شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 8-11
أهل الأثرالأرشيف العلمي

استحقاق الشفيع نصيب شريكه بما باعه مؤجلاً أو عاجلاً

قال رحمه الله: [والمؤجل يأخذه المليء به، وضده بكفيل مليء] لو باع شريكك نصيبه بالتقسيط بمائة ألف مؤجلة مقسطة على عشر سنوات، تستحق أخذ هذا النصيب مؤجلاً إلى عشر سنوات بالأقساط التي اتفق عليها الطرفان؛ لأن الشفعة تثبت بنفس الذي وقع بين المتعاقدين، إن كان مؤجلاً فمؤجل، وإن كان معجلاً فمعجل، وبناءً على ذلك إذا كانت مؤجلة تأخذها مؤجلة لكن بشرط أن تكون مليئاً قادراً على السداد، أما لو كان الشفيع عاجزاً عن السداد أو معروفاً بالفقر وقلة ذات اليد وليس عنده مال، ويخشى أنه يضر بالمشتري، نقول في هذه الحالة: من حقك أن تأخذه مؤجلاً بشرط أن تحضر كفيلاً مليئاً يكفلك ويضمنك أنك إذا لم تسدد يسدد عليك، على ما تقرر معنا في باب الكفالة.
فمن حقك إذا كنت مشترياً أن تطالب الشفيع أن يحضر كفيلاً، تقول: أنا ما أستطيع أن أخاطر وأبيعك وأنت ضعيف أو فقير؛ لأن هذا يضر بمصالحي، وهذا معلوم أن الفقير يضر بمصالحك وربما عجز عن السداد فأصبح مفلساً، فالشريعة عدلت وقالت: من حقه أن يأخذ نصيبك لكن بالعدل، وذلك بأن يسدد كما تسدد، وعلى هذا فإنه إذا اتفق على هذا الوجه صحت الشفعة، أما أن يأخذه مؤجلاً على وجه مخاطر لصاحب الحق فهذا لا يصح.
قال: [وضده بكفيل مليء] (وضده) يعني: بالثمن المؤجل من عاجل، يعني: إذا كان غير مليء يأتي (بكفيل مليء) بكفيل قادرٍ على السداد يرضاه صاحبه.

الأسئلة

حكم الشفعة في الأرض التالفة إذا استصلحها المشتري

السؤال

إذا ما أتلف نصيب شريكي الذي باعه وقام الذي اشتراه بإصلاحه فهل لي الشفعة، وهل أعطيه قيمة الإصلاح؟

الجواب

إذا كان التلف موجوداً حال البيع، وبيع النصيب تالفاً فإنك تدفع قيمة الشيء التالف، هذا من حيث الأصل؛ لأنه ليس من حقه أن يتصرف في هذا الشيء إلا بعد إذن صاحب الملك ويتراضيان على ذلك، فإن رضيت بإصلاحه وأردت دفع العوض له كان لك ذلك، وإلا أخذ ما استصلحه على التفصيل الذي ذكرناه في الغرس والبناء، والله تعالى أعلم.

مسألة إذا أقيمت الصلاة وما زال بعضهم يصلي السنة

السؤال

إذا أقيمت الصلاة وقد شرعت في صلاة السنة الراتبة وتحية المسجد فهل الأفضل أن أقطعها أم أتمها؟

الجواب

في هذه المسألة تفصيل، فإذا كانت الإقامة قد وقعت ويمكنك أن تتمها قال الله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:33] ولأن إتمامها زيادة في الأجر وعظم في المثوبة، ولا ينبغي للمسلم أن يذهب بذلك الخير، وأما إذا ضاق الوقت وغلب على ظنك أنك لو أتممت فاتتك الركعة الأولى أو فاتك ركوع الإمام فإنه يجب عليك التسليم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) واستثنى العلماء المسألة الأولى؛ لأن الإجماع منعقد على أنه لو أقيمت الصلاة وأنت في التشهد الأخير أنك تتم الصلاة، وعلى هذا يكون ما قارب هذه المسألة مما غلب على ظنك أنك تدرك فيه الإمام يعتبر مستنثىً من هذا الحديث، والله تعالى أعلم.

أهمية الأذكار والأوراد للمسلم

السؤال

نرجو منكم بيان أهمية الأوراد والأذكار بالنسبة لكل مسلم؟

الجواب

من نعم الله عز وجل العظيمة على العبد أن جعل الأذكار حرزاً له من كل بلاء وشر وفتنة، كلمات طيبات مباركات، يقولها المؤمن وتقولها المؤمنة، مشتملة على توحيد الله والاعتصام به والالتجاء إليه، وتفويض الأمر إلى الله، فيحفظ الله بها عبده، ويعصم بها أَمَتَه، فيمسي في أمان الله، ويصبح في حرز من الله، لا يتسلط عليه معها عدو، ولا يتمكن منه شرير، محفوظ بحفظ الله الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، يقولها المؤمن بقلب موقن، ولسان صادق؛ فتفتح لها أبواب السماوات، مشتملة على الاعتصام والالتجاء والعوذ واللوذ بالله جل جلاله، فإذا به يحفظ بحفظ الله عز وجل من أمور لم تخطر له على باب، ويعلم الله جل جلاله أنه لولاه سبحانه ثم هذه الأذكار لما أصبح من مسائه ولما أمسى من صباحه.
فالموت أقرب للإنسان من شراك نعله، ولو تأمل الإنسان أن روحه وجسده مسخر مقدر بلطف من الله جل جلاله فوق العقل، الأطباء يقولون: في الدم نسبة لو زادت (1%) أو نقصت (1%) لهلك الإنسان في ساعته، والأطباء يقفون عاجزين مستسلمين إذا حدث أي اختلاف يفضي بالإنسان إلى الموت، ولا يستطيع أحد أن يتكلم، ولا يستطيع أن يعرف شيئاً وإذا بهم يقولون: هنا ينتهي الطب، وهنا تقف عقولنا ويبقى الأمر لله جل جلاله، وهو لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، فتجد هذه الأشياء التي تفضي بهلاك الأنفس لا تختص بالصغير ولا بالكبير، يعني: قد يحدث خلل في رجل عاجز كبير السن، يغلب على الظن أنه ميت فيقول قائل: نعم لكبر سنه، فإذا بالله جل جلاله يأتيهم بطفل ما يبلغ حتى سنوات، ويوضع بين أيديهم، وإذا بهم يستسلمون، ثم يأتيهم بالشاب القوي الجلد في صحته وعافيته، وفجأة يحدث له ذلك، أو تأتيه السكتة أو يأتيه -نسأل الله السلامة والعافية- ما يأتيه وإذا بهم يقفون عاجزين، ما ينجيهم إلا الله جل جلاله.
شرع الله هذه الأذكار والأوراد حرزاً من الشرور الظاهرة والباطنة من الشرور المجتمعة والمنفردة من أي شيء يصيبك في دينك أو دنياك، فالأذكار عصمة من الله جل جلاله للعبد، وهذه الكلمات يقولها الإنسان ملتجئاً إلى الله، فتكتب له حسنات تلاوتها إذا كانت من الآيات، وأجر ذكرها إذا كانت من الأحاديث، فما أكرم الله جل جلاله! وما أعظم رحمته بعباده! هذا والله هو الكرم وهذا هو الجود! مع أنها حرز لك، فهل وجدت أحداً يحرسك ثم مع ذلك يعطيك؟! لا يكون هذا إلا من الله وحده، ولذلك الناس اليوم في غفلة، وأبسط شيء -وليس بالبسيط- إذا ركبت وأنت في السفر، ولنضرب مثلاً بشيء موجود الآن: تركب الطائرة فتقول: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، إي والله سبحان الله الذي سخر هذا المخلوق العجيب، لو كان يوجد بالذكاء والله إن الأقدمين أكثر منا ذكاءً، ولو كان يوجد بالقوة والله إن الأولين أشد وأقوى منا كما أخبر الله عز وجل، أكثر منا قوة! وأكثر منا أموالاً! وأكثر منا صحة! ولكن الله سبحانه يعطي الأول ويعطي الآخر لأنه كريم، فتقف أمام هذا المخلوق العجيب، والذي صنع الطائرة حائر كيف تطير؟ صنع الطائرة وهو لا يدري كيف تطير هذه الطائرة! فالله هو الذي فتح باب رحمته وسخر هذا المخلوق العجيب للناس.
والذي نريد أن نعرف فضله هو الذكر وفائدته، يقول الإنسان الأذكار قبل أن يركب طائرة، وقلبه يرجف من الخوف وليس له معاذ ولا ملاذ إلا إلى الله جل جلاله، أمة تحمل بين السماء والأرض -الأربعمائة والثلاثمائة والمائتان والمائة- يحملون في شدة الحر وإذا بهم في برد، ويحملون في شدة البرد وإذا بهم في دفء، ويمضون الساعات بطعامهم وشرابهم، ولربما أغدقت عليهم المترفات التي لا يعلمها إلا الله جل جلاله، ثم يسيرون في أمان من الله جل جلاله، يقول بعض الخبراء: لو حدث أقل خلل في الجهاز الكهربائي يمكن أن تنفجر هذه الطائرة بمن فيها، فلا يبقى فيها أحد، ويقول بعض مشايخنا: لولا أن المشاهد أن أغلب الرحلات تسلم، لما جاز للمسلم أن يركبها، لكن الحمد لله أكثر الأحوال السلامة، لكن من الذي سلم؟ الله سبحانه لا إله إلا هو! ولكن ما أظلم الإنسان كما وصفه ربه: ﴿ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:72]! ومن أظلم الظلم ظلمه لنفسه وكفرانه لنعمة ربه، يحمله الله هذا المحمل بين السماء والأرض، وقد تلا الأذكار وسأل الله جل جلاله، فإذا نزل إلى الأرض لا يمكن أن يذكر الله، وقل أن تجد أحداً منذ أن تطأ رجله المطار يلهج لسانه بالثناء على الله بما هو أهله، ولكنه يخرج ويسرح ويمرح غافلاً عن النعمة والحفظ الذي حفظه الله جل وعلا، لو تصور الواحد منا أنه في ليلة بل والله لو في ساعة مر عليك كرب ومعك أهلك وأبناؤك -لا قدر الله- وقدر الله لك سبحانه من ينجيك من هذا الكرب، لو كنت على خوف أن تهلك أنت وذريتك ومن معك فجاء شخص وأنجاك من هذا لبقيت عمرك كله تتحدث بفضله عليك، يا لله العجب! وأنت ما من طرفة عين وما من لحظة إلا والله يحفظك، له معقبات من بين يديك ومن خلفك، ومن أمامك، ومن تحتك، وعن يمينك، وعن شمالك تحفظك مما لم يكتبه الله عز وجل أن يصيبك.
الأذكار حفظ عظيم من الله جل جلاله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله جل جلاله، فلما نزلت عليه المعوذات ترك سائر التعاويذ واقتصر على المعوذتين، الشرور الظاهرة والشرور الباطنة، الشرور الروحية والشرور المحسوسة كل هذا جمعته المعوذتان ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:1 - 2] هل هناك شيء يخرج عن خلقة الله جل جلاله؟! الله أكبر! (قل أعوذ): ألوذ وألتجئ وأعتصم، لكن يقولها المؤمن وهو يستشعر ما معنى أعوذ؟ ويستشعر أن السماء تتفتح بهذا الدعاء، ولذلك ربما يقولها المسحور فيعذب ساحره، ويقولها المسحور فيتعذب بها حتى الجني والقرين، وتجده يجد من الشدة واللأواء كلما اتصل القلب بالله جل جلاله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:1] هاتان السورتان سورة الفلق وسورة الناس جعلهما الله عز وجل حلاً لعقدة السحر الذي أصيب به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من أشد السحر لما سحره لبيد بن الأعصم عليه لعنة الله ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:1 - 3] الغاسق: الذي هو النجم، و (إذا وقب) إذا دخل وتعمق، وغالب ابتداء الليل ساعة انتشار الشياطين، بعد غروب الشمس إلى اشتباك النجوم، ولذلك نهي عن إطلاق الصبية في مثل هذا الوقت: (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) إذا قلت: (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) شمل هذا جميع الشرور التي تكون على الأرض أو بين السماء والأرض أو تنزل من السماء على العباد؛ لأن الله يحفظك بقدرته سبحانه وتعالى بهذه الكلمة اليسيرة: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:2 - 5] لأن الضرر يأتيك من وجهين: إما أن يكون الضرر يأتيك بالسحر وخاصة الأذى الروحي، يأتيك بتسلط ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:4] والضرر إما أن يكون مقصوداً أو غير مقصود، فالنفاثات في العقد غالباً تضر وممن يريد بك الشر فيستعين بالجن بأقصى أنواع الاستعانة وهذا غالباً ما يكون في السحر؛ لأنه ما يؤثر السحر إلا إذا تقرب الساحر فذبح للجن، أو نذر لهم أو فعل فعل الجن، ولذلك بعض السحرة يطلب ممن يأتيه أن يذبح للجن، فهذا غاية التقرب لغاية الشر وهو إبليس وجنوده لعنهم الله، فإذا نجوت من هذا بقي الذي يأتيك عن غير قصد؛ لأنه ربما شخص يراك وهو لا يعرفك ويرى عليك نعمة من نعم الله فيبهر من هذه النعمة فينسى ذكر الله فتصيبك العين، والعين حق، فانظر حكمة القرآن! ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:4 - 5]. بعد هذا بقيت الشرور التي في النفس وهي الوساوس والخطرات، الآن كفيت الشرور الظاهرة فما بقي أحد لا من أعدائك ولا ممن لا يقصدك إلا وقد حفظت منه بهذه السورة العظيمة إذا بك تقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:1 - 3] ما ألذ الثناء على الله جل جلاله! فكل شيء إذا مدحته وأطريته ربما علمت أو تيقنت أنك مبالغ إلا الله جل جلاله، فإنك مهما أثنيت عليه فإنك مقصر في حقه سبحانه وتعالى، ما أحد يستطيع أن يبلغ الغاية في مدحه قال صلى الله عليه وسلم: (لا نحصي ثناءً عليك).
﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس:2] يعني: أن تخاف من الناس، من بعض الأمور التي جعلها الله سبحانه وتعالى بأيديهم لكنك في ذات الوقت تحس أنهم مملوكون وأنهم عباد لله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس:1 - 2]. فالله سبحانه وتعالى مالك الدنيا ومالك الآخرة ومالك الجن والإنس: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون:88] من هذا الذي خرج عن ملك الله جل جلاله؟ ﴿مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:2 - 3] المعبود الحق، الذي لا يستحق العبادة أحد سواه، ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:4 - 6] التأثير الفكري، فكما أن الشروط محسوسة تكون أيضاً معنوية غير محسوسة: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:6] وقد يكون هذا الوسواس الخناس أقرب الناس إلى الشخص، فقد يكون الولد، وقد يكون الوالد، وقد تكون الوالدة، وقد تكون الزوجة، وقد يكون ا

وجوب انتظار الغائب بالشفعة حتى يرجع

السؤال

فضيلة الشيخ أشكل عليَّ حديث (جار الدار أحق بالشفعة في دار جاره، يُنتظر بها في حال غيبته) في قوله صلى الله عليه وسلم: (يُنتظر بها في حال غيبته) هل ينتظر صاحب الدار في بيع داره إلى أن يعود جاره من سفره، أم المقصود أنه يبيعها ولجاره حق الشفعة حتى لو تأخر إلى سنة في سفره، وكيف تكون صورة الشفعة في هذه الحالة إذا بنى المشتري على الأرض التي اشتراها؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالجواب هو الوجه الثاني، وهو أن المراد من الحديث في قول أهل العلم رحمهم الله والشراح، وهو المحفوظ أنه ينتظر الشريك حتى يعود ثم يقال له: شريكك باع، هل تريد أن تشفع أو لا تريد؟ وعلى هذا لا تسقط الشفعة بطول الغيبة لقوله عليه الصلاة والسلام: (ينتظر بها -أي: ينتظر بشفعته- إن كان غائباً) وعلى هذا يكون الحديث دالاً على مسألتين: المسألة الأولى: أنه إذا كان حاضراً فحكمه واضح إما أن يطلب الشفعة وإما لا.
المسألة الثانية: إن كان غائباً فإنه يجب انتظاره ولو كان إلى سنواتٍ عديدة، وهذا نص عليه العلماء، وجمهرة أهل العلم على أنه ولو غاب مائة سنة فإنه باقٍ على شفعته إذا حضر؛ لأن الشفعة لا تسقط بطول المدة، وأما مسألة البناء والغرس فقد تقدم بيانها وتفصيل أحكامها، والله تعالى أعلم.

شرح زاد المستقنع -

باب الشفعة [5]

إن مما حفظه الشارع وحرص عليه سلامة الصدور من الشحناء والضغناء التي تقع بسبب المعاملات أو البيوع، ولذلك شرع الشفعة، والشفعة قد يكون فيها بعض الخلاف إذا حصل عيب أو تلف شيء من العقار، أو اختلف في القدر والقيمة فكل هذه لها حلول في شرع الله وهدي رسوله، وفيها تفاصيل بينها أهل العلم.

إذا اختلف الشفيع والشريك في ثمن المبيع وعدمت البينة فالقول قول المشتري

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله: [ويقبل في الخلف مع عدم البينة قول المشتري] (ويقبل في الخلف) عند اختلاف الشفيع والشريك، هذه مسألة من مسائل القضاء، وقد ذكرنا غير مرة أن العلماء رحمهم الله من منهجهم أنهم يذكرون مسائل القضاء في الأبواب الخاصة، فيذكرون مسائل الاختلاف في الرهن في باب الرهن، ومسائل الاختلاف في الشركة في باب الشركة، والوكالة في باب الوكالة، وهنا ذكروا الاختلاف في الشفعة في باب الشفعة، وقلنا: إن الأصل أن تذكر هذه المسائل في باب القضاء؛ لأنها من باب الخصومة والنزاع؛ لأنهم افتقروا فيها إلى معرفة المدعي والمدعى عليه، ومن الذي يكون القول قوله، وبينا أن العلماء رحمهم الله ذكروا هذه المسائل مفرقة على هذه الأبواب؛ لأنها في داخل هذه الأبواب قد تختص بأحكام معينة، فحينئذٍ يكون من الأفضل والأكثر ضبطاً أن تذكر في هذه الأماكن الخاصة.
فذكر المصنف رحمه الله رحمه الله مسائل الاختلاف في الشفعة، ولما كانت الشفعة تفتقر إلى معرفة الثمن الذي باع به الشريك للأجنبي، بحيث يتمكن الشفيع من المطالبة بالنصيب بذلك الثمن، فإنه إذا اتفق المشتري الذي دخل مع الشفيع على الثمن فلا إشكال، كأن يقول: اشتريت هذا النصيب بمائة ألف، فصدقه الشفيع، فحينئذٍ تلزمه ولا إشكال، لكن الإشكال لو اختلف الشفيع مع المشتري، فقال المشتري: اشتريت هذا النصيب بمائة ألف، وبطبيعة الحال لابد وأن يدعي الشفيع ثمناً أقل، ويقول: بل اشتريت النصيب بثمانين أو بسبعين ألفاً؛ لأنه يدعي أنه قد طلب ما هو أكثر، فحينئذ يقع الخلاف بين المشتري وبين الشفيع.
فهل نصدق المشتري أم نصدق الشفيع؟ الشفيع يدعي أن الثمن أقل، والمشتري يدعي ثمناً أكثر، فهل نقول: إن السبعين ألفاً أو الثمانين ألفاً التي يدعيها الشفيع متفق عليها بين الطرفين، والخلاف فيما زاد وهو ثلاثون ألفاً أو عشرون ألفاً، فهل نصدق الشفيع أم نصدق المشتري؟ هذه هي المسألة إن وجدت بينة كشهود يشهدون أنه تم البيع بمائة ألف ألزمنا الشفيع بدفع مائة ألف، وإن وجدت بينة تشهد بأن البيع وقع بثمانين ألفاً ألزمنا المشتري أن يأخذ الثمانين وتتم الشفعة.
إذاً: إذا وجدت بينة ووجد شهود يشهدون بأحد الثمنين حكمنا بها.
حسناً! لو وجدت بينة تشهد بالأمرين بينة تشهد للشفيع، وبينة تشهد للشريك، بينة تقول: البيع بثمانين ألفاً، وشهود يشهدون ويقولون: البيع بمائة ألف، فهل نصدق هذه البينة أم هذه البينة؟ بعض العلماء يرى في هذه المسألة أن الأصل عند اختلاف البينتين تصديق قول المشتري، فيغلب ويرجح البينة التي مع المشتري، وبناءً على ذلك إن وجدت بينة لا تعارض غيرها مما هو مثلها فإننا حينئذٍ نحكم بالبينة سواء شهدت للشفيع أو شهدت للمشتري.
أما إذا لم توجد بينة، وقال المشتري: اشتريت بمائة ألف، وقال الشفيع: بل اشتريت بثمانين ألفاً، فحينئذٍ يقول بعض العلماء: نصدق المشتري، والقول قوله، وهذا هو الذي درج عليه المصنف رحمه الله، وعضد أصحاب هذا القول قولهم بأن المشتري أدرى بما اشترى به، فعلمه أقوى وأوثق، والأصل أن القول للمشتري والبائع لأنهما هما اللذان عقدا الصفقة فيؤتمنان على القول فالقول قولهما.
فإذا قال الشفيع قولاً ناقصا ًعن هذا القول الذي قاله المشتري نطالبه بالبينة؛ لأنه خارج عن الأصل، وكل من خرج عن الأصل فهو مدع، وكل من وافق الأصل فإنه مدعىً عليه، والقول قوله مع اليمين.
بناء على ذلك نقول للمشتري إذا لم يصدقه الشفيع: احلف بالله أنك اشتريت هذا النصيب بمائة ألف، فإن حلف ثبتت له المائة ألف، أما إذا قال: لا أحلف ونكل عن اليمين رددنا اليمين على الشفيع كما هو معروف في منهج القضاء والمدعي مطالب بالبينة وحالة العموم فيه بينة إلى أن قال: فإن أبى فلطالب بها قضي بلا يمين أو بها وذا ارتضي فإن نكل عن اليمين يطالب الشفيع بحلفها ثم يحكم له بالثمانين ألفاً هذا بالنسبة للخلاف بين الشفيع وبين المشتري.
بعض الأحيان يقع الخلاف في صفة البيع، فيتفقان على المائة ألف كأن يقول المشتري: اشتريتها بمائة ألف، فيقول الشفيع: نعم اشتريتها بمائة ألف، ولكنها مؤجلة وليست معجلة ليست بنقد، فحينئذٍ يتفقان على القدر، ويختلفان في صفة العقد هل هو معجل أو مؤجل، الشفيع يقول: مؤجل، والمشتري يقول: معجل؛ لأن من مصلحة المشتري أن تكون المائة ألف نقداً، ومن مصلحة الشفيع أن تكون مقسطة أو مؤجلة، فإذا اختلفا في صفة الحكم، بعض العلماء يقول: الأصل في النقد التعجيل، لكن في الحقيقة المشتري أدرى بما اشترى به، ونصدقه والقول قوله حتى يعطينا المدعي وهو الشفيع دليلاً على صدق ما قاله وادعاه من قدر الصفقة الذي هو الثمن أو صفة العقد.
يبقى

السؤال

لو أن المشتري -الذي هو زيد- اشترى من شريكي فإن الشريك بائع، فإذا جئت أنا أشفع من زيد وجئت آخذ النصيب الذي اشتراه يقول بعض العلماء: هل نطالب البائع بالشهادة لو اختلف الشفيع مع المشتري في المسألة الماضية، فقال المشتري: اشتريت بمائة ألفاً، وقال الشفيع: بل اشتريت بثمانين ألفاً، فقال المشتري: اسألوا البائع بكم باعني، فرجعنا إلى البائع فقال: بمائة ألف، فهل شهادة البائع تقوم مقام البينة أو تعتبر مرجحاً لقول المشتري؟ في أغلب الأحيان لا يشهد البائع مع المشتري إذا كان المشتري صادقاً، لكن من أهل العلم رحمهم الله من قال: البائع لا نقبل شهادته في هذه المسألة، والسبب في هذا أن البائع إذا شهد بالثمن شهد لحض نفسه؛ لأن الثمن هذا مستحق له هو، وسيأتينا إن شاء الله في كتاب القضاء أن الشهادة يشترط في قبولها أن لا يجر بالشهادة لنفسه نفعاً، ولا يدفع عنه ضرراً بشهادته، يعني يشترط في قبولنا للشهادة أن لا ينتفع الشاهد بشهادته في جلب خير أو دفع شر، فإذا كان الشاهد ينبني ويترتب على شهادته حصول نفع له، أو دفع ضرر عنه فإنه لا تقبل شهادته، والدليل على ذلك حديث الحاكم في مسنده، وصححه غير واحد من أهل العلم رحمة الله عليهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين) والظنين: هو المتهم، قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:24] (على قراءة ظنين) أي: بمتهم عليه الصلاة والسلام، فالظنين: المتهم، قالوا: ومن التهمة أن يجر لنفسه نفعاً، مثل شريكان ادعى أحدهما أن فلاناً اشترى من فلان شركة بمائة ألف، فقال الآخر: بل اشتريت بسبعين ألفاً، فجاء الشريك الثاني يريد أن يشهد، والشريك الثاني له نصف الشركة، فمعناه أنه إذا حكمنا بشهادته فإنه سينتفع بنصف شهادته، فحينئذٍ تكون الشهادة شهادة تهمة فلا تقبل هذه الشهادة، ويعتبر وجود التهمة والظنة موجباً لرد شهادته.
هنا البائع إذا شهد أنه باع بمائة ألف، وهو الثمن الأكثر؛ لأن الخلاف الآن عندنا إذا قال الشفيع: بل اشتريت بثمانين ألفاً، فقال المشتري: اشتريت بمائة ألف، فمعناه أن هناك عشرين ألفاً اختلفا فيها، فالبائع من مصلحته أن يقول: بعت بمائة ألف؛ لأنه يثبت له عشرين ألفاً زائدة على الثمانين ألفاً المتفق عليها في الخصومة، ولذلك قال بعض العلماء: لا نقبل شهادة البائع من هذا الوجه.
وقال بعض أهل العلم: إذا شهد البائع لأحد الطرفين صدقنا شهادته وعملنا بها؛ لأن التهمة تعتبر مؤثرة بشرط أن تكون قوية، والتهمة هنا ضعيفة، خاصة إذا كان قد تم العقد وأعطاه، وحصل بينهما القبض والثمن فحينئذٍ لا يجر لنفسه أي نفع؛ لأنه بعد قبضه للمائة ألف انتهت منفعته، فحينئذٍ قالوا: التهمة هنا ضعيفة، والتهمة تعتبر قوية إذا كانت مؤثرة، وهذا أمر حرره أبو البركات ابن تيمية في النكت، فبين رحمه الله أن التهمة لا تكون مؤثرة إلا إذا كانت قوية، أما إذا كانت ضعيفة فإنها غير مؤثرة.
بناء على هذا القول يمكن أن نسأل البائع، ويمكن أن يستشهد أحد الخصمين بالبائع، فلو قال البائع: بعت بثمانين صدقنا الشفيع، ولو قال: بعت بمائة ألف صدقنا المشتري، وأوجبنا على الشفيع أن يدفع مائة ألف.
وهكذا الحال في صفة العقد فلو قال: اشتريت بمائة ألف، فقال: معجلة؟ قال: لا، بل مؤجلة بأقساط، فلو قال البائع: بعتها مؤجلة بأقساط صدقنا الشفيع، ولو قال: بعتها نقداً وفوراً فإننا نصدق المشتري ونحكم على البائع بالدفع فوراً، ويعتبر قول البائع دليلاً على صدق الدعوى.
إذا شهد البائع تكون هناك يمين مع شهادته تتم بها البينة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الحديث الصحيح أنه قضى بالشاهد مع اليمين، والقضاء بالشاهد مع اليمين محله الحقوق المالية، وهنا اليمين متعلقة بالحقوق المالية أو ما يئول إلى المال كما في الديات ونحوها.
وعلى هذا فإننا نقبل القول الذي شهدت به البينة أو شهد به البائع مع ضعف التهمة، أو نقبل قول المشتري إذا لم توجد بينة ولم يشهد البائع لأحد الخصمين.

الحالة التي يعتمد فيها قول المشتري عند الاختلاف في قيمة القدر المشفوع

قال رحمه الله: [فإن قال: اشتريته بألف أخذ الشفيع به ولو أثبت البائع أكثر].
فلو قال المشتري: اشتريته بألف أخذ الشفيع النصيب بالألف أو بهذا القدر الذي قاله المشتري، وهذا مبني على القاعدة أننا نصدق المشتري لأنه أعلم وأدرى بما اشترى به، ونلزم الشفيع بدفع ذلك المبلغ، هكذا لو قال: اشتريت بمائة ألف نقداً، قال الشفيع: بل اشتريت بها مقسطة ومؤجلة، نقول: لا، القول قول المشتري ونلزم الشفيع بقوله.
(ولو أثبت البائع أكثر) (لو) تشير إلى خلاف مذهبي، يعني: نحكم بقول المشتري ولو شهد البائع ضده، كأن المصنف رحمه الله رجح القول الذي يقول: لا أقبل شهادة البائع، هناك من يقول: أقبل شهادة البائع إذا شهد بالأقل؛ لأنه لا يجر نفعاً، بحيث لو اختلفوا بثمانين ألفاً أو مائة ألف وقال البائع: ثمانين ألفاً أقبل قوله؛ لأنه لا مصلحة له في الزيادة، والمحل المختصم فيه وهو العشرون ألفاً لا يثبت له؛ لأن الخلاف في العشرين الزائدة، والحقيقة إذا تأملت القول الذي يفرق بين القليل والكثير في قبول شهادة البائع من حيث الأصول وجدته قولاً قوياً جداً من حيث الأصول التي قررناها، ويتفق مع الأصل الذي قلناه: أنه إذا ضعفت التهمة وجب قبول الشهادة؛ لأن الله أوجب علينا قبول شهادة معروف بالأمانة مرضي القول، فإذا كان البائع عدلاً مقبول الشهادة وشهد؛ الأصل قبول شهادته، فإذا جاء يشهد بالثمن الأقل ما يدخل على نفسه نفعاً، لكن لو شهد بالمائة ألف فمعنى ذلك أن القاضي سيقضي أن البيع قد تم بمائة ألف، فلو حصل خلاف بين هذا البائع الذي شهد وبين الذي اشترى منه مستقبلاً فإنه يلزمه بدفع العشرين الزائدة، وإذا أرغم بدفع العشرين الزائدة بناء على أنه ثبت عند الحاكم أن البيع قد تم بمائة ألف فمعنى ذلك أنه سيأخذ العشرين لمصلحة نفسه.
ومن هنا يقوى قول من قال بالتفصيل، فالمصنف هنا يشير إلى مذهب من يقول بالتفصيل، يقول: أقبل شهادة البائع بشرط: أن لا تتضمن النفع وذلك بالزيادة، فقال: (ولو بأكثر).

مسألة: إذا أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري

قال رحمه الله: [وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري وجبت].
هذا نوع آخر من الخلاف، المشتري من مصلحته أن يقول: أخذت النصيب بدون بيع، يعني: بدون معاوضة كما ذكرنا، لأنه إذا قال: أخذته هبة، أو أخذته مهراً لابنتي فإنه في هذه الحالة لا تثبت الشفعة، فهو سيدعي أنه انتقل إليه النصيب بدون عوض وليس هناك بيع، جاء البائع فقال: بل بعته، وشهد البائع أنه قد باع، البائع إذا شهد وقال: إنه قد باع يقبل قوله كما ذكر المصنف رحمه الله ويعمل به، ويثبت للشفيع حق الشفعة الذي هو الشريك الثاني بناء على شهادة البائع.
لكن هذا مشكل لماذا لا نقبل قول البائع في القدر ونقبله هنا في إثبات البيع؟ لو قال قائل: إن البائع هناك يثبت لنفسه نفعاً نقول: أيضاً هنا يثبت لنفسه نفعاً؛ لأن المشتري يقول: أخذته هبة، والبائع يقول: بل بعته، فلا يثبت العشرين ألفاً بل يثبت المائة ألف لنفسه، فالشهادة هنا تثبت نفعاً كما تثبت هناك النفع، ولذلك اختلفت مخارج بعض العلماء في هذا، ومن أنسب ما قالوا: لأنه في الصورة الأولى يوافق المشتري على أنه اشترى، فالتهمة قوية، لكن في الصورة الثانية نقبل قول البائع لأن المشتري لا يوافق على أنه اشترى، فحينئذٍ يكون خصماً للبائع سواء قبلت شهادته أو لم تقبل شهادة البائع، وهذا وجه الفرق بين المسألتين.
وعلى هذا فإن البائع إذا قال: بعت، حكمنا بثبوت الشفعة، وإذا ادعى المشتري أنه أخذ النصيب هبة وعطية أو مهراً على القول أن المهر لا تثبت فيه الشفعة، ووافقه البائع فلا إشكال، وإن خالفه حكم بقول البائع فيما اختاره المصنف رحمه الله؛ لأنه في هذه الحالة يثبت البيع والمعاوضة، وهو الأصل.
السؤال الآن: لماذا نقبل قول البائع أنه باع، والمشتري يقول: أخذته هبة؟ لماذا نجعل قول البائع هو الأصل، ونجعل قول المشتري خارجاً عن الأصل، مع أننا نعتبر قول المشتري في الأصل هو الأصل؟ قالوا: لأنه إذا قال البائع: بعت، وقال المشتري: أخذته هبة فهل الأصل أن الإنسان يأخذ أموال الناس بعوض أم بدون عوض؟ نقول: الأصل أخذها بعوض، فإذاً قول البائع أنه باع متفق مع الأصل، وكل من وافق الأصل يكون قول من قال بخلاف قوله دعوى يطالب صاحبها بإثباتها بالدليل والبينة.

الضمان في الشفعة إذا وجد العيب

قال رحمه الله: [وعهدة الشفيع على المشتري وعهدة المشتري على البائع].
العهدة أصلها من العهد، وإذا تعهد الإنسان فمعناه أنه قد أخذ على نفسه الميثاق بفعل الشيء أو تركه، والعهد من أعظم الأشياء وأصعبها، فالمسلم إذا قيل له: تعهد بشيء فليعلم أن الله سيسأله بين يديه عن هذا الشيء ولو كان من أحقر الأشياء ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:34] وبالأخص إذا كان عهداً لله، ولذلك يقول العلماء رحمهم الله: ما عاهد أحد ربه فنكث عهده إلا ابتلي بالنفاق إلا أن يرحمه الله برحمته، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة:75 - 77] فهذا يدل على عظم العهد، إذا قيل لك: عهد الله أن تفعل، عهد الله أن تترك، فإياك أن تقبل هذا العهد إلا أن تضطر إليه! إلا أن يتوب الإنسان من قلبه فيتوب الله عز وجل عليه، فإن الله عز وجل قد تاب عن الشرك الذي هو أعظم الأشياء، لكن الشاهد أن العهد أمره عظيم.
فالعهد أصله الميثاق، لكن العهدة هنا المراد بها ضمان السلعة، وهذه المسألة في الحقيقة كانت في القديم تباع بعض الأشياء التي لا يمكن للمشتري أن يعرف حقيقتها إلا بعد مرور زمن ومدة، فمثلاً كانوا ربما يشتري أحدهم الدواب من الإبل والبقر والغنم، لكن ما يستطيع أن يكشف حقيقتها إلا بعد يوم أو يومين أو ثلاثة، فقد يشتريها على أنها حلوب، ثم يتبين أنها ليست حلوباً، ولا يمكن أن يتبين ذلك عند شرائها، فربما تكون محقنة مصراة كما تقدم معنا في البيع، فإذا بقيت ثلاثة أيام انكشف أمرها هل هي حلوب أم ليست بحلوب، كذلك يشتري الفرس على أنه جيد وأنه سباق، فإذا أخذه وركبه المرة الأولى والمرة الثانية ما يمكن أن يتبين صفاته إلا بعد مدة.
وهكذا في الرقيق ربما كان به مرض، ربما كان مجنوناً جنوناً متقطعاً، فيباع حال الإفاقة، لكن بعد شهور يتبين أن به هذا الضرر، فهذا شيء يسمونه العهدة، وقد ورد فيه قضاء عن بعض الصحابة كـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قضوا بالعهدة في الأرقاء، وورد عن أئمة السلف رحمهم الله كالإمام مالك والإمام الشافعي عنهما قضاء بالعهدة والضمان بالدواب ونحوها.
وفي زماننا لا يزال يوجد عندنا ما يسمى بالضمان، كالضمان الذي يكون في السيارات تضمن الشركة السيارة بمسافة محدودة، أو بمدة محدودة يمكن للمشتري أن يختبر هذا الشيء الذي اشتراه، وفي الأجهزة الكهربائية ونحوها، الضمان هو الذي يسميه العلماء العهدة، فكان موجوداً.
يعني: إذا كان العالم لا يعرفه إلا في عصرنا الحديث بسبب التقدم، فقد عرفه السلف رحمهم الله والأئمة، وهذا من سمو الشريعة الإسلامية التي عرفت حقوق الناس من قديم الزمن، ما وجدت هذه الحقوق واعترف بها بعد أن تفتح الناس وعرفوا كيف يعيشون في هذه الحياة، لكن الشريعة لما كانت تنزيلاً من حكيم حميد كان ضمان الحقوق معروفاً وكان ضمان حق المشتري معروفاً حتى عند أئمة السلف رحمة الله عليهم، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تصروا الإبل ولا الغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين: إن شاء أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر) وفي رواية: (حبسها ثلاثاً) أي: حبسها ثلاثة أيام ليكتشف هل هي حلوب أم ليست بحلوب؟ فهذا لا يمكن أن يكون إلا بالضمان، لكنه ضمان من الشريعة، فالشريعة عندها عهدة، فيكون ضمان البائع للسلعة على صورتين: إما أن يضمن ضماناً ملزماً لا خيار له فيه، ولا يتحقق بمدة، ولا قدر له من حيث الزمان، وهذا النوع من العهدة والضمان هو ضمان العيوب، فأي عيب في السلعة ولو اكتشف بعد سنوات يوجب الرد، ولو كتب البائع على مائة فاتورة، ولو ملأ جميع وثائق البيع أنه بريء من العيب لا يغنيه ذلك شيئاً، لو قال: البضاعة لا ترد ولا تستبدل واشترط هذه الشروط (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) لأن الشريعة لا تجيز شروطاً تسقط حقوق الناس، ولا تجيز شروطاً تعين على ظلم الناس، وأكل أموالهم بالباطل، هذا أمر مفروغ منه.
فإذا ثبت هذا يأتي النوع الثاني من العهدة التي تكتشف فيها حقيقة السلعة، لو أن الشريك باع نصيبه من العمارة، أو باع نصيبه من المزرعة، أو باع نصيبه من الأرض ثم تبين وجود عيب في هذا النصيب، من الذي اكتشف العيب، اكتشفه إما الشفيع بعد أخذه بالشفعة، أو المشتري بعد شرائه من الشريك، في هذه الحالة إذا وجد العيب في المحل الذي وقعت عليه الشفعة يكون وجه الشفيع على المشتري، ووجه المشتري على الشريك الأصلي الذي باع، هذا هو المراد بقوله رحمه الله: وعهدة الشفيع على المشتري، يعني: يطالب المشتري بضمان حقه، فيما الشفيع وجد من العيوب في المبيع من العقارات، وكذلك أيضاً يطالب المشتري البائع بضمان حقه فيأخذ حقه من المشتري، والمشتري يأخذ حقه من البائع في ضمان العيوب الموجودة في النصيب المباع.

الأسئلة

نصيحة في احترام العلماء وتقديرهم وترك النقد لكتبهم وأقوالهم

السؤال

قول المصنف رحمه الله في الشفعة: (وإن تصرف مشتريه بوقفه أو هبته أو رهنه لا بوصية سقطت) ألا يكون ذلك تكراراً حيث ذكر ذلك رحمه الله بمفهوم قوله في تعريف الشفعة: (وهي استحقاق انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي)؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن واله.
أما بعد: فبناء الفروع على الأصول، وذكر المسائل المفصلة والتي تشتمل على التفصيل بعد تلك التعاريف المجملة ليس بتكرار، يعني: إذا ذكر المصنف رحمه الله في تعريفه، وطبق التعريف بالمسائل التي تفصل هذا التعريف لا يكون تكراراً؛ لأنه محتاج إليه، فلو أنه قال: هي استحقاق الشريك انتزاع حصته ممن انتقلت إليه بعوض وسكت، إذاً: ليس له هنا داعٍ أن يتكلم عن الشفعة كلها، وإلا كان تكراراً، فهذا كله تفصيل وبيان، ولذلك يقولون: بناء الفروع على الأصول محتاج إليه، فالتعريف أصل، والمسائل فروع مبنية على هذا الأصل الذي تعرف به حقيقة التعريف، ويتمكن طالب العلم من الضبط أكثر.
وأنبه على مسألة: وهي أن الشريعة كلها تكرار، وهذا التكرار له مغازٍ عظيمة جداً، حتى إن البعض تجده يقول: إن المحاضرات مكررة، والكلام مكرر، فنقول: القرآن مليء بالتكرار، والتكرار من أقوى الأساليب في الإقناع وثبوت الحق في نفسية المخاطب إلى درجة أن تصبح هذه الحقائق من المسلمات التي لا جدل فيها، والشيء إذا كرر على الإنسان يثبت، وأنت في صلاتك تكرر، وأركان الدين قائمة على التكرار، والمؤذن يأتي بأذان بلفظ مخصوص كل يوم خمس مرات، ثم تأتي وتقول: لم يشتمل على التوحيد، وعلى أقدس شيء وأعظم شيء حتى يصل إلى درجة أن الإنسان ما يمكن أن يقبل أي جدال أو نقاش في هذا الشيء المكرر، وقصص الأنبياء تكرر في القرآن حتى توصل إلى حد القناعة والتسليم، ولذلك لما كانت الأمة الإسلامية ممنوعة من دخول الأفكار عليها، ودائماً تكرر لها البدهيات والموروثات -كما يقولون- كانت في حصن حصين، وحرز مكين من الله سبحانه وتعالى، وما إن أصبحنا نمل، حتى إن الشخص صار يجد في نفسه الكسل عن سماع المكرر، فلو يجد شخص عنوان محاضرة عن الصبر يحس أنه شيء مكرر، لكن لو أنني أذهب وأحضر المحاضرة وأستمع هذه المرة والمرة الثانية والثالثة يصبح موضوع الصبر عندي عقيدة لا تقبل النقاش، ومبدأ لا يمكن أن أحيد عنه بشعرة، هذه أمور ما جاءت من فراغ، التكرار في مجالس العلم لا يمل، لأنك إذا أحببت شيئاً ألفته وتلذذت بتكراره، فإذا كان هذا من شرع الله ومن كتابه وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فلا تمله أذن، ولا تسأمه نفس، بل إن الإنسان يفرح ويحب أن يكرر هذا الشيء، ويعاد كرة ومرة.
فالعلماء رحمهم الله لا يكررون -بالتجربة والاستقراء- هذه المتون وهذا الكلام الموجود فيها إلا لتعلم أنه لا يضع المتن الفقهي إلا عالم مشهود له بالعلم، ولذلك خذ كتب الطبقات، لو جئت الأئمة والعلماء الذين بلغوا درجة الاجتهاد في مذهب الإمام أحمد لوجدت أنهم كثر، قد لا يحصون عدداً في كل قرن وزمان، بل في القرن الواحد، لو تأخذ أئمة الحنابلة في القرن السادس أو الخامس أو الرابع أو الثالث الهجري الذين بلغوا درجة الاجتهاد قد تجد بعضهم وقد لا تجد بعضهم؛ لأن الأموات الذين لم يحصوا ولم يذكروا أكثر، فإذا كان الأمر بهذه الصفة في أمم -ما من مائة من الزمان تمر إلا وفيها جهابذة العلم- ويبقى المتن عشرة قرون أو يبقى أحد عشر قرناً وهو يدرس ويقرأ، ونأتي في القرن الخامس عشر لنقول: هذا تكرار في المتن! يا إخوان! ينبغي أن نعرف منزلتنا، أنا لا أتهكم في السائل، أنا أتهكم في أشياء كانت معروفة عندما كان الإنسان يعرف قدر غيره، وأنبه على أمور من الآفات عند طالب العلم، تعود طلاب العلم اليوم على مسألة النقد، ولذلك دائماً مسألة التكرار تضاد النقد؛ لأن الشيء المكرر ما يستطيع الإنسان يقبل فيه قولاً ولا يتراجع عنه، لكن إذا كان الشيء فيه مدخل للنقد تصبح المسلمات والبدهيات محل شك، ولذلك تجد الطالب في بعض الأنشطة التي تكون ثقافية أو نحوها يعود على قراءة الكتب ونقدها، نقول: لماذا؟ يقول: حتى تكون له شخصية! شخصية جاهلة متهورة في تخطئة السلف، وقد جاءني طالب ذات مرة وقال: أعطي كتاب زاد المعاد للإمام ابن القيم لأربعة أشخاص لدراسته ونقده وهم طلاب ثانوية! يعني: لابد على الإنسان أن يخاف من الله عز وجل ويعلم أن العلم أمانة ومسئولية.
التكرار والعيوب الموجودة في كتب العلماء تحتاج إلى تمحيص تحتاج إلى مراجعة تحتاج إلى سبر واختبار وكم من عائب قولاً سليماً وآفته من الفهم السقيم ينبغي أن يعلم أن هذا العلم عرض على دواوين وأئمة وعلماء وجهابذة، إن كان بالورع والصلاح فالله أعلم ولا نزكيهم على الله قد يكونون أتقى لله منا، وإن كان زمانهم الذي ملئ بالعلم والصلاح والخير أبلغ في ضبط العلم من الزمان الذي فيه الفتن، فأين يذهب عن الإنسان رشده وهو يرى هذه الحقائق التي تهيئ قبول هذا الحق والرضا به؟! اليوم ينبغي علينا أن نتعلم ضبط ما قاله العلماء، أول شيء لابد أن تفهم ماذا يقال في المتون، اترك مسألة النقد، يقول العلماء لطالب العلم: تعلم ثم تكلم، أولاً يتعلم وليس يتكلم ثم يتعلم، نتعلم ما هي هذه العبارات؟ ما هي معاني هذه المتون والكلمات التي اختيرت؟ والله إن بعض الكلمات تختار بعناية وتجمع أكثر من ثلاثة احتمالات؛ لأن المذهب يحتمل أكثر من احتمال، ما يأتون بكلام غير محتمل، يأتون بكلام محتمل حتى يجمع بصورة أوسع الخلاف الموجود داخل المذهب.
فأقول: لا ينبغي لطالب العلم أن يتسرع في النقد، وليس معنى هذا أن نقبل الغث والسمين، إنما معنى هذا أن نتكلم بعلم، والخطوات المطلوبة كما يلي: أولاً: فهم طالب العلم لكلام العلماء، والعناية بالعبارات والجمل.
ثانياً: معرفة معاني هذه الكلمات، والاعتناء بالجمل كما وردت عن العلماء لا يزاد فيها ولا ينقص منها، ثم معرفة ما معنى هذه الجملة، ولماذا قال المصنف كذا ولم يقل كذا؟ كما هو موجود في الشروح والحواشي والتقريرات التي ألفها أهل العلم.
ثالثاً: معرفة الدليل الذي دل على هذه المسألة التي تضمنتها الجملة، وبعدما تفهم وتعرف الدليل تبقى على هذا الحق الذي له دليل من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى تجد دليلاً أقوى منه، أو حجة محكمة ناسخة للذي اعتقدته أولاً، فتحيد عنه لأنك تعرف أن الحق في غيره، وهذا إذا انتقلت إلى درجة ثانية وهي درجة الاجتهاد، أما وأنت في طلب العلم لا تشوش على نفسك، ولا تذهب يمنة ولا يسرة، المهم عندنا الآن أن تفهم كلام العلماء، وأن تعلم أنك إذا جلست في أي مجلس علم وسمعت أحكاماً ومسائل فاعلم أنها تنقل من ذمة العالم إلى ذمتك، وأنت مسئول أمام الله عز وجل عن هذه الكلمات، فاعتن بها وبضبط الدليل حتى تجد دليلاً أصح منه متى ما طلبت درجة الاجتهاد، ولذلك فلابد لطالب العلم أن ينضبط بهذا المنهج الذي أدركنا عليه أهل العلم رحمة الله عليهم، ويترك عنه التشويشات، ويترك عنه سوء الظن بالعلماء والقول: إنهم يخطئون وإنهم بشر فهذه كلمة حق أريد بها باطل، الخوارج قالوا: لا حكم إلا لله وهي كلمة حق، فهل أحد يقول: الحكم لغير الله، قال علي رضي الله عنه: (كلمة حق أريد بها باطل) الذي يأتي يقول لك: العلماء بشر يخطئون ويصيبون، ما وجدت إلا العلماء بشر، ما وجدت أن الله يقول: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [النساء:162] ما وجدت أن الله يقول: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:9]، لكن نقول: إنهم بشر ونقف عند هذا الحد ما ينبغي هذا، العلماء ورثة الأنبياء، والله يقول عن نبيه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:110] لكن ماذا بعدها: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف:110] ما وقف على مقامه البشري عليه الصلاة والسلام، لكن قال: (إنما أنا بشر مثلكم) وأكد هذا فقال: (مثلكم)، ثم قال: (يوحى إلي) فالذي يأتي ويقول: النبي صلى الله عليه وسلم بشر، فنقول: أليس برسول من الله عز وجل؟! فينبغي أن نجمع هذا مع هذا لأنه من العدل الذي أمر الله به، وإذا قال: العالم بشر، نقول: نعم هو بشر، لكن الله فضله بالعلم، وفضله بأنوار الوحي التي في صدره ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:49].
ومما ينبغي علينا كطلاب علم فعله -وهذا روح العلم- أننا إذا كنا نقرأ دواوين السلف الصالح والأئمة لابد من أحد شعورين: إما شعور بالثقة حينما نعرف قدرهم ونعرف منازلهم وما فضلهم الله به، فعندها يفتح الله عز وجل على العبد، وأقول بالمناسبة خاصة الفقة فيه أخذ وعطاء، وفيه مسائل خلافية، وفيه ردود ومناقشات، والله إني لأقرأ الكلام للعالم وعندي أكثر من نقد عليه، فما إن أشعر بأنه أعلم، وأن الله فضله بذلك العلم وإذا بتلك الإشكالات حينما أعيد النظر المرة الأولى يتبدد بعضها ثم الثانية يتبدد بعضها ثم الثالثة يتبدد بعضها حتى تنكشف للإنسان الحقيقة، كالشخص الذي يخرج للشمس فإنه إذا كان في ظلام وداخل بيته ما يستطيع أن يتبين شعاع الشمس، وهكذا في العلم؛ فالطالب كان قبلاً في جهل، فإذا خرج فجأة للعلم لم يتبين له بوضوح.
ولذلك كانوا يقولون: (أول العلم طفرة وغرور، وآخره كسرة وخشية لله سبحانه وتعالى) لماذا؟ لأنه في آخره عرف العلم وعرف قدره، وكم من مرة كنا نجلس مع العلماء من مشايخنا وهم يشرحون ونحب أن نأتي بكثير من الانتقادات في طريقة الشرح وأسلوبه، لكن والله ما إن تعلمنا حتى وجدنا أنهم أسمى وأرفع بكثير، عندما أحسسنا بالعبء الذي يحملونه، فأنت إذا كان عندك شعور بأن هذا من أهل العلم، وهذا العالم صاحب المتن من أهل العلم، وممن زكي علمه، ويكفيك أن الله أبقى كتابه قروناً وردحاً من الزمن، يدل على أن مذهب هذا الإمام من أئمة السنة والجماعة وغيره من المتون التي عرف أهلها بالصلاح والاستقامة، والحرص على دليل الكتاب والسنة، والتجرد

شرح زاد المستقنع -

باب الوديعة [1]

لقد حث الإسلام على حفظ الودائع وصيانتها، وهي مما توثق الروابط بين المسلمين وتزيدها صلابة، وفي طيات هذا الدرس العديد من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالوديعة وما يترتب على التفريط فيها.

تعريف الوديعة لغة واصطلاحا

ً بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الوديعة].
الوديعة في لغة العرب مأخوذة من الودع، يقال: ودع الشيء إذا تركه، ومنه قول الحق تبارك وتعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:3] ما ودعك يعني: ما تركك، وما قلى، يعني: ما هجرك؛ لأن الوحي انقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم مدة من الزمن، فقالت امرأة تهزأ بالنبي صلى الله عليه وسلم: ما أظن نجيك إلا قلاك، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:1 - 3] أقسم الله بالضحى الذي هو بداية النهار فكنايته عن النهار كله، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:2] الذي هو ابتداء الليل، فأقسم الله بابتداء الليل وبابتداء النهار، والزمان كله إما ليل أو نهار، ثم قال تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:3] يعني: ما تركك، فالودع هو الترك، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم وغيره: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) فقوله: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات) يعني: عن تركهم صلاة الجمعة، (أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) فلا ينتفعون بموعظة أبداً، فالقلب إذا خُتم عليه -والعياذ بالله- لو صبت عليه مواعظ الدنيا لم تؤثر فيه شيئاً، نسأل الله السلامة؛ لأنه يغلق عليه تماماً.
فلذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات) يعني: عن تركهم شهود صلاة الجمعة، فالودع هنا بمعنى الترك.
وأما الوديعة في اصطلاح العلماء، فأهل العلم رحمهم الله إذا أطلقوا هذا المصطلح الشرعي فإنهم يعنون به التوكيل في حفظ مال ونحوه.
وبعضهم يقول: تسليط الغير على حفظ المملوك أو المحترم شرعاً، والمعنى متقارب، فإذا كان عندك مال وأردت حفظه عند شخص فقلت له: خذ هذا المال وديعة عندك فقد وكلته، وأقمته مقام نفسك بحفظ هذا المال ورعايته وصيانته، فالوديعة توكيل وتفويض من الشخص المالك للغير في أن يحفظ المال، فنزله منزلته، وذلك لأنك لن تودع إلا عند من تأتمنه؛ لأن الوديعة أمانة، فتوكيل الغير المراد به التفويض في حفظ المال، مثل أن تقول له: هذه مائة ألف ضعها عندك وديعة، وهذا كيلو من الذهب ضعه وديعة عندك، هذا كله يعتبر توكيل بشيء مخصوص وهو الحفظ.
ولما قال العلماء: الوديعة توكيل معناه أنه تنطبق على الوديعة ما ينطبق على الوكالة، فلا بد أن تكون الوديعة -أي: الإيداع وطلب الحفظ- صادرة من شخص له حق أن يودع، أو يصح من مثله أن يودع، ومثل هذا البالغ العاقل الرشيد الذي له حق التصرف في المال، فلا تصح الوديعة من صبي إلا إذا كان مميزاً مأذوناً له بالتجارة فهذا يستثنى؛ لأننا إذا أذنا للصبي بالتجارة فإن من لازم الإذن بالتجارة أنه يحتاج إلى حفظ ماله، والقاعدة أن الإذن بالشيء إذن بلازمه، فإذا أذن الوالد لولده أن يتاجر بماله، فجلس في دكانه، فإنه يصح لمثله أن يوكل، ويصح لمثله أن يودع إذا كان في حدود ما فوض إليه كما تقدم معنا في باب الوكالة.
كذلك: لا تصح الوديعة من مجنون، فلو أن شخصاً مجنوناً أعطى مالاً لشخص، وقال: هذا وديعة عندك لم تنطبق عليه أحكام الوديعة، وهكذا بالنسبة للمحجور عليه لسفهٍ، فإنه ليس له حق التصرف في ذلك، وليس له حق إيداعه.
كذلك من يودع عنده يشترط فيه أن يكون عاقلاً، وأن يكون رشيداً، وأن يكون حراً، وأن يكون بالغاً إلا على التفصيل الذي ذكرناه في المأذون له بالتجارة، والسبب في ذلك أنه إذا لم يكن عاقلاً فإنه لا يستطيع أن يحفظ ماله فضلاً عن أن يحفظ أموال الآخرين، فمثله ليس بأهل لأن يحفظ الوديعة؛ ولأن الغالب فيه أن يضيع المال، فيفوت المقصود من حفظ الوديعة.
قول العلماء رحمهم الله: توكيل الغير في حفظ المال ونحوه، وبعض العلماء يقول: توكيل الغير في حفظ المملوك أو المحترم شرعاً، مثلاً: المال يشمل الذهب والفضة وغيرها من سائر الأشياء، بل قد تقول له: عمارتي وديعة عندك، فهو يشمل الأموال والعقارات، ولكن قول بعض العلماء أو المحترم شرعاً يشمل ما ليس مملوكاً، فالقرآن محترم شرعاً وليس بمملوك -على قول من يقول لا يجوز بيعه- فحينئذٍ يدخل في الوديعة، يمكن أن يأخذ مصحفاً ويقول لشخص: هذا وديعة عندك، فهو ليس بمال على القول بأنه لا يجوز بيعه، وهذا مذهب طائفة من العلماء: ومنع بيعه لدى ابن حنبل وكرهه لدى ابن شافع جلي وقد تقدمت معنا هذه المسألة في البيع، فإذا قلنا: إن الوديعة تختص بالأموال يشكل علينا أن هناك أشياء ليست بأموال وليست في حكم الأموال ويقال: إنها وديعة وتأخذ حكم الوديعة، كما مثلنا بالقرآن وما في حكمه.

الأدلة على مشروعية الوديعة والحكمة من تشريعها

الوديعة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، أما كتاب الله عز وجل فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:58]، فأمر الله سبحانه وتعالى بأداء الأمانات، وهذا يدل على أنها كانت محفوظة عند أهلها، ومن هنا قال طائفة من أهل العلم: هذه الآية الكريمة أصل في مشروعية الوديعة، وأصل في جواز الإيداع عند الغير، وأنه يجب على من استودع أن يحفظ الوديعة وأن يرد الأمانات إلى أهلها.
ومن السنة قوله عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الصحيح: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك).
وأجمع أهل العلم رحمهم الله على مشروعية الوديعة، وأنه يشرع للإنسان أن يحفظ ماله عند الغير، ويشرع له -أيضاً- أن يقوم بحفظ أموال الناس، لكن الواجب على المسلم أن لا يتحمل مسئولية حفظ الأموال ومسئولية الودائع إلا إذا غلب على ظنه أنه يحفظ حقوق الناس، وأنه لا يخاطر بهذه الحقوق، ولا يجوز لمسلم أن يضر بمصالح إخوانه المسلمين فيمكنهم من الإيداع عنده والغالب على ظنه أن ودائعهم لا تحفظ؛ لأن هذا خلاف النصيحة.
ومن الحكم المستفادة من شرعية الوديعة أنها تعين على جلب المصالح ودفع المفاسد والمضار، ففيها مصلحة للشخص الذي يملك مالاً ولا يستطيع حفظه، كما لو أن شخصاً أراد السفر وغلب على ظنه أنه لو سافر يضيع ماله أو يتعرض للتلف، فاستودعه شخصاً؛ فإن هذا يدفع عنه الضرر ويحقق له مصلحة بقاء المال، كذلك فيه مصلحة للشخص الذي توضع عنده الودائع، لما في ذلك من الأجر العظيم والثواب الكبير، ولما فيها من التراحم والتواصل والتعاطف؛ لأن المسلم لا يحفظ مال أخيه المسلم إلا إذا رحمه، وأحس بما بينه وبين أخيه من أخوة الإسلام التي توجب عليه أن يحسن إليه وأن يبذل له ما يستطيع بذله خاصة عند حاجته ومن ذلك الوديعة، ففي الوديعة خير كثير، ولذلك تزداد المحبة بين الناس بالودائع، فلو أن شخصاً له مائة ألف وقال للآخر: ضعها عندك وديعة، فإن الشخص الذي يدفع الوديعة سيشعر أن أخاه أحسن إليه فيحبه؛ لأن القلوب جبلت على محبة من أحسن إليها.
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم لطالما استعبد الناس إحسان فالإحسان يوجب محبة الناس وإكرامهم للمحسن.
كذلك أيضاً الوديعة فيها خير بالنسبة للشخص الذي يقوم بالوديعة، فإنه إذا جاءه أخوه وقال له: ضع هذه المائة ألف أمانة عندك فإنه سيشعر أن أخاه يثق فيه، وأن أخاه قد أنزله منزلة من بين سائر الناس إذ ائتمنه على عورة من عوراته، أو على حق من حقوقه، أو على أمواله، وهذا يدل على أن منزلة المودع عنده كبيرة، ولذلك ما أقبح أن يخون الإنسان هذه الأمانة أو يضيع هذه الوديعة، ومن هنا كان يقول بعض العلماء رحمهم الله: إن من سنن الله عز وجل أنه ما خان أحد وديعته ولا فرط فيها ولا ضيعها إلا عاقبه الله في الدنيا قبل الآخرة، وتأتي العواقب على أسوأ ما يكون، خاصة إذا كان في إنكار الوديعة وجحود الوديعة فإن الله يخذله.
وكان العلماء يستشهدون بالحادثة المشهورة التي وقعت في زمان بني العباس، أن رجلاً أراد الحج إلى بيت الله الحرام، وكان معه هميان أو كمر، وجمع فيه ماله وتجارة عمره، وكان بداخله من الجواهر الغالية الثمن التي هي كل ما يملكه في حياته، فجاء إلى رجل في السوق يعرفه بينه وبينه مودة ومعاملة في التجارة، فقال له: خذ هذا الكمر والهميان أمانة ووديعة عندك حتى أحج وأرجع، فذهب إلى الحج ولما رجع اشترى له هدية من باب المكافأة، فلما دخل عليه إذا بالرجل يتنكر له، سلم عليه فرد عليه السلام بجفاء، فجلس بجواره يظن أنه منكوب أو مكروب فقال له: أولا تعرفني؟ قال: لا أعرفك، من أنت؟ قال: أنا فلان الفلاني، قال: ما أعرفك، فأنكر معرفته، فقال له: بلى أنت تعرفني وقد استودعتك مالي، قال: لا أعرفك وليس لك عندي مال، فحاول الرجل أن يسترد ما أودعه عند صاحبه المرة والمرتين والثلاث حتى يئس منه، فانطلق إلى الخليفة يقال أنه المعتضد رحمه الله، وكان المعتضد من أقوى الخلفاء فراسة ودهاءً وذكاءً، وشكا إليه ما وجد، فقال له: اذهب إلى الرجل وأمهله ثلاثة أيام، واجلس كل يوم باب دكانه لعله يعرفك أو يتذكرك، فلما مضت ثلاثة أيام رجع إليه وقال: لم يصنع شيئاً، بل طردني من أمام الدكان، وقال: لا أراك بعد اليوم تجلس في هذا المكان.
فقال له الخليفة المعتضد رحمه الله: إذا كان من الغد فإني داخل السوق، فإذا دخلت السوق فسأمر بك فكن على مجلسك، وسأسلم عليك وأنت جالس مكانك فلا تتحرك، ولا تبد اهتماماً ولا تحدث أي شيء، وأعتني بك ولا تعتن بي، ثم أنصرف عنك، وانظر ماذا يكون من الرجل، فانطلق رحمه الله ومر عليه وهو بالسوق، فلما مر عليه قام السوق وقعد لدخول الخليفة فيه، فلما مر على الرجل سلم عليه فرد عليه السلام كأي شخص، فسأله عن حاله وعن حال أولاده وأهله وإذا به على حاله لم يتحرك فيه شيء، فلما مضى الخليفة إذا بالرجل قد أصابه الرعب مما نظر، الخليفة يسلم عليه ولا يبالي ولا يكترث به، وإذا بالخليفة يسأل عن أولاده وأهله، فعند ذلك استدعاه المودع عنده ولاطفه وقال له: ربما أني نسيت من أنت؟ فقال المودِع: أنا فلان بن فلان، تذكرت وديعتي؟ قال: نعم، قال: فأخرج له الهميان -نسأل الله السلامة والعافية- فإذا بالخائن قد خاف من المخلوق أكثر من خوفه من الخالق، قال: فأخرج له الهميان فإذا هو بعينه، فأخذ الهميان وانطلق إلى الخليفة وقال: يا أمير المؤمنين! هذا الرجل وهذا ما صنع، فأمر به رحمه الله فجلده في السوق، وعزره تعزيراً بليغاً.
فهذه عاقبته في الدنيا، وعاقبته في الآخرة أشد وأنكى، قل أن يخون أحد وديعة إلا عجل الله له العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) يقولون: حتى منع الشخص أن يخون الأمانة مع وجود الأذية، مع أن الله يقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:40]، فلا يقابل المسيء بالإساءة في الأمانة؛ فإذا خان فلا تخن أنت؛ فإن الأمانة أمرها عظيم.
يقول المصنف رحمه الله: (باب الوديعة) أي: في هذا الموضوع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالودائع، وحقوق الناس المحفوظة عند الغير، وهذا يشمل بيان حقيقة الوديعة، ويشمل عقد الوديعة، وما يترتب عليه من سقوط الضمان وعدمه، ومتى يكون الشخص المودع عنده ضامناً، ومتى يكون أميناً لا يلزمه الضمان.

الأمر المترتب على من تعدى أو فرط في الوديعة

قال رحمه الله تعالى: [إذا تلفت من بين ماله ولم يتعد ولم يفرط لم يضمن].
يقول المصنف رحمه الله: إذا تلفت من بين ماله ولم يتعد ولم يفرط لم يضمن، وإذا شئت فقل بدل هذه العبارة: إن الوديعة أمانة، ويد المودَع عنده يد أمانة لا يضمن إلا إذا فرط أو تعدى؛ لأن إسقاط الضمان مع عدم التفريط والتعدي لا يكون إلا في يد الأمانة، وقد تكلمنا غير مرة في مسائل المعاملات على أن اليد تنقسم إلى يد ضمان ويد أمانة، يد الأمانة هي اليد التي لا نلزمها بالضمان إلا إذا تعدت أو فرطت، فلو حصل شيء سماوي مثل الصواعق والأعاصير فأتلفت وأحرقت هذا الشيء المودع دون أن تفرط ودون أن تتسبب في إحراقه فإنه لا ضمان عليك، هذه يد أمانة لا ضمان على الإنسان فيها إلا إذا تعدى أو فرط، وبناءً على ذلك تستطيع أن تختصر الجملة وتقول: إن الوديعة أمانة، ويد المودع عنده يد أمانة لا يضمن إلا إذا فرط أو تعدى.
تقدم معنا مسألة التفريط فهناك أسباب لابد من وجودها وتوفرها إذا قصر الشخص في هذه الأسباب كلها أو بعضها وحصل الضرر فإنه يضمن.
مثال قديم: لو قال شخص لآخر: خذ هذه الناقة وديعة عندك، فمن المعلوم أن الناقة إذا آوت فإنها تعقل؛ فإذا حل عقالها فهذا تفريط، وحينئذٍ يلزمه الضمان، ويخرج عن كون يده يد أمانة إلى كونه ضامناً، فلو فرت هذه الناقة لزمه ضمانها، لا نقول: إنه مودع عنده، وأنه مؤتمن ويده يد أمانة، نقول: يده يد أمانة ما لم يفرط.
مثال آخر في زماننا: لو قال له: خذ هذه السيارة واجعلها عندك وديعة لا أسمح لك بركوبها ولا استخدامها، اجعلها عندك وديعة واحفظها في داخل الحوش، فأوقفها خارج الحوش، ثم حصل حريق فاحتقرت السيارة، نقول: عليه الضمان لأنه فرط؛ فقد أمره أن يضعها في حرز معين فلم يضعها في ذلك الحرز فيضمن.
قال له: هذا مبلغ عشرة آلاف ريال احفظه عندك، أخذ المبلغ منه فوضعه على مكتبه دون أن يحفظه ثم ذهب، ثم جاء سارق وسرق المبلغ، فمن المعلوم أن العشرة آلاف لا توضع على المكتب، وإنما توضع في الأدراج وتحفظ وتصان، ولكنه لم يقم بصيانة المال، فهذا تفريط وإهمال، فالتفريط والإهمال يوجب الضمان على المودَع؛ فليس له أن يقول: يدي يد أمانة لا أضمن، ونقول: يدك يد أمانة بشرط أن لا تفرط، ولكنك فرطت في حقوق الناس، ولذلك يلزمك ضمان هذه الوديعة.
والتعدي مجاوزة الحد، ويكون التعدي بتجاوز الحدود سواء كانت شرعية أو كانت عرفية، وهذه الحدود التي تعرف بالشرع أو بالعرف تصان بها الودائع، فإذا تجاوز المودع عنده هذا الحد، فحينئذٍ نقول: قد تعدى، أو تجاوز هذا الحد، ففي هذه الحالة يكون التعدي منه موجباً للضمان.
مثال للتعدي فإذا قال له: خذ هذه السيارة وضعها عندك في المزرعة ولا تستعملها، فأخذها واستعملها فهذا تعدٍ؛ لأنه وضع له حداً وقال له: لا تستعملها.
وإذا قال له: خذ هذه السيارة، آذن لك أن تستخدمها في ذهابك إلى المسجد ورجوعك، ولا آذن لك بغير ذلك، فخرج بها للنزهة والسفر، فهذا تعدٍ.
إذا قال له: خذ هذه السيارة وديعة عندك، وآذن لك أن تستفيد منها بشرط أن لا تتجاوز السرعة بها عن مائة، فتعدى وتجاوز المائة والعشرين فلو حصل تلف أو حادث فإنه يضمن.
إذاً: الوديعة لا تضمن إذا لم يتعد ولم يفرط، وسيذكر المؤلف رحمه الله صوراً جميلة هي تقارب السبعة أو الثمانية، وبعضهم يوصلها إلى التسعة، وهذه الصور كلها يخرج فيها المودَع عن كونه أميناً إلى كونه ضامناً، ولذلك المسائل في الوديعة غالبها يدور حول سؤال واحد: متى يكون المودَع ملزماً بالضمان ومتى يسقط عنه الضمان، متى نبقيه على الأصل فنقول: لا ضمان عليه، ومتى نخرجه عن هذا الأصل ونقول: ليست يده يد أمانة ويلزمه الضمان، وهذا الذي يبحثه العلماء رحمهم الله في مسائل الوديعة، ولما بحث أهل العلم رحمهم الله هذه المسائل بحثوها بالأمثلة، ويجعلون لكل سبب من أسباب الضمان ضابطاً، وربما في بعض الأحيان هذه الأسباب يدخل بعضها تحت بعض، يعني: التعدي والتفريط ممكن أن تعتبره أصلاً للجميع، فإما متعدٍ وإما مفرط، ولا يخرج عن كونه متعدياً أو مفرطاً كما سيأتي.

الإيداع يكون بالقول والفعل

الوديعة عقد من العقود على أصح أقوال العلماء، بناءً على ذلك الوديعة يكون عقدها بالأقوال وبالأفعال، وقد تكون هناك أفعال معروفة تدل على الايداع، الوديعة تكون بالأقوال يقول له: خذ هذه السيارة وديعة عندك، فهذا صريح، أو يقول: خذ هذه السيارة واحفظها، وهذا ضمني، فعندنا لفظ صريح في الإيداع، ولفظ دال على الإيداع ضمناً مثل احفظها اتركها عندك أبقها عندك، وفي عرفنا نقول: خليها عندك، لكن هذا يدل على أنه يريد الوديعة.
إذاً الوديعة تكون بالقول.
وتكون بالأفعال كل عرف بحسبه، فإذا وجدت أفعال معينة تدل على أنه يريد الإيداع مثلاً: شخص معروف أنه يحفظ ودائع الناس، فيعطيه شخص شيئاً محفوظاً، يعطيه صندوقاً، أو يعطيه كيساً مربوطاً ويكتب عليه اسمه، جرت العادة أنه يحفظ هذه الودائع بدون مقابل، فيأتي ويودعها عنده، قد لا يتكلم وإنما يأتي إليه مباشرة ويعطيه الصندوق، فيكتب البيانات الموجودة على الصندوق، مواصفات الصندوق ثم يكتب: ثلاثة أشهر أربعة أشهر دون أن يتكلم، حينئذٍ نعلم أنها وديعة.
الطالب يريد أن يسافر إلى أهله جرت العادة أنه يجمع متاعه في سكنه الطلابي ونحوه، ويأتي ويغلف ما عنده ثم يضعها في مكان معد لهذه الأمور، نعرف أن هذه الأفعال دالة على الوديعة.
فإما أن تكون معرفة الإيداع عن طريق الألفاظ صريحة كانت أو غير صريحة، وإما أن يكون الإيداع معروفاً بالأفعال، والأفعال تنزل منزلة الأقوال كما بينا في مسألة بيع المعاطاة.
فالوديعة تقوم على الإيجاب والقبول، فإذا قال له: أودعتك هذه السيارة، فإنه يقول: قبلت، وفي زماننا يقول: لا يهمك، لا تشيل هم، لا يكون في بالك شيء، هذه كلها ألفاظ جرى العرف بها للدلالة على الرضا.

الوديعة عقد جائز لا لازم

يرد

السؤال

هل الوديعة تعتبر من العقود اللازمة التي لا يملك أحد الطرفين الرجوع عنها إلا برضا الطرفين معاً، أم هي عقد جائز؟ تقدم معنا مسألة العقود الجائزة في أول البيوع، المسألة التي معنا الآن: لو جاء شخص ووضع سيارته عند شخص وقال له: هذه السيارة وديعة عندك شهراً، ثم جاء بعد يوم أو يومين وقال: أعطني سيارتي، هل تقول له: لا، أنت وضعتها وديعة عندي شهراً فلا تأخذها إلا بعد شهر؟ هذا معنى لزوم العقد فلا يملك أحد المتعاقدين الرجوع إلا إذا رضي الآخر، مثل البيع إذا تم بين الطرفين لم يملك أحدهما الرجوع إلا إذا رضي الطرف الثاني، فهل الوديعة لازمة أو جائزة؟ الوديعة من العقود الجائزة من الطرفين، أي: سواء رجع صاحب الوديعة أو رجع الشخص الذي تكفل بالوديعة.
فلو جاء شخص وقال لك: خذ هذه السيارة وضعها عندك وديعة شهراً، فقلت: قبلت، ثم بعد ساعة طرأ لك ظرف فقلت له: لا أستطيع خذ السيارة، ورددتها فإن من حقك ذلك، أي: أنك لست بملزم في عقد الوديعة.
إذاً: عقد الوديعة ليس بلازم، وإنما هو من العقود الجائزة للطرفين للمودِع والمودَع، لا يلزم أحدهما به، إنما يلزم بمضمون الوديعة يلزم المودَع بأن يقوم بالوديعة بحقوقها وواجباتها كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
من أحكام الوديعة وجوب الحفظ والرعاية والصيانة على المودَع، فيقوم بحفظ مال أخيه المسلم ورعايته على الوجه التام، ويترتب عليها أنه لا يضمن لأن يده يد أمانة، ومن أحكام المودَع أنه يجب عليه رد الوديعة إلى صاحبها ودفعها إليه متى طلبها.

المعتبر في الحرز الذي توضع فيه الوديعة

قال المصنف رحمه الله: [ويلزمه حفظها في حرز مثلها].
(ويلزمه) أي: المودَع (حفظها) أي: حفظ الوديعة، (في حرز) الحرز دائماً يكون صيانة ووقاية للشيء، فالحرز واق بإذن الله عز وجل للأشياء، مثلاً: السيارات لها حرز، الدواب لها حرز، الأموال لها حرز، كل شيء له حرز، حرز الأموال في الصناديق المقفلة والخزانات الحديدية التي تحفظ المال بإذن الله عز وجل، لكن لا يمكن أن نقول أن حرز الأموال أكياس الورق، ليس هناك أحد يضع عشرة آلاف في بيته في كيس ورق؛ لأن كيس الورق ليس بحرز للمال، ولا بحفظ للمال.
كذلك يكون الحرز للدواب الزريبة؛ زريبة الإبل، زريبة الغنم، زريبة البقر، توضع هذه الحيوانات في زرائبها، وقس على هذه المسألة غيرها من المسائل.
فيجب على المودَع أن يحفظ الوديعة في حرز مثلها، فلو أعطاه ذهباً، فحرز الذهب الخزانة من الحديد.
فإذا وضع الذهب في صندوق حديد مقفل، واحتاط فوضعه في داخل الدار -إذ لابد أن يكون هناك وعاء يحفظ المال- وكان المكان الذي يوضع فيه الذهب أميناً، فجاء شخص واعتدى على البيت وسرق هذا الصندوق، فإنه في هذه الحالة لا يلزمه ضمان؛ لأنه وضع الذهب في حرز مثله الذي هو الصندوق المقفل، في مكان أمين في داخل البيت، لكن لو جاء ووضع الصندوق المقفل أمام الناس أمام داره، فلا شك أن هذا يعرضه للسرقة ويعرضه للأخذ، فهو وإن وضعه في وعائه لكنه لم يضعه في مكانه المأمون الذي يمكن أن يكون محفوظاً فيه.
ولو أعطاه سيارة وقال له: خذ هذه السيارة وضعها عندك وديعة -والسيارات تحفظ في جراش مخصوص- فجاء ووضعها في جراش البيت وأقفل عليها الجراش، فلو حصل شيء أو ضرر أو احترق بيته واحترقت السيارة؛ وهي في جراش البيت بدون تفريط وبدون تعدٍ منه ولم يمكنه إخراجها فحينئذٍ لا ضمان عليه؛ لأنه حفظ السيارة في حرز مثلها، ولم يتعد ولم يفرط فلا ضمان عليه.
إذاً: يجب على المودَع أن يحفظ الوديعة في حرز مثلها.
بقي شيء: لو اختصم اثنان المودَع والمودِع الذي هو صاحب الوديعة، وقال له: فرطت إذ لم تحفظ وديعتي في حرز مثلها، قال المودَع: بل حفظت وديعتك ولا ضمان علي، واختصما عند القاضي، فماذا يفعل القاضي؟ يسأل أهل الخبرة عن هذا الشيء الذي كانت فيه الوديعة هل هو في حرز مثلها أم لا، هذه المسألة تتفرع على القاعدة المشهورة عند العلماء وهي إحدى القواعد الفقهية الخمس: العادة محكمة، وهي الرجوع إلى الأعراف في الأشياء سواء في قيم المتلفات، أو في حرز ونحو ذلك، يرجع إلى أهل الخبرة ويقال: هل حرز الذهب في مثل هذا؟ هل السيارات تحرز في مثل هذا؟ هل الكتب تحرز في مثل هذا؟ فإذا جرى العرف أن مثل هذه الأشياء التي وضعت فيها الوديعة حرز لمثلها فإنه لا ضمان عليه.

المترتب على إحراز الوديعة في غير المكان الذي عينه المودِع

قال المصنف رحمه الله: [فإن عينه صاحبها فأحرزها بدونه ضمن].
هناك قرابة تسعة أسباب سيذكرها المؤلف يخرج بها المودَع عن كونه أميناً إلى كونه ضامناً، وبعضهم يختصرها وبعضهم يفصل فيها، فهنا سيشرح بالتفصيل بالنسبة للحرز، يجب الضمان على المودَع إذا قصر في حفظ الوديعة، إذاً التقصير في حفظ الوديعة هو السبب الأول من أسباب كون المودَع ضامناً.
التقصير في حفظ الوديعة يكون بعدم حفظها في حرز مثلها كما ذكرنا، ويكون التقصير أيضاً بمخالفة صاحب الوديعة فيما عينه.
مثلاً لو قال له: هذا الكيلو من الذهب ضعه وديعة عندك، قال له: قبلت حفظه، قال: سآتي بعد شهر وآخذه منك، إذا قال له: خذ هذا الكيلو من الذهب وديعة عندك وسكت صاحب الوديعة فهنا نرجع إلى الأصل، ونحتكم إلى العرف هل وضعها في حرز مثلها عرفاً أو لا.
إذا قال له: خذ هذا الكيلو من الذهب وضعه في صندوق الدكان -والرجل المودَع تاجر وعنده صناديق في الدكان وعنده صناديق في البيت- فقال له المودِع: ضعها في صندوق الدكان، فجاء ووضعها في صندوق الدكان فاحترق الدكان، فلا ضمان عليه؛ لأنه التزم بالتعيين الذي عينه له صاحب الوديعة، فأصبح صاحب الوديعة هو المسئول عن وديعته، لأنه قال: ضعها في صندوق الدكان، ففعل ورقع الاحتراق ولم يكن هناك تعدٍ من صاحب الدكان فإنه لا ضمان عليه.
لو قال له: ضعها في صندوق الدكان فذهب ووضعها في صندوق البيت، أو ووضعها في خزنته في المزرعة أو خارج المدينة، فإنه بمجرد مخالفته لأمر صاحب الوديعة يلزمه الضمان، ولذلك ينبغي أن يتقيد بأمر صاحب الوديعة.
قال المصنف رحمه الله: (فإن عينه صاحبها فأحرزها بدونه ضمن).
فإن عينها يعني: عين الحرز، فأحرزه يعني: أحرز الشيء المراد حفظه والقيام عليه بدونه، يعني: في غير المكان الذي أمره به، لكن هذا الغير ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن يكون مثل الحرز الذي طلب منه، وإما أن يكون أفضل منه، وإما أن يكون أدنى منه، فلو قال له: خذ هذه المائة ألف وضعها في صندوق من خشب، فذهب ووضعها في صندوق حديد، إذاً: عين صاحب الوديعة، فوضع المودَع الوديعة فيما هو أفضل مما عين، هذه صورة الأفضل أن يأمره أن يضعها في صندوق خشب فيضعها في حديد، يأمره أن يضعها في صندوق من حديد عنده في الدكان من نوع ضعيف وعنده صندوق في البيت من نوع جيد فيضعها في البيت؛ لأن فالبيت أستر وأضمن وأيضاً الحديد الذي فيه أجود، فهنا يكون أفضل وأجود من جهة المكان ومن جهة المحل الموضوعة فيه.
كذلك يكون الحرز أدنى منه عكس ما سبق، كما لو أمره أن يضعها في صندوق من حديد فوضعها في صندوق من خشب، قال له: ضعها في البيت فوضعها في الدكان، فالخطر الذي في الدكان أشد منه في الخطر الموجود في البيت، ففي هذه الحالة يكون الحرز الذي اختاره أقل وأردأ.
وقد يكون الحرز مثله ومساوياً كما لو كان الضرر الموجود في الدكان كالضرر الموجود في البيت، واحتمال الضياع الموجود في الدكان موجود في البيت بنسبة واحدة، والصندوق الذي وضعها في البيت مثل الصندوق الذي وضعها في الدكان، مثله نوعه ووضعه، فإذاً إما أن يحرزها فيما هو أضمن وأحفظ، وإما أن يكون حرزه دون ذلك، وإما أن يكون حرزه مساوياً لما أمره به.
فإن كان طلب منه حرزاً معيناً فأحرزه في مثله أو أفضل منه فلا ضمان، قالوا: لأنه لما أحرز في مثله وافق قوله ولم يخالفه، وكان بذلك غير متعدٍ ولا مفرط؛ لأنه مثله لا فرق بينهما، تيسر له هذا المثل فوضعه فيه، لكن لو أحرز فيما دون ذلك حينئذٍ يكون مفرطاً ويلزمه الضمان.
قال المصنف رحمه اللا: [وبمثله أو أفضل فلا].
(وبمثله) بمثل ما أمر به ومساوياً له، (أو أفضل) يعني: أن الحرز أقوى حفظاً وأكثر صيانة، كما لو قال: ضعها في وعاء من زجاج فوضعها في الحديد، ووعاء الحديد أبلغ فهو لا شك أفضل.

قطع العلف عن الدابة المودعة دون إذن صاحبها

قال المصنف رحمه الله: [وإن قطع العلف عن الدابة بغير قول صاحبها ضمن].
هذا السبب الثاني: التضييع للوديعة، التضييع للوديعة يضيع أكلها، وعلاجها ودواءها، لو قال له: خذ هذا الفرس وديعة عندك، آخذه منك بعد شهر، أخذ الفرس فقطع عنه الطعام فمات الفرس، أو أصابه الهزال، أو لم يقطع عنه الطعام لكن كان طعامه رديئاً أو قليلاً فمرض الفرس، فإنه في هذه الحالة يضمن، لكن لو قال له صاحب الفرس: أطعمه كل يوم من نوع كذا وكذا من الطعام سواء كان فرساً أو فحلاً أو ناقة أو شاة، كما لو قال: أطعم شياهي من الشعير، أعطها كل يوم صاعين من شعير، ثم بعد ثلاثة أيام قال: أعطها صاعاً واحداً، فأنقص الطعام لكن بإذن صاحب الوديعة، إذا أذن له وقال له: أنقص الطعام، أو قال: اقطع عنها الطعام فإنه في هذه الحالة لا ضمان عليه، لكن

السؤال

لو قال له: لا تطعم البهيمة، فهل من حقه أن يفعل ذلك؟

الجواب

إذا قال له: لا تطعم البهيمة، يقول له: هذا محرم؛ لأنه تعذيب للحيوان وإفساد في الأرض، وهذا لا يأمر الله عز وجل به؛ لأن من الإفساد في الأرض إهلاك الدواب، لو كان يريد تذكيتها وذبحها فلا بأس، أما لو حبس عنها الطعام ماتت وصارت ميتة لا ينتفع بها، وهذا لا شك من إضاعة المال، وقد نهى الله عن إضاعة المال فهل نطيعه، فالجواب أن يقول له: إما أن تأخذ وديعتك أو تسمح لي بإطعامها، أما أن يطيعه في معصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

إذا عين المودِع جيب المودَع مكاناً للوديعة فتركها في كمه

قال المصنف رحمه الله: [وإن عين جيبه فتركها في كمه أو يده ضمن، وعكسه بعكسه].
هذا سبب ثالث يتعلق بالتعيين والمخالفة في التعيين، وبعض العلماء يجعل هذا السبب والسبب الأول الذي ذكرناه واحداً، لكن ذكر العلماء مسألة الكم والجيب؛ لأن الجيب أحفظ من الكم، لأنهم كانوا يضعون الأشياء بأكمامهم، فالكم ليس في الحرز كالجيب، فالجيب أحفظ وأصون، ولذلك يقولون: الكم قد تسقط منه الأشياء بخلاف الجيب فإنه يحفظ الأشياء أكثر، فلو أعطاه شيئاً وقال له: ضعفه في كمك، فوضعه في جيبه فالجيب أحرز، فحينئذٍ لا ضمان عليه ولو سرق، ولو قال له: ضعه في جيبك فوضعه في كمه وسرق أو سقط وتلف فإنه حينئذٍ يضمن لأنه خالف.
إذا عين صاحب الوديعة مكاناً أو صفة وجب عليه أن يلتزم بذلك؛ لأنه صاحب المال وهو أدرى بماله وأدرى بطريقة الحفظ، فلا يجوز له أن يخالفه، فإذا خالفه ضمن، في بعض الأحيان قد يكون وضع الشيء في يده أحفظ منه في جيبه، مثلاً: يقول له: هذا الشيء ضعه في جيبك، فوضعه في يده، فالوضع في الجيب قد يكون مفضياً للهلاك أكثر من اليد، مثلاً: لو أعطاه بيض دجاج بيضة أو بيضتين، وقال له: ضعها في كيس، لو وضعها في جيبه ودخل في زحام فانكسرت، فوضعها في الجيب أخطر من وضعها في اليد؛ لأنه يمكنه أن يقيها من الكسر بيده، لكن لماذا العلماء اختاروا الكم؟ لأن أغلب الأشياء حفظها في الجيب أقوى من حفظها في اليد والكم، وعلى هذا فإنه لا يمتنع أن توجد بعض الأشياء التي يكون المخالفة فيها في اليد والجيب تكون من حق المودَع أن تكون في اليد أكثر من وضعها في الجيب.

نقل المودَع الوديعة إلى طرف ثالث

قال المصنف رحمه الله: [وإن دفعها إلى من يحفظ ماله أو مال ربها لم يضمن].
هنا سبب آخر نقل الوديعة من عنده إلى طرف ثالث، هو ينقله بنفسه إلى شخص ثالث عنهما، في هذه الحالة من حيث الأصل لا ينقل الوديعة، من حيث الأصل هو مطالب بحفظها، لكن قد تأتي ظروف وأحوال ينقل فيها الوديعة إلى الغير، ويكون ذلك أصون وأحفظ وأمكن لرعاية الوديعة، فإذا دفع الوديعة إلى شخص آخر وكان هذا الشخص يأتمنه على ماله، ومن عادته أن يضع عنده ماله، فإنه ينزل منزلته، فقه المسألة أن الشخص المودع إذا قال له: خذ سيارتي وديعة عندك معناه أنه نزله منزلة نفسه، ولذلك يصدق في قوله ويؤتمن؛ لأنه ليس هناك أحد يعطي سيارته أو ماله إلا لشخص ينزله منزلة نفسه، ومن هنا قالوا: المودَع أمين، فإذا أعطاه سيارته أو أعطاه أي شيء من أملاكه وقال له: ضعه عندك وديعة، فمعناه أنه نزله منزلة نفسه في حفظه وصيانته، فإذا نزله منزلة نفسه في حفظه، فإنه إذا قام هذا الشخص بنقل الوديعة إلى مكان هو يأمن بهذا ويحفظه لنفسه كان بمثابة المودِع نفسه؛ لأنه رضيه متسلطاً على ماله، ولذلك بعض العلماء يقول: تسليط الغير على حفظ المال، فتضمنت الوديعة التوكيل والتفويض، وبناءً على ذلك فهو إذا وكل غيره وفوض غيره وكان ذلك الغير يوكله على ماله هو بنفسه فقد رضي لأخيه ما رضي لنفسه، وحينئذٍ يكون مثل ما لو نقل الوديعة إلى حرز يماثل الحرز الذي أمره بوضعها فيه، فانتقلت من عنده إلى شخص مثل نفسه ونزله منزلة نفسه فلا ضمان عليه.
أو إلى شخص من عادة صاحب الوديعة أنه يضع أمواله عنده ويودع عنده، فإذا نقل الوديعة إليه فلا ضمان عليه.
قال المصنف رحمه الله: [وعكسه الأجنبي والحاكم، ولا يطالبان إن جهلا].
وعكسه الأجنبي، يعني: شخص أجنبي، أجنبي هنا أصل المجانبة بمعنى البعد، مادة جنب تطلب بمعنى القرب وتطلق بمعنى البعد، تقول: فلان بجنبي يعني: قريب مني، وفلان مجانبني بمعنى: أنه مباعد ومبتعد عني، ومنه الجنابة لأنها تبعد الإنسان عن الصلاة والطواف بالبيت ودخول المسجد إذا تلبس بها، فهي من ألفاظ الأضداد، فمقصود العلماء بالأجنبي هو الطرف الثالث الذي يضع عنده المودَع الوديعة؛ فإذا قلت له: هذه السيارة وديعة عندك، هذا المنزل وديعة عندك، فأنت قد حددت الشخص الذي تكون عنده الوديعة، فإذا صرف الوديعة إلى طرف ثالث فهو أجنبي بالنسبة لكما كمتعاقدين أي أن كل واحد من الناس غيركما يعتبر أجنبياً؛ لأنه ليس داخلاً في العقد، فهو أجنبي بهذا المعنى، لكن إذا كان هذا الأجنبي تضع عنده مالك وتأتمنه على مالك، وتضع عنده الأشياء التي تهمك فأنت قد نزلت وديعة أخيك منزلة وديعتك ولا إشكال كما لو حفظتها عندك.
فإن خرجت عن هذا المكان الذي هو أنت المودَع ومن يأتمنه صاحب الوديعة ومن تأتمنه أنت، صارت إلى أجنبي، فإنه يجب عليك الضمان بصرفها، وهذا من أسباب الضمان أن يصرفها لأجنبي.
ومن هو الأجنبي؟ الأجنبي هنا هو الذي لا تضع ودائعك عنده ولا يضع صاحب الوديعة، يعني: لا يؤتمن على وديعته لا من المودِع ولا من المودَع، ففي هذه الحالة يجب الضمان.
قال رحمه الله: (وعكسه الأجنبي والحاكم) لو جاء ووضعها عند القاضي فإنه يضمن؛ لأنه لم يؤمر بوضعها عند أجنبي، والقاضي أجنبي، صحيح أن له ولاية عامة على أموال الناس، لكن بشرط ألا يكون هذا على سبيل حقوق الناس نفسها، فالوديعة حق لصاحبها يودعها إلى من يريد.
القاضي أجنبي عن هذا، ولايته عامة على الأموال التي لا يعرف صاحبها، لكن الأموال التي عرف أصحابها والودائع التي يعرف أصحابها لا سلطان للقاضي عليها، فإذا أودعها عند القاضي فالقاضي منزل منزلة الأجنبي، وحينئذٍ يضمن.
ولا يطالبان إن جهلا، لا يطالبان بضمانها إن جهلا، لو أن المودَع أعطى السيارة لأجنبي، فتلفت عند الأجنبي ولم يكن يأتمنه لا هو ولا المودع عنده، فإنها إذا تلفت وجب الضمان على المودَع، والأجنبي إن فرط وحصل منه تعدٍ أقام المودَع دعوى ضد هذا المفرط وطالبه بالضمان، لكن لو تلفت بآفة سماوية كالمزرعة تحترق أو يأتي سيل ويجرفها فإنه يجب على الأجنبي أن يضمنها للمودَع، وعلى المودَع أن يضمنها لرب الوديعة وصاحبها، هذا إذا علم، أما إذا لم يعلم الأجنبي أو الحاكم وتلفت بآفة سماوية فإنه لا ضمان عليه؛ لأنها في حكم الوديعة؛ لأنه يظن أنها ماله، فلما استودعه قبل الأجنبي هذه الوديعة، على أنها مال للمودَع، فعنده شبهة تسقط عنه الضمان، من الذي يضمن الآن؟ المودَع.
صورة المسألة: عندك سيارة أعطيتها لزيد، وقلت: يا زيد! خذ هذه السيارة وديعة عندك، فأخذ زيد السيارة وذهب بها إلى شخص لا يودع عنده ولا تودع أنت عنده؛ فهو أجنبي، فأخذ الشخص هذه السيارة وأوقفها في بيته ولم يتعد ولم يفرط، فالشخص الأجنبي حين قبل من زيد سيارته قبلها على أي أساس؟ على أنها وديعة، فعنده شبهة أنه مؤتمن، وإلا ما كان يدخل نفسه في شيء يوجب الضمان عليه، فلما قبل وهو يظن أنه يملك السيارة وأدخلها في حرز مثلها وجاءت صاعقة فأحرقتها أو جاء سارق وسرقها نقول: هذا الشخص الأجنبي الذي يجهل أنها وديعة عندك وقبلها على أنها وديعة لا ضمان عليه لأنه لا يعلم، لكن إن علم أن هذه السيارة لصاحبها الفلاني، وأن المودَع تعدى وأعطاه إياها فإنه يضمن، هذا معنى قوله: إن جهلا، فإن علم الحاكم والأجنبي أنه صرف الوديعة عن محلها ضمن، ويكون ضمانهما للمودع، والمودَع يضمن لصاحب الوديعة، لكن إذا جهلا يكون الضمان فقط على المودَع، ولا يضمن الحاكم ولا الأجنبي.

حال الوديعة عند سفر المودَع

قال المصنف رحمه الله: [فإن غاب حملها معه إن كان أحرز، وإلا أودعها ثقة].
شرع المصنف رحمه الله في بيان موجب من موجبات الضمان في الوديعة، فإذا أعطى إنسان إنساناً وديعة فلا يخلو من قسمين: القسم الأول له حالتان: الحالة الأولى: أن يأذن له بالسفر بها إذا أراد أن يسافر.
الحالة الثانية: أن يلزمه بأخذها معه إذا سافر.
والقسم الثاني: أن يسكت.
فإذا ألزمه بأخذها معه، فإنه حيئنذ يجب عليه أخذ الوديعة إذا أمره، ويكون مخيراً إذا خيره.
فإن قال له -وهذه الحالة الأولى، وهي حالة الإذن-: إذا سافرت فإن شئت فخذها معك، وإن شئت فأبقها فيكون حينئذٍ مخيراً.
كرجل أعطى رجلاً ساعة ثمينة وقال له: هذه الساعة وديعة عندك، وكان طالباً يدرس في مكان ففي مدة الدراسة يجلس في سكنه ثم يسافر في العطل، فقال له: إذا سافرت في العطلة؛ فإن شئت أخذتها وإن شئت حفظتها في درجك أو في مسكنك.
في هذه الحالة خيره بين الأمرين؛ فإن سافر بها فلا ضمان عليه، وإن أبقاها في درجه فلا ضمان عليه؛ فهو مخير بين الأمرين؛ لأنه التزم ما أمره به صاحب الوديعة.
الحالة الثانية: أن يلزمه بأخذها معه إذا سافر فيقول له: هذه الساعة وديعة عندك، ولكن إذا سافرت فخذها معك، هذه السيارة أمانة ووديعة عندك فإذا سافرت فلا تبقها، وسافر بها، ففي هذه الحالة لا يجوز له أن يتركها، فإذا تركها وحصل شيء ضمن، وإذا سافر بالسيارة وحصل عليها ضرر بحيث لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان عليه، لأنه التزم ما أمره به صاحب الوديعة.
هناك حالة أخرى تقتضيها القسمة العقلية تلتحق بهذا القسم: وهي أن ينهاه عن إخراجها، فيقول له: إذا سافرت فلا تأخذها.
إذاً إما أن يأمره صاحب الوديعة بأخذ الوديعة معه إذا سافر، أو يأمره بإبقائها إذا سافر، أو يخيره بين الأمرين، فإن أمره بالإبقاء أو بالأخذ وخالف ضمن، وإن خيره فلا ضمان عليه، سواء أبقاها أو أخذها، ففي هذه الصور الثلاث تكلم صاحب الوديعة، وأمر، أو نهى، أو أذن، كل هذا نعتبره موجباً للضمان في حال المخالفة، ولا يوجب الضمان إذا لم يخالف المودِع.
وإذا سكت صاحب الوديعة؛ يقول المصنف رحمه الله تعالى: [فإن غاب حملها معه إن كان أحرز، وإلا أودعها ثقة].
إذاً في حال سفر المودَع إذا سكت صاحب الوديعة-وهذا هو القسم الثاني إذا سكت صاحب الوديعة فلم يأمره ولم ينهاه ولم يأذن له، في هذه الحالة نقول: ما هو الأصلح والأفضل لهذه الودائع؟ هل بقاؤها في السكن، أو بقاؤها في الخزائن، أو بقاؤها عند ثقة، والسفر بدونها أفضل وأكثر أماناً أو العكس؟ فحينئذٍ نحاسبه على حسب العرف؛ فإن كان السفر بها يوجب حفظها أكثر ويمنع من ضياعها وسرقتها، فحينئذٍ يجب عليه السفر بها، فإن لم يسافر بها فقد قصر فيلزمه الضمان، وأما إذا كان الأفضل أن يبقيها -لأن السفر فيه خطر عليه، وقد يتأخر تسليمها الى أصحابها كما لو كان من بلد بعيد ويصعب عليه ردها إلى أصحابها أو يتحمل أصحابها المشقة- فالذي يجب حينئذٍ أن يحفظ الوديعة عند الثقة الأمين.
أما الدليل على كونه يعطي الوديعة أميناً وثقة، فلما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أراد الهجرة، وأذن الله له بالهجرة من مكة إلى المدينة، قام بإعطاء الودائع لـ أم أيمن رضي الله عنها وأرضاها حاضنته، وأمر علياً أن يرد هذه الودائع إلى أهلها، فلم يسافر صلى الله عليه وسلم بالودائع، وإنما تركها وأمر علياً رضي الله عنه أن يقوم بردها إلى أصحابها وأهلها.
وبناءً على ذلك قال العلماء: من السنة إذا كان هناك الثقة والعدل الذي يرضى لحفظ الوديعة والغالب أنك إذا سافرت بها عرضت الوديعة الى الخطر، فإنك تحتاط في صيانتها فتعطيها إلى الثقة حتى تتمكن من القيام بما أوجب الله عليك.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:58].
أمرنا بأداء الأمانات إلى أهلها، والأمر بالشيء أمر بلازمه، فلا تستطيع أن تؤديها إلا إذا حفظتها، فلما كان السفر بها يؤدي إلى ضياعها وعرقلتها عن أهلها ولربما يؤدي إلى سرقتها، فإنه يجب عليك أن تحتاط بإعطاء ثقة هذه الودائع ليردها إلى أهلها.

التصرف في الودائع والانتفاع بها

قال المصنف رحمه الله: [ومن أُودع دابة فركبها لغير نفعها، أو ثوباً فلبسه، أو دراهم فأخرجها من محرز ثم ردها، أو رفع الختم ونحوه، أو خلطها بغير متميز فضاع الكل ضمن].
(ومن أُودع دابة فركبها لغير نفعها): ومن أودع دابة فركبها لغير نفعها، هذه مسألة التصرف في الودائع بالركوب والانتفاع.
مثل رحمه الله بالدابة: في القديم كان الرجل يعطي الرجل حصانه ويعطيه ناقته ونحو ذلك مما يركب من الدواب.
فإذا قال له: خذ هذا البعير وديعة عندك وجب عليه أن يحفظه، وأن لا يتصرف فيه، لأنه مؤتمن، وأن لا يقوم باستغلال هذا الشيء الذي أودع عنده؛ لأن استغلاله بالعمل والحركة يضر بذلك الشيء.
الدابة إذا ركبها الإنسان فإن هذا قد يضر بالدابة، وقد يعرضها للتلف، وقد يعرضها للعطب، وقد يعرضها لحصول ضرر في جسدها، ولذلك ينبغي أن يحفظها وأن لا يتصرف بها.
فشرع المصنف رحمه الله في بيان سبب من أسباب الضمان وهو التصرف في الودائع.
إذا تصرف في الوديعة بركوبها كما مثل المصنف بالدابة، أو السيارة في زماننا، فإذا أعطاه سيارة وركبها بمجرد ركوبه للسيارة وإخراجها من حرزها يكون ضامناً، فلو حصل عطل في السيارة، أو ضرر حتى ولو لم يكن بيده يعني لم يكن بوسعه إنما كان بسبب سماوي، أو اعتدى عليه أحد أو سرق منها شيء ولم يعثر على سارقه، فإنه يضمن ذلك كله؛ لأن يده اعتدت بإخراج الوديعة.
إذاً لا يجوز لمن وضعت عنده وديعة أن ينتفع بها بالركوب أو الاستخدام ما لم يأذن له صاحبها، فإذا قال له صاحبها: أذنت لك بركوب السيارة وجب عليه أن يتقيد بهذا الإذن، فإذا كان إذناً في داخل المدينة فيكون غير ضامن إذا ركبها داخل المدينة، وضامناً إذا ركبها خارج المدينة، إذا قال له: أذنت لك أن تركبها لقضاء مصلحة ما، فخرج عن هذه المصلحة إلى مصلحة ثانية وجب عليه الضمان.
إذاً من أُودع دابة وفي زماننا السيارة؛ فلا يخلو صاحب الوديعة من حالتين: إما أن يأذن له بالتصرف فيها، وإما أن لا يأذن له فيمنعه من التصرف فيها بركوبها واستغلالها، فإن أذن له بركوبها واستغلالها والانتفاع بها لم يخل إذنه من حالتين: إما أن يكون مطلقاً، وإما أن يكون مقيداً.
يقول له: هذه سيارتي وديعة عندك، وإذا شئت فاركبها في أي وقت وفي أي ساعة فقد أذنت لك، بمعنى أنه فوض إليه أن ينتفع ويرتزق بالمعروف، فلا يضمن في هذه الحالة إذا قيد أو أطلق إلا إذا اعتدى، فلو حمَّل السيارة حمولتها وفوق طاقتها فحينئذ يضمن، ولا نعتبر إذن صاحب الوديعة؛ لأن إذنه بالمعروف، وكونه يحمل السيارة فوق ما تحتمل خارج عن المعروف، فيجب عليه ضمانها.
الحالة الثانية: أن لا يأذن له بركوبها، ولا يأذن له بالانتفاع، قال له: يا محمد! هذه سيارتي وديعة عندك، هذا مسجلي وديعة عندك، هذه ساعتي وديعة عندك، هذا قلمي وديعة عندك، فالواجب أن يحفظ الوديعة كما هي، فإن احتاج إلى إخراجها كالسيارة تركب، والدابة كما ذكر المصنف تركب، فيجوز له أن يركبها ويخرجها إذا كان في مصلحة الوديعة نفسها، مثلاً السيارات في زماننا إذا جلست وديعة عند الإنسان سنة، ربما تتضرر بطول الوقوف، ربما أخرجها بسبب انتقاله إلى بيت آخر أو إصلاح شيء فيها لازم، فهذا الإخراج إخراج بالمعروف لا ضمان عليه، لكن لو أخرجها لمصلحته هو، كأن يصل إلى مكان أو يوصل منقطعاً، فإنه يجب عليه الضمان.
إذاً الضابط عندنا أن الوديعة من حيث الأصل لا يتصرف فيها الإنسان إلا بإذن صاحبها -الذي هو المودِع- فإن خرج عن حدود هذا الإذن، أو تصرف تصرفاً خارجاً عن المعروف وجب عليه الضمان، وبناءً على ذلك لا يضمن إذا أبقاها، ولا يضمن في حدود ما أذن له، ولا يضمن إذا كان تصرفه بالمعروف.
هذا كله متعلق بمسألة التصرف في الودائع.
الآن الأدوات الكهربائية الموجودة في زماننا؛ كالغسالات، والثلاجات، والمكيفات؛ لو أن شخصاً أعطى شخصاً مكيفاً وديعة، أو أعطاه ثلاجة وديعة، وجب عليه أن يحفظها، وعدم تحريكها وتشغيلها؛ لأنه لا مصلحة له في تشغيلها، فإذا جاء صاحبه ولو بعد عشرات السنين يعطيه إياها كما هي، لكن هناك أشياء لابد من استصلاحها ولابد من تحريكها حتى يكون ذلك أرفق وأحفظ بها، فهو لما أذن له بحفظها من حفظها أن يغير زيتها، من حفظها أن يتفقدها عند الحاجة.
إذاً الإذن بالشيء إذن بلازمه ومن لوازم الحفظ القيام بذلك، فلا ضمان عليه إذا تصرف في حدود المعروف.
(أو ثوباً فلبسه) إذا قال له: خذ هذا الثوب وديعة عندك، فأخذه فالواجب عليه أن يحفظه وأن لا يلبسه وأن لا يعرضه للتلف، فإذا أخذه وحفظه وصانه حتى جاء صاحبه فدفعه إليه فلا إشكال أنه لا ضمان عليه، فلو أخذه وحفظه وجاء ضرر على الثوب من حريق أو نحوه دون تعدٍ أو تفريط، فلا ضمان عليه، لكن لو أنه لبس الثوب، فأثناء دخوله لمكان انشق الثوب، أثناء قفزه لحفرة انقطع الثوب مثلاً، فهذه كلها أضرار دخلت على الثوب بسبب اللبس، ففي هذه الحالة إذا كان لبس الثوب بالمعروف؛ بمعنى أنه خاف على الثوب الضرر فلبسه، كيف يخاف على الثوب الضرر؟ كالعثة مثلاً؛ لأن الثوب إذا ترك في مكان فيه عثة مدة تصيبه العثة فتؤثر عليه، فحينئذٍ لابد أن ينقله إلى مكان آخر ليس فيه عثة، افرض أن بيته كله فيه عثة وليس هناك أمين يضع عنده الثوب، فحينئذ يلبس الثوب أو يحمله معه إذا أمكنه الحمل دون ضرر.
(أو دراهم فأخرجها من محرز ثم ردها) أو كانت الوديعة دراهم فأخرجها من محرز، هذه كلها أمثلة مثل بها المصنف رحمه الله، الدابة تخرج إلى الضمان بالركوب وفيها منفعة الركوب، الثوب فيه منفعة اللبس، الدراهم معروف منافعها، وقد يأخذها لمنفعته ويتزين بها ويتجمل بها، كما في الحلي ونحوه إذا كان من ذهب أو فضة.
مسألة الدراهم؛ إذا أعطى إنسان إنساناً دراهم، أو نقوداً ورقية، فالواجب عليه إذا أعطاه إياها وديعة أن يحفظ عين المُعطى، أن يحفظ عين الورق، ولا يتصرف في ذلك الورق ولا يستبدل به ورقاً آخر، فإن فعل ذلك وجب عليه الضمان.
بل إن الفقهاء يعتبرون إخراجها من محرز فقط يعني لو أعطاه إياها داخل محفظة وقال له: خذ هذه المحفظة فيها خمسة آلاف ريال وديعة عندك، فأخرجها فقط ونظر فيها وجب عليه الضمان؛ لأن الوديعة تحفظ كما هي.
إذا كانت هذه الخمسة آلاف الموجودة في المحفظة ردت بعينها، وردت داخل المحفظة، ومع ذلك وجب عليه الضمان بالإخراج فقط؛ لأنها أمانة، والشريعة تنظر إلى حقيقة الوديعة كوديعة، فما بالك إذا أخذ الخمسة آلاف واشترى بها وباع، أو أعطاها شخصاً آخر، ثم رد مثلها في العدد هل تكون وديعة؟

الجواب

لا.
ومن هنا تتفرع مسائل الوديعة المصرفية الموجودة في زماننا، فالودائع المصرفية في زماننا، تنقسم إلى أقسام: هناك ودائع توضع لسحبها عند الحاجة، وهناك ودائع توضع كما هي وتؤخذ دون أن يتصرف البنك أو المصرف بأي تصرف تحفظ بعينها كما هي، ويمكن العميل من أخذ عين ماله وعين الشيء المودع دون أي تصرف للبنك.
القسم الأول: يعرف في زماننا بالحساب الجاري، والحساب الجاري: أن يضع الشخص مبلغاً من المال في البنك تحت رقم معين، والتزام البنك أنه يمكنه من سحب المبلغ كله أو بعضه متى شاء وفي أي وقت، فلو جاء مثلاً بمليون ووضعها في البنك، وبعد دقيقة جاء وسحبها، مكنه البنك من سحبها، يلتزم بهذا، وأيضاً يلتزم البنك بإعطاء هذا المبلغ الذي وضع في الحساب الجاري للشخص نفسه ولغيره، وكالة بطرق معينة عن طريق الشيك، ونحو ذلك من الوثائق التي تثبت التوكيل بالسحب وأخذ المبلغ.
بالنسبة لهذا النوع، وهو وضع المال في حساب معين، وسحبه عند الحاجة، لا تنبطق عليه أوصاف الودائع، لا من قريب ولا من بعيد، فليس هو في وديعة حقيقة، فتسميته وديعة مصرفية من ناحية العرف، وجريان هذا الاسم لا يمت إلى الحقيقة من جهة المصطلح الشرعي بصلة؛ لأن الوديعة تترك كما هي، ويؤخذ عين المال المودع.
إذا ثبت هذا تفرع عليه أن المال إذا وضع يكون حكمه حكم القرض، بمعنى أنه بمجرد ما تضع مبلغاً في الحساب أصبحت مقرضاً للبنك ذلك المبلغ؛ لأنه لا ينطبق عليه وصف الوديعة، فليس بملتزم أن يرد لك عين المال، وليس بملتزم بحفظ المال، إنما التزم لك بمثل المال في أي وقت تشاؤه، إما أصالة أو نيابة بوكالة لشخص آخر.
وقد تكلمنا على مسائل الوديعة المصرفية وفصلنا في أحكامها في دروس الربا والصرف، وبينا المشروع منها والممنوع وبينا المصطلحات الموجودة في زماننا، وحتى القوانين الوضعية توافق الشريعة الإسلامية في كون الوديعة المصرفية قرض وليست بوديعة، فتسيمتها وديعة ليس له حقيقة من جهة المصطلح الشرعي، وهذا أمر نحب أن ننبه عليه طالب العلم حتى لا يكون هناك اغترار بالاسم، وهنا ننبه على أنه ربما يكون هناك اختيار لبعض المصطلحات الشرعية من قبل عامة الناس وينخدع بها طالب العلم، وربما يظن أنها وديعة ويخضع لها أحكام الوديعة وهي ليست كذلك، وهذه هي فائدة التعريفات الاصطلاحية.
فائدة وضع العلماء رحمة الله عليهم بالتعريف الاصطلاحي للمصطلحات الشرعية إنما هو معرفة ما تنطبق عليه حقيقة المصطلح الشرعي وما لا تنطبق عليه، حتى لا يصبح هناك تلاعب، وإلا ادعى كل إنسان ما شاء وألصقت المعاملات الشرعية بما ليس منها.
لذلك لابد من تطبيق ضوابط الوديعة على الحساب الجاري، فلما طبقناها وجدناها أنها لا تنطبق على ذلك، يصبح حكمها حكم القرض، إذا أثبتنا أن حكمها حكم القرض يصبح أخذ أي فائدة سواء كان من العميل شرطاً أو عرفاً يعتبر موجباً للحكم بتحريمها، لأنها من الربا كما تقدم بيانه وتفصيله في دروس الربا والصرف.
أما النوع الثاني من الودائع الموجودة في البنوك فهي الوديعة المستندية، وهذا النوع من الودائع يقوم العميل فيه باستئجار صندوق معين برقم يمكنه البنك من أخذ هذا المفتاح، وفتح هذا الصندوق، ووضع ما شاء فيه، وسحب ما شاء دون أن يكون هناك للبنك أي نظر للشيء المودع سواء كان مالاً، أو جواهر، أو مستندات، فهذا النوع لا شك أنه تنطبق عليه حقيقة الوديعة، هذا النوع الذي هو استئجار الصناديق البنكية لوضع الوثائق والمستندات ووضع الأموال، ووضع الجواهر، أو الأشياء النفيسة، لا شك أنه تنطبق عليه ضوابط الوديعة الش

الأسئلة

حكم من تأخر عن دفع الوديعة في الوقت المحدد فتلف

السؤال

هل يضمن الشخص إذا حدد له المودِع وقتاً محدداً ثم انقضى هذا الوقت فتلفت العين بعد مضي الوقت بيوم أو يومين؟

الجواب

نعم يضمن إذا حدد له وقتاً للدفع وحدد له الدفع إلى شخص معين فتأخر في الدفع عن الوقت المحدد تخرج يده من يد الأمانة إلى يد الضمان، لكن بشرط أن لا يوجد عذر للتأخير، فإن وجد عذر للتأخير فإنه حينئذٍ لا ضمان عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه.

شرح زاد المستقنع -

باب الوديعة [2]

في طيات هذا الدرس العديد من المسائل والأحكام منها: حكم التصرف في الودائع والانتفاع بها دون إذن صاحبها، واختلاف المودِع مع المودَع في رد الوديعة أو تلفها، وقول ورثة المودَع في رد الوديعة أو تلفها وغير ذلك.

شرح زاد المستقنع -

باب إحياء الموات [1]

وقد حث الإسلام على إحياء الموات، ورغب في ذلك، وملَّك الأرض الموات لمن يحييها، لذلك أولى أهل العلم هذا الباب اهتماماً كبيراً؛ فذكروا في طيات مؤلفاتهم شروط وضوابط الإحياء، والمسائل المتفرعة عنها كالإقطاع، وهل هو خاص بالإمام أم لا، ومسألة الحمى، والسبق إلى المباح، واشتراك الناس في موارد المياه، والمرافق العامة وغيرها.

إحياء الموات تعريفه وشروطه وأدلة مشروعيته

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [باب إحياء الموات]: الحي ضد الميت، والإحياء لا شك أنه مما اختص به سبحانه وتعالى، فهو وحده لا شريك له الذي يحيي الموتى، لكن التعبير بالإحياء هنا نسبي، ويكون في الجمادات، حيث يقوم المكلف باستحداث العمران فيها، بناءً، أو غرساً، أو استصلاحاً، ويعتبر هذا إحياءً نسبياً، فلذلك يقول العلماء: باب إحياء الموات، فإذا كان الإحياء مما اختص به الله سبحانه وتعالى فلماذا يعبر العلماء بهذا التعبير؟ و

الجواب

تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال في الحديث الصحيح عنه: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له) فعبر بالإحياء ولهذا توسع فيه العلماء؛ لأن المراد به: الإحياء النسبي.
وقوله رحمه الله: إحياء الموات: المراد بالموات: الأراضي البور.
والأراضي التي تحيا ويحكم بإحيائها فيها تفصيل، فقد تكون الأرض ميتة لكنها ملك للغير فلا يصح إحياؤها، فالمراد بقوله: الموات: موات مخصوص؛ فهو إحياء لشيء مخصوص على صفة مخصوصة من شخص مخصوص، فليس على إطلاقه.
والأصل في هذا الباب حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وجاء عن غيرها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كـ جابر رضي الله عنه عند أحمد في المسند، وأبي داود في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له)، وفي رواية من حديث عائشة (وليس لعرق ظالم حق)، فنبه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول على مشروعية إحياء الأرض الميتة، وقوله: (من أحيا) صيغة من صيغ العموم، فيشمل الصغير، والكبير، والذكر، والأنثى.
ويختلف الإحياء بحسب اختلاف الأراضي وما يقصد منها، فتارة يكون الإحياء بالبناء، فإذا كان بالبناء فلا بد من وجود شيء يصدق عليه أنه إحياء بالبناء كما سيأتي، وتارة يكون بالغرس، فيغرس الأرض بالنخل أو الزروع، ويكون هذا إحياءً بالزراعة، وتارة يكون الإحياء بحفر البئر، فإذا حفر بئراً في مكان فقد أحياه، وهذه البئر قد تحفرها القبيلة من أجل سقي الدواب، وقد يحفرها الإنسان من أجل سقي دوابه، أو سقي مزرعته، حتى ولو كانت بعيدة عن مزرعته، فيكون لها حريم، وتكون لها حرمة.
وقوله: (من أحيا أرضاً): أرضاً نكرة، والنكرة تفيد العموم، وبناءً عليه أخذ بعض العلماء من ذلك عموم الأراضي، لكن المسألة فيها تفصيل كما ذكرنا، فهذه الصيغة الدالة على العموم قد جاء ما يخصصها، ويفيد أن الحكم ليس على العموم من كل وجه، وهو قوله: (ليس لعرق ظالم حق) فدل على أن الأرض إذا كانت ملكاً للغير وهي ميتة، ثم جاء شخص وأحياها، وهو يعلم أنها ملك لفلان فقد ظلمه، أو لم يعلم ثم علم واستمر مالكاً لها، فقد ظلم ببقائه، فليس له فيها حق، وقوله عليه الصلاة والسلام: (ليس لعرق ظالم حق)، العروق تنقسم إلى أربعة أقسام -كما ذكرنا في باب الغصب- عرقين ظاهرين، وعرقين باطنين.
فمن اعتدى على أرض ميتة، لأخيه المسلم، فأحياها وهو يعلم أنها ملك لأخيه المسلم، فيكون العرق منه ظالماً إما بظاهر وإما بباطن، فالعرق الظاهر الظالم يكون بشيئين: بالبناء فيها- وهذا اعتداء-، وبالغرس فيها -وهذا اعتداء-، والعرق الباطن الظالم يكون بشيئين: بحفر البئر في الأرض، وبإجراء النهر من الآبار والعيون ونحوها، فهذا كله يعتبر لاغياً شرعاً، وبينا الأحكام المترتبة على اغتصاب الأرضين، وذكرنا الوعيد الشديد الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
فالشاهد من هذا أن إحياء الأرض يشترط فيه ألا تكون الأرض ملكاً للغير، وهذا الشرط الأول.
والشرط الثاني: أن تكون الأرض خالية عن الاختصاصات، والاختصاصات المراد بها: المصالح والمرافق العامة للمسلمين، التي تعلقت بها مصالح خاصة؛ مثل الطرقات فقد تعلقت بها مصلحة المسلمين بالمشي عليها، ومثل الأماكن التي يتجمع فيها الناس داخل المدن أو حتى خارج المدن في بعض الأحيان، ومثل أن يكون هناك مكان مختص بشيء، كأن تكون هناك أماكن لرمي النفايات خارج المدينة، وهي أرض ميتة، فلا يجوز لأحد إحياؤها؛ لأنه تعلق بها مصلحة جماعة المسلمين، فلابد أن تكون الأرض ميتة بوراً، ويكون الإحياء -كما ذكرنا- بالغرس، والبناء، والحفر.
ويجري مجرى الإحياء: كف الماء عن الأرض، وهذا يقع عند الفيضانات من النهر أو السيل إذا غطى المناطق الصحراوية، فقام أحد بسحب هذا الماء من منطقة منها، وهيأها حتى أصبحت صالحة للزراعة، فهذه التهيئة إحياء.
وفي حكم هذا تحجير الرياض، والمراد بالرياض: الروضات التي تكون في القرى، فيتخذون فيها أماكن لزرع الحبوب على الجبال ونحوها، ويحجرونها، ولا يبنون عليها ولا يزرعونها زرعاً ثابتاً كالنخيل ونحوه، بل زراعتهم تكون موسمية في مواسم المطر، فيحجرونها بتنظيف الأرض، ويضعون بجوانبها الحجار، فهذا نوع من الإحياء، وقوله عليه الصلاة والسلام: (من أحيا) يشمل هذا كله.
ومعنى قول المؤلف رحمه الله (باب إحياء الموات): أي: سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بإحياء الأرض الميتة، وما يترتب لمن أحياها إذا ثبت إحياؤه لها، من حيث انتفاعه بها ومليكته لها.
وهذا الباب اعتنى به المحدثون، واعتنى به الفقهاء، فكثير من كتب الحديث اعتنت به، وأعني بكتب الحديث غير الصحيحين، التي ذكر مصنفوها حديث: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له)، وهم من كان هذا الحديث على شرطه، فهناك بعض الأبواب لا يوجد فيها إلا حديث واحد، فإذا لم يوجد فيها إلا حديث واحد فإن الأبواب تكون بحسب شرط المخرج، فهو ينظر إلى الحديث هل هو من شرطه أو لا؟ فإذا كان من شرطه ذكره، وإلا فلا.
قال رحمه الله تعالى: [وهي الأرض المنفكة عن الاختصاصات، وملك معصوم].
أي: هي الأرض المنفكة التي لا تعلق فيها بالاختصاصات، مثل الطرق، والأماكن التي يخرج الناس إليها في حال نزول المطر، والأماكن التي تكون قريبة من المدن يتنزهون فيها، والأماكن التي يرمون فيها نفاياتهم، ولذلك يقولون: هناك حريم للمدن، وحريم للبيوت، وحريم للآبار، فحريم المدن: أماكن يمنع أن يستغلها شخص لمصلحته حتى لا يضر بمصلحة الجماعة، فالأماكن التي وضعت -مثلاً- لرمي النفايات لا نقول عنها: هي ميتة، ولو جاء شخص وزرع فيها أو بنى عليها فقد أحياها! لكن نقول: فيها تعلق بمصلحة جماعة المسلمين، فلا يصح إحياؤها، وكذلك الطرق التي يمشون عليها، فقد تكون هناك طرق من أراضٍ ميتة تعتبر مسالك لنقل الناس في أسفارهم أو نقلهم داخل المدن، فلا يجوز إحياؤها، ولا يجوز التسلط عليها بحجة الإحياء، والاختصاصات تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة، ففي القديم كانت هناك مراعٍ، والمراعي التي تكون لإبل الصدقة تسمى حمى، يخصها ولي الأمر لدواب المسلمين؛ لأنهم كانوا يجاهدون في سبيل الله فيحتاج بيت مال المسلمين إلى توفير الخيل والإبل، بحيث لو حدث حادث تكون الظهر -الخيل والإبل- جاهزة، فمثلاً لو كان بيت المال فيه ألف ناقة، فهذه الألف تحتاج إلى مرعى لتأكل منه، ولا يمكن أن تكون قريبة من المدينة إلا إذا هيئت لها أرض محمية يمنع منها الناس، فيمنع منها الخاصة لمنفعة العامة، وعلى هذا ذكروا القاعدة المشهورة: يحتمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، فهنا تدفع مضرة عامة بإحداث الحمى.
والأصل في ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حمى النقيع، وهو على مسافة أكثر من ثلاثين فرسخاً من المدينة، وبعضهم يقول: من جهة النقيعة المعروفة الآن، وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه حمى الربذة، وهي المشهورة الموجودة الآن، ومن الحمى الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم العطن الموجود في المدينة، وهو بجوار مسجد السبق، فهذه المنطقة كان يفيض عليها شعب من شعاب جبل سلع، وكانت مرتعاً مخضراً، فكان يحميها لإبل الصدقة، وهل إبل بيت مال المسلمين، فهذه كلها اختصاصات، فلو جاء أحد يحيي شيئاً من هذه الأماكن فقد عطل مصالح بيت مال المسلمين، فلا يجوز الإحياء في مثل هذا المكان الذي تعلقت به مصالح بيت مال المسلمين، كالطرقات ونحوها.
وقوله: (وملك معصوم) أي: لا يتعلق به ملك معصوم، فإذا كانت الأرض التي يراد إحياؤها ليست ملكاً لأحد، خالية عن الاختصاص؛ جاز إحياؤها، لكن إذا كانت ملكاً لأحد؛ فإما أن تكون ملكيته لها بالشراء، وإما أن تكون ملكيته لها بالإحياء، فلو أن شخصاً جاء إلى أرض بيضاء وبنى عليها أو غرس فيها، ثم تبين أنها ملك لغيره، فلا نقول ببطلان الإحياء إلا بالتفصيل، فإن كانت هذه الأرض ملكها السابق بالشراء فحينئذ الإحياء لاغٍ؛ لأن يده ثبتت عليها بالشراء والملك، لكن لو كان السابق ملكها بالإحياء، ثم عطلها حتى ماتت، ثم جاء الثاني وأحياها؛ ففيه خلاف بين العلماء رحمهم الله، هل يبطل الإحياء الثاني الإحياء الأول أم لا؟ فعند بعض العلماء وبعض أئمة السلف رحمهم الله كالإمام مالك وغيره من فقهاء المدينة: أن من أحيا أرضاً، ثم تخلى عنها حتى رجعت بوراً، رجعت كما كانت لعامة المسلمين، فمن سبق إليها وأحياها فهي ملك له.
وهذا القول من يتأمل فيه يجد أن فيه مصلحة عظيمة، خاصة في هذا الزمن الذي تجد الشخص فيه يأتي ويتكلف حتى يحيي الأرض ويأخذ الصك عليها، ثم بعد ذلك يتركها، والشريعة ما شرعت الإحياء لفراغ، وإنما شرعته لمصالح الجماعة؛ كي تحفز الناس لما فيه مصلحتهم، فيبني الرجل مثلاً بيتاً، أو يجعل له مزرعة فينفع وينتفع، لكن أن يأتي ويعطل هذه الأرض، فيقيم عليها مسكناً أو بناءً ثم يأخذ الصك، ثم تصبح الأرض جرداء بيضاء ما فيها شيء، ثم كل من جاء ليحييها يقول له: لا؛ هذه الأرض لي، وقد قضى القاضي لي بها، فهذا يضر بمصالح الناس، ويخرج مقصود الشرع من الإحياء، فمقصوده عمران المدن، ووجود الزرع، أما هذا الإحياء فهو تعطيل للناس، وإذا قلنا: إذا ماتت الأرض المحياة فتبقى في ملك من أحياها، فهذا

مسائل في إحياء الموات

بينا المراد بإحياء الموات، وما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإذن بإحياء الموات، وقد قصدت الشريعة الإسلامية من تمليك المحيي للأرض مساعدة الناس ومعونتهم، والرفق بهم، وإحياء الموات يعين على حصول الخير لعموم المسلمين وخصوصهم، فيحصل الخير لعمومهم بإحياء الأراضي بالزراعة، فيستغني المسلمون عن غيرهم بوجود الزرع والنبات، وكذلك يكون فيه منفعة خاصة للمحيي، كما لو بنى بيتاً ليسكنه، ويستر عورته، ويكون فيه الرفق له ولأهله.
ومن عادة العلماء رحمهم الله في هذا الباب أن يبينوا بعض المسائل التي تفرعت عن الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إحياء الموات، وهذه الأحاديث منها ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف، والضعيف منها شهدت الأصول باعتباره، أو جرى عمل السلف رحمهم الله به، ولذلك يعتنون ببيان أمور منها: أولاً: من الذي يحيي الأرض؟ ومن له حق الإحياء؟ ثانياً: ما هي الأرض التي يجوز إحياؤها، وإذا أحياها إنسان حكم بملكيته لها؟ ثالثاً: ما هي حقيقة الإحياء التي اشترطها عليه الصلاة والسلام للحكم بملكية المحيي؟ كما يبينون حقيقة الإحياء؛ لأنها تختلف بحسب اختلاف المقاصد، فإحياء الأرض بالزراعة يحتاج إلى ضوابط، وإحياء الأرض بالبناء يحتاج إلى ضوابط؛ ومن هنا لزم بيان هذه المسائل في باب إحياء الموات.
وبعض أهل العلم يلحق بمسائل إحياء الموات مسائل (الاختصاصات)، كمن جلس في مكان عام لكل الناس لمصلحة مثل المسجد؛ فمتى يحكم بكونه أحق بالجلوس في هذا المكان؟ وهكذا من جلس في طريق، فوضع بضاعته ليبيعها، وعرضها وبسطها على الأرض؛ فمتى يكون أحق بهذا المكان من غيره؟ ونحو ذلك من المسائل، التي يذكرونها في باب إحياء الموات؛ لأنها وإن كانت استحقاقاً خاصاً لمدة معينة، فهي في حكم الإحياء من جهة الاستحقاق.

حكم إحياء الكافر للموات

قال رحمه الله: [فمن أحياها ملكها].
فمن أحيا الأرض الميتة بالزراعة -وسنبين كيف يكون الإحياء بالزراعة- أو بالبناء فيها فقد ملكها، أي: حكم له بها، فيكون مالكاً لها، لقوله عليه الصلاة والسلام: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له)، فدل قوله: (فهي له) على أنه يملكها.
وقد ذكر المصنف القاعدة العامة: (من أحياها ملكها) أي: حكم الشرع له بملكيتها، فلو نازعه أحد بعد إحيائه إياها، وثبوت ملكيته لتلك الأرض؛ فإنه لا يستحق شيئاً من تلك الأرض، وإنما هي ملك لمن أحياها.
قال رحمه الله: [من مسلم وكافر].
(من) بيانية، أي: سواء كان المحيي مسلماً أو كافراً، والمسلم إذا أحيا مواتاً في أرض المسلمين فلا إشكال في ملكيته؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له)، لكن هل يجوز للكافر الإحياء في بلاد المسلمين؟ والبلاد التي يكون فيها كفار معاهدون أهل ذمة، فأحيا أحدهم أرضاً مواتاً فيها، فهل يملكها؟ اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة، فمنهم من يقول: الكافر لا يحيي في أرض المسلمين ألبتة، وليس له حق إحياء أرض في أرض المسلمين حتى ولو كان من أهل الذمة؛ لأن المسلمين قد فتحوا هذه الأرض وأصبحت تابعة للمسلمين، فلا إحياء لكافر؛ لأن مقصود الشرع أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، فأحل الله لأهل الكتاب إذا صالحوا المسلمين أن يبقوا في ديارهم، وأن يتركوا على ما هم عليه، لكن لا يتوسعوا وتصبح لهم شوكة بسبب إكثارهم من ملكية الأراضي، وأشد من هذا وأعظم إذا جاءوا إلى بلاد المسلمين، وأرادوا الإحياء فيها، وبالأخص في جزيرة العرب، فإن النص فيها واضح؛ ولذلك لم يملك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر اليهود حينما كانوا بخيبر، ولم يحكم لهم بإحياء، بل قال عليه الصلاة والسلام ليهود خيبر -كما في الصحيحين- لما عاملهم على سقي الأرض: (نقركم فيها ما شاء الله)؛ فلم يجعلهم ثابتي اليد على الأرض، ولم يجعل لهم سلطاناً عليها.
وعلى هذا: فالقول بأن الكافر لا إحياء له قول صحيح، وهو مذهب الشافعية وطائفة من أهل العلم رحمة الله عليهم، ومقاصد الشريعة تدل على ذلك؛ لأن من مقصود الشرع: أن يكون الكافر تحت المسلم، وألا يكون له سلطان على المسلم، ولو فتح لهم مثل هذا -خاصة في بلاد المسلمين- فإن الشوكة تكون لهم، وتكون لهم القوة، وقد يضر ذلك بمصالح المسلمين، وقد يضيق هذا على من يريد الإحياء من المسلمين؛ وعلى هذا لا يفتح لهم الباب، والقول بمنعهم هو الأوجه والأرجح.
ومن أهل العلم من أحل لهم الإحياء مطلقاً، وهو قول المصنف رحمه الله، ومن أهل العلم من قيد ذلك فقال: إذا أذن لهم الإمام أن يحيوا في ديارهم فلهم ذلك، ولهم أن يملكوا، وإذا لم يأذن لهم فإنهم لا يملكون.
والقول بعدم فتح باب الإحياء لهم أصح، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما في الحديث الصحيح- قال: (لا تبدءوا أهل الكتاب بالسلام، وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه)، وهم إذ ذاك أهل ذمة وتحت سلطان المسلمين، وقد فصلنا هذه المسائل في باب أحكام الذمة، وبينا أن مقصود الشريعة التضييق عليهم حتى يسلموا، فإذا نظرت إلى حكمة الشرع في أن الذمي إذا كان تحت حكم المسلمين لا يبدأ بالسلام، وإذا مشى في الطريق اُضطُر إلى أضيقه، ولا يرفع داره فوق دار المسلمين، ولا يكون لهم شعار ظاهر، فيصبح الشعار والظهور كله للإسلام؛ فيحس الذمي بالذلة والصغار، وهذا هو مقصود الإسلام؛ ولذلك قال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:29]، فإذا شعروا بالذلة والصغار فإن ذلك يدفعهم لاعتناق الإسلام، وينفر ذلك المسلم عن الردة، حتى حديثي الإسلام يتألف قلوبهم إلى الإسلام بما يكون من حسن المعاملة، والتضييق عليهم إنما جاز للضرورة، وقد نبه على هذا الإمام ابن القيم رحمه الله في كلامه على بعض المسائل التي اختلف فيها في مساواة الذمي بالمسلم.
فالذي تطمئن إليه النفس أنه لا يكون للكفار ملك بالأحياء في بلاد المسلمين.
ومن أجازوا ذلك استدلوا بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له)، والعموم يخصص بالشريعة العامة، وخاصة في هذا الزمان، فلا يشك المسلم بحصول الضرر لحرص الكفار على التمكن من ديار المسلمين، ولا مانع من تخصيص العموم، إذ أن العموم خوطب به المسلمون، وإذا كان المخاطب به هم المسلمون فالحكم يكون لهم، وعلى هذا: لا يدخل أهل الذمة في هذا العموم، فهو عام مخصص بعرف الشرع أي: أن الشرع جعل الخطاب للمسلمين وقال: (من أحيا)، ومما يؤكد هذا قوله عليه الصلاة والسلام: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له) أي: بشرط ألا يكون فيها حق لمسلم، وأراضي المسلمين التي لم تحيا وهي في بلادهم ملك لعامة المسلمين، وإذا مكن الكافر منها فلا شك أنه يخالف مقاصد الشريعة العامة، فالعموم هنا لا يخلو من نظر كما ذكرنا.
قال رحمه الله: [بإذن الإمام وعدمه].
أي: سواء أذن الإمام أو لم يأذن.
قال رحمه الله: [في دار الإسلام وغيرها].
أي: سواء أحيا في دار الإسلام أو في غير دار المسلمين كدار الحرب، فإذا كان الكفار ممن وقع بينهم وبين المسلمين حرب، وأحيا مسلم داراً فيها؛ فإنه يملكها.
وقد ذكرنا مسألة: إذا فتحنا بلاد الكفار، وكان فيها ملك للمسلمين، فهل ترتفع عنها يد المسلم لكونها صارت مفتوحة عنوة أو لا؟ فيه تفصيل عند العلماء رحمهم الله، وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الجهاد.
قال رحمه الله: [والعنوة وغيرها].
أي: سواء فتحت عنوة أو فتحت صلحاً.

ضوابط إحياء الموات

قال المصنف رحمه الله: [ويملك بالإحياء ما قرب من عامر إن لم يتعلق بمصلحته].
الأراضي التي يقع عليها الإحياء الأصل أنها تكون خارج المدن، أما ما داخل المدن فالغالب فيها أنها مملوكة أو أنها من مصالح المسلمين ومرافقهم العامة، فالمناطق التي تحيا غالباً تكون في ضواحي المدن، وضواحي المدن تنقسم إلى قسمين: ما قرب من المدينة، وما بعد عنها.
أما القريب منها فلا مجال لإحيائه إن كان هذا القريب متصلاً بالمدينة، وتتعلق به مصالح أهلها، فلا يفتح باب الإحياء فيه، ولا يُمكَّن أحد من الإحياء فيه، مثل الأماكن القريبة من المدن التي يرمي فيها الناس الفضلات والنفايات، أو الأماكن التي للفروسية والسباق بالخيول كما كان في القديم، أو أماكن اعتاد الناس أن يخرجوا ويتنزهوا فيها، وعرف أنها متنزه للناس، وقد كان العقيق -مع أنه داخل حدود المدينة- متنزهاً للصحابة رضي الله عنهم، وكانوا إذا نزل الغيث خرجوا إليه، وأثر هذا عن جمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهو قريب من المدينة، لكنه يعتبر متنزهاً ومتنفساً للناس فلا يملك؛ لأن تمليكه لمن يحييه يضر بمصالح المسلمين، فكل ما كان قريباً لا يمكن تمليكه لمن يحييه إذا أضر بالمصالح.
ومن هنا نعلم أنه لا يصح الإحياء في عرفات بالنسبة لأهل مكة، مع أنها خارج حدود الحرم، وهذا مبني على أنها مشعر، وإحياؤها يضر بمصالح المسلمين، وهكذا منى ومزدلفة، فجمهرة العلماء رحمهم الله سلفاً وخلفاً على أنها لا تملك، ولا يملك أحد أرضاً فيها مهما كان، ولو ادعى أنه يريد إحياؤها فلا ملكية له ولا عبرة بهذا الإحياء؛ لأن منى مناخ من سبق، وتمليكها يضر بالناس في مشاعرهم؛ لأنها هيئت وأعدت من أجل أداء المناسك، فلا يملك أحد فيها ألبتة، واختار هذا القول سماحة الشيخ العلامة الإمام الجليل محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله برحمته الواسعة كما في فتاويه، ونبه أنه لا ملكية لأحد في هذه المشاعر، ولا يثبت لأحد استحقاق الملك فيها، ولا شك أن هذا القول هو القول الحق، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (منى مناخ من سبق)، فيتضرر بالإحياء فيها الحاج الذي يؤدي المناسك، فلا يملك أحد شيئاً في هذه المواطن؛ لأنها جعلت لعموم المسلمين، ولا يستطيع أحد أن يدعي أنه أحيا شيئاً فيها؛ لأنها ليست من جنس ما يمكن الإحياء فيه.
وهل هناك مصلحة في مضايقة من يؤدي هذا الركن العظيم من أركان الإسلام؟! فلذلك لا شك أن المشاعر ليست من الأماكن التي يحيا فيها، وهكذا بالنسبة للمتنزهات، ومواقف السيارات القريبة من المدن، ونحو ذلك، فهذه كلها لا تملك بالإحياء، ومن أراد الإحياء فليذهب إلى غيرها، وهذا مبني على القاعدة التي نبه عليها العلماء، وهي: الضرر يزال، فلو أننا قلنا بشرعية الإحياء مطلقاً لتضرر من يرتفق بهذه المصالح، والضرر لا يسمح به، بل الشريعة تأمر بزواله، ومما يدخل في هذه القاعدة -كما ذكر العلماء- أن يكون هناك مرفق لجماعة المسلمين، فيريد شخص مصلحةً خاصة من هذا المرفق بحيث يضر بالجماعة، فهي مصلحة فرد تضر بالجماعة، فهل نقدم مصلحة الفرد على مصلحة الجماعة أم نقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد؟ لا شك أن حكم الله عز وجل أن تقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، فكيف إذا كانت مصلحة الجماعة دينية شرعية؟! فالحكم بها أولى وأحرى، ومما يدخل في هذه القاعدة ما ذكره الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه الموافقات أنه إذا رخّص التاجر سعر السلعة وحصل الإضرار بالسوق، فلا يقر؛ فهي مصلحة فرد يحصل بها الضرر للجماعة، فلا تقر الشريعة هذه المصلحة الخاصة بضرر عام، وإنما تدفع الضرر العام بالضرر الخاص، ومن قواعدها: إذا تعارضت مفسدتان إحداهما أعظم من الأخرى روعيت العظمى بارتكاب الصغرى.

حقيقة الإحياء

قال رحمه الله تعالى: [ومن أحاط مواتاً].

حفر بئر في أرض موات

قال المصنف رحمه الله: [أو حفر بئراً فوصل إلى الماء، أو أجراه إليه من عين ونحوها].
الآبار على نوعين: النوع الأول: ما يقوم على الجمة، وهي الآبار التي تكون في الأراضي الغنية بالماء، بحيث لو حفرت متراً أو مترين أو ثلاثة أمتار تمتلئ؛ لأن الأرض مليئة بالماء، فإذا حفر هذا القدر جاءت الجمة واجتمعت في البئر، فإذا نزحت الماء عادت مرة ثانية، فمثل هذا الماء إذا كان كافياً لإحياء الأرض، وكان نصف البئر المحفور يكفي ماؤه لإحياء الأرض فلا إشكال، فيحفر ويحيي الأرض، لكن إذا كان الماء قليلاً لا يكفي لإحياء الأرض، وكان من يعرف الزراعة يعرف أن هذا الماء لا يُمكِّن صاحبه أن يزرع الأرض؛ فلا يكفي هذا للحكم بإحياء الأرض.
النوع الثاني: الآبار الجوفية، فهذه ماؤها غير ماء الأولى، الأولى لو حصل جفاف -كما لو قل المطر أو قحط الناس- انقطعت مياهها لأنها سطحية، ولذلك مثل هذه الآبار السطحية خاصة في المناطق النائية التي يقل فيها الماء، لا يكون مثلها موجباً للحكم بالإحياء، وعلى القاضي أن يحتاط في مثل هذا؛ لأنه ربما خدع في وقت امتلاء البئر، فيظن أن الأرض يمكن إحياؤها بهذا القدر من الماء، والواقع أن مثل هذا لا يكفي، لكن المياه الجوفية التي يكون الماء موجوداً فيها غالباً، فإنها سبب لحياة الأرض، فمثل هذه الآبار لا شك أنها تثبت الملكية بها.
وللبئر حريم سيبينه المصنف، لكن نحن نتكلم هنا على أن حفره للبئر في الأرض التي سورها نوع من الإحياء، فإذا أرادها للزراعة أو للسكنى وحفر فيها بئراً؛ فهذا نوع من الإحياء، والبئر ينتفع بها حتى إذا كانت الأرض للسكنى، فيكون البئر للبيت كما في القديم أو للزراعة، ويكون إحياؤها بذلك الماء.
وقوله: (أو أجراه إليه من عين ونحوها) أي: أو أجرى الماء إلى الأرض المحياة من عين، أو من غيرها، كأن يحفر في مكان تتوافر فيه المياه، ويجري الماء عن طريق القناطر أو عن طريق المواسير -كما هو موجود في زماننا- إلى هذا الموضع الذي ليس فيه ماء، وقد كانوا في القديم يستقون من العيون، بواسطة القناطر والمجاري التي تأتي من العيون والخيوف وتسقي المزارع، وتجري القنطرة من بئر بعيدة أو من عين بعيدة، فإذا حفر بئراً بعيدة، وأوصل ماءها إلى نفس المكان المحيا، فإنه نوع من الإحياء.

نزح الماء عن أرض مغمورة وحبسه عنها

قال رحمه الله: [أو حبسه عنه].
هنا الصورة عكسية، في الأول الأرض يابسة، وهنا الأرض مليئة مغمورة، فإذا كانت الأرض مغمورة كواد في النيل أو الفرات أو دجلة، فغمر النهر الأرض، فيقوم المحيي فيحول بين الماء وبين الأرض، فيحبس الماء عن أرضه، ويضع الحواجز التي تمنعه، فتنكشف الأرض، وتصلح للزراعة، وتكون خصبة، فهذا نوع من الإحياء، فهو يكشف الماء ثم بعد ذلك يدخره حتى يستقي منه، لكن بشرط: ألا يضر بالنهر، فإذا أضر به كأن يدفن جزءاً منه فلا يحق له ذلك؛ لأن هذا التضييق سيضر بالطرف الثاني من النهر، وإذا ضاق مجرى النهر قوي دفعه على ما بعده، فيكون دفعه شديداً كحال الفيضانات والأمطار ومثل هذا اعتداء، ولذلك يحكم العلماء بأن النهر لابد له من حمى عن يمينه وعن يساره، وهما ضفتا النهر أو ضفتا الوادي، فهذه حمى لا يجوز لأحد أن يدخل فيها فيضيق مجرى النهر، ولذلك قالوا: لا يملك بالإحياء ما كان داخل مجاري السيول؛ لأنه إذا دخل مجاري السيول فإما أن يعرض نفسه للخطر، فيغرق وتغرق دوابه ويفسد ماله ويذهب زرعه، وهذا موجود، ومن سنن الله عز وجل أن من غلب على الماء في مجاري الأنهار والسيول أن الله عز وجل يسلط عليه السيول الجارفة، وإما أن يضيق مجرى النهر أو مجرى الوادي، فإذا ضيق مجرى النهر أو مجرى الوادي أضر بمن هو أعلى منه، وبمن هو دونه، فإذا كان مجرى الوادي مائة متر، فضيقه بدخوله فيه حتى صار خمسين متراً، فمعنى ذلك: أن الماء سينحبس، فإذا جاء السيل فإنه سيضر بالناس ويؤذيهم؛ ولذلك لا يجوز الإحياء بسحب الماء أو الدخول على المجاري، فهذا هو مقصود المؤلف رحمه الله، أنه لا يضر بالنهر ولا يضر بمن يستقي من النهر.
قال رحمه الله: [ليزرع].
اللام: للتعليل، أي: يحوط الأرض، ويحفر فيها، أو يجري لها الماء من بعيد بقصد الزراعة، فهذا إحياء للزراعة، كذلك من الإحياء للزراعة حراثة الأرض، وتنظيف الأرض من الحجارة، وتنظيفها من الشجر حتى يزرع فيها، وتكون صالحة للزرع، وكل هذا يعتبر من الإحياء.
قال رحمه الله: [فقد أحياها].
أي: إذا حصل منه هذا فإنه يكون محيياً لها؛ لأنه إحياء خاص، وهو الإحياء بالزراعة.

إحاطة الأرض وزراعتها

هنا فصل المصنف رحمه الله حقيقة الإحياء، فكأن سائلاً سأل: كيف يكون الإحياء؟ فقال رحمه الله برحمته الواسعة: (ومن أحاط مواتاً)، فالأرض إذا كانت على طبيعتها مواتاً، فلابد من فصلها عن غيرها، فالإحاطة تكون بالسور، أو برفع الأرض، أو بالتحجير بوضع جدار من الحجارة بعضها على بعض، أو من الخشب، أو الإحاطة بالأسلاك الشائكة الموجودة في زماننا، أو غير الشائكة من الزنك أو الحديد أو غير ذلك مما تحصل به الإحاطة، والمقصود فصل ما يريد إحياءه عما هو من أصل الموارد، فلابد أن يفصل أرضه؛ لأنه سيحكم له بملكية هذه الأرض، والملكية تنصب على معين لا على مجهول، فلابد -لكي نحكم له بالملكية- أن يحدد ما يحييه، ويكون التحديد -كما ذكرنا- بالإحاطة، والإحاطة قد تكون من جنس الأرض نفسها كرفع العقوم، وهو أن يرفع عقم التراب، فيحيط أرضاً مثلاً مائة متر في مائة متر، فهذه الإحاطة بالتراب نوع من الإحياء، لكن ليست كل الإحياء، فهناك مرحلتان للإحياء: المرحلة الأولى: تهيئة الأرض للإحياء، والمرحلة الثانية: إثبات الإحياء بالغرس أو البناء أو نحو ذلك، فإذا رفع عقوم الأرض، وبين عقومها، فحينئذ يشرع في الإحياء، وإذا سوى الأرض وجعلها مستوية، فجعل أعلاها مستوياً مع أسفلها، وساوى الأرض، فهذا شروع في الإحياء، وكذلك الرياض التي تكون على الجبال، وعلى مجاري الأنهار أو العيون إذا حجرها ووضع الحجارة حولها بحيث إذا جاء الماء ينحبس في نصيبه حتى يسقيه، ثم يرسل ما زاد عن حاجته، فهذا نوع من الشروع في الإحياء، وهذا الشروع في الإحياء لا يثبت الملكية، فلا يكون مالكاً بمجرد بناء سور أو بناء عقم؛ لأن من بنى سوراً على أرض لم يحيها حقيقة، إذ لو فتح هذا الباب فقد يأتي شخص إلى أرض واسعة (كيلو في كيلو)، ويبني عليها سوراً ويقول: أحييت هذه الأرض كلها! إنما يكون الإحياء إما بالزراعة وإما بالبناء، أو نحو ذلك مما يقصد به الإحياء، ومن الإحياء أن يجمع بين زراعتها وبنائها، أو يجعلها مستودعات أو نحو ذلك، لكن مجرد بناء السور أو الإحاطة لا يكفي.
فإذا أحاط الأرض وقلنا: لا يملك بمجرد الإحاطة، فيرد

السؤال

ما هي فائدة قولنا: إن الإحاطة شروع في الإحياء؟ نقول: إنه بهذه الإحاطة يكون له حق السبق، بحيث لو جاء منافس يريد أن يحيي نفس الأرض نمنعه منها، ونقول لمن أحاطها: يا فلان! أحي هذه الأرض وإلا مكنا غيرك منها.
إذاً: التحجير والإحاطة دون وجود إحياء فعلي في نفس الأرض لا يقتضي الحكم بالملكية، بل لابد من وجود الإحياء الحقيقي بزراعة أو استغلال يثبت بمثله الإحياء، فلو أنه حجر الأرض ونازعه غيره؛ قلنا: إن هذا التحجير يوجب الحكم بالسبق.
يرد سؤال: لو أن شخصاً بنى سوراً على أرض كبيرة، ولم يحدث فيها بناءً ولا زرعاً، ولم يحيها إحياءً يثبت بمثله الملكية، وتم هذا البناء للسور ومكث مدة، ثم جاء أحد يريد أن يحيي هذه الأرض، فقال له: أنا بنيت الجدار، لكنه لم يحدث شيئاً، فهل يبقى الوضع هكذا على مر السنين والدهور مع أنه قد يفعل هذا حيلة فيبني الجدار ويحجر؟ هذا يسمى التحجير، ويروى فيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما -وفي سنده الحسن بن عمارة ضعيف- أنه قضى فيمن حجر أرضاً ثلاث سنين، ثم لم يفعل خلال الثلاث السنوات شيئاً، أنه يمكن غيره من الإحياء، ويرفع الأول يده، فنقول له: خلال الثلاث السنوات إذا أحييت ملكت، وأما إذا لم تحي فغيرك أحق، والعمل على هذا عند أهل العلم أنه يؤجّل ثلاث سنوات لإحيائها بالزراعة أو نحو ذلك.
وهذا القول لا شك أنه يقفل باب الضرر الموجود في زماننا، فقد يأتي الشخص ويرفع عقم الأرض، ولا يحدث فيها شيئاً ألبتة، ويأتي الثاني ويبني جداراً على أرض ولا يحدث فيها أي إحياء، ثم يمتنع من تمكين غيره منها، فلا شك أن في هذا إضراراً وتضييقاً على المسلمين؛ وتصوّر المدينة أو القرية إذا أصبح كل شخص يبني سوراً طال أو قصر، وإذا بالناس يتباعدون، ولو أراد شخص أن يخرج خارج المدينة ليرتفق لا يجد مرفقاً أو منتزهاً إلا بعد عشرين أو ثلاثين أو أربعين كيلو متراً! فكأنهم حُبسوا في مدنهم! فهذا تضييق على الناس؛ ولذلك: لابد من وضع ضوابط شرعية، فلا يستغل كل شخص قضية الإحياء حتى يضيق على المسلمين في مصالحهم.
إذاً: الإحاطة لا تكفي في الإحياء، بل هذا تحجير.

حريم البئر

قال رحمه الله تعالى: [ويملك حريم البئر العادية خمسين ذراعاً من كل جانب، وحريم البدية نصفها].

حريم البئر غير المطوية

البئر الصغرى التي تكون غير مطوية وغيرة ثابتة، محفورة باليد وما فيها طي، ومثل هذا النوع من الآبار مؤقت قد ينهدم ولا يبقى، لكن البئر العادية المبنية المطوية تبقى قروناً؛ لأنها ثابتة، لكن الآبار غير المطوية وغير المعتنى بها تبقى مؤقتاً، وقد يحفرها الشخص ثم يرتحل عنها؛ فيعطى من الحريم ما يناسبه، ومن العلماء رحمهم الله من عمل بهذا الحديث المرفوع وجعله أصلاً، ومنهم من قال: هذا أمر مختلف بحسب العرف، فنمكن صاحب البئر من أخذ حمى للبئر على قدر حاجته، فمثلاً: قبيلة حفرت بئراً فتحتاج حريماً إلى خمسين ذراعاً، والقبائل الصغرى ليست كالكبرى، فمثل هذا يختلف باختلاف أحوال الناس، وهذا مذهب الجمهور، وهذا قول قوي؛ لأنه لم يصح في ذلك شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن عمل بهذا المرفوع، فلا بأس، وقد جرى عليه العمل عند بعض السلف رحمهم الله.
قوله: (خمسين ذراعاً من كل جانب) لأن الناس عندما يردون على الآبار يستقون لدوابهم ما يريدون من مكان معين، والبئر في بعض الأحيان يكون لها منزح للماء وبرك وحياض في جهة معينة يستقى منها، لكن بالنسبة للبئر عموماً قد يستقي منها العشرة في آن واحد، كالبئر الكبيرة، وكل واحد له رشاء، وماؤها قريب ما تحتاج إلى بكرة ونحوها فينزح الناس منها، لكن إذا كان للبئر بكرة واحدة -يعني دلو واحد- فيحتاج الناس إلى حياض، وإلى قنطرة تسني إلى الحياض، وإلى ترتيب، فلذلك: ترك الأمر إلى اختلاف الأحوال واختلاف الأشخاص أنسب وأولى.
قوله: (وحريم البدية نصفها).
حريم الشيء حرمته، والمراد بذلك: ما ذكرناه أن هذه البئر تحتاج إلى مثل الحمى تحمى به حتى تبقى، وحتى يتمكن صاحبها الذي احتفرها من أخذ مصلحته التي يريدها منها برفق.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
استحقاق الشفيع نصيب شريكه بما باعه مؤجلاً أو عاجلاًالأسئلةحكم الشفعة في الأرض التالفة إذا استصلحها المشتريالسؤالالجوابمسألة إذا أقيمت الصلاة وما زال بعضهم يصلي السنةالسؤالالجوابأهمية الأذكار والأوراد للمسلمالسؤالالجوابوجوب انتظار الغائب بالشفعة حتى يرجعالسؤالالجوابباب الشفعة [5]إذا اختلف الشفيع والشريك في ثمن المبيع وعدمت البينة فالقول قول المشتريالسؤالالحالة التي يعتمد فيها قول المشتري عند الاختلاف في قيمة القدر المشفوعمسألة: إذا أقر البائع بالبيع وأنكر المشتريالضمان في الشفعة إذا وجد العيبالأسئلةنصيحة في احترام العلماء وتقديرهم وترك النقد لكتبهم وأقوالهمالسؤالالجوابباب الوديعة [1]تعريف الوديعة لغة واصطلاحاالأدلة على مشروعية الوديعة والحكمة من تشريعهاالأمر المترتب على من تعدى أو فرط في الوديعةالإيداع يكون بالقول والفعلالوديعة عقد جائز لا لازمالسؤالالمعتبر في الحرز الذي توضع فيه الوديعةالمترتب على إحراز الوديعة في غير المكان الذي عينه المودِعقطع العلف عن الدابة المودعة دون إذن صاحبهاالسؤالالجوابإذا عين المودِع جيب المودَع مكاناً للوديعة فتركها في كمهنقل المودَع الوديعة إلى طرف ثالثحال الوديعة عند سفر المودَعالتصرف في الودائع والانتفاع بهاالجوابالأسئلةحكم من تأخر عن دفع الوديعة في الوقت المحدد فتلفالسؤالالجوابباب الوديعة [2]باب إحياء الموات [1]إحياء الموات تعريفه وشروطه وأدلة مشروعيتهالجوابمسائل في إحياء المواتحكم إحياء الكافر للمواتضوابط إحياء المواتحقيقة الإحياءحفر بئر في أرض مواتنزح الماء عن أرض مغمورة وحبسه عنهاإحاطة الأرض وزراعتهاالسؤالحريم البئرحريم البئر غير المطوية
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل