شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 2-11
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مشروعية وليمة العرس

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: يقول المصنف رحمه الله: [باب وليمة العرس] أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الآداب والسنن والأحكام المتعلقة بالوليمة لعقد النكاح.
والوليمة لعقد النكاح سنة وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفظت من هديه، بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه، ففي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لـ عبد الرحمن بن عوف حينما رأى عليه تغيراً في حاله وهيئته (مهيم؟) أي: ما هو الشأن والحال؟ وهي كلمة استفهام بلغة أهل اليمن، فقال: تزوجت، فقال: (بارك الله عليك! ما أصدقتها؟) قال: وزن نواة من ذهب، فقال صلى الله عليه وسلم: (أولم ولو بشاة)، فقوله عليه الصلاة والسلام: (أولم) أمر، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام الأمر بالوليمة، فدل على مشروعية الوليمة للعرس والنكاح، وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه أولم لنسائه، وما تزوج امرأة إلا وأولم لزواجها، فدل على مشروعية وليمة النكاح.

المصالح في وليمة العرس

ومن المقاصد والمصالح العظيمة المترتبة على هذه الوليمة: أنها فرق بين النكاح والسفاح، فهي من إعلان النكاح، والنكاح يعلن، والسفاح يُسَرّ، فإذا أولم عرف الناس أن هناك زواجاً.
ومن مصالحها: ثبوت النسب، فإذا جاءه الولد من هذه المرأة عرفوا أنه من زوجته، وثبت النسب للولد، وما يستطيع أحد أن ينكره، فلو مات هذا الزوج وقال أولياؤه: هذا ليس بولدنا، شهد الناس أنه ولده، فتثبت الحقوق للناس.
ومن مصالحها: حصول الألفة والمحبة والمودة بين الناس، فهي سبب لترابط الناس وتواصلهم، لا من جهة القرابة فحسب بل حتى الأباعد، فإنهم يتواصلون، والمسلم يحب في حال فرحه أن يرى الناس بفرحه يفرحون، وبذلك يحس بأخوة الإسلام، ويشعر بالمودة والمحبة، فتقوى أواصر الأخوة بين المسلمين، ويتكاتفون ويتعاطفون.
إضافة إلى ما جرت به العادة في مثل هذه الولائم من بعض الأمور الطيبة، كمساعدة الناس بعضهم لبعض، سواءً وقعت المساعدة والمعونة مادياً أو معنوياً فكل ذلك مما يدخل السرور، ومما يكون فيه دلائل وشواهد على المحبة والأخوة، ففيها مصالح عظيمة، وقد جاء الشرع بتحقيق المصالح ودرء المفاسد.

مقدار وليمة العرس

قال رحمه الله: [تسن بشاة فأقل].
تسن وليمة النكاح بشاة، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: (فأقل) أي: ممكن أن يكون أقل من الشاة، كأن يصنع طعاماً بدون لحم، وهذا أيضاً من السنة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم على صفية بالسويق والتمر، وهذا ليس فيه لحم.
لكن الأفضل والأكمل أن يذبح؛ لما في ذلك من الإكرام، شريطة ألا يصل ذلك إلى الإسراف والخيلاء والرياء والسمعة، فمن راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به، والمبالغة في ولائم النكاح لا تُقرب البعيد، ولا تُبعد القريب، وإنما تأتي بالشر والوبال على صاحبها، فقد يمحق بها بركة زواجه.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن خير النساء أيسرهن مئونة، وهذا مشاهد ومجرب، فإن المرأة إذا نكحت وغالى أولياؤها في المهر، وغالوا في كلفة الزواج؛ قل أن يبقى الزوج مع زوجته، وإذا بقي معها لم يبارك له فيها، والعكس بالعكس، فكم وجدنا من أنكحة بقيت وبورك فيها بسبب يسرها، وعدم وجود الكلفة فيها.
فالسنة ألا يتكلف، لكن لو أن إنساناً له قرابة كثيرون، فدعا أقرباءه، ودعا جيرانه، ودعا أصدقاءه؛ لأنه إنسان معروف، وأحبته ومن يعاشره كثيرون، فجمعهم وقصد وجه الله في جمعهم وهو قادر على أن يخصها ببعض القرابة، لكن جمع هؤلاء وذبح وهو لا يريد الرياء ولا يريد السمعة؛ فهو على خير وبركة، خاصة إذا قصد معاني الأخوة الطيبة فإن الله يأجره.
ولذلك يقولون: العادة تنتقل عبادة بالنية، فإذا نوى أجر، أما لو فعل ذلك على أصل مباح فلا أجر ولا وزر.

حكم وليمة العرس

قال رحمه الله: (تسن)، وقال بعض العلماء: تجب، والوجوب من حيث النص أقوى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ عبد الرحمن بن عوف: (أولم ولو بشاة)، وهذا أمر، والأمر للوجوب على الأصل، ولا صارف.
لكن صرف بعض الفقهاء هذا الأمر عن ظاهره بأن النكاح نفسه ليس بواجب فمن باب أولى ما بني عليه، ورد بأن ابتداء السلام ليس بواجب فإذا وقع فإنه يجب رده، فلا يمتنع أن يكون الشيء ليس بواجب ويكون ما ينبني عليه واجباً، فقد تكون الصلاة نافلة لكن إذا دخل فيها وشرع فيها صارت لها أركانها وشرائطها وواجباتها، فالنكاح في الأصل ليس بواجب عليه لكن إذا دخل فيه لزمه أركانه وشروطه، وقالوا: إنه يكون حينئذٍ مترتباً على الدخول في النكاح، وليس مبنياً على النكاح.

وقت وليمة العرس

مسألة: بعض العلماء يقول: تفعل الوليمة قبل الدخول، مثلما يقع الآن حيث تكون الوليمة في ليلة الدخول كعشاء للناس أو غداء، ثم يدخل على المرأة بعد حصول العشاء أو الغداء.
وقال البعض: لا تكون الوليمة إلا بعد الدخول؛ لأن عبد الرحمن رضي الله أولم بعد دخوله، والنبي صلى الله عليه وسلم أولم بعد أن بنى بـ صفية، والأصل والأقوى أن تكون الوليمة بعد الدخول؛ لأنه يتحقق فعلاً وقوع الزواج.
لكن سامح العلماء في ذلك وقالوا: إذا جرى العرف بشيء فإن الإنسان يساير العرف ولا بأس في ذلك، يعني: إذا جرى العرف بهذا فإن الإنسان يفعل ما تعارف الناس عليه، ومن الصعوبة بمكان أن الإنسان يخالف المعروف المألوف فيما هو من جنس المباحات؛ لأن هذا من جنس المباحات وليس من جنس الإلزام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل الوليمة بعد الدخول إلزاماً، وهناك فرق بين الواقع قصداً والواقع اتفاقاً، وأياً ما كان فإنه لو بنى بالمرأة ثم صنع الطعام بعد ذلك فلا بأس، ولو حصل العكس فلا بأس، وكل ذلك -إن شاء الله- واسع.

حكم إجابة الدعوة لوليمة العرس

قال رحمه الله: [وتجب في أول مرة إجابة مسلم يحرم هجره إليها].
يجب على المسلم أن يجيب دعوة أخيه المسلم إذا دعاه إلى وليمة النكاح، ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن حق المسلم على أخيه المسلم إذا دعاه أن يجيب.
قال العلماء: شدد في وليمة النكاح؛ لأنه إذا لم يجب كسر خاطر أخيه المسلم، ولربما قابله بنفس الفعل فتتقطع أواصر الأخوة بين المسلمين، وفي ذلك من المفاسد والأضرار ما لا يخفى.
ولذلك شُدِّد في وليمة النكاح أكثر من غيرها؛ لأن مقصود الشرع: الإشهار، والإشهار لا يقع إلا بالحضور، فإذا حضروا وعلموا اشتهر، فيجب عليه أن يجيب.
قال: (أول مرة) الذي هو أول يوم، وكانوا في القديم ربما استمرت الولائم ثلاثة أيام، وكانت هذه عادة موجودة في بعض المناطق، ولا تزال في بعض البيئات، وكانت في القديم لمشقة السفر، فيجعلون أول يوم في بعض الأحيان للقرابة، حيث كانت أحوال الناس ضيقة، وكان من الصعوبة أن تجمع لك الألف والألفين على طعام واحد، فكانوا يجعلون الإكرام أولاً للقرابة، ثم اليوم الثاني يقوم القرابة بإكرام الجيران ونحوهم، وربما جعلوها ثلاثة أيام، فقالوا: إذا كانت ثلاثة أيام فاليوم الأول هو الذي تجب فيه الإجابة، فإذا دعيت للمرة الثانية في اليوم الثاني فإن هذا موسع عليك فيه، إن شئت أجبت وإن شئت تركت، وأما اليوم الثالث -كما جاء في حديث أبي داود - فإنه رياء وسمعه؛ لأنهم إذا فعلوا الطعام في اليوم الأول وفي اليوم الثاني فلا حاجة لليوم الثالث، فما هو إلا مبالغة.
وأخذ بعض العلماء من هذا: أن التوسّع في الولائم يسقط الحق، فإذا فعل وليمة فيها نوع من الإفراط والمبالغة فمن حقك أن تتخلف عن هذه الوليمة.
وأيَّاً ما كان فقالوا: إن اليوم الأول حقه؛ لأنه هو الأصل في إجابة الدعوة، فلو كرر اليوم الثاني ودعاك مرة ثانية أن تحضر فأنت بالخيار إن شئت حضرت وإن شئت لم تحضر، وأما اليوم الثالث فإنه يوم رياء وسمعة فلا يُحضر، ولذلك كره العلماء رحمهم الله الحضور في هذا اليوم الثالث، وهذا الذي جعل المصنف يقول: (أول مرة) ومراده: إذا وقعت أكثر من يوم، وفي حكم أكثر من يوم: ما يفعله بعض الناس في أعرافهم الآن بأن يصنع غداءً وعشاءً وغداءً في اليوم الثاني، فيجعلون الغداء قبل الدخول بالمرأة، والعشاء ليلة الدخول، والغداء في اليوم الثاني بعد الدخول.
ولا شك أن في هذه الأمور كلها إضراراً بأهل الزوجة والزوج، وكلها مبنية على شيء من العادات التي كثير منها أشبه بإضاعة الأموال أكثر من تحقيق المصالح الشرعية، فإنه إذا جاء الناس مرة واحدة فما الداعي أن يدعوا مرة ثانية؟! إذا كان المقصود الإشهار فقد حصل في المرة الأولى، صحيحٌ -كما ذكرنا- في القرى والمناطق الضيقة قد يوجد الضرر بدعوة الناس جميعاً مرة واحدة، فهذا وسع فيه بعض العلماء، لكن لا تكرر الدعوة للشخص الواحد، فإن كررت جرى الحكم على التفصيل الذي ذكرناه، فيكون أهل الزوجة والزوج معذورين في دعوة الناس مرتين أو ثلاثاً لضيق المكان وضيق الحال وعدم القدرة على احتواء الناس؛ لكن بمخالفة أنواع الناس، كأن يدعوا القرابة يوماً ويدعوا الناس الآخرين يوماً ثانياً.
فلو وقعت الوليمة بدعوة القرابة في النهار، ودعوة غير القرابة مع القرابة في الليل فلا بأس، فأحضر وأتجمل مع قرابتي وأقوم بحقوقهم، وأحرص في يوم القرابة أن أكون موجوداً لما فيه من صلة الرحم، يقول العلماء: وتكون إجابة الدعوة مغلظة بالقرابة، فإجابة القريب أعظم من إجابة الغريب، وإجابة الجار أعظم من إجابة غير الجار، فتتفاوت مراتبها، وتكون الإساءة بتركها أعظم على حسب حق الداعي.

حكم إجابة دعوة المبتدع

ومحل الإجابة ألَّا يكون الداعي من جنس من أمر الشرع بهجره كالمبتدع، فإن أهل البدع يُهْجَرون، والمراد بذلك: البدع التي تكون في أصل الدين مما يوجب الخروج من الملة، وهي البدعة الكفرية، وهذا لا إشكال فيه، والبدعة الاعتقادية أشد ما يكون من البدع.
أما البدعة المختلف فيها في الأمور الفرعية مثل: شخص يقبض بعد الركوع في الصلاة، والشخص الآخر يقول: لا أقبض وأرى أن القبض بعد الركوع بدعة، فما يأتي ويقول: هذا مبتدع! إنما هو في حق نفسه إذا صنع هذا فهو سنة، وإذا تركه وهو لا يعتقد أنها سنة فلا يبدِّع من يقبض، ولا يأتي لشخص يقبض ويقول له: أنت تفعل بدعة! لا، وليس من حقه هذا بإجماع العلماء، فلو ترجح عندك دليل القبض بعد الركوع فتقبض وتعتقده سنةً وأنت مثاب على قبضك وعلى السنة؛ لأن عندك الدليل وعندك الحجة، وغيرك ممن لا يرى القبض بعد الركوع ليس من حقه أن يقول: أنت مبتدع، ويهجرك؛ لأن هذا لاعتقاده هو.
وكذلك جلسة الاستراحة، فلو كان يرى أن جلسة الاستراحة بدعة للشاب والقادر والجلد، ويراها سنة للعاجز المحتاج كما في حديث مالك بن الحويرث، والآخر يراها سنة مطلقة فجلس وهو قادر على القيام مباشرة، فليس من حق من لا يراها أن يبدع من يراها، وهذا أمر ينبغي أن ينتبه له.
وعلى هذا نقول: إن المبتدع الذي يرتكب البدعة المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، يحكم بتبديعه ويهجر، وحكى غير واحد من العلماء الإجماع على هجر المبتدع، وأخذوا أصل ذلك من هدي النبي صلى الله عليه وسلم حينما أمر الثلاثة الذين خلفوا أن يعتزلوا الناس، ألا يكلمهم الناس.
فمثل هذا إذا كنت مأموراً بهجره فإن إجابة دعوته تخالف الأمر بالهجر، فلذلك نص المصنف رحمه الله على أن المأمور بهجره من أهل البدع كالرافضي ونحوه لا تجاب دعوتهم؛ لأن فيه نوع إقرار لهم على ما هم عليه من البدع ومخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وهكذا إذا كان هناك منكر كما سيأتي إن شاء الله، على التفصيل الذي سنذكره من حيث قدرته على تغيير المنكر وعدم قدرته.

حكم إجابة الدعوة عند التعيين

قال رحمه الله: [إن عينه ولم يكن ثم منكر].
(إن عينه) هذا هو الشرط، قال لك: يا فلان! تحضر، وهناك صيغ: الصيغة الأولى: أن يأمرك بالحضور.
الصيغة الثانية: أن يخيرك.
الصيغة الثالثة: أن يجعله معلقاً على محبتك.
الصيغة الأولى: أن يقول لك: احضر زواجي، أريد أن تحضر زواجي، أدعوك إلى زواجي، فهذا عينك وطلب منك أن تحضر، فيجب عليك أن تجيب.
صيغة التخيير أن يقول لك: أريدك أن تحضر زواجي إن شئت، فهذا ترك لك الخيار، فقال بعض العلماء: تصبح مخيراً، وكان بعض الأئمة كالإمام الشافعي يقول: إن علقه على التخيير والمحبة لا يجيبه؛ لأنه لم يبت له؛ لأنه لو أراد أن يدعوه لقال له: تحضر، لكن لما قال له: إن شئت، فمعناه أنه لم يدعُ دعوة الجزم، وليس هو من الأشخاص الذين يريد حضورهم فعلاً مؤكداً لحضوره، فإذا قال: إن شئت، إن أحببت، فقد جعل الأمر إليه.
وقال بعض العلماء: إن شئت وإن أحببت، تختلف باختلاف الأشخاص الذين قيل لهم ذلك، فإن كان عند الشخص ظروف وعلقه الداعي على المشيئة لعلمه بوضعه، مثلاً: حدث حادث له، أو زوجته مريضة، أو ابنته مريضة، فجاء من باب الملاطفة حتى لا يحرجه ولا يجحف به فقال له: إن استطعت، إن أحببت، إن شئت، فهذا لوجود الموجب الذي يوجب هذا التخيير.
وأما إذا لم يكن ثم موجب وحدث عنده زواج ويأتي يقول لك: تحضر إلى الزواج إن شئت، أريد أن تحضر إن أحببت، فهذا لو كانت المودة قائمة فإنه يحرجك ويجحف بك؛ لبالغ محبته لك ورجائه لحضورك، وهذا أمر يعلمه الجميع.

حكم إجابة الدعوة المشتملة على منكر

وقوله: (ولم يكن ثم منكر) لأنه إذا كان هناك منكر فالحق لله عز وجل، فإن كنت تستطيع إنكاره وتغييره بحيث إنك إذا قلت يسمع قولك، وإن نهيت ينتهى بقولك؛ فإنه يجب عليك الحضور؛ لأنك إذا حضرت أقمت حق الله عز وجل.
وهكذا إذا استطعت أن تحرج أهل الزواج كأن يكونوا أقرباء، فتقول لهم: إن كان هذا المنكر موجوداً فلن أحضر، وتشدد عليهم، وتعلم أنك إذا قلت هذا القول فإنهم يتركون المنكر فيجب عليك؛ لأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

حكم إجابة الدعوة العامة

قال رحمه الله: [فإن دعا الجفلى أو في اليوم الثالث أو دعاه ذمي كرهت الإجابة].
الجفلى: الدعوة العامة، كأن يقول: أيها الناس! أنتم مدعوون إلى زواجي، أو يأتي -مثلاً- في مجمع فيقول: حيا الله الجميع على عشائي أو غدائي، لكن في بعض الأحيان قد يحدث هذا في القرى التي يكونون قرابة وأبناء عم ونحو ذلك، فيفعلون هذا لأنه متعارف بينهم، فهي أشبه بالتعيين.
لكن حينما يأتي إلى أناس متعددين، فيهم من يعرفه وفيهم من لا يعرفه، ويدعو دعوة عامة، فكان بعض العلماء يكره الإجابة في مثل هذا؛ لأنك لم تعين، والشخص إذا لم يعين فكأنه يذهب من أجل الطعام، وكأنهم كرهوا الإجابة من هذا الوجه، كرهه بعض أئمة السلف، ونص عليه المصنف هنا.
دعوة الجفلى لا يكون فيها الانتقار، وهناك دعوة الانتقار التي هي التخصيص، إلا أن دعوة الجفلى من الناس الكرام المعروفين محمودة؛ لأنهم أهل كرم، ولذلك يقول: نحن في المشتاة ندعوا الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر يفتخرون بأن الرجل منهم إذا أراد أن يدعو الناس دعاهم كلهم، ولا يأتي ويقول: يا فلان تحضر، ويحدد الأشخاص الذين يحضرون؛ لأن الذي يخاف على طعامه ويخاف على حاله يحدد المدعوين؛ لأنه لا يريد أن يتحمل أكثر من هؤلاء الأشخاص، لكن إذا كان كريماً، ولا يبالي بما أنفق ولا يبالي بما ذبح ولا يبالي بما أطعم، ويحب إطعام الناس ويحب إكرام الناس يفتح بيته ويدعو الناس، ويرى كل الناس معارفاً له، فإذا جاءه من يعرفه ومن لا يعرفه هش في وجهه كأنه يعرفه، وهذا من الكرم والجود، وهو صنيع أهل الفضل، وكان هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهدي الصالحين كذلك.
فالخلاصة هنا: إذا حددك فله حكم، وإذا عمم فلا يجب عليك؛ لأنه إذا عمم يصبح فرضاً كفائياً، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وقاعدة المسألة أن إجابة الدعوة في المعين لازمة، وهذا هو الأصل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إذا دعاك فأجبه).
وإجابة الوليمة نص النبي صلى الله عليه وسلم على لزومها وأنها من حق المسلم على المسلم، وكما في حديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بإجابة الداعي، فهذا كله يدل على ثبوت الحق بالتعيين، وأما إذا عمم فالأمر كما ذكرنا.
وقوله: (أو في اليوم الثالث كره) أي: دعاه في اليوم الثالث (كره) لأنها دعوة رياء وسمعة.

حكم إجابة دعوة الذمي

وقوله: (أو دعاه ذمي)، العلماء يكرهون إجابة دعوة الذمي، وقد بينا ضابط أهل الذمة من أهل الكتاب، وبينا معاملة المسلمين لهم وحقوقهم على المسلمين وحقوق المسلمين عليهم، بينا هذا كله في كتاب الجهاد، ولكن إذا دعا الذمي مسلماً فبعض العلماء يقول: فيه تفصيل: إن كانت إجابتك للدعوة من أجل أن تدعوه للإسلام، وبشرط ألا يكون طعامه طعاماً محرماً كالميتة والخنزير والشراب المحرم كالخمر ونحوها؛ فإنه يجوز لك ذلك ويشرع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استضافه يهودي على خبز وإهالة سنخة، وكذلك أيضاً استضافته اليهودية -عليها لعائن الله تترى- لما وضعت السم في الشاة، فما وضعته إلا بعد دعوة النبي صلى الله عليه وسلم واستضافتها للنبي عليه الصلاة والسلام.
قالوا: هذا يدل على أنه إذا رجا أن يدعوهم أو يتألفهم للإسلام فلا بأس، كالعالم والقاضي والإمام ونحوهم، وأما إذا كان من عامة الناس المسلمين فتكره؛ لأنه يخشى أن يؤثر عليه.
وهكذا إذا علمت أن له غرضاً كمصلحة دنيوية، خاصة إذا كان موظفاً تحتك أو نحو ذلك فلا تجب الدعوة؛ لأنها أشبه بالرشوة؛ لأنه يريد أن يتوصل بها إلى مصلحته، والحكم لا يختص بالذمي، بل حتى لو دعاك من هو دونك في المرتبة لمصلحة في العمل والوظيفة من أجل محاباته فإنه لا يجوز لك إجابته، وكالطالب يدعو شيخه إذا كان تلميذاً عنده، كما هو موجود في المدارس أو نحوها فإنه لا يجيبه إلا إذا كانت دعوته عامة كدعوة الزواج فإنه يحضر زواجه، لكن إذا قال له: أريد أن تتغدى عندي أو تتعشى، بدعوة خاصة فإنه لا يجيب، وكالقاضي لا يجيب الناس إلى الدعوات الخاصة إلا ممن كان يدعوه قبل القضاء، أما بعد القضاء إذا دعاه فمن المعلوم أنه ما دعاه إلا لأجل أنه قاضٍ.
وعلى هذا يفرق في دعوة الذمي بين أن يكون فيها مصلحة شرعية يقصد منها مقصود شرعي وبين غيرها.
قالوا: إذا دعاك الذمي ولم يكن هناك غلبة ظن أنك تؤثر عليه فإنك إذا أكلت طعامه ستكون منة له عليك، واحتقارهم مطلوب شرعاً، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه)، فشعورهم بعزة الإسلام وعلو الإسلام مقصود شرعاً، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
وقد قالوا في الحكمة والمثل: (من أكل طعام قوم ذل لهم) يعني: تنكسر عينه، ويصبح كأنه ملك بذلك المعروف، فإذا أكل المسلم طعام الذمي كأنه صارت منة للذمي على المسلم، وأصبح الفضل للذمي على المسلم، وهذا سبيل لا ينبغي أن يمكن الذمي منه.

حكم إجابة الصائم للدعوة

قال رحمه الله: [ومن صومه واجب دعا وانصرف].
ومن كان صائماً صوماً واجباً فإنه يدعو لأهل الوليمة كما ثبتت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينصرف ولا يجب عليه أن يطعم.
فعندنا أمران: - إجابة الدعوة والحضور.

  • والأكل من الوليمة.
    فإجابة الدعوة تتحقق بالحضور، والأكل من الوليمة، فإذا امتنع من الأكل لمكان الصيام فإن الحضور واجب عليه، إلا إذا وجد عذر يتعلق به أو وجد عذر شرعي كالمنكر ونحوه فهذا مما يستثنى.
    قال رحمه الله: [والمتنفل يُفطر إن أجبر ولا يجب الأكل].
    قيل له: كل، أو أحرج فإنه يفطر، وهو متطوع أمير نفسه، وأما إذا امتنع المتطوع ولم يجبر وبقي على صيامه فلا بأس فـ ابن عمر رضي الله عنهما أثر عنه أنه حضر ودعا وصلى ثم انصرف وقال: (إني صائم).

متى يباح طعام الوليمة

قال رحمه الله: [وإباحته متوقفة على صريح إذن أو قرينة].
عندنا لفظان: إجابته وإباحته، فقد تكون في بعض المسائل إجابته وفي بعضها إباحته.
فإجابة الدعوة متوقفة على صريح إذن بالحضور، فما يأتي الإنسان بدون إذن، ولا يحضر الدعوة بدون إذن.
وعندنا (إباحته) وهي في غالب النسخ، وهي الأظهر هنا، أي: إباحة طعام الوليمة، فيكون المصنف شرع في مسألة إباحة طعام الوليمة.
يباح طعام الوليمة بصريح إذن أو قرينة، صريح الإذن مثل أن يرسل لك البطاقة ويقول: أدعوك لتناول طعام العشاء أو لحضور العشاء، هذا كله صريح في الإذن، فقد أذن لك أن تحضر وتتعشى، فحينئذٍ لا إشكال.
أما القرينة الدالة عليه فمثل: مد الموائد وبسطها، فإذا مد المائدة وبسطها وأشار بيده، ولم يتكلم؛ فإن هذه قرينة دالة لإباحته؛ لوجود الطعام بيننا وتقريبه إلينا، أو جاء والجماعة جالسون فوضع السفرة عندهم ثم وضع الطعام، فهذا معناه أنني أتيت بهذا الطعام لكم وقد أذنت لكم أن تأكلوا منه.
واختلف العلماء، فقال بعض العلماء: وضع الطعام لا يدل على الإذن ما لم يأذن صاحبه، وقال بعضهم: الدعوة إذن وإباحة بالأكل.
فائدة المسألة: ما يقع الآن في بعض الأحيان، حيث تمد السفر ثم يوضع الطعام عليها، ولا يتكامل الطعام ولا ينتهي، فيأتي بعض الناس ويأكل قبل تمام السفر، فإن قلنا: الدعوة إذن بالطعام، حل له ذلك، وإن قلنا: لابد من إذن أو قرينة فلا الإذن موجود ولا القرينة؛ لأن القرينة ما تكون ظاهرة إلا بعد اكتمال السفر وتمامها، فإذا تمت السفر واكتملت سنأكل، ولذلك يقبح أن يأكل قبل الآخرين، خاصة العلماء وطلاب العلم وأهل الفضل، فإن وجد هذا في طالب علم أو إنسان له مكانة أو إمام مسجد يأتي بمجرد ما توضع السفرة ويمد يده إليها ويأكل، فهذا من خوارم المروءة.
ما أبيح وهو في العيان يقدح في مروءة الإنسان فينتظر حتى يؤذن لهم، ولذلك قالوا: يستحب لطالب العلم دائماً أن يأخذ بالكمالات، فعندنا قول يقول: مجرد الدعوة إذن، وعندنا قول يقول: الإذن يكون بعد وضع الطعام، وقوله تعالى: ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:53] قيل: إن هذا يعني أن مجرد الدعوة يكفي، وقال بعض العلماء: لا، بل لابد أن يأذن صاحبه، فتأخذ بالأكمل وهو أن يأذن لك صاحب الطعام، فيصبح هذا إكراماً لعلمك، وإكراماً لكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي في صدرك، فلا تنظر للشيء بنفسك، وإنما تنظر بحق العلم عليك، وما فعلت ذلك إلا كنت بخير المنازل، فإنه من المجرب أن طالب العلم إذا كان دائماً يأخذ بالكمالات يرفع الله قدره، ويقذف الله في قلوب الناس حبه وإكرامه وإجلاله كما صان العلم وصان كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن أحسن بحق العلم عليه؛ فإن الله عز وجل يقذف في نفوس الناس الشعور بحقه ومكانته، والعكس بالعكس.
ولذلك تجد بعض الناس إذا جالس الناس له هيبة ومحبة وكرامة، وقد تجده من عامة الناس، لكن تجد عنده من الصفات الحميدة، ومن كمالات المروءة ما جعل الله له به هذا الحال الحسن عند الناس، والعكس: فقد تجد الرجل ولو كان في منزلة عالية، ما أن يصبح متهتكاً ويرتكب خوارم المروءة إلا وجدت الناس لا تشعر له بإجلال ولا تشعر له بهيبة، نسأل الله السلامة والعافية.
يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء فلا يزال المسلم بخير ما استحيا وأخذ بكمالات الأمور، فالذي يظهر أنه ينتظر إلى الإذن أو القرينة الدالة على الإذن.
ولذلك جرت العادة في بعض الأحيان أنه إذا وضع الطعام للضيوف أنهم ينتظرون إذن صاحب الطعام، وهذا لا شك أنه أفضل وأكمل؛ لأن صاحب الطعام في بعض الأحيان يحب أن يتكامل طعامه حتى يراه الضيف ويشعر بمكانته عنده، ويحب أن تُرى سفرته وهي على أتم وجوهها وأكملها، فلا شك أن هذا أفضل وأكمل.

حضور الوليمة التي فيها منكر لتغييره

قال رحمه الله: [وإن علم أن ثم منكراً يقدر على تغييره حضر وغيره وإلا أبى] لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والله أوجب عليه التغيير، والتغيير متوقف على حضوره، فيجب عليه الحضور وينكر ما أمر الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم برده وإنكاره.
وإلا أبى عن الإجابة؛ لأن حضوره إقرار بذلك، وقال بعض العلماء: يحضر ويهنئ ذا الرحم -كأن يكون ابن عمه أو قريبه- يحضر ويهنئه ويأخذ بخاطره، ثم ينصحه في المنكر، فإن استجاب فالحمد لله وإن لم يستجب ينصرف، فعندنا حضور، وعندنا جلوس، فالحضور واجب عليه على الأصل، أما مسألة الجلوس والمكث فوجود هذا العارض يمنع من الجلوس، فيصبح المنع بخصوص الجلوس، ولا يسقطون عنه الحضور، بل يقولون: يحضر؛ لأن إجابة الدعوة تشمل الأمرين، وإذا سقط أحدهما وهو الجلوس في مكان المنكر فلا يسقط الآخر، ولا شك أن الثاني فيه احتياط، وقد يكون في زماننا أبلغ في التأثير على الناس، لكن إذا كان الشخص تأول القول الآخر بأنه لا يحضر بالكلية فله وجهه.

إذا علم بالمنكر بعد حضوره الدعوة

قال رحمه الله: [وإن حضر ثم علم به أزاله].
(وإن حضر) على أنه ليس هناك منكر، ثم أخبر أن هناك منكراً، وأزاله أتم جلوسه، فإن لم يُستجب له انصرف، هذا بالنسبة إذا حضر وليس بذهنه أن هناك منكراً.
والمنكر لابد أن يكون منكراً؛ لأن في بعض الأحيان قد ينكر الإنسان شيئاً أقرته الشريعة، فتجد بعض طلاب العلم إذا سمع ضرب الدفوف ينصرف، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدفوف)، والشرع مقصوده أن يضرب بالدف ويسمع حتى يعلم الناس أن هناك زواجاً، فمن حضر يعلم أنه زواج، ومن لم يحضر يعلم أن فلاناً تزوج فلانة، فإذا أردت أن تخفي هذا الدف خالفت مقصود الشرع، فالبعض ربما يجعل ما هو سنة منكراً بسبب الجهل، فلابد من سؤال العلماء والتبيّن والاستبيان، فإن بان أن هذا منكراً لا يجوز، وأن الله ورسوله لم يأذن به، وأنه مما حرم؛ فحينئذٍ يعامله معاملة المنكر من وجوب تغييره، فيغير باليد، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.
فإذا لم يقبل منه ذلك انصرف، فيكون أدى للمتزوج حقه، وقام بحق الله عز وجل من الخروج من مكان المنكر، ويشمل هذا شرب المحرمات، فشرب المحرمات على نوعين: الأول: نوع يحضره أهل الزواج للشخص ليشربه، فيكون المجلس عاماً، مثل القاعات الواسعة، فتدخل الآلات المحرمة التي يشرب الحرام بواسطتها، على مرأى ومسمع من الناس، ومعنى ذلك أنه أخبر صاحب القاعة أن يحضر هذا الشيء لمعازمه وضيوفه، وأنه مقر لذلك.
فإذا حضرت فمن حقك أن تقوم؛ لأنه لا يمكن أن تقول لمن يشربها: ما يجوز هذا، وتذهب إلى كل من يشربها فتنصحه، بل تذهب إلى أهل الزواج وتقول لهم: اتقوا الله عز وجل فهذا لا يجوز، والله يبارك لكم في زواجكم ويباركم لك في هذا الزواج إذا اتقيتموه، وإذا اتقيتم الله عز وجل وضع لكم الخير في هذا الزواج، أما أن تسايروا الناس فيما حرم الله فهذا لا خير لكم فيه، وقد يمحق الله بركة الزواج بحصول هذه المحرمات فيه، فتذكرهم بالله.
ومن التذكير بالله أن ترغبهم فيما عند الله من حصول البركة بزواجهم وحصول الرضا عنهم إن أطاعوه، وترهبهم مما عند الله من العقوبة، بأسلوب مؤثر ومقنع ومقبول وحسن، مدعم بالدليل من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا بينت لهم الحجة واستبان لهم السبيل واستبانت لهم المحجة بعد ذلك إن رضوا وأجابوا فالحمد لله، وإن أبوا وأصروا فإنك تنصرف إحياءً لحق الله عز وجل.
الثاني: إذا كان المنكر يفعله الشخص المدعو في نفسه، فإن هذا تنكره على الشخص نفسه، فإذا كان يشرب المحرم من نفسه، وأهل الزواج لم يعطوه المحرم ليشرب، وإنما هو من نفسه أخرج المحرم وشربه، فإنا لا نحمل أهل الزواج، وإنما نقول لأهل الزواج: أنكروا على هذا؛ لأنه لا يجوز لهذا أن تأتوا بها في مجامع الناس من أجل أن يشرب قالوا: والله! هذا ضيف! فلك الحق أن تخرج؛ لأنهم أقروه على منكره.
فإن جاءوه ونصحوه ومنعوه أن يشربه، ولم يمتنع من شربه في وجه الناس؛ فحينئذٍ جلست وإلا انصرفت، هذا بالنسبة للمنكر الخاص، وفي بعض الأحيان يكون المنكر الخاص في معزل، مثلاً: يكون من يشرب الحرام يأتي به في جيبه ويشربه في غرفة لست أنت فيها، فيسع الجلوس في هذه الحالة، كما لو اغتاب أو قال النميمة في مجلس غير مجلسه، فالأمر في هذا أوسع.
قال رحمه الله: [فإن دام لعجزه عنه انصرف].
فإن دام وبقي المنكر وهو عاجز عن إنكاره انصرف.
قال رحمه الله: [وإن علم به ولم يره ولم يسمعه خير].
مثلاً: قيل له: في الغرفة الفلانية كذا أو جيء بكذا، فقال بعض العلماء: إنه يخير: فإن شاء جلس، وإن شاء انصرف، لكن يجب عليه إنكاره -إن وسعه ذلك- بيده أو بلسانه إذا لم يستطع باليد على الترتيب المعروف في إنكار المنكر.

حكم النثار والتقاطه

قال رحمه الله: [وكره النثار والتقاطه].
كانوا في الأعراس ينثرون الحلوى وينثرون الدراهم، فيرمونها والناس تلتقطها، وكان هذا موجوداً إلى عهد قريب، والحمد لله أن هذه الأمور اندثرت وذهبت، ونسأل الله ألا يعيدها، فهي من الأمور التي لا خير فيها؛ لأنهم كانوا ينثرون الطعام وينثرون الحلوى فيتساقط الناس عليها، ويتسابقون في أخذها، فتحدث الشحناء والبغضاء والتنافس على أمور الدنيا، وتجعل بعضهم يحقد على بعض.
وكانوا ينثرون الدراهم والأموال على المدعوين الذين حضروا من باب المكافأة لهم على الحضور، فيكره هذا النثار؛ ويجوز له أن يعطي، وقيل: إنه يكره؛ لما فيه من الآثار السيئة، ويكره للإنسان أن يأخذه؛ لأنه من خوارم المروءة، فالتقاط النثار من خوارم المروءة.
وفي حكم هذا الصدقات عندما ترمى على الناس، فكره بعض أهل العلم هذا الأسلوب، ومثل أن يكون عنده ماء يريد أن يتصدق به على الناس فيرميه على الناس، أو تكون عنده أطعمة يرميها على الناس وتسقط على الأرض، ولربما تلفت إذا سقطت، ولربما ضربت الناس في رءوسهم وفي أجسادهم، وقد ترمى رمياً فيه أذية، ورميها يغري الناس بضرب بعضهم لبعض، وأذية بعضهم لبعض، فإذا جئت تنظر إلى الحسنات التي يأخذها فقد تكون السيئات وسب الناس بعضهم لبعض وشتم الناس بعضهم لبعض أعظم، كل هذا من المفاسد التي هي أعظم من المصلحة التي ترجى من وراء اليسير الذي يريد أن يسقيه الناس أو يعطيهم.
ولذلك كره العلماء مثل هذا الأسلوب، وهو في حكم النثار، إنما المنبغي أن يرتب الناس، ويعطى الأسبق فالأسبق، بطريقة تحفظ ماء وجوه الناس، وتحفظ كرامتهم، وأيضاً تدفع الضرر عنهم، ولا تكون سبباً في حصول الضرر عليهم، ولا تكون سبباً في امتهان نعمة الله عز وجل والإضرار بها.
قال رحمه الله: [ومن أخذه أو وقع في حجره فله].
ومن أخذ النثار فإنه له؛ لأنه يملك بالقبض، والهبة والعطية إذا قبضها أخذها وملكها، وهذا بإجماع العلماء كما حكاه الوزير بن هبيرة رحمه الله في كتابه الإفصاح، فالهبة تملك بالقبض.
قال أبو بكر رضي الله عنه: (يا عائشة! أي بنتاه! إني كنت قد نحلتك من مالي بالغابة، ولو أنك قبضتيه لكان ملكاً لك، أما وإنكِ لم تقبضيه فأنت اليوم وإخوتك فيه سواء)، فهذا يدل على أنه إذا لم يقبض الموهوب لا يملك.

مشروعية إعلان النكاح

قال رحمه الله: [ويسن إعلان النكاح والدف فيه للنساء].
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدفوف)، فيضرب النساء بالدفوف؛ لأن في ذلك إحياءً للسنة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها، وفيه فرق بين السفاح والنكاح؛ لأن السفاح يسر، والنكاح يشهر.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

شرح زاد المستقنع -

باب عشرة النساء [1]

الحياة الزوجية قائمة على أساس الشراكة بين الرجل والمرأة في تكوين الأسرة، وقد أعطى الإسلام كلا الزوجين حقوقاً في هذا المجتمع الصغير، كما أوجب على كلٍ منهما القيام بحق صاحبه، وسن بعض الآداب التي ينبغي مراعاتها في العشرة الزوجية حفاظاً على سعادة البيت والأسرة، وحرصاً على الوفاق بين الزوجين، إذ بدون أن تتميز الحقوق والواجبات لن يجد الفرد سعادته، وفيما يلي بيان لهذه المسائل في العشرة بين الزوجين.

الحقوق الزوجية

أقسام الحقوق الزوجية

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب عشرة النساء] لما بيّن المسائل المتعلقة بالنكاح شرع فيما يترتب عليه من آثار، من وجوب عشرة كل من الزوجين للآخر، والأصل في هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:19] وقوله سبحانه وتعالى في الحقوق: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:228]. وقد ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم السنن والأحاديث في بيان ما يجب على الزوج لزوجته، وفيما يجب على الزوجة لزوجها، فكل من الزوجين مطالب بحق للآخر، وهذا ما يسمى بالحقوق الزوجية، فمن العلماء من يقول: باب الحقوق الزوجية.
ومنهم من يقول: باب عشرة النساء، وكلا البابين يذكر فيه الأحكام المتعلقة بالمعاشرة.
وعشرة النساء الهدي فيها هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكمل ما تكون المعاشرة بالمعروف بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته القولية والفعلية والتقريرية في معاشرة أهله وزوجه صلوات الله وسلامه عليه.
قال رحمه الله: [يلزم الزوجين العشرة بالمعروف] الحقوق الزوجية تنقسم إلى ثلاثة أنواع: - حق للزوج على زوجته.

  • وعكسه حق الزوجة على زوجها.
  • والحقوق المشتركة.
    وبعض العلماء يقسمها إلى اثنين مقسمة إلى ثلاثة فيقول: - الحقوق المشتركة - والحقوق الخاصة.
    ثم الحقوق الخاصة إما للزوج على زوجته أو العكس.
    فأما الحقوق المشتركة فابتدأ المصنف رحمه الله بها في قوله: [يجب على كل من الزوجين أن يعاشر الآخر بالمعروف] والمعروف ضد المنكر، أي: بما أقره الشرع لا بما أنكره، وبما أذن به الشرع لا بما حرمه، ويشمل هذا: المعاشرة بالمعروف بالكلام الطيب، والمعاشرة بالمعروف بالفعل الطيب.
    والمعاشرة بالمعروف تكون في الأمور المادية والمعنوية، وتكون المعاشرة بالمعروف في القلوب وفي الأمور الخفية المغيبة، فيغيب في قلبه حسن النية لزوجته، وتغيب الزوجة في قلبها الخير ونية الخير لزوجها، فيشمل هذا الظاهر والباطن والقول والفعل.
    كل ذلك ينبغي أن يقوم على المعروف الذي أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يقوم على المنكر، أي: على المحرم الذي حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
    والمعروف أيضاً ما تعارف عليه أهل العقول السوية والفطر السليمة، فالأمور التي تعارف عليه العُقلاء والفُضلاء يعاشر كل من الزوجين الآخر بها، فهذا معنى قوله: [العشرة بالمعروف].
    والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:19] وقال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة:231]. وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاشر أهله بالمعروف، وأحسن إلى أزواجه صلوات الله وسلامه عليه وأكرمهن.

حرمة عدم القيام بالحقوق الزوجية من كلا الزوجين

قال رحمه الله: [ويحرم مطل كل واحد بما يلزمه للآخر والتكرّه لبذله] ويحرم المطل، المطل: التأخير، ومنه: مطل الغني في السداد، وهو القادر على السداد.
(يحرم مطل) وهو تأخير الحق، فإذا طلب الزوج زوجته إلى الفراش وهي قادرة ويمكنها ذلك فلا يجوز أن تؤخره، بل تبادر مباشرة بطاعته، كذلك إذا طلبت الزوجة من زوجها نفقة البيت ونفقتها، وعنده مال، ويمكنه أن يعطيها مباشرة، فلا يجوز أن يقول: أعطيك غداً أو بعد غد، ويؤخر عنها حقها، فكل لحظة وكل ساعة يتأخر فيها يحمل وزرها وإثمها والعياذ بالله.
ولذلك الملائكة تلعن المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشها وهي قادرة وامتنعت، فتبيت والملائكة تلعنها والعياذ بالله.
وكما يحرم المطل يحرم أن يؤدي الحق الواجب عليه وهو كاره، بطريقة تشعر أنه مكره، فإن العشير إذا عاشر عشيره، ووجد أنه يعطيه حقه بكره، وكأنه مغصوب على ذلك، كره عشرته ونفر منه ومل العيش معه، وهذا هو الذي تنهدم به البيوت وتتشتت به الأسر، ويدخل به الشيطان بين الزوجين.
فلذلك لا ينبغي أن يؤدي الحق بكره، والكره يشمل التصريح بالقول، كأن تتكلم المرأة كلاماً يدل على أنها غير راضية، أو يتكلم الرجل كلاماً يدل على أنه غير راض، كأن يعطيها نفقتها ويقول كلمة نابية قاسية جارحة، كأن يقول: خذي نفقتك لا بارك الله لك فيها -والعياذ بالله- أو: خذي نفقتك مغصوبة، أي أني أعطيكِ إياها وأنا كاره لذلك، وخذيها بلا طيبة نفس مني، أو: خذيها ولا أريد أن تأخذيها، ونحو ذلك الكلام.
ويكون بالفعل كتذمره بالتأفف؛ وكذلك أيضاً لون الوجه وظهور أمارات الكراهية كل ذلك من الكره، سواء وقع من الزوج أو الزوجة، فكل ذلك مما لا يجوز؛ لأنه خلاف المعروف الذي أمر الله به في كتابه المبين ووصى به عباده المؤمنين.

موجبات عقد النكاح

قال رحمه الله: [وإذا تم العقد لزم تسليم الحرة التي يوطأ مثلها في بيت الزوج إن طلبه ولم تشترط دارها أو بلدها].
(إذا تم العقد لزم تسليم الحرة) في بيت الزوجية، فيلزم أولياءها أن يسلموها لزوجها، ما لم يكن هناك أمور جرى العرف أو اتفق الطرفان على التأخير من أجلها كتجهيزها، أو حدد يوم معين للإتيان بها، فيجوز التأخير إلى الأجل، أما غير ذلك فالأصل يقتضي أن الرجل من حقه أن يدخل على زوجته وأن تسلم زوجته إليه في بيت الزوجية.
(إن طلبه) طلب التسليم، فعندنا مسألة العقد ثم مسألة الدخول، فإذا ثبت أن هناك حقاً للزوج على زوجته، فإنه يبدأ من العقد، فابتدأ المصنف بالعشرة الزوجية والحقوق من العقد، وهذا من دقته رحمه الله، أنه يسلسل الأفكار ويتابع بعضها بعضاً، فابتدأ أول ما ابتدأ بما يترتب على العقد فقال: [إذا تم العقد وجب التسليم].
فعلى هذا حق الزوج على زوجته أن تسلمه وتمكنه من نفسها بمجرد العقد، هذا من حيث الأصل العام، وتبقى الأمور التي جرى عليها العرف والتراضي بين الطرفين، فهذه مختلفة بحسب اختلاف الأحوال.
لكن لو قال: أريد أن أدخل على زوجتي، فقال أبوها: لا، حتى تنتهي من دراستها، وقد عقد عليها وتم العقد، فليس من حق أبيها أن يحول بينها وبين زوجها، ولو رفع أمره إلى القاضي لألزمه القاضي أن يُسلم الزوجة إلى زوجها في بيته بيت الزوجية.
[ولم تشترط دارها أو بلدها] (ولم تشترط دارها) لو قالت: ما تدخل عليّ إلا في بيت أبي، فلا يجوز أن يخرجها، فلو طالب أهلها أن يأتوا بها إليه في بيت الزوجية لم يكن له ذلك؛ لأنهم اشترطوا عليه أن تكون عندهم، وقد تكلمنا على هذا الشرط: أن تشترط دارها أو بلدها.
فلو كان بلده بلداً غير بلدها كأن يكون في جدة وهي في المدينة فقال: تأتوني بها إلى جدة، وقد اتفقوا معه في الشرط أن تكون ساكنةً في المدينة عند أهلها، فعلى ما اختاره المصنف رحمه الله أنه شرط يجب الوفاء به، فليس من حقه أن يطالبهم بنقلها إلى جدة، بل تبقى؛ لأن المصنف يميل -كما هو قول بعض الصحابة رضوان الله عليهم- إلى أن الزوجة تلزمه بهذا الشرط وتبقى عند أهلها وفي دارها.
قال رحمه الله: [وإذا استمهل أحدُهما أمهل العادةَ وجوباً لا لعمل جهاز] وإن استمهلَ الرجلُ أولياءَ المرأةِ، أو أولياءُ المرأة استمهلوا الرجلَ وقالوا: أمهلنا، البنت مثلاً عندها ظرف، كما لو كانت مريضة وخافوا عليها أنها لو ذهبت إلى بيت الزوجية يشتد مرضها، قالوا: تمهلنا، فاستمهل عادةً؛ لأن العادة جارية أن مثل هذا النوع من النساء يُمْهَل، فيُمْهِلهم ويعطيهم المهلة بالمعروف، يعني: بما جرت به العادة والعرف.
(لا لجهاز) لو فُتِح الإمهال للجهاز لاختلفت أنظار الناس في الجهاز، وبالغ النساء في هذا، والجهاز يُقْصَد منه حظوة المرأة عند زوجها، فإذا هو استعجل وقال: أريدها، فأسقط حقه في الجهاز، فحينئذٍ لا يكون الجهاز عذراً يمنع من إجابة حقه، هذا وجهه، أن الجهاز في الأصل يراد به حظوة المرأة عند زوجها، فلو الزوج استعجل وقال: يريدها بدون جهاز، وهذه امرأته، وربما خاف على نفسه الحرام أو عنده ظرف، مثلاً: أخذ إجازة ثلاثة أيام فقالوا: نريد أن نجهزها يومين أو يوم، فقال: ما أريدها مجهزة، أريد امرأتي الآن، فهذا من حقه، ويجب عليهم أن يعطوها إليه عند طلبه، فهذا معنى قوله: (لا لجهاز).
قال رحمه الله: [ويجب تسليم الأمة ليلاً فقط].
(ويجب تسليم الأمة ليلاً) لأنها نهاراً ملك لسيدها، تخدم سيدها وتقوم بحقه، وإذا زوجها سيدها فقد أسقط حقه في المبيت، فلا يملك الزوج إلا المبيت، فإذا تزوج أمةً فلا يملك طلبها إلا في الليل للفراش.
قال رحمه الله: [ويباشرها ما لم يضر بها أو يشغلها عن فرض] فيجوز له أن يباشرها ما لم يضرها أو يشغلها عن فرض، فإذا استحق المرأة بنكاح حُقَّ له أن يباشرها وأن يجامعها وأن يدخل بها ويبني بها، فإذا خلا بها يباشرها؛ لأنها امرأته قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:187]. ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور:58] والله أحل المرأة لزوجها والزوج أحله لزوجته، فليس هناك مانع من المباشرة وغيرها من أمور الاستمتاع، وذلك يكون حلالاً بمجرد العقد.
لكن إذا عقد الرجل على المرأة وجرت العادة أنه ما يدخل بها إلا بعلم من أهلها، فمن القبيح أن يأتي إلى بيت أهلها زائراً ويطؤها ويدخل بها دون علم من أهلها؛ لأن هذا تترتب عليه مفاسد عظيمة، فلو أنه جاء إلى بيت الزوجية والمرأة بكر ودخل بها ووطئها، ثم خرج وحدث له حادث بمجرد خروجه، وصارت المرأة حاملاً، لقالوا: إنها زانية والعياذ بالله، واتُّهِمَت، ولا يمكن أن ينسب هذا الولد إليه؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على أنه دخل بها، والمعروف والمتعارف به أنه يختلي بها من أجل الحديث، فإذا ادعت المرأة تكون حينئذٍ محلاً للتهمة، فمثل هذا تترتب عليه مفاسد عظيمة.
فالرجل يتوقف، ويكون من حق ولي المرأة -أبوها وأمها- أي: الأولياء بالعرف وليس بالحكم الشرعي؛ لأن الولاية للعصبة كما ذكرنا؛ لكن مَن يلي أمرها مِن حقه إذا استراب أن هذا الزوج متهتك، أو أنه يتساهل في بعض الأمور أن لا يُمَكِّنه، وحتى لو يجتمع بها يجتمع بها على طريقة يأمن منها أن يقع شيء؛ لأن بعض الناس قد يكون نسأل الله السلامة والعافية رجلاً شريراً وعنده نية سوء، فقد يصيب المرأة ويستمتع بها، ثم بعد ذلك ينكر، ويطالبها بالحقوق ويدعي عليها ما لم يكن، وقد يتأخر في الدخول عليها ويظهر بها حمل، فيضغط على أهلها ويدعي والعياذ بالله زوراً وبهتاناً أنه لم يطأها ولم يصبها، فيتلاعب بهم وهو لا يريد ابنتهم إنما يريد الإضرار بهم.
ونفوس الناس مختلفة -نسأل الله السلامة والعافية- ووقعت حوادث بسبب هذا، والأسر والجماعات التي تتساهل في مثل هذا تبوء بعواقب وخيمة، وسببها التساهل في مثل هذه الأمور.
فلا ينبغي في مثل هذا أن يُمَكَّن إذا عُرِف منه التهتك والتساهل في مثل هذا.

حقوق الزوج على زوجته

شرع المصنف رحمه الله في هذه الجملة ببيان بعض المسائل والأحكام المتعلقة بالعشرة الزوجية، ومنها: أن الزوج إذا أراد أن يسافر فله الحق أن يصحب زوجته معه، والسبب في ذلك: أنه يخاف على نفسه الفتنة، كما أن المرأة تقوم على شأن زوجها في سفره، ولربما كان تركه لامرأته فيه ضررٌ على المرأة وفتنة لها، فيكون الأمر آكد.
قال رحمه الله: [وله]: أي: للزوج.
[أن يسافر] بها: أي: بالمرأة، ويسافر بها شريطة أن لا يكون ذلك معرضاً لها إلى الخطر، أو الوقوع في الضرر، فإن كان في السفر تعريض لها إلى مثل ذلك، فحينئذٍ يجوز لها أن تمتنع.
قال رحمه الله: [ويحرم وطؤها في الحيض والدبر]: أي: ويحرم وطء المرأة في الحيض، والمراد به أن يطأها وهي حائض، وقد دل دليل الكتاب، ودليل السنة على تحريم وطء المرأة الحائض، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:222]، فقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ أمر بالاجتناب والاتقاء والابتعاد، وهذا الأمر محدود بالمكان في قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:222]، والمحيض اسم مكان، كالمَقِيل، أي: مكان الحيض، وبناءً على ذلك لا يجوز له أن يطأها ويجامعها وهي حائض؛ ولكن يجوز له أن يستمتع بما دون الفرج، فله أن يباشرها، وأن يفاخذها، وأن يستمتع بجميع ما يكون منها، إلا الوطء في الفرج، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح).
وقد قدمنا في كتاب الحيض تفصيلات العلماء، وكلام العلماء عما يحل وما يحرم من المرأة الحائض، وبينا أن أصح قولي العلماء أنه يجوز له أن يستمتع فيما بين السرة والركبة من المرأة الحائض، إذا غلب على ظنه الأمن من الوقوع في المحظور، أما إذا غلب على ظنه أنه سيجامعها فيحرُم؛ لأن الوسائل تأخذ حكم مقاصدها، والنهي عن الشيء نهي عن وسائله المفضية إليه، كما أن الأمر بالشيء أمر بلازمه وبما يعين عليه ويُتَوَسَّل بطريقه إلى ذلك الشيء.
فبيَّن رحمه الله أنه لا يجوز وطء المرأة الحائض، وهذا بإجماع، كما بين أنه لا يجوز الوطء في الدبر، وهذا أيضاً بإجماع العلماء -رحمهم الله- فلا يحل إلا في الأقوال الشاذة المحكية عن بعض المتقدمين، وهي تُحْكَى ولا يُعَوَّل عليها ولا يُعْمَل بها، فإن مكان الوطء هو موضع الحرث؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:223]، فالحرث هو مكان الوطء، وهو القُبُل من المرأة، وأما الدبر فإنه ليس بحرث ولا بمكانٍ للوطء، ولا بمحل له.
والطب يؤكد أن الوطء في الدبر ضرر على الرجل وضرر على المرأة، فلذلك لا يجوز وطء الدبر، ولا يُعْتَدُّ بمن خالف.
قال رحمه الله: [وله إجبارها على غسل حيض ونجاسة]: [وله]: أي: للزوج إجبار زوجته على غسل حيض؛ لأنه في أصح قولي العلماء أن المرأة الحائض لا يجوز وطؤها إلا بشرطين: أولاً: أن تطهر من حيضها.
والثاني: أن تغتسل من ذلك الحيض.
وبناءً على ذلك فإنها لو طهرت ولم تغتسل، فالخلاف بين الجمهور والحنفية، وذكرنا هذه المسألة في الطهارة، والصحيح: أنه لا يجوز وطؤها إلا بعد أن تغتسل من الحيض؛ لقوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة:222]، ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:222]، فنهى عن وطئهن إلى الطهر، ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، فجاء الطهر على مرحلتين: المرحلة الأولى: وصف الله عز وجل به المرأة فقال: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فوصفها بشيء ليس بيدها.
المرحلة الثانية: وصفها بطهر في يدها، فقال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾، فدل على أن انقطاع الدم وحده لا يكفي، وأنه لا بد من انقطاع الدم واغتسالها بعد انقطاع الدم عنها، فحينئذٍ يحل له وطؤها.
فإذا ثبت أن المرأة الحائض لا يجوز وطؤها، إلا إذا انقطع عنها الدم، ثم اغتسلت، فإنها قد ينقطع عنها الدم، وتتأخر في الغسل، فإن انقطع عنها الدم، فإن الزوج لن يطأها في طيلة مدة أيام الحيض، وحينئذٍ يتضرر بانحباسه عن المرأة، فإذا تضرر بالانحباس وطهرت المرأة فله أن يجبرها ويلزمها أن تغتسل؛ لأن مصلحته متعلقة بذلك، وحينئذٍ يجبرها أن تغتسل، وتبادر بالغسل مباشرة، ما لم يكن في ذلك ضررٌ عليها.
قوله رحمه الله: (على غسل حيض ونجاسة) أي: وله أن يجبر زوجته على غسل النجاسة، وذلك لأن النفوس تتأفف وتتألم بالنجاسة والقذر، والمرأة مطلوب منها أن تهيئ جميع الأسباب؛ لتحبيب زوجها؛ لكي تكون حظية عند زوجها، وذلك بالاغتسال والنظافة والنقاء، ولا يجوز لها أن تتعاطى الأسباب المنفرة بحيث ينفر منها زوجها، ولذلك ينبغي عليها أن تتعاطى أسباب إزالة النجاسة، وله الحق أن يجبرها على غسل النجاسة من دم أو بول أو نحو ذلك، فيقول لها: اغسلي هذا الدم، واغسلي هذه النجاسة، ويجبرها على ذلك.
قوله رحمه الله: [وأخذ ما تعافه النفس من شعر وغيره] إذا كان الواجب على المرأة أن تتعاطى الأسباب -كما ذكرنا- للقيام بحق الزوج؛ لتحبيبه بالمحبة والألفة، فإن هذا يستلزم منها أن تكون على أحسن الأحوال وأتمها، فتأخذ من الشعر ما تعافه النفوس، كشعر الإبطين، وكذلك شعر العانة، فإنه يلزمها إزالة هذا الشعر ونحوه، وله الحق أن يوبخها إذا قصرت في شيء من ذلك، ولا شك أن المرأة إذا قصرت في مثل هذه الأمور، فإنه نوع من الاستخفاف بحق الزوج، ونوع من التبذل الذي قد يصل إلى حد المكروه، إذا كان فيه نوع من النسيان لحق العشير، وإذا قصدت به الإضرار وصل إلى التحريم؛ لأنه لا يجوز للمرأة أن تضر زوجها، ولا أن تتعاطى الأسباب التي تنفره، فله الحق أن يأمرها بحلق شعر العانة، وهكذا بالنسبة لشعر الإبطين، وله الحق أن يأمرها بإزالة شعر اللحية، وهكذا الشارب، وكذلك لو ابتليت بشعر في وجها، على أصح قولي العلماء؛ لأن هذا تنفر منه النفوس وتعافه، فله الحق أن يطالبها بإزالته، والقاعدة الشرعية تقول: (الضرر يزال) وهي قاعدة مجمع عليها، فالزوج يتضرر بذلك، فحينئذٍ يجب على المرأة أن تزيل هذا الضرر، الذي يمنعه من كمال الاستمتاع بها.
قوله رحمه الله: [ولا تجبر الذمية على غسل الجنابة] وذلك لأنها ليست مكلفة به، فالذمية ليست مكلفة بغسل الجنابة، على القول بأن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة.

حقوق الزوجة على زوجها

قال رحمه الله تعالى: [فصل: ويلزمه أن يبيت عند الحرة ليلة من أربع، وينفرد إن أراد في الباقي] حقوق الزوجية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: حق الزوج على زوجته.
القسم الثاني: حق الزوجة على زوجها.
القسم الثالث: الحقوق المشتركة التي لا تختص بواحد منهما.
فأما حقوق الزوج على زوجته فمنها: حق القوامة، وطاعتها لزوجها وبعلها، وأن لا تخرج من بيتها إلا بإذنه، وأن تطيعه في ذلك، وأن لا تأذن لأحد أن يدخل إلى بيته إلا بإذنه، وإذا دعاها إلى فراشه أن تجيب وأن تلبي، ومن حقه عليها أن لا تصوم نفلاً وهو شاهد إلا بإذنه، وأمّا قضاء رمضان فيفصل فيه بين الموسع والمضيق، فإن ضاق جاز لها أن تصوم بغير إذنه، وإن كان موسعاً فإن له الحق أن يؤخرها، لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، هذا بالنسبة لحق الزوج على زوجته.
وأما حق الزوجة على زوجها: فإن للمرأة على زوجها حقوقاً، وهذه الحقوق التي للمرأة على الزوج فرضها الله سبحانه وتعالى وبيَّنها، فمنها ما يكون مصاحباً للعقد كحق المهر والصداق، وقد سبق وتقدم الكلام عليه، ومنها: حق النفقة بالمعروف، وهذا سيأتي إن شاء الله بيانه في كتاب النفقات، وكذلك حق المبيت والقسم، وهذا ما سيبينه المصنف رحمه الله في هذه الجمل الآتية.
وأمَّا الحقوق المشتركة، فهي التي تجب على الزوج، وتجب على الزوجة، فلا تختص بزوج ولا بزوجة، ومن هذه الحقوق المشتركة: حق العشرة بالمعروف، فإنه يعتبر من الحقوق المشتركة، فيجب على الرجل أن يعاشر امرأته بالمعروف، ويجب على المرأة أن تعاشر زوجها بالمعروف.
قوله رحمه الله: (ويلزمه أن يبيت عند الحرة ليلة من أربع) أي: يلزم الرجل أن يبيت عند الحرة ليلة من أربع ليال؛ لأن الله أحل له نكاح الأربع، فدل على أن نصيب الواحدة ليلة من أربع ليال، هذا بالنسبة للحرة في مبيته معها، وسيأتي أن المبيت يكون بالليل، ويكون بالنهار، على اختلاف أحوال الناس، ويقصد من المبيت الجماع، إلا أنه في بعض الأحيان إذا كان به عذر، أو بها عذر، قصد من المبيت الأنس، والمباسطة، وكونه معها، كما سيأتي إن شاء الله التنبيه عليه.
فيلزمه أن يبيت معها ليلة من كل أربع ليالٍ، ولذلك قال كعب بن سور للرجل الذي جاءت زوجته إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه تشكوه تعريضاً: إن لها عليك حقاً يا رجل تصيبها في أربع لمن عقل فألزمه بليلة من بين أربع ليال.
قال رحمه الله تعالى: (وينفرد إن أراد في الباقي) هذا بالنسبة لإصابة الرجل المرأة، فقد قالوا: يصيبها في كل أربع ليالٍ مرة، وأما بالنسبة للرجل، فإن تضررت بوطئه، فقد أُثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن امرأة اشتكت من بعلها أنه أضر بها، فأجاز له أن يصيبها ثلاث مرات، فجعلهن كالحد إذا تضررت المرأة بالزيادة، وذلك من قبل صلاة الفجر، وحين توضع الثياب من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء، فهذه ثلاثة أوقات، قيل: إنها تنبيه من الشرع على الحد الذي يتفق لغالب الناس، هذا بالنسبة للرجل.
وبالنسبة للمرأة فعلى الرجل في كل ليلة من أربع أن يصيب المرأة إن أمكنه ذلك، ولم يكن ثَمَّ عذر، وعلى المرأة أن تكون له منها ثلاث عورات، إذا كان شديد الشهوة، وتضررت المرأة بكثرة وطئه.
قال رحمه الله تعالى: [ويلزمه الوطء -إن قدر- كل ثلث سنة مرة] ويلزمه -أي: يجب عليه- الوطء إن قدر عليه، بخلاف الذي لا يقدر ككبير السن والزمن، فالشخص الذي لا يقدر لا يكلف؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286]، فدلت هذه الآية الكريمة على أن تكاليف الشريعة كقولنا: (يجب عليه ويلزم به) لا تكون إلا حيث تكون الاستطاعة والقدرة، فإن كان رجل لا يقدر على الوطء، ولا يمكنه الوطء فهذا معذور ويعذر، لكن قال رحمه الله: (إن قدر عليه) أي: إن أمكنته القدرة فيلزمه أن يطأ في كل ثلث سنة مرة؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل حفصة بنت عمر رضي الله عنها: كم تصبر المرأة عن بعلها؟ فقالت رضي الله عنها: ثلاثة أشهر والرابع على مضض، تعني: يخشى عليها الحرام، فأرسل إلى الأجناد ألا يمكنوا الرجل أن يغيب عن امرأته أكثر من ثلث السنة، وهو أربعة أشهر، وهي المدَّة التي جعلها الله عز وجل مدة للإيلاء، وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى، فلا ينقطع عن امرأته هذه المدة؛ لأنه يخشى أن تقع المرأة في الحرام، وكذلك هو لا يؤمن عليه أن يقع في الحرام، فإن رضيت المرأة، وتنازلت عن حقوقها، وطاب خاطرها، وكانت واثقة من نفسها بمعونة الله عز وجل لها، فتساهلت مع زوجها، وأذنت له، وسمح خاطرها، وطاب خاطره أن يغيب عنها أكثر من هذه المدة، فهذا شيء بينهما لا بأس بذلك، ولا حرج، كأن يغيب عنها السنة والسنتين والثلاث لطلب علم، أو لتجارة، أو كسب رزق، أو نحو ذلك، مادامت أنها راضية وواثقة من نفسها.
قال رحمه الله تعالى: [وإن سافر فوق نصفها وطلبت قدومه وقدر لزمه، فإن أبى أحدهما فرق بينهما بطلبها] أي: إن سافر فوق نصف السنة، وهو معنى قوله: [إن سافر فوق نصفها]، وطلبته وقدر، أي: قالت له: أريدك أن تأتي وقدر أن يأتي فيجب عليه أن يرجع من سفره؛ لأن الضرر يزال، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار)، وهو حديث أجمع العلماء على صحة متنه؛ لأن النصوص في الكتاب والسنة كلها تدل دلالة واضحة على صحته، فهذا أصل في أنه لا يجوز للرجل أن يضر بالمرأة، ولا أن يتسبب في الإضرار بها، فسفره مضر بها، والنهي عن الشيء نهي عن أسبابه، فالله نهى عن الضرر، وسفره هذا فيه ضرر، فيجب عليه أن يعود إلى زوجته، وأن يقوم بحقوقها.
وقوله رحمه الله تعالى: [فإن أبى احدهما فرق بينهما بطلبها] فإن سافرت وطلبها أن تعود، أو سافر وطلبت منه أن يعود، فحينئذٍ إن رجع فلا إشكال، وإن لم يرجع واشتكى صاحب الحق إلى القاضي أو إلى الحاكم، فإن الحاكم يفرق بينهما؛ لأن هذا حد جاوز الضرر مثل فرقة الإيلاء.

آداب الجماع

يقول رحمه الله: [وتسن التسمية عند الوطء وقول الوارد] وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإن قدر بينهما ولد فلن يضره الشيطان)، فهذا من الذكر الوارد المحفوظ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، فيقول: باسم الله؛ لأن اسم الله بركة، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:78]، فالله جعل في اسمه البركة، والبركة زيادة الخير، فإذا سُمى الله تعالى على شيء وضع الله فيه البركة، فإن سَمَّى على جماعه اعتزل الشيطان لمكان ذكر الله عز وجل فيقول هذا الدعاء الوارد.
يقول رحمه الله: [ويكره كثرة الكلام، والنزع قبل فراغها] هذه كلها آداب يذكرها العلماء في آداب الجماع، والشريعة الإسلامية شريعة كاملة، كما قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:3] فهذا الدين الذي رضيه الله عز وجل تنزيل من حكيم حميد، أتمه وأكمله فأحسن إتمامه وإكماله، فالمسلم في ليله وفي نهاره، حتى في فراشه مع زوجته، يذكر الله سبحانه وتعالى ويتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتدي به، ويتأسى به فيما يقال من الوارد وفيما يُحفظ من الهدي.
فكره العلماء كثرة الكلام أثناء الجماع، ولا يحفظ في ذلك نص، وإنما هو قياس بعض العلماء إذ قالوا: إن الجماع مثل قضاء الحاجة، ومن آداب قضاء الحاجة قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يذهب الرجلان يقضيان الغائط أو يقضيان الحاجة يكلم احدهما الآخر فإن الله يمقت ذلك)، فجعل المقت على الكلام عند قضاء الحاجة، قالوا: والجماع حاجة، فلا يستحب الكلام أثناء الجماع فالكلام أثناء الجماع ليس في النهي عنه نص صريح، لكن فيه قياس واجتهاد، وهذا القياس له وجهه عند من يصححه ويعتبره.
إلا أن بعض العلماء رحمهم الله ضعف هذا، وقال: فرق بين كلام وكلام.
فإن الكلام أثناء الجماع قد يكون من المعاشرة بالمعروف، وقد يكون من التحبب والتلطف مما يعين على مقصود الشرع من حصول الألفة بين الزوج والزوجة، فقالوا: إن في هذا سعة، والأمر واسع في هذا، وليس هناك نص كما ذكرنا؛ فمن يصحح القياس ويعمله يقول بما ذكرناه، وإلا فالأصل الجواز خاصة إذا انبنى عليه ما ذكرناه من المصالح الشرعية.
قوله رحمه الله تعالى: [والنزع قبل فراغها] أي: يكره النزع قبل فراغ المرأة؛ لأن الرجل ربما أنزل قبل أن تنزل المرأة، فيكون قد أصاب شهوته ولم تصب المرأة شهوتها، ونبه العلماء على ذلك لما فيه من المفاسد، والعواقب الوخيمة، فإن المرأة تكره زوجها حينئذٍ، وتحس أنه يريد قضاء حاجته فقط، وأنه لا يلتفت إليها، ولا يريد أن يحسن إليها، ويكرمها في عشرته لها، فلربما حقدت عليه، ودخل الشيطان بينهما فأفسدها عليه، فيشرع بناءً على مقاصد الشرع العامة من حصول السكن والألفة، فعليه أن يعطي المرأة حقها، وأن يمكنها من الإنزال فلا ينزع قبل أن تنزل المرأة؛ لأن ذلك أبلغ في الحظوة، وأبلغ في المحبة، وأبلغ في المودة، ومقصود الشرع تحصيل ذلك، وتحصيل الأسباب المعينة عليه.
قال رحمه الله: [والوطء بمرأى أحد] أي: ليتجنب والوطء بمرأى أحد؛ لأن الله أمر بستر العورات، فقال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف:31]، فأمر بستر العورة، وامتن على عباده باللباس والستر الذي يواري السوءات ويحفظها، وفي حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين في قصة المعذبين في قبورهما، قال صلى الله عليه وسلم: (أما احدهما فكان لا يستتر من بوله)، قال بعض العلماء: (لا يستتر) أي: أنه يبول فتنكشف عورته، فيبول أمام الناس ولا يستر عورته، فجُعل الوعيد في القبر على كشف العورة -والعياذ بالله- والتساهل فيها، وهذا قول عند بعض العلماء، وإن كان الصحيح القول المشهور أنه عدم الاستنزاه وقطع البول، فقد كان يستعجل في ذلك ولا يستبرئ كما جاء صريحاً في الروايات الآخر.
إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز للرجل أن يجامع زوجته، أو يقع الجماع في موضع لا يؤمن فيه نظر الغير، وكذلك لا يجوز للزوجين أن يتساهلا في كشف العورة، أو وقوع الجماع على مرأى، أو مسمع من الأبناء أو البنات، فإن ذلك من أعظم ما يضر بالأولاد ولربما أفسدهم، خاصة إذا كانوا في سن صغيرة، فإن له عواقب وخيمة، وأضراراً نفسية تضر بالولد ذكراً كان أم أنثى، فلا ينبغي أن يجامع المرأة بجوار أولادها، أو جوار أبنائها، وعليه أن يتعاطى أسباب حفظها، وحفظ عورته وعورتها.
فأصول الشريعة وأدلة الشريعة كلها تدل من حيث العمومات على أنه لا يجوز للمسلم أن يتساهل في عورته، بل عليه أن يحفظ عورته، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك) فأجاز له كشف العورة للزوجة أو الأمة، ومفهوم ذلك أنها لا تحل لغيرهما.
فلا يجوز أن يجامع ويواقع في مكان لا يأمن فيه النظر، كأماكن الطرقات، والسابلة، أو يكون في موضع لا يأمن فيه من دخول الغير، وهجوم الغير عليه، خاصة إذا كان مكاناً مختلطاً، أو لا يأمن من دخول الأبناء والبنات، ونحو ذلك، كل ذلك ينبغي تعاطي الأسباب فيه.
قال رحمه الله: [والتحدث به] أي: وليتجنب التحدث بالجماع، كأن يتحدث الرجل بما يكون بينه وبين المرأة، أو تتحدث المرأة بما يكون بينها وبين زوجها، وهذا لا شك يدل دلالة واضحة على ذهاب المروءة وقلة الحياء وصفاقة الوجه -نسأل الله العافية- فإن من لا يستحيي لا يستغرب منه ذلك، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، فالذي لا حياء عنده -بل ولا عقل عنده- هو الذي يقول هذا، فإن أمور الزوجية أسرار، ولا يجوز أن تباح، والأسرار أمانة، فينبغي للزوج أن يحفظ أسرار زوجته، وللزوجة أن تحفظ أسرار زوجها، وكم من امرأة صالحة دينة اطلعت على خلل من زوجها في الفراش، وصبرت وصابرت واحتسبت، ولم تُطلع على ذلك أحداً حتى في حال أذية الزوج لها، تكتم ذلك ولا تفشي له سره، ترجو رحمة الله عز وجل، وتحس أن هذه أمانات، فتخاف من الله عز وجل إذا أفشتها، أو لمحت بها، أو اطلع الغير عليها، وكذلك بالنسبة للرجل مع المرأة لا يجوز له أن يفشي هذه الأسرار، ولا يتحدث بكيفية إتيانه لأهله، أو بالأمور الخاصة التي بينه وبين زوجه، كل ذلك من الأمانات التي ينبغي على الزوج أن يحفظها، وعلى الزوجة أن تحفظها.

وجوب تخصيص مسكن مستقل لكل زوجة

قال رحمه الله: [ويحرم جمع زوجتيه في مسكن واحد بغير رضاهما] أي: ويحرم جمع زوجتين في مسكن واحد؛ والسبب في هذا أن الزوجة مع ضرتها تغار، وإذا كان المسكن قريباً أو مشتركاً بينهما، فإن الغيرة تكون أشد، ولربما وصلت إلى الحقد، وإلى الأذية، وإلى الإضرار.
فمثل هذه الأشياء تحدث الأذية بين الزوجات والإضرار، والنهي عن الشيء نهي عن وسائله، والقاعدة: أن الوسائل تأخذ حكم مقاصدها، فجمعهما في مسكن واحد وسيلة إلى شر، ووسيلة إلى فتنة، وإلى ضرر، فينهى عنه، ويمنع منه.
وأجاز بعض العلماء أن يجمع بينهما في سكن واحد في حالات الضرورة، أو إذا رضيت الزوجتان وأمن الضرر بينهما، وإذا كان الرجل لا مال له، ولا يستطيع أن يجد سكناً، وقد يقع هذا في بعض الأحوال الخاصة، كالنزول في الأماكن التي لا بناء فيها، كأن لا يكون عنده إلا خباءين.
فالشاهد: أنه إذا وجدت الحاجة والضرورة فإن العلماء يرخصون في هذا على قدر الحاجة والضرورة.

عدم خروج المرأة إلا بإذن زوجها

قال رحمه الله تعالى: [وله منعها من الخروج من منزله] هذا حق من حقوق الرجل على امرأته أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، وقال كما في الصحيح: (إذا استأذنت أحدكم امرأتُه المسجد فليأذن لها) فقوله: (إذا استأذنت أحدكم امرأتُه المسجد) يدل على أنها لا تخرج إلا بإذن زوجها، فإذا كان الإذن للصلاة فمن بابٍ أولى غير الصلاة، فلا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها إلا إذا استأذنت بعلها وزوجها، فإن إذن لها خرجت، وإن لم يأذن لها فإنه يجب عليها أن تلزم بيتها بيت الزوجية، وأن لا تخرج منه، ونص على هذا جماهير العلماء رحمهم الله أنه لا يجوز خروج المرأة من بيتها إلا بإذن زوجها، وأما إذا خرجت بدون إذنه فقد عصت، ويعتبر خروجها من بيتها بدون إذن زوجها استرجالاً وخروجاً عن حق الطاعة، فهي بهذا مسترجلة على زوجها، خاصة إذا قالت له: لا سمع ولا طاعة، أو قالت: أنا حرة أفعل في نفسي ما أشاء، فإن قالت هذا، فإنها مسترجلة عليها لعنة الله ورسوله؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله المسترجلات).
فمن الأخطاء التي يقع فيها بعض النسوة أصلحهن الله ما يقع منهن من مشابهة الكفار، ونساء الكفار، واسترجال النساء، ومحاولة المرأة أن تكون كالرجل سواءً بسواء، دون أن تشعر بحق قوامته عليها، فإن هذا كله مما يوجب سخط الله وغضبه، فينبغي على المرأة أن تخاف من الله عز وجل وأن تتقي الله عز وجل، وأن تعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن تصلح الأمور إلا بفطرة الله التي فطر الناس عليها وجبلهم عليها، فالمرأة لا تستقيم حياتها إلا مع بعلها، إذا كانت تحته سامعة له ومطيعة، ولا يستقيم أمر المرأة مع الرجل إلا إذا اتقى أيضاً الرجل ربه، وأحس أنها أمانة في عنقه، ومسئولية يسأل عنها بين يدي الله ربه فليتقِ الله فيها، فإذا علم كل منهما حق الآخر وأداه استقامت الأمور.
أما أن تخرج المرأة عن طورها، وتحاول أن تشابه الرجال، ولا تعترف لزوجها بحق، أو تقول: ليس لك عليَّ أمر، فأنا أفعل بنفسي ما أشاء، وأنا حرة في نفسي، وهكذا تفعل مع إخوانها وأوليائها إذا كان لها أخ أكبر منها، أو كان لها أب، فكل ذلك من العصيان والتمرد، ومن الاسترجال نسأل الله السلامة والعافية.
فعلى المؤمنة أن تتقي الله عز وجل، وأن تحذر من مشابهة الكافرات والعاهرات والساقطات اللاتي لا حياء عندهن، وألا تجاريهن في الأخلاق الرديئة، فإن من أحب قوماً وصنع صنيعهم حشر معهم والعياذ بالله.
فأمور النساء لا تستقيم إلا بالقوامة، فإذا أحست المرأة بحق بعلها حفظت هذا الحق، فلا تخرج من البيت إلا بإذنه، وإذا شعر الرجل أن امرأته تحته، وأحس بهذا الحق الذي له عليها، فإنه سرعان ما يستجيب لكثير من الأمور، ويحصل شيء من الود والمحبة والألفة بين الزوجين، والعكس بالعكس، فإن الرجل متى ما شعر من المرأة أنها مستعلية عليه، فإنه سيتخذ أموراً قد تكون سبباً في هدم بيت الزوجية، فالواجب على المرأة أن تطيع زوجها، ولا تخرج من بيته إلا بإذنه، ويجب عليه أن يتقي الله في هذا الحق، فكما أن النساء مطالبات بحفظ حق القوامة وعدم الخروج من البيت إلا بإذن الرجل، كذلك ينبغي على الرجل أن لا يستغل ذلك، وأن يتقي الله في امرأته وزوجه، فلا يأمرها بعقوق الوالدين، فيمنعها عن والديها إذا كان هناك مناسبة، أو أمر موجب لزيارة الوالد أو الوالدة لمرض، أو حاجة، أو تحتاج أمها أن تراها، أو يحتاج أبوها أن يراها، وهو مريض، أو نزل به شيء، أو كانت هناك مناسبة جرى العرف أن تكون شاهدة فيها، فعليه أن يساعدها على ذلك، وأن يعينها على ذلك، وأن يهيئ لها من الأسباب ما تصل به الرحم وتبلها ببلالها.
فالمقصود: أنه لابد من التعاون من الطرفين، فالإسلام لم يعط الرجل حق القوامة بدون قيد، وإنما له حق القوامة مع تقوى الله عز وجل، ولذلك بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم هذا بقوله: (إذا استأذنت أحدَكم امرأتُه إلى المسجدَ فليأذن لها)، فنهى عن استغلال حق القوامة.
فلا ينبغي استغلال مثل هذه الحقوق، بل ينبغي العدل الذي أمر الله به وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، وينبغي وضع الأمور في نصابها، وأن يعلم كلٌّ منهما أن الله سائله عن حق الآخر ضيَّع أو حفظ.

أحوال يستحب للرجل فيها الإذن لزوجته بالخروج

قال رحمه الله تعالى: [ويستحب إذنه أن تمرض محرمها وتشهد جنازته] ويستحب له أن يأذن لزوجته أن تمرض قريبها المحرم، تكون معه في مرضه كمرض الموت، أو الأمراض الشديدة، كأن يمرض والدها وليس له مرافق في مرضه، فيأذن لها أن تكون مع والدها، ويذهب بها إليه، فالرجل الكامل الفاضل هو الذي زينه الله عز وجل بمكارم الأخلاق ليكون من خيار المؤمنين؛ كما شهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو أحسن المؤمنين وأكملهم خلقاً بذلك حين قال: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً).
فينبغي على الرجل إذا علم بمرض والد زوجته، أو علم أن والدتها تحتاج إليها، فإن من مكارم الأخلاق، ومَحاسن العادات، بل ومما يُحْمَد ويكون له أطيب الأثر أن يبادر المرأة بنفسه وألَّا ينتظر من المرأة أن تقول له: أريد أن أذهب؛ فهذا هو صنيع الأخيار والصفوة الأبرار، الذين هم موفقون ومسددون في أمورهم، لا ينتظر منها ذلك القول؛ بل هو الذي يقوم بأخذها والذهاب بها إلى والدها، فإن أخبرت أهلها أنه هو الذي جاء بها أو أنه هو الذي أمر، فكم سيكون له من صالح الدعوات! وكم سيكون له من المحبة والقبول عند أهلها! وهذه كلها أمور محمودة وعواقبها طيبة.
فينبغي للمسلم أن يكون على أكمل الأحوال ولذلك قالوا: لا يكون المؤمن على أكمل الإيمان إلا إذا كان في صفاته وأحواله على أكمل الأحوال.
فإذا كان صهراً لقوم كان خير صهر لصهره، وإذا كان زوجاً لامرأة كان خير زوج من خيار الأزواج لزوجاتهم، فهذه دائماً مراتب معالي الأمور.
فإذا علم أن هناك قريباً لها يحتاج إليها، وتأمن الفتنة في وجودها معه، فحينئذٍ يذهب بها إليه، إلا أنه قد توجد بعض المعوقات كوجود بعض الفتن في بيت القريب، فإن أمكن الزوج أن يسيطر على ذلك، ووثق من زوجته، فليذهب بها، وليوصها بتقوى الله عز وجل، وإذا كانت لا تستطيع أن تأمن الفتنة، ولا يستطيع هو، وأمكن أن يذهب معها، فليساعدها على صلة الرحم، وليكن حافظاً لحق الله عز وجل في تلك الصلة.
فهذه أمور يحتاج كلا الزوجين أن يتفاهما فيها، ولا يستطيع الإنسان أن يضع لها حداً معيناً، إنما المقصود وجماع الخير كله أن يتقي الله كلٌّ منهما في حق الآخر.
قال رحمه الله تعالى: [وتشهد جنازته] أي: أن تراه بعد تكفينه، ففي بعض الأحوال إذا توفي الرجل، فإن البنت تحب أن ترى والدها بعد تكفينه وتغسيله فتشهد جنازته، بمعنى: تلقي عليه النظرة، كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين كشف وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقبَّله، وقال: (طبت حياً وميتاً)، فإذا أرادت أن تسلم على والدها بمعنى أن تقبله وهو ميت، أو قريبها المحرم، فأخذها من أجل أن تلقي عليه النظرة، أو نحو ذلك فلا بأس، أما أن تخرج معه في الجنازة، فالمرأة لا تشيع الجنازات، ولا تشهد الجنازة.

مدى سلطة الرجل على زوجته

قال رحمه الله تعالى: [وله منعها من إجارة نفسها ومن إرضاع ولدها من غيره إلا لضرورته] قوله: (وله منعها من إجارة نفسها) أي: أن للزوج أن يمنع الزوجة من إجارتها لنفسها؛ أي: من عملها، فيأمرها أن تجلس في البيت ويقوم بالنفقة عليها، فإذا أمر الزوج زوجته أن تجلس في البيت وجب عليها أن تجلس، ولا يجوز لها أن تمتنع وتعصيه، فإن عصته فقد عصت الله ورسوله.
ثم إذا أمرها أن تجلس في بيته وقام بحقوق النفقة، فلا يجوز لها أن تؤذيه، فتجلس في البيت وتظهر له التسخط والتمرد والتبرم والتأثر من منعه لها، فلا ينبغي لها أن تفعل هذا؛ لأن المرأة سكن للرجل، وجعل الله عز وجل خيرها في بيتها، فإذا لزمت بيتها وقرت في قرارها، وقامت على بيت الزوجية، وأصلحت أبناءها وبناتها، فهذه هي رسالتها الأولى، وهذا هو حقها الأوجب الآكد.
فإذا لم يكن للمسلم أن يبر خالته ويعق أمه، فكيف تذهب للغرباء وتترك الأقارب وتترك أبناءها وفلذات كبدها لمرأة أجنبية تربي أولادها؟! فإذا أمرها زوجها أن تجلس في البيت وتربي الأولاد، فعليها السمع والطاعة بنفسٍ مطمئنة، وترضى بما أمرها به زوجها، فلعل الله أن يجعل لها في ذلك خيراً كثيراً.
فكم من امرأة خرجت فرأت من الفتن ما تمنت أنها لم تخرج، وكم من امرأة مكثت في بيتها فبارك الله لها في مجلسها وبقائها في بيتها، وهذه الأمة يوم أن كانت في أوج عزها وكرامتها كانت المرأة ماكثة في بيتها، وكلنا يعلم أن خروج المرأة ليس بشرط في سعادة الأمة ولا في كمالها، بل إن سعادة الأمة في بعد المرأة عن الفتن وسلامتها عن فتنتها وفتن غيرها، فقد قالت فاطمة رضي الله عنها: (خير للمرأة أن لا ترى الرجال، ولا يراها الرجال) فإذا أخذت الرجل الغيرة وقال لها: يا أمة الله! اجلسي في بيتكِ، فقالت: سمعاً وطاعة، أثابها الله على سمعها وطاعتها، وبارك لها في مجلسها؛ لأن هذا من تقوى الله، ومن اتقى الله جعل له فرجاً ومخرجاً، فحينئذٍ قد يضع الله البركة لها في القليل الذي يكون من زوجها، فيكون خيراً لها من كثير لا تحمد عاقبته.
ولا يعني هذا أنه لا يجوز لها أن تخرج، وإنما الكلام هنا عن الأصل الشرعي، فالأصل الشرعي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:33]، والأصل الشرعي أن تحفظ أبناءها وبناتها وتقوم على تعليمهم وتربيتهم وتوجيههم، وهم أمانة في عنقها، ولا تستطيع المرأة أن تتصور عظيم الخسارة التي يُمنى بها أولادها وبناتها حينما تترك البيت وتذهب خارجة لغير رسالة البيت وتفرط في حق البيت.
فلتتصور لو كانت أمها تتركها في البيت فكيف سيكون حالها؟ ولو أنها نشأت في بيت لا ترى أمها إلا حين رجوعها من العمل، وهي في حالة منهكة مجهدة لا تستطيع أن تتبسم لها، ولا أن تعطيها حناناً، ولا أن تقوم عليها بشأن، وقد تركتها إلى أجنبية فكيف يكون حالها؟ فإذا طلب الزوج المرأة أن تبقى في بيتها فعليها أن تتقي الله، وأن لا تعارض وأن لا تمانع، وأن لا تقول لزوجها: دمرت مستقبلي، فإن مستقبل المرأة في تقوى الله عز وجل، وفي خوفها من الله ومراقبتها لله سبحانه وتعالى، وقيامها بحقوق بيتها وحقوق زوجها، وليس مستقبلها موقوفاً على خروجها من البيت، وإلا ما قال الله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:33].
فالأصول كلها دالة على أن من حق الزوج أن يحفظ زوجته في بيته، فإذا خرجت المرأة وأصرت، فقد عصت زوجها، وإذا عصته على هذا الوجه، وقد أمرها أن تقر في بيتها، فإنها آثمة في ذلك الخروج، وآثمة في تلك الإجارة، ولا يجوز للغير أن يعينها على إجارتها المحرمة على هذا الوجه، وعليها أن تسمع وأن تطيع، وكذلك توصي المؤمنة أختها إذا علمت أن زوجها لم يأذن لها بالعمل، ولم يأذن لها بالوظيفة، فإن عليها أن توصيها وتذكرها بالله عز وجل أن تبقى في بيتها، وأن لا تصر على معارضته، وتنهاها عن النشوز عنه بمعصيته في هذا الأمر.
فإن الزوج إذا دعا امرأته أن تمكث في البيت، فلربما دعاها خوفاً عليها من الفتنة، وهذه غيرة شرعية، ومن حقه أن يغار، والرجل الكامل هو الذي يغار، وقد يأمرها بالبقاء في بيتها لمصلحة أولادها، فأولادها بدونها يضيعون، ولا يمكن لأي امرأة أن تحسن بحنان الأمومة ما لم تكن مع أولادها، ولا يمكن لأي ولد أن يجد حنان الأمومة من غير الأم، فضياع هذا الحق يضر بالأولاد وينشئون وقد تقطعت الأواصر بينهم وبين الوالدين، ولهذا كله نتائج عكسية لا تحمد عقباها، فإن نظر إلى أن خروج زوجته فيه نفع لبنات المسلمين، وعلم أنها حافظة لدينها، حافظة لمروءتها، بعيدة عن الفتن، وقام على ذلك على أتم الوجوه وأكملها، وأرادها أن تبقى في ذلك فلا بأس، وهو مأجور على ذلك إذا كان قصده أن تعلم بنات المسلمين الخير، فإن الله يأجره على هذه النية الصالحة، ويعتبر من الأعمال الطيبة، ولا بأس بذلك إنما المقصود حين يرى الزوج أن المصلحة بقاؤها فينهى الزوجة أو يمنعها، فما على الزوجة إلا أن تسمع وتطيع.
قال رحمه الله: [ومن إرضاع ولدها من غيره إلا لضرورته] أي: لو أمرها أن ترضع ولده، ونهاها أن ترضعه من غيرها، فإنه يجب عليها أن تسمع له وتطيع، إلا من ضرورة وحاجة، فإذا كان عندها ضرورة وحاجة توجب لها أن تصرف الولد إلى غيرها فحينئذٍ لا بأس.

شرح زاد المستقنع -

باب عشرة النساء [2]

يجب على الزوج أن يعدل بين نسائه في المبيت دون الوطء، فيعطي كل واحدة، سواء كانت حائضاً أو مريضة أو مجنونة أو نحو ذلك، ولا يجوز له أن يفضل واحدة على غيرها أو ينقص واحدة من حقها أبداً، إلا إذا وجد سبب شرعي، كسفر ونحوه، أو وهبت قسمها لغيرها من نسائه.
وإن نشزت عليه زوجته وعظها، فإن لم ينفع هجرها في المضجع، فإن لم ينفع ضربها ضرباً غير مبرح.

أحكام المبيت والقسم بين الزوجات

وجوب المساواة في القسم دون الوطء

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصل: وعليه أن يساوي بين زوجاته في القسم لا في الوطء] أي: على الرجل أن يساوي بين الزوجات في القسم -وهو المبيت- فيبيت عند كل واحدة مثل الثانية، فيقسم بينهن إن كنَّ أربعاً فلكل واحدة ليلة، ولا يفضل إحداهن على الأخرى فيبيت عند إحداهن ليلتين فيزيدها في المبيت، فلا يجوز له ذلك، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (من كانت له زوجتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل)، واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فقال بعض العلماء: شقه مائل، أي: يأتي مشلولاً -والعياذ بالله- فيبعث ونصفه مشلول، وقال بعض العلماء: (جاء يوم القيامة وشقه مائل) أي: أن كفة السيئات تزيد على الحسنات، بمعنى أنه سيصيب من ذلك الإثم شيئاً كثيراً؛ لأن المرأة ظلمها عظيم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (إني أحرج حق الضعيفين المرأة واليتيم)، والسبب في هذا أن المرأة فيها من المشاعر والضعف والرحمة والحنان ما ليس في الرجل، فالغلطة من الرجل والأذية والإضرار -خاصة بينها وبين ضرتها كأن يعطي ضرتها أكثر مما يعطيها- يحدث عندها نوعاً من الألم والأذية أكثر من غيرها؛ لأنها تحس بنقصها في أنوثتها وعدم حظوتها عند زوجها، وتحس أن زوجها يكرهها، فتتولد عندها أمور كثيرة، ولربما أضرت بالزوجة الثانية بسبب هذا الظلم، فأصبحت أذيتها للزوجة الثانية ناشئة بسبب تفضيل الزوج لهذه الزوجة الثانية، وحينئذٍ ينال إثم إضرارها، وإثمها إذا ضرت الغير بسبب إضراره لها.
فبسبب هذا تكون الذنوب عظيمة عليه، فكأنه ينال إثماً عظيماً حتى ترجح كفة سيئاته على حسناته، والله أعلم بالمراد، وغاية ما فيه أنه أمر عظيم، فينبغي على المسلم أن يتقي الله، فالعدل الذي يجب على الرجل العدل في القسم، وفي الحقوق كالنفقات ونحوها، فيقسم بينهن بالسوية.
ولقد كان السلف رحمهم الله يبالغون في هذا العدل أيما مبالغة، وأثر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه إذا كانت الليلة لإحداهن لا يدخل بيت الثانية في ليلة الأخرى، خشية أن يحدث عندها شيئاً لا يحدثه عند الأخرى فيكون تفضيلاً عليها، فالأمر عظيم في قضية العدل بين الزوجات، ولا يستطيع الإنسان أن يعدل إلا إذا وفقه الله عز وجل، فعليه أن يعدل بين نسائه في القسم في المبيت، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم وعدل ولنا فيه أسوة حسنة.
قوله رحمه الله تعالى: [في القسم لا في الوطء] وذلك لأن الوطء يتبع المحبة والقلب، فربما كانت إحداهن أجمل، فكان وطؤه لها أكثر من غيرها، فالعماد هو القسم في المبيت، وهذا أمر قرره العلماء، والأصل في ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء:129] فقالوا في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:129] قالوا: إنما هو قسم القلوب، فإن المحبة التي في القلوب، والتي ينشأ عنها حظوة الجماع، وحظوة الإتيان، تختلف من امرأة إلى أخرى، وتختلف بحسب أساليب النساء، فالمرأة التي أخلاقها كريمة ومؤدبة مع زوجها، وحظية مع زوجها ليست كالمرأة الشديدة والقوية، فهذا يختلف من امرأة إلى أخرى، فإذا جامع إحداهن أبلغ من جماعه للأخرى فإنه لا ملامة عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) وهو القلب.
قال رحمه الله تعالى: [وعماده الليل لمن معاشه النهار، والعكس بالعكس].
أي: وعماد القسم في الليل، فيبيت عندها ويصيبها لمن معاشه النهار، وهذا هو الأصل، فإن الله جعل الليل لباساً وجعل النهار معاشاً، فإن اختلف الحال فصار نهاره راحة وصار ليله عملاً فحينئذٍ يكون قسمه بالنهار؛ لأنه لا يستطيع أن يعطي حقوق النساء في المبيت، فيكون قسمه بالنهار، فيكون العماد على النهار، وهذا يختلف بحسب اختلاف الأشخاص وأحوالهم.

من تستحق القسم من الزوجات

قال رحمه الله تعالى: [ويقسم لحائض ونفساء ومريضة ومعيبة ومجنونة مأمونة وغيرها].
أي: إذا حاضت إحدى نسائه فعليه أن يقسم لها، فيبيت معها ويباشرها ولا يجامعها، فلها حق أن يبيت معها، فلا يقل قائل: إن الحائض لا يجوز جماعها فيسقط حقها في المبيت، إذ لو سقط حقها في المبيت، فمعنى ذلك أنه لا يبيت عندها، وله الحق أن يعطي ليلتها للأخريات، فلو كان عنده أربع نسوة فإنه سيقسم على ثلاث منهن ويسقط حق الحائض، والواقع أنه لا يسقط حق الحائض، ونص على ذلك جماهير العلماء رحمهم الله، فالمرأة الحائض يبيت معها ويكون هذا المبيت مبيت المباسطة والأنس، وهو حق من حقوقها.
قوله: (ونفساء) أي: يقسم كذلك للنفساء.
قوله: (ومريضة)؛ فالمريضة يبيت معها، وهي أحوج إلى وجوده الذي يحقق معاني كثيرة من وجود الأنس وتخفيف الألم بمواساتها ونحو ذلك.
قال رحمه الله تعالى: [ومعيبة] والمعيبة لو كان بها عيب يمنع الوطء كذلك لها حق المبيت.
قال رحمه الله تعالى: [ومجنونة مأمونة] وللمجنونة حق المبيت بشرط أن لا يكون جنونها مضراً، كأن تضره وتؤذيه، أما لو كانت تضره ولا يستطيع أن يبيت معها، فحينئذٍ يكون من حقه أن يعتزلها خوفاً من الضرر.
قال رحمه الله: [ومجنونة مأمونة وغيرها] [وغيرها] يعني: ممن هي في حكم هؤلاء، فالقسم لازم في هذه الأحوال، وكذا مستحاضة من باب أولى وأحرى، خاصة على القول بأن المستحاضة توطأ، فهؤلاء النسوة وجود هذا العيب فيهن لا يمنع من القيام بحق القسم.

أسباب سقوط القسم والنفقة عن الزوج

قال رحمه الله: [وإن سافرت بلا إذنه، أو بإذنه في حاجتها، أو أبت السفر معه، أو المبيت عنده في فراشه، فلا قسم لها ولا نفقة] بعد أن بين الواجب على الرجل تجاه نسائه من القسم والعدل، شرع في المسائل المستثناة، وكنا ننبه غير مرة أن من عادة الفقهاء أن يذكروا الأصول، ثم يذكروا بعد ذلك ما يستثنى من الأصول، فهنا نوع من النسوة يسقط حقهن في القسم.
فبعد ذكر النوع الذي لا يسقط حقه في القسم، شرع رحمه الله تعالى في النوع الذي يسقط حقه في القسم.
فمن ذلك أنها إن سافرت بغير إذنه، فحينئذٍ يسقط حقها في القسم، فلو كان عنده زوجتان فسافرت إحداهما من دون إذنه وبدون رضاه، فإنه يبيت عند الثانية في الليالي كلها، ويسقط حق المسافرة في القسم، فلا يحق لها أن تطالب بالعوض، إذا رجعت من السفر، فلا تقل: اقسم لي ما فاتني! فقد سقط حقها بسفرها، لأنه سفر غير مأذون، فإذا لم يأذن لها سقط حقها.
قوله رحمه الله تعالى: [أو بإذنه في حاجتها] إن كان السفر بإذنه فإنه لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: إما أن يكون السفر بإذنه لحاجتها هي، كأن تسافر لأم مريضة، أو والد مريض، أو غيرهما من محارمها؛ لتصل رحمها وتقوم على حوائجهم، أو سافرت لتعالج نفسها، فهذا السفر لحاجتها، فحينئذٍ إذا سافرت مع مريض، أو لحاجتها، أو حاجة قريبها، فإنه يسقط حقها، ولا يحق لها أن تقول لزوجها بعد رجوعها: اقسم لي، ردّ لي حقي! فحقها في القسم ساقط إذا سافرت بغير إذنه، أو سافرت بإذنه لحاجتها.
الحالة الثانية: أن يكون سفرها بإذنه لحاجته هو، فحينئذٍ لا يسقط حقها؛ لأنه يمكن أن يرسلها ويبقى مع الثانية.
فإن كان حقها يسقط بسفرها في حاجته، فقد يحتال عليها، فكلما استقرت أرسلها ليسقط حقها.
فما دام هو السبب في إبعادها، فإذن لابد أن يقسم لها، ففي هذه الحالة يلزمه أن يرد لها من قسمها ما فات بسببه؛ لأنه هو السبب في ذلك، فلو سافرت في حاجته يومين، أو ثلاثة أيام، فإن الثانية أخذت اليوم الزائد، فإن رجعت أخذت ما فاتها من الأيام، بمعنى أنه يقضي لها ما فاتها من الأيام، فإن سافرت في ليلتها ورجعت في ليلة الثانية، فحينئذٍ تنتظر، فيبيت مع الثانية ليلتين، ثم يبيت مع الثانية ليلتين، ليلة يقضي لها بها ما فاتها في السفر، وليلة يعطيها بها حق القسمة.
قوله رحمه الله تعالى: [أو أبت السفر معه] من السنة إذا أراد الرجل أن يسافر وعنده امرأتان، فإن أمكنه أن يصحبهما معاً، وأن يخرجا معه فلا إشكال، والقسم حينئذٍ في السفر كالقسم في الحضر، فيقسم لهن في سفرهن كما يقسم لهن في حضرهن، فإن سافر بالاثنتين وقسم بينهما فقد عدل، وإن سافر سفراً لا يستطيع معه أن يصحب واحدة منهن، وترك الاثنتين، فإنه إذا رجع قسم بينهما بالعدل، ولا إشكال في ذلك أيضاً، لكن الإشكال إذا سافر بإحداهما دون الأخرى.
فإن سافر بإحداهما دون الأخرى، فإن كانت الأخرى هي التي امتنعت، وقالت: لا أريد أن أسافر، سقط حقها، كرجل أراد أن يعتمر، فقال لزوجتيه: أريدكما أن تذهبا معي إلى العمرة، فقالت إحداهما: أذهبُ، وقالت الأخرى: لا أريد أن أذهب، فإن امتنعت سقط حقها، فإذا رجع فليس عليه أن يقضي لها الأيام التي سافر فيها؛ لأنها أسقطت حقها بالامتناع من الخروج.
وإن كان لا يمكن أن يسافر إلا بواحدة، وكلتاهما تريد الخروج فلذلك حالتان: الحالة الأولى: يكون سفره مرتباً، بحيث يمكن العدل معه، فيأخذ هذه لسفرة والثانية لسفرة، وذلك إن كان سفره مرتباً أياماً معينة ويمكن معها القسم، وانتظام القسم، فحينئذٍ لا إشكال أن يسافر بهذه تارة، وبهذه تارة، ويحقق العدل.
الحالة الثانية: أن لا يمكن الترتيب وذلك في السفر العارض، فإذا لم يمكنه الخروج بهما أقرع بينهما، فمن خرجت لها القرعة، فحينئذٍ تخرج ويسافر بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر بنسائه أقرع، فإذا عاد لم يقسم للتي لم تخرج، فهذا هو هديه عليه الصلاة والسلام.
ومن هنا أخذ العلماء مشروعية القرعة عند تساوي الحقوق، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما تساوت حقوق زوجاته فرق بينهن بالقرعة، فدل ذلك على مشروعية القرعة لتمييز الحقوق حين تستوي ولا يمكن التمييز بينها.
قوله رحمه الله تعالى: [أو المبيت عنده في فراشه، فلا قسم لها ولا نفقة] أي: إذا أبت أن تبيت عنده في فراشه فلا قسم لها، ويسقط حقها في القسم.
أما النفقة فإن المرأة إذا نشزت عن زوجها، وامتنعت من فراشه، فإنه يسقط حقها في النفقة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:24]، وإيجاب النفقة من شروطه وجود الاستمتاع، فالمرأة التي تمكن زوجها من الاستمتاع بها تستحق النفقة، والمرأة التي تنشز وتمتنع من حقوق زوجها، ولا تمكنه من نفسها وتأبى عليه، يسقط حقها في النفقة.

التبرع بحق القسم

قال رحمه الله: [ومن وهبت قسمها لضرتها بإذنه، أو له، فجعله لأخرى جاز] قوله: (ومن وهبت قسمها) يعني: ليلتها، وقد يقسم على ليلة، وقد يقسم على ليلتين، وقد يقسم على ثلاث، على حسب ما يتفق عليه النساء، بحسب ظروفهن، فالقسم على حسب ما يصطلحن ويتفقن عليه.
بعد أن بين رحمه الله من التي لها حق القسم، ومن التي يسقط حقها في القسم، وبين حقوق القسم وضوابط القسم، شرع في مسألة التنازل عن هذا الحق.
فللمرأة أن تتنازل عن حقها في المبيت إلى أخرى، بشرط أن يأذن الزوج، فإن تنازلت عن قسمها لضرتها، وقالت: ليلتي لفلانة، فإنه يجوز ذلك، وهذا من الصلح بين الزوجين، خاصة إذا خافت من زوجها لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:128] وهذا من الصلح ومن الخير.
فإذا اتفقت المرأة مع زوجها أن تكون ليلتها لضرتها، كما فعلت سودة رضي الله عنها، فقد كانت كبيرة، وخافت أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوهبت ليلتها لـ عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فدل هذا على مشروعية تنازل المرأة عن حقها، لكن قيد رحمه الله هذا التنازل بقوله: (بإذنه)، فلو أن امرأة شابة تنازلت عن قسمها لعجوز، فإن في هذا التنازل ضرراً عليه، ولا يمكن أن يرضى به، فليست مسألة التنازل عن القسم لحظوة المرأة وحق المرأة، وإنما هو مقرون بإذن الزوج؛ لأن له حقاً في إعفاف نفسه، وتحصينها عن الحرام.
قوله رحمه الله تعالى: [أو له] أي: إذا قالت له: أتنازل عن هذه الليلة فضعها لمن شئت، وأمكن أن يضعها لأي واحدة من نسائه فله أن يختار من نسائه من يأتيها.
قال رحمه الله: [فإن رجعت قسم لها مستقبلاً] أي: إن رجعت عن إذنها، وقالت: ما أذنت لك به قد رجعت عنه وأريد حقي، فهذا الإذن لا يسقط الحق إلى الأبد، ولها حق الرجوع عن هذا التنازل، فلو جاءت -مثلاً- بعد شهر، أو بعد سنة، وقالت: أريدك أن تقسم لي كما كنت، فليس له أن يقول لها: أنتِ تنازلت، ولا رجوع لكِ، بل يلزمه أن يقسم لها، ولكن يستأنف الحكم، ولا يلزمه أن يقضى ما سبق؛ لأنها تنازلت عنه، فسقط ما كان لها بالتنازل، وحينئذٍ ليس من حقها أن تطالبه بالقضاء.

لا قسم للإماء

قال رحمه الله تعالى: [ولا قسم لإمائه وأمهات أولاده، بل يطأ من شاء متى شاء] الأمة ليست كالحرة، فإن ملك اليمين يوطأ بالتسري، فلو أن له عشرين أمة ويريد أن يتسرى بهن فلا يلزمه أن يقسم بينهن في الليالي؛ لأن الإماء ليس لهن حق القسم، فحكم الزوجات لا ينطبق على الإماء من كل وجه، فالقسم إنما يختص بالزوجة، والأمة ملك اليمين، إن شاء أخرها وإن شاء قدمها، وإن شاء وطئها، وإن شاء تركها، فالأمر إليه، فلا تأخذ الأمة حكم الزوجة، فالزوجة لها حكم والأمة لها حكم.

الإقامة عند العروس بعد الزفاف

قال رحمه الله تعالى: [وإن تزوج بكراً أقام عندها سبعاً ثم دار] هذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه، فمن السنة إذا تزوج البكر أن يقيم عندها سبعاً لمكان الوحشة، ولأنها حديثة العهد بالعرس، فيطيب خاطرها بالسبع.
قال رحمه الله تعالى: [وثيباً ثلاثاً وإن أحبت سبعاً فعل وقضى مثلهن للبواقي] وأما إذا تزوج الثيب فإنه يقيم عندها ثلاثاً، وعند انتهاء الثلاث يخير الثيب فيقول لها: إن شئت سبعت لكِ، على أن يكمل لنسائه، فإذا سبع لها فزادها أربعاً على الثلاث التي لها، فإنه يكمل للباقيات الزيادة التي زادها للثيب وهي الأربعة أيام، فيجعل القسم دائراً بينهن، أي: بقية الزوجات في الأربعة الأيام الزائدة، فيعدل بين الجميع ثم يعود إلى القسم لكل واحدة ليلة.
ولذلك لما جاء في حديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها حين تزوجها: (ليس بكِ هوان على أهلكِ، إن شئت سبعت لكِ وسبعت لغيركِ)، أي: أنني أكمل العدد الذي سبعته لكِ لغيرك، وقوله: (سبعت لغيركِ) من باب التجوز، لا أنه يكون عند الغير سبعاً.

النشوز وأحكامه

تعريف النشوز

قال رحمه الله تعالى: [فصل: النشوز معصيتها إياه فيما يجب عليها].
بعد أن بين رحمه الله حقوق الزوج على زوجته، وحقوق الزوجة على زوجها، شرع فيما يعترض أداء هذه الحقوق، وفيما يخالف القيام بالحقوق، وهو ما يسمى بالنشوز، والنشوز يكون من الزوج لزوجته، ويكون من الزوجة لزوجها، ويكون من الطرفين معاً، فإما أن تكون المرأة هي الناشز على زوجها، أو يكون الرجل هو الناشز على زوجته، أو يكون الطرفان ناشزين، فهذه كلها أحوال للنشوز.
وأصل النشوز من نشز الشيء إذا كان مرتفعاً، والمراد به: أحوال تكون من الرجل، وتكون من المرأة مخالفة لشرع الله، يستعلي بها أحد الزوجين على الآخر، فالرجل يستعلي بها على المرأة لمنعها من حقوقها، والمرأة تستعلي بها على الرجل بإضراره في حقوقه، وهو من أسوأ ما يكون في العشرة الزوجية، وبه تفسد الحياة الزوجية.
ولذلك بين الله عز وجل نشوز الرجل على المرأة، فقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء:128]، وبين نشوز المرأة على زوجها، فقال سبحانه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:34]، وبين الحكم في حال وجود الشقاق بسبب نشوز الطرفين، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:35]، فما ترك كتاب الله شيئاً، ولقد كان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: ما من شيء في هذه الحياة إلا وهو في كتاب الله، بين الله حكمه، وبين الله ما يجب على المسلم تجاهه، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، حتى الحقوق، فقد بين القرآن الأثر المترتب على أدائها والأثر المترتب على الإخلال بها.
فقوله رحمه الله تعالى: [النشوز معصيتها إياه] يعني معصية الزوجة لزوجها.
[فيما يجب عليها] هذا بيان لمحل المعصية، أي: ما يجب له عليها من الحقوق، وعلى هذا لا يمكن أن نصف المرأة بأنها ناشز في المستحبات والفضائل، كرجل احتاج إلى مال قرضاً، وعند زوجته مال، فقال لها: أقرضيني، فقالت: لا أقرضك! فلا يقال: إنها ناشز؛ لأنها إن أقرضته ففضل منها، وإن لم تقرضه فعدل، فهذا حقها، وهي ما ظلمته، ولا ظلمت نفسها، فلا يقال: إنها ناشز إن منعت فضلاً، إنما تكون ناشزاً إذا منعت فرضاً واجباً له عليها كما ذكر رحمه الله تعالى.

مراحل النشوز وطرق علاجه

جعل بعض العلماء للنشوز مرحلتين: الأولى: مرحلة المقدمات للنشوز، ودلائل النشوز التي لا يظهر بها، ولا تُظهر المرأة معها الإعراض عن الزوج علانية، وإنما فيها أمارات ودلائل تدل على أن هناك أمراً تخفيه المرأة، وعندها يتوجس الرجل من المرأة خيفة كما أشار الله تعالى إليه في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:34].
الثانية: أن يقع النشوز فعلاً، فتعصي المرأة زوجها علانية كأن تقول له: لا تطأ لي فراشاً، أو لا يمكن أن تطأني، ولا تقربني ونحو هذا، فحينئذٍ تنشز تماماً، فأصبحت هناك مرحلتان: مرحلة مقدمة للنشوز، ومرحلة يقع بها النشوز حقيقة، ومرحلة المقدمة للنشوز تكون أيضاً على حالتين: الحالة الأولى: أن تبدو العلامات دون إصرار، والحالة الثانية: أن تبدو العلامات مع شيء من الإصرار، مع كونها مطيعة إذا دعاها إلى فراشه.
فهاتان الحالتان في المقدمات، وبناءً على ذلك قسم بعض الفقهاء -كما درج عليه الشافعية ومن وافقهم- المسألة إلى ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: الأمارة والعلامة على النشوز.
والمرتبة الثانية: العلامة والأمارة مع الإصرار، دون امتناع عن الفراش.
والمرحلة الثالثة: النشوز الكلي.
أما المرتبة الأولى: فظهور الأمارات، فتكون أول أمرها مطيعة له إذا أمرها، وسامعة له إذا دعاها، ومجيبة بكل ما يطلبه، ثم تنقلب على العكس، فإذا أمرها لم تأتمر، وإذا دعاها أتت متأخرة، وإذا طلب شيئاً منها فإذا بها تلوي وجهها، وتحدث نوعاً من الظواهر والأمارات على ظاهرها، مما يدل على أنها متبرمة ساخطة لهذا، فهذه هي مرحلة بداية النشوز التي قال الله تعالى عنها: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:34]، فهذه مرحلة الخوف.
أما المرحلة الثانية فهي إصرارها على المعصية، فيعظها ويذكرها بالله تعالى، ويقول لها: اتقي الله فإنه لا يجوز لكِ هذا، وإني أرى منكِ كذا وكذا، فإن كان الذي رآه من العلامة مرة أو مرتين فقد تكون مريضة، أو قد يكون لها عذر، كأن ترى منه شيئاً لا تستطيع أن تجابهه به، فإذا جاء يعظها ويذكرها بالله فانكسر الذي في قلبها فاطمأنت، ورجعت إلى حالها الأول فلا إشكال، وحينئذٍ يتلافى هذا؛ لأن الوعظ كان تأديباً لها، فإن أصرت فذلك يدل على أن هناك شيئاً تخفيه، فإذا طلب منها أن تناوله الشيء جاءت به إما متوانية متكاسلة وعادتها السرعة، أو جاءت به فوضعته بقوة وعادتها أن تضعه بين يديه، وكررت ذلك المرة تلو المرة وهو يذكرها وهي تصر فتصبح في مرحلة الإصرار.
وأما المرحلة الثالثة فهي عصيانها الفعلي، كأن يقول لها: لا تفعلي هذا، أو: هذا لا يجوز، فتقول له: ليس لك من شأن، وتعترض عليه.
ففي الحالة الثانية تكون مجيبة له إلى الفراش، فإذا جابهته وجابهها، وانكشف الأمر بينهما وامتنعت عن فراشه، فقد انتقلت للمرحلة الثالثة، وهي غاية النشوز.
هذا تقسيم لطائفة من أهل العلم، وفائدة هذا التقسيم عندهم أن الأحكام تترتب على حسب هذه المراحل الثلاث.
فالله تعالى يقول: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:34]، فإن بدت المرحلة الأولى، أو العلامة الأولى شرع الوعظ، وإن بدت العلامة الثانية وهي الإصرار بعد الوعظ هجرها في المضجع، وإن بدت العلامة الثالثة، فأصرت على إعراضها، وعلى أذيتها، فإن دعاها إلى فراشه فلم تأتِ ولم تجب، انتقلت إلى حكم الثالثة فضربت، فيجعلون العقوبات مرتبة على المراحل الثلاث، ويجعلون الآية مجزأة على أحوال النشوز، كما جزءوا آية الحرابة على أحوال المحاربين في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة:33]، فجعلوا هذه العقوبات مختلفة بحسب اختلاف قطع الطريق والحرابة، وهذا مذهب الشافعية ومن وافقهم.
وكذلك هنا، فالمرأة يبتدئ نشوزها بعلامة يحتمل أنها نشوز، ويحتمل أنها عفوية، أو لسبب من خطأ منه تذكره به، فيصلح خطأه، فتصلح هي خطأها، فهذا بالنسبة لوعظهن.
فالمرحلة الأولى: أن تظهر منها العلامة دون إصرار في المرة الأولى، والمرة الثانية، وفي المرة الثالثة ينبهها.
وليس المراد أنه بمجرد ما يرى من المرأة شيئاً ينبهها مباشرة ويذكرها، فعلى الرجل أن يكون حكيماً وأن يجعل الموعظة عند الموجب، وأن لا يضخم بعض الأشياء؛ فإن الناس تنتابهم بعض العوارض، وأنت بشر، فكما ترى في غيرك الخطأ، فغيرك يرى فيك الخطأ.
فليس كل فعل من المرأة، وكل قول يفسر بأنه نشوز، أو أنه مقدامات النشوز، وليس من اللائق أن يجلس الرجل يراقب كل صغيرة وكبيرة من المرأة، فإن الناس إذا كانوا على غفلتهم، فقد يكونون في مأمن من هذه الأمور.
فالمقصود: أن الإنسان بعد هذا لا يراقب مراقبة دقيقة، حتى ينظر أمارات النشوز، وإنما يكون الأمر محتفاً بقرائن ودلائل من المكان، والزمان، والملابسات بالقول والفعل، الذي يصدر من المرأة، فيغلب على ظن الإنسان أنه بداية النشوز فيعظها.
والوعظ هو التذكير بالله تعالى، ومثل العلماء له بقوله لها: اتقي الله، وخافي الله عز وجل، ويا فلانة إن الله سائلكِ عن حقي عليكِ، فلا يجوز لكِ أن تتبرمي، ولا أن تتسخطي، يا فلانة إنكِ تفعلين كذا وكذا، وإن هذا لا يعجبني فاتقي الله فيّ، أو نحو ذلك من الكلمات التي يُذكِّرها فيها بالله عز وجل.
وهذا من حكمة الله عز وجل، وقد نبه عليه الذين لهم عناية ببحوث التربية، كما نبه عليه القدماء، وذكرته كتب الأدب، فقالوا: إن العقوبة أبلغ ما تكون، وأكمل ما تكون، وأوقع ما تكون في النفوس، وأثرها محمود إذا سبقت بإعذار، وهو أن تنبه المخطئ، وتعذُر إليه، وتقول له: إياك أن تفعل، أو هذا الفعل خطأ، وقالوا: إن الصبي إذا نبهه والده في المرة الأولى، فقال له: إياك أن تفعل، فلا يقل له إذا كان في الأمر سعة: إن فعلت فسأضربك، بل يقول له في المرة الأولى: إياك أن تفعل، فإن رآه المرة الثانية يفعل ما نهاه عنه قال له: إن فعلت فسأضربك؛ لأنه إذا قال له: إياك أن تفعل، فأخطأ فسامحه شعر بحنان الأبوة ورحمة الأبوة، فإذا كررها مرة ثانية، فقال له: إن فعلت فسأضربك، فقد وعده، قالوا: فإن فعل فلا يتركه بل يضربه؛ فإنه إذا ضربه في الثالثة كان من أنجع ما يكون؛ لأنه لو تركه في الثالثة استمرأ الصبي، واستخف بوعيده، فأصبح إذا هدده لا يبالي بتهديده؛ لأنه ألف منه المسامحة، لكن إذا توعده، ووفى بوعيده، زجره ذلك.
ولذلك قال تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:34] فجعل العقوبة بعد الإعذار، وجعل الهجر للمضاجع -وهي العقوبة المتوسطة بين عقوبة الوعظ وعقوبة الضرب- جعلها كمجال للإصلاح، ومن هنا قال بعض العلماء: إن المرأة المحبة لزوجها إذا أعرض عنها زوجها تأثرت بذلك، وشعرت بخطئها، فأصلحته، وغيرت من حالها، واستقامت الأمور، فإن كانت غير محبة، فإنها تحتاج إلى من يشعرها بهذا الزوج، وتحتاج أن تنبه من غفلتها، وأن توقظ من سباتها بالقوة؛ لأن من لا تزجره الكلمة تزجره اللكمة، كما يقولون.
فإذا جاءها بالتي هي أحسن، وأعذر إليها، وأصرت، فحينئذٍ يضربها؛ لأنها لو تركت بدون عقاب لضاعت البيوت، وأصبحت البيوت هملاً، والرجال قوامون على النساء.
وهذا -كحق من الحقوق- إنما هو في شواذ النساء، وإلا فالأصل في المؤمنة أنها لا تُحيل زوجها إلى هذا، ولا تلجئه إلى هذا؛ لأن عندها من العقل، ومن خوف الله عز وجل ومراقبته ما يعقلها ويمنعها عن هذه الأمور، فإذا وعظها، وذكرها بالله، انتقل إلى الهجر.
والهجر للعلماء فيه وجهان: فمن أهل العلم من قال: إنه الوثاق، وهذا مأثور عن ابن جرير الطبري، ورجحه، من أجل الضرب، فجمع بين الهجر والضرب، حتى يكون أبلغ في التأديب، واختاره الإمام ابن جرير لحديث أسماء مع الزبير، أن الزبير بن العوام رضي الله عنه وأرضاه ضرب أسماء مع ضرتها حين وقع منهما ما وقع من أذيته رضي الله عنه وأرضاه، فالشاهد: أنه أخذ من هذا الأثر تفسير الآية الكريمة؛ لأن الهجار هو وثاق البعير، فقال هو ومن معه من العلماء في قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ [النساء:34] أنه من الربط أثناء الضرب فقرن بين الهجر والضرب، فليس هناك إلا مرحلتان: الوعظ والعقوبة على هذا القول.
وأما على القول الثاني وهو قول الجمهور الذين قسموا المراحل إلى ثلاث -كما ذكرناها- فالعقوبات ثلاث: يبتدئ بالوعظ ثم الهجر، والهجر عند من يقول: إنه هجر الفراش فيه وجهان: فقال بعض أئمة السلف وأئمة التفسير، والفقهاء: يوليها ظهره في الفراش فيهجر جماعها، فهذا هجر بالفعل، ويهجر كلامها بالقول، فيمكنه أن يستخدم الفعل إذا نفع، ويمكنه أن يجمع بين الفعل والقول، والقول يتأقت، والفعل لا يتأقت، ففي الفعل يجوز أن يهجرها في المضجع شهراً لا يجامعها، وشهرين وثلاثة، ما لم يصل إلى حد الإيلاء، وأما بالنسبة للهجر هجر القول، وهجر الكلام، فلا يجوز أن يهجر فوق ثلاث ليال لورود النص.
وقال آخرون في الهجر: إن الهجر هجر الفراش بالكلية، ولا ينام معها في فراش واحد، وينام في غرفة غير غرفتها التي تنام معه فيها، ولربما هجر البيت فنام عند جاره، أو نام عند أخيه، أو عند أهله، فهذا من الهجر، وكله تحتمله الآية؛ لأن الهجر مطلق في القرآن، والنساء يختلفن، فمنهن من يهجرها بالقرب ويؤثر فيها، ومنهن من لا تهجر إلا بالبعد، فما وجده ناجعاً نافعاً لصلاحها وإصلاحها، ووفقه الله عز وجل في ذلك، فإنه لا بأس به.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مشروعية وليمة العرسالمصالح في وليمة العرسمقدار وليمة العرسحكم وليمة العرسوقت وليمة العرسحكم إجابة الدعوة لوليمة العرسحكم إجابة دعوة المبتدعحكم إجابة الدعوة عند التعيينحكم إجابة الدعوة المشتملة على منكرحكم إجابة الدعوة العامةحكم إجابة دعوة الذميحكم إجابة الصائم للدعوةمتى يباح طعام الوليمةحضور الوليمة التي فيها منكر لتغييرهإذا علم بالمنكر بعد حضوره الدعوةحكم النثار والتقاطهمشروعية إعلان النكاحباب عشرة النساء [1]الحقوق الزوجيةأقسام الحقوق الزوجيةحرمة عدم القيام بالحقوق الزوجية من كلا الزوجينموجبات عقد النكاححقوق الزوج على زوجتهحقوق الزوجة على زوجهاآداب الجماعوجوب تخصيص مسكن مستقل لكل زوجةعدم خروج المرأة إلا بإذن زوجهاأحوال يستحب للرجل فيها الإذن لزوجته بالخروجمدى سلطة الرجل على زوجتهباب عشرة النساء [2]أحكام المبيت والقسم بين الزوجاتوجوب المساواة في القسم دون الوطءمن تستحق القسم من الزوجاتأسباب سقوط القسم والنفقة عن الزوجالتبرع بحق القسملا قسم للإماءالإقامة عند العروس بعد الزفافالنشوز وأحكامهتعريف النشوزمراحل النشوز وطرق علاجه
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل