والإسلام فتح أبواب الخروج من الرق، مع أن الكافر يسترق الحر أكثر من استرقاق الإسلام له، والإسلام لما استرق أعطى حقوقاً تعجز الأمم كلها عن الإنصاف فيها مثلما أنصف الإسلام.
فالمقصود أننا ننبه على أنه لا ينبغي العجز أمام أعداء الإسلام في مثل هذه الشبهات، في مسألة النكاح؛ لأن هذه من الشبهات التي أثيرت، يقولون: انظروا كيف يفرق الإسلام! مع أنهم هم يفرقون بين طبقات مجتمعاتهم وبيئاتهم تفريقاً أسوأ من التفريق الذي يفرقه الإسلام.
فالمقصود: أن حكم الإسلام أنه يجوز للحر أن ينكح الحرة، لكن لا يجوز له أن ينكح الأمة إلا بشروط، وهذا شيء قرره الله عز وجل وأثبته في كتابه، لا يملك المسلم إلا أن يقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:285]، فمانع الرق ثابت ومعتبر على التفصيل الذي بينَّاه ووضَّحناه.
عدم جواز نكاح العبد لسيدته والسيد لأمته إلا بعد العتق
قال رحمه الله: [ولا ينكح عبد سيدته ولا سيد أمته] قوله: (ولا ينكح عبد سيدته) أنتم تعلمون أن السيد يملك عبده بنص الشرع، وهذه الملكية يخالفها حق الزواج، فلا يمكن أن يكون عبداً ويكون زوجاً، آمراً ومأموراً، مملوكاً ومالكاً؛ لأنه إذا تزوج ملك منافع الوطء، وإذا بيع رقيقاً ملكه من اشتراه، فهذا نوع من التضاد، وهذا مسلك فقهي صحيح، وهو تضارب العقود، ولذلك أجمع العلماء على عدم صحة هذا النوع من العقود، ما يمكن أن نقول: إنه عبد وزوج، ما يمكن للعبد أن يتزوج سيدته، تريد أن يتزوجها تعتقه ثم يتزوجها، وهكذا بالنسبة للعكس، فالسيد لا يتزوج أمته؛ لأنه يحل له وطؤها بملك اليمين، فإذا أراد أن يطأها يطؤها بملك اليمين، أما إذا أراد أن يتزوجها نكاحاً بعقد، نقول في هذه الحالة: أعتقها ثم اعقد عليها عقداً شرعياً.
جواز نكاح أمة الأب دون نكاح أمة الابن
قال رحمه الله: [وللحر نكاح أمة أبيه دون أمة ابنه] قوله: (وللحر نكاح أمة أبيه) يعني: لو أن رجلاً لا يستطيع أن ينكح الحرة، ويخاف على نفسه الزنا، فأمة أبيه ليست ملكاً له وإنما هي ملك لأبيه، فصارت كالأجنبية، فجاز له أن ينكح أمة أبيه، أظن هذا واضحاً، نقول: يجوز لابن السيد أن يتزوج أمة والده إذا تحقق فيه شرط زواج الحر من الأمة؛ لأن الشرط موجود ولا يمتنع، لماذا حلّ له؟ لأن في هذه الصورة الولد لا يملك مال أبيه، ولا يوجد ملكية ونكاح، هنا فقط نكاح.
أما الوالد فإنه لا يجوز أن يعقد على أمة ابنه؛ لأن الولد وما ملك لأبيه، قال صلى الله عليه وسلم: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم)، فجعل الفرع تابعاً لأصله، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما فاطمة بضعة مني)، فرد الفرع إلى أصله، فقالوا: لو كانت الأمة للرجل وأراد أن يعقد عليها فإنه بالإجماع لا يصح، ولو سئلت لماذا؟ تقول: لأنه يجمع بين النكاح وبين ملكية الأمة، وهذا لا يصح، إما أن يجعلها مملوكة ويطأها بملك اليمين يتسراها، وإما أن يجعلها منكوحة فيعتقها وينكحها، هذا في حكم من كان مالكاً، أما لو كانت أمة ابنه فأمة ابنه كأمته، فكما يحرم على ابنه أن يعقد عليها كذلك يحرم عليه؛ لأن الولد تابع لأبيه.
عدم جواز أن تنكح الحرة عبد ولدها
قال رحمه الله: [وليس للحرة نكاح عبد ولدها] قوله: (وليس للحرة نكاح عبد ولدها)، فالأم لا تتزوج عبد ولدها؛ لأن ولدها يملك هذا العبد ومال ولدها في حكم: (أنت ومالك لأبيك)، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما فاطمة بضعة مني) فهذا للذكر والأنثى فالأم والأب سواء.
يا إخوان! حتى تتضح الصورة، ما هو ضابط هذه المسائل؟ إذا كان الذي يريد أن يعقد على أمة وهو مالك لها فإنه لا يصح أن يجمع بين نكاح وبين ملك، تقرر على هذا أنه يستوي أن يكون هو المالك أو في حكم المالك، كوالد مع ولده فتجعل الرقيق أنثى، أو أم مع ولدها وتجعل الرقيق ذكراً، فتقول: أم مع عبد ملك لولدها، وأب مع أمة ملك لولده لا يجوز نكاحهما، كما لا يصح لسيدة أن تنكح عبدها، ولا يصح لسيد أن ينكح أمته، هذا ضابط المسألة، وبهذا لا يشكل عليك الأمر.
يعني: بعض الإخوان يجد صعوبة في مسألة الأمة مع سيدها، ويجد نوعاً من التضارب، أهم شيء هي القواعد، وميزة المتون الفقهية وأهم ما فيها أنك تستطيع أن تتصور وتعرف الضابط، هذا قبل الدخول في المثال، والضابط يدور حول عدم الجمع بين الملكية والنكاح، فلا يصح أن يكون مالكاً وزوجاً في آن واحد، فهذا تضارب، ولا يصح أن تكون سيدة وزوجة في آن واحد، فإما هذا وإما هذا، إذا قررت هذا الأصل فيمكنك أن تأتي بالفروع؛ لأن الفقه أصول وفروع.
إذا كان هذا الأصل وهذا الذي أجمع عليه العلماء في حكمه، وفي ما يلتحق به أن تكون امرأة تطلب عبداً لولدها، أو رجل يطلب أمة لولده، لكن إذا كان العكس يصح، مثلاً: ولد يطلب أمة لوالده، فإن الولد لا يملك أمة والده فيصح أن ينكح بشرط؛ لأنه لا يجمع بين الملكية وبين النكاح، ولو أن بنتاً تطلب رقيقاً لوالدها وكانت مملوكة، كما يقع في الكفر، وكانت بنته كافرة يصح، ولا بأس في هذا.
من الأحوال التي ينفسخ فيها عقد النكاح
قال رحمه الله: [وليس للحرة نكاح عبد ولدها] قوله: (وليس للحرة نكاح عبد ولدها)، فالأم لا تتزوج عبد ولدها؛ لأن ولدها يملك هذا العبد ومال ولدها في حكم: (أنت ومالك لأبيك)، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما فاطمة بضعة مني) فهذا للذكر والأنثى فالأم والأب سواء.
يا إخوان! حتى تتضح الصورة، ما هو ضابط هذه المسائل؟ إذا كان الذي يريد أن يعقد على أمة وهو مالك لها فإنه لا يصح أن يجمع بين نكاح وبين ملك، تقرر على هذا أنه يستوي أن يكون هو المالك أو في حكم المالك، كوالد مع ولده فتجعل الرقيق أنثى، أو أم مع ولدها وتجعل الرقيق ذكراً، فتقول: أم مع عبد ملك لولدها، وأب مع أمة ملك لولده لا يجوز نكاحهما، كما لا يصح لسيدة أن تنكح عبدها، ولا يصح لسيد أن ينكح أمته، هذا ضابط المسألة، وبهذا لا يشكل عليك الأمر.
يعني: بعض الإخوان يجد صعوبة في مسألة الأمة مع سيدها، ويجد نوعاً من التضارب، أهم شيء هي القواعد، وميزة المتون الفقهية وأهم ما فيها أنك تستطيع أن تتصور وتعرف الضابط، هذا قبل الدخول في المثال، والضابط يدور حول عدم الجمع بين الملكية والنكاح، فلا يصح أن يكون مالكاً وزوجاً في آن واحد، فهذا تضارب، ولا يصح أن تكون سيدة وزوجة في آن واحد، فإما هذا وإما هذا، إذا قررت هذا الأصل فيمكنك أن تأتي بالفروع؛ لأن الفقه أصول وفروع.
إذا كان هذا الأصل وهذا الذي أجمع عليه العلماء في حكمه، وفي ما يلتحق به أن تكون امرأة تطلب عبداً لولدها، أو رجل يطلب أمة لولده، لكن إذا كان العكس يصح، مثلاً: ولد يطلب أمة لوالده، فإن الولد لا يملك أمة والده فيصح أن ينكح بشرط؛ لأنه لا يجمع بين الملكية وبين النكاح، ولو أن بنتاً تطلب رقيقاً لوالدها وكانت مملوكة، كما يقع في الكفر، وكانت بنته كافرة يصح، ولا بأس في هذا.
انفساخ النكاح إن ملك أحد الزوجين الآخر حقيقة أو حكما
ً
قال رحمه الله: [وإن اشترى أحد الزوجين أو ولده الحر].
انظروا إلى دقة العلماء! بحيث لو قرأت المتن أولاً تحس بشيء غريب، لكن لما تمسك الضوابط تحس بمتعة هذه المتون الفقهية ودقة العلماء رحمهم الله، والفقه رياضة الذهن.
المصنف أعطانا الضابط الأصلي، وهو أنه لا يجمع بين الملكية والنكاح في الأصل، ويلزم أن تبني على ذلك ما كانت الملكية تبعاً كوالدٍ مع ولده أنثى أو ذكر، أم أو أب.
بعد هذا تأتي أشياء مفرعة على المسألة، أنت تقرر أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أمة إذا كان مالكاً لها.
إذاً افرض أنها زوجة له وطرأت الملكية، انتبه! هناك ابتداء وهناك استدامة، فهل الحكم الذي ثبت في الابتداء يؤثر أيضاً في الاستدامة؟ وهذا تقدم معنا في أكثر من مسألة، أنه لما يأتي بموانع النكاح ينبه عليها في الابتداء ثم ينبه عليها في الاستئناف، فهذه من مسائل الاستئناف، ومن هنا سيدخل في الاستئناف.
حسناً! لو طرأت الملكية كامرأة اشترت زوجها، كان زوجاً لها ثم اشترته، يقع في المملوكية إذا اشترته وأذن لها سيدها، في هذه الحالة صار ملكاً لها، ومثل هذا مثل ما يقع بين السيدة وعبدها ومملوكها، قلنا: لا يصح، فحينئذٍ كما يؤثر في الابتداء يؤثر في الاستدامة هذا ضابطه، والآن انظر إلى المسألة.
قوله: (وإن) لما يؤتى بهذا غالباً يفرع على ما قبله، فهو لما يقول: وإن حصل كذا وكذا، كأنه يبني هذه المسألة على ما قبلها.
قوله: (وإن اشترى أحد الزوجين) يعني: هو زوج لها فاشترته، أو هي زوجة له فاشتراها، مثلاً: مثلما ذكرنا الحر لا يستطيع طولاً، فينكح ماذا؟ ينكح الأمة، ثم أصبح هذا الحر غنياً ثرياً، فضايقه سيد زوجته، فاشتراها منه، فما الحكم؟ يصبح حينئذٍ سيداً من وجه وزوجاً من وجه آخر، فدخول الملكية يفسد النكاح، فأصبح مانعاً من الابتداء ومانعاً من الاستدامة؛ لأن هناك شيئاً يمنع من الابتداء والاستدامة، وهناك شيئاً يمنع من الابتداء ولا يمنع من الاستدامة، هناك موانع لا تمنع من الاستدامة.
الآن مثلاً: عندنا الإحرام مانع من الابتداء؛ لكن لو أن زوجين أحرما مع بعضهما هل نقول: يفرق بينهما؟ لا، ما يقال ذلك، فإذن مانع الإحرام يمنع الابتداء ولا يمنع الاستدامة، وعندنا مانع يمنع الابتداء والاستدامة، وهذا كله مبني على أصول شرعية، يعني: هذه المسائل مبنية على أصول شرعية، لكن يراد بها رياضة الذهن، وإذا قام طالب العلم بالتجربة وقرأ في المطولات واستمر في مسائل الفقه، فإنه يصبح عنده الفقه ملكة.
هذه المسائل التي ترى ما كانت موجودة في المتون المتقدمة قبلها، لكن المتون المتقدمة قبلها نصت على مسائل فتّحت الأذهان لهذه المسائل التي طرأت، وهذه القراءة الآن تفتح بها مسائل قد تطرأ عليك في عصرك الآن، لأنك إذا أخذت الضابط بالاستدامة والابتداء فإنك تستطيع أن تقرر مسائل أخر تأتي جديدة سواء في المعاملات المالية أو الشخصية أو الجنايات، كل هذا يراد به رياضة الذهن وتقويته، لكن ينبغي أن يكون مقيداً بالنصوص من الكتاب والسنة، ما يخرج إلى تكلف الآراء التي لا نص فيها ولا أصل لها، أو تعلل بعلل ضعيفة واهية.
قوله: (أو ولده الحر) يعني: عنده ولد حر، فرضنا أن زيداً تزوج خديجة وأنجب منها محمداً، وخديجة حرة وزيد حر، ثم بعد ذلك ماتت خديجة فأراد والد زيدٍ أن يتزوج وليس عنده مال ليتزوج حرة، ما الحكم؟ يجوز له نكاح الأمة، فلما تزوج الأمة بالشرط المعتبر شرعاً، أصبحت زوجته أمة وعنده ولد حر من غيرها، وبعد زمان اشترى الولد الحر زوجة أبيه الأمة، وقد قلنا في الضابط: إن الولد في حكم الوالد، فحينئذٍ كما أثر في الابتداء في مسألة الولد والوالد فإنه مؤثر في الاستدامة.
أظن هذا واضحاً، فبعد فهم الضابط ليس هناك إشكال في المسألة؛ لأن الأمر واضح سواء اشترى هو أو اشترى فرعه، ثم يأتون بمثال الأم مع ولدها.
انفساخ نكاح المكاتب أو المكاتبة إن ملك أحدهما الآخر
قال رحمه الله: [أو مكاتبة الزوج الآخر] بعض الأحيان يأتون بشيء أغرب من هذا: وهو الذي يكون في حكم ملكية الشخص كالمكاتبة، فلو قال: أو مكاتبهم، نفس الحكم؛ لأن المكاتب إذا كان يكاتبك ليس بحر، ما دام في حال الكتابة، إنما يصير حراً بعد أداء نجوم الكتابة، ففي حال كونه مكاتباً اشترى الأمة التي تزوجها، كولدك الذي اشترى الأمة التي تزوجها، فالمسألة كلها تدور حول الضابط.
انفساخ النكاح عندما يملك أحد الزوجين جزء الآخر
قال رحمه الله: [أو بعضه انفسخ نكاحهما].
أي: لو اشترى الكل أو اشترى البعض فالحكم واحد، نحن استفدنا فائدة: أنه سواء كانت الملكية للكل أو الملكية للبعض، فلو أن هذه الأمة التي تزوجها والده ملك لشخصين زيد وعمرو، فاشترى الولد نصف ملك زيد، فأصبح يملك نصف أمة هي زوجة أبيه، إذاً يصبح أبوه يملك نصف المرأة التي اشتراها ولده وزوج لكلها، حينئذٍ ينفسخ النكاح؛ لأنه كما أثر في الكل فإنه يؤثر في الجزء، فالحكم في ذلك سواء.
انظروا كيف يدخلون العبارات في بعض؛ لأنهم يريدون الاختصار، فيجيبون: أو مكاتبه أو كذا؛ لأنه لو أراد أن يشرح لك القواعد لاحتاج إلى صفحات؛ لكن هو يشرحها بهذه الأمثلة، أرأيت هذه الأمثلة التي قد يتهكم بها البعض، هذه هي التي تفتح ذهن الطالب إلى الأصل، فالعلماء ما مرادهم بهذا التمثيل كمثال، وهذه الأمثلة لما تراها ترى شيئاً غريباً وتقول: هذا من أين جاء؟ أو من أين أتى؟ أتى من نص الكتاب والسنة كقاعدة، فلو جاء الفقيه يريد أن يشرح هذه القواعد لاحتاج إلى مطولات واحتاج إلى وقت، فهم إنما جعلوا المتون الفقهية أمثلة، وجعلوا شرح هذه القواعد وأدلتها للفقهاء والعلماء الذين يشرحون، وكلاً على حسب قوته وطاقته، ثم أصبح الفقه مجموعاً في هذه المتون تحت أمثلة هي في الواقع أصول لغيرها.
وليس المراد الإحاطة بهذه الأمثلة ذاتها والعجز عن الإتيان بغيرها، بل لابد أن يلم بأصلها فيستطيع أن يلحق بها غيرها، فيصبح عند طالب العلم الفقه القديم والفقه الجديد، وهذه ملكة تعين على مسألة التخريج الفقهي، يعني: أنه إذا ضبط هذه الأمثلة وأعانه الله عز وجل على فهم ضوابطها، فإنه يستطيع بإذن الله أن يتكلم على المسائل والنوازل التي تجدّ وتطرأ على زمانه، ويمكنه أن يعرف حكم الله عز وجل فيها.
حكم وطء المحارم بملك اليمين
قال رحمه الله: [ومن حرم وطؤها بعقد حرم بملك يمين إلا أمة كتابية] هذه مسألة فيمن ملك ذات محرم منه، لا يجوز أن يطأ أخته بملك اليمين، ولا يجوز أن يطأ عمته بملك اليمين، لو أنه أسلم ثم أسرت عمته واسترقت وبيعت فاشتراها، فالأصل يقتضي أن من ملك ذا محرم منه فقد عتق عليه على تفصيل سيأتي في باب العتق، لكن على القول أنها لا تعتق وأراد أن يطأها بملك اليمين فإنه لا يجوز، هذه مسائل ملحقة، ووجه إدخالها في باب النكاح هو إلحاقها بمسألة الجمع بين الأختين، فإن الجمع بين الأختين اختلف فيه: هل يجوز أن يجمع بين الأختين بملك اليمين؟ لو أن رجلاً اشترى أمتين أختين هل يجوز أن يطأهما معاً بملك اليمين؟ هذه المسألة اختلف فيها السلف رحمهم الله، فكان عثمان رضي الله عنه إذا سئل عن هذه المسألة يقول: أحلتهما آية وحرمتهما آية، أحلتهما آية وهي قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:24]، وقوله في الاستثناء: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:24] في المحرمات، وحرمتهما آية وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:23] فأطلق، ومن جهة المعنى يقوى المنع كما ذكرنا في الزنا، ولذلك الشبهة موجودة فيه كالشبهة في الجمع بين الحلال والحرام، كما قدمناه في مانع الزنا.
حكم من جمع بين محللة ومحرمة في عقد واحد
قال رحمه الله: [ومن جمع بين محللة ومحرمة في عقد صح فيمن تحل] أي: من جمع بين محللة ومحرمة في عقد واحد صح فيمن تحل وحرم فيمن تحرم.
المصنف رحمه الله ذكر الموانع، وبين حكم العقد على المحرمة، وأنه يفسخ النكاح؛ لأن الحرام يمنع من الابتداء والاستدامة، فإذا عرفنا الحرام المحض وعرفنا الحلال المحض، فما الحكم لو جمع بين حرام وحلال؟ كأن يقول له رجل في عقد واحد: زوجتك فلانة وفلانة، وكان هذا الرجل ولياً لامرأتين: إحداهما يحل لك نكاحها، والثانية يحرم عليك نكاحها، فزوجكهما معاً، صح العقد فيمن حلت وحرم فيمن حرمت؛ وذلك للقاعدة التي تقول: تصحيح العقود ما أمكن.
فلما كان الأصل صحة العقد إلا ما دل الدليل الشرعي على تحريمه وبطلانه، حكمنا بالتحريم فيما حرم وحكمنا بالحل فيما حل.
وقال بعض العلماء: ينهدم العقد من أصله فيبطل في الاثنين.
حكم نكاح الخنثى المشكل
قال رحمه الله: [ولا يصح نكاح خنثى مشكل قبل تبين أمره] قوله: (ولا يصح نكاح خنثى) الخنثى من عنده آلة الذكر وآلة الأنثى، وينقسم إلى قسمين: خنثى تبين أمره وانكشف، بأن تبين أنه رجل فحكمه حكم الرجل، أو تبين أنه أنثى فحكمه حكم الإناث، لكن هناك نوع من الخنثى الذي هو المشكل الذي لا يتبين حاله، وهذا له أحكام شرعية، وتقدم معنا في العبادات.
وبعض العلماء يقول: الخنثى يعطى حكم الأنثى إلا في مسائل، ويعطى حكم الأضعف حتى يتبين أنه ذكر؛ وذلك لأننا على يقين بالأقل حتى نستيقن ما هو أعلى منه، وهذا أصل صحيح، وذكره العلماء في قاعدة: اليقين لا يزال بالشك، وفرعوا مسائل الخنثى عليها، لكن الخنثى المشكل لا يجوز نكاحه؛ لأنه ربما زوج على أنه امرأة فبان ذكراً، أو زوج على أنه ذكر فبان أنثى، فلذلك يتوقف في أمره حتى يستبين.
شرح زاد المستقنع -
الشروط في النكاح
الشروط بين المتعاقدين منها ما هو شرعي ومنها ما هو جعلي، وقد أجاز الشرع للمتعاقدين في عقد النكاح أن يشترطا شروطاً من عندهما، وهذه الشروط تسمى شروط في النكاح، إلا أن هذه الشروط منها الصحيح، ومنها الفاسد في نفسه، ومنها المفسد للعقد، وعليه فيثبت الخيار للزوجين عند انتفاء الشرط الصحيح.
الشروط في النكاح
قال رحمه الله تعالى: [باب الشروط والعيوب في النكاح] الشروط تنقسم إلى قسمين -كما تقدم معنا في البيوع-: شروط شرعية وشروط جعلية، وتقدم تعريف الشروط، والمراد من هذا أن هناك شروطاً نص عليها الشرع: كالولي، والشاهدين، ورضا الزوجين، وغير ذلك مما ذكرناه في شروط صحة النكاح، لكن الكلام هنا في الشروط التي يجعلها أحد الطرفين المتعاقدين، إما الزوج أو الزوجة أو الولي.
وفي الحقيقة عندنا سؤال مهم، يعتبر كمدخل فقط ندخل به في مسألة الشروط وهو: لو سألك سائل وقال لك: كيف يقول المصنف: باب الشروط والعيوب، ونحن إلى الآن ما دخلنا في تفصيلات كتاب النكاح؟ يعني: كان المفروض أن تكون مسائل الشروط في آخر كتاب النكاح.
والجواب عن ذلك: أن ترتيب المصنف ترتيب صحيح، وفي علم المناسبات فإنه على حسب الأصول التي ذكرها العلماء يقوى ترتيب المصنف، توضيح ذلك: أن المصنف ذكر مقدمات النكاح، فذكر الخطبة، وذكر من تخطب، وصفات المرأة المخطوبة، وأحكام الخطبة، وما يتعلق بها، ثم ذكر أركان عقد النكاح، والصيغة، والعاقدين، إلى آخره، ثم ذكر شروط صحة عقد النكاح، فبعدما توفرت هذه المقدمات تسأل: من المرأة التي تحل لي فأتزوجها، والمرأة التي لا تحل لي فلا أتزوجها؟ فإذا عرفت المرأة التي تحل والمرأة التي لا تحل، ماذا تفعل؟ مباشرة ستعقد، وقد تقدمت مقدمات العقد، وفي أثناء العقد ستذكر الشروط، فتذكر ما لك من شروط على المرأة، والمرأة تذكر ما لها من شروط على الزوج، فإذاً ناسب أن يذكر باب الشروط بعد المحرمات من النساء من أجل أن يبين ما الذي يمكن أن يوضع في عقد النكاح.
وأيضاً يرد إشكال آخر وهو: إذا كانت الشروط لها هذه المناسبة فأنا مسلّم وهذا صحيح، لكن العيوب، إما أن تكون في مقدمات النكاح: لا تتزوج كذا، ولا تتزوج كذا، وإما أن توضع في آثار النكاح.
والواقع أن ترتيب المصنف صحيح، فإن الشروط في الحقيقة من ناحية فقهية وتنظير فقهي تعتبر من الخيارات، يعني: إذا تم العقد بين الطرفين هناك شيء يسمى: الخيار وهو: أن يدخل أمراً أو يشترطا شرطاً يوجب الخيار لأحدهما أو كليهما -كما تقدم معنا في البيوع- وفي الواقع أن الشروط في الأصل توضع في العقود ويقصد منها الخيار، بحيث لو اشترط أن المرأة على صفات معينة وتبين أنها ليست على تلك الصفات كان له الخيار، فمعنى ذلك: أن الشروط متصلة بالعقد من حيث الأساس والتركيب، ومتصلة بالخيار من حيث الثمرة، فإذاً هي في التنظير في باب الخيارات، فالتصقت العيوب بها؛ لأن الشرط والعيب والغرر والعتق كلها من خيارات النكاح، إذ هناك أربعة أشياء مما يوجب الخيار في النكاح: الشرط، العيب، العتق، الغرر، أو وجود الغبن ونحو ذلك، هذه أربع من موجبات الخيار، فناسب أن يلحق العيوب بالشروط، وعلى هذا فتنظير المصنف رحمه الله تنظير صحيح.
سنذكر باختصار مسألة أنواع الشروط.
أقسام الشروط في النكاح
الشروط في النكاح تنقسم إلى قسمين: شروط معتبرة شرعاً يجب الوفاء بها، وشروط غير معتبرة شرعاً وفيها تفصيل، فأما الشروط المعتبرة شرعاً فإنه يجب على الزوج أن يفي بها، ويجب على الزوجة أن تفي بها، وهي الشروط التي أحلها الله ورسوله على الصفة التي سنذكرها -إن شاء الله- وهي تتضمن مصلحة، ولا تضاد شرع الله، ولا تخالف شرع الله عز وجل، وليست مما حرم الله، فهذه الشروط جعلية معتبرة، اشترطت المرأة مثلاً: أن يكون مهرها من الذهب، أو اشترطت: أن يكون مهرها من الفضة، أو اشترطت: أن يكون متاعها من نوع معين، هذه كلها شروط معينة لا تعارض الشرع ولا تضاده.
لكن الشروط التي تخالف الشرع تنقسم إلى قسمين: شروط توجب فساد العقد فيفسد الشرط والعقد، وشروط يحكم ببطلانها ويبقى العقد صحيحاً فلا يجب الوفاء بها.
فأما الشروط التي يحكم ببطلانها وبطلان العقد كقوله: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، وهذا نكاح الشغار، أو: زوجتك ابنتي سنة، أو زوجتك ابنتي شهرين، أو ثلاثة شهور، أو زوجتك ابنتي مدة إقامتك عندنا، وهذا نكاح المتعة، أو زوجتك ابنتي على أنك إذا وطئتها وحلت لزوجها الأول طلقتها، فهذا الشرط لاغٍ والنكاح فاسد، وهو شرط يوجب فساد العقد، وهناك شروط تصحح فيها العقود وتلغى هذه الشروط، فلو تزوجها على أن لا مهر لها فحينئذٍ نلغي هذا الشرط؛ لأنه خلاف كتاب الله حيث قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء:24]، فالله عز وجل فرض على المسلم أن يعطي المرأة حقها، فإذاً لو أنه اشترط أن لا مهر لها نسقط هذا الشرط، ونقول: لها مهر مثلها، وأما بالنسبة لتفصيلات هذه الشروط وبيانها فسيفصلها المصنف رحمه الله فيما يأتي.
الشروط الصحيحة في النكاح
شرع المصنف رحمه الله في الشروط التي يرى صحتها؛ لأن الشروط اختلف العلماء رحمهم الله فيها، فتارة يحكم بصحة الشرط واعتباره ولزوم الوفاء به، وتارة يحكم بعدم اعتباره وعدم وجوب الوفاء به، فتختلف أقوال العلماء رحمهم الله في هذا النوع من الشروط ويتكلمون على مسائله في هذا الموضع.
اشتراط طلاق الزوجة الأولى
فقال المصنف رحمه الله: [إذا شرطت طلاق ضرتها] صورة المسألة: أن تقول المرأة: رضيت به زوجاً بشرط أن يطلق زوجته، فتارة يكون الزوج الذي يريد أن يتزوج عنده زوجة واحدة وتارة تكون عنده أكثر من زوجة، فإذا كان عنده زوجة واحدة تقول: أشترط أن يطلق زوجته فلانة، أو تقول: أشترط أن يطلق زوجته السابقة ولا تسمي فهذه صورة، ومن صورها أن تقول إذا كان عنده أكثر من زوجة: أشترط أن يطلق جميع نسائه، وتارة تقول: أشترط أن يطلق بعض نسائه أي: الأول، فسواءً اشترطت طلاق زوجة أو طلاق زوجتين أو أكثر فإن هذا الشرط للعلماء فيه قولان: فقال بعض العلماء بصحته كما درج عليه المصنف رحمه الله، واختاره أبو الخطاب من الأصحاب، وغيرهم رحمة الله عليهم، وعللوا ذلك بأن فيه مصلحة للزوجة، وأن الزوجة تخاف من الضرر بوجود الضرة، كأن تكون شديدة الغيرة، إلى آخر ما ذكروه، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج) قالوا: فهذا الحديث يدل على أنه يجب الوفاء بالشرط؛ لأن شرط النكاح أحق ما يوفى به.
وذهب طائفة من العلماء إلى أنها لو شرطت عليه طلاق ضرتها فالشرط باطل ولا يلزمه الوفاء به، ولو حدث نكاح ورفع إلى القاضي فإنه يحكم ببطلان الشرط وبقاء النكاح على صحته، وهذا هو الصحيح وعليه المذهب كما أشار إلى ذلك صاحب الإنصاف، وصححه في المذهب، أنه ليس من حقها أن تشترط هذا الشرط؛ لما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ولا تسأل المرأة طلاق ضرتها) وكذلك في اللفظ الآخر: (لا تسأل المرأة طلاق ضرتها لتنكح) وفي اللفظ الآخر: (نهى أن تسأل المرأة طلاق ضرتها لتكفأ ما في صحفتها) فدل هذا على أنه لا يجوز للمرأة أن تشترط طلاق المرأة قبلها.
وهذا هو الذي نميل إليه: أنه ليس بشرط شرعي، وأنه لا يلزم الوفاء به، فإن اعترض معترض وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج) نقول: جوابه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) فكيف وقد نص على بطلان مثل هذا الشرط في قوله: (لا تسأل المرأة) ونهى عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، فهذا أمر حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان محرماً فكيف نقول بمشروعيته؟ وكيف نقول بلزوم الوفاء به؟ فالصحيح أنه شرط غير معتبر.
وعلى هذا فإننا نقول: لا يصح للمرأة أن تسأل طلاق ضرتها؛ لكن يعتذر للعلماء الذي قالوا بأنه صحيح بأنه يحتمل أنهم لا يقصدون مطلق الشرط وإنما قصدوا شيئاً معيناً -والله أعلم- كما لو اشترطت المرأة طلاق امرأة شريرة قبلها أو طلاق امرأة فاجرة تخاف من فجورها وضررها، فصار هناك مسوغ وهو دفع الضرر، فتقول: أنا لا أتزوج منك وفلانة في عصمتك، طلقها ثم انكحني، ففي هذه الحالة ممكن أن يشترط هذا الشرط، أما أن يكون شرطاً معتبراً بإطلاقٍ فلا.
والضرة سميت ضرة لأنها تضار، وغالباً مع وجود الغيرة يحصل الضرر.
اشتراط عدم التسري على الزوجة
قال رحمه الله: [أو لا يتسرى عليها] السرية: هي الأمة التي تنكح بملك اليمين، فتقول له: أرضاك زوجاً بشرط ألا تطأ أو لا تتسرى عليَّ، أي: ما يطأ النساء اللاتي في ملك يمينه، وهذا الشرط للعلماء فيه وجهان: صححه طائفة كما ذكرنا، وأبطله طائفة، والصحيح أنه باطل، وذلك لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم:1] فالله أحل له أن يطأ سريته، والمرأة تحيض ويأتيها العذر ويأتيها المرض الذي يعيقه من إعفاف نفسه فيبقى معلقاً عن حلال أحله الله له، فهذا من تحريم ما أحل الله وليس من جنس الشروط التي يجب الوفاء بها.
اشتراط عدم الزواج على الزوجة
قال رحمه الله: [ولا يتزوج عليها] وهذا أشد وأعظم؛ لأن الرجل بهذا يمتنع مما أحل الله له، ومع ما فيه من مصلحة الأمة، ومصلحة الجماعة والأفراد، وصورة المسألة أن تقول له: أرضاك زوجاً بشرط ألا تتزوج عليَّ، فمثل هذا الشرط اختلف فيه العلماء رحمهم الله سلفاً وخلفاً: فأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعمرو بن العاص وسعد بن أبي وقاص، وكذلك قال به طاووس بن كيسان تلميذ ابن عباس، وقال به الأوزاعي فقيه الشام وطائفة كـ إسحاق بن راهوية من أهل الحديث أن هذا الشرط صحيح ويجب عليه أن يفي للمرأة بما التزم به، فإن قالت: أشترط أن لا تكون لك سابقة ولا لاحقة ولا تتزوج عليَّ، فإنه يجب عليه الوفاء، واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج) وذهب طائفة من العلماء كما هو مذهب جمهور العلماء سلفاً وخلفاً إلى أن هذا الشرط باطل، وأنه ليس من حقها أن تحرم عليه ما أحل الله له، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم:1] وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)، والذي في كتاب الله الندب والاستحباب لزواج الثانية والثالثة والرابعة: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:3] فندب الله الأمة إلى تكثير سوادها وحصول الإعفاف لنساء المؤمنين، وهذه المرأة تحرم ما أحل الله لمصلحتها الذاتية، وكونها ذات غيرة فإن هذه الغيرة ضرر خاص بها لا تستضر به جماعة المسلمين، وكم من مطلقة وأرملة تحتاج إلى من يعفها ويسترها وقد تكون ابنة عم وقد تكون ابنة خال وقريبة فلا يستطيع أن ينكحها لوجود هذا الشرط.
ومن تأمل الواقع وجد أن الشرع يؤكد أن هذا الشرط باطل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ألغى الشرط الذي يعارض كتاب الله عز وجل، فهو يقول: (كل شرط ليس في كتاب الله) والذي في كتاب الله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:3] ولا يستطيع الشخص أن يدرك خطر هذا الشرط إلا إذا نظر إلى رجل عنده امرأة تزوجها ونكحها وأنجب منها أولاداً، فإذا قلنا بصحة الشرط وثبت أن للمرأة هذا الشرط فمعناه أنه متى نقض الشرط كان لها الخيار، فإذا نقض الشرط وقالت: لا أريده، تنفسخ مباشرة، ولا يستطيع إرجاعها إلا بعقد جديد، وهذا معروف عند من يعمل بهذا الشرط، فوجدنا هذا الضرر وهذه المفاسد العظيمة، فمن كان عنده أولاد لا يستطيع أن يتزوج الثانية لعلمه أن أولاده سيستضرون بطلاق هذه وانفساخ عقدها فهذا كله مما يعارض هذا الشرط.
والأصل حل نكاح الثانية والثالثة والرابعة، فالمرأة إن أرادت أن تتزوج اشترطت شروطاً لا ضرر فيها قبلنا، وإلا رددنا كل ما صادم كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأوجب الحرج على المسلمين، فضيق ما وسع الله على عباده، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد أحل أشياء فلا تحرموها، وحرم أشياء فلا تحلوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان) فلا يليق بالمسلم أن يحرم ما أحل الله له ابتغاء مرضات النساء والأزواج كما نص الله عز وجل على تحريم ذلك.
اشتراط عدم خروج الزوجة من دارها أو بلدها
قال رحمه الله: [أو لا يخرجها من دارها] إذا اشترطت عليه أن لا يخرجها من دارها أو من بلدها، فهذا الشرط اختلف فيه العلماء رحمهم الله أيضاً سلفاً وخلفاً: فعن عمر بن الخطاب رواية بكلا القولين: روي عنه أنه أقر هذا الشرط، وروي عنه أنه أبطل هذا الشرط، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أبطل هذا الشرط، ولما رفعت إليه قضية المرأة التي اشترطت على زوجها ألا يخرجها من بلدها قال رضي الله عنه: كتاب الله أسبق، أي: أن الله عز وجل أحل للرجل أن ينقل امرأته حيثما انتقل؛ لكي تعفه عن الحرام وتصونه عن الآثام بإذن الله عز وجل.
وقال طائفة من السلف: إنه يشرع هذا الشرط، وإذا اشترطت عليه المرأة ذلك فإنه لا يخرجها من دارها ويجب عليه الوفاء؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج) وفي الحقيقة القول بجوازه أقوى؛ لأن هذه المسألة ليست كالمسألة السابقة، والضرر في هذه ليس كالضرر في سابقتها، وكثير من النساء يشترطن ألا يخرجن من دورهن خوفاً على الوالدين ولمصالح ذاتية، والغالب أن المرأة لا تشترط مثل هذا الشرط إلا وهناك ما يؤثر عليها ويضر بها إضراراً معتبراً خاصة في حق والديها وقرابتها، فنقول: هو أقوى، وفرق بين قولنا: أرجح وأقوى، وقد نبهنا على ذلك غير مرة.
قال: [أو بلدها] كذلك الحكم في البلد، وقد تكون هناك مبررات، فقد تكون المرأة صغيرة السن فيقول والدها: أشترط عليك ألا تخرجها من المدينة؛ لأنه يعلم أن ابنته في هذا السن يخشى عليها وأن بيئته أو جماعته أو مدينته فيها مفاسد، فمثل هذا أنا لا أشك في اعتباره، وأنها شروط شرعية؛ لأنه يقصد منها مقصود شرعي، أما إذا قصد التضييق على الرجل فهذا شيء آخر، لكن من حيث النظر في غالب الأحوال فهذا الشرط يقصد به تحقيق مصالح ودرء مفاسد، ومثل هذا لا يشك في اعتباره والعمل به.
اشتراط نقد معين في المهر أو اشتراط زيادته
قال رحمه الله: [أو شرطت نقداً معيناً] قالت: أشترط أن يكون صداقي مائة ألف ريال من الفضة القديمة، أو أشترط أن يكون صداقي -مثلاً- ثلاثين ألف ريال من الورق، أو أشترط أن يكون صداقي مائة جنيه من الذهب السعودي مثلاً أو غيره، فهذا كله اشتراط نقد معين، فهذا يجب الوفاء به، فإنه استحل فرجها بهذا الشرط، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج).
قال: [أو زيادة في مهرها صح] لأنه يجوز لها أن تشترط في المهر القليل والكثير، فليس هناك محظور شرعي.
قال: [فإن خالفه فلها الفسخ] (خالفه) الضمير عائد إلى الشرط (فلها الفسخ) لها أي: تملك الفسخ، وهذا كما ذكرنا أن الشروط في العقود من موجبات الخيار، وإذا قلنا: لها الفسخ، ففرق بين الفسخ والطلاق، فالمرأة إذا كان لها الفسخ فمعنى ذلك أنها إذا اختارت الفسخ فإنه لا يستطيع أن يعود لها إلا بعقد جديد، ولكن إذا قلنا: تطلق، فقد تطلق وتكون رجعية كما لو كانت الطلقة الأولى ويمتلك ارتجاعها بدون رضاها، وإنما قلنا: لها الفسخ؛ لأننا لو قلنا بدون الفسخ بأن قلنا مثلاً: إنها تكون في حكم المطلقة لأمكنه أن يطلقها ثم يعيدها بعد ذلك فيفوت المقصود من الشرط، ولذلك يقول: (لها الفسخ) أي أنها إذا قالت: لا أريد ولست براضية، يقال لها: أنتِ بالخيار إما أن ترضي بهذا الواقع الذي هو فيه وإما أن تفسخي نكاحكِ، فتفسخ نكاحها ولا يرجع عليها بمهر؛ لأن المهر يكون بما استحل من فرجها.
الشروط المبطلة للعقد
النوع الثاني من الشروط: هي الشروط الباطلة التي توجب بطلان العقد، فهي فاسدة ومفسدة للعقد.
والشروط على أقسام: النوع الأول: الشروط الصحيحة التي يجب الوفاء بها، وإن كنا قد استثنينا بعضها لمصادمته للكتاب والسنة، الشروط الممنوعة، وتنقسم إلى قسمين: شروط ممنوعة توجب فساد العقد وهو الذي شرع به الآن فانتقل من الأعلى إلى الأدنى.
نكاح الشغار
قال رحمه الله: [وإذا زوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ففعلا ولا مهر بطل النكاحان] إن شرط أن يزوجه موليته أو ابنته، فقال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك فهذا نكاح الشغار، مأخوذ من قول العرب: شغر الكلب رجله إذا رفعها ليبول -أكرمكم الله-، فكأنه يقول: لا تستمتع بموليتي بشغر الرجل -وضع الجماع- حتى أستمتع بموليتك، فكأنه جعل البضع عوضاً عن البضع، وهذا النوع من النكاح كان نكاحاً جاهلياً، والشريعة لما جاءت لأنكحة الجاهلية أقرت وأبطلت وفصلت، فهناك أنواع أبطلتها بالكلية وهناك أنواع أقرتها، وهناك أنواع فصلت في أحكامها كما سيأتي -إن شاء الله- في أنكحة الكفار.
فالنكاح الذي ألغته نكاح الشغار، وكان من أنواع الأنكحة التي يظلم فيها النساء، والظلم في نكاح الشغار يقع بصورتين: الصورة الأولى: أن الرجل يقول: ابنتي بابنتك ولا مهر، فيجعل البنت مقابل البنت والبضع مقابل البضع، فلا يستمتع حتى يستمتع الآخر، وهذا من أبشع الظلم؛ فإنه قد يكون أحدهما غير مرضي، وقد يكون الاثنان غير مرضيين، فكل منهما يخون أمانته ويضيع حق موليته طلباً لربحه ومنفعته، فكأنه يطلب حظ نفسه في نكاح الثانية بالإضرار بابنته، والآخر يضر بابنته، فقد يكونان كبيرين في السن وقد تكون فيهما من العاهات والآفات ما لا يقبل معه مثلهما زوجاً، ولكن يضحي كل منهما بحق موليته لمصلحته في مولية الآخر، فهذا الظلم الأول.
النوع الثاني من الظلم: أن يكون لا مهر، فيضران بالمهر، فيخفف من مهر هذه لقاء مهر تلك أو يسقطان المهر كلية.
وأياً ما كان فنكاح الشغار بتلك الصورتين سواءً كان هناك مهر -على الصحيح من أقوال العلماء- أو لم يكن هناك مهر -بإجماع العلماء رحمهم الله في الصورة الثانية- لا يصح وهو نكاح فاسد، وإذا ثبت هذا فكل من زوج أخته أو ابنته أو موليته أياً كانت بمولية الآخر فالنكاح فاسد؛ لما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه (نهى عن نكاح الشغار).
وأما قول الراوي: أن يزوجه موليته على أن يزوجه موليته ولا مهر بينهما كما اختاره المصنف فهذا على الصحيح أنه من قول نافع وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وليس بتفسير مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن أضرار الشغار: أنه إذا تزوج هذه بهذه فإنه متى ظلمت هذه ستظلم هذه ويصبح وسيلة للإضرار، فالمرأة ضحية في كل هذه الصور، ولذلك يعتبر من سماحة الإسلام ويسره ورحمته للمرأة تحريم هذا النوع من النكاح، فلا يجوز نكاح الشغار سواءً وجد المهر أو لم يوجد.
لكن لو أن رجلاً خطب ابنة رجل فزوجه وبعد أسبوع أو بعد شهر دون مواطأة ودون وعد وبدون ترتيب خطب الآخر ابنته فإنه يصح، فإذا لم يكن بمواطأة ولم يكن بمقابلة فإنه يجوز ولا بأس بذلك، خاصة إذا لم يكن فيه ظلم، كرجل تزوج أخت رجل فأراد الآخر أن يتزوج أخته، وهذا يقع كثيراً، فإن الرجل يأتي إلى البيت ويرغب في بنت من بناته، فإذا شوهدت البنت ورغب فيها وعقد النكاح تعارفت الأسرتان فنظرت أم هذه المنكوحة إلى بنت من بنات أرحامهم فأعجبتها ورضيتها لابنها الذي هو أخ للزوجة المنكوحة، فخطبتها دون اتفاق ودون ترتيب، فمثل هذا لا بأس به ولا حرج فيه، بل إنه لا يسلم منه كثير من المجتمعات، ويكون -غالباً- نوعاً من التواد والتواصل ويتحقق به شيء من الألفة.
وعلى هذا فنكاح الشغار نكاح محرم، وقد أجمع العلماء رحمهم الله أنه من الأنكحة المنهي عنها شرعاً.
قال: [فإن سمي لهما مهر صح] هذا على ما اختاره المصنف وطائفة من أصحاب الإمام أحمد، والصحيح ما ذكرناه من أنه سواء سمي المهر أو لم يُسَمَّ ما دام أنه قال له: ابنتي بابنتك، أو أختي بأختك، أو زوجني فلانة أزوجك فلانة؛ فهذا كله من نكاح الشغار، وجد المهر أو لم يوجد؛ لأنه بضع ببضع وامرأة بامرأة.