بطلان الوصية بتلف المعين الموصى بها
قال رحمه الله: [ومن أوصي له بمعين فتلف بطلت].
عند العلماء: المعين والموصوف في الذمة، وهذا من أروع ما تميزت به هذه الشريعة الإسلامية، التي جاءت بتشريعات وأحكام ومسائل وافية شاملة عامة كاملة، وهذا من أعجب ما يكون، أن الشريعة دخلت حتى في تفصيلات العقود، فتفرِّق بين التعيين والوصف في الذمة.
والعلماء يقسمون الأشياء في العقود إلى: معين، وموصوف في الذمة.
فأنت إذا بعت، أو أجّرت، أو وهبت، فإما أن يقع عقدك على معين، أو موصوف في الذمة، فالمعين كأن تقول له: بعني بهذه العشرة، فهذا معين، فلو تلفت العشرة فسد البيع، ولا يقام غيره إذا كان المبيع على معيّن يفوت بفواته، هذا إذا تم التعاقد على معين يفوت بفواته، وفي الإجارة على مركوب معين، فلو قال: استأجر امرأة لترضِع طفلاً معيناً، ثم أصيب هذا الطفل بمرض وتعذَّر إرضاعه؛ انفسخت الإجارة.
وكذلك لو استأجر داراً وقال: أؤجرك هذه العمارة، وهذه كلها معينات، وبناءً على ذلك: لو جئت تشتري كتاباً، وقلت له: بكم تبيعني هذا الكتاب؟ فقال: بعشرة ريال، ثم دفعت العشرة الريال وخرجت من المكتبة فوجدت الكتاب قد طُمست منه صفحة أو صفحتان، فرجعت إليه، وقلت له: هذا الكتاب فيه صفحة مطموسة أو صفحتان، وهذا عيب يؤثر، فرُد لي العشرة، فقال: لن أرد العشرة ولكن سأعطيك بدلاً منه؛ فهنا ليس من حقه أن يعطيك بدلاً منه؛ لأن البيع وقع على معين يفوت بفواته، لكن لو قلت له: أعطني نسخة من بداية المجتهد، أو من زاد المستنقع، فقال لك: بعشرة ريال، فجاءك بنسخة ووجدت فيها عيباً، ولو كانت كلها مطموسة الصفحات، فقلت له: أعطني العشرة، فهنا لا تملك إلزامه؛ لأن البيع كان على موصوف في الذمة، ومن حقه أن يأتي ببديل عن الذي اشتريته.
إذاً: العقود إما أن تكون على شيء معين يفوت العقد بفواته، وإما أن تكون على موصوف في الذمة.
وهنا في الوصية يبحث العلماء في محل الوصية في المعين والموصوف، فحينما يقول: أوصيت بعمارة، وذكر أوصافها، فهذا وصف يصدق على كل عمارة تتحقق فيها هذه الأوصاف التي ذكرها الموصي، أما لو قال: وصيت بهذه السيارة، وهذه السيارة دون الثلث، ثم شاء الله عز وجل عندما توفي أن تلفت السيارة؛ فعند ذلك تبطل الوصية، وإن قال: وصيت بهذه الشاة، فلما توفي ماتت الشاة، فحينئذٍ تبطل الوصية؛ لأنه يستحيل تنفيذ الوصية؛ فحينئذٍ تبطل وتفوت بفواته، وهذا هو معنى قوله: (بمعيّن).
وهذه المسألة قد حُكي الإجماع عليها، وممن حكى الإجماع عليها الإمام ابن المنذر رحمه الله، ونَقَل هذا عن الإمام ابن قدامة رحمه الله، وغيرهم من الأئمة، حيث قال: أجمع كل من نحفظ عنه العلم -يعني: من الأئمة والعلماء رحمهم الله جميعاً برحمته الواسعة- أن الوصية بالمعيّن إذا تلف فاتت بفواته.
أي: يُحكم ببطلانها.
قال رحمه الله: [وإن أتلف المال غيره فهو للموصَى له إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة].
يعني: إذا وصَّى بسيارة لمعيَّن صحّت الوصية، وإذا تلفت هذه السيارة فاتت الوصية بفواتها.
وفائدة هذه المسألة الأولى التي ذكرنا فيها الإجماع: أنه لو تلفت السيارة وقال الموصَى له: أريد بدلاً عنها؛ لأن الميت وصّى لي، وقد تلفت السيارة، فأعطوني بدلاً عنها؛ لم يكن من حقه ذلك؛ لأنه وصّى له بمعين فات بفواته.
والعكس: فلو وصَّى له بسيارة، وكانت السيارة دون الثلث أثناء الوصية، ثم لما توفي الموصي أو قبل وفاة الموصي، وهناك أموال غير السيارة، فشاء الله عز وجل أنه توفي عن مزرعة والسيارة، فالسيارة قيمتها تعادل الثلث من المال، فمثلاً: قيمة المزرعة مائة ألف، والسيارة قيمتها خمسون ألفاً، فالسيارة تعادل ثلث المال، فعند ذلك صحت الوصية ومضت؛ لكن أراد الله عز وجل أن احترقت المزرعة أو تلفت، فأصبحت قيمتها عشرة آلاف ريال، أو تلفت بالكلية فلم تساو شيئاً، فأصبح حينئذٍ لا يوجد إلا السيارة، فحينئذٍ يكون له ثلثها، ولا يدخل عليه الضرر -من حيث الأصل-، لكن لا يؤثر فوات المال من غيره على الموصَى به، فلا يفوت الوصية كلها؛ لأن تلف غيرها ليس تلفاً لها بعينها، وحينئذٍ تبقى الوصية في المعين كما هي.
الأسئلة
علة إذن الشرع بالرجوع في الوصية دون الهبة
السؤال
أشكل عليَّ أن الوصية تشابه الهبة في وجوه وتختلف في وجوه أخرى؛ فمثلاً: يجوز الرجوع في الوصية، ولا يجوز في الهبة، فما توضيح ذلك؟
الجواب
الوصية يجوز الرجوع فيها لحِكم وأسرار عظيمة، وقد نبّه العلماء رحمهم الله على جملة من هذه الحكم ومنهم: الإمام القرافي في كتابه النفيس: الذخيرة.
ومن أعظم هذه الحِكم: أولاً: أن الشريعة لما أذنت بالرجوع في الوصية فتحت باب الوصية، وشجّعت الناس على أن يُوصوا؛ لأن الإنسان لو علم أنه لا يملك أن يرجع في وصيته لخاف من الوصية؛ لأنها ستكون إلزاماً، ولا يستطيع أن يعدل أو أن يبدل أو يغير.
ثانياً: أن الوصية مترتبة على الموت، فهي تصرُّف مضاف إلى ما بعد الموت، والإنسان لا يعلم متى أجله، وكم من مريض مد الله في عمره فعاش أكثر من الصحيح! وكم من صحيح اغتر بحاله فمات في طرفة عين! فالآجال لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، فلا يضْمن الإنسان أن يُمد له في عمره، وينسأ له في أجله، وأيضاً: لا يضمن أن يأتيه الأجل فجأة، فجمعت الشريعة بين الاثنين: خوف إتيان الموت فجأة، فتكتب الوصية بناءً على هذه الحالة.
وإن مُد في العمر وطرأت أمور، فمثلاً: قد أُوصِي لأجنبي وليس عندي أحد من أولادي، ثم يشاء الله أن يأتيني بولد، فأغير وأبدِّل تلافياً لما جد وطرأ، فهذا عين الحكمة، وعين العدل، وعين المصلحة، فقد جاءت الوصية على الصفة التي تحقق الهدف منها.
وقد يوصي الإنسان وليس عنده أولاد، ثم بعد ذلك يطرأ له أولاد، وقد يوصي بالقليل وعنده أولاد، ثم بعد ذلك قد يموت أولاده قبله، ففتحت الشريعة باب الرجوع تحقيقاً للمصالح ودرءاً للمفاسد، وتداركاً لما يمكن أن يفوت لو حُكِم بعدم الرجوع.
هذا بالنسبة لإذن الشريعة بالرجوع في الوصية.
وقد منعت الشريعة من الرجوع في الهبة، وهذا ما يقوله العلماء: أن الشريعة تجمع بين المتضادين في حُكْم، وتفرِّق بين المتماثلين في حُكْم، فهنا منعت من الرجوع في الهبة وأجازته في الوصية؛ لأن المقصود من الوصية: إيصال الحقوق إلى أهلها، وحصول البر للموصِين بها من الأجر والمثوبة والصلة، فهو بوصيته إذا أمكنه الرجوع تتحقق هذه المصالح، أما في الهبة فالأصل في مشروعية الهبة إنما هو طلب المحبة والمودة والصلة بين الناس، ويدل على هذا: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تهادوا تحابوا)، فالمقصود من الهبة: حصول المحبة والألفة وتقوية أواصر الأخوة بين المسلمين؛ فإذا حصل الرجوع وقعت الضغينة والشحناء، وتقطعت أواصر المحبة، وهذا عكس ما تريده الشريعة من الهبة، فيصبح الرجوع على العكس تماماً، ولذلك ما سُمِح بالرجوع عن الهبة إلا في حالة خاصة، وهي رجوع الوالد في هبته لولده؛ لأن المقصود من الهبة الصلة والبر، فحينما يأتي الوالد ويُعطي بعض ولده ويحرم البعض، فحينئذٍ يحصل عكس المقصود؛ فأذن الشرع هنا بالرجوع.
أما الرجوع لغير الوالد مع ولده، مثل أن يهب صديقه ويرجع، فإن ذلك يؤدي إلى أن يحقد عليه صديقه أو يتألم، وعلى الأقل -وليس بالقليل- أن صديقه يقول: لابد أن فلاناً قد تغيّر قلبه نحوي، ثم تحدث القطيعة.
لكن الوالد مع ولده لو أعطى ولداً وحرَم الآخر؛ فإن الواجب عليه: أن يعدل، فصارت الهبة هنا لا تُحقق البر والصلة، وإنما تحقق الشحناء بين الأبناء بعضهم على بعض، وجاء الأمر بعكس ما هو موجود في الهبة نفسها، فجاءت الهبة مصادِمة للشريعة، وقد قال صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى هذا المعنى في حديث النعمان: (أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ قال: لا يا رسول الله! قال: أشهد على هذا غيري، فإني لا أشهد على جور)، وفي رواية: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)، فجعل الهبة لبعض الولد دون البعض ظلماً وجَوراً لا يُحقق العدل، فأمره بالرجوع، والأمر قد جاء ضمناً بأن هذا جور، والجور لا يجوز، فمعنى كلام النبي صلى الله عليه وسلم: (جور) أي: ارجع عن هبتك.
وقد جاء في الحديث الآخر في السنن: (لا يحل لأحد أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما وهب لولده)، فأذن للوالد أن يرجع في هبته؛ لأن هذا الرجوع يُحقق العدل بين الأبناء، ويوجب المحبة، ويزيل الشحناء وحقد بعضهم على بعض، ولذلك قال: (أشهد على هذا غيري؛ فإني لا أشهد على جور)، فأجاز الرجوع في حالٍ ومنع الرجوع في حال، وكل ذلك مبني على تحقيق مقاصد الشريعة من حصول العدل.
وهذا مما يقوي مسلك أئمة الإسلام رحمهم الله وجمهور الفقهاء من أن الشريعة تراعي المعاني، وليس الألفاظ فقط، فما جاءت الشريعة بالألفاظ فقط، وإنما جاءت بمعان مضمونة مضمنة، وهذا هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).
فالمقصود: أن الشريعة أجازت الرجوع في الوصية، تحقيقاً للمصالح، ودرءاً للمفاسد، وطلباً لما يُراد من شرعية الوصية، وهو تدارك ما فات، والوصول إلى الخير والبر والإحسان فيما يقصد منه البر والإحسان وصلة الرحم، إذا قصد صلة الرحم ونحو ذلك.
وأيضاً: ربما أوصيت لشخص وهو فقير، ثم عند الموت صار غنياً، وربما أوصيت لشخص مديون، ثم قُضي دينه فأصبح غير محتاج للوصية، فالإذن بالرجوع عنها هو تحقيق للمصالح ودرءٌ للمفاسد.
وأما الرجوع عن الهبة فإنه يوجب الشحناء، ويزيل المحبة، ويفسد الإخاء؛ ولذلك جاز الرجوع في الوصية، وحرُم الرجوع هنا، ولله الأمر فيهما، وصدق الله جل جلاله إذ يقول في كتابه ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:115]، والله تعالى أعلم.
متى يحكم على المسألة بأنها من قول الجمهور
السؤال
في الحكم على مسألة بأنها من قول جمهور العلماء: ما هو أقل عدد يُطلق عليه هذا اللفظ؟
الجواب
المسائل الخلافية تنقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن يكون الخلاف بين الأئمة أنفسهم، أي: الأئمة الأربعة، ويُضاف إليهم مذهب الظاهرية.
القسم الثاني: أن يكون الخلاف بين أتباع الأئمة، بمعنى: أن المسألة جدَّت وطرأت، فليس لأئمة المذاهب فيها قول.
القسم الثالث: أن يكون الخلاف بين بعض الأئمة، وليس هنا نص عن الأئمة، وإنما خالف أصحاب الإمام فيها.
وتوضيح ذلك: إذا كان الخلاف بين الأربعة فالثلاثة جمهور والواحد خارج عنهم، فلا يُعتبر من الجمهور، فإذا قيل: وهذه المسألة تصح على قول الجمهور خلافاً للإمام أبي حنيفة، فتَعلم أن الثلاثة يقولون بهذه المسألة، وإذا قيل: تصح هذه المسألة في قول الجمهور إلا الشافعي، فتفهم أن الذي خالف إنما هو الإمام الشافعي رحمه الله.
إذاً: الجمهور يطلق على الثلاثة، ولا يُطلق على اثنين في مقابل اثنين، فلو كانت المسألة -مثلاً- بين الشافعي وأحمد من جهة، والإمام مالك وأبي حنيفة من جهة أخرى، فلا يقال فيها جمهور.
هذا بالنسبة للخلاف بين الأئمة، وبعض العلماء يعتبر المسألة فيها جمهور إذا تكافأ اثنان في مقابل اثنين، وانسحب أحد أصحاب الاثنين مع الطرف الثاني، فإذا كان أصحاب الإمام أبي حنيفة لا يوافقون إمامهم ويرجحون المذهب الشافعي والحنبلي؛ فيقال لمذهب الشافعية: جمهور؛ لكنه لا يخلو من نظر، وقد يُعبّر به في بعض الأحيان عند بعض طلاب العلم الذين عندهم دقة وعناية، أو يستشهد بهؤلاء تعزيزاً للقول فيقال في الترجيح: حتى إن أصحاب الإمام أبي حنيفة يميلون إلى كذا.
هذا بالنسبة لمسألة الخلاف بين الأئمة الأربعة أنفسهم، فإذا وقع الخلاف بين أصحاب الأئمة الأربعة فنفس المسألة كما تقدم، فإذا قيل: وبه يقول الإمام أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فهذا خلاف الأئمة أنفسهم، وإذا قيل: وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، فلا يستلزم أن يكون هناك نص للإمام، فينتبه طالب العلم، إذا قيل: وهو قول الإمام أبي حنيفة ومالك، فالمسألة عن الإمام نفسه، وهي مسألة في القرون المفضلة، وإذا قيل: وهو قول الحنفية؛ فهذا لا يستلزم أن تكون في القرون المفضلة، بل ربما طرأت أو وجدت بعد القرون المفضلة.
وعلى كل حال: فإذا كان الثلاثة من المذاهب في مقابل واحد فهم جمهور، وإما إذا كان بعض الخلاف منوعاً، كما لو لم يكن هناك نص عن الإمام مالك في المسألة، ولا عن الإمام الشافعي، وهناك نص عن الإمام أبي حنيفة وأحمد، فيقع الخلاف بين الإمام أبي حنيفة وأحمد مع أصحاب الشافعي ومالك، فإذا انسحب أصحاب أحدهما إلى أحد القولين فهي جمهورية، فتقول: وهو قول الإمام أحمد وأبي حنيفة وأصحاب الشافعي؛ فحينئذٍ تصير جمهورية، ويكون قول المالكية قولاً منفرداً إذا اختاروا خلاف هؤلاء الثلاثة.
وعلى كل حال: ينبغي التورع في نسبة هذه المذاهب، ولا يتناول أحد نسبة الأقوال إلى المذاهب إلا إذا درس الفقه على أئمة وعلماء لهم يد وباع في مثل هذا، ولا يقتصر على قراءة الكتب، والنسبة أمر يحتاج إلى التنبيه إليه؛ فإن الأوهام تقع في نسبة الأقوال للأئمة ونسبة الأقوال لأصحاب المذاهب، ولذلك من أصعب ما يمر على المفتي إذا كان يخاف الله عز وجل تحرير قول على مذهب.
فمن أصعب ما يقال أن يقال لك: ما قول الشافعية أو الحنابلة؟ فإنك تسأل أمام الله عز وجل عن مذهبهم كاملاً، وهذا شيء تشيب فيه رءوس أئمة المذاهب أنفسهم، فضلاً عن إنسان لم يُحصِّل، فلا بد أن يكون على علم بالمصطلحات التي هي داخل المذاهب، وأن يكون على علم بالطرق والمناهج التي توصل بها إلى المذهب، من ناحية قواعده وأصول المذهب.
فهذا أمر يحتاج إلى دراسة معمقة، وهو الذي يسمى: الاجتهاد المذهبي؛ لأن الاجتهاد إما أن يكون مذهبياً داخل المذهب؛ فمثلاً: شيخ الإسلام رحمه الله تجده يقول: (وهذه المسألة أصول الإمام أحمد تقتضي فيها الجواز)، فلم يقل: إن الإمام أحمد يقول: إنها تجوز، بل قال: (أصول الإمام أحمد).
وفي بعض الأحيان يقول: وهذه المسألة تجري على قول أصحاب الإمام أحمد، ففرق بين الإمام وبين الأصحاب؛ لأنه عايش الفقه، وبدأ فيه بالمذهب دون تعصب، وبالدليل، تقرؤه وتضبطه، ثم بعد ذلك تنظر في دليله، ثم بعد ذلك تنظر فيمن خالفه، وتتحرى الحق والصواب حتى تصل إلى ما هو أقرب وأوفق لشرع الله عز وجل وصراطه.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يهدينا إلى الحق فيما اختلفوا فيه، وأن يرزقنا محبته والعلم به والعمل به، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.
حكم الزواج بزوجة أبي الزوجة بعد وفاته
السؤال
زوجتي مات أبوها، فأريد أن أجمع شمل عائلتها، فهل لي أن أتزوج زوجة أبي الزوجة؟
الجواب
في الأصل: أنه يجوز أن يتزوج الإنسان زوجة أبي زوجته إذا لم تكن أماً لهذه الزوجة كما هو معلوم؛ لأنها أجنبية، فلو كان عند زيد -مثلاً- زوجتان إحداهما لها بنات، والتي لها بنات تزوَّج شخص إحدى بناتها؛ فإن الزوجة الثانية ليست بمحرم له، فلا يجوز له أن يصافحها، ولا يجوز له أن يختلي بها، ويجوز له أن يتزوجها بعد وفاة زوجها، ولكن الله المستعان! لقد كانت ضرّةً لأمها ثم تأتي بها ضرة عليها هي! وقد يختلف هذا الأمر باختلاف البيئات والأعراف، ولكن الله المستعان! تجمع لها بين مصيبتين، إلا إذا كان تأخذ بثأر أمها فإن هذا ممكن؛ لأنها قد تكون هي أقل سناً، لكن على كل حال: إن السلامة من سلمى وجارتها ألا تمر بوادٍ حول واديها أما من حيث الجواز فيجوز ولا بأس، لكن يُتَّقى ما تنشأ عنه المشاكل، فإذا كان ذلك يتسبب في أضرار؛ لأن أم الزوجة ستتأثر، ولا شك أن أم الزوجة إذا أُخذت ضرتها مع بنتها، فهذا من أشد ما يكون عليها، إلا إذا كان قد ماتت وصفا الجو، فهذا أمر آخر، أما أم الزوجة فلا يُطاق خلافها وشرها، فهذا يفتح باب مشاكل للإنسان.
وهذه الأمور كان الناس كبار السن يوجهون أبناءهم، لكن الله المستعان! اليوم قد يأتي الواحد ويُغلِّب عاطفة في جانب ويُغفِل جوانب أخرى مهمة.
وعلى كل حال: فحكم الشريعة: الجواز، لكن تحذر من حصول المشاكل؛ لأن هذا يفتح باباً للمشاكل، وأول ما قد تأتي المشاكل مع أمها.
أما إذا كانت أم الزوجة حية، فهذا في الحقيقة في النفس منه شيء؛ لأن الغالب أنه سيجرح الرحم، وسيجرح أم الزوجة.
إلا أن الأصل في ذلك هو الجواز، والأعراف والبيئات تختلف، فإذا كان الإنسان غلب على ظنه أن في هذا مصلحة، وأن هذا يعين على الخير والبر، فلا شك أن الله سبحانه وتعالى يأمر بذلك ويحبه، والله تعالى أعلم.
الفتور بعد العبادة
السؤال
عند الانتهاء من العبادة ومضي زمانها وأيامها يأتيني إرهاق وفتور في العبادة، فكيف أتخلص من هذا الفتور، خصوصاً أني أخشى أن هذا من علامات عدم القبول؟
الجواب
الله المستعان! نسأل الله ألا يحرمنا من فضله، وألا يحول بيننا وبين بره بسبب ما يكون من معاصينا، وهناك أمر مهم جداً، ولعل هذا السؤال متصل بأحب الشهور إلى الله، وهو شهر الصيام والقيام، والإنسان بعد رمضان لاشك أنه سيجد نوعاً من الضعف على الطاعة أكثر مما كان في رمضان، والسبب في هذا واضح.
فينبغي أن يعلم كل مسلم أن الشهور التي فضّلها الله عز وجل وكرمها واصطفاها واجتباها مثل شهر رمضان أن فيها من البركة والخير ما لا يعلمه إلا الله جل جلاله، ولذلك يُنَادى: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، وهذا يدل على أن الموسم موسم رحمة، ولذلك شتان ما بين يوم العيد وآخر أيام رمضان، ولا يظهر الفرق إلا إذا بدأ الإنسان بالابتعاد أكثر فأكثر، وذلك كالشخص الذي يكون قريباً من الجنة وقريباً من رحمة، وقريباً من مكان مؤنس تنشرح فيه الصدور وتطمئن فيه القلوب، فلا يحس بلوعة هذا الفراق إلا إذا تباعد عنه أكثر فأكثر.
وأرجو أن لا يجعلها الله دليلاً على عدم القبول، فليس هناك أرحم من ربك بك، والله أكرم وأحلم سبحانه وتعالى من أن يخيِّب عبده، وخاصة إذا وفَّقه للصيام، ووفقه لقدر ما يستطيع من القيام.
لكن بالنسبة للفتور: فإن هذا الزمان زمان صعب، والفتن فيه كثيرة، والمحن فيه كثيرة، ولا يعلم مقدار غربة المسلم في هذا الزمان إلا الله وحده لا شريك له، فواللهِ أنه لا يستطيع أحد أن يعلم مقدار غربة المسلم في هذا الزمان -الذي بعُد فيه عن عصر نبيه صلى الله عليه وسلم وعن سنته وهديه صلوات الله وسلامه عليه- إلا الله.
لقد كان الإنسان إذا خرج من بيته إلى بيت من بيوت الله جل جلاله وجد حلق الذكر، ووجد الذاكرين، ووجد المساجد ممتلئة بالمصلين والخاشعين قبل الأذان بساعات.
والآن ربما جاء ودخل المسجد وهو في آخر ركعة أو في التشهد، ويرى الناس أفواجاً يقدمون إلى الصلاة، هذا إذا وجد من يصلي، وهذا في الصلاة التي هي عماد الدين، والتي شأنها في الإسلام لا يَخفى، ناهيك عن الطاعات والقربات الأخرى.
ولو أراد الإنسان أن يتصدق بماله لوجد من يخذِّله، ووجد من يسفِّهه، ووجد من يثرِّب عليه، وكأنه فعل ما لا يمكن فعله من الأمور المحرمة العظيمة، فتجد الشخص تطمع نفسه أن يُوقف بيتاً بعد موته، أو يوصي بشيء من خصال البر والرحمة، وإذا بالنفوس الضعيفة والمفتونة تتكالب عليه من كل حدب وصوب، تلومه وتوبخه، وتثرب عليه، وقد تجده منطلقاً إلى مجلس من مجالس الذكر وإلى طاعة من الطاعات، وإلى خير يريده لآخرته، أو علم ينتفع به ويتزود به إلى لقاء ربه، فإذا بأمٍ تثبطه، أو والد يخذله، أو صديق يسفِّهه، وإذا به يجد من يصفه بالنقص وبالجهل بالأمور، وأن عليه أن ينطلق في الدنيا، وأن يؤمن مستقبله.
إلى غير ذلك من الفتن التي لا يعلمها إلا الله جل جلاله.
فلا يعلم مقدار غربة المسلم في هذا الزمان إلا الله، وكلما ارتقت درجته وصار إماماً يصلي بالناس، فإذا بهذا يأتيه ويقول له: طوِّل صلاتك فقد تلذذنا بالقرآن، ثم يأتيه إنسان ويقول له: يا هذا أرهقتنا وأتعبتا وأزعجتنا، ثم يأتيه الثالث ويقول له: في كل يوم وأنت تدرس، وفي كل يوم تلقي كلمة! ويأتيه الرابع ويقول له: أنت تقول كذا وتفعل كذا، فإذا بها أمور تشيب منها الرءوس، وإذا به يُقبل على الإمامة بنفس منشرحة وصدر منشرح للخير والذكر والبر؛ فيجد من العوائق والعلائق ما لا يعلمه إلا الله جل جلاله.
هذا في مسجده؛ فضلاً عن بيته وأهله، فقد يخرج من بيته من أجل أن ينفع أبناء المسلمين خطيباً أو مدرساً أو معلماً في بيت من بيوت الله أو محاضراً، فإذا بزوجته تشتكي وتقول: أَضعت أوقاتنا، وضيعت أبناءك، وفعلت وفعلت، وإذا بإخوانه يقولون له: تعرض نفسك للأسفار.
وهكذا.
فتجد غربة لا يعلم قدرها إلا الله جل جلاله، ولكن طوبى ثم طوبى لمن نَصب وجهه لله، وأنِس بالله إذا استوحش ممن يوحِشه في سبيل طاعة وبر يرجو بها رحمة الله جل جلاله، فطوبى لمن سمَت نفسه وتعلّق قلبه بربه، فلم يبالِ بمن يخذله، فإذا سمع قول المخذلين والمثبطين ارتقت روحه إلى رحمة أرحم الراحمين، فوجد في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة السلف الصالح ما يجعله يحتقر نفسه وهو في ذرى العلياء من الكمال والفضل والطاعة لله جل جلاله.
هذه كلها فتن تثبط الإنسان عن الطاعة والخير، فإذا كان في موسم الخير كان الأمر أهون، وكان الشر أقصر، ولكن إذا ابتعد عن زمان الطاعة والخير والبر تكالبت عليه هذه الفتن والمحن من كل حدب وصوب، فهذا الزمان زمان غربة، ولا يمكن للإنسان أن يعلم ذلك إلا إذا قرأ الكتاب والسنة وتفحّص، وأعرف الناس بغربة هذا الزمان هم العلماء وأهل العلم الذين كشفوا دلائل الكتاب والسنة، وما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحاح الآثار والأخبار، فانكشفت لهم حقائق الأمور.
وعلى كل واحد يلتزم بدين الله عز وجل أن يكون قوياً في التزامه، فلا يثبطه ولا يخذله شيء أبداً؛ لأنه ليس بينك وبين الجنة إلا الجد والاجتهاد في العمل الصالح بعد توفيق الله، وهذان أمران إذا حزتهما فقد أصبت الجنة وفزت برحمة الله عز وجل، فعليك بالجد والاجتهاد في طاعة الله عز وجل حتى لا تبالي بأحدٍ لا مادحاً ولا ذاماً.
وأكمل ما يكون للعبد الموفق السعيد الذي يريد الله به خيراً في خاتمته أنه يكره من مدحه أكثر ممن يذمه، وهذه الهمة الصادقة التي يتجه بها العبد إلى الله جل جلاله قلباً وقالباً، وليس لنا إلا الله جل جلاله، فلا تلتفت إلى موسم، ولا إلى وقت ولا إلى زمان.
فلا يكن الإنسان ممن يعرف ربه فقط في رمضان، وإذا ابتعد عن مواسم الخير أصابه التثبيط أبداً، بل كن قوي الشكيمة والعزيمة.
وأُنبِّه على أمر أيضاً: وهو أنه لو وقع الإنسان في حضيض المعاصي، ثم يكون من أشد الناس التزاماً وطاعة، فقد تأتيه فتنة من الفتن.
فهذا زمان غريب، وينبغي علينا أن نعلم ونعلِّم الناس أنه إذا كان الإنسان في زمان الغربة فليعلم أنه سيلاقي في الفتن أكثر ممن يسير على الشوك، ولكن الموفق لا يبالي، فنحن لسنا في عصر الصحابة، ولا في عصر التابعين، ولا في القرون المفضلة؛ بل نحن في عصر القابض على دينه كالقابض على جمر، وإن لم يكن هذا الزمان فلست أدري أي زمان يكون هو! فحينئذٍ مهما وقع الإنسان في فتن من ضعف الطاعة، مثلما ذكر أن الإنسان قد تضعف طاعته، أو حتى لو وقع في معصية؛ فعليه أن يوجه وجهه إلى الله ويشمر عن ساعد الجد بالتوبة النصوح ولا يبالي؛ لأن الشيطان يُخذِّل الإنسان دائماً.
فإذا كنت في رمضان في خشوع وخضوع وإنابة واستكانة لله جل وعلا، ابتلاك الله عز وجل، فتسلط عليك الشيطان فجاءك وقال لك: أنت كذا أنت كذا، حتى تضعف همة الخير؛ لأن الإنسان في بعض الأحيان تكون قوته في روحه ونفسه.
فإذا جاء الشيطان وقال: لو تقبل الله طاعتك في الصيام لكنت الآن من قوامي الليل وصوامي النهار، فأنت الآن لا تقوم الليل، ولا تصوم النهار، فعندها قل: اخسأ عدو الله، فإن الله الذي أرجو رحمته في رمضان أرجوه في شعبان وفي شوال وفي كل زمان، والله الذي أرجو رحمته لو سجدت له حتى تُقبض روحي ما وفّيت شيئاً من حقه، وكل ذلك من فضله، ولو كان من الإنسان ما كان من الطاعة فالفضل كله لله، وقل: اللهم إن قصر عملي فإني أرجو رحمتك، وكم من عبدٍ رجا رحمة الله جل جلاله ففاز بدرجات لم يفز بها من جد واجتهد بذلك؛ لأن هذا الشعور هو التعلق بالله سبحانه وتعالى.
فتستمسك بالذي أوحي إليك، ولو حصل منك ما حصل من الفتن والشهوات وغيرها، فربما تجد العبد من أصلح خلق الله، أو طالب علم، ربما تحدث منه فتنة فيتسلط عليه الشيطان بقوله: لو كنت طالب علم بحق لما وقعت في هذه الفتن، ولو كنت طالب علم لعصمك الله من هذه الفتن.
حتى يُسيء ظنه بالله؛ لأن أهم شيء يتوصل إليه عدو الله هو إساءة ظنك بالله.
ولذلك تجد في بعض الطائعين من الانتكاسة ما لا تجده عند المجرمين -والعياذ بالله- في بعض الأحيان بسب هذا الشعور؛ لأن الشيطان يعلم أن قِوام المسلم في حسن ظنه بالله وكمال اعتقاده في الله، فإذا أصاب هذه الروح الزاكية المتعلقة بربها بالشكوك وإساءة الظن بالله عز وجل؛ فإنه -والعياذ بالله- سيهوي به إلى أسفل سافلين، ولكن لا تبال ولا تهتم ولا تغتم لشيء إلا لرحمة ربك: (لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).
فتستمسك بالذي أوحي إليك، وتعُظ على الخير والطاعة والبر، فإن وجدت خيراً حمدت الله، وإن وجدت طاعة وبراً ذكرت الله وشكرته، وإن تكالبت عليك الفتن عن يمينك وشمالك، ومن أمامك ومن وراء ظهرك، ومن فوقك ومن تحتك، فاستعن بالحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ووجه وجهك للذي فطر السموات والأرض، وقل: اللهم ليس لي من أحد سواك، اللهم كما أرجوك طائعاً فإنه عظُم رجائي فيك مذنباً، وإنه لا يَخيب من رجاك، ولا يُحرم من سألك، وترجو رحمة الله، وتتملق لله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، فإذا بالسيئات تبدل حسنات، ومن صدق مع الله صدق الله معه.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يدفع عنا ويصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نعوذ بك من فتن المفتونين، ومن ضلال المضلين، اللهم اهدنا ولا تضلنا، وارحمنا ولا تعذبنا، وسامحنا ولا تؤاخذنا، وزدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، نسألك أن تجعل خير أعمالنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم وبارك على البشير النذير.
شرح زاد المستقنع -
باب الوصية بالأنصباء والأجزاء
إذا أوصى المورث لشخص بمثل نصيب أحد الورثة وعينه فعند ذلك يعطى الموصى له مثل نصيب ذلك الوارث المعين، وإن لم يعينه أعطي الموصى له مثل أقل الورثة نصيباً، وإن وصى بسهم من المال للموصى له؛ أعطي الموصى له السدس، وإن وصى بجزء من المال أو شيء أو حظ؛ أعطي الموصى له ما يصدق عليه أنه مال.
معنى الأنصباء والأجزاء
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الوصية بالأنصباء والأجزاء].
الأنصباء: جمع نصيب، ونصيب الإنسان حظه المقدّر، والمراد هنا: ما قدره الله تبارك وتعالى للوارثين، فقد جاءت نصوص الكتاب والسنة بإعطاء الوارثين حقوقهم، فأعطى الله جل جلاله كل ذي حق حقه من التركة، وجعل هذا الإعطاء مقدراً بمقادير معيّنة، أو يكون تعصيباً ينال الإنسان به ما فضل عن أصحاب المواريث، كما سيأتي -إن شاء الله- في كتاب الفرائض.
فالمراد هنا بقوله: (بالأنصباء): نصيب الوارث، وقوله: (الأجزاء): جمع جزء، وجزء الشيء بعضه، سواء كان أكثر البعض، أو نصفه، أو أقل من ذلك.
وقوله رحمه الله: (باب الوصية بالأنصباء والأجزاء)، هذا الباب يذكر فيه الموصِي أنه قد أعطى من أُوصِي له قدراً معيناً أو مبهماً يمثِّله بنصيبٍ لوارث؛ كأن يقول: أعطوا خال أولادي مثل أُخته، فأخته زوجة، ولها نصيب في كتاب الله عز وجل حيث ترث الثمن إذا كان هناك أولاد، فلما قال: أعطوه مثل نصيبها، فمعناه أنه يريد أن يعطيه الثمن.
وفي بعض الأحيان يقول: أعطوا فلاناً أقل نصيبٍ لوارث، فحينئذٍ لا يُحدِّد، وإنما يبيّن أن له الأقل، فننظر فربما كان الأقل أثناء كتابته للوصية شيئاً، ثم يختلف بعد موته فيكون شيئاً آخر.
وفي بعض الأحيان يقول: أعطوا فلاناً من تركتي جزءاً أو سهماً أو حظاً أو شيئاً، فيبهم، ففي هذه الأحوال -أي: كلها- درس العلماء رحمهم الله هذا النوع من الوصايا، وعند التأمل والنظر نجد أن هذا النوع من الوصايا يرجع إلى كتاب الفرائض.
والمسائل فيه مسائل حِسابية، ولكن المصنف رحمه الله والعلماء يفردونه بباب مستقل عناية به، وقد تقدم بيان السبب في هذا، وهو أن أهل العلم رحمهم الله ربما يقتطعون من الباب العام أو الكتاب العام مسائل تُذكَر في مواضع خاصة مفرقة على حسب مناسبات كتبها وأبوابها.
فقد تقدم معنا أن كتاب القضاء ينتضمن أحكام الشهادات والبيِّنات، فربما ذكر العلماء رحمهم الله مسائل من القضاء في كتاب البيوع، ويذكرون مسائل البيوع المتصلة بالقضاء؛ لأنهم يرونها في هذا الباب ألطف.
وعلى كل حال: هذا بابٌ مهم، ولذلك يقول عنه الإمام النووي رحمه الله في الروضة: (هذا فن طويل، ولذلك جعله العلماء علماً برأسه، وأفردوه بالتدريس والتصنيف).
قوله: (هذا فن طويل جعله العلماء علماً برأسه) يعني: من عناية أهل العلم به أنهم جعلوه رأساً، وإلا فالمفروض أن يكون مندرجاً تحت الفرائض؛ لكنهم جعلوه رأساً مستقلاً، وأفردوه بالتصنيف والتدريس، فصنفوا فيه، ولذلك قال المصنف رحمه الله: (باب الوصية بالأنصباء والأجزاء)، فأفرده ببيانه وتدريسه.
وهذا الباب مسائله كثيرة جداً، وهو من أمتع الأبواب في دراسة مسائله الحسابية، لكن بعد إتقان الفرائض، ولا يستطيع الإنسان أن يضبطه ضبطاً تاماً إلا بعد إتقانه للفرائض، مع الإلمام بأصول الأحكام المتعلقة به.
أحكام ومسائل الوصية بالأنصباء والأجزاء
يقول رحمه الله: (باب الوصية بالأنصباء والأجزاء) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من المسائل والأحكام التي تتعلق بالوصايا التي يُذكر فيها النصيب، أو يذكر فيها الجزء، ويتبع هذا ذكر الوصايا بالسهم وبالشيء المجهول.
وإذا وَصَّى الإنسان فإما أن يذكر قدراً معيناً من التركة بالنسبة، كقوله: أعطوا فلاناً نصف مالي، أو أعطوا فلاناً بعد موتي ثلث مالي، فإذا حدد بالنسبة ففي هذه الحالة تنقسم المسألة إلى ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يعطيه الثلث.
الصورة الثانية: أن يعطيه أكثر من الثلث.
الصورة الثالثة: أن يعطيه أقل من الثلث.
فإذا أعطاه الثلث فأقل فبالإجماع أنه تنفذ وصيته على التفصيل الذي قدمناه، والدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الثلث والثلث كثير)، فأعطى المريض مرض الموت أن يتصرف في ثلث ماله فيعطيه من شاء.
إذاً: النص يدل على أن من حقك أن توصي بثلث مالك وصية شرعية معتبرة، وكذلك دل النص على أن ما دون الثلث يجوز للإنسان أن يوصي به.
الصورة الثالثة: أن تكون وصيته أكثر من الثلث، فقد ذكرنا أنها لا تجوز، وأنه ليس من حق الميت أن يُوصِي بأكثر من الثلث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم منع سعداً من ذلك.
وبيّنا إجماع العلماء رحمهم الله على هذا، وقد اختلف العلماء إذا أوصى بأكثر من الثلث فأجاز الورثة ورضوا: هل هي عطية مبتدئة أو عطية تنفيذية؟ ثم ذكرنا خلاف العلماء والثمرة المتعلقة بهذا الخلاف.
إذاً: مسألة أن يُحدد نسبة معينة من المال كله لا إشكال فيها.
الحالة الثانية: أن يذكر نصيباً أو جزءاً أو حظاً، فإذا أعطى مثل نصيب الوارث فقال: أَعطوا خال أولادي مثل محمد، أو أعطوا خال أولادي مثل أخته، فإذا حدَّد نصيب الموصَى إليه بنصيب وارث لم يخل الورثة من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون نصيب الورثة مستوياً، فيأخذ كلٌ منهم مثلما يأخذ الآخر، مثاله: لو تُوفي رجل عن ابنين ليس له غيرهما، فحينئذٍ المال يُقسم بينهما بالسوية، فإذا قال: أعطوا فلاناً -عم أولادي، أو خال أولادي- مثل نصيب أحدهم؛ فحينئذٍ لا إشكال أن المال يُقسَم بين الجميع على حد سواء، وكأنه ابن ذكر دخل بينهم.
الحالة الثانية: أن يكون النصيب مختلفاً، فيقول: أعطوا خال أبنائي مثلما تأخذه أخته، فحينئذٍ الذي تأخذه الزوجة هو الثمن، ولو توفي وترك زوجة وثلاثة أولاد أبناء ذكور، ففي هذه الحالة تجعل المسألة من ثمانية، فتعطى الزوجة الثمن، ويعطى كل واحد من الأبناء ثمنين، فتصبح المسألة من سبعة، ثم يدخل هذا الخال معهم فتصبح المسألة من ثمانية.
فإذا اختلفت الأنصبة بين الورثة فإننا في هذه الحالة ننظر إلى الشخص الذي عيّنه، ونضيف سهم الشخص الذي أدخله من غير الوارثين في الوارثين بذلك السهم، مضافاً إلى أصل المسألة، كما سيأتي -إن شاء الله- بيانه وشرحه.
إذاً: اتفقت أنصبة الورثة، فيكون كواحدٍ منهم، وإذا اختلفت فتعطيه سهم من سَمّى من الورثة -كالزوجة ونحوها- وتدخله في المسألة حتى ولو عالت المسألة، وسيأتي -إن شاء الله- توضيح هذه الأمثلة.
وإذا أبهم وقال: أعطوا خال أولادي أو عمهم مثل نصيب وارث، ولم يحدد الأقل ولا الأكثر، والورثة مختلفون، فهل نعطيه نصيب الأكثر أو نعطيه نصيب الأقل؟ جمهرة أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة على أنه يُعطى مثل نصيب أقلِّهم؛ لأنه هو اليقين الذي يجب صرفه إليه، ولا يُعطى مثل نصيب الأكثر.
أما لو قال: أعطوه جزءاً من مالي، أو شيئاً من مالي، فحينئذٍ نقول للورثة: أعطوه أي شيء ترضاه أنفسكم، فأقل ما يصدُق عليه أنه مال إذا أعطوه إياه فقد نفذَت الوصية وتمت؛ لأنه قال: أعطوه شيئاً، والشيء يصدق على القليل والكثير، فكل ما طابت به أنفس الورثة فإنه هو المجزئ تنفيذاً لهذه الوصية.
وبقيت مسألة أخيرة وهي: إذا قال: أعطوا فلاناً سهماً من مالي، فبعض العلماء يقول: نعطيه أقل نصيب من الورثة، وهذا قول اختاره الإمام الشافعي رحمه الله وطائفة من أهل العلم.
وبعض العلماء يقول: نعطيه سدس المال؛ لأن السهم في كتاب الله عز وجل -كما هو معلوم، وكما تقدم معنا في كتاب الجهاد وغيره- هو السدس، وهذا هو الذي يكون نصيباً له إذا عبّر الميت بالسهم.
وهذا القول أفتى به علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، وقضى به إياس بن معاوية القاضي المشهور، واختاره جمع من الأئمة رحمهم الله.
هذا حاصل ما يذكر في الأنصبة والأجزاء، وسيفصل المؤلف رحمه الله في هذه المسائل في هذا الباب.
الوصية بمثل نصيب وارث معين
قال رحمه الله: [إذا أوصَى بمثل نصيب وارث معين فله مثل نصيبه مضموماً إلى المسألة] لو أوصى أن يُعطى مثل ابنه محمد، وله ثلاثة أبناء، فحينئذٍ في الأصل -قبل أن يدخل هذا الشخص- أن يُقسم المال على ثلاثة، فكل واحد من أبناء الذكور يأخذ ثلث المال، فإذا أدخل هذا الأجنبي ووصى له فإنه في هذه الحالة يقسم المال على أربعة، فيكون لكل واحد من هؤلاء الأبناء الربع، وله هو أيضاً الربع، فنصيبه مثل نصيب الوارث.
هذا هو معنى قوله: (فله مثل نصيب الوارث مضافاً إلى أصل المسألة).
ونبدأ المسألة بالتدريج، فإذا وصَّى لشخص بمثل نصيب وارثه، وليس له وارث إلا ابن ذكر واحد، ففي هذه الحالة يكون لهذا الوارث مثل نصيب الابن الذكر؛ فيُقسم المال بينهما مناصفة، فإذا قسمناه بينهما مناصفة فحينئذٍ سيكون حظه فوق الثلث، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصية فيما زاد عن الثلث، فتصح في الثلث، ونقول لهذا الوارث: هل تأذن له بما زاد أو لا تأذن؟ فإن أذن مضت الوصية، وكان له نصف المال، وإن لم يأذن لم يكن له إلا الثلث.
وأما إذا كان له ابنان، ففي هذه الحالة يكون المال مقسوماً بين الابنين، وكل منهما يأخذ النصف، فإذا دخل هذا الأجنبي الذي وصَّى له فسيكون المال منقسماً على ثلاثة، ولكل واحد منهم الثلث؛ لأن الابنين شرَّكا هذا الأجنبي بقوله: (مثل نصيب الوارث)، ففي هذه الحالة يكون له الثلث، وإذا كان له ثلث المال فهذا حظُّه ونصيبه الذي تجوز الوصية به.
وإذا كان له ثلاثة أبناء ذكور، ففي هذه الحالة يكون لكل ابن ثلث المال قبل دخول الأجنبي، فلما دخل هذا الأجنبي أصبح المال منقسماً على أربعة، فيكون للأجنبي ربع المال، وكل واحد من الأبناء يأخذ ربعاً، فتتم القسمة على أربعة، وعلى هذا تسير المسألة.
قال المصنف رحمه الله: [فإذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان فله الثلث].
قوله: (فله الثلث) بدأ بهذا، ولم يذكر إذا كان له ابن واحد؛ لأن المسألة فيها زيادة على الثلث؛ لأنه سيكون له النصف، فابتدأ رحمه الله بالثلث الذي هو أصل الاستحقاق، فإذا كان له ابنان ووصى له بمثل نصيب أحدهم، فإنه في هذه الحالة يكون له ثلث المال وللابنين الثلثان.
قال رحمه الله: [وإن كانوا ثلاثة فله الربع].
لأن المال منقسم على ثلاثة، وكل واحد سيأخذ الثلث، ثم لما دخل الأجنبي انقسم على أربعة؛ لأنه جعله كواحد منهم، فينقسم على أربعة، فيكون له ربع التركة.
قال رحمه الله: [وإن كان معهم بنت فله التسعان] أي: إن كان الثلاثة الأبناء الذكور معهم بنت وأجنبي، فالثلاثة الأبناء الذكور لما دخلت معهم البنت سيكون لكل واحد منهم اثنان وللبنت واحد، فتكون المسألة من سبعة، وفي هذه الحالة سيدخل هذا الأجنبي معهم كواحد من الذكور، فتصبح المسألة من تسعة، فيكون له تُسعان، ولكل واحد من الذكور تسعان.
ففي هذه الحالة تجعل الأجنبي داخلاً بمثل نصيب الوارث مضافاً إلى أصل المسألة، فهم ثلاثة ذكور مع أختهم، والثلاثة: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:11]، فتضربهم في اثنين فتصبح من ستة، والأنثى لها واحد، فتصبح المسألة من سبعة، فأصل المسألة من سبعة، فلكل ذكر سبعان، والأنثى لها سُبع واحد، فلما دخل الأجنبي أصبحت المسألة من تسعة، فبدلاً من أن يكون للذكر سُبعان سيكون له تسعان، ويكون للأجنبي التُسعان، هذا إذا قال: له مثل الذكر، أما لو قال: مثل بنتي؛ فيكون له ثمن المال.
الوصية بمثل نصيب أحد الورثة دون تحديد الوارث
قال المصنف رحمه الله: [وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يبين، كان له مثل ما لأقلهم نصيباً].
إذا وصى له بمثل ما لوارثه ولم يبين، فلم يقل: أعطوه مثل ابني أو ابنتي، أو مثل فلان؛ فمن العلماء رحمهم الله من قال: يُعطى مثل أقلهم؛ لأن هذا هو اليقين، وهذا هو الذي عليه كثير من العلماء رحمهم الله، وعليه الفتوى والعمل.
فإذا قال: أعطوه مثل ما للأنثى، وعنده وارث من الذكور يرث سهمين، ووارث من الإناث يرث سهماً واحداً، ففي هذه الحالة نُعطيه مثل ما للأنثى، وتكون المسألة التي قدمناها -في الثلاثة الذكور والأنثى- من ثمانية؛ فيكون للأنثى الثمن، وللثلاثة الذكور لكل واحد منهم ثمنان.
فإذا كانوا ثلاثة فلهم ستة والأنثى معهم السابعة، فتكون المسألة من سبعة، من حيث الأصل، فعندما قال: أعطوا فلاناً مثل ما لوارثي، ولم يبيِّن، فحينئذٍ نعدل به إلى الأنثى، وإذا عدلنا به إلى الأنثى فمعناه: أنه سيأخذ مثل الأنثى، وإذا أخذ مثل الأنثى فمعناه: أن له سهماً واحداً، فبدلاً من أن تكون المسألة من سبعة ستكون من ثمانية، فيكون لكل ذكر سهمان من ثمانية، وهما الثمنان، فتكون ستة أثمان للذكور، ويبقى الباقي -وهو الثمنان- منقسماً بين البنت وبين هذا الأجنبي، هذا إذا لم يُسَمِّ.
ولماذا قال العلماء بالأقل؟ هناك عند العلماء قاعدة تقول: (اليقين لا يُزال بالشك)، وهذه القاعدة تفرّعت عليها من المسائل ما لا يحصى كثرة، ولذلك اعتبرها الأئمة رحمهم الله من أمهات القواعد الفقهية الخمس المشهورة، فيقولون: إذا قال: أعطوه مثل ما لوارثي، فعندنا وارث ينال الأقل، ووارث ينال الأكثر، فإذا أعطيناه الأقل فلا نشك أنه ينال هذا الحظ الذي هو السهم، ولكن نشك في السهم الزائد، والأصل أنه ليس له حق في التركة؛ لأنه أجنبي، فنبقى على اليقين، ولا نعطيه ما زاد عن هذا النصيب الأقل حتى يَنُص صاحب المال على أنه يزاد له في حظه.
هذا هو السبب في أننا نعطيه الأقل؛ لأنه اليقين، وقد ثبت بيقين أنه يأخذ هذا السهم، وما زاد عنه باقٍ على الأصل، وهو أنه لا حظ له حتى يدل الدليل؛ لأنه لو أراد أن يعطيه أكثر لقال: أعطوه مثل فلان، فلما قال: أعطوه مثل ما لوارثي؛ أَلست إذا أعطيته مثل نصيب البنت تكون قد أعطيته نصيب وارث؟ بلى، فالبنت وارثة، فإذا كانت البنت ترث، ووصف الإرث متعلق بها؛ فإنك إذا أعطيته مثل نصيب الأقل فقد أعطيته نصيب الوارث، وهذا مذهب طائفة من العلماء كما ذكرنا، وهو الذي عليه العمل والفتوى؛ لصحة دلالة قواعد الشريعة عليه.
لكن في الحقيقة يبقى الإشكال: وهو أن أحد مشايخنا رحمة الله عليه أورد مسألة لطيفة وهي: إذا قال: أعطوه مثل نصيب وارثي، وكان أبناؤه كلهم ذكوراً، وزوجته حامل، فلما توفي وضعت أنثى، فالوارث في الأصل هم الذكور، فكان المفروض أنه يدخل معهم بنصيب أفضل، لكن وضعت الأم بنتاً وماتت الأم، فإن نصيب البنت سيكون الأقل، والواقع أننا نعطيه مثلما نعطي الإناث؛ لأنه بعد الموت -والوصية مضافة لما بعد الموت- يصدُق وصف الإرث على الأنثى كما يصدق على الذكر، ولذلك تسري نفس القاعدة الأولى، وهذه من بعض الإشكالات التي يورِدها بعض العلماء.
وهناك من يقول: يُعطى مثل الذكر؛ لأنه وإن لم يُسم الذكر فقد عُلِم من دلالة الحال أنه يريد الوارث الذكر، ولكن هذا لا يخلو من نظر؛ لمسائل نظيرة لهذه المسائل يفتي فيها حتى العلماء الذين يقولون بأنه يكون له مثل نصيب الوارث مع كونه أقل، وعلى هذا فإنه يأخذ نصيب الأقل بكل حال.
وقوله: [وإن وصَّى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يبين؛ كان له مثل ما لأقلهم نصيباً، فمع ابن وبنت ربع].
فالابن له سهمان، والبنت لها سهم واحد، ففي هذه الحالة تصبح المسألة من ثلاثة، فإذا أَعطيت الابن السهمين وأعطيت البنت سهماً، فقد أعطيت الذكر مثل حظ الأنثيين، فتصبح المسألة من ثلاثة.
وفي هذه الحالة إذا قال صاحب الورث: أعطوا محمداً مثل ما لوارثي، فإذا كان عنده ابن وبنت، فالابن له اثنان، والبنت لها واحد، فتصبح المسألة من أربعة، فالبنت لها سهم واحد، والأجنبي له سهم واحد؛ لأنه هو السهم الأقل، والابن الذكر له سهمان، فتصبح المسألة من أربعة، ويُقسم المال بينهما، لكلٍ من الأجنبي والبنت الربع، وللابن الذكر نصف المال الذي هو الربعان.
وقوله: [ومع زوجة وابن تسع].
لأن المسألة في الأصل من ثمانية، فالزوجة لها الثمن واحد، والابن له سبعة أثمان؛ لأن الابن عصبة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر)، فالابن عصبة، ودائماً إذا اجتمع صاحب فرضٍ وصاحب تعصيب وليس هناك غيرهما، فصاحب الفرض يأخذ فرضه، وتصح المسألة من نفس المقام الذي للفرض، ثم تُعطِي الباقي للعصبة، فالزوجة تأخذ الثمن لوجود الابن، فيبقى سبعة أثمان تَصرِفها إلى الابن الذكر.
فلما قال: أعطوا مثلما لوارثي، فالزوجة وارثة، فنعطيه مثل الحظ الأقل وهو الثمن، فيكون له سهم واحد، فتعول المسألة، فبدلاً من أن كانت من ثمانية فتصبح المسألة من تسعة، فيكون له التُّسع وللزوجة التُّسع، وسبعة أتساع للابن الذكر.
الوصية بسهم من المال
قال رحمه الله: [وبسهم من ماله فله سدس].
قوله: (وبسهم من ماله) كما لو قال: أعطوا فلاناً سهماً من مالي، فمن أهل العلم من قال: يُعطى أقل ما يصدُق عليه أنه مال؛ لأنه سهم، ومنهم من قال: يُعطى السدس، كما ذكرنا، وهو الذي أفتى به بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كـ علي وابن مسعود رضي الله عنهما، وفيه حديث مرفوع -لكنه حديث ضعيف- (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيمن وصى بالسهم بالسدس)، ولكن هذا الحديث ضعيف السند، والعمل على أنه يأخذ السدس؛ لأنه هو السهم في كتاب الله عز وجل، فيُعْطَى سدس المال.
الوصية بشيء أو جزء أو حظ من المال
قال رحمه الله: [وبشيء أو جزء أو حظ أعطاه الوارث ما شاء].
إذا قال: وصيت لفلان بجزءٍ أو بشيءٍ من مالي، فننظر إلى أقل ما يصدُق عليه أنه مال -وهو الواجب- فيجب على الوارث أن يعطيه أقل ما يصدُق عليه أنه مال، فإذا أحب الورثة أن يزيدوا فهذا أمر يعود إليهم.
أما الذي يستحقه فهو أقل ما يصدُق عليه أنه مال؛ لأنك إذا أعطيته ولو ريالاً واحداً؛ فإنه شيء من المال، وإذا أعطيته ريالاً من التركة فإنه جزء من المال، وإذا أعطيته ريالاً من التركة فهو بعض من المال، ويصدُق عليه أنه بعض وأنه جزء، وعلى هذا فيعطيه الوارث ما شاء.
الأسئلة
بيان معنى تأدية الله للدين عن بعض عباده
السؤال
كيف يجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: (نفس المؤمن مرهونة بدينه)، وبين قوله عليه الصلاة والسلام: (من أخذ حقوق الناس يريد أداءها أدى الله عنه)؟
الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقوله عليه الصلاة والسلام: (نفس المؤمن مرهونة بدينه) المراد به: أن الميت إذا مات وعليه دين فإن نفسه تُرهن، والعرب تقول: الشيء مرهون إذا كان محبوساً، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:38].
أي: محبوسة، فعِيلة بمعنى: مفعولة.
فالمراد: أن النفس تُحبس، وقد اختلف العلماء في هذا الأمر، والحقيقة: أن الأمر فيه شيء من الغيب، فإنه لم يرِد تفصيل عن كيفية حبس نفس الإنسان إذا مات وهو مديون، لكن ورد حديث صحيح، وهو حديث أبي قتادة رضي الله عنه، وهو يدل على أمر عظيم، حاصله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بميت فقال: (هل عليه من دين؟ قالوا: نعم ديناران، فقال صلى الله عليه وسلم: هل ترك وفاءً؟ قالوا: لا.
قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة رضي الله عنه: هما عليّ يا رسول الله! فصلَّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو قتادة: فلم يزل يلقاني ويقول: هل أديت عنه؟ فأقول: لا بعد، حتى لقيني ذات يوم فقال: هل أدّيت عنه؟ قلت: نعم، قال: الآن بردت جلدته)، فحتى ولو تحمل عن الميت بعض الورثة فيقول: أنا أتحمل عن أبي، فلا يكفي ذلك حتى تُسدِّد بالفعل، فهناك تبرأ الذمة بالفعل.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (الآن بردت جلدته)، هذا شيء لا يستطيع الإنسان أن يدركه؛ لأنه علم غيب، فأمور القبر والبرزخ أمور غيبية متعلقة بالسمعيات والنصوص التوقيفية، ولا يستطيع أحد أن يجتهد فيها، ولا يستطيع الإنسان أن يكشف غيبها؛ لأن علم الغيب استأثر الله به، حتى الأنبياء والرسل لا يعلمون الغيب إلا إذا أطلعهم الله عز وجل على شيء من ذلك.
وبناءً على هذا: فلا يُخاض في حقيقة الرهن والحبس، لكن الإشكال كيف نقول هذا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه)؟ اختلف العلماء في قوله: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها)، وقد كانت أم المؤمنين رضي الله عنها حفصة كثيرة الدين، وكانوا يلومونها كثرة الدين، فقالت: (لا أترك الدين)، لكنها ما كانت تستدين من أجل أن تبني لنفسها أو تمتع نفسها، فقد كانت من أكرم الناس كأبيها رضي الله عنها وأرضاها، فكانت كريمة سخية لا تُمسك شيئاً في يدها، وهكذا كن أمهات المؤمنين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهن تربين على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفن حقيقة هذه الدنيا وهوانها، فكانت لا تُمسك شيئاً فكثُر عليها الدين، فأصبحوا يلومونها، فقالت رضي الله عنها: لا أترك الدين منذ أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه)، فقال بعض العلماء: معنى قوله: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها) أي: أنه عندما يأتي ليستدين اطلع الله على قلبه ونيته أنه يريد أن يُسدد، فصيها ويُيَسِّر الله له السداد ولو بعد حين، حتى ولو توفي فإن الله يعين ورثته حتى يسددوا.
وهذا في الذي يأخذ أموال الناس يريد أداءها، أما الذي يأخذها -والعياذ بالله- لا يريد أداءها؛ فإن الله يحول بينه وبين ذلك ولو تمنى، فكلما جاء يُسدد يُحدث الله له مشكلة، ويفتح الله عليه باب فقر، حتى لربما تُوفِّي وهو لم يسدد الناس، ثم عجز ورثته من بعده، ولربما نُسي، فعذِّب بذلك الدين، نسأل الله السلامة والعافية.
إذاً: هذا الأداء المراد به المعونة.
وقال بعض العلماء -وهو القول الثاني-: المراد أدى الله عنه يوم القيامة؛ لأن الله يقول: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة:119]، فكل من صدق في نيته وكانت نيته صالحة، فإن الله يتولى أمره بحسن نيته، حتى ولو كان فيما بينه وبين الله، وقد ورد في الخبر أن العبد يُوقف بين يدي الله فتُكشَف له ذنوبه ويشفق على نفسه، فيقول الله: (عبدي! أما وإنك قد فعلت ذلك فقد كنت تخافني وترجوني)؛ وذلك لما كان في ضميره وقلبه، فالشخص إذا كان في ضميره وقلبه أن يُسدد الناس وعجز عن السداد في حياته، ولقي الله يوم القيامة وقد جاء خصومه يطالبونه بالديون، أدى الله عنه؛ لأنه علم منه حسن النية وصِدق القصد في أن يؤدي؛ فكانت هذه رحمة من الله عز وجل.
وفي الحقيقة: أمر الدّين عظيم، وعلى الإنسان -من حيث الأصل- أن يتقيه ما أمكنه، وبعض العلماء يُخفف في هذا إذا كانت نية الإنسان صادقة في السداد، ويعلم الله أنه ما استدان إلا لظروف وضرورة، فيرى أولاده وزوجته، ويرى من يعول محتاجاً، فيذهب يستدين من أجلهم، ويتحمل من أجلهم، كما استدان عليه الصلاة والسلام من أجل عورات المسلمين، وسد حاجاتهم، والقيام عليهم، فأدى الله سبحانه وتعالى عنه دينه، وقد تُوفِّي عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة في صاعين من شعير ليهودي.
فالمقصود: أن الدين يخفِّف فيه بعض العلماء، وخاصةً إذا جاءت ظروف تضطر الإنسان إلى أن يستدين.
وعلى كل حال: فالإنسان عليه أن يتقي الدين ما أمكن، فهو ذل النهار وهم الليل، نسأل الله بعزته وجلاله وقدرته على كل شيء أن يؤدي عنا حقوق عباده، وأن يخرجنا من هذه الدنيا وقد سلمنا وسُلِّم منا وهو على كل شيء قدير، وعلى هذا: فليس هناك تعارض ولا إشكال، فمن أخذ أموال الناس وهو يريد أداءها أدى الله عنه، ويُصبح مستثنىً من الأصل، فإذا أردت أن تجمع بينهما بالعموم والخصوص، أو تقول: أدى الله عنه، لكن لا يمنع أنه مرهون ومحبوس حتى يؤدي الله عنه، بخلاف الذي كانت نيته غير صالحة فيجمع الله له بين العذابين: بين حبس نفسه، ثم لا يؤدي الله عنه، فيؤخذ من حسناته على قدر مظالم الناس، فيُصبح قوله: (أدى الله عنه) إذا حُمل على أداء الآخرة، فتكون نفس المؤمن مرهونة أو محبوسة بدينه من البرزخ إلى لقاء الله عز وجل، ثم يؤدي الله عنه بحسن نيته، هذا إذا قلنا: إن الأداء هو في الآخرة، وأما إذا كان الأداء في الدنيا، فلا إشكال فيه على التفصيل الذي ذكرناه، والله تعالى أعلم.
من أوصى لغير وارث بمثل نصيب وارث
السؤال
أشكلت عليّ مسألة وهي قوله: (وقع زوجة وابن تسع) كيف يكون الموصَى له التسع، أليس له الثمن كحق الزوجة لأنه أقل إرثاً؟
الجواب
في هذه الحالة ستعطيه ثمناً مثل الزوجة، وأصل المسألة من ثمانية، فمعنى ذلك: أنك ستقسم ويكون للزوجة الثمن؛ لأنه أعطاه مثل نصيبها، فلا تستطيع أن تعطيه ثمناً آخر، لأن المسألة أصلاً لا تصح على هذا الوجه، وفي هذه الحالة يكون له النصيب مثل نصيب الوارث.
وبعض العلماء -وهو مذهب آخر- يرى التشريك حتى في الزوجات، فلو قال: له مثل الزوجة، وكانت له زوجتان؛ فتصح تصح المسألة من ثمانية، ويُقسم الثمن بينهما، ثم تعول لكل واحدة منهما واحد على ستة عشر، ويكون له واحد على ستة عشر، أي: جزء النصيب في الميراث، وفرق بين جزء النصيب في الميراث وبين النصيب في الإرث الذي هو الثمن، والذي يظهر هو ما اختاره المصنف أنه يكون له مثل الثمن؛ لأن الذي ذكرته أنت يكون له فيها جزء الميراث، وهذا يرده غير واحد من أهل العلم رحمهم الله، والصحيح: أنه يكون له الثمن رأساً، وتكون المسألة من تسعة؛ للزوجة تسع وله تسع، والباقي للرجل الذكر على التفصيل الذي ذكرناه، والله تعالى أعلم.
معنى قول العلماء: (لا مشاحة في الاصطلاح)
السؤال
ما معنى قول العلماء رحمهم الله: لا مشاحة في الاصطلاح؟
الجواب
الاصطلاح لا مشاحة فيه، بمعنى: أن لكل قوم أن يَصطلحوا على تسمية الشيء باسمه كاصطلاح بينهم، فلا يأتي واحد ويخطئهم، أو يبين عوارهم في اختيار هذا، فهذا مصطلح لهم، ولا مشاحة في الاصطلاح.
وإذا اختلف اثنان، فإما أن يختلفا حقيقة أو صورة، فالخلاف ينقسم إلى: خلاف حقيقي وخلاف لفظي، فالخلاف اللفظي هو خلاف المصطلحات.
فمثلاً: لو جاء شخص وسَمّى شيئاً معيناً باسم معين لا يُعطيه حكم ذلك الاسم الشرعي، واصطلح مع غيره على هذه التسمية، فمثلاً: لو جاء بعض العلماء وأخرجوا بيع الصرف من البيع -فإن: بعضهم يراه بيعاً، والإجماع منعقد على أن الصرف يسمى بيعاً- ووضع تعريفاً، ورأى أن باب الصرف باب يستحق أن يُفرد بكتاب، وأن يفرد بمسائل حتى يُضبط أكثر ويُتقن أكثر.
وذلك مثل المالكية رحمهم الله في مذهبهم حيث أفردوا الصرف بباب مستقل، وبتعريف مستقل، وميزوه عن تعريف البيع العام، وأفردوا السلم عن باب البيع، مع أنه نوع من أنواع البيع؛ لأنه رخصة وبيع للمعدوم، فأفردوا السلم والصرف باسمهما وبباب مستقل، ووضعوا لكل منهما تعريفاً مستقلاً.
فلما جاءوا في كتاب البيع يعرِّفون البيع أخرجوا هذين النوعين من البيع؛ لكنهم أخرجوهما اصطلاحاً لا حقيقة؛ لأنهم في الحقيقة يسلِّمون أنهما نوعان من أنواع البيع؛ لكن في الظاهر جاءوا في التعريف فقالوا في البيع: عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة ذو مكايسة.
وهنا ينتهي تعريف البيع العام، ثم قالوا: أحد عِوضيه غير ذهب ولا فضة، معيّن غير العين فيه.
فلما قالوا: أحد عِوضيه غير ذهب ولا فضة؛ أخرجوا بيع الصرف، ولما قالوا: معين غير العين فيه، أخرجوا بيع السلَم، ولكن لم يخرجوهما من البيع حقيقة؛ لأنهم يرون أن كلاً منهما بيع، لكنهم اصطلحوا في مذهبهم على إفراد هذين النوعين من البيع، وهذا مصطلح خاص بالمذهب، لكنهم في الحقيقة يرون الصرف بيعاً والسلَم كذلك بيعاً، فهم في الحكم متفقون، وفي الاصطلاح مختلفون؛ فنقول: لا مشاحة في الاصطلاح.
فلا يأتي شخص ويقول: هذا التعريف خطأ؛ لأنه أخرج الصرف والسلَم وهما من البيع، بل نقول: هذا إخراج اصطلاحي لا حقيقي فلا يؤثِّر؛ لأنه لا مشاحة في الاصطلاح.
مثال آخر: الواجب والفرض، فبعض العلماء يرى أن الخلاف بين الحنفية رحمهم الله وبين الجمهور في الواجب والفرض خلافٌ لفظي؛ لأن الحنفية يرون أن الفرض ما ثبت بدليل قطعي، وإذا كان ثابتاً بدلالته بدليلٍ قطعي، ودلالته قطعية وثبوته قطعي، فيكفَّر جاحده، ويعطونه أحكام الفرض من حيث أنه يثاب فاعله ويعاقب تاركه.
والجمهور عندهم أن ما ثبت من الواجبات بدليل قطعي، وصار معلوماً عند الإنسان ثبوته ثبوتاً ودلالة أنه قطعي، وعلم وقامت عليه الحجة، بإجماع الجمهور أنه يكفر إذا جحده، فمثلاً: الصلاة عند الحنفية فرض، وعند الجمهور تسمى فرضاً وتسمى واجباً، والحنفية لا يطلقون الواجب إلا على الذي ثبت بدليل ظني، فإذا أنكر شخص الصلاة، وقال: الصلاة ليست واجبة، فعند الجمهور وعند الحنفية أنه يُكفَّر، فالنتيجة واحدة، فالخلاف اللفظي والاصطلاحي نتيجته واحدة، ولكن من حيث الاصطلاح يختلف، فلكل مذهب اصطلاحه.
ولو أن أناساً داخل البيت اصطلحوا على تسمية شيء باسم، مثل البئر، فالبئر معروف، ومصطلح الناس العام في البئر معروف، ولكن لو كان عندك داخل البيت حوض صغير، وتقول دائماً لأولادك: ضعوها في البئر، اطرحوها في البئر، فيأتي شخص ويقول لك: لماذا سَمّيت هذا الحوض بئراً؟ فتقول له: هذا مصطلح بيني وبين أولادي، ولكن لو جاء شخص من الخارج وقال: ارمِ هذا في البئر، فذهب ووضعه في حوض؛ فنقول: هذا خالف الاصطلاح العام، فلا يمكن أن يُحمل لفظه على مصطلح خاص، لكن أنت فيما بينك وبين أولادك لكم مصطلح خاص، ولا مشاحة في الاصطلاح.
ولو وصَّى شخص بحفر بئر فلا نحفر حوضاً؛ لأن هذا خارج عن الاصطلاح العام، ففي الأحكام هذا شيء آخر، ولكن من ناحية التعارف اللفظي واتفاق الناس لكل قوم ما اصطلحوا عليه، فهم يصطلحون على ما شاءوا عليه، ولكن في الحقائق والأحكام لا يُعرف إلا ما ثَبت؛ إما بدليل الشرع، أو الطبع الذي هو الحقيقة الوضعية أو اللغة، والله تعالى أعلم.
حكم ترك الصلاة أو بعضها لمن كبر سنه
السؤال
والدي كبير في السن، ومريض، ويترك بعض الصلوات، فهل يقضيها؟ ومتى تسقط عنه الصلاة؟
الجواب
هذا السؤال فيه تفصيل، فإذا كان الوالد حين تركه للصلاة مدركاً عاقلاً؛ فحرام عليه أن يترك فريضة الله التي فرض عليه، ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إلا لمن رخص الله له بالتأخير.
أما إن كان مريضاً فيصلي على حاله، ولا يجوز له أن يؤخِّر الصلاة عن وقتها حتى ولو كان مريضاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ عمران بن الحصين رضي الله عنهما: (صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)، والله تعالى يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286].
فلا يجوز أن يترك الإنسان الصلاة، وأما إذا كان الوالد -لا قدّر الله- عنده خلل يُغَيِّب تارة ويرجع إليه عقله تارة، فإذا رجع إليه عقله خُوطِب بالصلاة، وإذا غَيَّب فإنه لا يخاطب بها، وليس بملزم بالصلاة؛ لأنه في حكم المجنون الذي رفع عنه القلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة -وذكر منهم-: المجنون حتى يفيق)، فدل هذا على أنه لا يخاطب إذا غَيَّب وذهب عنه عقله، والله تعالى أعلم.
الجد من جهة الأم محرم للزوجة
السؤال
هل الجد من جهة الأم محرم للزوجة؟
الجواب
جد الزوج هم آباؤه من جهة أبيه، وآباؤه من جهة أمه، وهم محارم للزوجة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:23]، فذكر من المحرمات حليلة الابن، وحليلة الابن هي زوجة الابن، سواءً كان مباشراً أو كان بواسطة، ولا شك أن الجد من جهة الأم زوجة ابن بنته تعتبر حليلة ابنه؛ لأن البنت ابن، قال صلى الله عليه وسلم عن الحسن: (إن ابني هذا سيد)، وقد قال الله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء:23]، فدل دليل السنة على أن ابن البنت ابن للجد، وإذا كان ابناً للجد؛ فدليل القرآن يقول في المحرمات ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:23]، فجد الزوج من أمه، وجده من أبيه، وجد جده وإن علا منهما، يُعتبر محرماً لزوجة ابن بنته وإن نزل، وهذا بإجماع العلماء رحمهم الله، بدليل ظاهر كتاب الله عز وجل، وظاهر السنة، والله تعالى أعلم.
من اعتمر في أشهر الحج ثم عاد إلى بلده وأحرم بالحج فليس متمتعا
ً
السؤال
من اعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى بلده وحج من عامه، فهل يُعتبر متمتعاً؟
الجواب
هذه المسألة بإجماع العلماء على أنه ليس يتمتع، فمن كان من أهل المدينة وجاء بعمرة في شوال أو في ذي القعدة أو في أول ذي الحجة، ثم رجع، ثم أحرم بالحج من ذي الحليفة، فالإجماع على أنه ليس بمتمتع؛ لأن الله يقول: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:196].
ولذلك قال الأئمة كما أشار الإمام ابن المنذر وغيره: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة:196] أي: لم يسافر بعد عمرته، بمعنى: لم يرجع إلى بلده، وهذا لم يتمتع بعمرته الأولى؛ لأنه لما أدى العمرة رجع إلى بلده، وإنما يكون متمتعاً لو أنه بقي بمكة وأنشأ الحج منها، فقد تمتع بسفر العمرة الأول فلزمه الدم، ولذلك لم يلزم أهل مكة؛ لأنهم أحرموا بالنسكين من موضع الإحرام وهو مكة.
أما بالنسبة لمن قال: يعتبر متمتعاً، فهذا مذهب شاذ، وهو قول طاوس بن كيسان تلميذ ابن عباس، ولذلك قال الإمام ابن رشد في بداية المجتهد: وشذ طاوس فقال: هو متمتع وإن رجع إلى بلده! والقول الشاذ لا يفتى ولا يُعمل به، فهو قول مهجور عند الأئمة سلفاً وخلفاً، فمن أدى العمرة في أشهر الحج ثم رجع إلى بلده، ثم أحرم بالحج من بلده فليس بمتمتع بإجماع العلماء، ومن عدّه متمتعاً فقول شاذ يُحفظ ولا يُعوّل عليه، والله تعالى أعلم.
حكم الطواف من داخل الحجر
السؤال
رجل اعتمر، وفي الشوط السابع من الطواف أراد أن يختصره فدخل من الحِجر وأتم عمرته، فهل عليه شيء؟
الجواب
هذه عمرة مختصرة، والله يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة:196]، فلا يصح هذا، والطواف لابد أن يُتِم بالبيت، ولذلك جمهور العلماء على أنه إذا دخل بين الحِجر وبين البيت لم يصح ذلك الشوط الذي دخل فيه، والدليل على هذا: قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:29]، و (العتيق): القديم، والمراد به ما كان على قواعد إبراهيم، وقواعد إبراهيم فيها شيء من الحجر كما هو معلوم، فالخمسة الأذرع إلى الستة الأذرع -كما في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام- تابع للبيت؛ فإذا دخل بين الحجر وبين البيت، فقد اقتطع جزءاً من البيت ولم يستتم الطواف بالبيت.
فالوصف بالتعتيق جاء لحكمة في كتاب الله عز وجل، ولذلك لم يقل: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ) فقط؛ لأنه لو قال: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ) فقط؛ لكان بالإمكان أن يحسب ذلك الشوط، والحنفية يتهربون من هذا الإشكال، ويقولون: العتيق؛ لأن الله عتقه من الجبابرة، وليس المراد بالعتيق القديم.
والصحيح: أن البيت العتيق المراد به: ما كان على قواعد إبراهيم عليه السلام، فلا يصح الطواف بين الحجر وبين البيت على أصح قولي العلماء وهم الجمهور، وعلى هذا: فيلزمه أن يعيد طوافه، وإن قيل بعدم صحة السعي إلا بعد الطواف فيلزمه إعادة الطواف والسعي، ثم يتحلل بعد ذلك، والله تعالى أعلم.
حكم الخصم الجزائي على الموظف
السؤال
في بعض الأحيان يكون غياب العامل ساعة أو أقل أو أكثر يضر بمصلحة العمل، فنخصم عليه نصف يوم تأديباً وردعاً لغيره، فهل يجوز ذلك؟
الجواب
يقول صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر)، أي: يجيء شخص فيقول له: أمَّنِّي، فأعطاه الأمان بالله على أنه لا يفعل به شيئاً، فإذا مكنه من نفسه غدر به وأضر به، أو أعطى عهده على أنه على بيعته للإمام أو ولي أمره ثم غدر، فهذا خصمه الله عز وجل، ومن كان خصمه الله فقد خصمه.
وأما الثاني: (ورجل باع حراً فأكل ثمنه).
وأما الثالث: (ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفه أجره).
وهذا رجل عمل عندك إحدى عشرة ساعة، فعليك أن تعطيه أُجرة إحدى عشرة ساعة كاملة غير ناقصة، وإن غاب ساعة فتخصم عليه ساعة، لا تزيد ولا تُنقص، وهذا هو القسط الذي أمرك الله به، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف:85]، وهذا ظلم، فإذا كان قد عمل يوماً ثم اخترم من اليوم جزءاً فتأتي وتأكل من ماله، وهو من عرَقِه وتعبه ونصبه، بدون حق على سبيل التأديب، فهذا ليس بوارد وليس بصحيح.
وبعض المتأخرين من العلماء اجتهد في هذه المسألة وقال: إنه يجوز من باب التعزير.
ولكن هذا ليس بصحيح، فإن هذه نصوص واضحة، والنصوص الواضحة لا اجتهاد فيها، فالأجير له أجره كاملاً، فلا يجوز أن يُنقص من أجره شيئاً، وإذا أردت أن تؤدبه فقل له: ما دمت بهذه المثابة فلا تعمل عندي، والواجب علينا أن ننظر بالعدل والإنصاف، فالعامل إذا غاب ساعة فانظر إن كانت عنده ظروف، وأنت تعرفه بالجد والاجتهاد والمحافظة، فاعلم أنه إن غاب وقصّر فذلك بدون اختياره، وإذا قصّر مرة فليسعه حلمك، والوفي الكريم هو الذي لا ينسى الفضل، والشخص الذي يحاسب الناس بهذه الدقة سيشدد الله عليه كما شدد على الناس، فينبغي على الإنسان أن يكون بعيد النظر، وخاصة مع هؤلاء الضعفاء المستأجَرين المستخدمين، ولذلك فإن الله تولى أمرهم؛ لأن الغالب في الأجير أنه يكون ضعيفاً، ولذلك قال: (أنا خصمه)، فالله سبحانه هو خصيم هؤلاء، فعلى المسلم أن يتّقي الله عز وجل.
فإذا استأجرت أجيراً أو عاملاً وقام لك بعمل ولم يتمه، فأعطه حقه فيما قام به غير منقوص، وتلقى الله سبحانه وتعالى وأنت بريء من حقوق الناس.
فليس هناك أعظم من حق إخوانك عليك، فقد يتحمل الشخص ذنوباً وسيئات فيما بينه وبين الله فيغفرها الله له في طرفة عين؛ لأنها من حقوق الله، والله يتجاوز عنها؛ لكن حقوق الناس لا يتجاوز الله عنها، ولا بد أن يسامح صاحب الحق، والغالب أن الضعفاء إذا أُكِل كدُّهم ونصبهم وتعبهم أنهم لا يسامحون، فينبغي على الإنسان ألا يخرج أحداً من هؤلاء الضعفاء إلا وقد وفىَّ له أجره.
ومسألة العقوبة بالتعزيرات هذه مسألة مقدرة بأشياء مخصوصة، منها ما ورد في الزكاة: (إنا آخذوها وشطر ماله)، فالذين قالوا بالجواز قاسوها على الزكاة، وهذا غير صحيح؛ لأن الحديث: (إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا)، فهذا نص جاء يستثني الزكاة؛ لأن الله يملك الناس وأموالهم، لكن الأجير لا تملكه وماله، بل تملك عمله ومنفعته، فإذا أعطاك العمل والمنفعة ناقصة بعض الشيء فأعطه بعض الشيء.
والوقفة الأخيرة: يا أخي الكريم! ليسأل كل واحد منا نفسه، فقد يتأخر بعض الأحيان العامل وقتاً يسيراً عن العمل، فيقيم صاحب العمل الدنيا ويُقعدها على هذا التأخر، وقد يتأخر ابنه في شيء يرسله فيه فيحصل عند الابن بعض التساهل ويتأخر فيقيم الدنيا ويقعدها، وقد تتأخر زوجته فيقيم الدنيا ويقعدها، وهو لا ينظر إلى نفسه وهو يتأخر عن ركن من أركان دينه، وهي الصلاة، فإن الله قد فرض عليك أن تصلي مع الجماعة، فسل نفسك متى جئت وكبّرت تكبيرة الإحرام مع الإمام؟ لماذا يشدد الإنسان دائماً في معاملة الغير وينسى نفسه؟! أذكر ذات مرة أنه حصل ظرف مع أحد الأشخاص فتأخر بعض من يقوم عليهم، فعاقبهم عقوبة شديدة، فقلت له: يا أخي! هذا لا يجوز، وليس هذا من حقك، فقد كانت عقوبة خارجة حتى عن الأصل الذي من حقه أن يعاقب فيه، فقلت: ليس ذلك من حقك، فقال: حتى يتأدب.
فسألته: أنشدك الله ألا تتأخر عن الصلاة التي فرضها الله عليك؟ قال: بلى، فقلت: يا أخي! إذا كنت أنت تعذر نفسك في الصلاة وأنت تتأخر عنها، وأنت شبعان ريان تسمع نداء الله عز وجل، وأنت في أتم عافية، وعندك سيارة، ومع ذلك لا تدرك تكبيرة الإحرام ولا تؤدي حق الله كاملاً، فتحاسب -بكل تشدد وبكل أذية- هؤلاء الضعفاء!! والله لا آمن أن يُشدد الله عليك مثلما شددت عليهم.
فالإنسان عليه أن يتقي الله عز وجل، وليعلم أنه مثلما يعامل الناس سيعامله الله؛ لأنه ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً كان يديِّن الناس، وكان يقول لأوليائه وعماله: إذا وجدتم معسراً فتجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، قال: فلقي الله فتجاوز الله عنه)، فمثل ما تفعل فيمن تحتك يفعل الله بك.
ومما ذكره الحكماء: أنك لن تجد رجلاً يرفق بالضعفاء الذين من تحته إلا وضع الله له القبول فيمن فوقه، وثق ثقة تامة أن الله عدل، وتجد الذي يعسر على من تحته منكدة أموره ممن فوقه؛ لأن الله عدل، وهذا الكون لا يظن أحد أنه سدى، بل إن أزِمَّته ومقاليد أمره بيد جبار السموات والأرض، والقسط بيده سبحانه يخفضه ويرفعه سبحانه وتعالى.
فعلى الإنسان أن يدرك أن حقوق الضعفاء لا يُتسلط عليها؛ بل تُدفع إليهم كاملة، فإذا عمل عندي تسعة وعشرين يوماً وترك يوماً من الشهر أخصم عنه يوماً واحداً، ولا أزيد، وإن نقصت في الخصم فجزاك الله خيراً، وإن تجاوزت عنه تجاوز الله عنك، إذا نويت وجه الله عز وجل وابتغيته.
فمثل هذه الأمور أُوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل فيها، وبالأخص في الأبناء والبنات والزوجات والأهلين، وكذلك العمال والخدامين والخدامات والمستأجرين من الضعفاء، فليتقِ الإنسان فيهم ربه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وليضع نُصب عينيه أنه تحت قدرة الله عليه.
فقد جاء في الحديث الصحيح: أن أبا مسعود قال: (كنت أجلد غلاماً لي؛ فلم أشعر إلا وبرجل من وراء ظهري يقول: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام، قال: فالتفت فإذا هو رسول الله، قال: فقلت: يا رسول الله! هو حر لوجه الله).
لقد كان الصحابة بمجرد وعظهم يُوعظون ويتركون الذنب، فقال له عليه الصلاة والسلام: (الله أقدر عليك)، فقَرن النبي صلى الله عليه وسلم بين قدرته عليه وقدرة الله، وهذا يدل على أن الله سيعامل الإنسان مثل معاملته مع الغير، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا مفاتيح للخير، وأن يُيسِّر بنا ولا يُعسِّر، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.
حكم صلاة وترين في ليلة
السؤال
ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لا وتران في ليلة)؟
الجواب
قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الثابت: (لا وِتران في ليلة) يدل على مسائل: المسألة الأولى: أنه لا يجوز للمسلم أن يُصلي وترين في ليلة ويقتصر عليهما؛ لأن الوتر ينبغي أن يكون آخر الصلاة حتى يكون العدد وترياً لا شفع فيه، فإذا صلى وِترين في ليلة واحدة فقد شفع الوتر الأول بالوتر الثاني، وبناءً على ذلك: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه فقال: (لا وِتران في ليلة).
المسألة الثانية: دل هذا الحديث على أن الوتر ينقض الوتر؛ لأنه لما نهى عن أن يوتِر وترين، دل على أن الوتر الثاني مؤثر في الوتر الأول، ومن هنا أخذ جمهور العلماء رحمهم الله جواز نقض الوتر بالوتر، ثم بعد ذلك يصلي شفعاً شفعاً ثم يوتر، كما أُثر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فيما لو أَوتر أول الليل ثم نام، ثم قام آخر الليل فإنه يُصلي ركعة ينقض بها الوتر الأول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)، فلما قام آخر الليل وأراد تحصيل هذه السنة التي أمر فيها النبي صلى الله عليه وسلم بجعل آخر الصلاة وتراً، فإنه ينقض الوتر الأول بركعة، ثم يصلي ركعتين ركعتين ثم يوتر.
المسألة الثالثة: قوله: (لا وتران في ليلة)، هذا محمول على الوتر النافلة، فيخرج من هذا وتر الفريضة مع النافلة؛ لأن المغرب وتر، والوتر للنوافل وتر، فصارا وتران في ليلة، فالمراد من هذا الوتر في النوافل، وإلا هناك وتران: وتر المغرب، ووتر النافلة، فقال العلماء: إن المراد بالحديث وتر النافلة، والمغرب وتر الفرائض، فجعلوا المغرب وتراً للفرائض، وجعلوا الوتر الشرعي وتراً للنوافل.
وفي الحقيقة: جعل المغرب وتراً للفرائض محل نظر، لأنه لو كان هناك وتر للفرائض لكانت العشاء ثلاثاً، لأن الوتر يكون آخرها، ومما يضعف هذا القول: أن الوتر يبتدئ بدخول وقت صلاة العشاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أمدكم -وفي رواية: زادكم- بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، الوتر جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر)، فدل هذا على أن وقت الوتر يبتدئ بصلاة العشاء.
وفائدة هذه المسألة: أنك لو كنت في سفر وجمعت بين المغرب والعشاء في وقت المغرب، وأردت أن تصلي الوتر فنقول: تأخَّر حتى يدخل وقت العشاء ثم صل الوتر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر).
وقال بعض العلماء: قوله: (جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء): وقوعاً، وليس المراد وقتاً، بحيث لو صلى العشاء متبوعة مع المغرب ثم أوتر، فقد وقع وتره ما بين عشائه وفجره، فيرخِّصون من هذا الوجه، والأحوط أنه ينتظر إلى دخول وقت العشاء.
المسألة الرابعة والأخيرة: في هذا الحديث فضيلة للوتر؛ لأن الله وتر ويحب الوتر، وإذا صلى الوتر مع الوتر لم يتحقق له وِتره؛ فأُمِر بأن يقتصر على وتر واحد تحقيقاً لهذا الأصل، واعتباراً لهذا الفضل، والله تعالى أعلم.
دعوة من الشيخ لدعم المسلمين في الشيشان
السؤال
وردنا خطاب من مؤسسة الحرمين الخيرية حول جمع التبرعات لصالح إخواننا في الشيشان، ويأملون من فضيلتكم توجيه الحضور بالاحتساب في ذلك؟
الجواب
أولاً: نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك جهود الإخوة في معونة المحتاجين والمنكوبين، وأن يعينهم على ذلك، وأن يرزقنا وإياهم فيه الإخلاص لوجهه، فإن الأعمال مدارُها على الإخلاص لوجه الله الكريم، وإن من أحب الأعمال وأعظمها ثواباً عند ذي العزة والجلال: تفريجُ الكربات، وإدخال السرور على المؤمنين والمؤمنات، والاحتساب في ذلك مع وجود المشقَّة والعناء أجرُه عظيم عند الله.
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الله أعظم من العبد صدقته، وأعظم منه إحسانه وبره حتى لربما كف النار عن وجهه بنصف تمرة، فربما ينفق نصف تمرة لوجه الله، يحتسبها عند الله، فيجعلها الله له حجاباً من النار، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).
وفي الحديث الصحيح: (أن امرأة دخلت على عائشة وهي تحمل بنتين، فاستطعمتها، فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل بنت تمرة ثم أخذت التمرة الثالثة تريد أكلها، فاستطعمتها إحدى بنتيها، فأطعمتها التمرة، فعجبت عائشة من صنيعها وإيثارها! فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بخبرها فقال صلى الله عليه وسلم -نزل الوحي علي من ساعته-: إن الله قد أوجب لها بها الجنة).
فيكف إذا كان إخوانكم وهم في شدة البرد والزمهرير يعانون وطأة الحروب، وفراق الأهل والأولاد والذريات، في نكبة وفاجعة لا يعلم قدرها إلا الله؟! فاحتسبوا بارك الله فيكم في تفريج كرباتهم، ومواساتهم في مُصابهم، والله لا يُضيع أجر من أحسن عملاً.
إلى الله العظيم فارج الهم كاشف الغم رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما نتوجه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، ونسأله بعزته وقدرته على خلقه، هو الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه، اللهم اجعل لإخواننا في الشيشان وفي كل مكان من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية.
اللهم ثبت أقدامهم، اللهم سدد سهامهم، اللهم صوِّب آراءهم، اللهم اجمع شملهم يا حي يا قيوم! اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين حيثما كانوا يا ذا العزة والجلال! اللهم شتِّت شملهم، اللهم فرِّق جمعهم، اللهم اجعل بأسهم بينهم، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت نبرأ إليك بعزتك وقدرتك، ووحدانيتك يا ذا الجلال والإكرام! نشكو إليك بغي الكفار على أوليائك وأهل دينك وطاعتك، اللهم اسلبهم عافيتك، اللهم اشدد عليهم وطأتك، اللهم أنزل بهم رجزك وعذابك يا إله الحق، لا إله إلا أنت.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
شرح زاد المستقنع -
باب الموصى إليه
لابد من توافر صفات في الموصى إليه تؤهله لأن يقوم بحقوق الأيتام على الوجه الأكمل الأتم، منها: الإسلام، والعدالة، والتكليف، والرشد، وغيرها من الصفات المعروفة لكامل الأهلية، وتصح الوصية إلى اثنين على تفصيل معروف عند العلماء.
ولابد لصحة الوصية أن يكون الموصي مالكاً لما أوصى فيه، فإن أوصى بما لا يملك بطلت الوصية.
ويجب على الوصي تنفيذ الوصية كما أوصاه الميت، فإن ظهر شيء من الحقوق بعد تنفيذها لم يضمن شيئاً من ذلك.
أحكام ومسائل تتعلق بصفات الموصى إليه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [باب الموصى إليه].
لقد ترجم الإمام المصنف رحمه الله بهذه الترجمة التي تتعلق بالشخص الذي يُعهد إليه بتنفيذ الوصية، ولا شك في أن الوصية -عند بيان أحكامها ومسائلها- تفتقر إلى بيان الأمور التي ينبغي توفرها في الأشخاص الذين يعهد إليهم بتنفيذ الوصايا، فتحقيق المصالح ودرء المفاسد التي من أجلها شرع الله الوصية لا يمكن أن يكون على أتم الوجوه وأكملها إلا إذا كان الأشخاص الذين تناط بهم الوصايا ويناط بهم تنفيذها والقيام بها من الأشخاص الذين توفرت فيهم الصفات المعتبرة، ومن هنا اعتنى العلماء والأئمة رحمهم الله ببيان الصفات التي ينبغي توفرها في الموصى إليه، حتى لا يتساهل الناس ولا تضيع الحقوق، فإن الوصية إذا عُهِد بها إلى الشخص الذي ليس هو بأهل؛ ضيع حقوق الله عز وجل فيها، وربما أوصى الشخص بحق عنه، فضيع هذا الحق، وكذلك ضيع حقوق الناس، فلربما ضيع حقوق اليتامى وحقوق الأرامل إذا كان غير أهل.
ومن هنا وجب بيان هذه المسائل، والاعتناء ببيان الشروط التي ينبغي توفرها في الموصى إليه.
يقول رحمه الله: (باب الموصى إليه) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بصفات الشخص الموصى إليه، وما ينبغي عليه، وما يجب من الأمور التي تلزم ويلزم مراعاتها ممن يُعهد إليه بتنفيذ الوصايا.
ومما ينبغي التنبيه عليه: أن الوصايا قد تشتمل على حقوق لله عز وجل، كمن وصَّى أن يحج عنه ويعتمر، أو وصَّى بأن يصام عنه صيام نذر، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه صوم نذر صام عنه وليه)، أو يوصي بحقوق من الكفارات والفدية في حجه أو عمرته، تكون لازمة عليه، أو يوصي بحقوق من كفارات أيمان، أو كفارات قتل أو ظهار أو جماع في نهار رمضان، أو غير ذلك، فهذه وصيةٌ مشتملة على حقوق الله عز وجل، وقد تشتمل الوصية على رعاية الأيتام، والإحسان في النظر في مصالحهم وما هم محتاجون إليه، وقد تشتمل الوصية على أمور أوصى بها من المستحبات؛ كالصدقات، والإحسان إلى المحتاجين والمساكين، فيوصي بثلثه للفقراء، ويعهد إلى شخص، ويوصي إليه أن يقوم بتنفيذ هذه الوصية.
إذاً: الوصية تتعدد وتختلف، وكل جانب من هذه الجوانب قد يصلح فيه شخص ولا يصلح فيه آخر، وقد يكون من تَعهد إليه برعاية شئون الأيتام من بعد الموت والوفاة يحتاج إلى أن يكون خبيراً بالأسواق، خبيراً بالأموال، وقد تحتاج إلى شخص قوي يدفع الضرر عنهم، فأمور اليتامى تختلف، وأمور الوصية أيضاً تختلف، فنظراً لاختلافها قد يوصي لشخص بشخص واحد، وقد يوصي لأكثر من شخص، فيجعل أحدهم لتنفيذ الثلث، ويجعل الثاني لرعاية مصالح اليتامى، ويجعل الثالث للقيام بحقوقٍ واجبة عليه يقوم بأدائها، ويجعل شخصاً رابعاً لرد الأمانات ورد حقوق الناس؛ لأن فيه أمانة أكثر من غيره.
المهم أن الشخص الموصى إليه لا بد أن تكون فيه صفات تتناسب مع هذه المهام، ومع هذه المصالح التي يريد تحقيقها، والمفاسد التي يطلب درءها، وهذا يختلف بحسب اختلاف الأشخاص كما ذكرنا.
قال رحمه الله: [تصح وصية المسلم إلى كل مسلم مكلف عدل رشيد ولو عبداً].
من صفات الموصى إليه: أن يكون مسلماً رجلاً كان أو امرأة
قال رحمه الله: [تصح وصية المسلم إلى كل مسلم].
قوله: (تصيح وصية المسلم) أي: أنها معتبرة شرعاً، والشيء الصحيح هو الذي تترتب عليه الآثار الشرعية المعتبرة، فتصح وصية المسلم إلى كل مسلم، والوصية إما أن تكون من مسلم، وإما أن تكون من كافر.
والكلام هنا إذا كانت الوصية من مسلم، فتصح الوصية من المسلم إلى كل مسلم، فدل على أنه لا يجوز للمسلم أن ينصب الكافر على أمواله، ولا أن ينصب الكافر لتنفيذ وصاياه أياً كانت هذه الوصايا.
أما كون الكافر لا يصلح للولاية: فهذا مبني على أصل شرعي دل عليه دليل الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:141]، فأخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا يسلط الكافر على المشرك، فدل على أن الكافر لا تكون له ولاية على المسلم، وهذا خبر بمعنى الإنشاء.
وكذلك أخبر الله عز وجل عن صفات في الكفار لا يمكن أن تتحقق بمثلها -وبسبب وجودها- المصالح التي تطلب من الوصايا، ولا يمكن أن تتحقق المفاسد التي يراد درؤها بالوصية بأمثال هؤلاء، فقال تعالى: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة:10]، فأخبر سبحانه وتعالى الذي وصف نفسه بأنه أصدق القائلين، وأصدق حديثاً ولا أصدق منه قيلاً، وهو القائل: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ [النساء:45]-أخبر عن هذا العدو بأنه لا يرقب في مؤمن إلَّاً ولا ذمة، و (الإلّ) هو القرابة، تقول: آل فلان، أي: قريبه من جهة النسب، و (والذمة): العهد، فهم ليسوا بحافظين لحق القرابة، وليسوا بحافظين للعهد والذمة التي بينهم وبين المسلمين في غالب أحوالهم، والله عز وجل أصدق حديثاً وأصدق قيلاً.
فأخبر سبحانه أنهم لا يرقبون في مؤمن إلَّاً ولا ذمة، فالكافر ولو كان قريباً، فإنه لا يرعى حق القرابة في المسلم.
ومن هنا وجب إقصاؤهم وإبعادهم عن هذا، ولذلك حينما كان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه حينما كان بالشام، ولى كاتباً نصرانياً عنده يكتب، فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين) وكتب إليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:118].
فقوله تعالى: (لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) أي: أنهم يسعون في أذية المسلم إلى درجة قد يفقد الإنسان عقله من كثرة ما يرى من أذيتهم وإضرارهم به، فقد يصل إلى درجة الخبل، (لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) أي: أنهم يبذلون جهدهم لأذيتكم والإضرار بكم، يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم.
(وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) الود: هو خالص الحب، أي أنهم يحبون من صميم قلوبهم عنتكم، و (ما): مصدرية بمعنى عنتكم وتعبكم وشقاءكم، هذا هو الذي يودونه ويطلبونه، فدلت هذه الآية الكريمة على أنه لا مصلحة في ولاية الكافر على المسلم.
وكذلك أيضاً دلت السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه عهد بأمر من أمور المسلمين إلى كافر ألبتة، وإنما كان عليه الصلاة والسلام على السنن الذي أقامه الله عز وجل عليه، من حفظ المسلمين، وإبعادهم عن أذية أو تسلط الكافرين عليهم.
فلا يجوز تولية الكافر على المسلم في الوصية، والإجماع منعقد على هذا، ولذلك حكى في الشرح الكبير بقوله: (بغير خلاف)، أي: لا تجوز ولاية أو توصية الوصي الكافر على الأيتام المسلمين، أو على حقوق المسلم من بعده، أو على وصيته من بعده بغير خلاف بين أهل العلم رحمهم الله.
وقوله: (إلى كل مسلم) فيه عموم، فـ (كل) عند العلماء من ألفاظ العموم، فلما قال المصنف رحمه الله: (إلى كل مسلم) معناه: أنه يشمل المسلمين ذكوراً وإناثاً، فيجوز أن يعهد بوصيته إلى رجل توفرت فيه الشروط ليقوم بتنفيذ وصاياه، ويجوز أن ينصب المرأة، وتنصيب المرأة في تنفيذ الوصايا ورعاية الأيتام ونحو ذلك من الأمور التي تصح فيها ولاية النساء، فهو أمر مشروع، ولذلك قال جمهرة السلف رحمهم الله -من الصحابة والتابعين- بهذا القول؛ أنه يجوز أن يعهد الرجل بوصيته إلى المرأة لكي تنفذها، ويدل على ذلك ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه عهد إلى أم المؤمنين حفصة بنته، فقامت على وقفه الذي كان بخيبر، فكانت وصية له من بعده رضي الله عن الجميع.
وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه والصحابة متوافرون، فهي سنة من سنن الخلفاء الراشدين، ولم ينكر عليه أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فكان هذا بمثابة الإجماع السكوتي، ولذلك اتفق الأئمة الأربعة على جواز تنصيب المرأة من أجل القيام على مصالح الوصايا بتنفيذها، فيعهد إليها زوجها، أو أبوها، أو أخوها، فإن من النساء من فيهن من رجاحة العقل وحسن النظر وحسن التدبير ما يكون في ولايتها الخير الكثير، فقد تكون أم أيتامه أولى برعاية أيتامه، والشفقة عليهم، وحسن النظر في مصالحهم، فإذا وجدها بهذه الصفة عهد إليها.
فإذا أحس أن هناك خوفاً يخشاه من جهة تحقيق المصالح، من ناحية أنها لا تستطيع أن تخالط الرجال في الأمور التي يحتاج إليها من مصالح الأيتام، عهد إلى أخيها معها، وهو خال أولاده مثلاً، أو إلى من يراهم من قرابته ليكون مساعداً أو معيناً لها.
فالشاهد: أن ولاية المرأة على تنفيذ الوصايا أمر يقول به السواد الأعظم من علماء هذه الأمة رحمهم الله، من السلف والخلف، وقد خالف في هذه المسألة عطاء بن أبي رباح تلميذ ابن عباس رحمه الله، وقال: (لا يجوز أن تلي المرأة تنفيذ الوصايا)، وهذا قول مرجوح، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، أنه يجوز أن يعهد الرجل بتنفيذ وصاياه إلى المرأة، ولا بأس في ذلك.
من الموصى إليه: أن يكون مكلفا
ً
قال رحمه الله: [إلى كل مسلم مكلف].
قوله: (مكلف) أي: بالغ عاقل مختار، فلا يكون صبياً ولا مجنوناً ولا مكرهاً.
فأما المجنون والصبي؛ فإن كلاً منهما لا يستطيع أن يلي أمر نفسه، فمن باب أولى وأحرى ألَّا يلي أمور غيره، ولذلك فإن الصبي يحجر عليه، فلا يصح بيعه ولا شراؤه، إلا إذا كان مأذوناً له على التفصيل الذي تقدم معنا في باب الحجر.
إذاً: لا يصح أن يعهد بالوصية إلى صبيانه، أو إلى الصغار الذين هم دون البلوغ، لكن يجوز أن يقول: وصيت أو عهدت إلى أخي فلان أن يقوم بالنظر على أيتامي، فإذا بلغ ابني محمد، فإنه هو الوصي من بعده.
فقد جعل الوصية إلى أخيه، لكن قبل أن يبلغ ابنه، فإذا بلغ ابنه فإنه وصيه، فعلى هذا الوجه يصح أن يكون عهده إلى صبي، ويكون العهد في الأساس إلى كبير بالغ، مستوفٍ للشروط، مما يجعل الصبي من بعده تعليقاً، وهذا لا بأس به، وقد اختاره غير واحد من العلماء رحمهم الله، ومن أهل العلم من منعوا من ذلك، والصحيح جوازه؛ لأن هذا النوع من الوصية إلى الصبي إنما هو عند بلوغه، فتكون الوصية والقيام بمصالح أبنائه وبناته من بعده لهذا الصغير إذا بلغ.
وكذلك أيضاً يشترط: الاختيار، فلا يصح أن يكون الموصى إليه مكرهاً، فلو هدد الموصي شخصاً، وفرض عليه أن يكون وصياً له من بعده، ووافق؛ فإنه لا تصح الوصية؛ لأنه يشترط فيه أن يكون بالغاً عاقلاً مختاراً.
وهذا هو المعتبر لأهلية التكليف.
وبالنسبة للمجنون يستوي فيه أن يكون جنونه متقطعاً أو مستديماً؛ لأنه في بعض الأحيان يختلف الأمر في الذي جنونه متقطع، لكن بالنسبة للوصية لا يصح أن يعهد إلى مجنون، سواء كان جنونه مطبقاً أو متقطعاً، فلو كان يجن أحياناً ويفيق أحياناً، وعهد إليه في حال إفاقته؛ فإنه لا يصح هذا العهد، فالعهد إلى المجنون باطل أصلاً، وبغير خلاف بين العلماء رحمهم الله.
لكن لو أنه عهد إلى شخص أن يقوم بالنظر في وصيته من بعده بتنفيذها ورعاية شئون ذريته من بعده، ثم جن قبل أن يموت الموصي، بطلت الوصية، وحينئذ يعهد إلى شخص آخر ويقيمه مقامه.
من الموصى إليه: أن يكون عدلا
ً
قال رحمه الله: [عدل].
العدل: هو الذي يجتنب الكبائر، ويتقي في أغلب أحواله الصغائر، قال الناظم: العدل من يجتنب الكبائرا ويتقي في الأغلب الصغائرا وكبائر الذنوب: كبائر: جمع كبيرة، والكبيرة: كل ذنب سماه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كبيرة، وكذلك كل ذنب وردت عليه العقوبة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، أو توعد عليه بنفي إيمان أو غضب أو لعنة أو نحو ذلك.
مثل: شهادة الزور، وعقوق الوالدين، والشرك بالله -والعياذ بالله- فهذه أكبر الكبائر، ومذهب جمهور السلف والخلف رحمهم الله أن الذنوب تنقسم إلى: كبائر وصغائر، خلافاً لمن قال: إن الذنوب كلها ليس فيها صغير ولا كبير، وأنها مستوية، والصحيح أن منها ما هو كبير وما هو صغير؛ لأن الله يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:31]، فأخبر أن الذنوب منها كبيرة، ومنها دون هذه الكبيرة، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:32]، فأخبر أن الذنب منه صغير ومنه كبير، ومنه اللمم: وهو صغار الذنوب، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ... ) وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (العمرة إلى العمرة ورمضان إلى رمضان والصلوات الخمس مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)، فجعل المكفر الصغائر بشرط اتقاء الكبائر، فدلت هذه النصوص كلها على أن الذنوب فيها صغير وكبير.
ومن هنا قال العلماء: الكبيرة موجبة للفسق، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:7]، فبين سبحانه وتعالى انقسام المعاصي إلى ثلاثة أقسام: الكفر: وهو أعظمها وأكبرها، والفسوق: وهو الذي بين الصغائر وبين الكفر والخروج من الملة، وذلك بارتكاب الكبائر، والعصيان: الذي يكون بارتكاب صغائر الذنوب، والفسوق: هو الذي تنتقض به العدالة، يقال: فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرتها، فالفاسق خارج من طاعة الله عز وجل، مجانب لها، وذلك بارتكابه لكبير الذنب، أو إصراره على الصغير، فإذا أصرَّ على صغيرة، وأصبح إصراره ومداومته يعادل في الذنب الكبيرة لو فعلها مرة، فإن حكم هذه الصغيرة يكون في حكم الكبيرة، فتسقط عدالته، ويكون جرحه مؤثراً فيه.
وقوله (عدل) أي: يشترط أن يكون الوصي عدلاً، ولا تصح الوصية إلى فاسق.
وفي الحقيقة تفصيل عند العلماء: فالفاسق له أحوال: فتارة يكون فاسقاً بارتكابه بعض الذنوب، ولكنه في نظره بالوصية وقيامه على الوصية يحكم القيام بها على أتم الوجوه وأكملها، فحينئذ فسقه لا يؤثر في الوصية، فالحنابلة رحمهم الله عندهم يرون أن الفاسق لا يولى؛ وذلك لأن الفاسق إذا نقض حقاً من حقوق الله بارتكاب الكبيرة، فلا نأمن منه أن يضيع حقوق عباد الله، ومن هنا لا تقبل شهادته، ولم يجز تنفيذ العهد إليه بتنفيذ الوصية؛ لأنه كما ضيع حق الله لا يؤمن منه أن يضيع حقوق عباده، وذلك من باب أولى وأحوط.
ومن أهل العلم من قال: إننا نشاهد من الفساق من يرتكب بعض الأمور، ولكنه لا يخل بديانته ودينه في الأمور الأخرى، فتجده يشرب الخمر، ولكنه لا يمكن أن يكذب، ولا يمكن أن يخون أمانته، ولا يمكن أن يضيع حقاً من الحقوق، لكن الله ابتلاه بشرب الخمر، وقد يكون -والعياذ بالله- مبتلىً بزنا أو فسوق آخر، ولكنه محافظ على الحقوق والواجبات؛ فإذا حدث صدق، وإذا وعد وفىَّ، وإذا اؤتمن لم يخن.
فقالوا: إنه قد يكون عند الشخص تقصير يؤثر في عدالته، ولكن نشاهد منه الصدق في قوله، والأمانة في فعله، ونجد عنده التحفظ، وهذا ابتلاء ابتلي به في جانب من دينه، لا يستلزم أن يسري الحكم إلى ما عداه.
والحق هو مذهب الجمهور، والتفصيل فيه قوة؛ أي: إذا كان الفاسق ممن يؤثر فسقه في الوصية؛ فلا شك أنه يجتنب ولا يعهد إليه، وأما إذا كان فسقه لا يؤثر في الوصية، والغالب أنه يقوم بالوصية؛ كأن يكون قريباً كعم الأولاد وخال الأولاد، وعنده من الشفقة والرحمة ما يغلب على الظن أنه ينفذ الوصايا على أتم الوجوه وأكملها؛ فإنه لا بأس بالوصية إليه.
فالتفصيل في هذا أقوى، ومذهب الجمهور أرجح في هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
من صفات الموصى إليه: أن يكون رشيدا
ً
قال رحمة الله: [رشيد].
ينقسم الرشد إلى: رشد الدين، ورشد الدنيا.
فرشد الدين: هو الإيمان، والذي يكون منه صلاح الإنسان واستقامته، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:256]، وسمي الرشد رشداً؛ لأن الإنسان يصيبه فيه القوام والسداد في أموره المتعلقة بدينه.
وأما رشد الدنيا: فهذا يكون في مصالح الدنيا، ويضبطه العلماء رحمهم الله بوصفين فيقولون: الرشيد في الدنيا، هو الذي يحسن الأخذ لنفسه، والإعطاء لغيره، فإذا أراد أن يبيع شيئاً باعه بقيمته، فلا يغش ولا يضحك على أحد، فلو أراد أن يبيع بيتاً أحسن الإعطاء لغيره، فالبيت قيمته مثلاً مليون، فيبيعه بالمليون وزيادة، فهذا رشيد، لكن إذا كانت قيمته مليون، فيبيعه بثمانمائة ألف، فهذا غير رشيد؛ بل سفيه، ولا يحسن أن يولى السفيه النظر في المصالح المتعلقة بالأموال؛ لأنه محجور عليه في تصرفه في ماله، فمن باب أولى أن لا يلي مال غيره، كما قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:5].
وقد أشار الله عز وجل إلى رشد الدنيا في الأموال بقوله سبحانه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:6] أي: وجدتم فيهم الرشد؛ لكونهم يحسنون الأخذ لأنفسهم والإعطاء لغيرهم.
فلا يجوز للمسلم أن يولي على أمواله من بعده من لا يحسن النظر فيها، فلو ولى سفيهاً أو طائشاً أو أحمق لا يحسن الأخذ لنفسه، ولا الإعطاء لغيره، فقد ضيع الأمانة، وضيع حقوق ورثته من بعده، والغالب من مثل هذا أن لا تتحقق به مصالح الوصية، ولا تندرئ به مفاسدها، بل تزداد المفاسد أكثر مما هي عليه.
فبين رحمه الله أنه يشترط في الشخص الذي يولى في الوصية أن يكون رشيداً، وهذا من التصرفات المالية.
حكم الوصية إلى العبد
قال رحمه الله: [ولو عبداً].
(ولو) إشارة إلى خلاف مذهبي، والعبد: هو الرقيق، وبين بهذا أنه يجوز أن يعهد بالوصية إلى الرقيق، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فذهب طائفة من أهل العلم إلى أن العبد لا يكون وصياً؛ لأنه لا يلي أمر نفسه، فمن باب أولى ألا يلي أمر غيره.
لكن المصنف هنا يقول: إنه يولى العبد ويستأذن سيده، فإذا أذن سيده له كان وصياً.
وهذا لا يخلو من نظر؛ لأنه إذا أذن له سيده لا نضمن أن يموت سيده، فينتقل العبد من الإذن له بالانشغال في مصالح ورثة الموصي وقيامه على الوصية ينتقل إلى ورثة سيده، والوصية تحتاج إلى وقت، وهذا فيه تغرير بحقوق الأيتام، وحقوق الأرامل، وما المقام عليه بالوصايا، فالوصية إلى العبد فيها مخاطرة؛ لأن هذا العبد في الأصل جعله الله ملكاً ليمين سيده، ومشغول بخدمة سيده، فلو أن سيده أذن له الآن فربما باعه في الغد، وإذا باعه فقد باعه إلى من لا يأذن له، فهذا تغرير بالوصية، ومخاطرة بها والصحيح هو قول من قال: إن العبد لا يلي أمر الوصية، والمسألة فيها ثلاثة أقوال: فمنهم من منع مطلقاً، ومنهم من أجاز، ومنهم من فصَّل، فالذين منعوا مطلقاً هم الشافعية، والذين أجازوا هم الحنابلة، ومعهم المالكية، والذين فصلوا هم الحنفية، قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: يجوز أن يعهد إلى عبد نفسه، كما كانوا في القديم، إذا كان عنده أولاد صغار وعنده عبيد، وفيهم عبد صالح وديِّن ومستقيم وأمين، فيقول له: قم على شئون ورثتي من بعدي، فيعهد إليه بوصاياه من بعده، وفعلاً يكون على أحسن وأتم وأكمل الوجوه، ولكن الأمر لا يخلو أيضاً من نظر؛ لأنه إذا عهد إلى هذا الرقيق، فإن أحد الأبناء سيكبر ويبلغ؛ وحينئذ سيكون هذا العبد ملكاً له، فهو وليه من وجه، ومولى عليه من وجه آخر، فتلزمه طاعته، ويكون تحت أمر الصبي؛ لأن الصبي يملكه، ومن حقه أن يأمره وينهاه.
إذاً: القول بالتفصيل من ناحية شرعية فيه نظر، والصحيح: أن الرقيق لا يكون ولياً في الوصايا؛ لأنه لا يلي على نفسه، فمن باب أولى أن لا يلي على غيره.
قال رحمه الله: [ويقبل بإذن سيده].
أي: يقبل الوصية بإذن سيده، فليس له قبول مطلق، وإنما يقيد قبوله بإذن السيد، فإذا أذن السيد له أن يقوم بتنفيذ وصايا هذا الموصي؛ صح، وإلا فلا.
حكم الوصية إلى اثنين
قال رحمه الله: [وإذا أوصى إلى زيد وبعده إلى عمرو ولم يعزل زيداً اشتركا].
هذه المسألة صورتها: أن يقول لزيد: أنت وصيي من بعدي، فيعهد إليه، ثم بعد ذلك بقليل أو كثير من الزمان يقول لشخص آخر: أنت وصيي من بعدي، فهل الوصية الثانية ناقضة للوصية الأولى، أم أن الوصية الثانية مشتركة مع الوصية الأولى؟ الثاني هو الأقوى: أن الوصية الثانية ليست ناقضة للوصية الأولى؛ لأنه لو أراد نقض الوصية الأولى؛ فإنه ينبغي أن يكون نقضها صريحاً بيناً، كما أن إثباتها وقع صريحاً بيناً، ولا يمتنع أنه قصد الاثنين؛ لأنك ربما عهدت إلى شخص واحد وأموالك قليلة، ثم طرأت أموال أخرى كثيرة يغلب على ظنك أن فلاناً وحده لا يقدر على القيام عليها، بل يحتاج إلى من يعينه، وربما عهدت إلى شخص في حال، ثم وجدت فيه ضعفاً بعد فترة، فاحتجت أن تقرن إليه شخصاً آخر يعينه ويساعده في حال آخر، فالذي يظهر أنه يعتبر وصياً ثانياً؛ وفي هذه الحالة يشترك الاثنان.
وهذا إذا وصى لوصي ثانٍ بعد وصي أول.
فصورة مسألتنا: أنه إذا اتفقا في المكان الذي وصي به، مثل أن يقول: أنت وصيي من بعدي في رد ودائعي، والقيام على أيتامي، وصرف الثلث.
إلخ، فيعطيه وصية مطلقة لجميع أموره وشئونه، ثم يقول للثاني نفس الذي قاله للأول، فحينئذ لا إشكال؛ فالوصية الأولى عامة، والوصية الثانية عامة، فيشتركان في العموم.
الصورة الثانية: أن تكون الوصية الأولى عامة، والثانية خاصة، كأن يقول له: أنت وصيي من بعدي في جميع أموري، ثم بعد ذلك يقول لشخص ثان: أنت وصيي من بعدي في رعاية أموال أيتامي، فحدد له فقط رعاية أموال اليتامى، فيكون الثاني مشاركاً للأول في هذا الخاص الذي ذكره الآن، ولا يشاركه في غيره، فصورة المسألة التي ذكرها المصنف رحمه الله تقع إذا كانت الوصيتان فيها عموم، هذه حالة.
والحالة الثانية: أن يكون في الوصيتين خصوص، لكل واحد منهما خصوص موافق، فيقول له: أنت وصيي من بعدي في رعاية أيتامي، ثم يقول للثاني: أنت وصيي من بعدي في رعاية أيتامي، لكن لو قال للأول: أنت وصيي من بعدي في رعاية أيتامي، وقال للثاني: أنت وصيي من بعدي في الحج عني، أو في تقسيم الثلث، فاختلفت الوصيتان، فحينئذ هذا وصي في رعاية الأيتام، وهذا وصي في تنفيذ الثلث، فلا يشتركان.
إذاً صورة المسألة: أن يكون لفظه في الوصية الأولى موافقاً للفظه في الوصية الثانية، فإن اختلفا، فلا يخلو من حالين: إما أن يكون بينهما عموم وخصوص، فحينئذ يشتركان في الخاص، وينفرد الأول بالعام، وإما أن يفترقا فيكون لكل منهما أمر لا يكون للآخر؛ فحينئذ لا يشتركان، وكل منهما ينفذ وصيته فيما اختص به من الأمور التي أناطها به الموصي.
حكم انفراد أحد الوصيين بتصرف لم يُجعل له
قال رحمه الله: [ولا ينفرد أحدهما بتصرف لم يجعله له].
أي: لم يجعله له الموصي، بمعنى: أن الاثنين يشتركان في الوصية إذا كانت عامة، فلو أراد أحدهما أن يبيع بيتاً من بيوته بعد وفاته؛ فنقول له: ليس من حقك أن تبيع البيت حتى يأذن الوصي الثاني، فلا بد من اتفاق كلمة الاثنين على أن المصلحة في البيع حتى يباع، أو يتفقان على أن المصلحة في عدم البيع فيبقى البيت، أو يتفقان على أن المصلحة في تأجير بيوت اليتامى فتؤجر.
إذاً: لا بد أن يكون تصرفهما معاً، فلو أن أحدهما أجر دون الآخر، وبدون رضاه أو إقراره؛ فإنه لا يصح ذلك، حتى يوافق الآخر؛ لأنه عهد إليهما معاً، فلا يصح تصرف أحدهما بدون رضا من الطرف الثاني.
من شروط صحة الوصية أن تكون في تصرف معلوم يملكه الموصي
قال رحمه الله: [ولا تصح وصية إلا في تصرف معلوم يملكه الموصي؛ كقضاء دينه، وتفرقة ثلثه، والنظر في صغاره].
قوله: (ولا تصح وصية إلا في تصرف معلوم) هذا هو الشرط الأول، والشرط الثاني: (يملكه الموصي)؛ لأن الفرع آخذ حكم أصله، والوصية بالمجهول فيها غرر، ولا يمكن أن تتحقق بها المصلحة، ولا أن تدرأ بها المفسدة، وإذا عهد إليه، فلابد أن يحدد ما عهد إليه، فيقول له: أنت وصيي من بعدي في رد المظالم -الحقوق إلى أصحابها- فتقضي عني الديون، وترد الودائع، والأشياء التي استعرتها، مثال ذلك: شخص له مكانة في قومه، فاستعار من أناس أشياء، أو عنده أمانات وضعها عنده أناس، فقال: هذه أمانة فلان، وهذه أمانة فلان، وهذه أمانة فلان.
كذلك أيضاً بينه وبين أشخاص خصومات ومظالم وقعت، فقال: يا فلان: أنت وصيي في رد المظالم والحقوق إلى أهلها، وقضاء ديوني، ورد العواري والودائع إلى أصحابها، فحينئذ تكون الوصية واضحة ومعلومة وبينة.
كذلك أيضاً من حقه أن يوصي بهذا الشيء، فيوصي بالحج والعمرة عنه، ويوصي كذلك بولاية مصالح أيتامه؛ لأنه في الأصل هو الذي يطالب بالحج، وفي الأصل هو الذي يطالب بالعمرة، وفي الأصل هو الذي يطالب بالكفارات وبالفدية، فيجوز أن يقوم غيره مقامه؛ لأنه كالوسيط.
لكن لو لم يكن من حقه أن يتصرف في هذا الشيء، فليس من حقه أن يوصي به، فلو أوصى بأن يتصرف في أموال أخيه، فقال له: أنت وصيي من بعدي أن تبيع مزرعة أخي، وليس من حقه هو أن يبيعها، فمن باب أولى أن لا يكون للوصي ذلك.
إذاً: يشترط في الشيء الذي يعهد به إلى الوصي أو يوصى به: أن يكون مما للموصي فيه حق التصرف، وعلى هذا فالمرأة ليست بمسئولة عن أيتام، وإنما ولاية النظر لمن أقامه أبوهم أو أقامه الحاكم والقاضي للنظر في مصالحهم، فهي لا تلي أمورهم بالأصل، فمن باب أولى أن لا تقيم غيرها مقامها.
قال رحمه الله: [كقضاء دينه].
وذلك كأن يقول له: فلان له عليَّ مائة ألف، وفلان له عليَّ خمسون، وفلان له عليَّ كذا، وفلان أخذت منه سيارة، ورد الودائع والعواري والأمانات؛ فكل هذه أمور خاصة ومعلومة.
قال رحمه الله: [وتفرقة ثلثه].
وكذلك تفرقة الثلث، كأن يقول له: ثلث مالي اجعله صدقة على الفقراء، أو نصف الثلث يكون صدقة للفقراء، والنصف الثاني يكون في سبيل الله، ويقوم فلان بصرف هذا الثلث، والقيام عليه، فحينئذ يكون هذا الوسيط مطالباً بتنفيذ ما ذكره الميت والموصي في وصيته من تخصيص نصف الثلث للفقراء والمحتاجين، والنصف الثاني يصرفه في سبيل الله، على الشرط الذي اشترطه الميت والموصي.
قال رحمه الله: [والنظر لصغاره].
أي: يقوم على أموالهم فينظر فيها، والنظر في الأيتام: إطعامهم بالمعروف، وكسوتهم بالمعروف، وإذا احتاجوا إلى دواء أو علاج قام بعلاجهم، وإذا احتاجوا إلى سيارة تنقلهم؛ استأجر من ينقلهم، أو اشترى لهم سيارة، واستخدم أو استأجر من يقوم بنقلهم، وإذا احتاجوا لشراء أرض أو بيت يؤويهم ويسكنون فيه يقوم هو بشراء البيت، ويبحث لهم عن سكن، وينظر في الأصلح، هل يشتري سكناً غالياً أو وسطاً أو أدنى.
هذا كله أسند إليه النظر فيه، فهو مسئول أمام الله عز وجل عنهم، فيُنزل نفسه منزلة والدهم، شفقة، وإحساناً، وبراً، فيعطف عليهم، ويقوم برعاية مصالحهم؛ لأنه من أعظم الأشياء أن شخصاً ينزله كمنزلته في النظر لأولاده، وهذا أمر ليس بالهين، وثقته ليست باليسيرة.
فالعبد المؤمن يخاف من الله عز وجل، ويتقي الله سبحانه وتعالى في هذه الأمانة، وينصح ويحس أن هؤلاء الأيتام كأنهم أولاد له، فيحسن النظر فيهم، ولذلك ضرب السلف الصالح والفضلاء والصلحاء المثل السامي في حسن النظر للأيتام، ورعايتهم الأيتام الذين عهدوا إليهم برعايتهم، حتى جاء في بعض القصص أنه كان بعض الصالحين يقوم على رعاية أيتام أخيه أكثر من رعايته لأولاده، مع أنه لا يضيع حقوق أولاده، لكنه يشفق عليهم الشفقة ويرحمهم الرحمة التي بلغت الأوج والكمال في حسن النظر والتفقد، حتى أثر عن بعضهم أنه كان إذا زار أختاً له وعندها أيتام، يتحرج حتى من أكل ضيافتها، خشية أن يكون آكلاً لمال اليتيم، وهذا كله من الورع والخوف من الله عز وجل؛ لأن حقوق الناس أمرها عظيم، فالذنب الذي بين العبد وبين ربه، لو استغفر ربه غفر له، لكن حقوق الناس لابد فيها من القصاص، فلا يمكن أن تزول قدماه حتى يقتص منه؛ فيؤدي الذي عليه ويأخذ الذي له.
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:47]، وقال تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:256]، فيأتي بها الله جل جلاله الذي هو أحكم الحاكمين، يقص الحق وهو خير الفاصلين، فإذا كانت لليتيم فأمرها عظيم، وإذا كانت على وجه الأمانة فأمرها أعظم؛ لأن الإنسان إذا أقيم على أيتام وعلى وصية، وقال له الميت: إني قد عهدت إليك بكذا وكذا، ووافق وقبل، فإن عليه أن يفي بهذا العهد الذي بينه وبين أخيه المسلم أو قريبه.
فإذا كانت من القريب فعهدها أعظم، فالواجب حينئذ أن يحسن النظر في مصالح هؤلاء الأيتام، والنظر في مصالحهم يشمل: إطعامهم، وكسوتهم، وإيواءهم، ونقلهم، ونحو ذلك من المصالح، فلو ترك لهم والدهم سيولة من المال، ورأى الموصى إليه أن هذا المال لو بقي لأكلته الزكاة، فرأى من المصلحة أن يشتري لهم أراضي، أو يشتري لهم عمائر، أو يستثمر المال ويتاجر فيه، فقد أحسن النظر في مصالحهم.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (اتجروا في أموال اليتامى؛ لا تأكله الصدقة)، فدل هذا على أنه ينبغي للولي والوصي أن يحسن النظر في شئون الأيتام، فيحقق المصالح المطلوبة، ويدرأ المفاسد التي يخشى منها، فلو وجد مثلاً أنه ترك لهم أرضين، والسوق يخشى أن يكسد، فخاف من كساده، فليبادر ببيعها، وإذا كان هناك أشياء تركها لليتامى يخشى منها الضرر، كأن يكونوا في مكان بعيد عن المدينة، وفيه ضرر عليهم، ويخشى عليهم، قربهم إذا خشي على أعراضهم، وأبعدهم عن الأماكن التي فيها فساد وتأثير على أخلاقهم.
المهم أنه ينصح لأخيه المسلم في ذريته من بعده، ومن كفل اليتيم وأحسن الرعاية له، كان له عند الله حسن الجزاء، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين)، وكان بعض العلماء يقول: (ما رأيت أحداً وفى بمسلم في أيتامه إلا أحسن الله له العاقبة في ولده)، فما رأى إلا خيراً، وجعل الله له قرة العين، وبهجة النفس وسرورها في ولده ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:60]، وما ينتظره عند الله أعظم وأكبر، فلا شك أن القيام على الوصايا وحسن الرعاية لها وحسن النظر فيها، من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله عز وجل.
حكم وصية الموصي فيما لا يملكه
قال رحمه الله: [ولا تصح بما لا يملكه الموصي، كوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر، ونحو ذلك].
لأن هذا ليس إليها، وإنما لمن ولاه والدهم؛ لأنه حق متعلق بالعصبة، وهم الذين ينظرون في مصلحة هؤلاء الأيتام.
لا يجوز للموصى إليه التصرف إلا فيما أوصي إليه
قال رحمه الله: [ومن وصي في شيء لم يصر وصياً في غيره].
لأن الوصية اختصت بذلك الشيء، فلا تنصرف إلى غيره، فلو قال له: أوصيت إليك برعاية أيتامي، فلا يقم بتفريق الثلث، ولو قال له: بتفريق الثلث، فلا يقم برعاية الأيتام، وليس له دخل في موضوع اليتامى.
إذاً: تتقيد الوصية إن قيدها الموصي، وتكون مطلقة إن أطلقها.
عدم ضمان الوصي ما ظهر من الحقوق بعد تفرقة الوصية
قال رحمه الله: [وإن ظهر على الميت دين يستغرقه بعد تفرقة الوصي لم يضمن].
قوله: (بعد تفرقة الوصي) أي: للمال، وصورة المسألة: لو كان الدين مائة ألف، وترك تسعين ألفاً أو ترك مائة ألف، ولكن هذا الدين لم يكونوا عالمين به، وقام الموصى إليه بتفريق الثلث كما أمره الموصي، وأخذ الثلثين وقضى بهما، حينئذ يرد سؤال هو: لو ظهر هذا الدين فهل يطالب باسترداد الثلث؟ لأنه هو الذي فرقه، وهو الذي صرفه.
نقول: لا يضمن؛ لأنه عهد إليه بتفريقه، فقام بالتفريق، فالضمان يكون على الميت وليس على الموصى إليه؛ لأن الموصى إليه نفذ ما أمره به الموصي؛ ولم يتعد، واليد التي قامت بتفريق هذا الثلث يد مأذون لها شرعاً بهذا التفريق، فيتحمل المسئولية الميت وهو الموصي، وتكون هذه الديون باقية لسدادها، ويتحمل الورثة سداد الدين على الأصل الذي تقدمت الإشارة إليه في سداد الدين.
تصرف الوصي في الثلث إذا خول في التصرف فيه
قال رحمه الله: [وإن قال: ضع ثلثي حيث شئت، لم يحل له ولا لولده].
هذه المسألة فيها خلاف عند العلماء رحمهم الله، فبعض أهل العلم يقول: إذا قال له: ضعه حيث شئت، فهو يضعه حيث شاء.
فلو وضعه في جيبه، فقد شاء أن يضعه في جيبه، حيث جعل له الخيار المطلق، وهذا لفظ الرجل وكلامه، فينفذ هذا القول، ومن حقه لو أخذها لنفسه إن كان محتاجاً، أو رأى أنه أقرب الناس منه فأخذ هذا المال، فإنه يكون له ذلك.
وقال بعض العلماء: إذا قال له: ضعه حيث شئت، فمن حقه أن يصرفه لولده، لكن لا ينتفع هو لنفسه، وقد أورد هذين القولين الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني احتمالاً، أي: ما يحتمله هو، وقال: إنه يعطي أولاده ولا يأخذ هو؛ لأنه جعله مفرقاً للمال ولم يجعله آخذاً؛ لأنه قال له: ضعه؛ فحينئذ فهمنا من هذا أنه موكل بتفريق المال، وليس موكلاً بأخذه.
ومن أهل العلم من قال: لا يأخذ هو ولا أولاده، حتى ولو ذكر صفة تنطبق عليه، بحيث لو قال: ضع ثلثي للفقراء -صدقة للفقراء- وخذ هذا الثلث ووزعه للفقراء والمحتاجين، وهو فقير ومحتاج، قالوا: لا يأخذ لا هو ولا ولده، مع أن الصفة موجودة فيه، والحقيقة أن الإمام ابن قدامة أشار في هذه المسألة إلى احتمالات جيدة، منها: أنه ينظر إلى دلائل الحال والقرائن التي يفهم منها أنه قصد أن يقوم بالتفريق، فلا يأخذ هو، ولكن من حقه أن يعطي قرابته بدون محاباة.
ثانياً: أن تكون هناك قرائن تدل على أنه فوضه، إلى درجة أنه لو أراد أن يأخذ فإنه يأخذ، والأورع أن لا يأخذ، وأن يجتنب هذا، ومن ذلك: مسألة التوكيل في الزكاة، كأن يقول له: خذ هذه المائة ألف واصرفها للمساكين والفقراء، ففي هذه المسألة لا شك أنه ليس من حقه أن يأخذ؛ لأنه قال له: خذ هذه المائة واصرفها على للفقراء والمساكين، فلا يشك في أنه وكيل، والزكاة عبادة صرفت؛ لأن صاحبها نوى أن تصرف للفقراء والمساكين من غيره؛ لأنه قال له: اصرفها للفقراء والمساكين، واللام للتخصص، ولو قصده لقال له: خذ منها؛ لأنه يعلم أنه فقير، أو قال له: خذ منها أنت والفقراء والمساكين، لكن عندما لم يصرح بذلك فهمنا من ذلك أنه وكيل بالصرف، وليس له استحقاق، ففي هذه الحالة لا يجوز للذين يقومون بتوزيع أموال الزكاة أن يأخذوا منها.
ومن العجيب أن بعضهم يقول: إنهم من العاملين عليها، وهذا خطأ واضح؛ لأن العامل على الزكاة في جلبها لا في تفريقها، العامل على الزكاة إنما يكون في جلبها، وهم السعاة الذين كان يبعثهم الإمام لأخذ زكاة الإبل والبقر ونحوها من بهيمة الأنعام، وزكاة الحبوب والثمار والخارج من الأرض، فهؤلاء يأخذون على التفصيل الذي تقدم معنا في كتاب الزكاة، أما الذي يفرق الزكاة ليس له من حق، وقد نص الجمهور رحمهم الله على هذا، فأمثال هؤلاء موكلون بالتفريق، وليس لهم يد على المال أن يأخذوا منه، فعليهم أن يتقوا الله عز وجل.
ومن هنا تأتي المسألة في استثمار أموال الصدقات، واستثمار أموال الزكوات، ففي بعض الأحيان تكون الأموال لجهة خيرية، فالذين أعطوا المال للجهة الخيرية، لم يعطوه وكالة أن يتاجروا في هذا المال، وإنما أعطوهم المال وكالة في إعطائه للمحتاجين، وحينئذ ليس من حقه أن يبيع أو يشتري بهذا المال، ولو لمصلحة المحتاج؛ لأنه لم يوكله رب المال ولم يوكله المحتاج.
فحينئذ لا يصح في الأموال التي توضع في الصدقات إلا إذا اُستؤذن أصحابها، فيقال لهم: هذه صدقة مستثمرة، فالذي يقترح على الجمعيات الخيرية وعلى جمعيات البر ونحوها، أنها إذا أرادت أن تستثمر الأموال في الأسواق الخيرية أن تضع بنداً خاصاً، وتقول: صدقة مستثمرة، إذا وضعت هذا فكل من يضع يعلم أن الصدقة ستستثمر، ثم إن الشخص الذي يضع المال وقصده أن يصل إلى الفقير وإلى المحتاج، فمراده أن يصل على أسرع ما يمكن؛ لأن هذه هي النصيحة؛ لأن الصدقة إذا وصلت إلى المحتاج، نماها الله عز وجل لصاحبها منذ أن تصل، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يتلقى الصدقة بيمينه، وكلتا يدي الرحمن يمين، فينميها لعبده ويربيها له كما يربي أحدكم فلوه)، والفلو: هو صغير الخيل، كما ثبت في صحيح مسلم.
فهذا الحديث يدل على أن الوكيل الذي يوكل بصرف الأموال لا ينبغي له أن يتأخر فيها، ولا ينبغي له أيضاً أن يصرفها كمعاشات أو نحوها لشخص يقوم بصرفها؛ لأنه في الأصل وكل بصرفها، ولم يوكل بإعطائها إلى شخص غير المحتاج وغير المسكين.
وهذا أمر واضح وبين، ولذلك ينبغي على كل من يلي أمثال هذه الصدقات أن يتقي الله عز وجل، وأن يرجع إلى العلماء، وأن يستبين من أمره، وأن لا يجتهد من عند نفسه، فيتقحم النار على بصيرة -نسأل الله السلامة والعافية- بل عليه أن يتقي الله في هذه الأمانة، وأن يحسن القيام فيها؛ فمن وكله بالصرف يصرفه، ومن وكله باستثمار أمواله يستثمرها بالمعروف، على الوجه المعتبر فيها شرعاً.
من يتولى تركة الميت إذا لم يوجد حاكم ولا وصي
قال رحمه الله: [ومن مات بمكان لا حاكم به ولا وصي، جاز لبعض من حضره من المسلمين تولي تركته، وعمل الأصلح حينئذ فيها من بيع وغيره].
هذه المسألة تشتهر الآن في أماكن الأقليات، حيث يكون في بلد فيه مجموعة من المسلمين، وليس هناك قاض ولا حاكم مسلم، ولم يعهد هذا الميت بأيتامه إلى أحد ولم يوص، فحينئذ من يتولى؟ ننظر، فإذا كان هناك إمام يصلي بهم، أو طالب علم، وعنده علم ومعرفة بمثل هذا، فهو الذي تناط به مصالح أمثال هؤلاء؛ إذا كان طالب علم، وعنده معرفة بالأحكام الشرعية، وكان أهلاً لولاية أمره، فيلي أمورهم في مثل هذا: ففي النكاح يزوجهم، وكذلك في أمور المصالح التي تقع أو الخصومات التي تقع بينهم، إذا كان عنده من العلم ما يؤهله لذلك؛ وإلا رجعوا إلى العلماء فاستفتوهم.
أما بالنسبة للنظر في ماله، فإنه يليه أي واحد من المسلمين ممن يعلم حاله، ويمكنه أن يقوم بمصالحه من بعده، فأي واحد من إخوانه المسلمين يلي ذلك، وهذا من فروض الكفايات، فإذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، أما إذا وجد قاضٍ، فإنه يعهد إليه، قال صلى الله عليه وسلم: (فالسلطان ولي من لا ولي له).
وبعد هذا الباب يأتي كتاب الفرائض، ويغلب عليه -بطبيعته- المسائل الحسابية، وقد جرت العادة في قراءة المتون الفقهية -بالنسبة إليَّ- أن أفرد كتاب الفرائض بدراسة مستقلة.
وعليه: فنرجئ شرح هذا الكتاب -كتاب الفرائض- حتى ننتهي من المتن إن شاء الله.
نسأل الله عز وجل أن يجعل ما تعلمناه وعلمناه خالصاً لوجهه الكريم، موجباً لرضوانه العظيم.
والله تعالى أعلم.