شرح زاد المستقنع للشنقيطيمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصلٌ: ولا يقبل في الزنا والإقرار به إلا أربعة]: من عادة العلماء رحمهم الله عند بيانهم لأحكام الشهادة، أن يبينوا النصاب المعتبر في شهادة الشهود، وذلك أن النصوص في الكتاب والسنة اعتنت بذلك، فبين الله سبحانه وتعالى اشتراط العدد، كما سنذكره في الآيات الكريمات في سورة البقرة، وسورة النساء، وسورة النور، وكذلك سورة الطلاق، وبينت السنة أيضاً اشتراط العدد، كما في حديث الأشعث رضي الله عنه في الصحيحين، وغيره من الأحاديث الأخر.
فهذا كله يدل على أن الشهادة ينبغي أن تكون كاملة النصاب، وقد اختلفت أحكام الشريعة بحسب اختلاف مضمون الشهادة، فتارة يكون النصاب أربعة كما في شهادة الزنا، حيث نص الله سبحانه وتعالى على اشتراط أربعة شهود، وقد بينا ذلك في باب حد الزنا، وبين العلماء رحمهم الله أن الزنا مبنيٌ على الستر وعدم الحرص على الفضيحة، لما يترتب على ذلك من البلاء، فرأت الشريعة -وهي شريعة رحمة- الستر ما أمكن، ولكن في الحدود المقبولة، ومن هنا اشترط وجود الأربعة.
وكذلك أيضاً ربما كان النصاب دون ذلك؛ كالشاهدين في سائر الحقوق، وسنبين مثل الحقوق المالية، والحدود التي هي من غير الزنا، فإنه يكفي فيها شهادة الشاهدين، وكذلك أيضاً هذا النصاب الذي هو المركب على العدد واختلفت فيه أحكام الشريعة: فتارة تمحض بالذكور، كما في الشهادة على القصاص والحدود أو القود والدماء، وتارة يكون بالنساء مع الرجال، كما في الشهادة على الأموال وما يئول إلى الأموال.
وفي بعض الصور ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على عدم اشتراط التعدد، كما في قبوله عليه الصلاة والسلام لشهادة المرضعة، وكذلك قبوله لشهادة خزيمة بن ثابت رضي الله عنه وحده.
وبناءً على هذا ونظراً للاختلاف والتعدد لا بد من وضع أصول شرعية يبني عليها القضاء الإسلامي أحكامه في الشهادات، فيشترط العدد فيما اشترطت فيه الشريعة العدد، ويتمحض هذا العدد بالذكور فيما نص الشرع على اختصاص شهادة الذكور فيه، ويتمحض بالإناث، أو يشترك الإناث والذكور فيما رخص الشرع فيه بالشهادة على هذا الوجه.
أيضاً هناك شيئاً آخر وهو: انضمام حجة من غير الشهود إلى شهادة الشهود، كما في انضمام اليمين إلى شهادة الشاهد، وهنا الشريعة نزلت اليمين منزلة الشاهد، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بقضائه في الشاهد مع اليمين، وهذا نوعٌ آخر، فلما كانت الشهادة تتعدد وتختلف أفرد المصنف رحمه الله في هذه المسألة فصلاً خاصاً يبين فيها أحكام التعدد.

شهادة أربعة شهود ذكور في الزنا

قال رحمه الله: [ولا يقبل في الزنا والإقرار به إلا أربعة].
وهذا لنص الله عز وجل في آية النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:4]، وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: أن دعوى الزنا لا تقبل مجردة، وهذا محل إجماع، ما لم يقر المدعى عليه بدعوى الزنا أو يعترف.
المسألة الثانية: أن الزنا لا يثبت حده إلا بأربعة شهود، فلو شهد ثلاثة، حتى ولو كانوا من الصحابة؛ ردت شهادتهم، وهذا يدل على عظم أمر الزنا، وقد خاطب الله بهذه الآية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع ما هم فيه من العدالة وتزكية الشرع لهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني)، ومع هذا لا يُقبل إلا أربعة شهداء.
المسألة الثالثة: أن هذه الشهادة خاصة بالذكور دون الإناث، والدليل على ذلك: أن الله سبحانه وتعالى قال في شهادة الأموال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:282]، فذكر البدل عن الرجال، وهو شهادة النساء، فلو كان الزنا يقبل فيه شهادة النساء لبينه الله عز وجل، ومع ذلك لم ينص على شهادتهن في هذا الحد.
المسألة الرابعة: أن الله تعالى أمر بأربعة شهداء في حد الزنا، ونصت الشريعة على أن شهادة المرأة تعدل نصف شهادة الرجل، وهذا نص آية البقرة كما في آية الدين، فإذا ثبت هذا فمعناه: أنه لا يجوز لنا أن نقبل ثمان نسوة في حد الزنا، فإن هذا خلاف ما نص عليه القرآن، ولذلك فجماهير السلف والخلف والأئمة رحمهم الله على عدم قبول شهادتهن في الحدود وفي الدماء؛ للأصل الذي ذكرناه، وقد تقدم بيان العلة وأنها الضعف الموجود في خلقة المرأة، وقد أشار الله إلى هذا المعنى في قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:282]. والأصل في قبول شهادة الشاهد غلبة الظن بصدقه، وغلبة الظن بحفظه للقضية، فإذا كان عند الشاهد عوارض من الضعف وعدم القدرة على التحمل؛ فحينئذٍ يؤثر هذا في الشهادة، وهذا من رحمة الله بالأمة وتيسيره عليهم.
كذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:4]، مطلق وجاء ما يقيده بالشهداء العدول كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:2]، وقال في آية الدين: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:282]، وقد تقدم هذا.

قبول شهادة رجلين على من أتى بهيمة

قال رحمه الله: [ويكفي على من أتى بهيمة رجلان]: أي: يكفي في الشهادة على من أتى بهيمة رجلان، وينزل منزلة الزنا اللواط والعياذ بالله! وإن قلنا: إنه يأخذ حكم الزنا فلابد من شهادة أربعة، ومذهب جمهور العلماء رحمهم الله والأئمة على أن اللواط يثبت بشهادة شاهدين، وأما إتيان البهيمة فإنه ليس بحد، وإنما تقتل البهيمة لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتلها، وهذا الأمر بقتل البهيمة إتلاف للمال، ولذلك قبل فيه شهادة شاهدين، وبالنسبة للفاعل يعزر، فليست هناك عقوبة لمن أتى البهيمة كحد، ومن هنا لم ترتق إلى حد الزنا، فليست بحد كامل كحد الزنا، وعلى هذا خفف في نصابها، ورجعت إلى الأصل في الحدود، فيقبل فيها شاهدان، كما يقبل في السرقة وشرب الخمر ونحو ذلك من الحدود، فإذا قبل في الحدود شاهدان، فلأن يقبل في التعزير من باب أولى وأحرى، والحكم هنا تعزيري، وهذا مذهب جماهير السلف والخلف رحمهم الله.

قبول شهادة رجلين في بقية الحدود دون الزنا

قال رحمه الله: [ويقبل في بقية الحدود والقصاص، وما ليس بعقوبة ولا مال ولا يقصد به المال، ويطلع عليه الرجال غالباً؛ كنكاح وطلاق ورجعة وخلعٍ ونسب وولاءٍ وإيصاءٍ إليه يقبل فيه رجلان] قوله: (ويقبل في بقية الحدود) كحد شرب الخمر، فإذا شهد شاهدان أنهما رأيا شخصاً وهو يشرب الخمر، أو يتعاطى المخدرات، فحينئذٍ تكفي شهادتهما، وهكذا بالنسبة للسرقة، فلو رآه شخصان وهو يسرق فإن شهادة الشاهدين كافية لإثبات حد السرقة، وهذا تحديد وتأقيت من الشرع، فلا يشترط أكثر من اثنين في بقية الحدود إلا الزنا فأربعة من الشهود؛ لأن الله عز وجل قال في غير الزنا: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:282]، فأصبح أصلاً عند جماهير السلف والخلف والأئمة رحمهم الله على أن قبول الشهادة بالتعدد، وهذا ما يسميه العلماء: بالتقدير الشرعي، وفي الشريعة التقدير يكون على صور: الصورة الأولى: أن يمنع الزيادة ويجيز النقصان المقدر شرعاً.
الصورة الثانية: أن يمنع النقصان ويجيز الزيادة.
الصورة الثالثة: أن يمنع النقصان والزيادة.
فهذه الصور الثلاث هي أصل في التقدير الشرعي، فإذا جاء التقدير الشرعي عليها فإنه يلزم المكلف بها على نفس الطريقة التي ذكرناها.
فالصورة الأول: وهي أن التقدير يمنع النقصان ويجيز الزيادة فمثل: عشر رضعات معلومات يحرمن، ونسخن بخمسٍ معلومات يحرمن، فالرضاع فيه حدٌ وتقدير شرعي، بحيث لو أرضعت أكثر من خمس رضعات ثبت الرضاع، ولكن إذا أرضعت أقل من خمس رضعات فإنه لا يكفي.
كذلك أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة) فحد الخمس من الإبل، فما زاد فالزكاة ثابتة فيه، ولا يمنع الزكاة ما زاد وإنما يمنع الزكاة النقص، فالزيادة لم تمنع والنقص يمنع.
وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة) كما في الصحيح، فلا يمنع الزيادة ولكنه يمنع النقصان في إيجاد الزكاة، فهذا تقدير شرعي يمنع أن يحكم بوجوب الزكاة فيما نقص عن هذا القدر، ولكننا نجيزها فيه إذا زاد.
وكذلك أيضاً قد يمنع النقص في أشياء كثيرة، كما في المقدرات الشرعية من الأنصبة في الأموال وغيرها من الوارد في الشرع تحديده.
وأما الصورة الثانية: وهي أن التقدير يمنع الزيادة ويجيز النقص على عكس الأول، فمثلاً: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ثلاثاً، فحينئذٍ يجوز للمكلف أن يتوضأ مرة ومرتين وثلاثاً، ولكن لا يجوز له أن يزيد فيغسل العضو أربع مرات، قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث السنن وهو صحيح: (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم)، فهذا التقدير بالثلاث يمنع الزيادة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حدد هذه الثلاث، وكذلك لما رخص عليه الصلاة والسلام بالخمسة الأوسق في بيع الرطب بالتمر -وقد تقدم معنا في البيوع- حد عليه الصلاة والسلام في هذه المعاملة الربوية الحد بخمسة أوسق، فحينئذٍ تمنع الزيادة عن خمسة أوسق، فلا يرخص للمسلم فيما زاد على خمسة أوسق، ولكنه لو أراد أن يأخذ بالرخصة فيما دونها فلا بأس ولا حرج، فما نقص مأذونٌ به وما زاد ممتنع، وهكذا بقية المقدرات في الزيادة.
والصورة الثالثة: وهي أن التقدير يمنع الزيادة والنقص، فيلزم المكلف بالعدد الوارد، ولا يجوز له أن يزيد عليه ولا يجوز أن ينقص منه، كما في حد الزنا، قال تعالى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:2]، فالمائة جلدة هذه لا يجوز لأحد أن يزيد عليها في حد الزنا، ولا يجوز له أن ينقص منها؛ لأنها مؤقتة مقدرة، لا يجوز أن يعطل حد الله عز وجل فينقص منها سوطاً وجلدة واحدة، ولا يجوز أن يظلم المجلود فيزيده بجلدة زائدة على هذا المقدر شرعاً.
وكذلك أيضاً حد القذف، قال تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:4]، فإنه لا يجوز لأحد أن يزيد على الثمانين جلدة، ولا يجوز أن ينقص منها.
أما حد الخمر فقد تقدم معنا، فإن زيادة عمر رضي الله عنه على الأربعين أربعين أخرى ليست من الحد، وإنما هي زيادة تعزيرية جاءت بسبب خاص، وهو: انهماك الناس في الخمر، ثم إن نفس الخمر اشتبه فيه الصحابة هل هو محدد أو غير محدد؟! لأن علياً رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدده، يعني: لم يقدره بمقدار معين.
وقد قال أنس: كان يؤتى بالشارب فمنا الضارب بنعله ومنا الضارب بثوبه، فهذا لا يكون داخلاً في الأصل على الوجه الذي ذكرنا، وقد تقدم شرح هذه المسألة في حد الخمر، وبينا خلاف العلماء رحمهم الله في الزيادة على الأربعين.
وقد تكلم العلماء على هذه الأنواع، وممن فصل فيها الإمام السرخسي رحمه الله في المبسوط، والأصل عند العلماء في المقدرات هو هذا، فإذا قال الله ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:282] دل على أنه لا يجوز لنا أن ننقص عن شاهدين، هذا هو الأصل، وإلا لما كان لذكر الشاهدين معنى وفائدة؛ لأنه لو كان يقبل أقل من الشاهدين لما ضيق الله على عباده، ولقال: استشهدوا شاهداً من رجالكم، ولكنه لما قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:282] دل -كما ذكرنا في المقدرات- على أنه من المقدرات التي تجوز الزيادة فيها، أي: لك أن تُشْهِدَ على مالك خمسة أو ستة أو عشرة، كأن تخاف أن يموت بعضهم، أو أن ترد شهادة بعضهم، فتحتاط فتشهد أكثر من شاهد، ولكن أقل من اثنين لا يقبل منك من حيث الأصل العام.
وهذه الآية -آية الدين التي في سورة البقرة- جاءت كأصل في الشهادة في الحقوق، ولذلك يعتمد عليها العلماء، وقد ردوا بها قول من يقول: إنها تقبل شهادة الواحد؛ ولذلك لم نجد من النبي صلى الله عليه وسلم قضاءً وحكومة وخصومة قبل فيها شهادة الواحد المجردة إلا في مسائل خاصة، منها: قبوله شهادة المرأة المرضعة، كما في حديث عقبة بن الحارث في الصحيحين مع أم يحيى بنت أبي إهاب رضي الله عن الجميع، فقد كان نكحها ثم جاءت أمة وقالت: إنها أرضعتهما، فقال عقبة: إنها كذبت، فقال صلى الله عليه وسلم: (كيف وقد قيل؟!)، و

السؤال

هل هذا حكم، أم قضاء، أم خصومة، أم أنه فتوى من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هذا هو الإشكال، ولذلك لم تجر على سنن القضاء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تارة يحكم بحكم القضاء ويفصل بحكم القضاء، وتارة يفصل بالفتوى، وقد بينا هذا وفصلناه، ولذلك لم يقوَ الدليل على معارضة النصوص الصريحة القوية في أن البينة لابد فيها من اثنين غالباً.
وقد جاء من حديث الأشعث بن قيس رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (اختصمت أنا ورجل في بئر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! هي بئري وأنا احتفرتها، فقال الرجل: إنها بئري، فقال صلى الله عليه وسلم للأشعث: شاهداك أو يمينه) والحديث في الصحيح، فما قال له: ائتني بشاهد، أو ائتني بأي شيء يدل على أن البئر حقك، بل قال: (شاهداك أو يمينه) فخيره بهذا، فدل على أن العدد في الشهود مقصود، وأنه لا يقبل ما قل عن ذلك، إلا إذا كان معتضداً باليمين، فيما دل الشرع على جواز الشهادة مع اليمين، وسنبينه إن شاء الله.
إذا ثبت هذا فلا بد من التعدد، وقال بعض السلف: إنه يمكن أن تقبل شهادة الواحد، واحتجوا بحديث أم يحيى الذي ذكرناه، والجواب عنه معروف، ومما احتجوا به أيضاً قبول النبي صلى الله عليه وسلم لشهادة الشاهد على رؤية الهلال، فقد قال رجل: إنه رأى الهلال، وهو من حديث بلال رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال! قم فأذن بالناس) يعني: للصوم، قالوا: وهذا يدل على أن شهادة الواحد كافية.
وهنا مسألة نحب أن ننبه إليها في الجواب عن هذا الدليل: أولاً: من ناحية السند فيه ضعف.
ثانياً: أن هناك شيئاً اسمه: الشهادة، وهناك شيئاً اسمه: الخبر، وهناك شيئاً اسمه: الرواية، فالرواية: معرفة النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن الصحابي، أو عمن بعدهم، وهذا لا يشترط فيه التعدد بإجماع العلماء من حيث الأصل، إلا في المسائل التي تعم بها البلوى، وقد اختلف الجمهور مع الحنفية، والمسألة معروفة في الأصول، لكن من حيث الأصل نقبل خبر الواحد إذا جاءنا بنقل العدل عن مثله فإننا نقبل روايته، ولا يشترط في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون عن أكثر من واحد، ولذلك قبل العلماء الحديث الغريب برواية الواحد، كما في حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، والعزيز والمشهور فيما جاء من الأخبار، واعتمدوا الصحة والثبوت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكون الراوي ممن تقبل روايته، فباب الرواية لا يشترط فيه التعدد وجهاً واحداً.
الباب الثاني: باب الخبر: وهو أن يكون خارجاً عن حكم القضاء، فيأتي الإنسان ويخبر عن شيء، كأن جئت تصلي فسألت شخصاً: هل أذن لصلاة العصر أو لم يؤذن؟ فقال لك: لقد أُذن، فهنا تقبل خبر الواحد إذا وثقت بقوله، أو دخلت إلى قرية أو مدينة فيجب عليك أن تسأل أهلها عن القبلة، ولا يجوز لك أن تجتهد ولو كنت مسافراً، ما دمت قد نزلت وبإمكانك السؤال؛ لأن القدرة على اليقين تمنع من الشك، فتأتي إلى رجل ظاهره الخير، أو رجل تعرفه، أو صديق لك، وتقول له: أين جهة القبلة؟ فإنه سيقول لك: هكذا، فهذا خبر للواحد وتقبله، وتعمل به في الديانة، وتتعبد الله عز وجل به، لكنه من باب الخبر لا من باب الشهادة، فهذا يسمى: خبر، ولا يسمى: شهادة.
وكذلك أيضاً لو جئت تصلي على فراش، وشككت هل هذا الفراش نجس أو طاهر؟ فقلت: يا فلان! هل هذا الفراش طاهر أو نجس؟ فقال لك: الفراش طاهر، فصدقت قوله، وتعبدت الله ع

قبول شهادة رجلين في القصاص

قوله: (والقصاص) أي: والقصاص كذلك لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين بالصفات التي ذكرناها، وأن يكونا سالمين من القوادح والموانع التي تمنع من قبول شهادتيهما، فلو أن شخصاً ادعى على شخص أنه قطع يده، فإننا نقول للمدعى عليه: أقطعت يده؟ فإن أنكر فحينئذٍ نقول للمدعي: ألك بينة؟ فإن قال: عندي بينة، وأحضر شاهدين عدلين مستوفيين للشروط، فحينئذٍ نحكم بثبوت القصاص إذا كان قطع يده عدواناً.
مثال آخر: لو أن شخصاً ادعى أن أباه قتله فلان عمداً عدواناً، فأتينا بالمدعى عليه وقلنا له: هل قتلت فلاناً؟ فأنكر، فنقول للورثة أبناء القتيل: أعندكم بينة؟ فإن قالوا: نعم، وأقاموا شاهدين عدلين مستوفيين للشروط خاليين من الموانع؛ فحينئذٍ نحكم بثبوت القصاص على القاتل.
إذاًَ: القصاص يثبت بشهادة رجلين مستوفيين للشروط، سواء كان القصاص في النفس مثل القتل، أو كان في الأطراف بالشروط التي ذكرناها في ثبوت القود في الأطراف.

قبول شهادة رجلين فيما ليس بعقوبة ولا مال ويطلع عليه الرجال

وقوله: (وما ليس بعقوبة ولا مال).
ما ليس بعقوبة ولا مال مثل النكاح، فليس بعقوبة ولا مال، والطلاق ليس بعقوبة ولا مال، وكذلك الرجعة، كأن يقوم شخص ويطلق امرأته طلقة، وكانت الطلقة الأولى، وأراد أن يراجعها، فهذا ليس بمال وليس بعقوبة، فحينئذٍ تقبل فيه شهادة الرجلين العدلين، كما نص الله عز وجل على ذلك.
وقوله: (ولا يقصد به المال).
أي: لا يئول إلى المال، وسيأتي هذا النوع الثالث.
وقوله: (ويطلع عليه الرجال غالباً) ما كان من هذا الصنف ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: يطلع عليه الرجال غالباً، بمعنى: أنه يقع أمام الرجال، مثل: النكاح، فإنه يجتمع ولي المرأة مع الزوج، وغالباً في محضر رجال، والطلاق نفس الشيء، وهذا يطلع عليه الرجال غالباً، فالرجل عندما يطلق امرأته غالباً يعلم صديقه وأخوه وقريبه، ولذلك إذا كانت الأمور التي يشهد بها من جنس ما يطلع عليه الرجال غالباً؛ فإنه يقبل شهادة الشاهدين من الرجال العدول على الصفة التي ذكرناها في الشهادة.
وقد أراد المصنف رحمه الله أن يحترز من النوع الذي تقبل فيه شهادة النساء، وهو الذي لا يطلع عليه الرجال غالباً، فقال رحمه الله: (غالباً)، وإلا فالنساء قد يطلعن على النكاح ويطلعن على الطلاق، لكن لما قال: (غالباً)، فمعناه: أن هذا الشيء الذي ذكره قد يطلع عليه النساء.
وقوله: (كنكاح).
النكاح الغالب فيه أنه لا يطلع عليه إلا الرجال، وأكثر ما يوجد بين الرجال، وقد يقع بين النساء ولكن الحكم للغالب، ولماذا نقول: يطلع عليه الرجال غالباً، ويطلع عليه النساء غالباً؟ لأنه إذا كان يطلع عليه الرجال غالباً أجريته على القاعدة العامة، وجعلته تحت حكم الشريعة في الشهادة، في كون الشهادة تختص بالذكور، وتكون بالعدلين بالصفة التي ذكرناها، فإن خرج عن هذا إلى كونها تختص بالنساء، فهذا يسمونه: الخاص، والخاص لا يقدح في الأصل العام، وهذا الفقه أن تعرف ما جرى على الأصل فتطرد الدليل العام فيه، وذلك مثل قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:2]، فلما خص الله عز وجل الشهادة بالاثنين، وجعلها متعددة وجعلها خاصة بالرجال، ولم يذكر لها بدلاً من النساء، فعلمنا حينئذٍ أن هذا النوع يختص بالرجال، ووجدنا من صفاته الذي يكون وصفاً مناسباً للشرعية في الحكم، لما نظرنا الصفات وجدنا هذا الشيء غالباً في الرجال، ولذلك يكون جارياً على الأصل بقبول شهادة الرجلين فقط.
أما إذا أصبح هذا الشيء واقعاً بين النساء، ويقل اطلاع الرجال عليه، مثل العيوب الموجودة في النساء التي لا يطلع عليها الرجال غالباً، وحينئذ إذا صارت الأمور التي تختص بالنساء كالعيوب الموجودة للمرأة ونحو ذلك مما يحتاج إلى اطلاع النساء، أو يطلع عليه النساء غالباً، فمعناه: أنها حالة خاصة؛ لأن الأمر إذا ضاق اتسع، فحينئذٍ تستثنى؛ لأنك لو قلت: لا أقبل إلا الرجال؛ لأوقعت الناس في حرجٍ عظيم، ولضاعت الحقوق، وهذا خلاف شرع الله عز وجل، ولأصبحت المرأة تتبذل حتى ينظر الرجل إلى بكارتها وثيوبتها، فلأن ينظر الجنس مع اتحاد الجنس أخف من أن ينظر الجنس مع اختلاف الجنس، وهذا هو شرع الله أن يعطي كل شيء حقه وقدره.
لكن هذا الاستثناء لا يعتبر قاعدة عامة، ومن هنا ضبطوه بقولهم: أو ما لا يطلع عليه إلا النساء غالباً؛ لأنه إذا كان من جنس ما لا يطلع عليه إلا جنسٌ مخصوص، فحينئذٍ يحتاج الناس عند الإشهاد عليه إلى هذا الغالب، فإذا ألزمتهم بغير الغالب -وهو الرجل- أحرجتهم، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:78]، وإذا كان هذا الشيء من جنس النساء، وأدخلت الرجال على النساء أحرجتهم، والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:78]، وضيقت عليهم والله عز وجل يريد أن ييسر: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:185] فهذا هو وجه تفسير العلماء وتفريقهم بين ما يطلع عليه الرجال وما يطلع عليه النساء، ثم ضبط بالغالب؛ لأن الحكم للغالب، وإلا فقد يوجد اطلاع الرجال على هذه الأشياء في النادر، كالطبيب مثلاً عندما يطلع وينظر إلى بكارة المرأة وعدمها، كما لو اشتكت امرأة من ألم فاضطر أن ينظر إلى فرجها، فنظر فعلم أنها بكر، ثم بعد ذلك حدثت حادثة في نفس اليوم بعد خروجها واحتيج إلى شهادته، فقال الزوج: هي ثيب من أسبوع، وهذا قد كشف عليها بالأمس ورأى واطلع وقال: إنها لا زالت بكراً، وهذا النادر لا يناط بحكم الشهادة، فهذا وجه تخصيص العلماء رحمهم الله والفقهاء للمسألة بالغالب.
وقوله: (وطلاق).
كذلك الغالب فيه أنه لا يطلع عليه إلا الرجال، ولا يمتنع أن يطلع عليه النساء، فالطلاق يثبت بشاهدين من الرجال، ومثاله: قالت المرأة: إنها زوجة، وإن فلاناً توفي ولم يطلقها، وهي تستحق الميراث، فأقام ورثة الميت شهوداً على أنها مطلقة، وأنها بانت من مورثهم قبل وفاته، فنحكم بذلك ونعتبرها مطلقة، ولا حق لها في الميراث، إذاً يثبت الطلاق بشهادة الشاهدين العدلين المستوفيين للشروط، دون وجود موانع فيهما.
وقوله: (ورجعة).
كأن يقول: هذه زوجتي وقد راجعتها، ولذلك أطلب من القاضي أن تفسخ نكاحها من هذا الرجل، فقالت المرأة: ما راجعني، وأنا مكثت حتى خرجت من عدتي وتزوجت، وعندي شهود أني اعتددت، وأني ما تزوجت إلا بعد انتهاء العدة، فجاءت بالشهود وأثبتت أنها نكحت بعد انتهاء العدة، وجاء بالشهود على أنه راجعها في اليوم العاشر قبل حيضتها الثالثة، ما بين الثانية والثالثة، أو بين الحيضة الأولى والثانية، فحينئذٍ نحكم بالرجعة، وأنها زوجة للأول وليست زوجة للثاني، ونفسخ نكاح الثاني، إذاً تثبت الرجعة بشهادة الشاهدين.
وقوله: (وخلعٍ).
أي: لو قال: إنه خالع زوجته، وقد تقدم معنا أنه إذا ادعى أنه خالع المرأة، وادعت المرأة أن زوجها طلقها، فتسعى لإثبات حق لها، أو دفع ضرر عن نفسها، كأن تقول المرأة: إنك طلقتني وليس لك علي المهر، فقال: لا، بل خالعتك، فاختصم مثلاً هو وامرأته التي كانت في عصمته، وكلهم متفقون على أنه حصل فراق، لكن

السؤال

هل حصل الفراق بالخلع فيجب عليها أن ترد له المهر، أم حصل الفراق بالطلاق وليس له شيء؟ فهي تقول طلقني، وهو يقول: خالعتها، لم أطلقها، فلما اختصما جاء بشاهدين عدلين على أنه خالعها، وأن الذي وقعت به الفرقة هو الخلع وليس الطلاق، فاستحق أن يطالبها بالمهر، وحينئذٍ نحكم بثبوت حقه في ذلك بناءً على وجود شهادة شاهدين عدلين.
وقوله: (ونسبٍ).
كما لو قال: إنه الابن الوحيد لفلان، ويستحق ميراثه، فلما ادعى ذلك أنكر العصبة، كإخوان الميت، وقالوا: ليس له ذرية، وليس له ولد، وأنت لست ولداً له، فقام وجاء بشاهدين عدلين عند القاضي مقبولي الشهادة، فإنه لا مانع من قبول شهادتهما، ويُحكم بكونه ابناً لهذا الميت ويستحق الميراث، ويحجب بقية العصبة، إذاً يثبت النسب ويثبت ما يترتب على النسب بشهادة العدلين.
وقوله: (وولاءٍ).
كذلك إثبات الولاء يكون بشاهدين عدلين؛ لأن الولاء تترتب عليه أحكام شرعية، قال صلى الله عليه وسلم: (الولاء لحمته كلحمة النسب)، وهو أحد الأسباب الموجبة للإرث، فلو أن مولى أعتقه فلان من الناس، فتوفي هذا المولى، فإن مولاه يرثه إذا لم يكن له وارث لا بالفرض ولا بالتعصيب، أو مثلاً كان يعني: هذا المولى هو المسلم الوحيد، فأعتقه في حياته، وهو مثلاً سيده، فلما أعتقه أصبح ثرياً وغنياً، فتوفي هذا المولى وليس معه أحد من ورثته، فإن المال سيذهب إلى بيت مال المسلمين؛ لأن بيت المال يرث من لا يورث، ففي هذه الحالة جاء سيده وأقام دعوى على أنه مولاه، وأنه يستحق المال بحكم أنه مولى من مواليه، فنقول له: أثبت ذلك، فجاء بشاهدين عدلين، فحينئذٍ له ذلك ويحكم بذلك المال له.
وقوله: (وإيصاءٍ إليه).
كذلك الوصية، وقد تقدمت أحكامها، كأن يقول: أوصى لي فلان بربع التركة، أو أوصى لي بهذه المزرعة، أو أوصى لي بهذه العمارة، فكذبه الورثة وقالوا: ما أوصى له، وهو رجل أجنبي، أو رجل غريب غير وراث، فقال له القاضي: ألك بينة؟ فأحضر شاهدين وشهدا، فحينئذٍ حكم بالشاهدين له.
وقوله: (يُقبل فيه رجلان).
أي: نقبل الرجلين؛ وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:282]، وهذا هو الأصل، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:2]، وقال صلى الله عليه وسلم: (شاهداك أو يمينه)، وكما قلنا: لابد من كونهما شاهدين عدلين بالصفة التي تقدمت في الشهود.

ما تقبل فيه شهادة النساء مع الرجال

قال رحمه الله: [ويقبل في المال وما يقصد به كالبيع والأجل والخيار فيه ونحوه رجلان، أو رجلٌ وامرأتان، أو رجلٌ ويمين المدعي].
قوله: (ويقبل في المال وما يقصد به) أي: ما يقصد به من الأموال، أو ما يئول إلى المال، فبعضهم يقول: يقصد به المال، وبعضهم يقول: يئول إلى المال، فيشهد في ذلك رجلان، أو رجل وامرأتان، أو أربع نسوة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:282]، هذا الأصل أن الرجل يريد أن يكتب ديناً لآخر عليه، فبين الله سبحانه وتعالى أن هذا الحق -وهو الدين- يثبت بشهادة الشاهدين، فبين كيف تكون كتابة أو توثيق هذا الدين وهذا الحق، وذلك بكتابته وصفة الكاتب وما ينبغي على الكاتب، وما ينبغي على المملي.
وبعد هذا قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:282] أي: أن يملي الشخص ويكون ذلك بحضور شاهدين يشهدان على ما يقر به ويكتب، وبعض العلماء يقول: الحجة في الشاهدين، تعظيماً لأمر الشهادة على الكتابة، فإن الكتابة بذاتها ليست حجة؛ لأن الخطوط تتشابه والخطوط تزور، وإنما الحجة جاءت في الشاهدين، ومن هنا كانت الآية أصلاً في قبول الشهادة، فلما كان صدر الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة:282] هذه الآية في الحقوق المالية صارت أصلاً، ومن هنا قالوا: يقبل في الأموال الشاهدان.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:282]، فدل هذا على أن الحقوق المالية يُقبل فيها شهادة النسوة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يذكر النساء إلا في هذا النوع من الحقوق، وقد ذكر الحدود وذكر الجنايات ومع ذلك لم يثبتها إلا بشهادة الذكور، فدل على اختلاف الحكم، كما مشى على ذلك وجرت عليه جماهير السلف والخلف من حيث الجملة.
إذا ثبت هذا فإن الأموال يقبل فيها الشاهدان الرجلان، أو الرجل والمرأة بنص القرآن، ثم يرد

السؤال

هل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:282] تنبيه على البدلية من كل وجه؟ بمعنى: أنه يمكننا أن نقبل أربع نسوة منفردات؛ لأن المراد أن شهادة النساء تحل محل الرجال، بغض النظر عن كونهن منفردات أو كونهن مجتمعات مع الرجال، وهذا هو مسلك الجمهور على أنه يمكن أن تقبل شهادة أربع نسوة في الدَّيْنِ، فلو أن رجلاً له على رجل مائة ألف ريال، وخاف أن يأتيه الموت، فأشهد اثنتين من أخواته واثنتين من زوجاته على هذا الحق الذي عليه، صح؛ لأن هذا الحق يثبت بشهادة النساء منفردات وبشهادتهن مجتمعات مع الرجال.
هناك من قال: لا تقبل شهادة المرأة إلا مع الرجل، والصحيح أنها تقبل شهادة النساء، سواءً اجتمعن أو انفردن في الحقوق المالية.
وقوله: (كالبيع).
أي: لو باعه بيتاً فإن له أن يشهد رجلين أو يشهد رجلاً وامرأتين، أو يشهد أربع نساء.
وقوله: (والأجل).
كذلك أيضاً إشهاد الرجال مع النساء في التأجيل، أي: كون الدين مؤجلاً أو معجلاً في الحقوق المالية.
فمثلاً قال له: بعت البيع نقداً، فقال: لا، بل بعتني إلى أجل، والأصل في البيع أن يكون نقداً، لكن إذا ادعى أنه باعه إلى أجل، وقال القاضي للبائع: أبعته إلى أجل؟ فقال: لا، أنا بعته نقداً، فحينئذٍ نقول لهذا: ألك بينة على أنه باع إلى أجل؟ فإن قال: نعم، وجاء بشاهدين من الذكور أو برجلٍ وامرأتين فإنه يصح؛ لأن التأجيل هنا المراد به إثبات حق المال، فالشهادة فيه راجعة إلى الأموال، فتثبت في البيع تأجيل البيع وعدم تأجيله.
وقوله: (والخيار فيه ونحوه).
أي: يجوز إشهاد الرجال والنساء في الخيار في البيع.
وقوله: (رجلان أو رجل وامرأتان) هنا لم يذكر الأربع النسوة، وهذا بناءً على ما اختاره بعض العلماء: أنه لا تقبل شهادة النساء منفردات، والصحيح: أنها تقبل شهادتهن منفردات في الحقوق المالية؛ لأن الله بين أن شهادة المرأتين بمثابة شهادة الرجل الواحد، وعلى هذا فتقبل شهادة الأربع مقابل الرجلين.
والدليل الثالث الذي يُقبل في شهادة الأموال وما يئول إلى المال: شهادة الشاهد مع اليمين، مثل: أن يقوم شخص ويقترض من شخص مائة ألف، وحضر هذا القرض شخصٌ واحد، ثم توفي المقترض، فجاء صاحب الدين إلى الورثة وقال: لي على أبيكم مائة ألف، فقالوا: لا نعترف لك بذلك، أعندك حجة أو كتابة فنقبل منك، فهو لم يخبرنا أن لك عليه مائة ألف؟ فاشتكى إلى القاضي، فقال له القاضي: ألك بينة؟ قال: نعم، لي رجل واحد يشهد، وهذا الشاهد مستوفٍ للشروط، حينها قال القاضي: تحلف معه اليمين، وتستحق ما ادعيت، والدليل على ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح: (أنه عليه الصلاة والسلام قضى بالشاهد مع اليمين)، وهذا عن أكثر من عشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءت عنهم هذه السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهر ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أحمد في مسنده ومسلم وغيره رحمة الله على الجميع، فهذا يدل على ثبوت سنة الشاهد مع اليمين، ويقول جمهور العلماء رحمهم الله: إنه يقبل الشاهد مع اليمين، ونعتبر قول الشاهد مع اليمين أصلاً بقبول الشهادة، وإذا اعتبرنا جنس الشاهد فإنه يقبل شهادة المرأتين مع اليمين؛ لأن المرأتين قائمتان مقام الرجل؛ ولأن الله أنزل المرأتين منزلة الرجل، وحينئذٍ يكون جنس الشاهد مع اليمين المراد به من اعتد بشهادته، بغض النظر من كونه من الرجال أو من النساء.

قبول شهادة النساء فيما يخص النساء

قال رحمه الله: [وما لا يطلع عليه الرجال غالباً كعيوب النساء تحت الثياب والبكارة والثيوبة والحيض والولادة والرضاع والاستهلال ونحوه تقبل فيه شهادة امرأة عدل].
هذا لما قدمنا من وجود الحرج، فإن أمور النساء الخاصة الغالب أنه لا يطلع عليها إلا النساء، وقد أخذوا هذا من حديث أم يحيى بنت أبي إهاب رضي الله عنها وأرضاها، وقد بينا ما في الحديث، لكنه أصل في أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل خبر المرأة، ولذلك بين رحمه الله هذه الأمور، فقال: (كعيوب النساء تحت الثياب كالبكارة والثيوبة)، فإثبات بكارة المرأة وثيوبتها يحتاج إلى اطلاع على الفرج، وهذا الاطلاع من الجنس أخف من اطلاع غيره، ولذلك فالمرأة الثقة المعروفة بالأمانة والتحفظ يمكن أن تطلع وتخبر القاضي بما اطلعت عليه.
وهل هذه شهادة لها حكم أم أنها شهادة أهل الخبرة استثنيت لوجود الحاجة كما يقول العلماء؟!

حكم قبول شهادة الرجل فيما لا يطلع عليه إلا النساء غالبا

ً قال رحمه الله: [والرجل فيه كالمرأة].
أي: لو أن هذا الشيء الذي لا يطلع عليه إلا النساء شهد به رجل كالطبيب فتقبل شهادته، بمعنى: أننا عندما نقول: إنه لا تقبل فيه إلا شهادة امرأة، ليس على سبيل الحصر، وإنما الأصل أن يتولى هذه الأمور النساء، لكن لو حصل أن رجلاً اطلع عليه لجاز له أن يشهد.

حكم ثبوت القود والمال بشهادة النساء أو شاهد ويمين

قال رحمه الله: [ومن أتى برجلٍ وامرأتين أو شاهدٍ ويمين فيما يوجب القود لم يثبت به قودٌ ولا مال].
بينا في الدرس الماضي: أن هذا مبني على أن ثبوت المال مفرع على ثبوت القود، فمثلاً: جاء بشاهد وأراد أن يحلف اليمين معه على أن فلاناً داس أباه بالسيارة عمداً عدواناً، فهذا قتل عمد لا تقبل فيه إلا شهادة رجلين عدلين، ففي هذه الحالة إذا لم يثبت القصاص لا تثبت الدية، فلا يقول قائل: نسقط الدية؛ لأن القتل قتل عمد يجب القصاص، فالشريعة تنظر إلى الدعوى، بحيث لو أن الدعوى جاءت على هذا الوجه فحينئذٍ لا نقبل إلا شهادة رجلين عدلين بالصفة المعتبرة بالشهادة، فإذا لم يقمهما لم نحكم له صحيح أن هناك مالاً، لكن هذا المال وهو الدية مفرع أو مبني على ثبوت القود؛ لأن أولياء المقتول يخيرون كما قال عليه الصلاة والسلام: (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يقاد وإما أن يودى)، فجعل الدية بدل القود، فإذا لم يثبت القود لا تثبت الدية، وهذا معناه: أن يأتي المال مشتركاً مع غيره لا على سبيل البدلية، فلا تقبل فيه شهادة النساء ولا يقبل فيها شهادة ويمين؛ لأنه لم يتمحض فيها قصد المال، وإنما جاءه مبني على ثبوت ما يشترط فيه شهادة الرجال وحدهم، فلا يقبل فيه الشاهد مع اليمين، ولا يُقبل فيه شهادة النسوة منفردات أو مجتمعات مع الرجال.

شهادة النساء في السرقة يوجب المال دون الحد

قال رحمه الله: [وإن أتى بذلك في سرقة ثبت المال دون القطع].
إذا شهد في السرقة ثبت القطع وثبت ضمان المال، ولكن هذا الثبوت لضمان المال ليس مركباً على ثبوت القطع، ولذلك يثبت الحقان: أولاً: القطع الذي هو حقٌ الله عز وجل.
ثانياً: المال الذي هو حق للمخلوق؛ فإذا كان حق الله لم يثبت؛ فإن حق المخلوق يثبت؛ لأنه إذا قال: سرق مالي، فالرجل يحتاج أن يرد له ماله، وحينئذٍ فحقه ثابت، فانفصل حق المال عن حق الحد، فإذا انفصل فإنه حينئذٍ يثبت المال، ونقول له: لا نثبت حد السرقة بشهادة النساء؛ لأن هذا النوع من الشهادات لا يثبتها، ولكن يجب عليه أن يضمن المسروق؛ لأن المال يثبت بهذه الشهادة.

ثبوت العوض في الخلع بشهادة النساء مع الرجال

قال رحمه الله: [وإن أتى بذلك في خلعٍ ثبت له العوض].
قوله: (وإن أتى بذلك في خلع) الخلع يثبت فيه المهر، فإذا أثبت أنه خالع المرأة - كما تقدم معنا في المثال- فهو أثبت أنه خالعها بشهادة رجل وامرأتين، فإننا نقول: إن هذا يثبت المهر ولا يثبت الخلع.

ثبوت البينونة بمجرد دعواه الخلع

قال رحمه الله: [وتثبت البينونة بمجرد دعواه].
أي: إذا ادعى الرجل أنه خالع امرأته فإننا حينئذٍ نحكم بثبوت البينونة؛ لأنه اعترف بأنها ليست زوجة له، وأنه قد فارقها، والخلع طلاق، وهذا من الفوائد التي تترتب على أن الخلع طلاق.

شرح زاد المستقنع -

باب موانع الشهادة وعدد الشهود [3]

إن من نعم الله تعالى ولطفه بعباده أنه عند تعذر إقامة الشهود الأصليين، أجاز شهادة من سمع الشهود أن يشهد بها.
ويشترط في الشهادة على الشهادة ما يشترط في الشهادة الأصلية، كالبلوغ والعقل والعدالة، ولا تكون الشهادة على الشهادة إلا بإذن الأصل أو إقراره عند القاضي، أو عزوه الشهادة لسبب من الأسباب.
أما مسألة الرجوع في الشهادة فإنه يترتب عليها أحكام مهمة، سواءً كانت قبل الحكم أو بعده.

حكم الشهادة على الشهادة وما يشترط لها ومسائلها

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ولا تقبل الشهادة على الشهادة إلا في حق يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي].
بعد أن بين المصنف رحمه الله أصول باب الشهادة، والأمور المعتبرة في قبول الشهادة وردها؛ شرع في بيان حكم الشهادة على الشهادة، والشهادة على الشهادة مركب يكون بعد بيان المفرد، والمراد بالشهادة على الشهادة: أن يكون هناك شاهدان على حق من الحقوق، فتعذر إقامة الشاهدين في القضاء، أو مات الشاهدان، وهناك شهود شهدوا على شهادتهما، وهذا من نعم الله عز وجل ولطفه بعباده.
وقد نص الأئمة رحمهم الله واتفقت المذاهب الأربعة على قبول الشهادة على الشهادة من حيث الجملة، والدليل على قبولها عموم الأدلة التي دلت على قبول الشهادة، فإن الله تعالى لم يفرق بين كونها شهادة أصل أو شهادة فرع، فإن الله أمرنا بقبول شهادة العدل والعمل بها، فإذا جاء شهود على شهود وهم عدول، أي: شهود الأصول عدول، فإننا نقبل الشهادة كالشهادة الأصلية؛ لأن الفرع آخذ حكم أصله، فالشهادة على الشهادة مركبة على أصل، فإذا كان الأصل مقبولاً فالشهادة على الشهادة مقبولة؛ لأن حفظ الحقوق مقصود شرعاً، وهو يتأتى بالشهادة على الشهادة.
وقد بيّن رحمه الله: أن الشهادة على الشهادة تكون فيما يكون فيه كتاب القاضي، وقد تقدم بيانه، فلا تقبل الشهادة على الشهادة في قصاص، ولا في إثبات حد من الحدود، وذلك لما ذكرناه، ومن أهل العلم من قال بعمومها، ولكن لوجود الشبهة وخوف الخطأ والخلل استثنى الحنابلة رحمهم الله الدماء وما لا يقبل فيه كتاب القاضي.
ويشترط في الشهادة على الشهادة ما يشترط في الشهادة الأصلية، ولكن لا بد أن يكون الشاهد بالغاً عاقلاً عدلاً غير متهم في شهادته، ضابطاً للشهادة، فإذا استوفى الشروط المعتبرة، فيرد

السؤال

هل تقبل فيها شهادة النساء، أو لا تقبل؟ أولاً: الشهادة على الشهادة، الأصول تقتضي قبول شهادة الرجال والنساء عموماً، وهذا مذهب طائفة من العلماء، والحنابلة عندهم لا تقبل شهادة النساء في الشهادة على الشهادة.
والصحيح: أنه تقبل شهادة امرأتين وتنزل منزلة شهادة الرجل الواحد، وتتعدد بتعدد شهادة الأصول في الرجال.

متى تقبل الشهادة على الشهادة

قال رحمه الله: [ولا يحكم بها إلا أن تتعذر شهادة الأصل بموته] إذاً: لو أن رجلاً كبيراً في السن عنده شهادة فجاء وقال: إن هذه الأرض ملك لوقف فلان، وهناك كبير سن آخر يشهد بنفس الشهادة، فيأتي شاهدان ويشهدان على شهادة الشاهد الأول الذي اسمه عبد الله في ثبوت الحق، ويسترعيهم الشهادة، وأيضاً يأتي شاهدان آخران لشهادة عبد الرحمن كبير السن الآخر، فإذا حصلت الشهادة فمعنى ذلك: أن أربعة شهود سيشهدون في مقابل شهادة الاثنين، وسينقلون شهادة الاثنين، وكلٌ منهما شاهدٌ على صاحبه، كل اثنين سيشهدان على ما شهد عليه، وحينئذٍ تقبل الشهادة إذا تعذر، إما لموت الأصل أو غيره من الأسباب، مثل أن أكون أنا وأخي سمعنا والدنا يقول كذا وكذا، ثم توفي الوالد، فأنا وأخي ملزمان شرعاً بأداء هذا الحق الذي طُلب منا، فهذا فيه حفظ للحقوق وصيانة لها.
فبين رحمه الله أنه عند التعذر من موت أو مرض كأن يشهد ثم مرض، وتعذر عليه أن يأتي إلى مجلس القضاء، وعلى هذا فتقبل الشهادة عند وجود العذر، أما إذا لم يوجد العذر فللعلماء وجهان: الوجه الأول: لو كان الأصل موجوداً في المدينة أو موجوداً في مدينة أخرى، ويمكن أن يسافر ويأتي، فمن أهل العلم من قال: إنه إذا كان على مسافة القصر فإنه يسقط عنه الحضور.
الوجه الثاني: إذا كان في داخل المدينة فإنه لا تقبل الشهادة على الشهادة؛ لأن القدرة على اليقين تمنع من الشك؛ ولأن نقل الشهادة على الشهادة مزلة الخطأ والخلل، فينبغي إشهاد الأصل، وهذا القول فيه احتياط، وهو الذي اختاره المصنف رحمه الله، والأصول تقتضي القبول.
قال رحمه الله: [أو غيبة مسافة قصر].
كما ذكرنا، كأن يكون في مدينة والقاضي في مدينة أخرى.

متى يشهد الفرع بدلاً عن الأصل

قال رحمه الله: [ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد إلا أن يسترعيه شاهد الأصل].
كأن يقول له: اشهد على شهادتي أن فلاناً له على فلان كذا وكذا، واشهد على شهادتي أن فلاناً أوقف داره أو أوقف أرضه، أو أن فلاناً وهب، أو أن فلاناً شارك فلاناً، أو أن فلاناً أعطى فلاناً قرضاً، فقوله: اشهد على شهادتي هذا استرعاء.
قال رحمه الله: [فيقول: اشهد على شهادتي بكذا، أو يسمعه يقر بها عند الحاكم].
إذا شهد بها عند الحاكم فهي شهادة شرعية وحينئذٍ ينقل هذه الشهادة.
قال رحمه الله: [أو يعزوها إلى سبب من قرض أو بيع أو نحوه].
كأن يقول: إن لفلان على فلان مائة من أصل بيع، سواء كان من قيمة أرض أو من قيمة سيارة، فيسندها إلى أصل، أما لو قال: إن له في ذمته كذا ولم يبين السبب، فلا تقبل.

مسألة الرجوع عن الشهادة وصورها

قال رحمه الله: [وإذا رجع شهود المال بعد الحكم لم ينقض].
هذه المسألة تعرف عند العلماء بمسألة الرجوع عن الشهادة، أن يشهد الشهود ثم بعد شهادتهم يقولون: رجعنا، فهذه على صورتين: الصورة الأولى: أن يقولوا: كذبنا وزورنا، ونحن قد تبنا إلى الله ورجعنا عن شهادتنا، فهذا اعتراف بالخطأ، بمعنى: أنهم تحملوا وأدوا الشهادة زوراً وكذباً.
أو أن يكون منهم الرجوع لتبين خطأ، فيقولون: رجعنا، فإن الذي قتل فلاناً ليس بفلان، نحن أخطأنا وما تعمدنا شهادة الزور، وإنما تبين لنا أن الذي قتل فلاناً هو فلان، وأننا أخطأنا في الشهادة الأولى.
وهذا الرجوع إما أن يكون قبل الحكم بالشهادة، وإما أن يكون بعد الحكم، فإذا كان بعد الحكم إما أن يكون قبل تنفيذ الحكم فإما أن يكون بعد تنفيذ الحكم.
الحالة الأولى: أن يرجع الشهود قبل الحكم بشهادتهم: فإن القاضي لا يحكم بشهادتهم قولاً واحداً عند العلماء، مثاله: لو ادعى شخص على شخص ديناً، ثم أقام شاهدين فشهدا عند القاضي وقالا: إن فلاناً له على فلان كذا، وقد سبق أن قلنا: إنه إذا شهد الشهود فيبحث القاضي عن الشهود هل هم عدول؟ هل هم أهل للشهادة أو لا؟ فإذا قالوا بعد ذلك: رجعنا عن شهادتنا، فهذا قبل الحكم، أو قال المدعى عليه: هؤلاء الشهود فسقة لا تقبل شهادتهم، وسأُقيم البينة على فسقهم، فلما أعطى القاضي مهلة ثلاثة أيام حتى يثبت -كما تقدم معنا في أدب القاضي- رجع الشهود، إذاً شهدوا وقبل أن يحكم بشهادتهم رجعوا.
فإن رجعوا وقالوا: إنهم مزورون، فحينئذٍ يترتب حكمان: الأول: رد الشهادة.
الثاني: تعزيرهم من القاضي، وقد اختلفت عبارة العلماء في التعزير، حتى قال بعضهم: له أن يشوه، كأن يحلق لحى الشهود، ويمشي بهم في الأسواق، ويقال: هؤلاء كذبة وشهود زور.
والصحيح: أنه لا تحلق اللحية، وإنما يطاف بهم في الأسواق إذا رأى المصلحة، ويقول: هؤلاء شهود زور وكذبة؛ لأنهم كذبوا على القاضي، وهذا يفضي إلى اختلال الأحكام الشرعية، واستغلال القضاء للسوء؛ ولأنه قد تستباح الدماء، وقد تستباح الفروج، فالطواف بهم بين الناس يردع غيرهم عن هذا الفعل الذي به قوام العدل عن هذا الفعل، الذي يؤدي إلى ضياع العدل وانتهاك الحرمات، فبعض العلماء رحمهم الله يقولون: إنهم يعزرون بالطواف، والأصل يقتضي أن الأمر إلى القاضي فيعزرهم بما يرى من المصلحة.
أما إذا كان رجوعهم بالخطأ، وقالوا: نحن شهدنا وتبين لنا الخطأ، فحينئذٍ لا يعزرون، لكن يسقط شهادتهم، وإذا أسقط شهادتهم تبين أنهم أناس فيهم خلل في الشهادة؛ لأنهم اعترفوا على أنفسهم أنهم أخطئوا، فمعنى ذلك: أنهم أناس لا يضبطون الشهادة، وحينئذٍ لا تقبل شهادتهم بعد ذلك.
الحالة الثانية: أن يكون رجوعهم بعد الحكم بالشهادة وقبل تنفيذ الحكم، فحينئذٍ إذا شهدوا بحق مالي، وشهدوا أن فلاناً باع سيارته، وأن فلاناً باع أرضه، فإن رجوعهم عن الشهادة بعد الحكم ساقط، ولا يؤثر في الحكم؛ لأنه إذا شهد أن لفلان على فلان ألفاً، وكانت شهادتهم مزكاة معتبرة شرعاً، فحينئذٍ ثبت عندنا أن لفلان على فلان ألفاً، فإذا قالوا: كذبنا وزورنا، فقد طعنوا في أنفسهم بالفسق، وحينئذٍ جرحوا أنفسهم، فلا يقبل رجوعهم؛ لأنهم شهدوا على أنفسهم أنه لا يقبل قولهم، ونحن قد قبلنا قولهم قبل ذلك بالتعديل، فحينئذٍ لا نرجع إذا غلب على ظننا صدقهم إلى أمرٍ تبين أنهم فسقة، وأنهم لا تقبل شهادتهم، فلو شهدوا بحق لمحمد، ثم قالوا: كذبنا وزورنا، فإن قولهم: كذبنا وزورنا إنما شهدوا على أنفسهم بالفسق، ومن شهد على نفسه بالفسق فقد أسقط شهادته، فحينما يقولون: كذبنا وزورنا، والحق إنما هو لفلان وليس لفلان، فحينئذٍ سقطت شهادتهم الثانية وبقيت شهادتهم الأولى على الأصل؛ وكذلك الحكم إذا ثبت أنهم قالوا: زورنا فإنهم يعزرون.
ولو قالوا: أخطأنا، والحق ليس لفلان وإنما هو لفلان، وكان هذا بعد حكم القاضي بالحق المالي، فنقول: إذا حكم القاضي بالمال وسدد، فحينئذ لا ينقض الحكم؛ لأنه ثبت بصورة شرعية معتبرة.
وقولهم: أخطأنا، فهم شهدوا على أنفسهم بسقوط شهادتهم، فهناك سقطوا بالتزوير، وهنا سقطوا بخفة الضبط؛ لأن من شرط قبول الشهادة أن يكون الشاهد ضابطاً لشهادته؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:282]، فتسقط الشهادة الثانية وتبقى الشهادة الأولى، ويثبت الحق لصاحبه، ولا يؤثر في حكم القاضي؛ لأن الأحكام القضائية لا تنقض إلا في مسائل خاصة، وهذه ليست منها، وحينئذٍ يبقى الحكم على ما هو عليه وينفذ.
الحالة الثالثة: أن يكون رجوعهم بعد الحكم، وأن يكون الحكم مشتملاً على حد أو قصاص، فحينئذ يسقط الحد ويسقط القصاص؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
فلو قالوا: زورنا وكذبنا، فإن فلاناً ما سرق، فحينئذٍ لا تقطع اليد، أو أن فلاناً ما زنى، فإنه لا يرجم؛ ولذلك سبق أن قلنا: إنه عند الرجم يؤتى بالشهود بحيث لو كانوا كذبة فقد يرجعون عن شهادتهم، فإذا قالوا: إنهم كذبوا، فحينئذ يسقط تنفيذ الحد، وإذا كان في الحد حق مالي، مثل السرقة؛ فإنه يثبت المال لصاحبه، ولكن لا يقام الحد.
والخلاصة: أنهم إذا رجعوا قبل الحكم وجهاً واحداً لا ينقض، وإذا رجعوا بعد الحكم، فإن كان بعد الحكم وقبل التنفيذ مضى الحكم ونفذ، إلا أن يكون مشتملاً على حدٍ أو قود دون قصاص، فحينئذٍ لا ينفذ؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
ولو حكم الحاكم بشهادتهم ونفذ الحكم في القتل، وجاءوا وقالوا: رجعنا عن شهادتنا، فعلى صورتين: الصورة الأولى: إما أن يقولوا: كذبنا وتعمدنا قتله، فإنهم يقتلون؛ لأنهم تسببوا في قتله، ولولا شهادتهم لما حصل قتل، وهي السببية المفضية إلى الزهوق، وقد تقدم معنا شرحها في كتاب القصاص، وحينئذٍ قال علي رضي الله عنه كما في القصة عنه: أنه شهد عنده شهود أن فلاناً سرق فقطع يده، ثم جاءوا وقالوا: أخطأنا، فقال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما.
صحيح أن الذي قطع هو الذي أمره القاضي بالقطع، وهذه السببية يسمونها: السببية المفضية للزهوق، فالسببية المؤثرة المفضية للزهوق لا شك أنها توجب القصاص، فحينئذٍ يقتص منهم إذا تعمدوا قطع الأطراف، لكن لو قالوا: أخطأنا، فحينئذٍ لا يقتص، فيسقط القصاص، ولكن يجب عليهم الضمان.
قال رحمه الله: [ويلزمهم الضمان دون من زكاهم] يرد

السؤال

هل الذين زكوا الشهود يحكم بوجوب القصاص عليهم؟ إذا قالوا: تعمدنا، ونعلم أنهم فسقة وأعنَّاهم على هذا، فحينئذٍ هم شركاء، لكن لو قالوا: نحن نعلم أنهم فسقة وزكيناهم مجاملة، ولا نعلم أن هذا سيفضي إلى الزيغ، فللعلماء أوجه: فمن أهل العلم من قال: إنه يقتص منهم، ومنهم وقال: لا يقتص منهم، من الذين يرون القصاص قالوا: إذا كان المزكون علموا أنهم ليسوا بأهل الشهادة وزكوهم، فإنه يقتص منهم.
والخلاصة: أن المزكي يلزمه الضمان إذا علم أن شهادته زور؛ لأنه أعانه على الزور؛ ولأنه أعانه على الإثم، وحينئذ يكون الحكم كما ذكرنا في قتل الجماعة، وأن كل سببية تفضي وتعين على الزهوق فتأخذ حكم الاشتراك.

حكم رجوع الشاهد مع اليمين وما يجب عليه

قال رحمه الله: [وإن حكم بشاهد ويمين ثم رجع الشاهد غرم المال كله].
قوله: (وإن حكم بشاهد ويمين)، قال بعض العلماء: إنه يجزئ؛ لأن اليمين مقام الشاهد، والشاهد الذي أخطأ عليه ضمان نصف المال.
والصحيح: أن عليه ضمان المال كله؛ لأن اليمين لا تكون إلا بعد وجود الشاهد، وحينئذٍ الشاهد هو الذي تسبب في الحكم كله، وعلى هذا يجب عليه ضمان المال كله.

شرح زاد المستقنع -

باب اليمين في الدعاوى

تشرع اليمين في الدعاوى، وقد دل على مشروعيتها دليل الكتاب والسنة، وهي حجة من حجج القضاء، وتشرع في حال الإنكار، فمن أنكر عليه اليمين، ولا تشرع في العبادات والحدود؛ لأنها حقوق لله تعالى، وهناك أمور لا يجوز فيها الاستحلاف؛ كالنكاح والطلاق والرجعة والإيلاء وأصل الرق والولاء والاستيلاء والنسب والقود والقذف.

مشروعية اليمين في الدعاوى وحجيتها وأحكامها

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب اليمين في الدعاوى].
اليمين في الدعاوى حجة من حجج القضاء؛ ولذلك دلت السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين، من حديث الأشعث رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس لك إلا يمينه) أي: ليس للمدعي إذا لم تكن له بينة إلا أن يحلف خصمه، فليس له إلا ذلك، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الحاكم وغيره بسندٍ صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، وقوله: (اليمين على من أنكر) هذا أصل يستدلون به في مسألة خاصة، وهي مسألة: شهادة أهل الكتاب على وصية المسلم في السفر، وهي التي تقدمت معنا.
وفي آية المائدة في قوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [المائدة:106]، فقوله: (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ) أقام الله عز وجل اليمين للتوثيق في القضاء والحكم، وكذلك أيضاً أقام أيمان اللعان وقد تقدمت معنا، ودلّ على اعتدادها؛ لأنها قامت مقام الشهود، وهذا يدل على أنها يمين لها تأثير في القضاء وأنه يحكم بها.
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة حويصة ومحيصة ابني مسعود، مع عبد الله بن سهل وعبد الرحمن بن سهل ابني عمهما: ذلك أن عبد الله بن سهل انطلق مع محيصة بن مسعود إلى خيبر، فافترقا في بعض أماكنها، فرجع محيصة إلى المكان الذي تواعدا فيه مع عبد الله بن سهل، فوجد عبد الله بن سهل رضي الله عنه يتشحط في دمه، والشاهد من هذا: أنه دفنه ثم رجع إلى المدينة، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لما رفعوا القضية إليه: (تحلفون خمسين يميناً على رجل منهم فتستحقون دم صاحبكم)، وقد تقدم هذا معنا في القسامة، وهذا يدل على أن اليمين حجة في القضاء.
وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا حينما قال للأشعث: (شاهداك أو يمينه، قال: يا رسول الله! الرجل فاجر يحلف ولا يبالي، فقال صلى الله عليه وسلم: ليس لك إلا يمينه).
فدل على أنها تقبل من البر والفاجر.

عدم جواز الاستحلاف في العبادات والحدود

قال رحمه الله: [لا يستحلف في العبادات ولا في حد من حدود الله].
أي: لا تكون اليمين في حقوق الله عز وجل، فمثلاً: لو قال شخص: فلان ما صلى، فقال: بل صليت، فاختصما للقاضي، فالقاضي يقول للمدعي: ائت ببينة أنه ما صلى، فإذا قال: ما عندي بينة، فحينئذٍ لا نقول للشخص الذي ادعي عليه أنه ما صلى: احلف اليمين، فلا نقول بحلف اليمين في هذا الحالة؛ لأن الحق لله، ولذلك بعض العلماء يعلل بعلة وهي: أن حقوق الله له، وحينئذ تعذَّر أن يحلفه صاحب الحق، وسقط التحليف في حقوق الله الخالصة، وكذلك أيضاً لو قال: ما أدى الزكاة، وقال الآخر: بل أديتها، فترافعا إلى القاضي، فلا يقال له: احلف على أنك أديتها، فلا يحلّف ولا يستقيم تحليفه قضاءً.
ومن هنا: لا يمين في حقوق الله ولا في الحدود؛ لأنه إذا أقر بالحد ملك الرجوع عنه، وقد تقدم هذا معنا في الحدود، فإذا ادعي عليه الزنا، فلا يحلَّف بالله إذا أنكر، وإنما يقال للمدعي: إما أن تقيم البينة وإلا نقيم عليك الحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث ابن عباس لما قذف هلال بن أمية امرأته بـ شريك بن سحماء، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (البينة أو حدٌ في ظهرك)، فهذا يدل على أنه إما أن يقيم البينة أو يقام عليه حد القذف، وكأنه من حقه لو اعترف بالزنا أن يرجع، فإن المقر لو أقر بالزنا من حقه أن يرجع، كما سنبينه إن شاء الله.

مشروعية استحلاف المنكر في حقوق الآدميين

قال رحمه الله: [ويستحلف المنكر في كل حق لآدمي].
كأن يقول له: لقد بعتني سيارتك، فيقول: ما بعتك سيارتي، فارتفعا إلى القاضي، فقيل للذي يدعي البيع: ألك بينة؟ فإذا قال: ما لي بينة، فيقال: إذاً يحلف.
وهناك شروط لجواز الحلف: أولاً: أن تكون الدعوى في غير حق الله، كما ذكر المصنف رحمه الله في الحدود.
ثانياً: أن ينكر الخصم.
ثالثاً: عدم وجود البينة؛ لأنه إذا وجدت البينة فلا يمين.
رابعاً: أن يطلب الخصم تحليف خصمه، أي: لابد أن يطلب الخصم بتحليف خصمه، ومما ذكر عن بعض أصحاب الإمام أبي حنيفة: أن أحدهم عُين في القضاء، فسمع رفقاء له بذلك، فاختصم إليه اثنان من المبرزين عند الإمام في الفقه والعلم، فقال أحدهما: لي على فلان حق، وذكر حقه، فقال للمدعى عليه: هل له عليك شيء؟ قال: لا، فقال للمدعي: ألك بينة؟ قال: ليس لي بينة، فقال للمدعى عليه: إذاً احلف.
وهنا وجه تخطئته.
فقال المدعي: ومن قال للقاضي أن يطلب من الخصم أن يحلف وأنا ما طلبت منك أن تحلِّف خصمي؟ ثم قالا له: إنما أردنا أن نعلمك أن هناك علماً وفقهاً لعلم القضاء؛ لأنه ليس كل واحد تعلم يستطيع أنه يقضي، وليس كل إنسان تعلم يستطيع أن يعلم غيره، فهنا ثَقُلَ العلمُ، فالشاهد من هذا: أنه لابد أن يطلب الخصم تحليف خصمه؛ لأنه حق له.

أمور لا يشرع فيها الاستحلاف

قال رحمه الله: [إلا النكاح والطلاق والرجعة والإيلاء وأصل الرق والولاء والاستيلاد والنسب والقود والقذف].
قوله: (إلا النكاح) أي: أنه لا يحلِّف فيه، فلو قال: نكحتها، وقالت: إنه ليس بزوجي، أو قال: تزوجتك، وقالت: ما تزوجتك، فإنه لا تطالب المرأة باليمين؛ لأن الأصل عدم النكاح.
قوله: (والطلاق).
أي: لو قالت: طلقتني، وقال: ما طلقتك، وحلف على نفي الطلاق، أو ادعى أنه طلقها في أول السنة، فليس لها النفقة، فقالت: بل طلقتني في جمادى فلي نفقة الستة الأشهر، فحينئذ إثبات الطلاق ونفيه من حيث أصل وجود النكاح، وقالوا: إنه لا يحلف على تطليقه لها عند نفي التأخير، وإنما تطالب المرأة بالبينة على الأصل؛ لأنه إذا قال: طلقت في محرم، فإن له ذلك، والأصل أن الزوج مطلق؛ لأنه الذي يملك العصمة، فقالوا في هذه الحالة: لا يطالب باليمين على النفي والإنكار.
وعلى هذا: فإن أي أصل اعتضد بأصل آخر فإنه يكتفى به وتسقط اليمين، هذا على مذهب الحنابلة، ومن أهل العلم من قال بالعموم في الحقوق كلها، وأنه يطالب الخصم النافي بالبينة، وهذا يشهد له عموم النص.
وقوله: (والرجعة).
أي: لو أنه طلقها ثم ادعى أنه راجعها، فقالت: ما راجعتني، فقال: بل راجعتك وأنت زوجة لي الآن، فقالت: ما راجعتني، فنقول للزوج: هل عندك بينة على أنك راجعت المرأة قبل خروجها من عدتها؟ فإن قال: ما عندي شهود، فحينئذٍ لا نقول للمرأة: احلفي أنه ما راجعك، أي: احلفي على نفي الرجعة؛ لأنه من المعلوم أن نفي الرجعة نفي للنكاح، إذاً نفي الطلاق هذا يطالب فيه بالبينة؛ لأن الأصل معها، والأصل أنها أجنبية ما دام أنه فرط في الإشهاد على الرجعة؛ لأن الله أمره أن يشهد، قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:2].
وقوله: (والإيلاء).
كذلك لو قالت: أَحْلِف أن لي أربعةَ أشهر ما مسني، وقال الزوج: أنا ما آليت، فالذي نفى الإيلاء -وهو الزوج- لا يطالب باليمين، وإنما نقول للمرأة: ائتي بالبينة أنه آلى منك وأنه حلف يمين الإيلاء، وقد تقدم معنا الإيلاء.
وقوله: (وأصل الرق) أي: إذا ادعى أن فلاناً رقيق له، فقال: بل أنا حر، فإننا نقول للذي ادعى الرق: هات بينتك على أن هذا رقيق أو مملوك لك، فإن قال: ليس عندي بينة، فحينئذٍ لا نقول: إن هذا الشخص رقيق؛ لأن الأصل أنه حر، والأصل أنه غير رقيق حتى يدل الدليل على رقه، ولا نطالبه باليمين على نفي الرق، هذا الذي انتزعه الحنابلة من معارضة الأصل.
وقوله: (والولاء).
لو قال: إن فلاناً مولى لي، فقال: لست بمولى لك، فإنه يأخذ نفس الحكم على الذي ذكرنا في الرقيق؛ لأن الأصل عدم هذه الأشياء.
وقوله: (والاستيلاد) أي: الاستيلاد من الأَمَةِ، كأن يقول: لي منها ولد، فقالت: ليس لك مني ولد، والعكس، فإنه لا يطالب النافي باليمين؛ لأن الأصل يشهد بصحة قوله؛ إذ أن الأصل عدم وجود الولد، وعدم وجود النسل منها حتى يثبت.
وقوله: (النسب) قالوا: النسب لا يحلَّف فيه، وهذا فيه خلاف بين العلماء رحمهم الله، ومن أهل العلم من قال بالتحليف، فإذا قيل له: أنتسب لفلان؟ فقال: لست منه، ولست بولده، فإنه لا يطالب بالدليل؛ لأن الأصل أن يطالب المدعي بالبينة، والذي نفى فهو بنسبه المدعَى صحيح أنه فلان بن فلان، والناس مؤتمنون على أنسابهم، فإذا جاء أحد يدعي أنه ليس ابن فلان، إنما هو ابن فلان، فهذا خلاف الأصل، فهو يذكر أمثلة على ما قال في الأصل، إذا خالف قول المدعي الأصل فإنه في هذه الحالة لا يحلّف، بناءً على ما يقرره الحنابلة رحمهم الله في المسألة التي تقدمت معنا: أن المدعي من إذا سكت لم يترك، والمدعى عليه من إذا سكت ترك.
وقوله: (والقود) كذلك أيضاً الأصل حرمة الدماء وعصمتها، فإنه لو قال: إن فلاناً هو الذي قطع يد فلان، فقال: ما قطعتها، أو قال: أنت الذي قطعت يد فلان، وأنت الذي قطعت رجله، وأنت الذي اعتديت على إصبع فلان عمداً عدواناً، فنقول له: ائت ببينة تثبت قولك، ولا يمين لك على خصمك؛ لأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
وقوله: (والقذف) قالوا: إن مثل هذا لا يثبت فيه اليمين، والقذف فيه إشكال؛ لأن القذف من الحقوق المشتركة، لكن ارتفع الإشكال في القذف لأنه الأصل، فلو قذف شخصٌ شخصاً فقال له: أنت زان، فقال: ما زنيت، فترافعا إلى القاضي، فإن القاضي يقول للذي يدعي الزنا: إما أن تثبت الزنا وإما أن يقام عليك حد القذف، إذا طلبه صاحبه، فإذا قذف فإنه في هذه الحالة لا يطالب الخصم بيمين الإنكار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البينة أو حدٌ في ظهرك)، وما وجه اليمين على المدعَى عليه.

بيان صفة اليمين المشروعة

قال رحمه الله: [واليمين المشروعة اليمين بالله تعالى].
بعد أن بين محل اليمين شرع في بيان صفة اليمين، فقال: (اليمين المشروعة اليمين بالله عز وجل) وهو أن يقول: والله ما فعلت، والله ما بعت السيارة، والله ليس له دين عندي، ونحو ذلك على النفي والإثبات.

حكم تغليظ اليمين وأنواعه

قال رحمه الله: [ولا تغلظ إلا فيما له خطر].
أي: ولا تغلظ اليمين، وتغليظ اليمين بالله مثل أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو، فهذا من تغليظ اليمين.
وتغلظ بالمكان؛ كأن يحلف بين الركن والمقام، أو بين المقام والباب، كما اختار بعض العلماء، وتغلظ بالزمان: كأن تكون بعد صلاة العصر، كما في آية المائدة في الشهادة على الوصية في السفر.
والصحيح: أن التغليظ فيه مذهبان مشهوران للعلماء: فمنهم من قال بشرعية التغليظ، وأن الأمر مرجوع إلى القاضي، فيغلظ متى شاء.
ومنهم من قال: لا يغلظ إلا في الوارد، إذا ورد نفس التغليظ يغلظ وإلا فلا، وهذا هو الصحيح، وهو مذهب الظاهرية: أنه لا يغلظ إلا في الوارد، وأنه لا يضيق على الخصوم، بل نقول بالسنة التي وردت: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، فنحلفه اليمين وكفى باليمين تعظيماً، فإنه: (ما حلف أحدٌ يمين القضاء كاذباً فاجراً إلا لقي الله وهو عليه غضبان)، والعياذ بالله! فعلى هذا لا نقول بالتغليظ إلا بما ورد فيه النص.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع -

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأة
شهادة أربعة شهود ذكور في الزناقبول شهادة رجلين على من أتى بهيمةقبول شهادة رجلين في بقية الحدود دون الزناالسؤالقبول شهادة رجلين في القصاصقبول شهادة رجلين فيما ليس بعقوبة ولا مال ويطلع عليه الرجالالسؤالما تقبل فيه شهادة النساء مع الرجالالسؤالقبول شهادة النساء فيما يخص النساءحكم قبول شهادة الرجل فيما لا يطلع عليه إلا النساء غالباحكم ثبوت القود والمال بشهادة النساء أو شاهد ويمينشهادة النساء في السرقة يوجب المال دون الحدثبوت العوض في الخلع بشهادة النساء مع الرجالثبوت البينونة بمجرد دعواه الخلعباب موانع الشهادة وعدد الشهود [3]حكم الشهادة على الشهادة وما يشترط لها ومسائلهاالسؤالمتى تقبل الشهادة على الشهادةمتى يشهد الفرع بدلاً عن الأصلمسألة الرجوع عن الشهادة وصورهاالسؤالحكم رجوع الشاهد مع اليمين وما يجب عليهباب اليمين في الدعاوىمشروعية اليمين في الدعاوى وحجيتها وأحكامهاعدم جواز الاستحلاف في العبادات والحدودمشروعية استحلاف المنكر في حقوق الآدميينأمور لا يشرع فيها الاستحلافبيان صفة اليمين المشروعةحكم تغليظ اليمين وأنواعه
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل