شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 1-8
أهل الأثرالأرشيف العلمي

من حكمة الشارع أنه أسقط الدية في أحوال خاصة كتأديب الوالد لولده والمعلم لطالبه والسلطان لرعيته؛ لأن الشرع أذن لهؤلاء بتأديب من تحتهم، فلو فرض عليهم الضمان في حال الضرر لما تحققت المصلحة المرادة من التأديب وهي الإصلاح، لذا فقد رخص الشارع في حصول المفسدة الصغرى درءاً للمفسدة الكبرى.

عدم ضمان المؤدب إذا لم يسرف في التأديب

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه وسبيله إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصلٌ: وإذا أدب الرجل ولده، أو سلطان رعيته، أو معلم صبيه ولم يسرف لم يضمن ما تلف به].
يقول المصنف رحمه الله: (فصل) هنا سيبين المصنف رحمه الله الأحوال التي تسقط فيها الدية لأسباب خاصة، ومن ذلك: تأديب الوالد لولده، وتأديب السلطان لرعيته، والأصل في التأديب أنه يراد به المصلحة أو يراد به درء المفسدة العظمى في ارتكاب المفسدة الصغرى.
فالأصل في الوالد مع ولده أنه لا يريد أن يضره، وهكذا المعلم مع طلابه؛ لأنه يريد الخير، والظاهر من حاله والأصل فيه أنه لا يريد الجناية والأذية، فلذلك يحمل على هذا المحمل الحسن فلا نحكم بلزوم الدية فيما يترتب على التأديب؛ لأن الإذن بالشيء يفقد الضمان في تبعته، لكن هذه القاعدة فيها تفصيل واستثناءات، والشرع أذن للوالد أن يؤدب ولده، وأذن للسلطان أن يؤدب رعيته، وأذن للمعلم أن يؤدب من يعلمه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر) فشرع الضرب في التعليم، والدعوة للخير، والأصل: أن العلم يراد به الدعوة للخير؛ يتعلم الإنسان ثم يعمل.
فهذا الإذن الشرعي بالتأديب والتعليم، وأيضاً صيانة الناس والرعية، كل هذا إذا كان الأصل يقتضي جوازه فإن ما يترتب عليه من ضرر مغتفرٌ شرعاً؛ لأن الأصل أن من فعل هذه الأفعال يقصد بها مصلحة المجني عليه، ولذلك لا يجب عليه ضمان.
مما السبب في أنه لا يجب عليه ضمان؟ لأننا لو أوجبنا الضمان في مثل هذا لامتنع التعليم، وامتنع الوالد من تربية ولده، وامتنع السلطان من تأديب الرعية؛ لأنه كلما جاء يؤدب خاف أن يترتب على الأدب ضرر فأحجم، وكلما جاء الوالد يريد أن يؤدب ولده وعلم أنه إذا أصاب ولده ضرر أنه مسئول أمام الله وأنه آثم، وأنه يتحمل الضمان أحجم وامتنع، وهذا يؤدي إلى ضررٍ أعظم وحينئذ اغتفر هذا الضرر بالنسبة للولد لمصلحته.
ثم الأمر الثاني: أن الغالب السلامة في هذا والنادر حصول الضرر، ولذلك الحكم للغالب والنادر لا حكم له.
يدخل في هذا تأديب الزوج لزوجته؛ لأن الله شرع تأديب الزوجة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (واضربوهن ضرباً غير مبرح)، فالزوج له الحق أن يؤدب زوجته ولا يعنف ولا يقبح ولا يضرب الوجه، فإذا أدبها وحصل ضرر فالأصل أنه يريد الخير لها ولا يحمل على المحمل السيء.
هذا بالنسبة لقضية القواسم المشتركة في هذه الصور؛ في الوالد مع ولده، والمعلم مع صبيته -الصبية الذين يتعلمون تحت يده- والسلطان مع رعيته، والزوج مع زوجته؛ فكل هؤلاء هدفهم الخير، والغالب فيهم أنهم يريدون مصلحة المُعْلَّمْ ومن يريدون تأديبه، ولذلك لا يجب عليهم الضمان.
قال رحمه الله: [وإذا أدب الرجل ولده].
الذكر والأنثى، أولاً: يجب على الوالد أن يقوم على مصالح أولاده فيأمرهم بما أمر الله به وينهاهم عما نهى الله عنه، وهذا من الوقاية لهم من نار الله وغضبه، وكل والد أدب ولده التأديب الشرعي فقد سعى في فكاك نفسه من نار الله عز وجل، وكل والد أدب ولده وأقام الحجة عليه؛ فإنه يكون قد سعى في فكاك ولده من نار الله عز وجل، ولذلك إذا قام الوالد بحق التأديب والتعليم على الوجه المعتبر أعظم الله أجره وعظم مثوبته، كما في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من عال جاريتين فأدبهما فأحسن تأديبهما، ورباهما فأحسن تربيتهما، إلا كانتا له حجاباً من النار يوم القيامة)، فهذا يدل على أن التأديب والتعليم مقصود شرعاً.
هذه الرسالة -رسالة التعليم والتربية- تحتاج إلى قوة، ولذلك لابد من وجود القوة في بعض الأحوال، فمن الأولاد من ينكف بالزجر، ومنهم من لا ينكف إلا بالضرب، والأحوال تختلف، ومن هنا كان من حق الوالد أن يزجر أولاده ذكوراً كانوا أو إناثاً عن الأمور التي لا تجوز بالتوجيه إن نفع التوجيه، ثم إذا لم ينفع فإنه يضرب ولا بأس في ذلك، وهذا الضرب فيه مصلحة، ولذلك كان من الحكمة استخدامه، وكما قال القائل: قسا ليزدجروا ومن يك حازماً فليقس أحياناً على من يرحم والأب إذا ضرب ولده وتألم الولد فإن هذا الألم صلاح لدينه ودنياه، كما أن الطبيب يؤلم المريض، فهذا الألم من ورائه خير ومصلحة متى ما كان واقعاً في موقعه، ولذلك اتفق الحكماء والعقلاء: على أن أكمل ما يكون في التربية ألا يكون الضرب والإيجاع والألم العامل الأول في الحفز على الخير والمنع من الشر؛ لأن الأولاد إذا أصبحوا لا يرتدعون عن المحرمات إلا بالضرب، ولا يفعلون الخير إلا بالضرب تعطلت مداركهم، وأصبحوا تحت سلطان الرغبة والرهبة، وحينئذ يغلب عليهم الهوى، فإن غابت القوة وغاب الوالد رتع الأولاد كيف شاءوا.
وهذا معلوم ومشاهد -نسأل الله السلامة والعافية- في النفوس التي تتربى على القهر، فإنها متى ما زال عنها القهر طاشت وخرجت وفلتت لنفسها الزمام -والعياذ بالله- فرتعت في حدود الله ومحارمه دون هوادة.
بل إن من الآباء من يحفظ ولده القرآن ويربيه على أكمل ما تكون التربية لكنها بعنف وقسوة وضرر وأذية، فما إن يموت الوالد أو يغيب عن ولده إلا ويضيع ذلك الولد -نسأل الله السلامة والعافية- وكأنه لم يتعلم شيئاً من الخير، بل لربما رجع حاقداً على كل خير وبر، وهذا يدل على ما ذكرنا من اتفاق الحكماء والعقلاء: على أن البداء بالضرب يبلد الإحساس ويقتل معاني النفوس السامية التي تحفز إلى الفضائل واجتناب الرذائل، فلابد من ترسيخ القناعة الذاتية، وتحريك المدارك في الصبيان وفي الأولاد ذكوراً كانوا أو إناثاً حتى إذا بلغوا استطاعوا بأنفسهم أن يحكموا على الأشياء، فما كان من خير قبلوه، وما كان من شر تركوه، وهذا هو الأسلم والأحكم، وهو الذي يجب على الوالد أن يلتزمه.
بناء على ذلك اتفقوا على أنه ينبغي على الوالد أن يبدأ أولاً بالتوجيه، والتوجيه في الكمالات لا يوجب العقوبة، فلا يحفزهم على الكمالات بالقهر؛ لأن الله لم يفرض ذلك على المكلفين فضلاً عن غير المكلفين، ومن هنا يوجه أولاً، ثم يوجه في غير الكمالات التي هي الأمور الواجبة، فيأمرهم بها، والمحرمة ينهاهم عنها، فالتوجيه يشمل الأمر بطاعة الله والنهي عن معصية الله، فإذا كان التوجيه لم يجد فيه أذناً صاغية انتقل إلى مرحلة التحذير، وينذره ويقول له: إن لم تستجب فسأعاقبك إن لم تستجب فسأفعل بك، وهذا من أفضل ما يكون، فيجعل له مدة في الإنذار بالعقوبة، ويعوده على أنه ينذره مرة أو مرتين، ثم الثالثة إذا أنذره فعل به ما وعده، فلا يتأخر؛ لأنه إذا وعده أنه يضربه أو يؤدبه وفعل الصبي خلاف ما أمر أو ترك خلاف ما أمره به، فإنه إذا تسامح معه اعتادت نفس الصبي ألا تبالي بالإنذار، واعتادت الإهمال، وأصبحت نفساً تستهتر بالنُذر، ولكن إذا عوده على أن ينذره المرة الأولى ثم المرة الثانية، فإن رأى المصلحة أن يصبر إلى الثالثة وإلا بطش به.
الأمر الثالث: إذا أراد أن يبطش به، يبطش به على وجهٍ يحمل على مكارم الأخلاق بفعلها على الأمور المحمودة أن تفعل، والأمور المذمومة أن تترك دون قهر ودون مبالغة في العقوبة؛ لأن المبالغة في العقوبة تؤثر على نفسية الصبيان، والأطفال الصغار ذكوراً كانوا أو إناثاً كما ذكرنا، فلابد أن تكون العقوبة معقولة، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ضرب الوجه ولطم الصور -يعني لطم الوجه- وكذلك أيضاً نهى عن الضرب المبرح بالنسبة لتأديب المرأة.
هذا الأصل الشرعي: أنه يعاقب بهذا التدرج، وقد ينتهي به الأمر إلى العقوبة وهي المرحلة الأخيرة، فنحن أحببنا أن ننبه على ذلك؛ لأن البعض بمجرد أن يسمع أن للوالد أن يؤدب ولده يبطش بالولد مباشرة، وإنما المنبغي التفصيل، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:34]، فذكر ثلاث مراتب: الوعظ والتذكير بالله عز وجل ثم الهجر في المضاجع.
والهجر في المضاجع يقابله في الأولاد كف الحسنات عنهم، يعني لو كان من عادته أن يأخذ ولده إلى نزهة في نهاية الأسبوع، ومن عادته أن يذهب به إلى مكان يحبه، ففي ذلك اليوم الذي يترك فيه واجباً أو يفعل فيه محرماً يمتنع من أخذه، وهذا ينبغي أن يكون بأسلوب حساس جداً، يعني بطريقة لا تجعل الولد ينقطع رجاؤه في خيرك ويصبح مبلد الإحساس.
بل عليك أن تكون حكيماً، واعلم علم اليقين أنك مهما أوتيت من عقلٍ وبصيرة فلن تستطيع أن تربي ولن تستطيع أن تعلم ما لم تكن موفقاً من ربك.
فالأمور كلها بيد الله عز وجل، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود:88] فمن افتقر إلى ربه أغناه وسدده.
فالمقصود أن الوالد إذا أدب ولده فكسر يده، أو رجله، فالأصل أنه لا يريد ذلك، ومن هنا تسقط عنه المؤاخذة ولا يجب عليه الضمان.
كذلك السلطان مع رعيته، لو أن السلطان جيء له برجل فعل جنايةً؛ يعني فعل فعلاً لا يبلغ حد العقوبة المقدرة شرعاً، فمثلاً: لو آذى امرأة أذيةً لم تصل إلى الزنا والاعتداء على عرضها، فنظر السلطان فأراد أن يعزره فأمر مثلاً بجلده أسواطاً، فلما جلد سقط الرجل فانشل، أو سقط الرجل فشلت يده أو رجله، أو أصابه مرض بسبب هذا الضرب، فحينئذ لا ضمان على السلطان، ولذلك جاء عن علي رضي الله عنه -وهو قضاء عمر في القود في الحدود- أنه قال: الحق قتله.
وهذا أصل عند العلماء، لكن المشكلة أن التعزيرات فيها الضمان بخلاف الحدود، وهذه مسألة سنناقشها إن شاء الله أكثر في باب التعزير بإذن الله عز وجل.
بين المصنف رحمه الله أنه لا ضمان على هؤلاء، والعلة في هذا كما ذكرنا: أننا لو ذهبنا نضمنهم لتعطلت المصالح العظمى من التعليم والتربية وردع الناس، ولذلك لا يضمن السلطان إذا أدب رعيته.
لكن كل هذا بشرط أن يكون التأديب لا مجاوزة فيه للحدود، أما لو أن السلطان أمر بجلد رجلٍ بطريقة مضرةٍ مؤلمة فإن حصل الضرر فإنه يضمن، وهكذا

التسبب في إسقاط الحمل وضمانه

يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ولو كان التأديب لحامل فأسقطت جنيناً ضمنه المؤدب] بين المصنف رحمه الله في هذه المسألة: أنه لو أدب رجل امرأة حاملاً فأسقطت جنينها فإنه يضمن الجنين، والسبب في ذلك: أن الضرر متعدٍ، والتأديب متعلق بالحامل، والجنين لا ذنب له، ولذلك وجب ضمانه، ولأن الحامل أمرها على الخطر، ولذلك كان يجب عليه أن يتحفظ وأن يتقي ما يوجب الضرر، ومن هنا حكم بوجوب الضمان عليه؛ لأنه لا يخلو الأمر من إفراط في التأديب وخروج عن الأصل، فنقول: إن الضمان لازم، ولا يسقط التأديب حق الجنين وضمانه؛ لأن الضرر هنا متعدٍ، وبينا أن التأديب متعلق بالمرأة نفسها وبالمؤدب، فالمصلحة للمؤدب نفسه، وأما الجنين فلا ذنب له ولا علاقة له، فلذلك بقي على الأصل من وجوب ضمانه، وعليه: فلا تتعارض هذه المسألة مع مسألة ما إذا أدب الأب ولده فمات، أو أتلف عضواً من أعضائه، أو أدب المعلم تلميذه ولم يفرط في التأديب -كما تقدم معنا- فحصل الضرر، فإنه يسقط الضمان.
وقد يستشكل طالب العلم كيف قلنا: إن المؤدب لا يضمن، وهنا لو أدب امرأة حاملاً فأسقطت جنينها ضمن؟ ف

الجواب

أن المسائل المتقدمة معنا تعلق الضمان بالأصول التي هي محل المصلحة من جهة التأديب، فالولد إذا أدب هو الأصل المنتفع بالتأديب، وقد أذن الشرع بتأديبه، وأما هنا فإن الضمان للفرع وليس للأصل، وقد أمر الله بتأديب الأصل وأحل تأديب الأصل، ولكن الفرع لا ذنب له، ولذلك وجب ضمانه، وهذا من دقة الشريعة الإسلامية، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:164]، فالجنين لا ذنب له، ولذلك يجب ضمانه، وفيه حق لورثته، فيجب ضمان هذا الحق لصاحبه.
قال رحمه الله: [وإن طلب السلطان امرأة لكشف حق لله تعالى، أو استعدى عليها رجل بالشرط في دعوى له فأسقطت ضمنه السلطان والمستعدي].
قوله: (وإن طلب السلطان امرأة لكشف حق لله تعالى) ذكر مسألة ضمان الجنين من المؤدب، وألحق هذه المسألة تبعاً، هي ليست أساساً في الباب، ولكن من باب ذكر النظائر والمسائل في مظانها.
صورة المسألة: أن تكون هناك امرأة لزم حضورها إلى مجلس القضاء أو إلى مجلس الحكم، وطلبت من أجل أن يكشف حق الله عز وجل عندها، فارتعبت وأصابها الذعر فأسقطت جنينها، فإن هذا الإسقاط ترتب عليه ضرر متعلق بالجنين، والجنين لا ذنب له كما ذكرنا، نعم المرأة تطلب تطلب، ولكن الجنين لا ذنب له، فنسأل: كيف سقط هذا الجنين وبأي سبب؟ فوجدنا أن الطلب والأمر بإحضارها أحدث الرعب الذي نشأ عنه إسقاط الجنين، فيكون قتلاً بالسببية -كما تقدم معنا في صور القتل بالمباشرة والسببية- فيجب الضمان، وهذا أحد الأوجه عند العلماء رحمهم الله أنه يجب الضمان للجنين، وأنه لا يسقط خلافاً لما اختير من القول بعدم الضمان، والصحيح أنه يضمن.
قال: [أو استعدى عليها رجل بالشُرَط في دعوى له].
الشُرَط: جمع شرطي؛ لأن الشرطي يحدث الرعب والخوف، ولذلك إذا استعدى عليها -يعني: اشتكاها- وجاءها بالشرط ووقف على بابها فإن هذا يحدث عندها الرعب والخوف، ومن هنا فعله هذا تسبب في سقوط الجنين وحصول الضرر لطرف لا ذنب له، وله دعوى على المرأة نفسها.
قوله: (استعدى) يعني: طلب؛ إما أن يقيم عليها دعوى ثم يطلبها، أو يشتكيها إلى الشرط ثم يبعث معه الشرطي فيقف على بابها فيحدث لها هذا الخوف والرعب ويأمرها بالنزول، سواء كان ذلك بصورة الخوف؛ مثل أن يتكلم بكلام يحدث عندها الخوف والرعب، فارتعبت المرأة وخافت فأسقطت جنينها، فإن هذا الإسقاط جاء بسبب الخوف، والذي تسبب في الخوف وتعاطى أسبابه هو هذا المستعدي؛ لأنه لولا الله ثم استعداؤه ما حصل هذا كله، ولذلك يتحمل مسئولية فعله.
قال: [فأسقطت، ضمنه السلطان والمستعدي].
ضمنه السلطان في الصورة الأولى إذا طلبها للحضور، والسلطان يشمل القاضي، وهذا أكثر ما يقع من الصور، أنه في مجلس القضاء تكون هناك دعاوى مثلاً: لو أن قاضياً أراد أن يطلب امرأة لحق من حقوق الله عز وجل فطلبها، لحق من حقوق الله فاسقطت فإنه يضمن، وعليه فلو طلبها ظلماً فمن باب أولى وأحرى، وهذا من باب التنبيه بالأدنى لكي ينبه على ما هو أعلى منه وأولى بالحكم منه، فبين رحمه الله أن القتل بالسببية في هذه الصور لا يكون قتلاً من كل وجه، الجنين إذا نزل فاستهل صارخاً ثم مات بفعل السقوط والإسقاط لا شك أن الضمان يكون كاملاً، لكن سيأتي أن فيه الغرة إذا كان ميتاً، أو أسقطته ميتاً.
فالشاهد من هذا: أن السلطان يضمن، والمستعدي يضمن، لكن الإشكال في السلطان والقاضي، هل يكون الضمان في ماله أو في بيت مال المسلمين؟ من أهل العلم من قال: إنه إذا طلبها من أجل جريمة أو من أجل حق يتعلق بالمصلحة العامة، فإن عنده مبرراً شرعياً، وهذا المبرر متعلق بمصلحة المسلمين العامة، ولذلك يجب ضمان هذا التلف الحاصل من بيت مال المسلمين؛ لأنه مأمور شرعاً أن يطلبها، وعند السلطان عذر أن يستدعيها، فقالوا: في هذه الحالة يكون الضمان من بيت مال المسلمين، هذا أصل في القضاة والحكام؛ أنهم إذا تصرفوا بما فيه المصلحة العامة، وكان على وفق الحدود الواردة شرعاً، ولم يخرجوا عنها، فإنه يكون الضمان من بيت مال المسلمين بما يشاء من الضرر؛ لأنهم قصدوا مصلحة المسلمين العامة، وسواء فيما يتعلق بشجارات الأفراد أو خصومات الأفراد إذا قصد بها المصلحة العامة وطلب القاضي هذه المرأة من أجل هذه المصلحة، وفي كشف حق الله عز وجل في قضية أو أمر لابد من حضورها، فإنه حينئذٍ يجب ضمان هذا الضرر المترتب على هذا الفعل الذي يقصد به المصلحة العامة من بيت مال المسلمين، ولا يكون من مال السلطان الخاص، لكن لو أنه أسرف وتجاوز أو كان فيه ظلم ضمن من ماله الخاص، هذا الفرق بين الصورتين، والصحيح أنه يضمن من بيت مال المسلمين.
أما المستعدي: فلا إشكال أنه يجب ضمانه من ماله الخاص؛ لأن الأصل في الضمان أن يكون على هذا الوجه بالنسبة له.
قال: [ولو ماتت فزعاً لم يضمنا].
إذا مات الجنين ضمن المستعدي وضمن السلطان، لكن لو أن المرأة نفسها ماتت من شدة الخوف فللعلماء فيه وجهان: منهم من قال: لا ضمان، لا على السلطان ولا على المستعدي، فلو أن السلطان استدعى امرأة، فمن شدة الخوف سقطت ميتة، أو جاء رجل واشتكى امرأة ومن شدة الخوف سقطت وماتت، أو اشتكى رجلاً معروفاً بالخوف، وليس الخوف خوف ذلة ومهانة، وإنما الخوف الطبيعي الجبلي، الذي وقع لأنبياء الله عز وجل، قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ﴾ [طه:67 - 68]، فالخوف فيه جبلة للإنسان، فإنه يخاف من الشيء الذي فيه ضرر، وقد يكون حيياً، وقد يكون عزيز النفس، فبمجرد أن يستدعى لمثل هذه الأمور تضيق نفسه وتتألم ويتعب، وقد يموت قهراً، يعني: ليس فيه ذلة أو خوف أو جبن، وإنما قد يكون هذا لعوارض أخرى، وقد تجد مثلاً الرجل في علمه وخطابته وقوة بأسه ربما لو قام شخص يناقشه يضيق من الغيظ فلا يستطيع أن يجيبه، لكن ليس هذا دليلاً على خوفه وجبنه، فقد يكون من القهر، ولذلك استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من قهر الرجال، وقال موسى عن نفسه: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ [الشعراء:13]، فقد تكون الحوابس عوارض ذاتية في النفس، فالناس يختلفون في طبائعهم.
فالمقصود من هذا: أنها لو استدعيت إلى مجلس القضاء وماتت فزعاً، أو خرجت من بيتها فماتت فزعاً، أو حبس على بيته فامتنع من الخروج حتى مات فزعاً، في هذه الحالة اختلف العلماء: قال بعض العلماء: يجب ضمانه، وهذا هو الصحيح، والمصنف اختار عدم الضمان، والمذهب على أنه يضمن السلطان ويضمن المستعدي؛ لأنه لا فرق بين هذه المسألة وبين المسألة التي قبل، لكن الذين قالوا: إنه لا يضمن، قالوا: لأنه طلبه لحق الله عز وجل، وهذا أشبه بالمؤدب إذا أدب، والواقع أن هناك فرقاً بين التأديب وبين الطلب؛ لأنه بالطلب لم يثبت الحق بعد، ولم يجب تأديبه بعد، ولم يثبت السبب الموجب للإسقاط، لكن إذا أدب المعلم فإنه لا يؤدب إلا بعد الخلل، فوجد الخلل المقتضي للتأديب، أما هنا فقد استدعى، ومن المعروف أن الخصم إذا استدعي أول شيء يطلب، ثم بعد ذلك يناقش ويثبت عليه الحكم، وبعد ثبوت الحكم يؤدب، فنحن لم نثبت عليه جريمة بعد، وحينئذٍ لا وجه لتعميم الحكم بالإسقاط، لكن لو أنه كان مجرماً وطلبه السلطان من أجل إقامة حق الله عليه فمات فزعاً يصح قول المصنف أنه لا يضمن، ولذلك الأوجه والأشبه في هذه المسألة أن تستثنى منها ثبوت الحق في مجلس القضاء؛ لأن هذا مبني على مسألة الحكم على الغائب، وستأتينا في القضاء، فإذا حكم عليه غيابياً، وثبت الحكم عليه غيابياً، وطلب بعد ثبوت الحكم عليه، فقد طلب لحق الله عز وجل.
لكن في أكثر الصور من حيث الأصل أنه يطلب المدعى عليه، ثم بعد ذلك يجيب عن دعواه، فيقر أو ينكر، ثم بعد ذلك تجري القضايا على السنن الشرعي، وحينئذٍ لا نستطيع أن نقول: إنه في كل مسألة يسقط الحق، ولا نستطيع أن نقول في كل مسألة: يسقط الضمان، ولا نستطيع أن نقول في كل مسألة: يجب الضمان، فيفصل على حسب ثبوت الحق عليه، بحيث يكون الاستعداء والطلب صحيحاً شرعاً، وبين أن يكون غير ثابت عليه ما ادعي، فحينئذٍ يكون الأشبه ضماناً كما هو المذهب.

تقديم المباشرة على السببية في المكلف العاقل

قال رحمه الله: [ومن أمر شخصاً مكلفاً أن ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك به لم يضمنه].
(ومن أمر شخصاً مكلفاً) المكلف: البالغ العاقل (أن ينزل بئراً) أن ينزل بئراً يحضر له شيئاً، أو يحفر بئراً، أو -نسأل الله العافية- مثلما يحدث لبعضهم بأن يعجِّز غيره فيقول له مثلاً إذا كان سباحاً: لا تستطيع أن تبلغ قعر البئر، فيقول له: بلى أستطيع، فينزل فيموت، فحينئذٍ اجتمعت السببية والمباشرة، السببية: حينما قال له: انزل إلى البئر، والمباشرة حينما باشر الشخص نفسه النزول، فأصبحت الجريمة فيها سببية من جهة الأمر بالنزول، فيفصل في هذا: فإذا كان الآمر له قوة وأكره الشخص على النزول فنزل وتلف؛ ضمنه، وهذا لا إشكال فيه؛ لأنه إذا كان له قهر وأكرهه على النزول فيكون في حكم من غصبه على فعل، وهذا الفعل أدى إلى الضرر، فيضمن من غصب وأكره وقهر.
الصورة الثانية: أن يقول له بمحض الاختيار: تحفر لي هذا البئر؟ أو تصعد هذه الشجرة وتجني لي منها المحصول؟ فإذا كان حفر البئر محفوفاً بالخطر؛ وهو انهيار البئر أو انهيار جزء منه، فحينئذٍ لو حفر البئر فانهال عليه فمات لم يضمنه الآمر؛ لأن الأمر سببية والنزول مباشرة، والمكلف العاقل كان ينبغي عليه ألا يخاطر بنفسه، فلما خاطر بنفسه تحمل المسئولية عن نفسه وسقط حكم السببية، وتعلمون كما تقدم معنا في القاعدة (أن المباشرة تسقط حكم السببية) فهذا قد باشر قتل نفسه بتعاطي الأسباب وإن كان الآمر لا سلطان له عليه.
لكن هناك مسألة التغرير؛ ومسألة التغرير صورة مستثناة، وهي أن يقول له: مثلاً في داخل هذا البئر ذهب، أو: في داخل هذا البئر مال إن أحضرته أعطيتك نصفه، أو يقول له مثلاً: هذا كتابي قد سقط في هذه الحفرة، انزل فائتني به، ويكون في داخل الحفرة ثعبان، أو سبع مفترس، ولا يخبره بذلك، فيغرره باقتحام المباشرة الموجبة للهلاك والتلف؛ لأن الغالب أنه إذا خلا مع السبع افترسه وأهلكه، وإذا اختلى مع الحية أهلكته، فإذا غرر به على هذا الوجه لم يسقط الضمان.
وإن قصد قتله وغلب على الظن أنه يقتل ويموت بهذا، أو علم أن البئر له مورد ماء ينهار بعد دقائق أو بعد لحظات، وأمره بالنزول من أجل أن ينهار عليه قاصداً قتله، فهذا قتل عمد، وهو من باب التغرير، والتغرير له تأثر، وفي بعض الأحيان ينزل التغرير منزلة السببية، وبعض الأحيان ينزل منزلة المباشرة، وبعضهم يعتبره من القتل بالسببية.
على كل حال: من أمر مكلفاً أن يحفر بئراً، فالمكلف يتحمل مسئولية نفسه، وهكذا لو قال له: أريدك أن تطلي لي واجهة البيت، فأحضر السلالم وبدأ بطلائها فسقط، فإنه في هذه الحالة لا يضمن، سواء هلك أو ترتب على سقوطه ضرر؛ لأن هذه الأفعال المكلف العاقل لا يخاطر بنفسه بإتيانها، وهو مسئول عن مباشرتها، فإذا اختار أن يفعلها بطوعه دون قهر ودون إكراه على الفعل فإنه لا يضمن الآمر والطالب شيئاً.
والذي يختاره الأئمة رحمهم الله أنه لا ضمان على الآمر؛ لأن المكلف متحمل لمسئولية نفسه.
ومن هنا: المستأجرون في الأعمال والحرف لا ضمان على أصحاب الأعمال من حيث الأصل؛ لأن العمال مستأجرون في الأصل مكلفون عاقلون، لكن لو أنه أكرههم وقصرهم على فعل هذه الأفعال بغير اتفاق سابق، يعني: لم يكن اتفاقه مع العامل أنه يطلي له واجهة منزله، ولم يكن اتفاقه مع العامل أنه يشتغل هذه الأعمال الخطرة، فقال له: لابد أن تشتغل، وأكرهه على فعلها، حينئذٍ يضمن، وبناء على ذلك يفصل فيها، ومن حيث الأصل ما دام أن العامل عاقل ومكلف فإنه يتحمل مسئولية نفسه في القيام بهذه الأعمال الخطرة، وما ترتب عليها من أضرار، وهذا من عدل الشريعة، كما أن العامل يأخذ المنفعة والمصلحة كذلك يتحمل الضرر (فالغنم بالغرم) فهو يتحمل مسئولية نفسه إن حصل له ضرر، وإذا لم يحصل له ضرر أخذ النتيجة والمنفعة.
قال: [ولو أن الآمر سلطان].
(ولو) إشارة إلى خلاف مذهبي، وليست القضية خاصة بالسلطان، وإنما المراد وجود الإكراه، فبعضهم يقول: إذا كان مثله لا يرد طلبه فإنه بسيف الحياء والقهر، لكن المصنف رحمه الله اختار القول الذي يسقط الضمان على السلطان؛ لأن هذا مكلف، وكان بالإمكان أن يقول له: لا أستطيع أو لا أخاطر بنفسي، لكن قالوا: الخوف والرعب يمنعه من ذلك فيكون شبه مكره على هذا.
من حيث الأصل مذهب المصنف قوي، لأنه كان المفروض أن هذا المكلف يقول: لا أفعل هذا الشيء، ويمتنع من فعله؛ لأنه مأمور بحفظ نفسه، وغاية ما سيفعله به السلطان أن يؤذيه أو يضره، وإذا قتله السلطان إذا امتنع فأن يقتل شهيداً خيراً من أن يتعاطى أسباب قتل نفسه، هذا وجهه، ولذلك قول المصنف من حيث الأصل صحيح قوي.
ومن حيث النظر وهو الاحتكام إلى العادة الصحيحة؛ لأنه جرت العادة أن مثل هذا يغلبه الخوف ويكون فيه شبه بالمكره، لكن قول المصنف من حيث الأصل قوي جداً، وعلى هذا سنخرج بخلاصة: أن السلطان أو غيره لا تأثير له ما لم يقهر قهراً فعلياً، بحيث يضغط عليه وينزله قهراً وبدون طواعية، فإذا فعل ذلك فإنه حينئذٍ يلزمه الضمان.
قال: [كما لو استأجره سلطان أو غيره].
كذلك نفس المسألة؛ لأن الإشكال هو في إثبات صورة تكون في حكم الإكراه، أما لو أكرهه قوة وقسراً فلا خلاف أنه يضمنه، فإذا أكرهه وقسره على النزول إلى البئر، وانهار به البئر، أو قال له: لابد وأن تأتيني بما في قعر هذه البئر، وهو سباح، وقعر البئر بعيد، فنزل فهلك، فإنه حينئذٍ يضمنه إذا قهره، أما إذا لم يحصل قهر فالأشبه ما اختاره المصنف أنه لا ضمان عليه.

شرح زاد المستقنع -

باب

مقادير ديات النفس

[1] جرت عادة الفقهاء أنهم يفرقون في الديات بين دية النفس ودية الأعضاء وغيرها، والأنفس تتفاوت في ذاتها من حيث الضمان، وتختلف بحسب اختلاف المجني عليه، فدية المسلم ليست كدية الكافر، ودية الكافر الكتابي ليست كدية المجوسي، ودية الذكور ليست كدية الإناث وهكذا، فلما اختلفت الديات وجب ضبطها وبيان القدر الواجب في كل منها.

مقادير ديات النفس

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه وسبيله إلى يوم الدين.
أما بعد: قال رحمه الله تعالى: [باب مقادير ديات النفس].
تقدم معنا أن الدية واجبة في القتل، وأن للأعضاء والمنافع دية أيضاً تقدر بحسب الضرر المتعلق بالعضو والمنفعة.
والمصنف رحمه الله بعد أن بين لزوم الدية وفصل في دية العمد وشبه العمد والخطأ؛ التي هي أنواع القتل، شرع بعد هذا في بيان مقدار هذه الدية، وبناء على ذلك فإنه يتكلم على القدر الواجب من الديات، وقد جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان هذا، وتعتبر هذه المسألة من المسائل التي أجملها القرآن وفصلتها السنة؛ لأن الله يقول: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ [النساء:92]، فأجمل هذه الدية، هل هي من الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو هي من الذهب أو الفضة، أو من مجموع هذه الأشياء؟ فهذا إجمال، وبينت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت أقضية الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين المأمور باتباع سنتهم رضي الله عنهم وأرضاهم بتفصيل هذه الديات.
والمقادير: جمع مقدار، والمراد بذلك: القدر الذي فرضه الله عز وجل.
والسبب في هذا: أن الأنفس تتفاوت في ضمانها، وتختلف هذه الدية بحسب الأنواع، فالدية من الحيوان من الإبل والبقر والغنم تختلف في مقاديرها في الإبل ومقدارها في الغنم والبقر، ومن هنا أفرد المصنف رحمه الله باباً لبيان هذه المقادير، سواء كانت في الأثمان من الذهب والفضة، أو في الحيوانات.
وقال: [مقادير ديات النفس] لأن الدية إما في النفس وإما في الأعضاء، وإما في الجروح والشجاج، ومن عادة الفقهاء رحمهم الله أن يفردوا دية الأنفس على حدة؛ لأنها تحتاج إلى تفصيل، وتختلف بحسب اختلاف المجني عليه، فدية المسلم ليست كدية الكافر، ودية الكافر الكتابي الذي له دين ليست كدية المجوسي، ودية الذكور ليست كدية الإناث، ومن هنا اختلفت مقادير الدية، ولما اختلفت وجب ضبطها وبيان القدر الواجب في كل منها.
قوله رحمه الله: [باب مقادير ديات النفس].
أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من المسائل والأحكام التي تتعلق بتقدير الديات خاصة بالأنفس، وحينئذٍ لا يتكلم على دية الأعضاء والمنافع، لأنه سيأتي الكلام عليها تبعاً، فابتدأ بالأعلى وهو دية النفس، وسيتبع ذلك بالأدنى كما سيأتي في الأبواب الآتية إن شاء الله تعالى.

دية المسلم الحر

قال رحمه الله: [دية الحر المسلم مائة بعير].
الأصل في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب في كتابه المعروف بكتاب عمرو بن حزم الذي تقدم معنا، وكتبه لأهل اليمن في زمانه عليه الصلاة والسلام، بين فيه مقادير الديات، وقال: (دية المسلم مائة من الإبل).
قوله: (دية الحر) خرج العبد، فالعبد بقيمته كما سيأتي، فإذا قتل أحد عبداً فإنه يضمن بقيمته.
قوله: (المسلم) خرج الكافر؛ لأنه لا يبلغ هذا القدر، فدية المسلم أعلى من دية الكافر، فدية المسلم مائة من الإبل، والمراد به الذكر، أما الأنثى فإنها على الشطر من الذكر، تتنصف ديتها عن دية الذكر، فعقل المرأة على النصف من عقل الذكر في النفس.
والدية كانت معروفة في الجاهلية وأقرها الإسلام، والأصل فيها قصة عبد المطلب حينما نذر إذا جاءه عشرة من الولد أن ينحر أحدهم، وكان آخر العشرة عبد الله، وهو والد النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل إلى الكعبة ونذر السهام على عدد أولاده فخرج سهم عبد الله، فأراد أن يقتله وأن يذبحه، فصاحت قريش وامتنعت من ذلك، وقيل: إنه هو نفسه كان يحب عبد الله حباً شديداً، وهذا من قصص التاريخ التي اختلفت، فقيل: إنه ذهب إلى عراف في المدينة واختصم إليه مع قريش، فقال العراف: أخرجوا في كل سهم عشرة من الإبل حتى يخرج السهم على الإبل، وكان الأصل في الدية في الجاهلية عشرة من الإبل، فلما أشار عليه بهذا الرأي أخرج القدح الأول، والعشرة من الإبل التي كانت دية ثابتة، ثم حاول المرة الثانية فخرج الولد عبد الله، فحاول المرة الثالثة والرابعة والخامسة، حتى بلغ مائة من الإبل فخرج السهم على المائة من الإبل، فنحر المائة من الإبل وصارت سنة؛ لأنهم كانوا في الجاهلية ما يفعله العظماء يتخذونه سنة، فأصبحت الدية مائة من الإبل، فجاء الإسلام وهي مائة من الإبل فأقره.
وهذا مثلما ذكرنا أن أفعال الجاهلية منها ما أقرها الإسلام، ومنها ما أبطله، ومنها ما فصل فيه، وذكرنا من هذا أمثلة كثيرة، ومر بنا في العبادات والمعاملات مسائل من هذا، فهذه السنة كانت موجودة في الجاهلية؛ وهي ضمان الدم بالمال، وكانت الإبل أعز شيء وأنفس شيء عند العرب، وجاء الإسلام فجعلها رأساً في الدية، ولذلك لما كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتاب عمرو بن حزم لأهل اليمن جعل الإبل أساساً وابتدأ بها، وجاء في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ألا إن في القتيل الخطأ -شبه العمد قتيل السوط والعصا- مائة من الإبل) فنص عليها عليه الصلاة والسلام، وهي كما ذكرت أعز ما كان يملكه العرب، فضمن بهذا الضمان؛ لأن الإبل محل إجماع، وكل العلماء متفقون بحمد الله على هذه السنة، ونص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمل بها الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون رضي الله عنهم كلهم، والصحابة رضي الله عنهم على أن دية المسلم الحر الذكر هي المائة من الإبل.
ويشترط في هذه المائة من الإبل: أن تكون سليمة من العيوب، فلا يجوز أن يكون فيها معيب، وتؤخذ هذه المائة من الإبل من العاقلة إذا كان القتل خطأ، مثلاً شخص عنده سيارة فارتطم بأحدهم حتى قتله، فيطالب قرابته بهذه الدية، وتقدم معنا أنها تكون مقسطة ويطالب بها العاقلة، وهذا من دية الخطأ، فإذا طالب بها أحدهم فإنه يخرج وسط ماله، مثلاً عنده عشرة من أولاد العم، وعدد أولاده عشرة أو أكثر، فإذا تعين مثلاً على واحد منهم أن يدفع بعيراً ننظر إلى وسط ماله، فنقول: أخرج بعيراً من وسط مالك، ولا يطالب بالأنفس والكريم والجيد، ولا يجوز أن يخرج السقيم والعليل، وإنما يتوسط ويؤخذ من أوسط ماله، وهي واجبة على العاقلة، وسيأتي تفصيل العاقلة.
هذه المائة من الإبل يشترط سلامتها من العيوب كما ذكرنا، وهي أصل عند بعض العلماء -الأصل في الدية الإبل- ومنهم من قال: إن الأصول هي: الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، فجعل الأصول خمسة في الديات، فالإبل هي الأساس، وكذلك الذهب والفضة والبقر والغنم، فيخير أن يخرج أي واحد من هذه، يعني: ليس بملزم أن يخرج إبله، فلو جاء بمائتين من البقر أجزأه، أو جاء بألفي شاة أجزأه -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- قالوا: هذه كلها أصول الديات، أيها أحضر أجزأه.
قال رحمه الله: [أو ألف مثقال ذهباً].
مثقال يعني: دينار من الذهب؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب في كتاب عمرو بن حزم فقال: (ومن الورق ألف مثقال) وفي حديث السنن أن رجلاً من بني عدي عدا على رجل فقتله، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بديته ألف دينار، فهذا يدل على أن الدية تكون من الذهب ألف دينار، وهذا طبعاً على الدينار الذي كان موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم وجد الدينار الذي ضرب على عهد عبد الملك بن مروان رحمه الله: وهو ما يسمى بالدينار الإسلامي، واستشكل العلماء تقدير الذهب في الديات عندنا مع تقدير الذهب في الزكاة والجزية.
وأجيب عن ذلك بأنه لا تعارض بين الاثنين، وهذا راجع إلى صرف الذهب، فإن عدل الذهب في الزكاة كل عشرين مثقالاً تعادل مائتين من الدراهم، فمعنى ذلك أن المثقال والدينار كان يصرف بعشرة دراهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فهنا ذكر المصنف رحمه الله أنها ألف مثقال.
قال: [أو اثنا عشر ألف درهم فضة].
هنا الإشكال (اثنا عشر ألف درهم من الفضة) قالوا: إذا كان ألف دينار، فالمفروض أن يقابله عشرة آلاف درهم؛ لأننا قلنا: إن الدينار يصرف بعشرة دراهم، وتقدم معنا في الزكاة؛ لأنه قال: عشرين مثقالاً أو مائتي درهم من الورق خمس أواق، وهي تعادل مائتي درهم، فاستشكل العلماء هذا في الألف دينار، وأجيب: أن هذا يختلف باختلاف الصرف، وقالوا: إن تقدير الدنانير في صرفها تختلف، ولذلك اختلف الحكم في الزكاة عن الحكم في الديات، وفي الحقيقة هذه المسألة لا زلت أبحثها، وقد سبق أن نبهت في الزكاة على أن فيها إشكالاً وكلاماً طويلاً للعلماء رحمهم الله من المتقدمين والمتأخرين في ضبط الدينار القديم وبعده الدينار الإسلامي البغلي، ثم الدرهم الإسلامي في عهد عبد الملك، واختلاف تقديرها بالعملات الموجودة الآن، ولا زلت أبحث عن المسألة إن فتح الله عز وجل وتبين فيها وجه الصواب يستطيع الإنسان أن يجزم.
لكن مما ذكره بعض الأئمة والمحررين في رفع هذا الإشكال قد أشار إليه بعض الأئمة كالإمام ابن قدامة رحمه الله وبعض أئمة المالكية، وبعض أئمة الحنفية أيضاً أشاروا إلى أن الصرف اختلف، وقد بين عمر رضي الله عنه ذلك في خطبته في الديات وقال: (ألا إن الإبل قد غلت) وهذا يدل على أنهم كانوا ينظرون إلى تأثير السوق، وعلى كل حال جعل العدل اثني عشر ألفاً، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضمن الرقبة باثني عشر ألف درهم، وهذا عند العلماء رحمهم الله يعتبر أصلاً في الورق الذي هو من الفضة أنها تكون اثني عشر ألفاً، سواء كانت عدلاً للذهب؛ لأن الصرف كل دينار باثني عشر درهماً، أو كانت غير الصرف، فإذا لم تكن صرفاً له صار أصلاً، ومن هنا نفهم أن الفضة ليست عوضاً عن الذهب، يعني: ليست مقابلاً من باب صرف الذهب، فإذا كانت أصلاً فلا إشكال، وأما إذا كانت بدلاً حينئذٍ يرد الإشكال، إلا أن الذين يقولون: إنها بدل وإنها من الأصول لكن فيها معنى البدلية يعتذرون باختلاف الصرف، وهذا وارد: أن صرف الناس بالسوق يختلف من زمان إلى آخر.
قال: [أو مائتا بقرة].
يدفع مائتين من البقر، فيخير؛ إن شاء دفع مائة من الإبل، أو مائتين من البقر، وهذا يدل على التفاوت بين الإبل والبقر، وجاء في الشرع ما يدل على أن الإبل والبقر بمنزلة واحدة، وكلا الأمرين جاء شرعاً، ففي الشرع في حديث جابر رضي الله عنه وأرضاه (أنهم كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ينحرون الإبل عن سبعة) وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه ضحى بالبقر عن نسائه، واتفق القول على أن البقر عن سبع كما أن الإبل عن سبع، وهذا يقتضي المساواة، لكن جاءت السنة بالتفاوت، قال عليه الصلاة والسلام: (من راح في الساعة الأولى في يوم الجمعة كان كمن قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية كان كمن قرب بقرة) فجعل البقرة دون الناقة، وجعل البقر دون الإبل، فتارة يستويان وتارة يختلفان، ومن هنا انعقدت الكلمة على أنه لو ضحى بالبقر عن سبع أجزأه، ولو ضحى بالإبل عن سبع أجزأه، وفي الدماء الواجبة كذلك، فإن البقرة يجزي عنها الإبل، فهذا يقتضي المساواة، وهنا فرق بينهما.
وفي الحقيقة التفريق هنا وارد، وقد جاء في خطبة عمر رضي الله عنه في جعل العدل من البقر مائتين، ولم يخالفه فيه رضي الله عنه أحد من الصحابة، ولذلك يعتبر شبه إجماع من الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه إجماع سكوتي من الصحابة رضوان الله عليهم.
أيضاً: في البقر يشترط أن تكون سالمة من العيوب، فلا يجزئ أن يخرج من البقر المعيب، ثم لا يشترط أن يخرج نوع البقر الموجود في بلده، يعني: في الإبل يجوز أن يخرجها عراباً أو يخرجها بختية، ولا يشترط أن تكون من غالب إبل القوم الموجودة، فنقول لكل واحد من العاقلة: ادفع تيسر لك على حسب ما هو واجب عليك، سواء كانت عراباً أو بختية، وهكذا بالنسبة للبقر جيدها ورديؤها من جهة النوع.
وأما من جهة المعيبة فإنها لا تجزئ لا في الإبل ولا في البقر كما قدمنا.
قال: [أو ألفا شاة].
وهذا عدل البقر والغنم، ومثلما ذكرنا أن الزكاة والأضاحي تختلف عن الديات، ومن هنا فرق بينهم، وقوي القول الذي قال: إن الألف دينار لا يقال: عدلها عشرة آلاف درهم، بل تفاوتت وزادت في الفضة، وهكذا هنا لا مانع أن تزيد البقر وأن تزيد الغنم، ولذلك في الأصل السبعة من الغنم تعادل البعير -كما في الأضاحي- ولكن هنا العشرة من الغنم تعادل البقرة الواحدة، ولذلك يصبح الواجب عليه ألفي شاة.
قال رحمه الله: [هذه أصول الدية، فأيها أحضر من تلزمه لزم الولي قبوله

الأسئلة

سبب وجوب الضمان في الإسقاط

السؤال

إذا أسقطت الحامل جنينها خوفاً فهل يكون الضمان على الإسقاط أم على موت الجنين، وهل إذا أسقطت وعاش الولد فلا ضمان؟

الجواب

إذا كان الجنين حياً وأسقطته ميتاً ففيه غرة؛ وليدة أو عبد، وأما إذا أسقطته وعاش وحيا ثم مات فحينئذٍ لا ضمان، الحمد لله أتى الله بالفرج، فبدل أن تتعب في الولادة أسقطته، يعني: ليس هناك قتل ما دام خرج حياً وبقي.
على كل حال: لا ضمان عليه؛ لأنه -كما تقدم معنا في القتل- إذا عاش الجنين ثم مات بعد ذلك فإن هذا الموت بسبب آخر؛ لأنه لو كان بالإسقاط لمات فوراً، ولذلك يفرق بين السبب المؤثر والسبب الضعيف، وهنا السبب ضعيف جداً، ويقول العلماء: إذا وجد الفاصل يقول العلماء: السبب لا يؤثر؛ لأن غالب الظن أنه مات بقدر، ليس له عمر، وكتب الله أنه يموت بعد ولادته، لكن إذا أسقطته ميتاً فهذا ضمانه بالغرة كما ذكرنا، والأصل فيه حديث اقتتال المرأتين من هذيل، وهو حديث في الصحيح، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بضمان الجنين لما أسقطته بغرة؛ وهي وليدة أو عبد وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله في مقادير الديات، والله تعالى أعلم.

حكم ضمان رب العمل للعامل إذا تضرر

السؤال

أحياناً يتعرض العمال لحوادث من جراء التعامل مع الآلات والمكائن، فيبعد العامل عن العمل فترة طويلة يخضع فيها للعلاج، فهل يجب على صاحب العمل أن يمضي له أجرته الشهرية حتى وهو مبعد عن العمل؟

الجواب

من ناحية شرعية ليس ملزماً، فالعامل إذا عمل وباشر العمل فهو متحمل لمسئولية نفسه، فإذا قطعت يده من المنشار فهو الذي باشر العمل، ولا يحصل القطع إلا بإهمال من نفسه، وحينئذٍ لا ضمان عليه؛ لأن رب العمل ليس هو الذي أمسك هذه الآلات ولا هو الذي حركها، ولا هو الذي باشر الضرر الذي فيها، فالعامل متحمل لمسئولية نفسه، وهو عاقل بالغ رشيد، عنده خبرة وعنده معرفة.
إذا بقي للعلاج ففضل من رب المال أنه يتولى نفقته ويتولى الإحسان إليه، لكن لا يجب عليه ذلك، إنما تجب عليه الأجرة إذا أعطاه عملاً وقدم له عملاً، هذا هو الأصل الشرعي، ولا يلزم رب المال أن يدفع أجرته حتى يشفى ويعافى، فإن هذا ما أنزل الله به من سلطان.
الشريعة عدل وقسط لا جور فيها ولا غلو، لا نأتي ونقول: حقوق العمال! ونغلو في هذا الباب، ولا نأتي ونقول: حقوق أرباب العمل، كما أن العمال لهم حقوق كذلك أرباب العمل لهم حقوق، ولذلك الشريعة لا تغلو.
تجد البعض يقول: أنا فقط مع الضعيف، فيأتي في حق الضعيف ويغلو على حساب حقوق الآخرين، وهذه هي المدنية الزائفة التي هجمت على الناس مناقضة لشريعة الله في كثير من المسائل، وعندما يأتون لحقوق المرأة فيصيحون: حقوق المرأة.
حتى تذهب حقوق الرجال، يا ليت للرجال أناس ينادون بحقوقهم! يعني: تضيع حقوق الرجال على حساب مسألة حقوق النساء، وهذا سبب الغلو في الطرف، فالضعيف في الشريعة ضعيف حتى يرد له حقه دون غلو، فإذا غلي في حقه صار الطرف الآخر هو الضعيف الذي يضيع حقه، فالشريعة لا تنظر إلى هذا الغلو، وإلى هذه النظرات الضيقة التي تخالف شرع الله عز وجل، والتي تبالغ في حق الشخص حتى يكون على حساب غيره، ولذلك أمرنا الله عز وجل أن نشهد شهادة الحق: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء:135]، إن كان قوياً أو ضعيفاً فالله أولى بهما أيضاً، فبينت النصوص الواردة في كتاب الله عز وجل أنك إذا جئت تشهد لضعيف لا تشهد له بالباطل وتقول: والله خصمه غني أريد أن أشهد له، فالغني لا يضره لو دفع عشرة آلاف أو خمسة آلاف عوضاً.
فهذا لا تأذن به الشريعة، وليس من حقك أن تتدخل في غني أو فقير، ولا في قوي أو ضعيف، فالله هو الذي يحكم، أما أنت فملزم أن تؤدي شهادتك على وجهها، فنقول: العامل هو الذي قام بهذا العمل، وهو الذي فعل هذا الضرر، وترتب على عمله بيده ومحض إرادته هذا الضرر، فيتحمل مسئولية نفسه هذا الأصل الشرعي.
بعد هذا من الإحسان تكرماً من رب المال وتفضلا ًمنه، ومن باب حفظ العهد، وهؤلاء العمال فيهم ضعف، ومنهم من لا يجد حتى براتبه إلا قدر سداد الكفاية، فكون رب المال يريد أن يضع له راتباً مستمراً حتى يبارك الله له في ماله فجزاه الله كل خير، وأكثر الله من أمثاله وأعظم أجره، لكن أن يلزم ويفرض عليه ذلك فلا، هب أن فقيراً جاء بعامل من أجل أن يصلح له باباً أو يفعل له شيئاً، ثم انكسرت يده، فهل يظل الفقير يصرف عليه حتى يشفى؟ أبداً الشريعة ليس فيها هذا، الشريعة تقول: كل شخص يتحمل جناية نفسه، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:164] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:38]، فهو من ألحق الضرر بنفسه، إذ لو قام بعمله كما ينبغي وتحفظ لما حدث هذا الشيء، فلما أهمل وقصر حصل الضرر فهو يتحمل مسئولية نفسه، ولا يلزم رب المال بدفع الأجرة له، ولا بمعالجته، ولكن الأفضل والأكمل أن يفعل ذلك والله تعالى أعلم.

التوسع في المسائل الخلافية وأقوال العلماء

السؤال

هل يستحب لطالب العلم في دراسته للفقه التوسع في مسائل الخلاف وأقوال العلماء، أثابكم الله؟

الجواب

إذا أراد أن يشوش على نفسه ويتعب ويضيع يتوسع، الفقه يؤخذ بالتدرج، فيبدأ في المذهب بالدليل ويأخذه ويؤصله ويراجع المرة تلو المرة، ويقرأ في هذا الذي سمعه من الشيخ أو قرأه في الكتاب المرة بعد المرة؛ لأنه مسئول أمام الله عز وجل، فكل درس يحضره طالب العلم يسمع فيه حكماً شرعياً فقد تحمل أمام الله المسئولية عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة، فلا بظن أحد أن حضور مجالس العلماء هو من باب إضاعة الوقت والتفكه والتندر أبداً هذه المسألة تسأل عن حفظها وضبطها، خاصة إذا كنت من طلاب العلم المتخصصين، فيجب عليك إتقانها.
فالمشكلة أن بعض طلاب العلم بمجرد أن يأخذ هذه المسألة يذهب إلى أقوال العلماء ويبحثها في المطولات، فيدخل في بحر لا ساحل له.
طالب العلم أول ما يبدأ بالتأصيل، ويبدأ بصغار العلم قبل كباره، فيأخذ من شيخ الزبدة والدليل، ثم بعد ذلك إذا جاء أحد يشوش عليه بقول مخالف يسكته، يقول: هذا الذي أعرف، وهذا الشيخ أدين الله عز وجل أنه متمكن في علمه، وأعتقد قوله بالدليل؛ لأنك ستقف بين يدي الله وتعتقد شيئاً بالدليل، الممنوع أن تتعصب بدون دليل، فإذا قال لك الشيخ حكماً بالدليل تبقى عليه، فإن جاءك شخص يشوش عليك بقول آخر أو بدليل آخر فقل له: أنا والله لم أبلغ درجة الاجتهاد حتى أعرف هل هذا الدليل يصح أم لا يصح، وقد يكون في الصحيحين لكن دلالته ليست صحيحة.
وهذا ليس خاصاً بالمسائل، وإنما يشمل حتى الفتاوى في الحوادث التي تقع، تجد فتوى عن علماء أجلاء يذكرون قولاً، ثم يأتي شخص ويعقب على هذه الفتوى بعشرات الأحاديث والآيات والله لو تأمل المتأمل لوجد أنها لا علاقة لها بهذه المسألة التي أفتي فيها لا من قريب ولا من بعيد، والسبب في هذا: أن البعض يغتر، وبعض الأحيان تأتي مسألة يؤصلها العالم بأدلتها وحسن النظر فيها وهو يعرف كيف يفتي، ولا يمكن أن تتجاوز الفتوى فيها خمسة أسطر، ويأتيك شخص يؤلف كتاباً فيها؛ لأنه يجمع من هنا ومن هناك، ويأتي بأقوال العلماء ويسردها ويفهمها بفهمه، ويؤولها بتأويله، ويسوغها على حسب ما ظهر له، وأما العالم النحرير فإنه يعلم ما الذي يقوله، ويعرف ما هي أصول الفتوى، وكيف يخاطب الناس بفتاويه، وكيف يؤصل؛ لأنه يعلم أن كل كلمة محسوبة، وأن كل عبارة يمكن أن تؤول ويمكن أن تصرف، فلذلك لا يتشتت طالب العلم، فإذا وجدت إنساناً تثق بدينه وأمانته وعلمه، أو شهد له أهل العلم أنه أهل؛ سواء كان من المتقدمين أو المتأخرين أو المعاصرين ودرست على يده وأخذت على يده فأنت تبقى على قوله بالدليل، لكن اضبط هذا الذي تسمعه.
وهذه هي مشكلة بعض طلاب العلم فإنه لا يضبط الذي يسمعه، وإنما ينشغل بشيء آخر فيقرأ كتباً كثيرة، ثم يقول: والله أنا لا أستطيع أن أركز، وهذا ما هو إلى بسبب عدم المنهجية وعدم وضوح الطريق الذي يسير عليه طالب العلم، وثق ثقة كاملة أنك عندما تلخص كل درس، وتلخص أحكامه بالأدلة، وتعتقد هذه الأحكام بدليلها وتخاف من الله عز وجل في كل شيء تنسبه إلى الشريعة ألا تنسبه إلا بقول عالم يوثق بدينه وعلمه، حتى في الفتاوى، فليس كل شخص وجد منشورة يوزعها من باب بيان الحق وهو لا يعرف هل هذا الذي أفتى بما فيها إنسان من أهل العلم أم لا، أو إنسان يوثق بعلمه أم لا، وقد تكون في المعضلات والمسائل التي يقف عليها مصير الأمة.
والمشكلة: أنك لا تشك أن من يفعل هذا ويتبعه أنه يريد الحق والخير، فالخوارج رفعوا القرآن على أسنة الرماح وقالوا لـ علي: (لا حكم إلا الله) هل يستطيع أحد أن يرد هذا القول؟ ماذا قال علي رضي الله عنه: (كلمة حق أريد بها باطل).
هذا من رسوخ علي رضي الله عنه الذي كان يقال عنه: (آية في الفقه) رضي الله عنه وأرضاه، وكان ملهماً في فقه القضايا، حتى كان عمر رضي الله عنه يستعيذ من قضية لا يحضرها أبو الحسن، وكان إذا جاءته النازلة أول ما يلتفت إلى علي رضي الله عنه، مما أوتي من الفهم، ومع ذلك يرفعون له القرآن.
ليس كل قول يأتي في المطولات يخالف قولك الذي درسته معناه أنه انتهى الأمر، والله كنا بعض الأحيان نشك في بعض مشايخنا من باب ما يحدث للإنسان، فالإنسان بشر، ولكن إذا زالت الفتن وانقشعت عرفنا حقيقة الفتوى وما هي أصولها، وما هو العمق الذي كانوا يتكلمون به، وما هو الأصل الذي كانوا يعتمدونه، وفي دروسهم وجدنا أن هذه الأحاديث التي كان يشوش علينا بها بعض طلاب العلم من أسهل ما يكون الجواب عنها، وأنها إما أعم من موضع النزاع، أو خارجة عن موضع النزاع، ولكننا في البداية كنا نجد الحديث المتفق في الصحيحين يدل على كذا، والآية تدل على خلافه فلذلك ينبغي التريث.
ثم إني أقول: لا مانع أن تأخذ بفتوى الغير، ولا مانع أن تأخذ بأقوال الغير، ولكن المصيبة كل المصيبة إذا احتقر الشخص قول غيره -نسأل الله السلامة والعافية- فتجده يقول: القول الآخر ضال أو خطأ، ومن باب بيان الحق لابد أن ينشر هذا القول المخالف، ولذلك أنصح كل النصيحة ألا تدخل في الفتاوى وألا تدخل في المسائل بضرب بعضها ببعض، أو الحكم بصواب عالم على حساب عالم آخر، قل: هذا شيخي، وهذا العلم الذي رأيتم بالدليل، وأما غيره فلم يظهر لي، إلا إذا تمكنت من الأصول وقامت علي الحجة، أو خذ الدليل واعرضه على شيخك، أما أن تذهب إلى المطولات وتنظر فيها، أو مثلاً تجمع فتاوى في المسألة، فهذا مما تضيع به الأمة.
وأقول هذا بمناسبة الأحداث التي نعيشها الآن: هي مسألة عارضة، نحن ذكرنا من فقه العالم في المسائل التي تطرح على الأمة ألا يتشتت وألا يشتت الأمة معه، هناك ثوابت مسلمة ينبه عليها، ينصح فيها لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، لا يستطيع أحد أن يقول: إنه كذب أو إنه أخطأ، هذا أمر ينبغي أن يضعه كل شخص في حسابه، وأن يفهم ذلك وأن يعيه كذلك، ويجب على طلاب العلم أن يحرصوا على غرس منهج السلف الصالح بلزوم الجماعة والبعد عن القيل والقال، وهذا أمر لا يُختلف فيه.
إذا حصل اختلاف في المسألة قلنا: في المسألة توقف؛ لأنه إلى الآن لم نعلم الصواب عند زيد أو عمرو، قلنا: كفوا ألسنتكم، هل هذا جاء من فراغ، لو أننا اتضحت لنا الصورة لعرضنا هذه المسألة على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفصلنا فيها تفصيلاً واضحاً في مسألة الأحداث التي جرت وما كان لها من تبعات، أما أن يأتي الشخص ويلتقط له فتوى يشوش فيها على فتاوى علماء كبار أجلاء ويتهمهم بالباطل ويتهمهم بالمداهنة وبالممالأة أبرأ إلى الله، اتق الله في نفسك! ينبغي على كل إنسان أن يتقي الله ويحذر.
إذا كنت تريد أن تقول لشخص حقاً وكنت من أهل الاجتهاد قل ذلك، لكن إياك أن تكسب الإثمين فتدخل في نوايا العلماء وقلوبهم، هل كلما وجدنا قولاً يخالف العلماء الكبار فمعناه أنه هو الحق، وأن ما قاله العلماء الأجلاء مشكوك فيه؟ هذا حرام ولا يجوز، وما هكذا يقابل العلماء الذين ينصحون للأمة، يا أخي! لست عليهم بمسيطر، ولست تعلم بما في قلوبهم وصدورهم ونواياهم من أنهم يداهنون أو يقصدون غير الله عز وجل، لك الظاهر والله يتولى السرائر، وهم مسئولون أمام الله فيما أفتوا به، فنحن ننبه على هذا؛ لأن هذا من المنهج.
وإذا أفتى أحدهم فتوى وجاء شخص وبرر هذه الفتاوى واتهم العلماء الكبار والله ليقفن بين يدي الله عز وجل، وليسألن عن هذه الأرواح التي أزهقت في هذا الحادث، تفجير ما لا يقل عن مائتي مسلم، وهذا أقل تقدير وقيل: سبعمائة مسلم، سيقف بين يدي الله حافياً عارياً يسأل عن دمائهم، ويسأل عن مشروعية قتلهم، هذا إذا كان يرى أن هذا جائز، أما كون المسلمين هم الذين يفعلون هذا، فلا تستطيع أن تقول: إن هذه الأمة هي التي فعلت هذا الفعل بالمسلمين، وتحتاج المسألة إلى دراسة، هذا إذا كان المسلمون فعلوه، ثم تسأل أمام الله عز وجل عن التبعة التي جرَّت غير المسلمين إلى بلاد المسلمين، وحدث ما حدث من جميع الآثار والأضرار.
إذا روجت فتوى -تعارض فتوى العلماء- تبرر هذه الأفعال ستقف بين يدي الله لتسأل عمن أفتاك بهذا، لا يحسب الإنسان أنه إذا رأى قولاً أن القول الآخر منتهٍ، وأن هؤلاء ضعاف، وأن هؤلاء مساكين، وأن العلماء لا يعرفون قول الحق، عليك أن تتريث، وأن تعلم أنه لو سكت عالم يريد أن يستبين الأمور ليس معناه أنه خائف أو جبان، موسى عليه السلام يواعده الله عز وجل أربعين ليلة، ثم يأتي ويأخذ برأس أخيه وبلحيته ويجره لما عبد قومه العجل، ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف:150]، ويصيح عليه هارون ويقول له: ﴿يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:94]، وبين له عذره فقال: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه:94]، خاف الفتنة، هذا نبي من أنبياء الله، ماذا قال بعدها: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ [الأعراف:151]، ليس كل من سكت معناه أنه خائف أو جبان، من يسكت خوفاً من الله أن يوقع الأمة في خطأ أو خلل، ومن يأتي بالأصول والثوابت ليس كمن يطلق العنان لنفسه في الفتاوى، ولا تحسب أن كل فتوى يقال فيها تبرير لأشياء أنها هي الحق والصواب، وما بلغت مبلغ العلم، وكم من أحاديث سردت في تبرير بعض الأشياء والله لا تمت إلى الأمر بصلة، هناك مسائل واضحة عند العلماء في مواجهة الكفار للمسلمين، وقواعدها معروفة، ومسائل الجهاد أدلتها وأصولها واضحة مضبوطة ليس فيها أي إشكال، والمسائل المستثناة لها ثوابت، وهذه المسألة أقسم بالله أنها لو عرضت على عالم جهبذ من علماء المسلمين لجثا على ركبتيه خوفاً من أن يقول فيها على الله عز وجل، ومع ذلك تجد من لا يبالي، نحن نقصد نوعية من الناس وإن كانت قليلة وشاذة، وأرجو من الله أنهم حسني النية، ولا نحب أن يأخذهم أحد على

حكم من أفطر قبل دخول الوقت

السؤال

في رمضان الماضي أذن المؤذن قبل دخول المغرب، فأفطر بعض الناس، فهل عليهم قضاء؟

الجواب

إذا أذن المؤذن قبل الوقت فإنه يجب على الناس أن يقضوا هذا اليوم إذا أفطروا بأذانه، وهكذا لو تأخر المؤذن حتى طلع الفجر ومضى وقت على طلوعه فأمسكوا بأذانه، بمعنى أنهم أكلوا قبل الأذان مباشرة وكان الوقت وقت إمساك فإنه يجب عليهم الضمان.
والأصل في ذلك: أن الله أوجب على المكلف أن يصوم يوماً كاملاً من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وحق الله يجب ضمانه، والخطأ في هذا كونه أذن خطأ فيسقط الإثم ولكنه لا يسقط الضمان للحق، ولذلك الخطأ لا يوجب سقوط الضمان في الحقوق، والله تعالى يقول: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:286] فقال: (لا تؤاخذنا) والمؤاخذة هي الإثم، فالإثم ساقط بوجود الخطأ ولكن الحق ثابت، ولو أن شخصاً استدان من شخص ألفاً ثم أخطأ وقال: ليس لك عندي شيء، فإن هذا الخطأ لا يسقط حق الرجل، فلو تذكره بعد فترة يجب عليه أن يسدد، فالخطأ يسقط الإثم أثناء التلبس بالعذر، ولكنه لا يسقط الضمان، وإذا كان هذا في حقوق المخلوقين فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (دين الله أحق أن يقضى)، فذمة المخلوق مشغولة بحق الخالق من صيام هذا اليوم تاماً كاملاً، فيجب عليه الضمان، والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: نحب أن نوصي المؤذنين أن يتقوا الله عز وجل في أذانهم، خاصة في شهر رمضان، فلا يجوز للمؤذن أن يتساهل وأن يقوم وقت ما شاء يؤذن للفجر أو يتساهل في أذان المغرب، وعلى أهل الحي إذا وجدوا من مؤذنهم تلاعباً أن يشتكوه وأن يرفعوه إلى المسئولين، وإلا كانوا شركاء له في الإثم؛ لأن أمثال هؤلاء يفسدون على الناس دينهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن) قال العلماء: مؤتمن على ركنين من أركان الإسلام: الركن الأول: الصلاة، والركن الثاني: الصوم، فهو إذا أذن قبل الوقت في الفطر أو أذن بعد الوقت في الإمساك عرض صيام الناس للخلل، فلا يجوز السكوت على أمثال هؤلاء، بل يجب نصحهم وتوجيههم، فإذا لم يرتدعوا استبدلوا بغيرهم ممن يخاف الله ويتقيه في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يفسد صيامها، والله تعالى أعلم.

بيان أن الزكاة تكون في أهل البلد الذي فيه المزكي

السؤال

إذا كان لدي مال سواء كان أغناماً أو مزارع أو أي شيء من عروض التجارة في بلد آخر غير بلدي الذي أسكن فيه، فهل أخرج زكاته في أهل البلد الذي أسكن فيه، أم أخرجها في البلد الذي فيه هذا المال، أثابكم الله؟

الجواب

هذه مسألة مبنية على اشتراط إخراج الزكاة في الموضع الذي فيه المزكى، والدليل عليها قوله عليه الصلاة والسلام: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) وهذا في حديث معاذ في الصحيحين، فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم إخراج الزكاة في نفس البلد الذي هي فيه، ومن هنا يرد السؤال المذكور: هل العبرة بمال الرجل أو بمسكنه؟ الذي عليه المحققون من الأئمة من أصحاب هذا القول أن العبرة بمال الرجل، فيخرجه في الموضع الذي فيه المال، وإن أخرجه في الموضع الذي هو فيه فلا بأس ولا حرج، لكن الأحوط والأسلم أنه يخرجه في الموضع الذي فيه المال، والله تعالى أعلم.

حكم قضاء السنن الراتبة

السؤال

من كان مداوماً على السنن الرواتب وفاتته سنة راتبة فلم يتذكرها إلا بعد يوم أو يومين، هل يقضيها أم لا؟

الجواب

كتب له الأجر، والسنن الرواتب ليست واجبة مثلما ذكرنا في الواجبات في الصوم، فحينئذٍ السنن الراتبة إذا نسيها كتب الله له الأجر كاملاً، وهذه فائدة المداومة على الأعمال الصالحة، فإنك إن داومت على قراءة القرآن والأذكار، وداومت على الأعمال الصالحة، ثم -لا قدر الله- أصابك مرض كتب الله لك الأجر كاملاً، وقد يكون الرجل في عز شبابه وقوته يسافر في تعليم الناس وتوجيههم، ويسافر للحج والعمرة والأعمال الصالحة، فلما كبر قعد عن ذلك كله، فيكتب الله له أجر شبابه تاماً كاملاً، فكل من عذر يكتب الله له أجر الطاعة التي يداوم عليها في السفر يكتب له في المرض يكتب له قال صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له عمله) وهذه فائدة المداومة على الأعمال الصالحة، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يعيننا على حبه وطاعته ومرضاته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا.

شرح زاد المستقنع -

باب مقادير ديات النفس [2]

أصول الدية: الإبل، والذهب والفضة، والبقر والشياه، وبعض العلماء يرى أن الدية الأصل فيها الإبل.
فإذا أحضر القاتل أياً من هذه الصور فإن الولي يلزم بقبولها، وقد جاء في الكتاب والسنة بيان دية القتل والعمد وشبهه، واختلف العلماء في تغليظها.

أصول الدية ولزوم قبول الولي بأي واحد منها

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [هذه أصول الدية] تقدم معنا أن المصنف رحمه الله ذكر أصول الدية خمسة: الإبل والذهب والفضة والبقر والماشية، ومن أهل العلم من قال: الإبل هي الأصل، وهذا من حيث الدليل أقوى وأصح وأولى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها في الديات، وهذا في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (ألا إن في قتيل شبه العمد قتيل السوط والعصا مائة من الإبل) فنص عليه الصلاة والسلام على هذا الأصل.
وفي حديث عمرو بن حزم في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم في الديات ما يشهد بهذا، وقد أجمعت الأمة على قبول هذا الكتاب والعمل به، كما ذكر ذلك الإمام الحافظ ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم، والحافظ ابن حجر رحمة الله على الجميع.
حتى قالوا: إن شهرته أغنت عن طلب إسناده، والعمل عند سلف الأمة الصالح رحمهم الله والتابعين لهم من الخلف على هذا، أي: العمل بهذا الكتاب، وقد قال صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب: (في النفس المؤمنة مائة من الإبل) فهذا هو الأصل، والمصنف رحمه الله زاد لنا الذهب والفضة، وفيها قضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقضاء الصحابة رضوان الله عليهم، وقدر عمر رضي الله عنه الإبل كما بينا في المجلس الماضي، ومن هنا صارت أصلاً ثانياً عند العلماء رحمهم الله.
ثم بعد ذلك البقر والغنم على الأصل الذي ذكرناه في خطبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه اعتبر البقر واعتبر الغنم بديلاً عن الإبل، وبديلاً عن الذهب والفضة.
لكن عند النظر من حيث الأصل فإن الإبل هي الأصل، وعلى هذا فهي التي عليها المعول، وإنما لزم الرجوع لهذا للتنبيه؛ لأنه سيرتبط كلام سيأتي للمصنف رحمه الله بهذه الجملة، وأن العبرة بالإبل بالغة ما بلغت، سواء غلت قيمتها أو نقصت فهي الأصل وهي التي عليها المعول.
قال رحمه الله: [فأيها أحضر من تلزمه لزم الولي قبوله]: قوله: (فأيها أحضر من تلزمه) أي: الدية (لزم الولي قبوله) أي: قبول الذي أحضره، سواء كان الإبل أو الذهب أو الفضة أو البقر أو الشياه، على التفصيل الذي تقدم، لكن إذا قلنا: إن الإبل هي الأصل؛ فالأصل الذي يلزم بأخذه هو الإبل، وحينئذٍ لا يُلزم بالذهب والفضة وله الحق أن يقول: أريد الإبل.
هذا من حيث الأصل، لكن العلماء والأئمة رحمهم الله نبهوا على مسألة إذا شحت الإبل وقلت.
مثلاً: في بعض الأزمنة مثل زماننا تكثر الحوادث ويكثر قتل الخطأ في السيارات ونحوها، فلو تصورت مثلاً السيارة ربما يكون فيها الأربعون ويهلكون في لحظة واحدة، وتلزم دية هؤلاء، فإذا كانوا أربعين، فيلزم لهم أربعة آلاف من الإبل، ثم حادث آخر وثانٍ وثالث حتى تشح الإبل، وحينئذٍ تصبح عزيزة.
لذلك ذكر بعض العلماء هذا من باب المصلحة المرسلة، وعدلوا بها إلى التقويم؛ أي: تقويمها بالذهب والفضة، والتقويم على وجهين: تقويم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويعتبر أصلاً عند أهل العلم إذا قلنا: إنها ألف مثقال من الذهب.
وهناك خلاف في مسألة مهمة وهي: هل تقديرات الصحابة في الأحكام تعتبر وقتية زمانية بحسب عرفهم؟ أم أنها باقية إلى قيام الساعة، يعني تعبدية؟ إن تقديرات الصحابة واجتهاداتهم مثل أقضية الصحابة في قتل الصيد التي تقدمت معنا، حينما قضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحمامة في الحرم شاة، وهذا حكم وقضاء من خليفة راشد، وقضاء الصحابة رضوان الله عليهم في الوعل والثيتل، كما قضى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وعبد الله بن عباس.
إن قلت: إن هذا القضاء يبقى إلى يوم القيامة فلا يستأنف الاجتهاد فيه، فهذا وجه، ويختاره الحنابلة ويدرجون عليه، ومنها مسألة الحمى؛ فمثلاً عندنا حمى عمر بن الخطاب وحمى عثمان رضي الله عنهما، فهل إذا حموا يظل حمى إلى قيام الساعة؟ أم أنه وقتي زماني مقدر بذلك الزمان، فإذا تغير الزمان ممكن أن يجتهد باجتهاد جديد، فيحكم بارتفاع الحمى، ويحكم بتجديد اجتهاد الحكمين في مسألة الصيد، ومن أمثلتها مسألتنا.
فإن قلنا: إن عمر بن الخطاب وقت وحدد الدية على سبيل الإلزام فلا تغير، فننظر قيمة الألف دينار كم تعادل في زماننا، والاثني عشر ألف درهم، ونقدرها بالدراهم، مثل الريالات الموجودة وعدلها من الذهب بالجنيهات والدنانير والدولارات، هذه من جهة الذهب وهذه من جهة الفضة، هذا إذا قلنا: إنها زمانية محددة بذلك العرف.
ويشهد لهذا قول عمر: ألا إن الإبل قد غلت.
ففارق بين زمانها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبين زمانه هو، فجعل طرو الاختلاف في الأسعار موجباً لطرو الحكم وتجديد الحكم، وهذا وجه عند بعض العلماء رحمهم الله.
وبناءً على هذا تصبح الإبل هي الأصل وتخرج من الإشكال كله.
فإذا قلنا: إن الإبل هي الأصل.
أصبح التقدير بالعدل من اجتهاد عمر رضي الله عنه، وفيه أحاديث مرفوعة ضعيفة، وقد بينّا هذا وأشرنا إليه فيما مضى.

مقدار دية قتل العمد وشبهه

قال رحمه الله: [ففي قتل العمد وشبهه خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة].

أنواع الدية واختلاف العلماء في تغليظها

قوله: [ففي قتل العمد وشبهه]: الدية تنقسم إلى نوعين: النوع الأول: الدية المغلظة.
والنوع الثاني: الدية المخففة، أو مطلق الدية، كما يقول بعض العلماء رحمهم الله.
التغليظ في الدية: التشديد والتعظيم، وأصل الشيء الغليظ هو: الشديد والعظيم، وبعض العلماء يرى أنه يُشرع تغليظ الدية، ومنهم من لا يرى التغليظ، والذين يرون التغليظ يختلفون: المذهب الأول: منهم من يحصر التغليظ على صفة القتل، فيقول: إذا قتلَ قتل عمد أو شبه عمد فإنه تُغلظ عليه الدية، ولا يسوى بين دية الخطأ المحض وبين دية العمد وشبه العمد.
والمذهب الثاني يقول: إن الدية تغلظ؛ فتغلظ في صفة القتل، وتغلظ بالزمان وتغلظ بالمكان، وتغلظ بالشخص المقتول، فيغلظونها إذا كانت في حرم مكة، واختلف في حرم المدينة هل تغلظ أو لا؟ فتغليظها في حرم مكة مأثور عن خليفتين راشدين عن عمر حكاية، وعن عثمان رواية صحيحة، وفي شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكنه ضعيف.
فهذا التغليظ أُثر عن عمر، وعثمان، وعبد الله بن عمر، وصار التغليظ إلى ثلث الدية، يعني يجب عليه دية مع زيادة الثلث، وهذا كما ذكرنا صح عن عثمان رضي الله عنه، ويلاحظ أن التغليظ هنا ليس في الإبل، وإنما هو في النقد، ويشمل الإبل والنقد ولا ينحصر في الإبل وحدها.
قضى عمر بن الخطاب في رجل وطئ في الطواف في البيت بدية وثلث، يعني زاد على الجاني ثلث الدية تعظيماً للحرم.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أيضاً.
قالوا: فهذا يدل على أن الدية داخل الحرم تغلظ، وهذا مذهب طائفة من السلف رحمة الله عليهم، وخالف هذا القول قول آخر فقال: إن الدية لا تغلظ في الحرم.
والقول الأول عند الشافعية، وعند الحنابلة قول به، وهو رواية عن الإمام أحمد، ولكن الرواية التي عليها ظاهر مذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه، وهو مذهب الحنفية وأهل الرأي، وقول فقهاء المدينة السبعة: على أنه لا تغلظ الدية داخل الحرم.
فلو أخطأ شخص وقتل شخصاً في الحرم لا تضاعف عليه الدية، واستدلوا بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم فتح مكة، قال: (وأنتم يا خزاعة! قد قتلتم القتيل من هذيل وإني عاقله) فخزاعة قتلت الرجل من هذيل، وكانت خزاعة حلفاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فتحمل النبي صلى الله عليه وسلم دية المقتول ولم يغلظ الدية مع أن القتل وقع داخل الحرم، وهذا يدل على أن الدية لا تغلظ لا بالزمان ولا بالمكان.
الصورة الثانية عند القائلين بالتغليظ: التغليظ بالزمان، يقولون: من قتل خطأً في الأشهر الحرم، فإننا نوجب عليه الدية وثلثاً، وهذا من باب التغليظ بالزمان.
ودليلنا على أن هذا القول مرجوح: أن الله تعالى أمر بالدية، وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم الدية أنها مائة من الإبل، وغلظ في أثمان الإبل وطريقتها أثلاثاً وأرباعاً على التفصيل الذي سنذكره، ولم يذكر زيادة على الوارد الذي هو مائة من الإبل.
ولذلك نقول: هذا هو الأصل والذي دل عليه الدليل، وحرمة الزمان هذه لا دليل على التغليظ بها، فنبقى على الأصل الموجب للدية الأصلية وهي مائة من الإبل.
كذلك أيضاً عندهم التغليظ في الشخص المقتول، ويأتي على صورتين عندهم: منهم من قال: إذا كان المقتول قريباً للقاتل، فلو قتل والعياذ بالله أخاه يغلظون الدية، وهو ذو الرحم المحرم.
وأيضاً عندهم وجه ثان من التغليظ، وهذا وجه قليل من يقول به، وهو التغليظ بغير الصفات، فهم يرون أن قتل المحرم تغلظ فيه الدية.
وكل هذه الأقوال الصحيح أنها مرجوحة، وأنه لا تغليظ إلا في قتل العمد وشبه العمد، كما ذكر المصنف رحمه الله؛ وذلك لأنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غلظ، ولما جاء قضاء الصحابة مخالفاً للمرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتمل الاجتهاد منهم بقينا على الأصل، وقلنا: إن الحجة فيما رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجب العمل به، والأصل أن مال المسلم حرام حتى يدل الدليل على استباحته، وليس عندنا دليل صريح واضح بهذا التغليظ.
فلا تغلظ الدية إلا في المسألة التي ذكرها المصنف وهي قتل العمد وقتل شبه العمد: لو أن شخصاً والعياذ بالله قتل شخصاً عمداً، ورفع إلى القاضي لأجل الحكم عليه، فقيل لأولياء المقتول: تقتلونه أو تعفون؟ قالوا: نعفو.
فعدلوا إلى الدية، فإذا عدلوا إلى الدية فإنها تغلظ الدية عليه.
هذا التغليظ فيه وجهان مشهوران للعلماء رحمهم الله في المذاهب الأربعة: القول الأول: كما ذكر المصنف أن تغليظ الإبل أرباعاً: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وقد فصلنا في كتاب الزكاة أسنان الإبل وبينا المراد بها.
ويجب عليه أن يأتي بها على هذه الصفة، كما يجب أن تكون حالة ويحضرها دون تأجيل كما تقدم معنا في دية العمد.
هذا القول اختاره المصنف رحمه الله، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمة الله عليه، وهو مذهب المالكية والحنفية رحمة الله على الجميع، كما هو مروي عن بعض السلف.
القول الثاني: وهو مروي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مذهب الشافعية، ورواية أيضاً عن الإمام أحمد: أن التغليظ للدية يكون أثلاثاً: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة -حوامل- في بطونها أولادها، فيرون أنه يجب عليه أن يحضر الإبل على هذه الصفة.
والذين قالوا بالقول الأول -والذي اختاره المصنف رحمه الله وأشار إليه- احتجوا بحديث الزهري عن السائب بن يزيد قال: (كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرباعاً، خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة -طروقة الفحل- وخمس وعشرون جذعة) فأصبح المجموع مائة.
وأصحاب القول الثاني استدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد حسنه غير واحد من العلماء رحمهم الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن قتل القتيل فأهله بخير النظرين؛ إن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا أخذوا الدية؛ ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها).
هذا نص واضح دل على تغليظ الدية، فمن قتل له قتيل فأهله بخير النظرين: (إما أن يقتلوه) هذا يدل على أنه في العمد وليس في الخطأ، إما أن يقاد، والقود لا يكون إلا في العمد، وإما أن يدفع الدية، ثم بين الدية، فلما جعل الدية بدلاً عن القتل فهمنا أن هذا في العمد، وأنه عليه الصلاة والسلام شدد في الإبل وجعلها على هذه الصفة.
فنقول: يجب عليه أن يأتي بها على هذه الصفة، وهذا القول الثاني أقوى وأرجح إن شاء الله؛ لأن الحديث حسنه الإمام الترمذي وغيره، وهو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بروايته في هذه المسألة، وهو نص في موضع النزاع، حيث بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أقوى ثبوتاً من رواية الزهري عن السائب.
ولذلك يقدم العمل بتثليث الدية كما هو مذهب الشافعية، ويحكى عن أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم اختاروا هذا القول، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس؛ أنها ثلاثون حقة -استحقت أن يطرقها الفحل وأن يحمل عليها وأن يركب -وثلاثون جذعة- وهي التي تقدمت معنا في الأضاحي والزكاة- وأربعون في بطونها أولادها.
هذا بالنسبة لقتل العمد وقتل شبه العمد.

مقدار دية القتل الخطأ

قال رحمه الله: [وفي الخطأ تجب أخماساً ثمانون من الأربعة المذكورة، وعشرون من بني مخاض]: قوله: (وفي الخطأ): أي في قتل الخطأ.
(تجب الدية أخماساً) أي: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، هذه ثمانون، ثم عشرون من بني مخاض من الذكور.
وهذه ورد فيها أيضاً حديث السنن وحسنه غير واحد من الأئمة رحمة الله عليهم، وهو نص في موضع الخلاف؛ والذي عليه طائفة من العلماء ما اختاره المصنف رحمه الله أنها تكون أخماساً، لكن عارضه قول وهو مذهب الشافعية رحمة الله عليهم، فإنهم يجعلون العشرين الباقية من ابن لبون ولا يجعلونها ابن مخاض، يعني: يلاحظ في قتل الخطأ أنه أوجب عليه الصلاة والسلام العشرين الخامسة من بني مخاض، والشافعية يقولون: بل يجب ما هو أعلى وهو ابن لبون.
والصحيح ما ذهب إليه المصنف رحمه الله والحنابلة، وأيضاً هو قول طائفة من أئمة السلف، ويحكى عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن الواجب من بني مخاض، حتى قال بعض أهل العلم: إنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جعل بدل بني المخاض بني لبون، والصحيح أنه ابن مخاض، وهذا أنسب، خاصة على التخفيف، ولذلك يترجح ما اختاره المصنف رحمه الله: أن العشرين الخامسة من بني مخاض وليس من بني لبون.

عدم اعتبار القيمة في الإبل

قال رحمه الله: [ولا تعتبر القيمة في ذلك]: أي: في الإبل، والقيمة هي الألف دينار والاثنا عشر ألف درهم، فهذه المسألة فيها إشكال، وإذا دفعنا الدية من الإبل فهناك حالتان: الحالة الأولى: أن تساوي قيمة الإبل قيمة الذهب والفضة، وحينئذٍ لا إشكال عند العلماء ولا اختلاف؛ لأنه حينئذٍ صارت عدلاً، والقيمة مساوية للإبل.
الحالة الثانية: أن تكون قيمة الذهب والفضة الألف دينار، فهل تكون الإبل أغلى أو أرخص؟ تكون أرخص، بمعنى أنها لا تعادل الألف دينار، فتكون مثلاً تعادل ثمانمائة دينار -ثمانمائة مثقال- فحينئذٍ نقصت قيمة الإبل عن معادلة الذهب.
الصورة الثانية: أن تزيد قيمة الإبل على قيمة الذهب والفضة، فتكون المائة من الإبل تعادل مثلاً ألفي دينار، يعني الضعف، ولربما ألفاً وخمسمائة، فقال: سواء زادت أو نقصت العبرة بالإبل سواء كانت قيمتها غالية أو رخيصة، وهذا هو الصواب إن شاء الله؛ لأن قضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدل على هذا أيضاً؛ فإنه قال: (ألا إن الإبل قد غلت).
قال بعض الأئمة كما اختاره الإمام ابن قدامة وأشار إليه: إن الإبل كانت على زمان النبي صلى الله عليه وسلم تعادل الثمانمائة دينار، ولذلك يقول عمر: (ألا إن الإبل قد غلت) ولما غلت عادلت في عهده ألف دينار، وهذا يدل على أن الزيادة والنقص لا تأثير له، وأن الإبل هي الأصل، وهذا مبني على المذهب الذي اخترناه؛ أن الإبل هي الأصل في الديات، وأن الواجب الرجوع إلى الإبل والعمل بذلك.
قال: [ولا تعتبر القيمة في ذلك بل السلامة]: بل يجب أن تكون الإبل المدفوعة في الدية سالمة من العيوب بريئة من العيوب المؤثرة، والعيب هو: النقص، يقال: عاب فلان فلاناً إذا انتقصه، ولما كان العيب في الإنسان نقصاناً في خلقته، قيل له: عيب، من هذا الوجه.
فالعيب ينقسم إلى قسمين: عيب مؤثر، وعيب غير مؤثر.
والعيب المؤثر ضابطه في الإبل والبقر والغنم: هو الذي يوجب نقصان المالية نقصاناً مؤثراً، بعض العلماء يضيف هذا القيد (نقصاناً مؤثراً) يعني لو أنقصها شيئاً تافهاً أو يسيراً لا يؤثر.
وبناءً على ذلك: لو -مثلاً- جئنا نأخذ دية الإبل من القاتل، أو أولياء القاتل، فأعطانا إبلاً عرجاء، أو شلاء، أو مقطوعة الأذن، أو عجفاء، أو هزيلة أو مريضة، كل هذا لا يجزئ، بل لابد وأن تكون سالمة من العيوب.
وكذلك العيب الخلقي، مثل جنون الحيوان، يقولون: يمكن أن يوصف الحيوان بالجنون، فيجن في بعض الأحيان، وليس له عقل في الأصل، لكن يقول العلماء: إنه لا يستقر ويضطرب، ففي هذه الحالة يقولون: لا يجزئ حتى في الأضاحي والزكاة، فإذا كانت معيبة عيباً مخلاً فإنها لا تجزئ في الدية، ومن حق أولياء المقتول أن يردوها.
لكن لو رضوا وقالوا: قبلنا ورضينا بها سقط حقهم، وهم في ذلك بالخيار.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

الأسئلة

حكم التنويع في الدية

السؤال

لو خلط في الدية بين الإبل والبقر والغنم، فهل يلزم الولي قبولها؟ أثابكم الله.

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
هذه دية مشكلة على من يقول: إنها كلها أصول، فحينئذ ينظر إلى التقدير، ويصححون هذا وهو أحد الأوجه عند العلماء رحمهم الله، فإنهم يرون هذا، يعني أنه إذا دفع نصفها من الذهب ونصفها من الإبل صح، كما لو شحت عنده الإبل ولم يجد كمالاً لها وأخرج الباقي من الذهب والفضة قالوا: يصح هذا؛ لأنهم يرون أنها أصول، وكذلك في حالات الاضطرار إذا لم توجد أصلاً في البلد أو المدينة التي هو فيها، فأخرج عدلها فإنهم يصححون هذا ويجيزونه، والله تعالى أعلم.

حكم اشتراك العاقلة في دفع دية العمد

السؤال

إذا جرى في عرف القبيلة أن دية العمد يشترك فيها العاقلة، فهل فيه حرج؟ أثابكم الله.

الجواب

لا.
هذا خلاف شرع الله عز وجل، دية العمد لا تشارك فيها القبيلة؛ لأن هذا يجرئ العصاة على سفك الدماء.
لكن لو أن هذا القاتل تاب وأصلح واستقام، وأحبت القبيلة أن تقف معه لتوبته وصلاحه هذا أمر آخر، أما عاص مجرم سفاك لدماء المسلمين يقتل عمداً، ثم تأتي القبيلة وتساعده في ذلك، فهذا من الظلم؛ لأن هذا من الإعانة على الظلم، ويقع فيها إحراجات، فلو أتى شيخ القبيلة وفرض ذلك على القبيلة، فيكون قد ظلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصول الشريعة والإجماع منعقد على أن العاقلة لا تحمل إلا في الخطأ.
أما إذا قتل عمداً وجئنا نساعده فمعنى ذلك أننا نعينه على قتل المسلمين ولا يبالي، ثم هو لا يحس أصلاً أنه قتل؛ لأنه عفا الأولياء عن القتل، ثم قامت جماعته وقبيلته بجمع المال فلم يخسر شيئاً، فإذا أصبح الأمر بهذه المثابة لم يشعر بحرمة هذا الدم الذي سفك، لكن عندما يتحمل دفع الدية إذا عفا أولياء المقتول، وغلظت عليه، وامتنعت قبيلته من أن تعينه أو تساعده، شعر أنه منبوذ بجرمه وأنه مسيء بخطئه، وأنه تعدى حدود الله عز وجل بفعله، وحينئذٍ يصلح حاله ويكون أدعى إلى أن يستقيم.
أما إذا كان كلما جنى جناية يعلم أن قبيلته تقبل شفاعتها، ثم يعلم أن القبيلة الأخرى لا تستطيع أن تطالب بالدم، فيحرجون، ثم يتنازلون عن الدم، وتدفع قبيلته الدية، وهكذا يسترسل في الفساد، ويسفك الدماء المحرمة، فهذا لا يجوز، ويجب على ولي القبيلة وشيخ القبيلة أن ينظر ما هو الأصلح، وأن يتقي الله عز وجل فلا يحمل أفراد القبيلة إلا ما أمر الله عز وجل بتحميلهم إياه، وهو قتل الخطأ، والعاقلة تعقل الخطأ ولا تعقل العمد، وهذا بإجماع المسلمين.
وعلى هذا: فإن هذا الفعل إذا أصبح سنة في القبيلة فإنها سنة سيئة، ويجب تعليم هؤلاء وتذكيرهم بالله عز وجل وبيان الحق لهم، فإن إجماع العلماء على أن العاقلة لا تحمل إلا الخطأ، وعليه: فإننا لو حملنا العاقلة العمد فقد خالفنا شرع الله عز وجل، وهي سنة سيئة ومعونة على الإثم والعدوان، وقد نهى الله عز وجل عن ذلك بقوله: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:2].
فحرم الله عز وجل التعاون على الإثم والعدوان، فالقاتل أثم بقتل النفس المحرمة، واعتدى حدود الله عز وجل، وزوال الدنيا أهون عند الله من سفك دم المسلم البريء، والكعبة عظيمة الحرمة عند الله، ولدم المسلم أعظم حرمة عند الله من الكعبة.
يقول ابن عمر رضي الله عنه: إن من ورطات الأمور سفك الدماء المحرمة.
وفي الأثر: (لا يزال المؤمن في فسحة من أمره حتى يسفك دماً حراماً) فإذا سفك الدم الحرام والعياذ بالله فقد أوبق نفسه وأهلكها، ولذلك جعلها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الشرك بالله عز وجل، فقال: (اجتنبوا السبع الموبقات -يعني المهلكات- الشرك بالله، وقتل النفس المحرمة).
فهذا يدل على حرمة هذا الذنب وعلى عظمه؛ وهو قتل النفس المحرمة، فكيف يعان عليه؟ هذا لا يجوز، فإذا ثبت هذا فإنه ينبغي تنبيه هؤلاء وإرشادهم وتعليمهم.
لكن نقول لشيخ القبيلة: جزاك الله خيراً على حفظ الرحم وحبك أن تنصر أخاك، ولكن انظر في حال القاتل، فإن وجدت عنده استعداداً أن يتوب، وحاله صلح واستقام، ورأيتم أن تعينوه فهذه حسنة منكم وأنتم مجزيون عليها خيراً، استصلاحاً لحاله، لكن لابد وأن يشعر بالجريمة التي فعلها، والعظيمة التي أتاها، والله تعالى أعلم.

استواء التغليظ في الرجال والنساء

السؤال

إذا قتلت المرأة عمداً فهل التغليظ يرد في ديتها؟ أثابكم الله.

الجواب

إذا قتلت المرأة عمداً نفس الحكم، يعني التغليظ يشمل الرجال والنساء، والله تعالى أعلم.

حكم استبدال الموقوف

السؤال

عندي مجموعة من الضأن وهي لأمي، وهي صدقة لوجه الله، تذبح ذكرانها وتوزع وتباع إناثها، ويصرف منها على بقيتها، أحببت استبدالها بغنم حيث أن الغنم مرغوبة عند الناس وقليلة في مصارفها، أفتوني أثابكم الله.

الجواب

إذا كانت الأم قد حددت أو أوقفت هذا الشيء فلا يجوز العدول والتغيير والتبديل، لكن إذا أوصت وقالت في وصيتها النظر لمن يليها، فأنت انظر الأصلح إذا فوضت لك النظر.
أما إذا حددت وقالت: إن هذه الغنم أو هذا الضأن وقف يفعل به كذا وكذا، فالواجب على ولي هذا المال أن يتبع ما قالته وأن يبقى المال بعينه؛ لأنه مخصوص بعينه لهذه الصدقة، فيبقى على حاله.
والحمد لله، الضأن فيه خير كثير، وفيه نفع للناس، ولا شك أن التضحية به أفضل من المعز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم (ضحى بكبشين أملحين أقرنين موجوئين)، وهذا يدل على تفضيله بالنسبة للصدقة.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (من راح الساعة الثالثة كان كمن قرب كبشاً أقرن) لم يقل: كان كمن قرب معزاً، وهذا يدل على تفضيله في الصدقات، فلا تستهن بالضأن، الضأن فيه خير، لكن الماعز سبحان الله! فيه بركة، خاصة المعز الحجازي الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (كنت أرعاه على قراريط لأهل مكة) وقال: (عليك بالأسود منه فإن فيه بركة) وهو المعز الصغير الموجود بكثرة في جبال الحجاز، فهذا فيه بركة، وأخبر عنه عليه الصلاة والسلام بذلك في الحديث الصحيح، فهذا فيه بركة من جهة النماء، ومثلما ذكرت أنت في السؤال أنه أخف مئونة وأكثر نسلاً، هذا فعلاً موجود فيه، لكن من ناحية الشرع، فالشرع فضل الضأن، ولذلك قالوا: إنه أفضل، والأضحية به أكمل، وإذا كانت الضأن مقصودة بالصدقة فيبقى مالها على حاله.
أما لو فوضت لك النظر، وقالت: هذا الثلث أخرجوا منه شياهاً أو غنماً، واجعلوها على صفة كذا وكذا، فجعلت أنها شاة بغض النظر عن كونه ضأناً أو معزاً، فالأمر إليك أن تنظر الأصلح والأنفع، والله تعالى أعلم.

حكم من وجد نجاسة في ثوبه بعد الاستنجاء

السؤال

من استنجى ثم وجد بعد ذلك نجاسة في ثوبه فهل ينتقض وضوءه؟ أثابكم الله.

الجواب

إذا استنجى ووجد النجاسة في الثوب، إما أن يغلب على ظنه خروجها بعد الاستنجاء وقبل الوضوء، فحينئذٍ وضوءه صحيح، ويغسل النجاسة، وصلاته صحيحة لو صلى وهو لم يعلم بهذه النجاسة، إذا كانت النجاسة موجودة ووقعت قبل الوضوء.
مثلاً رجل دخل الحمام الساعة الواحدة واستنجى، ثم خرج من الحمام ونسي أن يغسل النجاسة الموجودة في الثوب مثل من معه سلس، أو تقاطر في البول، فهذه النجاسة قبل توضئه وقبل طهارته، ولكنها ليست على وجه النقض، فصلاته صحيحة ووضوءه صحيح، وكونها في الثوب وصلى ولم يعلم بها لا يؤثر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بنعليه وفيهما نجاسة ثم خلعهما أثناء الصلاة ولم يعد الصلاة من أولها، فدل على أن من نسي النجاسة وصلى فصلاته صحيحة.
لكن إذا شك هل خرجت هذه القطرة، فصلاته باطلة؛ لأنه صلى بغير وضوء، أو خرجت بعد الصلاة فصلاته صحيحة، فاليقين أنها خرجت بعد الصلاة، ولذلك يقولون في القاعدة: ينسب لأقرب حادث، وهذه القاعدة من فروعها هذه المسألة: أنه إذا شك في الخارج هل خرج قبل الصلاة فيجب عليه أن يعيد؟ أو خرج بعد الصلاة فصلاته صحيحة؟ أو إذا طافت المرأة ووجدت دم الحيض، ولم تدرِ هل خرج قبل الطواف أو أثناء الطواف، فطوافها فاسد؟ أو خرج بعد الطواف فطوافها صحيح؟ تنسبه لأقرب حادث؛ لأن الأصل صحة طوافها وصحة صلاتها حتى تستيقن أنه خرج منها الخارج قبل الطواف، أو أثناء الطواف أو أثناء الصلاة أو قبل الصلاة.
هذا من حيث الواجب عليه، صلاته صحيحة حتى يتأكد أنه خرج منه ذلك بعد وضوئه وقبل صلاته أو أثناء الصلاة، فيجب عليه أن يعيد، والله تعالى أعلم.

حكم الانتفاع بظل الدار مع وجود الضرر على صاحب الدار

السؤال

هل ظل الدار حق لصاحبه يأثم من ينتفع به إذا تضرر صاحب الدار، ومثال ذلك كمواقف السيارات تحت المنازل في الظهيرة؟ أثابكم الله.

الجواب

هذا أمر يحتاج إلى نظر، مالك الدار يملك أرضها وسماها، ولا يملك ما خرج عن حدودها وسمتها، لكن الذي ذكره العلماء: إذا تضرر بالوقوف في وجه بابه، يعني إذا كان الظل يأتي على جهة الباب، فالضرر حينئذٍ من حيث خروج النساء، وخروج الذرية، وخروج الأطفال والعجزة؛ لأنه تنكشف عورته، وأيضاً يتضرر بخروج نسائه أمام الأجانب، فمن حقه أن يقول له: لا تقف أمام باب داري.
لكن إذا كان الظل في جانب آخر من جوانب البيت، فهو يملك البيت ولا يملك ظله.
ولذلك هذا الظل من سبق إليه فهو أحق به، لا يستطيع أن يمنعه؛ لأن الظل ملك لله سبحانه وتعالى، وهو من ظل الدار وليس للدار نفسها، وليس بمتصل بالدار ولا بفرع عن الدار، ولا منفعة ناشئة عن الدار نفسها نشوء الفرع من أصله، وإنما جاء استتباعاً لجريان الشمس على حسب قربها وبعدها من خط الاستواء في طول الظل وقصره واختلاف جهاته، وهذا أمر ليس مما يملكه الإنسان.
وعلى هذا: الأشبه فيه والله أعلم أنه لا يملكه الإنسان، إنما إذا كان الظل على باب الدار أو على حوش الدار؛ مدخل الإنسان ومخرجه فيمنع، لكن لا يمنع لسبب آخر، أما المنافع التي من الدار نفسها في الأشياء المنفصلة فالأشبه أنه لا يملكها صاحبها، والله تعالى أعلم.

الصبر على بر الوالدين

السؤال

لدي مشكلة وهي عدم رضا والدي عني مهما فعلت وبذلت، ويواجه هذا الإحسان بالإساءة والسب، فبماذا تنصحني؟ أثابكم الله.

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: أسأل الله العظيم أن يعينك، وأن يرزقك رضا والديك عنك، وأن ينزع ما في قلب أبيك عليك.
أخي في الله! أوصيك بالصبر، ومن صبر ظفر، وليس هناك أعظم للمؤمن بعد الإيمان بالله عز وجل من صبره على طاعة الله عز وجل، فأنت تخوض غمار رحمات الله ببرك لوالديك.
واعلم أن أفضل ما يكون البر إذا وجدت صدوداً وإعراضاً من الوالدين فأبيت إلا أن تبر، فتحسن ويسيئا، وتكرمهما ويهينانك، وتعطيهما ويحرمانك، فإذا كنت كذلك انصرف قلبك لله، ولم ينصرف لغيره أو أحد سواه، لعلمك أن الله لا يضيع لك الأجر، فاطمأننت بالله ووثقت أن الله نعم المولى ونعم النصير، واستجبت لأمر الله عز وجل، وكأن لسان حالك يقول: يا رب! إني أبر والدي وألتمس رضاهما وأقدم ما أوجبت عليّ في حقيهما، فأسألك أن تتقبل مني وأن ترضى عني.
ثم بعد ذلك رضيا أو لم يرضيا لم تبال بذلك؛ لأنك تعامل الله وحده وترجو ثواب الله المطلع على الخفايا الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف:30] وكان الناس حينما نزل الوحي مبتلين بشرك الوالدين وكفر الوالدين، فيجاهد الوالدان الولد على الكفر والشرك، ومع ذلك تتنزل الآيات بالعضات البالغات والكلمات الصادقات تأمر ببر الآباء والأمهات، ووالداك على الإيمان والحمد لله، فاصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، واصبر فإن الله مع الصابرين، واصبر فإن الله يحب الصابرين، لا تعلم مقدار ما لك من الأجر، وكم من بار لوالديه قد ضحك الوالدان وسر الوالدان ببره فاغتر بسرورهما، وفاته شيء كثير من الإخلاص بسبب عطفهما وأنسهما.
أما أنت فسلط الله عليك أن تدخل على الوالد عبوساً، وأن تدخل على الوالد ساباً شاتماً، فينكسر قلبك لله، وتطمع في رحمة الله، وترجو ما عند الله، فيستهزئ بك أبوك، ولكنك واثق أن معك الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:58] الله لك خير من والديك، ومن ولدك ومن الناس أجمعين.
هل تريد أن يكون لك والداك وتحرم عظيم الأجر من ربك، ولكن كن على ثقة بأن كل الذي تفعله إن أخلصت فيه لوجه الله فإن الله لا يحرمك الخير، ولا يحرمك الثواب والأجر، وهذه من بشائر الخير لولي الله المؤمن، ولذلك كما تجد هذا في الوالدين تجده في الولد، تحسن إلى أولادك فلا ترى إلا قلوباً كافرة للمعروف، تحسن إلى الزوجة فتجد قلباً منصرفاً ينكر المعروف ولا يعرف معروفاً، وتحسن إلى طلابك، وتحسن إلى تلامذتك، وتحسن إلى جيرانك وأقاربك، فتجد الصدود والإعراض، فيزيدك الأمر إخلاصاً لله عز وجل، وطلباً لرحمة الله، ومحبة لله، وثقة بالله، وما ألذها من ساعات للمؤمنين والمؤمنات والمخلصين والمخلصات إذا تلذذوا بمعاملة الله ونسوا كل شيء سواه.
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب ماذا تريد من الناس؟ وماذا تريد من الجِنة والناس؟ لك ربك الذي لا تخفى عليه خافية، لك ربك الحليم الرحيم الكريم العدل الذي أقام السماوات والأرض بميزان قسط لا يخيب شعرة، ويقيمه يوم القيامة، فإن كان مثقال حبة من خردل أتى بها، وكفى به سبحانه حسيباً رقيباً، فاطمع في رحمة ربك وثق بالله، وكن قوي العزيمة.
وهذا ليس بخاص بهذا الأخ، بل هو منهج لكل مؤمن أنه إذا فعل الحسنة لا ينتظر من الناس جزاءً ولا شكوراً، هذا مقام المحسنين والصابرين، وهذا مقام الأقوياء، الذين قوي إيمانهم وصح معتقدهم، وسلمت عقيدتهم في ربهم، فأسلموا لله صدقاً وحقاً، لا ينتظرون من أحد جزاءً ولا شكوراً.
تجد علماء السلف ودواوين العلم؛ مثل الإمام البخاري رحمه الله برحمته الواسعة، فقد حفظ للأمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مئات الألوف من الأحاديث، وأصبح الناس يطعنون حتى في عقيدته، وتوفي رحمه الله برحمته الواسعة وهم يسبونه ويشتمونه، ويختلف فيه أهل سمرقند: هل يدخل أو لا يدخل؟ وذلك لخلل عندهم في عقيدتهم، ولكن أبى الله إلا أن يزكيه ويطهر سيرته، ويرفع قدره، ويحسن جزاءه، فأبقى للأمة مشكاة عظيمة اهتدى بها السائرون، وصلحت بها أحوال المؤمنين، وسيلقى عند الله جزاءها وثوابها.
لا تنتظر من الناس شيئاً، الزوجة تعمل في بيت زوجها لا تنتظر مدح زوجها ولا ثناءه، والزوج يخدم زوجته ويقوم على أهله وأولاده لا ينتظر إلا جزاء الحي القيوم الكريم سبحانه، والطالب مع شيخه، والشيخ مع طلابه، لا تنتظر إلا جزاءً من الله، خاصة في أمور العبادات.
هذا هو مقام المحسنين ومقام المخلصين: ألا تلتفت إلى شيء غير الله جل جلاله، وأن تطمع في رحمة الله، وأن تعلم أن الله إذا صرف عنك مدح المادحين، وثناء المثنين، تدخل على أبيك وأمك فتقدم مثاقيل الحسنات فتجابه بالسخرية والاستهزاء بأنك متدين أو صالح أو غير ذلك، ويدخل أخوك فلا يقدم إلا القليل الذي لا يذكر فإذا به يرفع إلى السماء، رفع في الدنيا ورفعت في الآخرة، وأعطي الدنيا وحرم الآخرة، وأعطيت الآخرة وحرمت الدنيا ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:16 - 17]. يا هذا! أخلص لله وكن مع الله ولله وفي الله، وأبشر بكل خير من الله، قال الحسن رحمه الله: لا يزال الرجل بخير إذا قال قال لله، وإذا عمل عمل لله.
وهذا عام في جميع أمور الحياة، وهي وصية من يريد الإخلاص لوجه الله عز وجل، ومن أحس لذة الإخلاص، عرف أن الله له حكم في عباده، إذا أحب عبداً من عباده صرف عنه الحرص على مدح الناس وكرهه إلى قلبه، وجعله لا يفكر في مدح المادحين، فهو لم يفكر في مدح المادحين فضلاً عن ذم من يذم، فتجده في مقام صدق عند رب العالمين.
نسأل الله بعزته وجلاله وعظمته وكماله أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل، فالإخلاص هو سر الحياة، وصلاحها وسعادتها وفلاحها، وللمخلصين جنة في الدنيا قبل جنة الآخرة، وسرور في الدنيا قبل سرور الآخرة، وهو السرور بالله وحده، فتأنس بالله عز وجل حينما تقدم للناس الخير، وتقدم للناس البر، ولا تجد منهم حامداً ولا شاكراً؛ لأن الله عز وجل يريد أن يدخر لك ذلك كله، فهذه نعمة من الله عليك، فاستبشر بفضل الله، وأحسن الظن بالله، ثبت الله قلبك وسدد قولك وعملك، والله تعالى أعلم.

حكم انقطاع النفاس قبل الأربعين

السؤال

امرأة انقطع دم النفاس عنها بعد إحدى وعشرين ليلة من النفاس، هل تصلي وتصوم؟ أو تنتظر إلى الأربعين؟ أثابكم الله.

الجواب

إذا انقطع الدم ورأت علامة الطهر وهي القصة البيضاء والجفوف على أصح قولي العلماء، وانقطع يوماً كاملاً، فإنها تصوم وتصلي فيه، ثم إذا عاودها لفقت؛ يعني أضافت الأيام الجدد إلى الواحد والعشرين حتى تتم أربعين يوماً فتحكم بخروجها من نفاسها، والله تعالى أعلم.

الواجب على من أفطر في رمضان لعذر ثم انقطع العذر

السؤال

المسافر في رمضان إذا أفطر ووصل إلى أهله بعد العصر، هل يبقى على إفطاره أو يمسك؟ أثابكم الله.

الجواب

يمسك بقية يومه، قال صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس! إن الله فرض عليكم صيامي هذا في مقامي هذا، فمن أصبح منكم صائماً فليتم صومه، ومن أصبح منكم مفطراً فليمسك بقية يومه) هذا الحديث دل على أن من كان مفطراً لعذر وانقطع عنه العذر وجب عليه الإمساك لحرمة اليوم، وهو أصل عند جمهور العلماء رحمهم الله، على أن المسافر إذا قدم المدينة أنه يمسك بقية يومه، ويكتب له أجر ذلك الإمساك.
يقول تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة:184] والمسافر إذا رجع من السفر انقطع فيه؛ لأنه ليس على سفر، ومن هنا رجع إلى الأصل وهو الإمساك، وأجره مكتوب، ولذلك يلتزم بهذا الأصل الذي دل عليه دليل الكتاب والسنة، والله تعالى أعلم.

حكم من صام كفارة اليمين بلا تتابع

السؤال

حلفت بالله وأردت أن أكفر عن هذه اليمين المنعقدة، فصمت يومين، وفي اليوم الثالث أفطرت، جهلاً مني بأن الصيام يجب أن يكون متتابعاً، وفي اليوم الرابع أكملت الصيام، فهل يجزئ ذلك؟ أثابكم الله.

الجواب

أولاً: لا يجوز لك الصيام إلا إذا كنت عاجزاً عن الرقبة، عاجزاً عن إطعام عشرة مساكين أو الكسوة، فإذا عجزت عن هذه الخصال الثلاث وأنت مخير بينها، حينئذٍ تصوم ثلاثة أيام متتابعة، ويجب عليك أن تعيد هذا الصوم؛ لأن التتابع لازم في صيام كفارة اليمين على أصح قولي العلماء، لقراءة ابن مسعود رضي الله عنه (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وهذه قراءة شاذة، والمراد بالشذوذ: انفرادها عن القراءة المعتبرة، لكن نسخت تلاوة وبقيت حكماً.
والقراءة الشاذة يجوز العمل بأحكامها؛ لا القراءة والتعبد بقراءتها، وحكمها لا يشترط فيه التواتر، ولا يشترط فيه أن تكون القراءة غير شاذة، فالصحيح أنه يحكم بها ويعمل بها، ولذلك يجب عليك قضاء هذه الثلاث؛ لأن التتابع لازم، والله تعالى أعلم.

حكم شراء المصاحف ووقفها

السؤال

هل يجوز أن أشتري مصاحف وأضعها في الحرم وقفاً لله عن شخص ميت وآخر حي؟ أثابكم الله.

الجواب

هذه المسألة فيها جانبان: الجانب الأول: بيع المصاحف وشراؤها اختلف فيه العلماء: الجمهور على جواز بيع المصحف وشرائه.
وكره الإمام أحمد رحمه الله ذلك وهو محفوظ عن بعض السلف، حتى قال ابن عمر: وددت أن الأيدي تقطع في بيع المصاحف.
لكن الصحيح أنه يجوز بيعه كمذهب الجمهور، ويجعل الانعقاد على الصحف والورق، وليس على كلام الله عز وجل؛ لأن كلام الله لا يباع ويشترى، وأشار بعض العلماء إلى ذلك بقوله في خواص القرآن: ومنع بيعه لدى ابن حنبل وكرهه لدى ابن شافعٍ جلي فالجمهور على كراهية ذلك، مع صحة البيع.
إذا ثبت هذا؛ فيجوز شراء المصاحف، فإذا جاز شراؤها بقيت مسألة الصدقة بها إذا قرئت وانتفع بها.
وهكذا كتب العلم، كأن تشتري كتب علم وتضعها في مكتبة أو مسجد على أن ثواب قراءتها لك أو لوالديك الأموات، فهذا لا بأس به ولا حرج؛ لأن الصدقة عن الميت ثبت النص بها كما في الصحيح من حديث سعد رضي الله عنه (أنه اشتكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي افتلتت نفسها، وما أراها لو بقيت إلا أوصت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم ... ). وفي صحيح البخاري جعل سعد رضي الله عنه حائط الخراف -وهو بستان له- صدقة على أمه بعد موتها، فدل هذا على مشروعية التصدق عن الميت بالأمور التي ينتفع بها، سواء كانت دينية أو دنيوية، فالدينية أعظم أجراً وأعظم ثواباً.
ولذلك يجوز أن تتصدق ببئر الماء وثلاجة الماء، والكتب العلمية في مسجد، أو تشتري لطالب علم كتاباً يقرؤه تنويه عن والديك أو عن ميت لك، فهذا مما تؤجر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع -

باب مقادير ديات النفس [3]

جاء في الكتاب والسنة بيان مقادير الديات، ومنها:

دية الكتابي

والمجوسي والوثني، وكذلك مقدار دية الجنين والمرأة، وهناك أسباب تؤدي إلى نقصان الدية، وهذه الأسباب هي: الكفر، والرق، والجنين، والأنوثة، وهذه المسائل تعرف عند العلماء بمسألة: أسباب نقصان الدية.

دية الكتابي

قال رحمه الله: [ودية الكتابي نصف دية المسلم]: قوله: (ودية الكتابي): قد تقدم معنا الكتابي أنه هو اليهودي والنصراني، لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام:156]. فأخبر تعالى أنهم أهل كتاب، وبينّا هذه المسألة، ومنهم الذين ينطبق عليهم أنهم أهل الكتاب فيما تقدم معنا في كتاب الذمة.
إذا قتل المسلم كتابياً فقد يكون القتل عمداً، وقد يكون خطأً، وإذا قتله قتل عمد غلظت الدية، وحفظ تغليظ الدية في قتل الذمي عمداً عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأيضاً حكي عن عمر بن الخطاب لكن عثمان السند عنه صحيح فيما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، وغلظ الدية فيه ونزله منزلة المسلم؛ لأن له ذمة وعهداً بينه وبين المسلمين، فغلظ فيه الدية إذا قتل عمداً، وأما إذا قتل خطأً فلا إشكال.

النقصان في الدية وأسبابه

شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في مسألة تعرف عند العلماء رحمهم الله في باب الديات بمسألة: النقصان في الدية.
المنقصات للدية والتي توجب نقص الدية لها أسباب، والدية مائة من الإبل، لكن يعدل عن هذا الأصل إلى النقص فتجعلها على النصف أو على الثلث، أو تجعل عُشر الدية (الغرة) في الجنين إذا أسقط بالشروط التي سنذكرها، والتفصيل الذي سنبينه إن شاء الله تعالى، أو نصف العشر كما يقول بعض العلماء رحمة الله عليهم، هذا كله يسمى: نقصان الدية.
ونقصان الدية له أربعة أسباب: السبب الأول: الكفر.
والسبب الثاني: الرق.
والسبب الثالث: الجنين.
والسبب الرابع: الأنوثة.
فحينئذٍ تعدل من الكمال في الدية الذي هو المائة وتنقص الدية، ثم يفصل في هذا النقصان: هل تشطّر الدية بالنصف؟ أم هل يُحكم بنقصانها إلى الثلث؟ كل هذا سنبينه إن شاء الله تعالى.
فابتدأ المصنف رحمه الله بالنقصان من جهة الكفر: أن يكون المقتول كافراً، ثم هذا الكافر على أقسام: قسم: محقون الدم، وله عهد وذمة بين المسلمين، وله دين سماوي وهم الكتابيون، ولذلك فرقت الشريعة بين الكتابيين وغير الكتابيين كالمشركين والمرتدين والوثنيين والملحدين، هؤلاء فرقت الشريعة بينهم؛ لأن الكتابيين لهم أصل من الدين السماوي، ولأن الكتابيين يؤمنون بوجود الله عز وجل، ولكن والعياذ بالله بعض الكفار يقول: لا يوجد إله.
أو يجعل مألوهه حجراً أو شجراً أو بقرة نسأل الله السلامة والعافية، فيعبد غير الله سبحانه وتعالى.
فالشاهد من هذا أن أهل الكتاب الذين لهم دين سماوي خولف في أحكامهم عن الكفار من سائر الملل الأخرى والطوائف، فالكتابي إذا قتله المسلم اختلف فيه العلماء رحمة الله عليهم على ثلاثة أقوال مشهورة: القول الأول يقول: الكتابي ديته نصف دية المسلم، وهذا على ما اختاره المصنف رحمه الله، وهو مذهب طائفة من السلف، وأيضاً مروي عن طائفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم أجمعين.
القول الثاني يقول: دية الكتابي مثل دية المسلم، فإذا قتل المسلم كتابياً، فالواجب أن تدفع الدية لأوليائه وأهله كاملة مثل المسلم، وهذا مذهب الحنفية رحمة الله عليهم.
والقول الثالث يقول: دية الكتابي على الثلث، وهو مذهب الشافعية، والأول مذهب الحنابلة والمالكية رحمة الله على الجميع.
فالذين قالوا: إن دية الكتابي مثل دية المسلم استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:92] وسوى في هذا الوصف بين دية المسلم ودية الكتابي، وقالوا: هذا يدل على أن ديته كدية المسلم، واستدلوا بحديث استظهر بعض العلماء عدم صحته، وبعضهم يقول: لا نعرف له أصلاً (أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية الكتابي مثل دية المسلم).
قالوا: هذان الدليلان من الكتاب والسنة يقتضيان أن الكافر الكتابي إذا قتله المسلم وجب دفع الدية إليه كاملة كالمسلم سواءً بسواء، ثم قالوا: إنه لما أصبح ذمياً في بلاد المسلمين، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، فتكون ديته مثل دية المسلم إذا اعتدي عليه.
والذين قالوا: إن الدية تكون على الثلث استدلوا بقضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك أنه جعل دية الكتابي على الثلث من دية المسلم، وعلى هذا يقولون: إنه تثلث الدية ولا يعطى على التشطير، وقالوا: إن عمر بن الخطاب من الخلفاء الراشدين المأمور باتباع سنتهم وهديهم، فيصبح هذا الحكم لازماً وسنة متبعة.
والذين قالوا: إن دية الكتابي على النصف من دية المسلم كما اختاره المصنف رحمه الله، وهو قول طائفة من السلف كما ذكرنا استدلوا بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن عقل الكتابي على النصف من عقل المسلم) وهذا الحديث حسن إسناده غير واحد من أهل العلم رحمة الله عليهم، وهو ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جعل دية الكتابي نصف دية المسلم.
وبناءً على ذلك لما قال: (الكتابي) شمل اليهود والنصارى، فتكون ديتهم نصف دية المسلم؛ خمسين من الإبل في ذكورهم، وخمس وعشرين من الإبل في إناثهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وخمسمائة دينار بالنسبة للذهب، وستة آلاف درهم بالنسبة للفضة، ومائة بقرة وألف شاة بالنسبة للبقية، ومائة حلة من الثياب على القول بأن الحلل تدخل في أصول الديات.
وهذا الحديث هو أصح، والقول به أرجح، ويجاب لما ورد في القرآن في قوله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:92] أن هذا مطلق، وجاءت السنة فقيدته، والقاعدة: (إن المطلق يحمل على المقيد).
وكم قيدت السنن من إطلاقات القرآن وخصصت من عموماته وبيّنت من إجمالاته، فلا إشكال أن السنة تبين القرآن.
ثانياً: الاستدلال بأثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه نقول: تعارض المرفوع والموقوف، فيقدم المرفوع على الموقوف، ويعتذر لـ عمر بأنه يحتمل أنه لم يبلغه قضاء النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن الرواية عنه ضعفها بعض العلماء رحمة الله عليهم في كونه قضى بالثلث الذي ذكروه.
وعلى هذا يترجح القول الذي اختاره المصنف: أن الكتابي ديته تكون على النصف من دية المسلم.

دية المجوسي والوثني

قال: [ودية المجوسي والوثني ثمانمائة درهم]: قوله: (ودية المجوسي): هم عبدة النار، وهم وثنيون في الأصل ومشركون، ولذلك سوى الكتاب العزيز بينهم وبين أهل مكة فقال: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم:1 - 5]. هذا مبني على أن الروم غزوا الفرس، وكان الفرس عبدة للنار، ففرح المشركون بانتصار المجوس على الروم، وحزن المسلمون؛ لأن بيننا وبين أهل الكتاب أصل مشترك وهو الإيمان بوجود الله عز وجل، وهم أهل دين سماوي ونحن أهل دين سماوي، فبيننا وبينهم قاسم مشترك من هذا الوجه، ففرح المشركون بانتصار الفرس على الروم كما أخبر الله عز وجل أنهم من بعد غلبهم سيغلبون، وأخبر أنه إذا غلبت الروم الفرس فرح المؤمنون بنصر الله، وجعل انتصار الروم على الفرس نصراً من الله عز وجل؛ لأنهم أهل دين سماوي، والذي له دين سماوي أفضل من الذي لا دين له، وأفضل من الملحد، وأفضل من المشرك من جهة أن له أصلاً، وهذه من ناحية أن الله عز وجل جعل لكل شيء قدراً، وهذه حكمة في الشريعة الإسلامية.
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم:4 - 5] مع أنهم كفار لكن وجد القاسم المشترك بيننا وبينهم، فأنت حينما ترى أهل الأديان السماوية مثل اليهود والنصارى تجد أن أديانهم في الأصل فيها قواسم مشتركة؛ وتجد اللاديني إباحي، يرى الإباحية ويرى -والعياذ بالله- الفواحش والمحرمات أنها مباحة وأنه لا دين ولا خلق ولا قيم ولا تقاليد، لكن تجد اليهودي والنصراني أرحم من هذا الذي لا دين عنده، وهذا من جهة الفارق النسبي وليس من كل وجه، ولذلك تبغض من وجه وترى أصلاً توالي فيه من وجه آخر.
ومن هنا جعل الله عز وجل المحبة والفرح مبني على أصل وهو وجود القاسم المشترك؛ لأن المشركين شمتوا بالمسلمين حينما غلبت الفرس الروم.
وبين الله تعالى أنه سيمكن الروم من الفرس، وجعل ذلك نصراً؛ لأن الروم لهم دين سماوي كما ذكرنا.
إذا ثبت هذا فالشريعة تفرق بين الاثنين، فإن المجوس عبدة النار، وهم وثنيون، والأصل يقتضي أن الوثني والملحد والمشرك دمه لا قيمة له، وليس له دية في أصل الشرع، هؤلاء الذين لا دين لهم لم تجعل الشريعة لهم دية في الأصل.
لكن لو دخل المجوسي إلى بلاد المسلمين بأمان -مستأمن- أو دخل كرسول عنده رسالة يريد أن يؤديها، ثم قتله مسلم خطأً فحينئذٍ يرد الإشكال؛ لأنه دخل إلى بلاد المسلمين وله أمان، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم كما أخبر صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، فلو أنه قُتل خطأً مثلاً في بلاد المسلمين فقضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ووافقه على هذا طائفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الدية؛ ثمانمائة درهم، وهذا القضاء لم يخالف فيه، ولذلك لم يرد شيء مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعارض هذا القضاء، فوجب العمل به، ومن هنا عمل بهذه السنة، وقال بها جمهور العلماء رحمة الله عليهم.
المجوسي إذا لم يكن له أمان وقتله مسلم خطأ، فهذا ليس له دية في الأصل، وإنما هذا القضاء وقع في الأحوال التي يكون له فيها ذمة وعهد بين المسلمين.
قال: [ودية المجوسي والوثني ثمانمائة درهم]: هذا في أحوال الأمان، ومن أهل العلم من قال: يختص الحكم بالمجوسي، وأما من عداه من الوثنيين والملحدين فهؤلاء ليس لهم شيء، ولو أن شخصاً ارتد عن الإسلام واستهزأ بالدين أو سب الله والعياذ بالله ثم ركب سيارته وصدمه مسلم فقتله خطأً، إذا شهد عدول أنه قال كلمة الكفر وحكم بكفره، لا دية على قاتله ولا ضمان عليه؛ لأنه ليس له حرمة، وليس له دية، وهذا بإجماع العلماء أن المرتد إذا قتله المسلم خطأً لا دية له.
وهكذا إذا قتله عمداً، لكن الأصل أنه يرد إلى ولي الأمر، وهو الذي يستتيبه، كما سيأتينا إن شاء الله في أحكام الردة، لكن من حيث الأصل ليس لهذا عصمة عند الله وعند رسوله صلوات الله وسلامه عليه وعند المؤمنين؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله).
مفهوم ذلك أنهم إذا لم يفعلوا ذلك سقطت عصمتهم فلا عصمة لهم، وإذا كان المقتول لا عصمة له فقد قدمنا أن الدية لا تثبت إلا لمعصومي الدم، وحينئذٍ يسقط اعتبارها.

دية نساء أهل الذمة

قال رحمه الله: [ونساؤهم على النصف كالمسلمين]: ونساء أهل الذمة على النصف من ديات ذكورهم، كما أن نساء المسلمين على النصف من دية ذكورهم، وهذا فيه أثر مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه أيضاً مرسل عن سعيد بن المسيب في الصحيح رواه مالك في الموطأ: (عقل المرأة على النصف من عقل الرجل).
وعليه سواد الأمة الأعظم على أن المرأة ديتها على نصف دية الذكر، وهذا هو السبب الثاني من النقصان: الأنوثة، أن يكون المقتول أنثى، السبب الأول: الكفر، والسبب الثاني: الأنوثة، فإذا كان المقتول أنثى فإن ديتها على النصف.
ذكر المصنف الكتابية ثم قال: [كالمسلمين] فأشار إلى أصل المسألة، فالمرأة المسلمة إذا قتلت خطأً فإن ديتها على النصف، وإذا قتلت عمداً أيضاً ديتها على النصف -تشطر ديتها- وهذا كما ذكرنا حكى بعض العلماء الإجماع عليه.
وخالف في هذه المسألة الأصم بن علية، وخلافه شذوذ، وللأصم بن عُلية شذوذات عجيبة، فقد خالف في أشياء منصوص عليها، وخرجوا فيها إجماعات العلماء رحمهم الله، ولذلك لم يعتد بخلافه، حتى إن الإمام ابن العربي رحمه الله الفقيه المشهور لما ذكر مشروعية الإجارة وذكر نصوص الكتاب والسنة الواضحة على أن الإجارة مشروعة، وكان الأصم يقول: لا تجوز الإجارة؛ لأنها بيع لمعدوم، والمنفعة غير موجودة أثناء العقد، فشكك في جوازها مع ورود النصوص في الكتاب والسنة، فقال الإمام ابن العربي رحمه الله كلمته المشهورة: ولم يخالف فيها إلا الأصم فكان عن شرعها أصم.
وعند العلماء عبارات قد تكون ثقيلة في بعض الأحيان، لكنهم يريدون التشنيع على المخالف حتى لا يقتدي به غيره، مثل قول الإمام أحمد عن أبي ثور في مسألة أكل الذبيحة إذا لم يذكر عليها اسم الله عز وجل قال: أبو ثور في هذا كاسمه، ومع أنه يقول عن أبي ثور إبراهيم بن خالد بن يزيد الكلبي: أبو ثور أعرفه بالسنة منذ ثلاثين عاماً، فأثنى عليه هذا الثناء العظيم.
هذا منهج عند العلماء وهو فقه الفقه: إنه إذا كان القول شاذاً يشنعون فيه حتى تستبشع الناس اتباعه وينفر طالب العلم؛ لأن بعض طلاب العلم عندهم قصور في الفهم، فلربما قرأ الدليل لهذا القول الشاذ المخالف للإجماع فاغتر به، لكن لو وجد التشنيع من أئمة السلف والتقريع والتوبيخ صار أمراً زائداً على المسألة، وهذا فقه الفقه، أنه ينبغي النصيحة لعامة المسلمين ولكن لا يقصد بها التحقير، مع أن العلماء ذكروا خلافه واعتنوا بنقل قوله من باب التنبيه، والتحذير من متابعته في شذوذه.
على كل حال: هذه المسألة خالف فيها الأصم بن علية فقال: إن عقل المرأة كعقل الرجل، وهو خلاف من ذكرنا من السلف، حتى إن فتوى الصحابة وقضاءهم على ذلك، يعني على تشطير دية المرأة.
إذا ثبت أن دية المرأة نصف دية الرجل في المسلمين كذلك في الذميين والكتابيين، فلو قتل مسلم امرأة من اليهود أو نصرانية، أو قتلها يهودي مثلها خطأً أوجبنا عليه نصف الدية الواجبة في الكتابي، فيجب فيها خمس وعشرون من الإبل؛ لأن دية الكتابي خمسون.

دية العبد

يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ودية قن قيمته].
هذا السبب الثاني من المنقصات وهو: الرق، فإذا كان المجني عليه رقيقاً فإن هذا ينقص ديته، والأصل في الرقيق أنه ينظر إلى قيمته، فلو أنه قتل عبداً نظرنا إلى قيمة هذا العبد، سواء كان مملوكاً لسيده ولا زال عليه الرق حتى مات وقتل، أو كان مكاتباً أو كان مدبراً أو كان أم ولد، فجميع هؤلاء قيمتهم بالغة ما بلغت.
وعلى هذا جمهور العلماء رحمهم الله: أن دية العبد قيمته بالغة ما بلغت، واختلف في العبد، لكن من حيث الأصل أن العبد مملوك يباع ويشترى، ولذلك تكون ديته إذا قتله الإنسان خطأ أو قتله عمداً ولم يثبت القصاص لمانع أن يدفع قيمته بالغة ما بلغت.
قال: [وفي جراحه ما نقصه بعد البرء].
يعني: إذا جني عليه جناية فإننا ننظر إلى قيمته قبل الجناية وقيمته بعد الجناية والبرء، والناقص يدفعه ذلك الجاني، فلو كانت قيمته مائة ألف قبل الجناية، وبعد الجناية خمساً وتسعين يجب أن يدفع خمسة آلاف، فما أنقصته الجناية يجب ضمانه، وهذا أصل في جميع الأموال أنها تضمن بالنقص، كما تقدم معنا في باب الضمان.
هناك خلاف للعلماء رحمة الله عليهم: إذا جنى أحد على العبد جناية فقطع يده أو فقأ عينه، أو قطع أذنه، هل ننظر إلى نسبة هذا العضو من قيمته الأصلية؟ أم أننا نقدره فما نقص يدفع؟ وجهان لأهل العلم رحمة الله عليهم: من أهل العلم من قال: إذا قطع يده نظرنا إلى نصف قيمته فأوجبناها على القاطع؛ قياساً على الحر.
ومنهم من قال: ينظر إلى قيمته قبل قطع يده وقيمته بعد قطع يده، ويدفع الفرق كما قدمنا في الجراح.
القول الأخير قيل: إنه هو المذهب، واختاره شيخ الإسلام رحمة الله عليه، وطائفة من أهل العلم، وصوبه المرداوي رحمه الله في (الإنصاف)، وهو أحد الأوجه عند الشافعية وينص هذا القول على: أننا ننظر إلى ما نقص من قيمته بعد الجناية بغض النظر عن كونه إتلافاً لما في الأصل، ينظر في نسبته إلى الدية مثلما ذكرنا في اليد، فإن فيها نصف الدية، والرجل فيها نصف الدية، والعين فيها نصف الدية كما قدمنا.
في هذه الحالة عندنا قولان: الصحيح منهما الذي اختاره طائفة من العلماء أنه ينظر إلى أرش الجناية وما نقصته الجناية.
فالفرق بين القولين: أنه في بعض الأحيان تنقصه الجناية ثلاثة أرباع القيمة، مثلاً: يكون خطاطاً بيده، أو عنده صنعة في يده، وتكون قيمته غالية، وقد تكون قيمته ضعفي قيمة العبد المعتاد، ولكن بعد الجناية قد تنقص ثلاثة أرباع القيمة، وحينئذٍ يكون ضمان هذا أكثر من ضمانه بنسبته لأصل القيمة، فهناك فرق بين ثلاثة أرباع القيمة وبين نصف القيمة، وهذا القول كما ذكرنا اختاره جمع من المحققين رحمهم الله.

دية الجنين

قال رحمه الله: [ويجب في الجنين ذكراً كان أو أنثى عشر دية أمه غرة].
هذا النوع الثالث من المنقصات وهو: الجنين، والجنين: من جن الشيء إذا استتر، وتوارى عن الأنظار فلم يرَ، ومنه سمي البستان جنة؛ لأن من دخل البستان سترته أشجاره وزروعه.
وسمي الجن جناً؛ لأنه مستور عن الأنظار ولا يرى، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:27].
فأصل الجن هو: الاستتار، وسمي المجن وهو الدرع؛ لأنه يقي الإنسان ويحفظه من الضربات أثناء القتال، وقال صلى الله عليه وسلم: (الصيام جنة) أي: أنه وقاية للعبد من النار، قال بعض العلماء: المراد بقوله: (الصيام جنة) أنه إذا ضرب الصراط على متن جهنم، وأمر الناس أن يجتازوا كان الصوم وقاية من كلاليب النار، فمن حفظ صومه تاماً كاملاً حفظه الله من ناره، ومن ضيع خطفته الكلاليب على حسب ضعف هذه الجنة؛ لأنها وقاية، فالجن والمجن هو الساتر هو الاستتار.
لو حصلت جناية على نفس فإنها تضمن بديتها كاملة، هذا الأصل، لكن الجنين نقص عن هذا، وجاء فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاء، والجناية على الجنين لها صور.
تارة تكون جناية عمد مثل المرأة الحامل تختصم مع غيرها -ذكراً أو أنثى- فيضربها على بطنها، فيقتل جنينها فتسقطه، هذه صورة من صور العمد، أو يكون الطبيب قاصداً إسقاط هذا الجنين متعمداً لقتله بعد ثبوت حياته, فيعطيها دواء ليقتل الجنين في بطنها ثم تسلبه وتسقطه، هذه جناية عمد كذلك إذا تحقق وثبت أنه حي.
ومن الجنايات: جناية الخطأ وشبه العمد في الاختصام، مثل أن تقع خصومة بين امرأتين ولا تقصد قتل جنينها فتضربها، فمن أثر الضربة تسقط المرأة، أو تأتي الضربة في مكان قريب من الجنين فلا تتمالك المرأة فتسقط جنينها، فهذه تعتبر عند العلماء رحمهم الله والجمهور شبه عمد.
ومن قتل الجنين والاعتداء عليه: الاعتداء على سبيل الخطأ؛ مثل أن يعطيها أحد دواءً ولا يعلم أن هذا الدواء يترتب عليه إسقاط الجنين، فتسقط جنينها.
كذلك المرأة نفسها تستعمل الدواء فتخطئ في الدواء فيسلب هذا الدواء جنينها، كل هذه صور من صور إسقاط الأجنة والاعتداء عليها.
هذه المسألة -الاعتداء على الجنين- فيها قضاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقعت حادثتان -فيما شهر- الحادثة الأولى: لمرأتين من هذيل، والحديث في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن امرأتين من هذيل اختصمتا، فضربت إحداهما الأخرى فقتلتها فأسقطت ما في بطنها وقتلت الجنين).
كذلك أيضاً في الحديث الآخر وهو صحيح: في اختصام امرأتين من بني لحيان اقتتلتا فضربت إحداهما الأخرى فأملصت وأسقطت جنينها.
وجاء عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين أنهم عملوا بهذا القضاء، فـ عمر رضي الله عنه وقعت في عهده هذه الحادثة -وهي الاعتداء على الجنين- فقام رضي الله عنه خطيباً في الناس وقال: أحرج بالله على من سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر قضاء أن يخبرنا، فقام له المغيرة بن شعبة فقال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول.
وذكر له الحديث، فقال له: لتأتيني بمن يشهد معك، فقام محمد بن مسلمة رضي الله عنه وأرضاه وشهد معه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في إملاص المرأة بغرة وليدة عبد أو أمة.
الغرة هي من أنفس المماليك، وأصل الغرة: البياض في جبين الفرس، وفي قوائمه: التحجيل، ومنه الحديث: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء).
والقضاء بثبوت الغرة شبه مجمع عليه، وفيه بعض الخلاف الشاذ لكن لثبوت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قضى به جماهير السلف والخلف رحمهم الله.
ولابد من وجود أمور حتى نحكم بهذا القضاء، فإذا اعتدى أحد على الجنين لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن تسقط المرأة الجنين حياً ثم يموت.
الحالة الثانية: أن تسقط الجنين ميتاً.
فإذا أسقطت الجنين حياً من أثر الضربة، فلا يخلو إما أن يعيش فترة وجيزة جداً أو يموت مباشرة بعد سقوطه، والضابط عندهم في ثبوت الحياة: أن يتحرك حركة قوية أو يصيح؛ مثل رفع اليد ورفع الرجل، هذه تثبت الحياة، ولذلك يثبت له الإرث، وتترتب عليه أحكام الحي.
فإذا سقط الجنين حياً وثبت بقول أهل الخبرة، أو ظهرت الدلائل على أن موته وسبب موته بفعل الجناية، فهذا فيه دية كاملة ذكراً كان أو أنثى، على نفس التفصيل الذي تقدم معنا.
وإذا قصد قتله فهذا قتل عمد، فإذا ثبت وأقر أنه قصد قتله عمداً وعدواناً فلا إشكال، فيه القصاص على التفصيل الذي تقدم معنا.
من حيث الأصل عند أهل العلم رحمهم الله: أنه إذا نزل الجنين وسقط مباشرة بعد الضربة أو وجدت الآثار والدلائل الواضحة على أن هذا السقوط كان بفعل الضربة، وأنه أثر في الجنين حتى مات، وكان موته بسبب الإسقاط والإملاص، فإنه حينئذٍ يكون حكمه ثبوت الدية كاملة إذا عدل عن القصاص، على التفصيل من حيث كونه عمداً أو خطأً.
لكن لو عاش هذا الجنين بعد الإسقاط وبقي فترة ثم مات، وقال الأطباء: إن موته الغالب فيه ليس بسبب الإسقاط، فحينئذٍ لا ضمان فيه.
إذاً: إذا سقط حياً ومات بفعل السقوط بسبب الإملاص والضرب والاعتداء ففيه ما فيه من الاعتداء على الحي؛ لأنه اعتدى على جنين حي وأضر به وأزهق روحه إن كان أدى إلى موته، وحينئذٍ يضمنه بما يضمن به الزهوق في حال الاعتداء والقصاص، وإذا عفوا فالدية.
لكن الذي يهمنا: أن الدية لا تنقص؛ لأنه في هذه الحالة جناية على روح ونفس لها ما للأنفس، سواء كان الجنين ذكراً أو كان أنثى، هذا الأصل.
الحالة الأولى: أن يعيش فترة ويثبت أن موته بعد عيشه بسبب آخر، فحينئذٍ لا ضمان عليه؛ لأنه مات بسبب لا دخل للجاني فيه.
الحالة الثانية: أن يسقط الجنين ميتاً؛ فإما أن يكون كامل الخلقة أو يكون ناقص الخلقة، فإذا أسقطت جنيناً كامل الخلقة أو ناقص الخلقة بل حتى لو أسقطت وليس فيه من صور الآدمي -كما لو أسقطت قطعة لحم فيها تخلق يد أو رأس أو رجل- فهذا هو الذي يضمن بالغرة.
وهذه الغرة: عبد أو أمة وليدة، واختلف العلماء، فبعضهم يقول: ما بين سبع سنوات إلى عشرين سنة، والأنثى لا تبلغ أكثر من عشرين، وهو أحد القولين عن الشافعي، وقيل في الذكر: لا يزيد عن خمسة عشر سنة، وقال بعض العلماء: إنه غرة وليدة أو عبد سواء حتى ولو كانت كبيرة، لكن يشترط في هذه الغرة أن تكون سالمة من العيوب، فلا يجزئ أن تكون هرمة، أو يكون شيخاً هرماً، ولا يجزئ أن تكون معيبة بنقص في الخلقة: كالعور، والعرج، والشلل، والصمم والبكم ونحو ذلك من العيوب التي تقدمت معنا.
فيجب أن تكون سالمة من العيوب، ولا تضمن الجناية بغرة معيبة، ويشترط في إثبات الضمان بالغرة أن ينفصل هذا الجزء، فلو أنها أخرجت يداً أو رجلاً أو قطعاً من اللحم فيها صورة تخلق الآدمي يشترط أن تنفصل، ولا تكون متصلة، لكن لو أنها أخرجت يداً ثم ماتت ولم ينفصل، وجاء عن بعض العلماء أنه لا ضمان عليه، والضمان على النفس التي هي الأم، ويفصل فيها إذا كان الاعتداء بالجناية عمداً أو خطأ، هذا من حيث الأصل.
(فيها وليدة) الوليدة تعادل عشر دية الأم، ولذلك قضى الخلفاء الراشدون ومنهم عمر رضي الله عنه بأن الغرة تعادل خمساً من الإبل؛ لأن الدية مائة بالنسبة للذكر، وخمسون بالنسبة للأنثى، وعشر الخمسين خمس من الإبل، ولذلك تضمن بهذا القدر (خمس من الإبل) وهناك رواية صححها بعض العلماء عن عمر رضي الله عنه أنه جعل العدل خمسين ديناراً أو ستمائة درهم، وهذا على نفس الأصل؛ لأنها تعادل خمساً من الإبل، وهذا عشر الدية، فإذا ثبت أنها عشر الدية فبعض العلماء يخصها بالإبل، وإذا قلنا: إن الذهب والفضة أصول يصبح عشر دية المرأة من الذهب هو خمسون ديناراً؛ لأننا بينا أن ألف دينار هي الدية، والمرأة ديتها خمسمائة دينار، وعشر الخمسمائة خمسون، وبالنسبة للفضة فهي اثنا عشر ألف درهم، ونصفها ستة آلاف درهم دية المرأة، وعشر الستة آلاف درهم ستمائة درهم، وبعض العلماء يقول: لا نعطي إلا خمساً من الإبل، والخمس من الإبل تعادل الوليدة.
الجواري والعبيد ما عادوا موجودين في الوقت الحاضر، ففي هذه الحالة إذا قلنا: إن الإبل أصول والذهب والفضة عدل الإبل، ينظر قيمة الخمس من الإبل كم تعادل، وإذا قلنا: إن الذهب والفضة أصول، فحينئذٍ ننظر كم تعادل الخمسون ديناراً؟ وكم تعادل الستمائة درهم؟ لكن إذا قلنا: إنها عدل عن الإبل فحينئذٍ تنظر إلى قيمة الخمس من الإبل، ولربما كانت قيمة الخمس من الإبل مائة دينار، ولا تعادل خمسين ديناراً، وهذا هو الفرق؛ فأنك إذا جعلت الإبل هي الأصل وألغيت الذهب والفضة في الغرة فحينئذٍ تقول: انظر إلى قيمة الخمس من الإبل بالغة ما بلغت، إذا ما تيسر وجودها يدفع عدلها.
من حيث الأصل قالوا: إن خمساً من الإبل تعادل الغرة، وهي عشر دية الأم.
قوله: [وعشر قيمتها إن كان مملوكاً].
أي: قيمة الأم، إن كان الجنين مملوكاً، صورة المسألة: أن يعتق سيد أمة ويستثني ما في بطنها، فيكون ما في بطنها وهو الولد مملوكاً له، فمثلاً: لو أذن لأمته أن تتزوج وتزوجت عبداً، فلما تزوجت عبداً أعتقها، وإذا أعتقها يكون لها الخيار -كما تقدم معنا في النكاح- فإذا حملت من هذا المملوك فالولد تابع لأمه رقاً وحرية؛ لكن المولى استثنى هذا الجنين وقال: هذا الجنين ملك لي، يعني: أعتقها وأستثني جنينها الذي تحمله في بطنها، وهذا وجه عند العلماء، فيجوز أن يعتق الأمة ويستثني ما في بطنها، فإذا استثنى ما في بطنها فحينئذٍ تنزل الأم -التي قد أعتقت وأصبحت حرة- منزلة الأمة فتقوم كأنها أمة، وينظر كم قيمتها فيدفع عشر القيمة، والسبب في هذا واضح؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم قالوا: إن الغرة تعادل الخمس من الإبل كما ذكرنا، وهي بهذه الحالة تعادل عشر دية المرأة.
وفي الرقيق قلنا: إن المعتبر في ديته النظر إلى ما أنقصته الجناية من قيمته.
قوله: [وتقدر الحرة أمة].
ال

أحكام جناية الرقيق

قال رحمه الله: [وإن جنى رقيق خطأ أو عمداً لا قود فيه، أو فيه قود واختير فيه المال، أو أتلف مالاً بغير إذن سيده: تعلق ذلك برقبته، فيخير سيده بين أن يفديه بعشر جنايته، أو يسلمه إلى ولي الجناية فيملكه، أو يبيعه ويدفع ثمنه].
قوله رحمه الله: [وإن جنى رقيق خطأ أو عمداً لا قود فيه].
الرقيق جنايته في رقبته، وبناء على ذلك بين المصنف رحمه الله في هذه المسألة أنه إذا كانت جنايته قدرت نقول لسيده: إن شئت ادفع قيمة هذه الجناية، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (الخراج بالضمان) فكما أنه يأخذ نفعه يتحمل ضرره، ونقول له: إن شئت أن تدفع هذه الجناية وإلا كانت الجناية في رقبة المملوك، وإذا كانت في رقبة المملوك فرضنا أن هذه الجناية تعادل قيمته، أو أكثر من قيمته، فحينئذٍ قال السيد: أنا لا أدفع! ولا أريد أن أدفع وهذا العبد عندكم، يرد

السؤال

لو قال المجني عليه: لا أريد العبد، أنا أريد ثمن الجناية التي جنى عليّ.
مثلاً: الجناية بخمسين ألفاً، والعبد قيمته خمسون ألفاً، فحينئذٍ لابد من بيع العبد، فمن الذي يتولى البيع ويتحمل تكاليف البيع وعبء البيع؟ وجهان للعلماء في ذلك، وهما روايتان عن الإمام أحمد رحمة الله عليه: هل يتولى السيد أو يتولى ذلك المجني عليه؟ والأقوى في الحقيقة أنه يتولاه سيده؛ لأنه استحقاق وهذا عبده، فيسلم للمجني عليه حقه.
قال: [أو فيه قود واختير فيه المال].
يعني: شيء يثبت في عوض ماله، وإذا قلت: يثبت في عوض ماله إما أن يجني جناية قطعاً فعوضها بالمال وفيها الدية وأرش الجناية، وإما أن يجني جناية عمد ويعفو من جني عليه ثم يطالب بالمال.
قال: [أو أتلف مالاً بغير إذن سيده].
مثلاً: دخل مزرعة شخص وأتلف شجرة، أو أحرق سيارة، أو هدم داراً، أو قتل حيواناً، وهذا الحيوان مملوك، فهذه كلها أموال اعتدى عليها، ولكن هذا الاعتداء من العبد لم يكن بإذن من سيده؛ لأنه لو أذن له سيده ففي هذه الحالة يضمن السيد؛ لأن العبد في الأصل مطيع لسيده، وربما كان يظن أن سيده عنده شبهة، فلذلك يتحمل السيد ضمان هذه الأشياء؛ لأن فيها نوعاً من الإكراه، والعبد لا يستطيع أن يخرج عن إذن سيده في الغالب، ومن هنا يضمن السيد إذا قهره على ذلك وأمره به وألزمه به.
لكن إذا فعل العبد من تلقاء نفسه هذه الجنايات وأتلف للناس أموالهم، فإنه حينئذٍ يجب الضمان على ما ذكرناه.
قال: [تعلق ذلك برقبته].
نقول لسيده: إن شئت أن تدفع وإلا قمت ببيع العبد؛ على القول أنه يتولى بيعه، وإلا أخذناه؛ على القول الثاني أنه يأخذه ولي المجني عليه ويبيعه.
قال: [ويخير سيده بين أن يفديه بأرش جنايته].
(يفديه): يخلصه، يقول سيده: كم أتلف؟ قالوا: أتلف خمسة آلاف، فيفديه بدفع الخمسة آلاف ويخلصه.
قال: [أو يسلمه إلى ولي الجناية].
أو يعطيه ولي الجناية ويقول له: دونك العبد، وهذا على ما ذكرنا أن الذي يبيعه هو ولي الجناية، لكن لو امتنع ولي الجناية وقال: أنا لا أريد إلا حقي؛ لأن بيع العبد قد يتأخر، ولأن فيه كلفة ودفع مال للبائع، وأجرة من يتولى بيعه، فهذا كله فيه ضرر على المجني عليه، يعني: ينقص من قيمة العبد.
قال: [فيملكه أو يبيعه ويدفع ثمنه].
لو كانت الجناية قيمتها خمسين، والعبد قيمته خمسون، فقال: رأس برأس! نقول لسيده: هل تدفع؟ فإذا قال: لن أدفع، قلنا: هذا العبد قيمته خمسون والجناية قيمتها خمسون، إذاً: الجناية متعلقة برقبته، فنقول للمجني عليه: ما رأيك؟ فإذا قال: أنا آخذه بقيمته، فحينئذٍ لا إشكال.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يجعل ما تعلمناه وعلمناه خالصاً لوجهه الكريم.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
عدم ضمان المؤدب إذا لم يسرف في التأديبالتسبب في إسقاط الحمل وضمانهالجوابتقديم المباشرة على السببية في المكلف العاقلمقادير ديات النفسدية المسلم الحرالأسئلةسبب وجوب الضمان في الإسقاطالسؤالالجوابحكم ضمان رب العمل للعامل إذا تضررالسؤالالجوابالتوسع في المسائل الخلافية وأقوال العلماءالسؤالالجوابحكم من أفطر قبل دخول الوقتالسؤالالجواببيان أن الزكاة تكون في أهل البلد الذي فيه المزكيالسؤالالجوابحكم قضاء السنن الراتبةالسؤالالجوابباب مقادير ديات النفس [2]أصول الدية ولزوم قبول الولي بأي واحد منهامقدار دية قتل العمد وشبههأنواع الدية واختلاف العلماء في تغليظهامقدار دية القتل الخطأعدم اعتبار القيمة في الإبلالأسئلةحكم التنويع في الديةالسؤالالجوابحكم اشتراك العاقلة في دفع دية العمدالسؤالالجواباستواء التغليظ في الرجال والنساءالسؤالالجوابحكم استبدال الموقوفالسؤالالجوابحكم من وجد نجاسة في ثوبه بعد الاستنجاءالسؤالالجوابحكم الانتفاع بظل الدار مع وجود الضرر على صاحب الدارالسؤالالجوابالصبر على بر الوالدينالسؤالالجوابحكم انقطاع النفاس قبل الأربعينالسؤالالجوابالواجب على من أفطر في رمضان لعذر ثم انقطع العذرالسؤالالجوابحكم من صام كفارة اليمين بلا تتابعالسؤالالجوابحكم شراء المصاحف ووقفهاالسؤالالجوابباب مقادير ديات النفس [3]دية الكتابيدية الكتابيالنقصان في الدية وأسبابهدية المجوسي والوثنيدية نساء أهل الذمةدية العبددية الجنينأحكام جناية الرقيقالسؤال
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل