حكم اضطباع الآفاقي والمقيم بمكة
السؤال
هل هناك فرق بين أهل مكة وغيرهم في الاضطباع والرمل والسعي بين العلمين؟
الجواب
اختار جمع من العلماء أن الحكم يختص بالآفاقي، وأن المكي لا يكون عليه رمل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعله هو وأصحابه وهم قادمون من المدينة، فخصوا الحكم بصورة السبب، وقالوا: إنه ليس على المكي أن يرمل، ومن هنا فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين طوافه الأول وطوافه الثاني، فلم يرمل صلوات الله وسلامه عليه في طواف الإفاضة، وهذا يدل على أن من أقام بمكة ونزل بمكة أنه لا يأخذ حكم من كان خارجاً عنها، وعلى هذا قالوا: إن سنة الرمل إنما هي لمن قَدِم، وهكذا المكي إذا كان إحرامه من خارج مكة، كأن يكون أتى المدينة فاعتمر منها، فإنه يأخذ حكم أهل المدينة، وحينئذٍ يرمل في طوافه عند قدومه، والله تعالى أعلم.
الحالة التي يشرع فيها التكبير عند الصعود، والتسبيح عند النزول
السؤال
هل التكبير عند صعود الجبال، أو التسبيح عند هبوط الوهاد خاص بالسفر أم هو مطلق في كل مكان؟
الجواب
السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم التكبير على النشز، والتسبيح إذا هبط وادياً، والمحفوظ عن أهل العلم رحمة الله عليهم أن الحكم عام، وأن هذا من دعاء المناسبات، كما أن قول دعاء الركوب: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) يستوي فيه أن أكون مسافراً أو مقيماً؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [الزخرف:13]، فجعله ذكراً مطلقاً، وقالوا: إنما أمروا بتسبيح الله عز وجل، وتوحيده عند الركوب على الدواب اعترافاً لله عز وجل بوحدانيته وفضله، وعظيم منته وإحسانه بعباده، وهذا أمر عام يستوي أن يكون في السفر وغير السفر، ولذلك يقولون: لا يختص بالسفر وإنما يكون دعاء مطلقاً.
وفي حكم هذا جميع ما يكون من وسائل النعم التي يسرها الله سبحانه وتعالى من السيارات، والطائرات، والقطارات ونحوها، إذا ركبها الإنسان قال: سبحان الذي سخر لنا هذا.
إلخ، فإذا كان الله عز وجل قد شرع لنا أن نذكر هذا الذكر عند الركوب على الدواب والبهائم من ذوات الأرواح، فإنه خليق بهذا الدعاء أن يكون في الجماد من بابٍ أولى وأحرى، فسبحان من حَرَّكه وصرفه ودبره، وجعله يجري بقدرته سبحانه وتعالى.
فيثني العبد على الله، وينزه الله سبحانه وتعالى، وهذا قليل قليل من كثير يستوجبه سبحانه علينا؛ لعظيم نعمته، وجليل فضله ومنته، تبارك الله وهو أحسن الخالقين، والله تعالى أعلم.
كيفية تحلل محلوق الشعر والأصلع
السؤال
من كان بلا شعر، أو كان محلوق الشعر، فكيف يصنع عند التحلل؟
الجواب
من كان بلا شعر فقد قال بعض العلماء: لا تحلل له، فلا يلزمه حلق ولا تقصير؛ لأن التكليف شرطه الإمكان، وقد فات المحل، يعني: ليس بمحل حلق، ولا بمحل تقصير.
واختار جمع من العلماء -ومنهم جمع من الأئمة المتقدمين- أنه إذا كان أصلع لا شعر له أنه يُمر الموس على رأسه، وهذا من باب إبقاء الفعل مع فوات الصورة، وذلك أن الشرع طلب من المكلف التحلل، فيكون التحلل بالحلق أو التقصير، فإذا فات الحلق والتقصير بقيت صورة الفعل، كما قالوا: إن الإنسان إذا طلب منه الفعل وصورته، فإذا فات الفعل بقيت صورة الفعل التأسي والاقتداء، فالأفضل والأكمل أن يمر الموس، قالوا: لاحتمال أن يكون هناك شيء من الشعر موجوداً، خاصة إذا كان حديث عهد بحلاقة.
أما إذا كان محلوق الشعر فإنه يمر الموس؛ لأنه سينبت شيء من الشعر، وسيكون فيه فضلة الشعر، فيمر الموس، ويمضيه حتى يحصل به التحلل، والله تعالى أعلم.
رفع المرأة صوتها بالتلبية
السؤال
ما حكم رفع المرأة صوتها بالتلبية؟
الجواب
المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية، وإنما تكون تلبيتها سراً، فالنساء لا أذان لهن ولا إقامة، ولا يشرع لهن الجهر؛ لما في أصواتهن من الفتنة، ولذلك قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:32] قال العلماء: القول المعروف على حالتين في المرأة: الحالة الأولى: ألا ترفع صوتها إلا من ضرورة وحاجة.
والحالة الثانية: ألا تتنغم وتتكسر في كلامها، وإنما يكون كلامها على الوجه المعروف الذي لا يطمع معه الذي في قلبه مرض، وعلى هذا فإن النساء لا يرفعن أصواتهن، ولم يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ألزم نساءه برفع أصواتهن، بل كان أمهات المؤمنين يلزمن الستر في أمور حجهن وعمرتهن، حتى كانت عائشة رضي الله عنها وأرضاها -وهي أم المؤمنين الصالحة القانتة- تتستر حتى في طوافها، وكانت إذا أرادت أن تطوف بالبيت لا تطوف إلا بالليل، وإذا أرادت أن تطوف أوصت القائمين على البيت أن يطفئوا السُّرُجَ، ومضت في داخل طوافها حتى لا تُرى رضي الله عنها وأرضاها، وكل هذا من تحريها لمقصود الشرع، كما قالت فاطمة رضي الله عنها: (خير للمرأة ألا ترى الرجال ولا يراها الرجال) فسماع صوت المرأة ورؤية شخصها فتنة.
والذي يقول: إنه ليس بفتنة يكابر بالمحسوس، فالمرأة والرجل جبلهما الله عز وجل فطرة وغريزة بميل كلٍّ منهما إلى الآخر، سواءً تكلمت أم خرجت وابتدئ، فالفتنة كل الفتنة في النساء، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)، فمما نص عليه العلماء أنها لا ترفع صوتها إلا لحاجة وضرورة، ولذلك تجد العلماء يقولون: في الحديث دليل على مخاطبة الأجنبية للأجنبي عند الحاجة، ويقيدون ذلك بالحاجة، وهذا هو المحفوظ والمذكور في كتب العلماء رحمة الله عليهم.
والدليل القوي على أن المرأة لا تتكلم أنها في الصلاة لو أخطأ الإمام لا تفتح عليه مع وجود الحاجة، وإنما تصفق، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) فانظر -رحمك الله- لو كان صوت المرأة مأذوناً فيه لفتحت، مع أنه قد يُحتاج إلى أن تفتح للإمام بالكلام، فقالوا: أبداً، تقتصر على التصفيق حتى يعجز، وحينئذٍ يجوز لهن الفتح، وهذا كله يؤكد أن مقصود الشرع أن تحفظ المرأة لسانها، وأن تمتنع من مخاطبة الرجال، ولو قيل بجواز مخاطبة المرأة للأجنبي لاسترسل النساء في ذلك، ولرأيتها تجلس مع الرجل تسأله عن حاله، كما يسأل الرجل الرجل، وتقول لك: لا دليل على التحريم! بل تقول لك: إن العلماء أفتوا بأنه يجوز كلام الأجنبية للأجنبي.
ففي هذا فتح باب شر لا يخفى، فالمرأة لا تخاطب الرجال، ولا يسمع الرجال كلامها، ولا بيانها إلا عند الضرورة والحاجة؛ لأنه إذا كان في الصلاة التي هي من أعظم شعائر الإسلام، ويحتاج إلى كلامها، يقول عليه الصلاة والسلام: (إنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)، فعدل إليه عن ذكر الله الذي فيه القربة وفيه الطاعة، فأين التصفيق من ذكر الله؟! فالرجل يسبح، وذكر الله أفضل وأكمل، ومع ذلك هي تعدل إلى التصفيق.
وعلى هذا فإنها لا ترفع صوتها بالتلبية، والدليل على أن المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية أن الأوامر التي جاءت برفع الصوت بالتلبية، كما في الصحيح من حديث جابر وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية)، وهذا خاص بالرجال لقوله: (أصحابي)، والأصحاب: جمع صاحب، والمراد به الرجل دون الأنثى، فلا يشرع للمرأة أن ترفع صوتها بالتلبية، وإنما تكون تلبيتها سراً، والله تعالى أعلم.
التمتع والقران وخلاف العلماء في أفضلية أحدهما على الآخر
السؤال
أشكل عليَّ الجمع بين حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله: (أتاني جبريل، وقال: يا محمد! أهل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة)، فدل على أن الله أمره بالقران، وبين قوله صلى الله عليه وسلم: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة)؟
الجواب
هذا الحديث يحتج به جمع من العلماء على أن القران أفضل؛ لأن الله تعالى اختاره لنبيه من فوق سبع سماوات، ولم يحج إلا حجةً واحدة، قالوا: فاختار الله له من فوق سبع سماوات أن يقرن.
واختلف العلماء: هل القران من أول حجه، أو طرأ عليه؟ وذلك على ثلاثة أقوال: منهم من قال: إنه كان مفرداً ثم قرن.
ومنهم من قال: كان مهلاً بعمرة ثم قرن.
ومنهم من قال: إنه كان قارناً ابتداء وانتهاءً.
وهذا هو أصح الأقوال؛ لأنه قد ثبت عن خمسةٍ وعشرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قرانه عليه الصلاة والسلام، قال أنس رضي الله عنه، كما في الرواية الصحيحة: (ما تعدوننا إلا صبيانا، لقد كنت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسني لعابها، أسمعه يقول: لبيك عمرةً وحجاً)، والسبب في ذلك أن أبا طلحة كان مع النبي صلى الله عليه وسلم قريباً من دابته، وكانت دابته تسامت دابة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أنس رضي الله عنه -وهو ربيب أبي طلحة - من أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالصحيح أنه كان قارناً ابتداءً وانتهاءً.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت)، فللعلماء فيه وجهان: منهم من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم تمنى أن لو كان متمتعاً، فدل على أن التمتع أفضل؛ لأنه كان على آخر الأمرين، فدل على أن التمتع يعتبر أفضل من القران.
ومنهم من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أصحابه بفسخ الحج بعمرة، أشكل على الصحابة هذا؛ لأن الصحابة ألفوا أن العمرة لا تقع في الحج، وكانوا يرونها من أفجر الفجور، وكان من عادة أمهات المؤمنين أنه إذا شق الأمر على الصحابة دعونه صلى الله عليه وسلم أن يبتدئ بنفسه، ولذلك لما دعاهم إلى الفطر تأخروا، فشرب عليه الصلاة والسلام من اللبن فشرب الصحابة وأفطروا، وفي يوم الحديبية لما دعاهم أن يتحللوا تلكئوا، ودخل مغضباً على أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها، قال: (ما لي آمر فلا أطاع، فقالت له: ادعُ الحلاق، فلما دعا الحلاق وحلق رأسه صلى الله عليه وسلم، قام بعضهم يحلق لبعض يكاد بعضهم يقتل بعضاً).
فأصبح الآن تطييب خواطرهم بالفعل مستحيلاً؛ لأنه قال: (إني قلدت هديي، ولبدت شعري فلا أحل حتى أنحر)، فقال تطييباً لخواطرهم بالقول: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة)، ولذلك قال الإمام أحمد رحمة الله عليه، وجمع من السلف: هذا يدل على اختياره صلوات الله وسلامه عليه وحبه للتمتع، وأنه لو استقبل من أمره ما استدبر لكان متمتعاً، فقالوا: هذا يدل على تفضيل التمتع، وأن أفضليته جاءت متأخرة، فحينئذٍ يدل على أفضلية التمتع.
وأما الأولون فقالوا: إن هذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم لسبب، ولا يعقل أن الله تعالى يختار لنبيه إلا الأفضل والأكمل، والمسألة مشهورة والخلاف فيها مشهور، ومن رجح القران فله وجه من السنة، ومن رجح التمتع فله وجه من السنة، لا يُثَرَّبُ على هذا، ولا يُثَرَّب على هذا، ولكل وجه، ولكل سلفه من الأئمة والعلماء الأجلاء، ولكن الممنوع أن يعتقد الإنسان خطأ غيره، فتجد طالب العلم إذا رجح القران يحتقر من يرجح التمتع، وتجده يستهجنه، وربما يتقصده بالمناقشة، حتى إنه ربما يصبح الحج جدلاً، وأخذاً وعطاءً فيما هو الأفضل، وهذا لا ينبغي.
فالإنسان إذا ترجح له دليل، وعرف أن السنة فيه، واعتقد ذلك وله سلف، وله وجه من هذا الدليل من كتاب الله، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فهو على خير وعلى هدى.
وكذلك أيضاً إذا ترجح عند غيره غير قوله فلا يُثَرِّب عليه، ولا يعتقد ضلاله، ما دام أنه يقول بقول له وجهه من كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، قال شيخ الإسلام رحمه الله، في معرض الكلام عن خلاف الصحابة: إنهم كانوا يختلفون، وتتباين أقوالهم في المسائل، فيصلي بعضهم وراء بعض، ويترضى بعضهم على بعض، ويترحم بعضهم على بعض، فلم يكن خلافهم مفضياً إلى حصول الفتنة بينهم، وإنما ينبغي على المسلم أن يلتزم هدي الكتاب والسنة، وألا يتعصب إذا تبين له الدليل، وتبينت له الحجة، ويرجع إلى كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن استبانت له السنة بترجيح شيء عمل به واعتقده، وأقنع الغير إن أمكن إقناعه، وإلا بقي على ما يرى أنه حق وصواب، وتعبد الله به، والله تعالى أعلم.
تطيب المرأة قبل الإحرام
السؤال
التطيب الذي يسبق الإحرام، هل هو خاص بالرجال دون النساء، وذلك لمكان المشقة في التحرز من انتشار رائحة الطيب؟
الجواب
أما بالنسبة للمرأة فطيبها ما ظهر لونه وخفي ريحه، والرجال طيبهم ما ظهر ريحه وخفي لونه، ولذلك نهي الرجال عن الزعفران، وقالوا: إنه أكمل في خشونة الرجل، وأكمل في أنوثة المرأة.
وهذا هو المنصوص عليه عند أهل العلم رحمة الله عليهم، فإذا تطيبت المرأة بالأطياب التي لها رائحة خفية، أو كانت محافظة وخشيت من طول نسكها أنها تتغير عليها الرائحة، فوضعت بعض الطيب مع المحافظة، وعدم فتنة غيرها، فإنه لا بأس بذلك، ونص العلماء على أنه لا حرج في هذا.
لكن إذا كانت -مثل ما يقع الآن- تحرم في ساعة، وبعد ساعة، أو ساعتين، أو ثلاث، تدخل بين الرجال، وتخالط الرجال فلا شك أنهم سيشمون طيبها، ويكون حينئذٍ عدولها عن التطيب أبلغ وأكمل، والله تعالى أعلم.
شعث المحرم والمقصود منه
السؤال
هل يفهم من الحديث: (إن عبادي أتوني شعثاً غبراً)، أنه لا يستحب للمحرم أن يغتسل عند شعثه؟ وماذا عن تبديل ملابسه؟
الجواب
الحديث القدسي (انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً) لا يستلزم عدم الغسل، فإن الشعث والغبرة تقع حتى ولو اغتسل الإنسان، والسبب في هذا: أن الشعث يكون من السفر، ويكون نسبياً، فإذا كان الإنسان اغتسل في حجه فإنه لا يؤثر هذا في وصفه بالشَّعِثِ، ولا يمنع أن يوصف بالغبرة؛ لأنه إذا انتفت الغبرة عن شعره وعن بدنه، لا شك أنه إذا خالط الناس ومشى في عرفات سيصيبه نوع من الشعث، ونوع من الغبرة، والدليل على ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم أُثِر عنهم أنهم كانوا يغتسلون قبل زوال يوم عرفة، ولذلك كان ابن عمر رضي الله عنهما ينزل في نمرة، ثم يغتسل عند الزوال، ويمضي لصلاته، وقال بعض العلماء: إن الحديث (انظروا لعبادي أتوني شعثاً غبراً من كل فج) المراد به: الوصف الأعم، يعني: أنهم الغالب في حالهم أنهم يأتون شعثاً غبراً، ألا ترى أنه لو بلغ مكة، أو وصل إليها، يأتي وقد أنهكه السفر وتغيرت معالمه؟ فلا يشترط في يوم عرفة بخصوصه؛ لأن المراد به: مطلق الإتيان، وقوله: (أتوني شعثاً غبراً) لا يستلزم يوم عرفة بعينه، وإنما المراد به مطلق الإتيان، والشعث والغبرة مصاحبان للحاج حتى ولو اغتسل، ألا ترى أنه تصيبه الجنابة، وفي الحجاج من يجنب فيغتسل، فهذا كله لا ينفي وصفهم بالشعث والغبرة.
وعلى هذا فإن العلماء رحمهم الله استحب بعضهم أن الإنسان إذا أصابه الشَّعَثُ ألا يزيله، وكذلك إذا أصاب الشعث إحرامه أو إزاره أو رداءه أنه لا يغسله، حتى يكون أبلغ في الذلة لله عز وجل، وأبلغ في إظهار الفاقة لله سبحانه وتعالى والتواضع، وقالوا: إنه كلما كان على هذه الحالة كلما كان أرجى للإجابة، ففي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟).
يقول الإمام ابن رجب عليه رحمة الله: إن النبي صلى الله عليه وسلم قصد أن يبين أبلغ حالات التضرع التي يُظن فيها الإجابة، فقال: (أشعث أغبر)، فقالوا: إن الإنسان كلما كان بعيداً عن الترفه والتكبر على الناس في ملبسه وزيه؛ كان أرجى للقبول عند الله عز وجل، كما قال عليه الصلاة والسلام: (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره).
وأما الأمر الثاني: إطالة السفر، وقد جاء أن المسافر له دعوة مستجابة كالمريض.
كذلك أيضاً قوله: (يمد يديه إلى السماء)، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث: (إن الله حييٌ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفراً)، فقالوا: إن الأفضل لموقفه في عرفة أن يكون على الشعث والغبرة، لكن ليس معناه: أن الإنسان يتكلف، ويبالغ في هذا، أو أن الإنسان يترك نعم الله عليه بلبس الثياب الطيبة، والارتفاق بنعم الله وطيباته التي أخرجها للعباد، إنما المراد أن العلماء قالوا: إن حصل هذا اتفاقاً للإنسان فإنه يترك شعثه وغبره، حتى يكون أبلغ في الذلة لله، وليس معنى ذلك -كما يفعله بعض الناس- أنك تجده على رائحة نتنة، وعلى حالة تؤذي الناس وتضر بهم، إذا صلى معهم شوش عليهم، وإذا جلس معهم آذاهم برائحته، فهذا ليس من الإسلام في شيء، إنما السنة أن يعتني الإنسان بنفسه، وللبدن على الإنسان حق، وقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يتطيب، وقال: (إن الله جميل يحب الجمال) وقال: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده).
فليس المراد بهذا التقصد، بأن يذهب الإنسان ويغبر نفسه ويؤذي نفسه حتى يأتي أشعث أغبر لا، إنما المراد أن الوصف الأعم للناس، أو الغالب للناس أنهم يأتون على هذه الصفة، حتى لو اغتسلت يوم عرفة، ومضيت إلى عرفة فإنك لا تأمن من الشعث بازدحام الناس، وبما يكون من خروج الإنسان للدعاء والمسألة بين يدي الله عز وجل، والله تعالى أعلم.
رفع الصوت بالدعاء في السعي والطواف
السؤال
هل يرفع الحاج والمعتمر الصوتَ بالدعاء في السعي والطواف أم يسر به؟ وما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك؟
الجواب
السنة في الدعاء أن يكون بين العبد وربه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً)، والله أقرب إلى العبد من حبل الوريد، فلا حاجة إلى رفع الصوت بالدعاء، وإشغال الناس والتشويش عليهم، خاصة في الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، والأدهى من ذلك والأمرُّ أن يكون هناك شخص يدعو جهرةً، ثم الذين من ورائه يرفعون أصواتهم، فهذا يؤذي الناس ويشوش عليهم، حتى إن الإنسان لربما لو دخل من أطراف الحرم لسمع صياح هؤلاء وهذا كله ليس من السنة، فإذا كان ولابد فيدعو الرجل أمام الناس والبقية يدعون في سرهم، ولا حاجة أن يرفعوا أصواتهم، فإذا احتيج إلى رفع صوت الداعي بقي من بعده يدعو فيما بينه وبين الله إذا احتيج إلى هذا، أما أن يصيح ووراءه الثلاثون، والأربعون يصيحون يشوشون على المصلي والراكع والساجد، فهذا كله لا شك أن فيه أذيةً للناس، وأذيةُ الناس في هذا الموضع لا شك أنها لا تخلو من إثم، وعلى هذا فإنه لا يسن، ولا يشرع أن يرفع الإنسان صوته على هذه الصفة التي تشوش على الناس وتؤذيهم، إنما يدعو الإنسان فيما بينه وبين الله تعالى، والله عز وجل سميع قريب مجيب، ولا حاجة إلى رفع الصوت بالدعاء.
وقد كان عليه الصلاة والسلام يدعو ربه ويسأله، ولم يحفظ عنه أنه رفع صوته بالمسألة، وهذا -كما يقال- إلا في بعض المواضع المخصوصة، ولذلك لو جئت تتأمل هديه عليه الصلاة والسلام لوجدته على هذا.
وتخصيص بعض الأطواف بأدعية مخصوصة، ويكون دعاؤها جهراً، كل ذلك مما لا أصل له، وقد كان عهده عليه الصلاة والسلام أنه دعا، وأطلق في الدعاء والمسألة، ولم يخص دعاءً معيناً لكل شوط، ولكل سعية بين الصفا والمروة، فكل ذلك مما لا أصل له، ونص الأئمة والعلماء على أنه لا يشرع تخصيص الأطواف والأشواط بأدعية مخصوصة، في الشوط الأول، والشوط الثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسادس، والسابع، كل ذلك مما لا أصل له، وإنما يُقْتَصَر على الدعاء فيما بين العبد وبين ربه.
والسنة: أن يدعو الإنسان، ولا يحتاج إلى أحد من الناس ليدعو له، فإنه من أعظم المصائب أن لا يعرف الإنسان كيف يدعو ربه وكيف يسأله، فالإنسان يسأل الله من خيري الدنيا والآخرة، ولا حاجة أن يدعو أمامه الإنسان، أو يلقنه الدعاء إنسان، فأنت أعلم بحاجتك، وأعلم بشدة فقرك إلى ربك، فاسأله من خير دينك ودنياك وآخرتك، واسأله صلاح دينك، وصلاحاً لأهلك وذريتك، ورحمة لوالديك، ونحو ذلك من الأدعية التي هي من جوامع الدعاء، التي فيها خيري الدنيا والآخرة للعبد.
وأما كونه يدعو وراء إنسان لا يفقه ما يقول، ولا يعلم ماذا يدعو به فلا ينبغي ذلك، حتى إن بعض الناس يسمع الأدعية ويرددها، وهو لا يدري ماذا يقال، والذي ينبغي: أن الإنسان يدعو فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يشرع الدعاء جهرةً، ولا يشوش على الطائفين، ولا على المصلين، خاصة في صلاتهم عند المقام بعد فراغهم من الطواف، ولو رأيت ذلك لوجدته، فإنك إذا فرغت من الطواف، ومر عليك الجمع وهم يدعون ويسألون لا تستطيع أن تخشع، ولا تستطيع أن تعرف كيف تسأل الله عز وجل، وهذا لا شك أن فيه أذيةً للطائفين، ولا ينبغي للمسلم أن يكون سبباً في أذية إخوانه، والله تعالى أعلم.
وصايا ونصائح لطلبة العلم عند الامتحانات
السؤال
كما تعلمون، فإن الامتحانات قد قرب موعدها، فهلا تفضلتم بوصية في ذلك؟
الجواب
نسأل الله أن يعيننا على كل حال في الدنيا والآخرة.
أما الوصية الأولى: فأوصي نفسي وإخواني بتقوى الله عز وجل، ومن اتقى الله تعالى جعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، وأصلح له أمور دينه ودنياه، وانتهت أموره إلى خير، وما خرج الإنسان بشيء أحب إلى الله تعالى، ولا أكرم عليه من تقواه سبحانه؛ لأنها قائمة على أساس الدين وهو إخلاص العمل لله عز وجل، قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:197].
أما الوصية الثانية: فأوصي إخواني طلاب العلم أن ينتبهوا للحقوق والواجبات، ومن أعظم هذه الحقوق أن يكون همهم إرادة وجه الله عز وجل فيما يطلبون من العلم، فإن العلم لا يراد للدنيا، وإنما يراد لوجه الله تعالى، فيخلص الإنسان لوجه الله تعالى، وما يناله من فضل الدنيا يجعله تبعاً لا أساساً.
ومن الحقوق الواجبة: حقوق النفس، فبعض طلاب العلم يسهرون، ويحملون النفس ما لا تطيق، فتجده يسهر إلى ساعات متأخرة من الليل، لربما يفوِّت معها صلاة الفجر، وكذلك أيضاً ربما يصاب بالمرض، أو يضني جِسْمَه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن المْنبَتَّ لا ظهراً أبقى، ولا أرضاً قطع)، فكم من أناس حَمَّلوا أنفسهم ما لا تطيق فخرجت أجسامهم بالأسقام والآلام، ولم يظفروا بما يطلبون، فالذي ينبغي على الإنسان أن يتقي الله تعالى في نفسه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن لنفسك عليك حقاً) فطالب العلم الموفق يجعل وقتاً لنومه، ووقتاً لراحته، ووقتاً لاستجمامه، ووقتاً لمذاكرته ومراجعته، فإذا أعطى النفس حقوقها فإنها بإذن الله تستجيب له، وتعينه على الخير الذي يطلبه.
الأمر الثالث الذي أوصي به: حقوق إخوانك من طلاب العلم، فينبغي ألا تجعل الاختبار وسيلة للتنافس غير المحمود، بل ينبغي عليك أن تكون سمح النفس، منشرح الصدر، تحب لإخوانك مثلما تحب لنفسك، بل تحب لهم أكثر مما تحب لنفسك، فالاختبارات هذه كما أنها امتحان للدنيا هي امتحان للآخرة، فإياك إياك أن تدخل في قلبك كراهية خير لإخوانك، فإن جاءك أخوك يحتاج إلى إعانة، أو يحتاج إلى شرح، أو يحتاج إلى مساعدة، أو سألك عن مسألة، أو تعلم أن هذا شيء مهم يحتاج إلى التنبيه نبهته عليه، كل ذلك حتى تتعود الإيثار، وتتعود مكارم الأخلاق، وتحمل نفسك على محاسنها، وتبتعد عن الأمور التي تغضب الله عز وجل والتي منها الحسد، ومنها كراهية الخير للمسلمين، وكلما كان الإنسان مستجمعاً في نفسه حب الخير للعباد، كلما كان أقرب للفضل في الدنيا والآخرة.
ويدل على ذلك كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن رجلاً مر على غصن شوك بالطريق فقال: والله لأنحين هذا عن طريق المسلمين لا يؤذيهم، فزحزحه فغفر الله له ذنوبه).
إن غصن الشوك إذا جئت تقارنه ببعض الحسنات، قد يكون يسيراً أمامها، لكن الرجل قال: (لأنحينه عن طريق المسلمين لا يؤذيهم)، فكانت حسنته ليست على رجل، ولا على رجلين، ولكن على أمة، فلما كان هدفه وباعثه أنه أشفق على المسلمين؛ لأنه لا يحب الأذية لهم، ولا يحب الإضرار بهم، كان هذا هو سبب المغفرة، إذ رحم المسلمين فرحمه الله، فلما كان في النفس هذا المعنى، وكان في النفس وفي القلب هذا الشعور، كان له من الله عز وجل من رحمته ما لم يخطر له على بال، في رواية: (فزحزحه عن الطريق؛ فزحزحه الله به عن نار جهنم).
فالإنسان كلما كان نقي السريرة، سليم الصدر نال الخير، وأظهر الله عز وجل سلامة صدره في فلتات لسانه، وتصرفاته، وأفعاله، وكلما تعود كراهية الخير للناس، وكراهية الفضل لهم، كلما حرمه الله من الفضل، ولذلك حُرِم الناس -نسأل الله السلامة- كثيراً من الخير بسبب ما في القلوب، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:11].
فإذا وجدت الإنسان حريصاً على حب الخير للناس، حريصاً على نفعهم، سخي النفس، سمح النفس، يبذل ويعطي ويعين، تجده غداً أحرى بإمامة الناس، ودلالتهم على الخير، ونشر الخير بينهم؛ لأنه عود نفسه على ما فيه خير دينه ودنياه وآخرته، فيحرص طالب العلم على أنه يبذل الخير لإخوانه، وأنه يعينهم، وتكون هناك المعاني الإسلامية الكريمة من الإيثار والحب والتصافي والتواد.
وكذلك أيضاً مما يوصى به طلاب العلم في أيام الاختبارات: أن يحافظوا على ذكر الله عز وجل، فإن الله عز وجل جعل تفريج الهم والغم مقروناً بذكره، فقال سبحانه وتعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:28] فوالله لا تزال القلوب في قلق وهم ونكد ونصب وتعب إلا إذا ذكرت ربها، والتجأت إلى الله خالقها، فأثنت عليه بما هو أهله فمجدته وعظمته وذكرته، ومن ذكر الله ذكره، ومن ذكره فلا تخشى عليه الضيعة، ولا تخشى عليه الفوات، وأمره إلى حسن العاقبة، وحسن المآل قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:62] * ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:63]، فأولياء الله الذين هم على طاعته وعلى استقامة على دينه يذكرونه، خاصة في مواطن الشدة، فإن الله يثبت قلوبهم، ويجعل أمورهم إلى خير.
فبعض من طلاب العلم إذا جاءت أيام الاختبارات يقصر في الصلاة، فيتأخر عن الصلاة مع الجماعة، ولا يأتيها إلا عن دبر، وربما إذا فرغ من الصلاة قام على عجالة، فلا يذكر الله تعالى، ولا يحافظ على السنة، وأشد ما تكون الحاجة إلى ذكر الله في مواطن الكرب، فعود نفسك كلما ضاقت عليك أمور الدنيا، وكلما عظمت عليك همومها وغمومها أن تتعود على ذكر الله تعالى، وتجعل صلاتك وذكرك وإنابتك لله عز وجل أكثر وأعظم في حال الشدة والبلاء قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:43]، أي: فهلا إذا جاء البأس، وجاء الخطب كانت الضراعة، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال:45].
فالإنسان يحرص على أن يستديم ذكر الله عز وجل، وأيام الاختبارات ينبغي أن تكون أحرى بالمحافظة على الصلوات، وشهودها مع الجماعة، والمحافظة على ذكر الله عز وجل، والثناء على الله سبحانه وتعالى بما هو أهله، ولا تكون سبباً لما هو خلاف ذلك.
فإذا تعود طالب العلم أنه إذا ضاق عليه الأمر حافظ على صلواته، وحافظ على ذكر ربه؛ لاستقامت له أمور دينه ودنياه وآخرته، والعكس بالعكس: فمن كان قليل الذكر لله تعالى، قليل الالتجاء إلى الله تعالى، يضيع الصلوات، ويتهاون بها في مثل هذه المواقف، فإنه -والعياذ بالله- إذا أصابته نكبات الدنيا تشتت أمره، وضاع حاله -نسأل الله تعالى السلامة والعافية-؛ لأنه حُرِم أساس فلاحه وصلاحه في الدنيا والآخرة وهو ذكر الله تعالى، فينبغي على طلاب العلم أن يحرصوا على هذا.
وأذكر قصةً لأحد الفضلاء من الدعاة إلى الله تعالى، أنه دخل على رجل غني ثري في أمر ما من الأمور، وكانت عنده مصيبة في ماله، وهذا الرجل أوتي من المال شيئاً كثيراً، فقال: دخلت عليه، فلما حضرت الصلاة وهو يراجع معه القضية، وأذن المؤذن لصلاة المغرب قال: قلت له: نريد أن نصلي.
قال: أي صلاة؟ نسأل الله السلامة والعافية، قال: نريد أن نصلي.
وكان رجلاً موفقاً ديِّناً صالحاً -أحسبه كذلك ولا أزكيه على الله تعالى- وهو من الدعاة، فقال للرجل: لا يمكن أن أقول لك كلمة واحدة حتى نصلي، فإذا صلينا يكون خيرٌ، فقال: أي صلاة؟ نريد أولاً أن تحل لنا هذا الأمر، ثم نرجع إلى الصلاة.
فقال له: أبداً، لن يكون شيءٌ حتى تصلي.
قال: والله قام معي وهو لا يعرف كيف يتوضأ -نسأل الله السلامة والعافية- مشغول في دنياه، مشغول في ماله، رجل منغمس في المال من أخمص قدميه إلى شعر رأسه.
قال: فنزل، فإذا به يتعلم كيف يتوضأ، وعمره فوق الخمسين سنة -نسأل الله السلامة والعافية- قال: فعلمته الوضوء، فذكر الله عز وجل، ونزل معي إلى المسجد فصلى، قال: فلما صلينا فإذا بالوجه غير الوجه، وإذا بالنفس غير النفس، قال: والله خرجت خارج المسجد أنتظره يخرج، وإذا بالرجل جالسٌ يذكر الله عز وجل، فعجبت من أمره، قال: انتظرت وانتظرت أن يخرج، حتى إنني استعجلت في أذكاري أنتظره أن يخرج فما خرج، وإذا بالرجل يجلس، حتى مللت.
يقول: فدخلت عليه فقلت: يا فلان! قال: لقد وجدت راحة ما وجدتها في عمري، لا يمكن أن أخرج من المسجد حتى أصلي العشاء.
قال: فيجلس وأجلس معه نذكر الله عز وجل، ونتذاكر ما فيه الخير، ومن كلمة إلى كلمة حتى أذن المؤذن لصلاة العشاء، وأقيمت صلاة العشاء فصلى معي العشاء، ورجع إلى بيته منشرحاً، وقال: غداً تأتيني إن شاء الله بعد العصر.
قال: فلما اتصلت عليه من الغد إذا بزوجته تقول: ماذا فعلتم بفلان؟! قضى الليل كله وهو يصلي، ويذكر الله عز وجل، ويقول: شعرت بسعادة، ويقول: ما عدت أريد حلاً لمشكلتي، فذكر الله عز وجل هو ما كنت أبحث عنه، يقول: شعرت بسعادة ما وجدتها في مالي، ما وجدتها في ثرائي، ما وجدتها فيما أنا فيه.
يقول هذا الداعية: سبحان الله العظيم، مضيت إليه بعد العصر، وإذا بفترة قليلة جلسنا فيها فحلت المشكلة، وانتهى الأمر الذي كان عائقاً له، وهو يحسب له الحسابات التي لا تنتهي، ولكن بذكر الله تعالى حلت مشكلته، ومن كان مع الله تعالى كان الله تعالى معه، ولو جلسنا نتذاكر في مثل هذا فإنه كثير من قليل مما يقع، فإن الله سبحانه وتعالى مع عبده، وإذا ذكر العبد ربه كان الله تعالى معه.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ووجهه الكريم أن يذيقنا حلاوة ذكره، ولذة مناجاته والإنابة إلى وجهه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
شرح زاد المستقنع -
باب صفة الحج والعمرة [1]
ما من عبادة إلا ولها صفة وكيفية، قد تكفل الله سبحانه ببيانها، أو بينها رسوله صلى الله عليه وسلم، والركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج له صفتان: صفة كمال، وصفة إجزاء.
ويشرع للحاج بعد وصوله إلى مكة المبيت بمنى يوم الثامن، وذلك استعداداً للوقوف بعرفة يوم التاسع، فالوقوف بعرفة هو أعظم ركن من أركان الحج، إذ تتوقف عليه صحة الحج من عدمه.
بيان أقسام صفة الحج والعمرة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب صفة الحج والعمرة] صفة الشيء حليته، وما يتميز به عن غيره، وتكون الأوصاف بالشيء حسية وتكون معنوية، وقد تقدم بيان ذلك في تعريف الطهارة.
قوله: (صفة الحج والعمرة) أي: بيان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجه وعمرته، ومن عادة الفقهاء والعلماء رحمهم الله أنهم يبتدئون ببيان صفة العبادة على سبيل العموم، فيذكرون ما يلزم وما لا يلزم، ثم بعد ذلك يبينون ما هو لازم وواجب على المكلف، ولذلك تنقسم الصفات في العبادة إلى قسمين: القسم الأول: يصطلح العلماء على تسميته بصفة الإجزاء.
والقسم الثاني: يسمونه: صفة الكمال.
فإذا بيّن العلماء صفة الحج فإنهم يذكرون صفة الكمال ثم يتبعونها بصفة الإجزاء.
أما المراد بصفة الكمال فهي أن يذكر الهدي الكامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العبادة، وحينئذٍ يكون في هذه الصفة ما هو ركن وما هو واجب وما هو سنة، ثم بعد ذلك يذكرون صفة الإجزاء التي يقتصر فيها على بيان الواجب واللازم.
لماذا يقسمون الصفات إلى هذين القسمين؟ السبب في هذا: أنك إذا قرأت كتاباً في الفقه، أو أردت أن تتعلم الفقه؛ لكي تعمل به وتعلم غيرك، فإنك تحتاج إلى معرفة صفة العبادة من حيث هي، ثم بعد ذلك تعرف ما الذي يعد تركه إثماً وما الذي لا يعد تركه إثماً، فتعرف ما هو لازم وما هو غير لازم، فاللازم يعبرون عنه بالأركان والواجبات، وغير اللازم يعبرون عنه بالصفة العامة، فهو الآن يقول لك: باب صفة الحج، وسيأتيك بعدها: باب أركان الحج وواجباته.
و
السؤال
أليس الأولى أن نبدأ بصفة الإجزاء التي فيها الأركان والواجبات، أم أن الأولى أن نبدأ بصفة الكمال؟
الجواب
أن الأفضل أن تبدأ بصفة الكمال فتذكر صفة العبادة كاملة، ثم بعد ذلك تقول: هذا يجب وهذا لا يجب، أما لو ذكرت صفة الإجزاء أولاً، ثم جئت تذكر صفة الكمال فإنك تحتاج إلى تكرار، ولذلك منهج الفقهاء والعلماء أنهم يذكرون صفة الكمال أولاً ثم صفة الإجزاء بعدها، انظر إلى كتاب الوضوء فهم ذكروا: صفة الوضوء كاملة، ثم بعد أن انتهوا قالوا: والواجب كذا وكذا وكذا.
كذلك في باب الغسل ذكروا: صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم كاملة كما في حديث ميمونة وعائشة رضي الله عنهما، ثم قالوا: والواجب من ذلك النية، وتعميم بدنه بالماء، والمضمضة والاستنشاق.
كذلك أيضاً هنا في الحج يذكرون الصفة الكاملة للحج، فيذكرون ما يفعله الحاج وما يفعله المعتمر، وبعد أن ينتهوا من ذلك كله يقولون: والواجب كذا وكذا وكذا، ويبينون ما هو ركن وما هو واجب ما هو ركن بحيث لو تُرك بطلت العبادة وما هو واجب بحيث لو تُرك لا تبطل العبادة، ولكنه يجبر إذا كان من جنس العبادات التي تجبر فيها الواجبات، أو يحكم ببطلان العبادة في بعض العبادات، كالصلاة إذا تعمد الترك للواجب.
وعلى هذا سيذكر المصنف رحمه الله صفة الحج والعمرة الكاملة، ويبين في هذه الصفة الأفعال والأقوال التي يفعلها الحاج والمعتمر، ونحن بحاجة إلى هذه الصفة الكاملة؛ لأن من أوقع حجه وعمرته على أكمل الصفات وأتمها، مؤتسياً ومقتدياً بالنبي صلى الله عليه وسلم كان أحرى أن يتقبل الله حجه، وأن يتقبل عمرته، وأن يشكر سعيه وما كان من عمله.
صفة ومكان إحرام المتمتع وأهل مكة ووقت ابتدائه
[يسن للمحلين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال منها ويجزئ من بقية الحرم].
أي: (يسن للمحلين الإحرام بالحج من مكة) من عادة العلماء رحمة الله عليهم أنهم إذا ابتدءوا صفة الحج أنهم يذكرون ابتداء النسك، أعني: نسك الحج بالنسبة للمتمتع؛ لأن القارن والمفرد كل منهما باق على إحرامه، ولكن الذي فصل عمرته عن حجه بالتمتع يحتاج إلى بيان ما الذي يلزمه، أما الذي هو حاج وباقٍ على إحرامه مفرداً أو قارناً فلا يزال في نسكه، ولا يزال في إحرامه، ولذلك يبتدئ صفة الحج بذكر متى ومن أين يحرم من كان متمتعاً؟ لأن الحاج على ثلاثة أنواع: إما أن يكون مفرداً، وإما أن يكون قارناً، وإما أن يكون متمتعاً، فأما المفرد والقارن فإنه إذا قدم إلى مكة وطاف وبقي بها إلى يوم عرفة فلا إشكال، أو إلى يوم التروية فلا إشكال، فإنه يمضي إلى منى مباشرة، وهكذا بالنسبة للقارن؛ لأنه لازال كل منهما متلبساً بالنسك، ولكن الإشكال في هذا المتمتع الذي أدى عمرته وبقي بمكة، فإنه محل فكيف يدخل في نسكه؟ فقال: إن السنة أن يحرم من مكة، جاء عن أصاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أحرموا من مكة حينما تحللوا وأرادوا أن يدخلوا في نسك حجهم، فلما كان اليوم الثامن أحرموا بالحج، وللعلماء في هذه المسألة وجهان: قال بعض أهل العلم رحمة الله عليهم: إنه يحرم من أي مكان من مكة.
وقال بعضهم: إنه يحرم من الحرم، أي: من داخل المسجد الحرام.
والصحيح: مذهب جمهور العلماء: أنه يحرم من منزله، أو من أي موضع من داخل مكة قبل أن يصل إلى منى.
ورخص بعض العلماء أن يؤخر إحرامه إلى منى، وفي النفس منه شيء، والذين رخصوا في تأخير الإحرام إلى منى، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أصحابه أن يحرموا قبل الخروج إلى منى.
وهذا لا يخلو من نظر، فإن الأصل يقتضي أن من أراد المضي والذهاب إلى نسك حجه يقتضي أن يكون من موضعه، وبناء على ذلك فإنه إذا ذهب إلى منى فإنه ذاهب وقاصد لحجه، وبين مكة ومنى مسافة، خاصة في القديم فإنه كان هناك مسافة تفصل مكة عن منى، ولذلك أشبه بالرجل الذي يريد الإحرام من موضع من البلد، فإن الأولى والأحرى له أن يحرم من مسكنه الذي نوى منه.
وقال بعض العلماء: البلد كله بمثابة الموضع الواحد.
فعلى هذا القول الثاني في أن البلد كله بمثابة الموضع الواحد، فإنهم يرون أن له أن يؤخر إلى منى.
ولكن الذي تطمئن إليه النفس أن يحرم من نفس مكة لإحرام الصحابة من الأبطح، وهذا هو الأولى والأحرى؛ لما فيه من زيادة العبادة، ولما فيه من الاحتياط لها، وكل منهما مندوب إليه ومطلوب شرعاً.
وقوله: (المحلين) يشمل من كان متمتعاً ويشمل أهل مكة، فأهل مكة إذا أرادوا الحج فإنهم يكونون محلين في داخل مكة، ولذلك يمضون من مكة، فالأفضل لهم أن يحرموا من بيوتهم إعمالاً للأصل كما ذكرنا.
قوله: (يوم التروية قبل الزوال منها) أي: أن السنة والأفضل والأكمل أن يقع إحرامهم قبل الزوال؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فرض الظهر والعصر من اليوم الثامن الذي هو يوم التروية بمنى، وصلى المغرب والعشاء والفجر وهما محسوبان من التاسع، أعني: يوم عرفة، وإن كان بعض العلماء يرى أن عشية عرفة لما بعد.
على العموم فالسنة أن يصلي الخمسة الفروض بمنى، وإذا كانت السنة أن يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر بمنى فالعبرة بوقت هذه العبادة، فلابد وأن يكون فعله للظهر بمنى.
يحرم للنسك قبل الزوال، حتى إذا زالت الشمس ودخل وقت الظهر وهو بمنى، أمكنه أن يصيب السنة فيصلي مع الإمام، وهذا هو الأفضل والأكمل؛ لأنه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وسمي يوم التروية بهذا الاسم؛ لأنهم كانوا يحملون فيه الماء إلى عرفة من أجل ريِّ الحجاج؛ لأن الناس كانوا في القديم كثيرين، وكان الماء قليلاً، فيحتاجون إلى أن يحتاطوا للحجاج بتهيئة الماء قبل يوم عرفة، فاليوم الثامن يهيئون فيه الماء، ويسمى: يوم التروية من أجل هذا، فإذا أحرم يكون إحرامه منها، والضمير في (منها) عائد إلى مكة، فدل على أن السنن منها: زمانية، ومنها: مكانية.
أولاً: يكون الإحرام قبل الزوال على وجه يدرك به صلاة الظهر بمنى.
ثانياً: يكون الإحرام من مكة كما ذكرنا، فيخرج إلى منى وهو حاج؛ حتى يكون أدعى لإصابة السنة، ولما فيه من الاحتياط كما ذكرنا.
قوله: (ويجزئ من بقية الحرم) أي: يجزئ إحرامه من أي موضع من الحرم، وهذا فيه رد على من قال: إنه لا يحرم إلا من المسجد، أي: من مسجد مكة، والصحيح أنه يحرم من أي موضع من الحرم، ولكن يتحرى من بيته؛ لأن نيته أن لا يخرج من بيته إلا وهو محرم؛ لما فيه من الاحتياط.
مشروعية المبيت بمنى في يوم التروية
قال المصنف رحمه الله: [ويبيت بمنى] قوله: (ويبيت بمنى)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم باتوا بمنى، فصلوا الفروض الخمسة التي ذكرنا، وهذه سنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.
قال بعض العلماء: صلاة الظهر يوم التروية للحاج بمنى أفضل من صلاته في المسجد الحرام.
وهذا على القول بأن مضاعفة الصلاة تختص بالمسجد نفسه، فالجمهور خلافاً للشافعية يقولون: إن صلاة الظهر يوم التروية للحاج بمنى أفضل من صلاتها في المسجد الحرام، لماذا؟ قالوا: لأنه اتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إذا صلى الظهر بمنى تأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم، وفي الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم والتأسي به عليه الصلاة والسلام أعظم الأجر والثواب.
السير إلى عرفات بعد طلوع الشمس والدخول إليها بعد الزوال
[فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة] قوله: (فإذا طلعت الشمس) أي: في صبيحة يوم عرفة يذهب إلى عرفة، ولذلك قال أنس رضي الله عنه: (غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنا المهل ومنا المكبر ومنا الملبي، فلم يعب أحد منا على الآخر)، فالسنة: أن يغدو بعد صلاة الفجر من منى إلى عرفات، والسنة: أن يسلك طريق ضب الذي يكون من أسفل الجمرات من عند جمرة العقبة، ثم إذا مضى منه إلى عرفات يأتي طريق المأزمين الذي هو طريق الجبال عن يساره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من منى بعد أن صلى الفجر بمسجد الخيف، ثم لما صلى الفجر مضى عليه الصلاة والسلام وغدا إلى عرفات، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أن يمضي إلى عرفات راكباً، فلما سلك هذا الطريق وهو طريق ضب نزل بنمرة، ونمرة: هو الموضع الذي بين حدود الحرم وبين وادي عُرَنَةَ، فأنت إذا قدمت من جهة منى تريد دخول عرفات، فإنه تقابلك أعلام الحرم التي هي نهاية حدود الحرم، بعد أعلام الحرم يقابلك منبسط من الأرض فسيح يقرب من نصف كيلو، ويتقاصر ويضيق على حسب الوادي، ثم بعد ذلك يقابلك وادي عُرَنَةَ، ثم أرض عرفة.
فكان من هديه عليه الصلاة والسلام أن جاء فضربت له قبة بنمرة، وكانوا لا يشكُّون أنه سيبقى في حدود الحرم؛ لأن قريشاً في الجاهلية كانوا يقولون: نحن أهل الحرم ولا نخرج من الحرم، فكانوا يبقون في داخل حدود مكة، ويتميزون عن الناس، وهذا هو الذي وردت فيه الآية: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:199] فكانوا يقولون: إنهم الحمس وأهل الحرم، وهذا من مختلقات الجاهلية، وهي من مسائل الجاهلية التي خالفوا فيها دين الحنيفية، التي كانت عليها ملة إبراهيم عليه السلام، فنزل عليه الصلاة والسلام بنمرة، ولذلك قال العلماء: السنة أن لا يدخل إلى عرفات إلا بعد الزوال، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمض إلى عرفات مباشرة، وإنما نزل في هذا المنبسط من الأرض وبقي فيه إلى قرب زوال الشمس، فلما زالت الشمس ركب ناقته القصواء صلوات ربي وسلامه عليه، وهذا يستفاد منه: أن الأفضل والأكمل أن ينزل الحاج قبل عرفة إن أمكنه ذلك وتيسر له، خاصة إذا كان من طلاب العلم وأهل العلم، فالأفضل له أن يتحرى هذه السنة، في أن يكون دخوله لعرفات بعد الزوال، فيبقى في هذا الموضع، ولا زال بعض طلاب العلم وبعض المشايخ يتحرون هذه السنة إلى يومنا هذا والحمد لله، فتراهم ينزلون في نمرة حتى إذا زالت الشمس مضوا إلى عرفات، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يفعله، وإذا زالت الشمس مضى إلى المسجد وصلى على الصفة التي سيذكرها المصنف رحمه الله، الشاهد: أنه يمضي بعد صلاة الفجر، ويكون نزوله دون عرفة، ويكون دخوله إلى عرفة بعد الزوال.
حكم الوقوف بعرفة وحدودها
[وكلها موقف إلا بطن عرنة].
قوله: (وكلها موقف) أي: كل عرفة موقف (إلا بطن عرنة) وهو الوادي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ارتفعوا عن بطن عرنة) فكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه لما زالت الشمس مضى على ناقته القصواء، وخطب الناس من بطن الوادي، فخطب الناس بشعائر الإسلام خطبته المشهورة التي أحل فيها الحلال وحرم فيها الحرام، وبيّن فيها شرائع الإسلام، وأوضح الحقوق صلوات الله وسلامه عليه، ودعا إلى أدائها، وحرم المحارم وحذر منها صلوات الله وسلامه عليه، فكان من هديه أنه وقف ببطن عرنة للخطبة، ولذلك قال بعض العلماء: إن بطن عرنة من عرفة، ولكنه ليس بموضع للموقف، ومن هنا قال بعض العلماء: إن الموقف يبتدئ من بعد الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب من بطن الوادي ثم نزل فصلى عليه الصلاة والسلام، ثم مضى إلى الموقف، ولذلك استفادوا من هذا أن السنة على النحو الآتي: أن ينزل دون عرفة -في نمرة- قبل الزوال، فإذا زالت الشمس مضى إلى المسجد وصلى مع الإمام، ثم بعد ذلك يبتدئ موقفه بعد انتهاء الصلاة، وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، فمن كان في بطن الوادي أو كان بنمرة ما بين الوادي وما بين حدود الحرم، فإنه لا يصح حجه إذا لم يدخل إلى حدود عرفة.
مشروعية الجمع يوم عرفة بين الظهر والعصر وحكمته
[ويسن أن يجمع بين الظهر والعصر] قوله: (ويسن أن يجمع بين الظهر والعصر)، وهذا الجمع جمع تقديم؛ والجمع ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: جمع التقديم وضابطه: أن يصلي الثانية في وقت الأولى، سواء كان الظهر مع العصر، أو المغرب مع العشاء، فيصلي العصر في وقت الظهر، فيبدأ بالظهر أولاً ثم العصر ثانياً.
وكذلك المغرب والعشاء، فيصلي العشاء في وقت المغرب، فيبدأ بصلاة المغرب ثم يقيم ويصلي العشاء، فهذا يسمى: جمع تقديم.
القسم الثاني: جمع التأخير وضابطه: أن يصلي الأولى في وقت الثانية، فيؤخر الظهر إلى وقت العصر، ويؤخر المغرب إلى وقت العشاء، ولا يتأتى ذلك منه إلا بالنية، فيكون في خلال وقت الأولى وهي الظهر ووقت الأولى وهي المغرب بالنسبة للعشاءين ناوياً الجمع، فلو كان على سفر ونسي وسها عن صلاة المغرب، ولم ينو الجمع حتى مضى وقت صلاة المغرب، ثم دخل وقت العشاء فتذكر، فحينئذٍ يصلي المغرب أولاً لكن بنية القضاء لا بنية الجمع؛ لأنه قد فاته وقت المغرب وهو لم ينو الجمع.
ولذلك الجمع يكون جمع تقديم وجمع تأخير، وهنا الجمع في يوم عرفة جمع تقديم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم العصر إلى وقت الظهر، وهذا الجمع حكمته كما ذكر العلماء رحمة الله عليهم: التفرغ لما هو أهم وأعظم وهو ذكر الله عز وجل والثناء عليه بتوحيده ومسألته من واسع فضله؛ وذلك لأن هذا الموقف وهو موقف عرفة موقف عظيم، ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحج عرفة وقال: (الحج عرفة)؛ تعظيماً لهذا الموقف، فنظراً لهذا هيئت الأسباب ليفرغ وقته للذكر ويفرغه للعبادة، إلى درجة أن الصلاة التي هي من أعظم الأمور بعد الشهادتين وأجلها قدمت عن وقتها؛ حتى يتفرغ في وقت الثانية لذكر الله عز وجل وسؤاله من فضله.
سنية الوقوف عند جبل الرحمة مستقبل الصخرات راكبا
ً
[ويقف راكباً عند الصخرات وجبل الرحمة].
الشيخ: (ويقف راكباً)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على ناقته القصواء، يقف راكباً وإن وقف بدون دابة فهذا يسمى: وقوفاً اعتبارياً: قال بعض العلماء: إن من السنة أن يكون على دابته، وفي حكم الدابة السيارة الآن، ولا يشكل على هذا أنه في السيارة كالراكب والجالس؛ لأنه على الدابة كالراكب والجالس، ولذلك السنة أن يكون على دابته إذا تيسر له ذلك، وإذا لم يتيسر وأراد أن يقف في خيمته أو في منزله أو داخل المسجد في حدود عرفة، ويحتاط أن لا يقف بمقدمة المسجد فإنه يجزيه، وهذا من باب الكمال لا من باب اللزوم والوجوب، أي: أنه ليس بلازم وليس بواجب، المهم أنه يمضي عليه الوقت ولو لحظة وهو داخل حدود عرفة في وقت الموقف.
فإذا وقف قام عند جبل الرحمة مستقبل الصخرات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مضى إلى الموقف استقبل الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، وتضرع صلوات الله وسلامه عليه من بعد صلاته إلى غروب الشمس، وهذا الموقف ليس بلازم وإنما هو من باب الكمال إن تيسر للإنسان، وأما إذا لم يتيسر ففي أي موضع من عرفة يجزيه أن يقف فيه، وأن يسأل الله عز وجل من فضله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وعرفة كلها موقف)، فأجاز للأمة الوقوف في أي موضع من عرفة، ولكن هنا أمر يفعله بعض الناس وهو صعود الجبل، وصعود الجبل ليس له دليل يدل عليه، حتى قال بعض العلماء: إن تكلف الصعود.
يعتبر بدعة وحدثاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلف ذلك، ولم يتكلفه الصحابة، والغالب أن العامي يفعل ذلك لاعتقاد الفضل ومزية الأجر، ولذلك كان أشبه بالمحدث، والخير كل الخير في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والإقتداء به والتأسي به صلوات الله وسلامه عليه، فلا يشرع الصعود إلى الجبل، خاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولم يفعله أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم.
ويجتهد في الدعاء وسؤال الله عز وجل من فضله، ويقول بعض العلماء: إن المسلم إذا نظر إلى حكم الشرع بتقديم العبادة عن وقتها من أجل التفرغ للدعاء والمسألة؛ دعاه ذلك إلى أن يحفظ هذا الوقت، وأن يحفظ هذه الساعات فيجتهد في سؤال الله عز وجل من فضله العظيم، ولذلك كره بعض العلماء أن ينام؛ لأن النوم يدل على الاستخفاف بعظمة هذا الموقف، خاصة إذا كانت نفسه قوية وعنده القدرة على أن يصبر إلى الغروب، ولا شك أنه قد فاته خير كثير، فالذي ينام مع قدرته على المواصلة إلى المغرب لا شك أن فيه غفلة، وهذا من ضعف الإيمان -نسأل الله السلامة والعافية- أن يأتي إلى هذا الموضع الذي تقطعت قلوب المسلمين حرقة أن يبلغوه، وهلكت الأنفس من أجل بلوغه والتمتع به، وإذا به يضع رأسه لكي يستريح وينام، ولا شك أن كل ذلك يدل على غفلته وموت قلبه نسأل الله السلامة والعافية! بل قال بعض العلماء: الأدهى من ذلك والأمر أن يضيع وقته في فضول الأحاديث، أو فيما حرم الله من الغيبة والنميمة.
فينبغي على طالب العلم وعلى من كان قدوة كالعلماء ونحوهم، أنهم إذا فرغوا من الصلاة أن يروا الناس الاجتهاد في الدعاء، والإلحاح في المسألة والضراعة مع البكاء والخشوع، وسؤال الله عز وجل والثناء عليه سبحانه بما هو أهله، فهذا من شكر نعمة الله عز وجل على العبد، فالذي بلغ الإنسان لهذا المبلغ لا شك أنه يريد به الخير، ولو لم يرد الله بك خيراً لم يبلغك إلى هذا المكان، ولم يبلغك إلى هذا الموضع، فلذلك كان من الحري بالمسلم أن يشكر نعمة الله عليه؛ فيجتهد في سؤال الله والتضرع لله سبحانه وتعالى، وأفضل ما دعي به سبحانه وأثني عليه هو توحيده والإكثار من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله).
فالمقصود: أن النبي صلى الله عليه وسلم نبه بهذا الحديث على أن الأفضل أن يثني على الله بتوحيده، الذي من أجله شرع الله عز وجل هذا الركن العظيم، فأفضل ما يثنى به على الله أن يوحد ويهلل ويكبر سبحانه، فيشتغل المسلم بالدعاء إلى غروب الشمس، ويجتهد في المسألة وسؤال الله عز وجل من خيري الدنيا والآخرة.
استغلال يوم عرفة بكثرة الدعاء وتخير جوامع الدعاء
[ويكثر من الدعاء بما ورد] قوله: (ويكثر من الدعاء بما ورد) المراد هنا (بما ورد) يحتمل أمرين: إما بما ورد من دعائه يوم عرفة في حديث الطبراني وغيره، ولا تخلو هذه الأحاديث من كلام ومن ضعف.
وإما أن يدعو بما ورد، يعني: يتخير في دعائه جوامع أدعية النبي صلى الله عليه وسلم، والتي منها: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمت أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر) ونحو ذلك من الأدعية، وكذلك يدعو بما ورد من توحيد الله عز وجل، أعني: التهليل كما ذكرنا، فالأفضل أن الداعي إذا دعا يدعو بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إذا دعا بالدعاء الوارد كان له أجر الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر بعض العلماء: أن من آداب الدعاء تخيّر جوامعه، وإذا تخيّر جوامع الدعاء متأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك أقرب لأن تجاب دعوته، وتجاب مسألته، فهو أحرى بالقبول من الله عز وجل؛ لأن التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم والاتباع لسنته فيه خير وبركة، وجعل الله اتباع رسوله صلوات الله وسلامه عليه سبيل هدى وطريق رحمة، فقال سبحانه: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:158]، قال بعض العلماء: ما تحرى أحد سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان هادياً مهدياً، أي: جعله الله مهتدياً في نفسه هادياً لغيره، ولذلك تجد طلاب العلم وأهل العلم الذين يتمسكون بالسنة ويحرصون عليها، تجدهم هداة مهتدين، وتجد ما يضع الله لهم من البركة والنفع عند المسلمين خيراً كثيراً، فلذلك يحرص الإنسان على أن يدعو بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما فيه من رجاء القبول، ولما فيه من الاهتداء والرحمة والخير الذي جعله الله عز وجل لمن تأسى واقتدى به صلوات الله وسلامه عليه.
مدة الوقوف بعرفات وابتداؤه وانتهاؤه
[ومن وقف ولو لحظة من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر].
قوله: (ومن وقف ولو لحظة من فجر يوم عرفة)، هنا مسألتان: المسألة الأولى: ما هو أقل الواجب في الوقوف؟ والمسألة الثانية: ابتداء الوقوف، متى يبتدئ الوقوف ومتى ينتهي؟ هاتان المسألتان متعلقتان بركن الوقوف بعرفة.
المسألة الأولى: ذكر المصنف رحمه الله المضي من منى إلى عرفات، وبعد أن بيّن لك هدي النبي صلى الله عليه وسلم والصفة الكاملة في الوقوف، ف
السؤال
ما هو المعتبر للوقوف بعرفة؟ فقال رحمه الله: (ومن وقف ولو لحظة)، أي: فمن دخل إلى حدود عرفة ولو ماراً بها ولو مر بجزءٍ منها مروراً، وهذا هو المعبر عنه بلحظة، فإنه يعتبر واقفاً إذا كان في الوقت المعتبر والمحدد شرعاً، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (من صلى صلاتنا هذه، ووقف موقفنا هذا، وكان قد أتى عرفات أي ساعة من ليل أو نهار) فقوله: (أي ساعة) أي: لحظة؛ لأن العرب تطلق الساعة على اللحظة كقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ [يونس:45] فالمراد به اللحظة اليسيرة، ومن هذا الحديث أخذ العلماء دليلاً على أن الوقوف بعرفة يجزئ ولو لحظة، إذا وقع في الوقت المعتبر، لكن لهذا الحكم ضوابط سيأتي إن شاء الله بيانها.
المسألة الثانية: متى يبتدئ الوقوف بعرفة؟ وهذه مسألة فيها إشكال، فأنت إذا جئت تنظر إلى يوم عرفة ممكن أن تقول: من طلوع فجر يوم عرفة على أن النهار يبدأ من طلوع الفجر إلى طلوع فجر يوم النحر هذا ابتداء وانتهاء.
من ناحية الانتهاء لا إشكال في أنه ينتهي بطلوع فجر يوم النحر، لكن الابتداء قال بعضهم: من طلوع الفجر، وقال بعضهم: من طلوع الشمس، وقال بعضهم: من زوال الشمس، وهذا القول الأخير من القوة بمكان، وفائدة الخلاف: أنه إذا وقف قبل الزوال ومضى إلى مزدلفة، أو وقف قبل الزوال ثم أغمي عليه، أو أصابه عذر وخرج من عرفة حتى فات زمان التدارك، فإنه على القول بأنه يبتدئ الوقوف من الزوال لم يصح حجه ويتحلل بعمرة؛ لأن الوقت المعتبر والحد المعتبر شرعاً يبتدئ من زوال الشمس، فإذا وقف قبل الزوال أشبه كما لو وقف قبل يوم عرفة، فلا يجزيه أن يقف قبل زوال الشمس، وهذا القول إذا نظرنا إلى ظاهر السنة في فعله عليه الصلاة والسلام، أنه لم يدخل عرفة إلا بعد الزوال فإنه يقوى، لكن من قال: بأنه يبتدئ من طلوع الشمس يقويه قوله عليه الصلاة والسلام من حديث عروة بن مضرس: (وكان قد أتى عرفات أي ساعة من ليل أو نهار) فإن ساعات النهار تبتدئ من طلوع الشمس، فحينئذٍ تستطيع القول: بأن السنة من الزوال، وما قبل الزوال دخل بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (من نهار) فإن نهاراً نكرة، والنهار يبتدئ من طلوع الشمس، فإن قيل: بأن النهار يبتدئ من طلوع الفجر، وهذا قول اختاره بعض العلماء.
تقول: لو وقف من بعد طلوع الفجر من يوم عرفة ولو لحظة أجزأه وصح حجه.
قوله: (من وقف) المراد أن يكون في الموضع المعتبر للوقوف، حتى ولو كان محمولاً، فلو حمل أو كان في سيارة فإنه يصدق عليه أنه واقف بعرفة، فليس المراد من الوقوف وقوف الصفة، يعني: أن يستتم قائماً، فإنه بالإجماع لو كان محمولاً كالمشلول ونحو ذلك فإنه يجزيه.
قوله: (من فجر يوم عرفة) هذا مبني على ما قلناه: إن الليل ينتهي بطلوع الفجر، قالوا: فالنهار يبتدئ من طلوع الفجر.
هناك قول ثانٍ: إنه يبتدئ من طلوع الشمس كما ذكرنا على أن النهار أصلاً تكون بدايته من طلوع الشمس، وهذا في الحقيقة أقوى.
وهناك فوائد تترتب على هذا، منها: مسألة تقسيم الليل، متى تحدد نصف الليل وثلث الليل في قيام الليل، ففي قيام الليل تحسب إلى طلوع الفجر حتى تحسب الثلث الأخير، أما نصف الليل ووقت انتهاء نصف الليل يكون الحساب من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق.
وهناك قول آخر: وهو أن يحسب من غروب الشمس إلى طلوع الشمس، وهذا قول مرجوح، ونبه شيخ الإسلام رحمه الله في المجموع إلى رجحان الأول.
قوله: (إلى فجر يوم النحر)، أي: إذا طلع فجر يوم النحر فإنه بالإجماع لا يصح وقوفه، إذا طلع الفجر الصادق، وعرفنا الآن أنه يبتدئ الوقوف إما بطلوع الفجر الصادق، وإما بطلوع الشمس، وإما بالزوال، فمن ناحية الجواز مثل ما ذكرنا في هذه الحدود الثلاثة والأقوال الثلاثة، من حيث السنة: يبتدئ الوقوف من الزوال، أي: من بعد صلاة الظهر والعصر، وأن يحضر وينصت للخطبة فإنه يبتدئ وقوفه بعد ذلك، وهو السنة والأفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف إلى عرفات بعد صلاته وخطبته، فمن ناحية السنة الموقف يكون من بعد الزوال ومن بعد الصلاة، لكن عندما يقف بعد الزوال فمتى يدفع؟ هل يدفع بغروب الشمس، أو يدفع قبل الغروب؟
الجواب
أنه لا يدفع إلا بعد غروب الشمس، وهذا بإجماع العلماء، على أن الواجب عليه أن يبقى إلى غروب الشمس، وعليه فإن وقوف النهار يتقيد بغروب الشمس بخلاف وقوف الليل، فمن وقف نهاراً فإنه لا يستتم موقفه على الوجه المعتبر إلا إذا غربت عليه الشمس وهو بعرفة، فإذا كان الوقوف نهاراً فلابد وأن يمسك جزءاً من الليل، وسنبين السبب في ذلك ودليله من حديث جابر رضي الله عنه.
أما لو وقف ليلاً فيجزيه أي لحظة، فقوله هنا: ولو لحظة ليس على إطلاقه، إنما المراد به هنا بيان الركن، فالوقوف الذي يتحقق به ركن الحج يبتدئ من هذا الزمان وينتهي بهذا الزمان، هذا قصد الركنية، أما من جهة الوقوف الواجب واللازم الذي ينبغي عليه أن يتقيد به، وإذا ضيعه لزمه الدم وجبره فسيبينه رحمه الله.
شروط أهلية صحة الوقوف بعرفات
[وهو أهل له صح حجه وإلا فلا].
قوله: (وهو أهل له) يشترط في وقوف الركن هذا أن يكون أهلاً، وللأهلية شروط: الأول: أن يكون مسلماً فلا يكون كافراً، ولو أن كافراً مثلاً كان بأرض عرفة قبل الزوال وأسلم بعد الزوال أو أسلم بعد غروب الشمس وقبل طلوع الفجر ولو بلحظة واحدة، وكان قد نوى حجاً فإنه يجزيه ويصح منه، إذاً لابد أن تكون الأهلية متوفرة وموجودة، فلو كان كافراً لم يصح وقوفه، فلو أسلم قبل طلوع الفجر كان واقفاً، كأن يكون رقيقاً يخدم سيده وهو كافر فحج مع سيده.
أما لو مضى إلى عرفات -هو لا يدخل مكة على القول بأن الكافر لا يدخل مكة- مع سيده فبقي بعرفة يخدمه ويقوم على حاله، ثم طلع الفجر فأسلم، فبطلوع الفجر لا يجزيه وقوفه ولا يعتد بوقوفه؛ لأنه وقف وهو ليس بأهل.
الشرط الثاني: أن يكون عاقلاً، فلو كان مجنوناً فإنه لا يصح وقوفه، أو كان سكراناً وهو خلاف شرط العقل؛ لأن العقل يزول إما بالجنون أو بالسكر أو بالإغماء؛ لأنه في حكم زائل العقل، ففي هذه الأحوال الثلاثة لو كان مجنوناً ودخل إلى حدود عرفة فإنه لا يجزيه، وهكذا لو كان مغمىً عليه فحمل إلى حدود عرفة في وقت الإجزاء ثم إنه لم يفق إلا بعد انتهاء الوقت لم يجزه ذلك الوقوف، وهكذا لو كان سكراناً -والعياذ بالله- فإنه لا يجزيه الوقوف إلا إذا كان مسلماً عاقلاً، وهو أهل للوقوف.
الشرط الثالث: أن يكون داخلاً في النسك وهو الإحرام، فلو وقف وهو حلال، ثم نوى الإحرام بالحج بعد انتهاء وقت الوقوف لم يجزه، كما لو حج بعد الوقت.
حكم من وقف نهاراً بعرفة ثم خرج منها قبل الغروب ولم يعد
[ومن وقف نهاراً ودفع قبل الغروب ولم يعد قبله فعليه دم] هذه صفة قدر الواجب، فبعد أن بيّن الصفة المعتبرة لتحقق ركن الوقوف شرع الآن فيما يجب: فقال رحمه الله: (ومن وقف نهاراً ودفع قبل الغروب).
هذا شرط الوقوف النهاري الذي يجب على المكلف إذا وقف نهاراً أن يمسك جزءاً من الليل، فيقف إلى غروب الشمس، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر: (أنه عليه الصلاة والسلام اجتهد في الدعاء وسأل الله من فضله حتى غابت الشمس وذهبت الصفرة)، فهناك أمران: الأمر الأول: الغروب، والأمر الثاني: ذهاب الصفرة، وذهاب الصفرة يأخذ ما لا يقل عن ثلاث دقائق وهي صفرة الشمس بعد مغيبها، يعني: يبقى بعد الغروب بهذا القدر، حتى قال بعض العلماء: إنه يعتبر داخلاً في الحد الواجب؛ لأن جابراً رضي الله عنه قال: (وذهبت الصفرة) أي: ذهبت صفرة الشمس بعد غروبها، بل كان بعض العلماء يرى أن صلاة المغرب لا تصح إلا بعد ذهاب هذه الصفرة، وإن كان الصحيح أنه لا يشترط؛ لأن حديث جابر رضي الله عنه في الصحيحين: (والمغرب إذا وجبت) وقد بيّنا هذا في مواقيت الصلاة.
فذهاب الصفرة هو السنة في الدفع من عرفات، والهدي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقف حتى غابت الشمس وذهبت الصفرة.
لو سألك سائل وقال: كيف أوجبت عليَّ أن أقف إلى غروب الشمس مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وكان قد أتى عرفات أي ساعة من ليل أو نهار)، هذا قد وقف بعرفات ساعة من نهار وصدق عليه الحديث، تقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن قوله: (أي ساعة من ليل أو نهار) بفعله حيث وقف حتى دخل عليه الليل، فصار حداً لازماً واجباً على الحاج إذا وقف بعرفة نهاراً أن يظل بعرفة حتى تغيب الشمس وتذهب الصفرة، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (خذوا عني مناسككم)، قالوا: فدل فعله عليه الصلاة والسلام على وجوب إمساك جزء من الليل، فإذا أمسك الجزء من الليل حينئذٍ صح وقوف النهار، فلو وقف بعرفات نهاراً ثم دفع قبل غروب الشمس فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يمضي ولا يعود فعليه دم؛ لفوات الواجب عليه من إمساك جزء من الليل، وظاهر حديث جابر رضي الله عنه ووقوفه عليه الصلاة والسلام يدل على وجوب الدم عليه؛ لأن هذا الموقف كما ذكرنا على هذه الصفة وقع بياناً لواجب، وبيان الواجب واجب.
الحالة الثانية: أن يرجع قبل الفجر ولو بلحظة، مثلاً: ثم أتى عرفات الساعة الثانية ظهراً ووقف ثم دفع قبل أن تغرب الشمس فَنُبِّهَ فرجع، فإن كان قد رجع فلا يخلو رجوعه من حالتين: الحالة الأولى: إما أن يرجع قبل أن تغرب الشمس، فإن رجع قبل غروب الشمس وبقي إلى أن غابت الشمس فلا إشكال، وسقط عنه الدم وهو قول جماهير العلماء.
الحالة الثانية: أن يرجع بعد غروب الشمس، فإذا رجع بعد غروب الشمس فبعض العلماء يقول: يسقط عنه الدم الواجب؛ لأن رجوعه إلغاء للموقف الأول في النهار، وقال بعض العلماء: قد وقع إخلاله ولم يمكنه التدارك بمغيب الشمس.
وهذا القول من جهة الأصول توضيحه: أنه لما وقف نهاراً تعيّن عليه إمساك جزءٍ من الليل، فإن رجع في النهار فقد ألغى موقفه الأول بالرجوع قبل غروب الشمس، وصارت العبرة بالموقف الثاني لا بالأول، فصح وأجزأه أن يقف إلى غروب الشمس، أما لو رجع بعد غروب الشمس، فإنه لم يتدارك ما يجب عليه في الأول، وإنما تدارك الوقوف؛ لأن الوقوف يقع في الليل ويقع في النهار فقالوا: حينئذٍ يلزمه دم، فهذه الحالة الثانية أشبه بالصحة وأقوى؛ وذلك لأن الإخلال قد وقع بمجرد المغيب، أما لو رجع قبل غروب الشمس فقد صار رجوعه ملغياً للموقف الأول واعتد بالموقف الثاني لا بالأول؛ لأن الزمان الذي فيه الوجوب قد وقع على الصفة المعتبرة.
عدم لزوم الدم لمن وقف ليلاً بعرفة ولو للحظة
[ومن وقف ليلاً فقط فلا] قوله: (ومن وقف ليلاً فلا) أي: لا يلزمه دم؛ لأنه يجزيه حتى ولو وقف لحظة؛ لأن وقوف الليل لا يتقيد.
ما يفعله الحاج بعد غروب شمس يوم عرفة
[ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة بسكينة ويسرع في الفجوة ويجمع بها بين العشاءين] قوله: (ثم يدفع بعد غروب الشمس إلى مزدلفة)، قيل: سميت مزدلفة: من الازدلاف وهو التقرب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء:90]، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها موضع قربة وطاعة لله سبحانه وتعالى، وقيل: سميت بذلك؛ لأن الناس يأتونها زلفاً من الليل، وتسمى: المشعر الحرام، فبعد انتهاء موقفه بعرفة السنة أن يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة بسكينة ووقار.
العمل الأول: الدفع من عرفة إلى مزدلفة
وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه إذا غابت عليه الشمس يوم عرفة دفع إلى مزدلفة وأخر صلاة المغرب إلى مزدلفة، وكان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص، أي: كان يسير سيراً خفيفاً فإذا وجد فرجة أرسل لناقته وأسرعت على قدر ما يجد من سعة، وكان يقول: (أيها الناس! السكينة السكينة) دفع صلوات الله وسلامه عليه حتى بلغ الشعب -وهو الشعب الذي دون المشعر- فدخل فيه وبال عليه الصلاة والسلام، ثم توضأ وضوءاً خفيفاً، والسنة: أن يكون مسيره من طريق المأزمين، وطريق المأزمين: هو الطريق الذي بين الجبلين حينما تخرج من عرفات، ويكون المسجد وراء ظهرك وتذهب إلى جهة مزدلفة.
وهناك طريقان: الطريق الذي ينصب من بين الجبال، والطريق الآخر -الأيسر- هو طريق ضب الذي يقبل به من منى، وهو مقدمه عليه الصلاة والسلام.
فطريق المأزمين هو الذي بين الجبلين، وهو مشهور وباقٍ إلى الآن، وهو طريق المشاة الآن، وفيه طريق للسيارات، لكن السيارات تتيامن فيه، وطريق المشاة الذي ينصب إلى داخل مزدلفة يسمى طريق المأزمين، وكلها من السنة، فحتى لو مضى من طريق السيارات الأيمن فإنه يصيب السنة؛ لأنه جزء من طريق المأزمين.
العمل الثاني: الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة
فلما دفع عليه الصلاة والسلام إلى مزدلفة ولما قال له أسامة: (الصلاة يا رسول الله! قال: الصلاة أمامك) أخذ بعض العلماء من هذا دليلاً: أن السنة أن يؤخر صلاة المغرب ولا يصليها إلا بمزدلفة، حتى قال بعض العلماء: حتى ولو وصل إلى مزدلفة قرب الفجر، يعني: في أوقات الضرورة فإنه يؤخر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصلاة أمامك)، وهذا مذهب الحنفية، وكان بعض العلماء يشير به إلى تمسك الإمام أبي حنيفة بالسنة، ولذلك قالوا: إن الإمام أبا حنيفة رحمة الله عليه كان يجتهد كثيراً لقلة الأحاديث عنده، وكان يخاف الوضع على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان في المشرق، والأحاديث هناك قليلة، ولذلك قال الإمام الشافعي لصاحب أبي حنيفة محمد بن الحسن: أناشدك الله أصاحبنا أعلم بالسنة، أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم.
فكانت السنة قليلة عنده رحمة الله عليه فكان يجتهد كثيراً.
ولذلك لما جاء هذا الحديث وقال فيه أسامة: (الصلاة يا رسول الله! قال النبي صلى الله عليه وسلم: الصلاة أمامك) قال الإمام أبو حنيفة: لا تصلى إلا بالمزدلفة، وهذا يدل على أن الأئمة رحمة الله عليهم الظن بهم أنهم لا يتركون سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه تزكية لهذا الإمام الجليل رحمة الله عليه، وأن ما كان منه من اجتهادات إنما كان سببها عدم بلوغه النص، فالواجب على من تبعه ورأى اجتهاده يعارض النص أن يعدل إلى النص؛ لأن هذا من متابعته رحمة الله عليه.
فقوله عليه الصلاة والسلام: (الصلاة أمامك) قال العلماء: إنه يؤخر المغرب حتى ولو وصل في وقت العشاء، ولكن لو وصل إليها مبكراً -كما هو الحال الآن- في وقت المغرب، فإنه يجمع جمع تقديم، والمسافة بين المزدلفة وبين عرفات طويلة وتأخذ وقتاً، والغالب أنه لا يصل إلى بعد دخول وقت العشاء، ولذلك قالوا: إن السنة أن يجمع سواء كان جمعه جمع تقديم أو جمع تأخير.
قوله: (بسكينة) أي: بهدوء، وهي مأخوذة من سكن الشيء إذا استقر.
قوله: (ويجمع بها بين العشاءين) هذا من باب التغليب كالقمرين والعمرين من باب التغليب، وكما ذكرنا إما أن يجمع جمع تقديم أو جمع تأخير.
العمل الثالث: المبيت بمزدلفة
[ويبيت بها].
قوله: (ويبيت بها) أي: فيها، فالباء للظرفية؛ لأن الباء لها أكثر من عشرة معان، منها: الظرفية.
تعدّ لصوقاً واستعن بتسببٍ وبدل صحاباً قابلوك بالاستعلا وزد بعضهم يميناً تحز معانيها كلها فمن معانيها الظرفية: (يبيت بها) أي: داخل حدود مزدلفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها، والسنة أنه يبادر بالمبيت ولا يشتغل بشيء آخر؛ حتى يستطيع الاستيقاظ للفجر في أول وقته، وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها، ووقع فعله بياناً للمجمل، ولذلك فإن مذهب جماهير العلماء أن المبيت بمزدلفة يعتبر من واجبات الحج، حتى قال بعض العلماء: إنه ركن من أركان الحج، وإن كان الصحيح أنه واجب من الواجبات.
وقوله: (ويبيت بها) كما قلنا، أي: في حدود مزدلفة؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات فيها، سواء كان بجوار المشعر أو بعيداً عن المشعر، ما دام أنه داخل حدود مزدلفة.
والبيتوتة هنا مطلقة، يعني: لو أن إنساناً بقي بمزدلفة ولم ينم فإنه يعتبر قد بات بمزدلفة؛ لأن البيتوتة تتحقق حتى ولو لم ينم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:64] فأخبر سبحانه وتعالى أنهم يبيتون مع أنهم قائمون الليل، فالمقصود: أن البيتوتة تتحقق حتى لو جلس في مزدلفة ولم ينم، ولكن السنة والأفضل أن ينام، قال العلماء: إنه إذا نام استيقظ مبكراً وهو قوي النفس مستجم الروح، فيكون أحضر لقلبه إذا دعا بالمشعر الحرام، وأخشع عند سؤاله لله عز وجل، وذلك من أسباب الإجابة.
الأسئلة
حكم التلبية يوم عرفة
السؤال
إذا تفرغ وانشغل يوم عرفة بما ورد من الدعاء، هل معنى ذلك أن يكف عن التلبية أثابكم الله؟
الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالسنة المحفوظة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء، فيدعو الله عز وجل ويسأله من فضله، وليس هناك ما يدل على ذكر التلبية أو نفيها، إن قيل: يلبي أثناء دعائه فله وجه من جهة الاستصحاب، هذا يسمى: استصحاب الأصل.
وقول جماهير العلماء: على أن عرفة موضع للتلبية، خلافاً للمالكية وطائفة من فقهاء المدينة، حيث قالوا: إن التلبية تنقطع بالمضي إلى الصلاة في يوم عرفة؛ لأن الحج عرفة، فإذا كان يلبي من أجل الحج فإنه ينتهي بمضيه إلى عرفة، وهذا قول مرجوح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه لبى بعد عرفة، وعلى هذا فلو قال قائل: بأنه يلبي أثناء دعائه، فهذا من باب استصحاب الأصل، ولو قال قائل: يشتغل بالدعاء، فهذا هو الأصل في الأدعية أنه يشتغل فيها بدعاء الله عز وجل وسؤاله من فضله.
والله تعالى أعلم.
معنى قوله عليه الصلاة والسلام (خذوا عني مناسككم)
السؤال
كيف نفرق بين المسنونات والواجبات في حجة النبي صلى الله عليه وسلم، علماً بأن الكل مندرج تحت قوله عليه السلام: (خذوا عني مناسككم)، وضحوا ذلك أثابكم الله؟
الجواب
المنسك يكون بالأفعال التي فعلها عليه الصلاة والسلام، هذا في الأصل، ولذلك سميت: المناسك يقال: عرفة ومنى والصفا والمروة، هذه من مناسك الحج، تطلق المناسك على الأماكن، قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج:67]، وتطلق على الأفعال ومنها: الذبح، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام:162].
وقوله عليه الصلاة والسلام: (خذوا عني مناسككم) وقع هذا على سبيل العموم، فهو يشمل الأقوال والأفعال من حيث الأصل، لكن المعتبر عند الجمهور رحمة الله عليهم، فيما ذكروه من الأركان والواجبات، إنما هو في الأفعال وهي الغالبة، فقد وقع منه عليه الصلاة والسلام بيان لما أجمل القرآن في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:97] من جهة الأفعال، وأما بالنسبة للأقوال: فتأتي أدلة تخصص أو تدل على أن هذا القول سنة وليس بواجب ولا لازم، أما كيفية التفريق فهذا يرجع إلى ضوابط قررها العلماء في علم الأصول، سنذكرها إن شاء الله في باب أركان الحج وواجباته، ما هو الركن؟ وما هو الواجب؟ وما هو السنة؟ ونبين لماذا صرفنا هذا الفعل من كونه لازماً إلى كونه مسنوناً، ودليل الصرف؟ وهذا إن شاء الله سيأتي بيانه في موضعه.
والله تعالى أعلم.
وأظن السائل فيما يظهر لي والله أعلم أن مراده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خذوا عني مناسككم)، هذا أمر يدل على أن جميع ما فعله في الأصل واجب ولازم، فلماذا نقول: إن فِعْلُه هذا في الحج سنة، مع أنه عليه الصلاة والسلام قال: (خذوا عني مناسككم)؟! والواقع أن العلماء رحمة الله عليهم بينوا هذا، وأظن أن هذا هو الإشكال عنده فيما يظهر، وهو إشكال وارد من هذا الوجه، يعني: حينما تنظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (خذوا عني مناسككم) هذا أمر يدل على أن جميع ما فعله وما وقع منه عليه الصلاة والسلام يعتبر واجباً، لكن العلماء رحمة الله عليهم قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قصد بالمنسك: أداء الشعيرة؛ والسبب في ذلك: أن الحنيفية بدلها المشركون من أهل مكة وغيرهم في الجاهلية، فزادوا ونقصوا وحرفوا وأحدثوا وابتدعوا، فجاء فعله عليه الصلاة والسلام لبيان أصول الدين في العبادة ذاتها، وبيان ما أمر الله عز وجل ببيانه من توحيده سبحانه، وحدود وضوابط العبادة التي هي الحج، فقوله عليه الصلاة والسلام: (خذوا عني مناسككم) المراد به بيان الهدي، بغضِّ النظر عن كونه في الأصل واجباً أو غير واجب، لكن العلماء يستأنسون بقوله: (خذوا عني مناسككم) على الوجوب؛ لأن الحديث يقول: (خذوا عني) ولم يقل: افعلوا فعلي، وفرق بين: (خذوا عني)، وبين قوله: افعلوا ما فعلت؛ لأن خذوا عني المراد به التعلم، والتعلم يشمل ما هو واجب وما ليس بواجب، فوقع بياناً للحنيفية وليس المراد به تعين الفعل منه عليه الصلاة والسلام، وأظن الأمر واضحاً؛ لأن اللفظ: (خذوا عني مناسككم) يدل على التعلم والتلقي، ولذلك قال: (فإني لا أدري لعلِّي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، فكأن المراد به جهة التعلم للشعائر، وهذا أعم من أن يكون دليلاً على الأركان، أو دليلاً على الواجب، أو دليلاً على اللزوم، يشكل على هذا لو قلنا: إن المراد به التعليم، كيف يحتج العلماء به على سنته وهديه في الحج؟ نقول: نعم؛ لأنه لما ذكر هذا الشيء بقوله: (خذوا عني مناسككم) تنبيهاً على مشروعية هذا الفعل وإقراره للحنيفية وما فيه من الهدي، وليس المراد به مسألة الإلزام وكونه ركناً أو كونه واجباً، بل هو أعم من ذلك، وعلى هذا الذي يظهر أنه لا إشكال في الحديث.
وخلاصة الجواب أن يقال: إن لفظ الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام: (خذوا عني مناسككم) لا يساعد على تعيّن أو وجوب أو لزوم كل ما كان في حجة الوداع، بل إن الإجماع منعقد على أنه ليس كل ما وقع في حجة الوادع واجباً، إذاً لو قلت بذلك للزم كل من حج أن تكون أفعاله وأقواله كاملة مثلما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، بحيث لو وقف على الصفا ولم يدع بطل وقوفه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على الصفا، وحتى لو وقف ودعا ولم يدع مثل دعائه الوارد المتقيد لم يصح أيضاً؛ لأنك ترى أنه لازم كالركن وكالواجب، ولا يقول أحد بهذا، وحينئذٍ يكون قد حمل الحديث في المعنى ما لا يحتمل وفوق ما يدل عليه، ولا شك أن المراد به الأخذ بمعنى التلقي عنه عليه الصلاة والسلام، وقد علل هذا بقوله: (فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) أي: تعلموا هديي وسنتي، التي هي أعم من كون هذا الشي واجباً أو ليس بواجب، وليس المراد به الإلزام والدلالة على الركنية والوجوب كما لا يخفى.
جواز الإحرام بالحج قبل يوم التروية
السؤال
هل يجوز الإحرام بالحج قبل يوم التروية مثل اليوم السادس أو السابع، أثابكم الله؟
الجواب
لا بأس ولا حرج في ذلك، ولكن السنة والأكمل أن يحرم يوم التروية إذا كان متمتعاً.
أما بالنسبة لأهل مكة فالجمهور: على أنه يجوز لهم أن يؤخروا الإحرام إلى يوم التروية، ويجوز لهم إلى يوم عرفة، قال عمر رضي الله عنه بإلزام أهل مكة بأن يحرموا لهلال عشر من ذي الحجة، وهذا من فقه الفاروق رضي الله عنه وأرضاه؛ والسبب في هذا: أنه قال -كما روى مالك في الموطأ-: مالي أرى الناس يأتون شعثاً غبراً وتأتون مدهنين.
يعني: أن الناس الآفاقيين يأتون إلى عرفة وهم متغيّرة ألوانهم ومصفرة، وهم في شعث وغبرة؛ بسبب طول العهد بالإحرام، وأهل مكة يكون إحرامهم يوم التروية، فيأتون مدهنين ومختلفين عن الناس، فيقول: مالي أرى الناس يأتون شعثاً غبراً وتأتون مدهنين، أهلوا لهلال عشر من ذي الحجة.
فأمرهم بإهلال عشر من ذي الحجة، لكن هذا عند جماهير العلماء ليس بلازم، وإنما قصد به رضي الله عنه وأرضاه الكمال؛ لما لهم فيه من زيادة الأجر والمثوبة، قالوا: في هذا دليل على أنه يجوز أن يحرم قبل يوم التروية ولا بأس، كما لو وجب عليه دم التمتع فأحرم لليوم الثالث؛ حتى يصوم الرابع والخامس والسادس، أو أحرم في اليوم الرابع؛ ليصوم الخامس والسادس والسابع، أو أحرم لليوم الخامس؛ ليصوم السادس والسابع والثامن في حجه، وهذا لا بأس به، وظاهر القرآن يدل عليه في هدي التمتع كما لا يخفى.
والله تعالى أعلم.
الفرق بين النائم والمغمى عليه من حيث فقدان الوعي
السؤال
هل يقاس النائم على المغمى عليه، وذلك بجامع كون كلٍ منهما فاقداً للوعي، وذلك في الوقوف بعرفة، أثابكم الله؟
الجواب
هناك فرق بين النائم وبين المغمى عليه والمجنون، ولذلك النائم من حيث الأصل إذا نبهته ينتبه وإذا أيقظته يستيقظ، ولكن المغمى عليه لو نبهته لا ينتبه ولو أيقظته لا يستيقظ، فالإغماء خارج عن الإرادة، والنوم يمكن أن يرجع الإنسان فيه إلى حالته، أما الإغماء فلا يمكن أن يرجع الإنسان إلى حالته، ولذلك فُرِّقَ بين النائم والمغمى عليه من هذا الوجه، ولا يأخذ النائم حكم المغمى عليه.
والله تعالى أعلم.
وصايا عامة لمن أدرك رمضان
السؤال
هلاَّ تفضلتم بكلمة عن قدوم شهر رمضان، وما ينبغي على المسلم في هذا الشهر المبارك، أثابكم الله؟
الجواب
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك لنا في شعبان وأن يبلغنا رمضان، وأن يكتب لنا فيه الرحمة والعفو والصفح والغفران، وأن يوفقنا فيه للهدى والبر والإحسان.
الوصية الأولى: لا شك أن من نعم الله عز وجل على العبد أن يطول عمره ويحسن عمله، قال صلى الله عليه وسلم: (خيركم من طال عمره وحسن عمله)، فالمؤمن لا يرجو من بقائه في الحياة إلا زيادة الخير، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث: (واجعل الحياة زيادة لي في كل خير)، وندب أمته في كل صلاة أن يستعيذوا بالله من فتنة المحيا والممات، فإذا وفق الله العبد ويسر له بلوغ رمضان، فليكن أول ما يكون منه أن يحمد الله عز وجل على نعمته وجميل فضله وجليل منته، ويسأله سبحانه أن يبارك له في هذه النعمة؛ لأنك إذا شكرت نعمة الله بارك الله لك فيها، ولما غفل الناس عن شكر الله سلب الله بركة النعم، فاحمد الله، إذا بلغت رمضان وانظر إلى مقدار نعمة الله عليك؛ حتى تحس بفضل هذا الشهر، ويمكنك بعد ذلك أن تقوم بحقه.
تذكر الشخص الذي كان يتمنى بلوغ رمضان فمات قبل بلوغه والله أعطاك الحياة وأمد لك في العمر، وتذكر المريض الذي يتأوه من الأسقام والآلام، والله أمدك بالصحة والعافية، فتحمد الله من كل قلبك وبملء لسانك، وتقول: الحمد لله الذي يسر لي وسهل لي، اللهم بارك لي في هذا الشهر، وأعني فيه على طاعتك، ونحو ذلك من سؤال الله الخير.
الوصية الثانية: أن تبدأ هذا الشهر بنية صادقة خالصة، وعزيمة قوية على الخير، فكم من عبد نوى الخير فبلغه الله أجره ولم يعمل به، وحيل بينه وبين العمل بالعذر، فقد يكون الإنسان في نيته أن يصوم ويقوم، فتأتي الحوائل أو تأتي آجال أو تأتي أقدار تحول بينه وبين ما يشتهي، فيكون في قلبه وقرارته فعل الخير، وأن يكون رمضان هذا صفحات بر وإقبال على الله وإنابة إليه، فإذا نويت ذلك وحال بينك وبين ذلك شيء من الأقدار أو الآجال، كتب الله لك الأجر والثواب، كما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قالك (حبسهم العذر).
الوصية الثالثة: فيا حبذا ويا طوبى لمن استقبل هذا الشهر بالتوبة إلى الله والإنابة إلى الله، فإن الله يحب التوابين، والله يفرح بتوبة عبده، فيبدأ شهر رمضان منكسر القلب منيباً إلى الله جل وعلا، يحس بعظيم الإساءة وعظيم التقصير والتفريط في جنب الله، ويقول بلسان حاله ومقاله: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:56]، فإذا استقبلت رمضان وأنت منكسر القلب غيّرت ما بك فغيّر الله حالك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:11].
وعلى المسلم أن يستقبل رمضان بالتوبة والإنابة إلى الله؛ حتى ينال الرحمة من الله سبحانه؛ لأنه قد يحال بين العبد وبينها بسبب ذنب، فمن شؤم الذنوب والمعاصي أنها تحول بين العبد وبين رحمة الله، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الرحمة) أي: أن الله يفتح أبواب رحمته، فيرحم من يشاء بفضله ومنّه وكرمه، فإذا أريت الله من نفسك التوبة والإقلاع، وأنبت إلى الله سبحانه، فأنت أحرى برحمة الله، وأحرى بأن يلطف الله عز وجل بك، وأن يبلغك فوق ما ترجو وتأمل من إحسانه وبره.
الوصية الرابعة: حتى تكون محققاً لهذه التوبة لابد وأن تتحلل من المظالم فيما بينك وبين الله، وفيما بينك وبين عباد الله، ويا طوبى لمن دخل عليه هذا الشهر وليست بينه وبين الناس مظلمة، وليس على ظهره حقوق ولا آثام لإخوانه المسلمين، فنستهل شهر رمضان بالمحبة والإخاء والمودة والصفاء، والنفوس منشرحة والقلوب مطمئنة، ونستهله كما أمر الله إخوة في الإيمان أحبة في الطاعة والإسلام، فإنه إذا وقعت الشحناء حجبت العبد من المغفرة، قال صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: (أنظرا هذين حتى يصطلحا) أي: لا تغفرا لهما حتى يصطلحا، فتذكر ما بينك وبين أقاربك، خاصة إخوانك وقرابتك: الإخوان والأخوات والأعمام والعمات وكل الآل والقرابات، تتذكر ما لهم من حقوق وما لهم عندك من مظلمة، فتتحلل منها، وتسألهم الصفح والعفو، وتستقبل شهرك وأنت منيب إلى الله سبحانه وتعالى، ليس بينك وبين الناس مظالم تحول بينك وبين الخير، ومن أعظم ذلك كما ذكرنا القطيعة، والمحروم من حرم، فإن خير الناس من ابتدأ بالسلام بعد وجود القطيعة والخصام، قال صلى الله عليه وسلم: (وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)، فيفكر الإنسان حينما يقدم على رمضان كيف يصلح ما بينه وبين الله، وما بينه وبين الناس، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:1].
كذلك أيضاً: يستقبل الإنسان رمضان ويهيئ من نفسه بواعث الخير، والدوافع التي تحمله على الطاعة والبر، ومن أعظم ذلك أن يحس من قلبه كأن هذا الرمضان هو آخر رمضان يعيش فيه، وما يدريه فلعل مرضاً يحول بينه وبين الصيام، فيكون ذلك اليوم أو ذلك الشهر هو آخر ما يصوم، أو لعل المنية تخترمه، فكم من إخوان وأحباب وخلان وأصحاب وجيران كانوا معنا في العام الماضي؟! وقد مضوا إلى الله فأصبحوا رهناء الأجداث والبلى، غرباء مسافرين لا ينتظرون، فالسعيد من وعظ بغيره، فإذا استقبلت رمضان وأنت تستشعر كأن هذا الشهر هو آخر شهر تصومه، أو آخر شهر تقومه؛ قويت نفسك على الخير وهانت عليك الدنيا وزهدت فيها، وأقبلت على الآخرة وعظمتها.
ومن أعظم الأسباب التي تنكسر بها قسوة القلوب: الزهد في الدنيا والإعظام للآخرة، ولا زهد في الدنيا إلا بقصر الأمل، فحينما تحس أن رمضان هذا قد يكون آخر رمضان لك وآخر شهر تعيشه؛ دعاك ذلك إلى إحسان العمل وإتقانه.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأن يصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، وأن يبلغنا رمضان مع صفح وعفو وبر وغفران.
ونسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى! أن يجعلنا أوفر عباده نصيباً في كل رحمة ينشرها وكل نعمة ينزلها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
شرح زاد المستقنع -
باب صفة الحج والعمرة [2]
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحج المبيت بمزدلفة، وعدم الدفع منها إلا بعد الفجر، ويجوز للضعفة والعجزة الدفع من مزدلفة بعد مغيب القمر ليلة العيد، ويكون الدفع لغير المعذورين بعد الإسفار وقبل طلوع الشمس، وفي ذلك مخالفة لأهل الجاهلية حيث كانوا لا يدفعون إلا بعد طلوع الشمس.
وبعد الدفع من مزدلفة إلى منى أول عمل يقوم به الحاج هو رمي جمرة العقبة، فرميها بمثابة التحية لمنى.
وهناك أعمال يقوم بها الحاج عند وصوله إلى منى، فعليه أن يتحرى عند قيامه بها هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك أرجى لقبول الله عز وجل لحجه ونسكه.
حكم الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وله الدفع بعد نصف الليل].
قوله: (وله) أي: يجوز أن يدفع بعد نصف الليل، وهذه مسألة خلافية: فبعض العلماء يرى أنه يجب عليه المبيت إلى الفجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات إلى الفجر ولم يأذن إلا للضعفة، وأصحاب الأعذار، وقالوا أيضاً: إن المقصود من مزدلفة الوقوف بالمشعر الحرام، فإذا كان يريد أن يمضي قبل ذلك فلم يتحقق المقصود، وفي الحقيقة هذا القول هو أقوى الأقوال، وهو أن يبقى بمزدلفة إلى الفجر ويصلي الفجر ثم يدعو بالمشعر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رخص للضعفة.
والقاعدة في الأصول: أن الرخص لا يقاس عليها.
فلا يعتبر ترخيصه للضعفة موجباً للإذن لكل الناس أن يمضوا من مزدلفة، لكن العلماء الذين أجازوا المضي بعد نصف الليل اجتهدوا وقالوا: إنه إذا بات بعد نصف الليل أو أكثر الليل فقد تحقق المبيت، ولكن من نظر إلى مقصود الشرع، وإلى العلة التي من أجلها شرع المبيت بمزدلفة وهو الوقوف بالمشعر والدعاء وسؤال الله من فضله، تبيّن له بجلاء أنه لا يرخص إلا لمن كان معذوراً، وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد وقف عليه الصلاة والسلام وجاءه عروة بن مضرس وذكر له أنه وقف بعرفات، فقال رضي الله عنه: (أقبلت من جبل طي أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، وما تركت جبلاً إلا وقفت عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: من صلى صلاتنا هذه، ووقف موقفنا هذا، وكان قد أتى عرفات أي ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه وقضى تفثه) فانظر إلى قوله: (صلى صلاتنا ووقف موقفنا) فكأن المقصود من المبيت بمزدلفة أن يصلي الفجر وأن يدعو، ولذلك أمر الله عز وجل بذكره عند المشعر الحرام.
وفي الحقيقة القول بالبقاء وعدم الإذن إلا للضعفة ومن يرخص لهم من القوة بمكان.
حكم الدفع من مزدلفة قبل نصف الليل
[وقبله فيه دم كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله].
قوله: (وقبله) أي: قبل نصف الليل، (فيه دم) يعني: أن الحاج لو جاء إلى مزدلفة ودفع منها قبل نصف الليل لزمه دم، وهذا بناء على أن العبرة عندهم بأكثر الليل، ولم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم للضعفة إلا بعد نصف الليل، ففي الصحيحين من حديث أسماء رضي الله عنها أنها دفعت بعد مغيب القمر، وقالت لابنها عبد الله رضي الله عنه وأرضاه: (هل غاب القمر؟ فقال: لا بعد، ثم قامت تصلي، ثم قالت: أي بنيّ أغاب القمر؟ قال: لا بعد، ثم قال لها في المرة الثالثة أو الرابعة: غاب القمر، فدفعت رضي الله عنها، ثم وصلت إلى مكانها بمنى بغلس، فقال لها رضي الله عنه: أي هنتاه ما أرانا إلا غلسنا، فقالت رضي الله عنها: يا بني! إن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للظعن) أي: أذن للضعفة وأهل الأعذار، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (كنت فيمن قدّم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله) فدل هذا على أنه إذا وجد العذر شرع التخفيف وأذن بالرخصة، وأن من عداهم من القادرين المستطيعين يلزمهم البقاء بمزدلفة.
أحكام الدفع من مزدلفة
قوله: (كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله).
أي: من دفع من مزدلفة قبل نصف الليل فعليه دم؛ كوصوله إلى مزدلفة بعد الفجر لا قبله، هذه المسألة فيها ثلاثة أحكام: أن من تعجل ودفع من مزدلفة قبل نصف الليل عليه دم؛ لأنه لم يبت، وأن من وصل إليها بعد الفجر عليه دم؛ لأنه لم يبت، وأنه من وصل إليها بعد نصف الليل وقبل الفجر لا شيء عليه.
ما يفعله الحاج بعد صلاة الصبح بمزدلفة
[فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام فيرقاه أو يقف عنده ويحمد الله ويكبره ويقرأ: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ) ويدعو حتى يسفر].
قوله: (فإذا صلى الصبح برغيبته أتى المشعر الحرام)، كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه لما كانت صبيحة يوم النحر أُذّنَ للصلاة بغلس، ثم أقيم لها وصلى عليه الصلاة والسلام بالناس، ثم وقف بالمشعر ودعا الله عز وجل وسأله من فضله حتى أسفر، وقبل أن تطلع الشمس دفع عليه الصلاة والسلام من المزدلفة، وكانت قريش في الجاهلية ومن معها من المشركين يقفون بالمزدلفة، ولا يمكن أن ينصرفوا منها حتى تطلع الشمس، ولذلك كان يقول قائلهم: (أشرق ثبير كيما نغير) وثبير: هو الجبل الذي بحذاء منى؛ لأن منى بين ثبير والصانع يكتنفانها، وهما جبلان: أحدهما يسمى: ثبيراً، والثاني يسمى: الصانع.
فقولهم: (أشرق ثبير كيما نغير) يريدون بذلك أنهم لا يدفعون من مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس، فخالفهم صلوات الله وسلامه عليه، ودفع قبل أن تطلع الشمس.
قوله: (الحرام فيرقاه أو يقف عنده).
السنة أن يقف عند المشعر، ولو وقف في أي موضع من مزدلفة أجزأه.
قوله: (ويحمد الله ويكبره ويقرأ: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ)) لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:198] قال العلماء: قوله: (عند المشعر الحرام)، قيل: إن المراد به مزدلفة كلها، وقال بعض العلماء: إنه الجبل الذي بحذاء المصلى الذي وقف عنده عليه الصلاة والسلام، وأما تلاوة الآية فلم يثبت في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص، ولا حاجة إلى التقيد بذكر آية أو دعاء مخصوص أو استحباب لذلك أو تعيينه إلا بدليل؛ لأن الشرع لم يرد فيه ما يدل على تلاوة ذكر معين، وإنما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:198]، والقاعدة: أن المطلق يبقى على إطلاقه.
فيقال للناس: اذكروا الله عز وجل، كما أطلق الله عز وجل، من حمد وتسبيح وتكبير وتهليل بل وتلبية، كل ذلك جائز ومشروع؛ لأن الله أطلق، وكل ما صدق عليه أنه ذكر يذكر به سبحانه، لكن أن يقال: تُتْلَى آية معينة، أو يُذْكَرُ دعاء مخصوص، فإن ذلك يعتبر بدعة وحدث، وتوضيح ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من دعائه المأثور: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً)، فلو قال رجل لرجل: إذا صليت في المسجد فقل: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة:201].
نقول: إن هذا الدعاء مسنون، لكن كونك تلزمه به، أو تدعوه أن يقوله في هذا الموضع والمكان المخصوص هذا لا أصل له، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) فقد يقول لك قائل: إن تلاوة قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة:201] من الدين والشرع، تقول له: نعم، من الدين والشرع، ولكن الذي ليس من الدين والشرع أن يأمر بها في الموضع المخصوص، كأن يقول: قلها في هذا الوقت، أو قلها في هذا المكان، أو قلها في هذه الساعة، فكل ذلك يعتبر بدعة، ولا يلزم الناس بتلاوة آية معينة أو بدعاء مخصوص إلا إذا عين الشرع وخصص ذلك.
لكن أن يقال للإنسان: اذكر الله عند المشعر الحرام، واحرص على أدعية النبي صلى الله عليه وسلم المأثورة، وجوامع كلمه التي ثبتت عنه، فذلك هو الهدي، وذلك هو الأفضل والأكمل، فيقال هنا: يقف بمزدلفة عند المشعر بعد صلاة الصبح ويضرع إلى الله، ويسأل الله من عظيم فضله، ويأخذ بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه؛ من استفتاحه بحمد لله والثناء عليه، وسؤال الله من خيري الدنيا والآخرة، مع اعتقاد عظيم الفقر إلى الله، والاستغناء بالله سبحانه وتعالى، وأنه هو الغني الذي لا تنفد خزائنه، وأن يده سحاء الليل والنهار لا تغيضها نفقة.
وكان العلماء رحمهم الله يعظمون الدعاء بالمشعر الحرام، حتى أثر عن بعض السلف أنه قال: وقفت هاهنا أكثر من ثلاثين حجة أسأل الله العظيم أن لا يجعله آخر العهد ويردني إليه، وإني لأستحي من الله أن أسأله، فرجع ومات من سنته.
فالمقصود: أن هذا الموقف وهذا الموطن يعتبر ثاني المواطن تشريفاً وتكريماً بعد موقف عرفة، وكان العلماء يعظمونه؛ لأن الله عز وجل خصه وقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:198]، فإذا وقف الحاج بهذا الموقف هيأ من نفسه أسباب الدعاء الخاشع الخاضع، الذي يكون سبباً لاستجابة دعائه، فيحس أن الله عز وجل أكرمه وتفضل عليه ببلوغ هذا المكان، وأنه ما كان ليبلغه لولا حول الله وقوته وتوفيقه له، ولذلك إذا استشعر ذلك خضع لله وخشع له ودعا من قلبه.
قوله: (ويدعو حتى يسفر) أسفر الصبح إذا بان، والمراد بذلك أنه يقارب طلوع الشمس، ويسفر جداً؛ لأن الرواية: (أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بمزدلفة حتى أسفر جداً).
ثم يدفع بعد الإسفار، فلما قال: إن الموقف إلى أن يسفر، فمعنى ذلك: أنه يدفع بعد الإسفار، والسنة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من دعائه ركب ناقته القصواء وأردف معه الفضل بن عباس، وهو ثاني من أردف في الحج؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أردف معه أسامة من عرفة إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى أردف معه الفضل بن العباس ابن عمه رضي الله عنه وعن أبيه، قال الفضل: (فلما مر في الطريق قال: القط لي سبع حصيات)، فالسنة أن يلتقط الحاج سبع حصيات من مزدلفة قبل أن يبلغ محسراً، وأثر عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (بمثل هذا فارموا، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)، فدل على أنه ينبغي للمسلم أن يتحرى السنة وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن لا يزيد في العبادات، وأن لا يتنطع ولا يبالغ فيها؛ لأنه لا خير إلا في اتباعه عليه الصلاة والسلام، والشر كل الشر في الزيادة على هديه ومجاوزته والغلو في الدين.
الإسراع لمن مر من محسر لكونه موطن عذاب
[فإذا بلغ محسراً أسرع رمية حجر].
قوله: (فإذا بلغ محسراً) أي: وادي محسر، وهو الوادي الذي حسر الله فيه الفيل، فأنزل فيه نقمته وعذابه على من حادّه وأراد هدم بيته، وذلك في القصة التي ذكرها الله في كتابه حيث قال: ((وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل:3 - 5]، فهذا الوادي إذا بلغه يعتبر موطن عذاب، والسنة: أن مواطن العذاب والسخط -والعياذ بالله- إذا مر بها الإنسان فعليه أن يسرع في مروره منها؛ وذلك لما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، أنه لما مر بمدائن صالح -وهي المدائن التي أهلك الله فيها ثمود- أرخى على رأسه الثوب ثم ضرب دابته وأسرع، يقول بعض العلماء: كأنه يقول: إني مصدق ولو لم أر.
فلما مر عليه الصلاة والسلام بموطن العذاب ضرب دابته وقال: (لا تدخلوها إلا وأنتم باكون أو متباكون)، أي: لا تدخلوا هذه المواطن إلا وأنتم معتذرون مدكرون، يصحبكم الخوف من الله؛ حتى لا يصيبكم ما أصابهم، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في آخر الحديث الصحيح: (لا يصيبكم ما أصابهم)، ويعرف إلى الآن في بعض المواطن السخط والعذاب، وأن من دخلها قد يتغير عقله، وقد يصاب بمس، وقد يصاب بشيء من العذاب والعياذ بالله! خاصة إذا نزل فيها ضاحكاً لاهياً غافلاً عمّا أوجد الله فيها من العبرة والعظة، ولذلك قال: (لا يصيبكم ما أصابهم)، ولا زال يعرف إلى الآن مما يسمى عند العامة: لعنة الفراعنة، وقد تكون من عذاب الله، وليس للفراعنة لعنة، وإنما هي نقمة الله عز وجل التي يصيب بها من غفل عن آياته وعظاته، ولذلك فالمرور بهذه المواطن لا يجوز كما ذكر العلماء إلا وهو مصحوب بالخوف قال تعالى: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم:45]، فورد هذا مورد الذم، فكل من دخل أماكن العذاب أو مر بها، فينبغي عليه أن يستصحب الخوف من الله عز وجل، والاستشعار لعظيم نقمة الله عز وجل، وأنه الجبار المنتقم، فأخذه أخذ عزيز مقتدر، فعلى العموم هذا الموطن موطن عذاب لا يجوز النزول فيه ولا يجوز المبيت فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب دابته وأسرع لما مر به، وهو قدر رمية حجر، أي: أنه ليس بعريض.
حكم أخذ حصى الرمي من مزدلفة وحجمها
[وأخذ الحصى وعدده سبعون بين الحمص والبندق] كان الأولى والأفضل أن يذكر أخذ الحصى قبل ذكر محسر؛ لأن السنة أن يؤخذ الحصى من مزدلفة، وهذا هو الوارد عنه عليه الصلاة والسلام حيث أمر الفضل أن يلتقط له سبع حصيات من مزدلفة، أما ما ذكره المصنف من سبعين حصاة فهذا لا أصل له، والسنة أن يلتقط سبعاً فقط، وهذا هو المحفوظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه السبع هي لجمرة العقبة، وأما بقية الجمرات فالسنة أخذ حصاها من منى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الحصى من منى، ولذلك ما يفعله العامة من أخذ جميع حصيات الرمي أيام التشريق ويوم العيد من مزدلفة لا أصل له، كما نُبِّه على ذلك.
قوله: (بين الحمص والبندق)، أي: أنها ليست بكبيرة، فالحمص والبندق معروفان، ولا يبالغ فيها، فأخذ الحصى الكبير ليس من السنة، بل قال بعض العلماء: إنها إذا كانت كبيرة جداً ورمى بها لم يجزه؛ لأنها ليست من أصول الرمي المعتبر شرعاً، وعلى هذا قالوا: إنه يتقيد فيها بالوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا أخذ الحصى الكبير فإنه لا يأمن أن تنحرف يده فيصيب مسلماً، ويريق بذلك الدم الحرام في المكان الحرام في الشهر الحرام، ولذلك ينبغي أن يتقيد بالوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يزيد على ذلك ولا ينقص منه، فلا يكون الحصى كبيراً جداً ولا يكون صغيراً، بل لا يكون أكبر من الحصى الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: وحدُّه الذي تحمله باليد في الغالب ويمكن الرمي به، يعني: الخذف، بحيث يضعه بين أصبعيه ويخذف به، ولذلك قال: (بمثل حصى الخذف فارموا وإياكم والغلو) فهذا هو القدر الذي ينبغي أن يتقيد به، وينبغي أن يكون حجراً، أما إذا كانت من غير مادة الحجر كالطين الصلب أو كانت من الخشب أو كانت من الإسمنت أو الجص، فإنه لا يجزئ الرمي بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رمى بالحصيات ولم يرم بغيرها.
الأعمال التي يقوم بها الحاج عند وصوله إلى منى
[فإذا وصل إلى منى وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة رماها بسبع حصيات متعاقبات]