شرح زاد المستقنع -
باب الحجر [4]
تكفلت الشريعة بحفظ مصالح الإنسان، وفي حال قصوره وعجزه عن حفظ مصالحه شرعت ما يحفظها له، ومن هذا الباب: الحجر على الصغير والسفيه والمجنون، حيث يحجر عليه حفاظاً لمصلحته حتى لا يضيع ماله، وفي نفس الوقت حفظت مصلحة من يتعامل مع هذه الأصناف على تفصيل في ذلك.
بيان من يحجر عليه لمصلحة نفسه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ويحجر على السفيه والصغير والمجنون لحظهم].
هذا النوع الثاني من الحجر، فبعد أن فرغ -رحمه الله- من الحجر على الشخص لمصلحة غيره وهو المفلس الذي يحجر عليه لمصلحة الغرماء، شرع في الحجر على الشخص لمصلحة نفسه.
وبالنسبة للنوع الأول فإنه تختلف تسمية العلماء له، فبعضهم يقول: باب التفليس، ويذكر أحكام المفلس، وبعضهم يجعله في باب الحجر، ويقدم هذا النوع وهو الحجر لحظ نفسه على الحجر لحظ غيره، والمصنف -رحمه الله- درج على تقسيم المفلس وإدراجه تحت باب الحجر، والحجر على المفلس -كما ذكرنا- لحظ الغير.
وهناك أنواع من الحجر لحظ الغير غير الحجر على المفلس، فيدخل فيها الحجر على صاحب الرهن في الرهن، وقد تقدم في باب الرهن، ويدخل فيها الحجر على المريض مرض الموت أن يتبرع بأكثر من الثلث، وهذا سيذكره المصنف -رحمه الله- في باب عطية المريض.
فالمريض مرض الموت لا يجوز له أن يتبرع بما زاد عن الثلث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم) وقال لـ سعد: (الثلث والثلث كثير) حتى كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: (لو أن الناس غضوا عن الثلث فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الثلث والثلث كثير)) فهذا لحظ الغير.
ولذلك قال بعض المالكية في نظم هذا النوع: وزوجة في غير ثلث تعترض كذا مريض مات في ذاك المرض أما بالنسبة للحجر على الشخص في مصلحة نفسه فيشمل الأنواع التالية: النوع الأول: السفيه.
والنوع الثاني: المجنون.
والنوع الثالث: الصغير.
فهؤلاء ثلاثة أصناف يحجر عليهم لمصلحة أنفسهم.
والسبب في هذا: أن المقصود أن يمنعوا من التصرف في أموالهم حتى لا يتلفوها؛ لأنه ليست عندهم الأهلية للنظر في مصالح أنفسهم، فلو مكنوا من البيع والشراء خدعهم الناس وضاعت عليهم أموالهم وحصلت المفاسد كما قدمنا في المفلس.
الحجر على السفيه
قوله رحمه الله: (ويحجر على السفيه) أصل السفه: الخفة، والسفساف: الخفيف من الأشياء التي تسفه الريح، وقالوا: سمي السفيه سفيهاً لخفة عقله؛ لأن العاقل كامل العقل يحسن التصرف في أموره.
والسفيه يكون خفيف العقل بالتصرف في ماله من جهة الأخذ ومن جهة الإعطاء، ويحكم بكون الإنسان سفيهاً من جهتين: إما من جهة المال نفسه إذا باع واشترى، وإما من جهة الاستمتاع بالمال، فهناك جانبان يحكم بهما على كون الإنسان سفيهاً.
وقالوا: يكون سفيهاً إذا باع بأقل من الثمن الذي يباع به الشيء، أو إذا اشترى بأكثر من الثمن الذي يباع به الشيء.
وهذا النوع من السفهاء يعرفه العلماء بقولهم: هو الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء لغيره.
لا يحسن الأخذ لنفسه: أن يشتري بأكثر مما تستحقه السلعة، ولا يحسن الإعطاء لغيره: أن يبيع بأقل مما تستحق السلعة.
مثال ذلك: أن تكون عنده سيارة قيمتها عشرة آلاف ويعلم أن قيمتها عشرة آلاف، فإذا جاء يبيعها جاءه رجل وقال له: بعنيها بتسعة آلاف أو بثمانية آلاف، فيبيعها وهو غير مضطر، لكن لو كان عنده ضرورة أو مقصد كأن يأتيه شخص يرى عليه آثار الضعف أو المسكنة فينوي الصدقة عليه فيقول: أبيعها بثمانية آلاف، والله يعلم في قرارة قلبه أنه لا يرضى إلا بالتسعة أو تسعة آلاف وخمسمائة وهي التي يمكن أن تباع بها السيارة، وإنما قصد التصدق بما بين القيمتين، فإن الله يأجره، وهذا ليس بسفه، هذا رشد الدين وهو الذي تكون فيه الدنيا تبعاً وليست بمقصد، فإذا كان مثل هذا فإنه مأجور.
وكذا لو أنه جاء يشتري شيئاً فقال له البائع: الشيء بعشرة، ويرى عليه آثار الضعف أو يراه محتاجاً أو عاملاً عند الغير فيعطيه عشرة، ويزيده ريالاً أو ريالين من باب الإحسان والإكرام والرفق به، فهذا ليس بسفه؛ لأنه عامل بالدنيا وانفكت الجهة في الآخرة، فالريالان اللذان دفعهما لم يكن مقصوده منهما المعاوضة وإنما قصد منهما الآخرة، فهذا لا يدخل في السفه، إذ السفه شرطه ألا تكون هناك أسباب تقتضي الزيادة أو النقص، فإن وجدت الأسباب فلا، مثلاً: ابن عمي لو جاء يشتري مني سلعة قيمتها مائة، وبعتها بسبعين وأنا لا أقصد البيع حقيقة، وإنما قصدت أن أبيع بالسبعين والعشرون أو الخمسة والعشرون التي هي فضل القيمة قصدت بها الصدقة على ابن العم أو صلة الرحم، أو أحببت أن مالي يذهب إلى قريبي فهذا يؤجر عليه الإنسان.
فمثل هذه الأحوال لا يحكم فيها بسفه الإنسان إنما السفيه هو الشخص الذي عنده تلاعب بالأموال وتساهل فيها.
وكذلك النوع الثاني من السفه الذي يبذر لشهوة نفسه، كرجل يدمن السفر، ويكثر في هذه الأسفار من إنفاق المال في متع مباحة، أما إذا كانت محرمة فبالإجماع أنه سفيه ولا إشكال، لكن إذا كان في متع مباحة كأن يشتري الأشياء الفاضلة الزائدة عن حاجته، فيكون بإمكانه أن يشتري سيارة بخمسين ألفاً فيذهب ويشتري السيارة بمائة ألف، فالسيارة شهوة وفيها مصلحة، وصحيح أنها في بعض الأحيان تكون حاجة لكن الزيادة على الخمسين في قيمتها يعتبر سفهاً؛ لأنه تبذير للمال في الشهوة وهو يحب المظاهر، فتجده يشتري ثوباً قيمته مائة، وبإمكانه أن يشتري ثوباً يستره بخمسين، فيأخذ ضعف الشيء، فمثل هذا يعتبر سفيهاً، وقد أشار إلى ذلك بعض العلماء -رحمهم الله- بقوله: والسفه التبذير للأموال في شهوة ولذة حلال فلما قال: في شهوة ولذة حلال.
دل على أنه من باب أولى إذا كانت شهوته ولذته في حرام.
وعلى كلٍ: هذا السفيه إذا ثبت سفهه؛ فإنه يحجر عليه القاضي، بعد ثبوت سفهه من خلال التعامل وشهادة شاهدين عدلين أنه اشترى سلعة قيمتها مائة ألف ومثلها يباع بخمسين.
فإذا ثبت ذلك عند القاضي بشهادة العدول أو بإقراره حكم بالحجر عليه للسفه.
والأصل في مشروعية الحجر على هؤلاء قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:5].
الحجر على الصغير
قوله: (والصغير) والصغير هو الصبي، وهو الذي دون البلوغ، والصبي مأخوذ من الصبى وهو ضد الحلم والبلوغ، والأصل في الحجر عليه عموم قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:5] ولذلك قال طائفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والمفسرين من التابعين وغيرهم: إنه يدخل فيهم الصغار، ولذلك أمر بالحجر على الأيتام.
واليتيم من توفي أبوه وهو دون البلوغ، فلو كان الصبي يستحق أخذ ماله لأخذه اليتيم، والله نهى عن إعطاء اليتيم ماله، وأمر باختباره عند البلوغ فقال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:6] فقال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:6] وجعل الابتلاء لما قبل البلوغ، واشترط لفك الحجر على اليتيم شرطين: الشرط الأول: أن يبلغ، فدل على أنه قبل البلوغ لا يزال تحت الحجر.
والشرط الثاني: أن يكون رشيداً بعد بلوغه، فإن بلغ غير رشيد فإنه يستمر الحجر عليه كما سيأتي.
قال المصنف: (الصغير) ولم يقل: اليتيم؛ لأن الصغير يشمل الصغير الذي أبوه موجود، واليتيم الذي فقد أباه، وهذا صحيح، ولذلك من الخطأ أن نقول: يحجر على السفيه واليتيم، ولذلك انظر إلى دقة العلماء قال: (والصغير) وبعضهم يقول: (والصبي) والصغير أفضل لأن المراد به جنس الصغير ذكراً كان أو أنثى.
الحجر على المجنون
قوله: (والمجنون لحظهم).
سواءً كان جنونه متقطعاً أو مستديماً، فهؤلاء يحجر عليهم، أما المجنون المتقطع فإنه إذا أفاق وكان رشيداً رد إليه ماله، وأما إذا كان جنونه مستديماً فإنه يستمر عليه الحجر.
الخلاصة: أن المجنون واليتيم بإجماع العلماء يحجر عليهما، والخلاف في السفيه فقط، فجمهور العلماء على أن السفيه يحجر عليه، وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وأهل الحديث -رحمة الله على الجميع- أن من كان بالغاً ولا يحسن التصرف في ماله فإنه يحجر عليه لقوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:5].
وخالف في هذه المسألة الإمام أبو حنيفة النعمان -عليه من الله الرحمة والرضوان- فقال: لا يحجر على من بلغ خمساً وعشرين، وقال: إن البالغ لا يحجر عليه.
واحتج بآيات الكفارة، وقال في بعض الروايات عنه: إذا بلغ إحدى وعشرين سنة فلا يحجر عليه، وفصل في اليتيم إذا بلغ سفيهاً فقال: يستمر الحجر عليه إلى خمس وعشرين.
وأما من بلغ إحدى وعشرين ثم حصل منه سفه بعد الواحد والعشرين فلا يحجر عليه، واستدل بآيات الكفارات، فقال: إن الله تعالى أوجب على من جامع أهله في نهار رمضان أن يكفر بعتق الرقبة، ففعل هذا الجماع وهو صائم في نهار رمضان سفه بل جمع بين سفه الدين والدنيا، ومع ذلك خاطبه الله بعتق الرقبة وبإطعام ستين مسكيناً، فدل على أنه يملك المال وأن من حقه أن يتصرف في المال وأنه لا يحجر عليه، وهذا ضعيف؛ فإن الآية صريحة في قوله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:5] وهي نص في موضع النزاع.
وأما مسائل الكفارات فإنه لا تعارض بين عام وخاص، نقول: هذا عام وهذا خاص، ويستثنى من ذلك حقوق الكفارات كما استثناها الجمهور.
المسألة الثانية في قوله: إنه إذا بلغ إحدى وعشرين صار جداً، والجد لا يحجر عليه، يقول: لأن الرجل يمكن أن يصبح جداً وعمره واحد وعشرون سنة، فلا يتأتى ولا يليق أن الرجل جد -وهو والد لولد وولد الولد- ويحجر عليه، وهذا دليل النظر والعقل، وهذا ضعيف؛ لأنه عقل في مقابل نقل، وثانياً أن مسألة كونه جداً أو ليس بجد لا يؤثر فالعبرة بإحكام النظر في المال.
ولو سألناهم: لم توافقون على الحجر على اليتيم؟ قالوا: لأنه لا يحسن النظر لنفسه.
نقول: إن هذا الكبير مع اليتيم شاركه في عدم إحسان النظر في ماله، فحجر عليه كما حجر على اليتيم، وأياً ما كان فالصحيح مذهب الجمهور: أنه يحجر على السفيه سواءً كان بلغ إحدى وعشرين أو لم يبلغها، ويستمر الحجر عليه ولو بلغ خمساً وعشرين سنة.
معاملة وجناية المحجور عليهم
يبقى الأثر المترتب على الحكم بالحجر عليهم، وهو أنه إذا عاملهم الغير بتجارة أو إجارة أو غير ذلك أنه يتحمل مسئولية المعاملة معهم.
فلو أن رجلاً باعهم متاعاً كسيارة ثم علم أو تبيّن أن الذي تعامل معه مجنون، فإن كان يعلم بأنه مجنون؛ فإنه يجب رد عين السيارة، فلو أن هذه السيارة تَلِف فيها شيء؛ فإنه لا يضمنه المجنون إذا كان عالماً بجنونه.
والسبب في هذا: أن من عامل الصبي أو المجنون أو السفيه عالماً بكونه محجوراً عليه فإنه يتحمل المسئولية والأثر المترتب على هذه المعاملة، فيُرَد عين المبيع، ولا يلزمهم الضمان، وبناءً على ذلك فإن الشخص العالم بالحجر عليهم يتحمل مسئولية الضرر.
أما إذا كان غير عالم كأن يتعامل معهم من يظنهم أهلاً للمعاملة، ثم يتبيّن له أن الذي تعامل معه مجنون؛ فحينئذٍ يجب رد المال وضمانه.
حكم التعامل مع المحجور عليهم
قال رحمه الله: [ومن أعطاهم ماله بيعاً].
إذا باع على الصبي تحمل المسئولية، فلو أخذ الصبي هذه السيارة بعشرة آلاف ريال، فنقول: الحكم حينئذٍ: يُلزم هذا الشخص الذي تعامل معه برد العشرة الآلاف وترد السيارة بعينها.
وفائدة ردها بعينها أنه لو تلف فيها شيء أو تضرر فيها شيء مع علمه بكونه محجوراً عليه؛ فإنه هو الذي يتحمل مسئولية ذلك الضرر.
فإذا أخذ الصبي السيارة وحصل له بها حادث فأصبحت لا تساوي إلا خمسة آلاف؛ فإنه يرد عين السيارة دون أن يضمن شيئاً؛ لأن الذي تعامل معه أدخل على نفسه الضرر، فمثل هذا لا يتعامل معه، فإذا باعه على هذا الوجه فالبيع فاسد، ويجب رد عين المبيع، وهذا معنى قوله: (ويرده بعينه) أي: يرد عين المبيع ولا يرد مثله.
قال رحمه الله: [أو قرضاً].
كأن يكون أعطى صبياً عشرة آلاف قرضاً، وكانت العشرة موجودة بعينها، فإنها ترد، وأما إذا أتلف منها الصبي والدائن عالم بكونه صبياً، فإنه لا يُرد له إلا الذي وُجد، لكن إذا كان غير عالم؛ فإنه يضمن حقه.
قال رحمه الله: [رجع بعينه] أي: طالب برد عين الذي باعه وعين الذي أخذه الصبي والسفيه والمجنون.
قوله: [وإن أتلفوه] أي: أخذ السيارة فأتلفها، أو اشترى منه عمارة فأفسد فيها وأتلف فيها، فإنه في هذه الحالة لا يضمن.
قال رحمه الله: [لم يضمنوا] لا يضمن الصبي ولا المجنون ولا السفيه إذا كان الذي عامله عالماً بسفهه وصباه، وبعدم أهليته للتصرف.
حكم جناية المحجور عليهم على غيرهم
قال رحمه الله: [ويلزمهم أرش الجناية وضمان مال من لم يدفعه إليهم].
هذه مسألة ثانية: لو أن هؤلاء جنوا جناية أفسدوا بها مبيعاً؛ فإنه يلزمهم ضمان أرش هذه الجناية لمن لا يعلم؛ لأنه عمل على الظاهر، وظن أنه أهل، فمثل هذا لم يدخل الضرر، وليست هناك دلالة ظاهرة منه تدل على الرضا بالضرر، بخلاف من عاملهم وهو يعلم، فمن عاملهم وهو يعلم يتحمل الضرر، وأما من عاملهم وهو لا يعلم فإنه في هذه الحالة يُضمن له حقه.
مسألة ضمان الصبي والمجنون: لو أن صبياً أتلف سيارة رجل، أو مجنوناً أتلف بيت رجل أو متاعه، فإذا جئنا ننظر إلى أصول الشريعة فإن الصبي والمجنون غير مكلف، فالأصل يقتضي أننا لا نطالبهم بشيء؛ لأن الصبي والمجنون رفع عنهما القلم، لكن الشريعة فرقت بين أمرين؛ فرقت بين المؤاخذة كحق لله عز وجل بحصول الإثم وبين حق الغير.
ففي حقوق الناس والاعتداء على أموالهم، كالسيارة تتلف أو البيت يهدم أو تفسد فيه مصالحه، فإنه يجب ضمانها، والمجنون لو أتلف سيارة رجل؛ فإنه يجب ضمان التلف الموجود في هذه السيارة.
وهذا محل إشكال، كيف نؤاخذ المجنون؟
و
الجواب
أن هذا مبني على الحكم الوضعي لا الحكم التكليفي، فهناك جانبان في الأحكام: حكم تكليفي، وحكم وضعي.
فالحكم التكليفي حكم من ناحية الوجوب والندب والاستحباب والكراهة والتحريم والإباحة، ويتعلق بمن هو مكلف وفيه أهلية التكليف، فيؤاخذ بتركه أو امتناعه عن فعل الواجب أو وقوعه في المحرم.
لكن بالنسبة للحكم الوضعي فمن الممكن أن يؤاخذ من باب وجود السبب، فالشريعة تقول: أي إتلاف وقع على مال إنسان بدون حق فإنه يجب على المتلف أن يضمن، بغض النظر عن كونه أهلاً أو غير ذلك، فلا تنظر الشريعة إلى هذا، بل تنظر إلى الحق في المال، وجعلت الضمان على المتلف سواءً كان أهلاً للتكليف أو غير أهل.
ولذلك إذا نظرنا إلى الحكم الوضعي نرى أن الإتلاف سبب للضمان بغض النظر عن المتلف، سواءً كان صغيراً أو كبيراً، إذ لو قلنا بعدم ضمان الصبيان لأمكن لكل مفسد أن يأخذ جملة من الصبيان ويوعز إليهم أو يأمرهم بالإتلاف والإفساد، فهذا يفتح باب شر عظيم، ثم أيضاً نفس الصبية يتمردون ويكون ذلك سبباً لأذية الناس.
فالصبي إذا أتلف يضمن، وإذا كان ليس عنده يتحمل والده ويضمن عنه؛ فحينئذٍ كأن الشريعة تنظر إلى من يعين الصبي على إفساده، فإن أولياءه متى علموا أنه إذا أتلف يؤاخذون؛ فإنهم سيأخذون على يديه ويحافظون عليه.
أما من حيث الحكم التكليفي من أنه يأثم: فلا يأثم؛ لأن الصبي لم تتوفر فيه أهلية المؤاخذة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي داود وأحمد في مسنده وهو حديث صحيح: (رفع القلم عن ثلاثة) وذكر منهم الصبي والمجنون.
ومن هنا قالوا: إن الهازل إذا طلق يؤاخذ بطلاقه من باب الحكم الوضعي لا من باب الحكم التكليفي، كما أن الحكم الوضعي أن المتلفظ بالطلاق يؤاخذ بلفظه، بغض النظر عن كونه قصد إيقاع الطلاق أو كان هازلاً.
وبهذا أجاب الإمام الشاطبي -رحمه الله- في الموافقات في كتابه النفيس: المقاصد، فإنه لما تعرّض للمقاصد والنيات ولقاعدة: (الأمور بمقاصدها) ذكر أن مؤاخذة الهازل بطلاقه من باب الحكم الوضعي لا من باب الحكم التكليفي.
فمسألة تضمين المجنون والصبي مبنية على الحكم الوضعي، وهذا فيه رحمة عظيمة بالناس، فإن الناس متى علموا أن الأموال تضمن وتحفظ؛ حافظ بعضهم على أموال بعض، وأصبحت للأموال حرمة.
ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم جعل حرمة المال مقرونة بالدم فقال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) فجعل حرمة المال مقرونة بحرمة الدم.
فإذا أتلف الصبي أو المجنون مال الغير ضمنه؛ فإن كان الغير الذي تعامل معه هو الذي مكنه من المال وأعطاه وجعله عنده وهو يعلم أنه صبي وأنه محجور عليه؛ فإنه حينئذٍ يتحمل الضرر المترتب على تمكينه.
والعكس بالعكس، فإن كان الذي تعامل معهم لا يعلم بكونهم محجوراً عليهم، فيضمن له حقه ولا يؤاخذ المحجور عليه.
فعندنا قاعدة وهي: أن أموال الناس تضمن، ولذلك جُعلت قاعدة الضمان في المتلفات صيانة لحقوق أموال المسلمين.
فإذا كان الأصل أن أموال المسلمين محرمة لا يجوز الاعتداء عليها، فمتى ما اعتدى الصبي أو المجنون أو غيرهم على مال الغير؛ وجب ضمانه.
فإن كان هذا هو الأصل نقول: إن كان الصبي قد أخذ المال من شخص مكنه منه فالذي مكنه يتحمل المسئولية، وأما إذا كان لا يعلم أنه دون البلوغ، ولا يعلم أنه محجور عليه، وظنه بالغاً رشيداً عاقلاً، فإذا به مجنون وسفيه وصبي فهذا له عذره، وحينئذٍ يبقى الأصل الموجب للضمان.
الأسئلة
المقصود بالرشد في قوله تعالى: (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ)
السؤال
في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:78] من أي الرشد هذا؟
الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: الرشد معناه: الصلاح في الدنيا والصلاح في الدين، وصلاح الدنيا يشمل النظر في الأمور في أصلحها وأحسنها، ولوط عليه السلام استعطف قومه وردهم إلى ما فيه خيرهم ودعاهم إلى صلاح دينهم ودنياهم فأبوا عليه فقال: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:78] استفهام إنكاري، أي: أليس فيكم من عنده رشد يمنعه ويردعه فيردع غيره وينصح غيره؟ لأن النصيحة إذا وجدت من يصغي لها فإنه سينصح غيره، ومن المعلوم عادة أن الشخص إذا نصح قد لا تقبل منه النصيحة؛ لكن حينما يكون فيمن يُنصح رجل رشيد يتقبل النصيحة، فإنه قد يدفع غيره إلى القبول فيتأثر.
فالوعظ لا يكفي فقط، بل لا بد مع الوعظ من أن يتقبل الغير ويتأثر فهو يقول: (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود:78].
فهذا الاستفهام إنكاري والمراد به رشد الدين، أي: اقبلوا دعوتي، واقبلوا ما أذكركم وأعظكم به، أو يكون المراد به: رشد الدنيا، بمعنى: النظر في أصلح الأمور وترك ما تكون عواقبه وخيمة، ومن ذلك الإعراض عن الدين والإعراض عن الله.
والله تعالى أعلم.
حكم الصبي إن خرج منه المني لمرض
السؤال
لو خرج المني من الصبي بمرض أو غير ذلك هل يحكم ببلوغه؟
الجواب
هناك فرق بين افتراض الشيء ووجود الشيء، يعني كما لو قال قائل: إذا لم تغب الشمس هل نصلي المغرب، فكيف يخرج المني دون البلوغ؟ أصلاً المني لا يتكون إلا في بالغ، هذا المعروف عند الأطباء وهذا الذي ذكره الأطباء.
المهم أن المني لا يتكون ولا يخرج إلا من بالغ، ولا أذكر كلاماً لعالم أو لطبيب في القديم أو الحديث يذكر أن طفلاً خرج منه المني حتى ولو بعلة.
فلا يمكن ذلك أصلاً؛ لأن الله يقول: ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:2] … ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:88] فجعل كل شيء في موضعه وفي مكانه، لا تستطيع أن تقدمه ولا تستطيع أن تؤخره، ولن تستطيع أن تجد أكمل ولا أبدع من صنع الله جل جلاله، وهو تعالى يقول: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:117] ما هو بديع الخلق الذين هم الناس والضعفاء فقط، إنما أخرج لنا هذا الملك العظيم -السموات والأرض وما فيها من تقدير الأشياء- ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر:19] بدقة متكاملة لا يمكن أبداً أن يزيد شيء عن حده الذي جعله الله فيه: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:3]، وإذا جعل الله ذلك فلا يستطيع أحد أن يقدم شيئاً أخره الله.
فهذا الخلق للماء خلق تقديري موجود في أعضاء الإنسان التناسلية، ومقدر ومرتب ومرتبط ببلوغه، ولا يمكن أن توجد هذه الغدد أو تصدر أوامرها بإفراز هذه المادة المنوية في الصبي.
هذا أمر ينبغي وضعه في البال، وفرق بين فرض الشيء ووجود الشيء، فالشيء الذي ليس له حقيقة في الوجود كما قال الإمام الشافعي: إذاً نمد الرجلين.
فالشيء الذي ليس له أصل في التقدير ما يحكم به.
لكن مثلاً: لو أن صبياً عمره أربع عشرة سنة، ثلاث عشرة سنة، اثنتا عشرة سنة، هذه كلها سنوات محتملة لخروج المني، وفجأة صار له فاجعة -نسأل الله السلامة والعافية- ويقع هذا، ففي الفاجعة أنزل، يحكم ببلوغه؛ لأن الغدد هذه تفتقر إلى قوة إما بالبلوغ، وهي القوة الذاتية، وإما بقوة من خارج.
ولذلك البدن يستعان فيه بعد الله عز وجل بأشياء من داخله وأشياء من خارجة، يقولون: المريض إذا مرض تكون قد عجزت الأشياء الداخلية عن دفع هذا المرض فيعطى العلاج، وبعض الأحيان تكون حمية الإنسان وسخونة البدن ونشاط الإنسان يقوي ما فيه بقدرة الله عز وجل ويدفع المرض.
فتجد بعض الناس يصاب بأمراض لا تؤثر فيهم كتأثيرها في أشخاص آخرين، ويعلم الأطباء هذا، حتى إن بعض العظماء لما أصابه بعض الأمراض وأعيت فيه الحيلة، وجلب أطباء الأرض، فما وجد عندهم دواءً كتب إلى الرازي وجاءه.
فلما جاءه ورأى ما به قال: علاجك في أمرين: أولاً: أن تعطيني فرسين.
ثانياً: أن تأمر أحد رجالك أن يكون بجواري، وأدخل أنا وأنت في الحمام -الحمام الساخن- وتأمر هذا المولى أن يطيع ما أقوله له، ولا يعصيني فيه، ولا يطيعك إذا أمرته.
قال: وهو كذلك، فدخل معه الحمام، فلما أدخله صار يلكزه، فكلما أراد من شدة الحر يرتفع يمنعه حتى كاد أن يموت، قال له: إنما فعلت بك هذا لأقتلك، فلما قال هذه المقالة اشتد غضبه، فأوعز الرازي للمولى أنه متى ما ركبت الفرس اتركه يركب ورائي، ففر عنه، وركب وراءه الفرس يريد أن يدركه، فبعد ما ركب مع الحمية والغضب والشدة سخن بدنه وزالت عنه العلة، فلما أدركه وأصابه قال: إنما فعلت بك من أجل شفائك فهل تجد شيئاً من مرضك؟ قال: ما أجد له حساً، قال: إنه كانت بك فضلات، عجز البدن والدواء عن إخراجها، فما بقي إلا أن تقوى نفسك على نبذ هذا الشيء وهو وجود حمية أو غضب، لكنك كنت في نعيم وترف فلا بد وأن تخرج عما أنت فيه وليس ذاك إلا إذا سخن جسمك واشتد غضبك.
فالشاهد أن الإنسان قد يبلغ بسبب فاجعة تأتيه أو أمر شديد عليه أو أمر له ضرر فيفاجأ به، فمن شدة المفاجأة ينشط ما به فينزل، أو يقع منه الاحتلام، حتى إن المرأة ربما ينفجر معها الحيض عند فاجعة، ويقع هذا ويحدث فتنشط أعضاؤها.
فأياً ما كان نحن نقول: إن هذه العلامة يحكم بها إذا كان السن لمثلها وخرج، ولو خرج بفاجعة أو مرض، فإنه يحكم ببلوغه؛ لأن الإنزال قد وقع.
والله تعالى أعلم.
كيفية صيام من نذر أن يصوم شهرا
ً
السؤال
امرأة نذرت صوم شهر، فهل تصومه متتابعاً أو متفرقاً مع أن التفرق أيسر لها لكبر سنها؟
الجواب
إذا قالت: لله عليّ أن أصوم شهراً فلها أحوال: الحالة الأولى: أن تسمي شهراً معيناً، فيجب عليها أن تصومه كاملاً، ويستوي في ذلك أن يكون تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين، فإن كان تسعة وعشرين أجزأها وإن كان ثلاثين فلا إشكال.
الحالة الثانية: أن تقول: لله عليّ أن أصوم شهراً دون أن تعين، فلا يخلو من ضربين: إما أن تشترط التتابع وتقول: لله عليّ أن أصوم شهراً متتابعاً فيلزمها أن تتابع.
وإما أن تطلق فيجزئها أن تصوم ثلاثين يوماً.
وعلى هذا: يجوز لها أن تصوم الثلاثين يوماً متفرقة أو تصومها مجتمعة، ما دام أنها لما حلفت ونذرت لم تحدد ذلك ولم تقيده بالتتابع، فيلزمها أن تصوم الثلاثين ويجزئها أن تكون مفرقة أو متتابعة.
والله تعالى أعلم.
حكم حرق أوراق القرآن إذا كان ممزقا
ً
السؤال
هل يجوز حرق المصاحف إذا تلف بعضها؟
الجواب
حرق المصاحف يجوز إذا تلفت وخشي عليها الضرر، وهذا استنبطه طائفة من العلماء من فعل الصحابة رضوان الله عليهم، فإن عثمان رضي الله عنه لما نسخ المصحف الإمام أمر بإحراق بقية المصاحف.
فدل هذا على أنه إذا وجد ضرر على القرآن كأن يكون في موضع يمتهن فيه أو موضع يخشى أن يتطاير ورقه فيمتهن فيجوز حرقه.
أما أن يتوسع في هذا الأمر وكلما وجدنا مصاحف قديمة أخذناها وأحرقناها، فهذا والله من أعظم الإساءة ومن أعظم الإفساد، وربما في بعض الأحيان تجد المصحف منزوعاً منه ورقة واحدة فيأتي مباشرة ويأخذه من المسجد ثم يحرقه، وهذه المصاحف خاصة إذا كانت في المساجد أوقاف أهلها الذين أوقفوها ربما كانوا أمواتاً يفتقرون لكل حسنة.
فمن جاء إلى هذه المصاحف وأتلفها وأحرقها بدون حق فقد ظلم، وهم خصومه بين يدي الله عز وجل، فلا يجوز إخراج المصاحف من المساجد ولا إحراقها إذا كانت وقفاً ما لم تتعطل مصالحها بالكلية، ولا يمكن استبدالها.
في أحوال خاصة يحكم بجواز إحراقها، أما ما عدا ذلك فلا يجوز؛ لأن لكتاب الله حرمة، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:56] وكما قال مجاهد بن جبر رحمه الله: (إن قلع الشجر إتلاف للمنافع والمصالح) وأعظم المصالح مصالح الدين، فإحراق كتب العلم وإحراق المصاحف من إتلاف تلك المصالح والمنافع.
ويدخل في ذلك كتب العلم أيضاً، فإن بعض الطلاب إذا قرءوا وكتبوا المذكرات وانتهى الاختبار أحرقوا هذه المذكرات وأتلفوها، ولربما يأتي إلى الكراس وفيه الورقة والورقتان، أو قل عشر أوراق مكتوب فيها، وثلاثون أو أربعون ورقة ليس مكتوباً فيها ويحرق الجميع، هذا كله من الإفساد ولا يجوز ذلك، ولقد أدركنا بعض علمائنا ومشايخنا -رحمة الله عليهم- يستشيط غضباً شديداً لما يرى هذا ويغضب، والورقة إذا كان بعضها تالفاً وبعضها صالحاً فإنه ينزع التالف ويستفاد من الصالح لأي غرض يحتاجه لكتابة فائدة أو يكتب عليه أو يجرب عليه القلم، المهم لا يرمى وهو صالح بل يكتب عليه.
ومن أعظم ما يكون أن يكون فيه علم نافع، فإن الله تعالى يأجر من كتب العلم ومن سمعه، ومن شهد مجالسه، كلهم لهم أجر وثواب من الله عز وجل.
فهذا المكتوب إذا كتبته يداك فإن الله عز وجل يكتب لك أجر الكتابة، فإن خلصت نيتك؛ بارك الله لك فيما كتبت، وربما بقي دهراً طويلاً ينسخ منه غيرك ولك في ذلك أجر، ولربما تأتي إلى درس علم وتنسخه وتفرغه فتنتشر منه مذكرات أو تطبع كتب فيعود عليك أجر ذلك كله.
هذا خير وفضل عظيم، وما الذي رفع الله به قدر السلف إلا الصبر على هذا العلم وكتابته والحرص على الانتفاع به، فلا ينبغي لطالب العلم أن يحرق مثل هذه الكتب والأشياء المفيدة.
كان السلف والأئمة والأولون إذا وجدوا الفائدة ولم يجدوا ما يكتبون عليه؛ نقشوها على الجدران، وربما نقشت على الحجارة، كل ذلك خشية أن يذهب العلم.
والله تعالى أنْعم علينا بهذه النعم والخيرات العظيمة، وكان الرجل لا يستطيع أن يكتب حرفاً واحداً، ما لم يجد الريشة التي تكتب وتكون صالحة، ولربما يعي في إصلاحها، أو يجد ما يصلح الكتابة، أو يجد ريشة إذا كتب بها تكون خفيفة الوضع حتى لا تشغل مكاناً كبيراً.
فالله أعطانا من الأقلام أدقها وأبراها وأجملها وأحسنها، بل لم يقف الحد عند هذا حتى إنها تساق لك من مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد ولك الشكر، وتضعها في جيبك، وما كنت تستطيع أن تضع ما كتبته بل لا بد تنقل معك محبرتك ودواتك، وتنقل معك آلات الكتابة كما تنقل الكتاب، ويجدون في ذلك من الجهد والعناء ما الله به عليم، والله تعالى جعله في جيبك طوع بنانك، وتكتب به ما تشاء، ولربما كلت يد الكاتب.
فالإنسان يحمد نعمة الله عز وجل والله تعالى يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم:28] فكل نعمة ينعمها الله عليك؛ ينبغي عليك أن تتأمل وأن تتدبر هذه الكتب وهذه المصاحف، نعمة عظيمة، ولو كانت صفحة من كتاب الله، فاحمد الله عز وجل أن الله أعطاك هذه الصفحة.
وكم من أناس كانوا يتمنون أن يروا هذا الصفحات، فلنحمد الله على نعمه ونشكره على فضله وكرمه، ولنحسن في هذه النعم، ونحاول قدر الاستطاعة المحافظة عليها وإحسان النظر فيها حتى يبارك الله فيها.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم بمنه وكرمه ذلك الرجل.
والله تعالى أعلم.
المقصود بالطفل في قوله تعالى: (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ)
السؤال
ما المقصود بالطفل في قوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:31] ما المقصود بالطفل؟
الجواب
فإن الأطفال ينقسمون إلى قسمين: - القسم الأول: من يبقى على سجيته وغفلته وفطرته، بعيداً عن الفتن، لا يتعرض للنساء، ولا يحرص على الاطلاع على عوراتهن، فمثل هذا يبقى على الأصل في العفو عنه ما دام أنه لم يبلغ الحلم.
والقسم الثاني: على العكس من ذلك، عنده استشراف وطلب وحرص على النظر إلى النساء، ولربما تحدث بأمورهن وظهرت منه الريب، فمثل هذا يُحجب ولو كان دون البلوغ، كما أن الكبير الذي تكون فيه غفلة -غير أولي الأربة- وهم الذين لا يشتغلون بأمور النساء وفيهم نوع من العته أمرهم مخفف فيه، فإن ظهرت منهم الريبة حجبوا.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أراد غزو الطائف قال الرجل: لئن فتح الله على نبيه غداً الطائف لأدلنك على ابنة غيلان تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخلن عليكم هذا بعد اليوم) وكان في الأول يتسامح فيه يظنه ليس من ذوي الإربة، فلما سمع منه هذه المقالة والتحرش بالنساء والدلالة على عوراتهن؛ حجبه عليه الصلاة والسلام عن النساء، وأمرهن أن لا يدخلنه.
ففي بعض الأطفال نوع من الذكاء ونوع من الجرأة، فمثل هؤلاء يمنعون ولو كانوا صغاراً.
وعلى هذا قال العلماء: أيضاً الطفلة الصغيرة ربما كان جسمها وطبيعتها تقارب الكبيرة فإذا نظر إليها فتنت، قالوا: تحجب وهي صغيرة؛ لأن الحكم يدور حول المصلحة والمفسدة، فمثل هذا يتقى وتطلب فيه تقوى الله عز وجل وتحصل المصالح التي يقصد الشرع تحصيلها، وتدرأ المفاسد التي يطلب الشرع درءها.
والله تعالى أعلم.
الجمع بين قوله عليه الصلاة والسلام: (من قرأ آية الكرسي لم يقربه شيطان) وبين قوله: (إذا نام أحدكم عقد الشيطان على ناصيته)
السؤال
كيف يتم الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ آية الكرسي لم يقربه شيطان) وبين قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا نام أحدكم عقد الشيطان على ناصيته ثلاثاً)؟
الجواب
أما من حيث قراءة آية الكرسي فينبغي أن يعلم أنه ما من مسلم يقرأ شيئاً في كتاب الله أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم وكان فيه وعد بخير أو أمر إلا وجب عليه أن يسلم تسليماً، وأن يعتقد اعتقاداً جازماً أن ما ورد في هذا النص من الكتاب والسنة حق لا مرية فيه، وأن الله يعطيه ما وعده، فإن الله لا يخلف الميعاد.
إذا ثبت هذا فإن قراءة آية الكرسي إنما يكون تأثيرها الكامل وتأثيرها على أتم الوجوه وأكملها وحصول الموعود على أتم الوجوه وأكمله لمن قرأها بإيمان وخشوع وحضور قلب.
ومن هنا يتفاوت الناس في قوة التأثير على حسب قوة اليقين أثناء القراءة والاعتقاد، ولذلك تجد بعض القراء كما قال صلى الله عليه وسلم في الفاتحة: (وما يدريك أنها رقية) فرجل يقرؤها على مجنون فيشفى، ورجل يقرؤها على لديغ فيشفى، وقد يقرؤها قارئ مرات وكرات ولكنها لا تؤثر قراءته، أما المقروء فإنه مؤثر.
ولذلك يختلف الناس في قوة العقيدة وقوة الإيمان، وقد يأتي الرجل إلى الكرب العظيم والخطب الجسيم فيقول: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، ويدخل بيقين بالله ولا يمس بسوء لقوة يقينه.
(إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) هذا الذي كمل يقينه وكملت عقيدته وإيمانه وتوحيده، فإذا كمل الإخلاص والتوحيد وأصبح القلب متوجهاً إلى الله بصدق، وإذا تلا الآيات تلاها بإيمان وإذا تليت عليه استجمع معاني الإيمان واليقين، فإن الله يجعل له أكمل الحظ وأكمل النصيب، فما أتي الناس إلا من ضعف اليقين.
أما من حيث الحديث (يعقد الشيطان على قافية أحدكم) فليس فيه معارضة للحديث لأنه يجاب من وجوه: أولاً: إما أن يقال لا تعارض بين عام وخاص، فيكون قوله: (لا يقربه شيطان) بمطلق الحال، ولا يمنع هذا خصوص الابتلاء في الثلاث العقد التي لا يسلم منها النائم.
وحينئذٍ من قرأ آية الكرسي فإنه لا يقربه شيطان بأذيته في نومه أو أذيته في ضجعته، فإن من نام يؤذى، ولذلك شرعت قراءة الأذكار قبل النوم.
وعلى هذا إذا قرأها حفظ، فكان المراد به: لا يقربه شيطان بالنسبة لغير المستثنى بالنص.
ثانياً: أن العقد على القافية ليس له علاقة بالقربان، فإنه يعقد عليه بدون وجود القربان؛ لأن اقتراب الشيء من الشيء ملاصقته، وقد يكون الاقتراب على وجه المداخلة، فالشيطان قد يداخل الإنسان.
وبناءً على ذلك يكون المنفي (لم يقربه شيطان) غير المثبت بالعقد؛ لأن العقد قد يكون من بعيد وقد يكون العقد كما ذكر بعض العلماء: العقد المعنوي، وإن كان الصحيح أنه العقد الحسي.
ولذلك من نام يشعر بهذا، يشعر أن الليل طويل، وأن هناك من يمنيه، فيكون من الوسوسة وحديث النفس.
والذي يظهر والله أعلم: الجواب الأول، أنه لا تعارض بين عام وخاص.
ولذلك الشيطان مسلط على الإنسان بالوسوسة وبحديث النفس، فلو أخذ قوله: (لم يقربه شيطان) على العموم مطلقاً لشمل حتى من يوسوس، ولكن الله تعالى جعل الإنسان مبتلىً بحديث الشيطان، وهذا لا يمنع ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى كل حال: من قرأ آية الكرسي فهو محفوظ محفوظ، والله عز وجل حافظٌ له لا محالة.
وأذكر من مشايخنا -رحمة الله عليه- قال: من أهل العلم من ذكر أنه كان نائماً وأحس باثنين يتكلمان بجواره، وقال: سمعته يقول لصاحبه: لن تستطيعه، إنه تلا آية الكرسي قبل أن ينام.
وذات مرة ذكر بعض العلماء قال: سمعت اثنين يتحدثان عند رأسي وأنا في البيت لوحدي، أو في الغرفة لوحدي فسمعته يقول: لن تستطيع أن تدخل فيه، إنه قرأ المعوذات.
وهذه قد ثبت فيها النص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ المعوذات وينفث ثلاثاً كما في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعيذنا من نزغات الشياطين، وأن يرزقنا عفوه ومغفرته ولطفه وهو أرحم الراحمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
شرح زاد المستقنع -
باب الحجر [5]
من حجر عليه لأجل مصلحة نفسه، فإنه لا يفك الحجر عنه إلا إذا تحقق أنه يستطيع أن يرعى مصلحة نفسه، ولهذا جعلت الشريعة علامات وأمارات تدل على أن المحجور عليه قد صار أهلاً لتحمل المسئولية، وبثبوت تحقق هذه العلامات يفك الحجر عنه وإلا فلا.
العلامات الموجبة لرفع الحجر عن الصغير والمجنون والسفيه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وإن تم لصغير خمس عشرة سنة] ذكرنا غير مرة أن الفقهاء يرتبون المسائل والأحكام، ويراعون الترتيب أو التسلسل المنطقي.
فأنت إذا حكمت بالحجر على السفيه والصبي والمجنون وبيّنت الأثر المترتب على الحجر يرد
السؤال
متى يفك الحجر عنهم؟ فشرع في هذه الجملة في بيان متى يفك الحجر؟ وهذا كمنهج القرآن في آية النساء فإن الله عز وجل قال: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:5]، وهذه الآية تشمل الصبي بنوعيه: اليتيم وغير اليتيم، وتشمل كذلك المجنون والسفيه ثم قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:6] فذكر فك الحجر عنهم.
فعندنا ثلاثة جوانب ينبغي لطالب العلم أن يتنبه لها: - إثبات الحجر.
- والأثر المترتب على الحجر.
- وفك الحجر.
فهذه هي الثلاث المراحل في باب الحجر: المرحلة الأولى: من الذي يحجر عليه، وما هي الأمور الموجبة للحجر؟ المرحلة الثانية: إذا حكمنا بالحجر لسبب السفه والصبا والجنون، فما الذي يترتب عليه؟ ذكرنا أن الذي يتعامل معهم إما أن يعلم وإما ألا يعلم، فإن علم فوجود العقد وعدمه على حد سواء فيجب رد عين المبيع، وإذا حصل فيه نقص فإنه يرد بحاله ولا يضمنه، وأما إذا كان لا يعلم فإنه يضمن على الأصل الشرعي.
المرحلة الثالثة: متى يُفك عنهم الحجر؟ فقال رحمه الله: (وإن تم لصغير) هناك أمران لا بد من توفرهما في الصغير: البلوغ والرشد.
فلا بد أن يبلغ وأن يكون رشيداً، فهاتان علامتان متى ما وجدتا حُكم بفك الحجر عن الصبي واليتيم، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:6] فذكر علامتين: - العلامة الأولى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:6] أي: وصلوا سن النكاح، وهو قريب من طور الحلم. - وأما العلامة الثانية: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:6] فعلق الحكم ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [النساء:6] وجاء مرتباً على شرطين: البلوغ والرشد.
فقد يبلغ الصبي وهو سفيه أو وهو مجنون، فلابد من بلوغه ووجود الرشد فيه.
وبعض الأطفال وبعض الصغار من نعم الله عز وجل عليه أنه ربما أعطي من الذكاء والفطنة وحسن النظر ما يسبق بلوغه، فإذا أعطي المال وحصلت عنده خبرة ودربة على التعامل خاصة أبناء التجار، كما في القديم حيث كان أبناء التجار هم الذين يتولون بأنفسهم المعاملات، وكان آباؤهم يعودونهم على ذلك، فهذا التعوّد ربما يكسب الصبي من الفطنة ما يقارب البلوغ ويكون في حكم الفطين البالغ، فالله عز وجل اشترط شرطين قال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:6] فلو أنه كان رشيداً قبل البلوغ لم ينفعه.
ولو أنه بلغ غير رشيد لم ينفعه، فلا بد من وجود العلامتين: البلوغ والرشد.
علامات البلوغ
فأما البلوغ فللعلماء فيه وجهان: بعضهم يقول: ينبغي أن يختبر قبل البلوغ، أي: عند بلوغه ومقاربته له.
وبعضهم يقول: يختبر بعد البلوغ.
فيرد
السؤال
ما هو البلوغ؟ وما هي علامات البلوغ؟ هناك علامات تتعلق بالرجال، وهناك علامات تتعلق بالنساء، وهناك علامات تتعلق بالجميع، ولذلك العلماء -رحمهم الله- يقولون: إن علامات البلوغ منها الخاص ومنها المشترك.
فأما بالنسبة للخاص فهو أقوى ما يكون في النساء، فهناك الحيض والحمل بالنسبة للمرأة، فإذا حاضت المرأة أو حملت حُكم ببلوغها وبلوغ زوجها، إن كان الحمل من زوج هي تحت عصمته؛ لأن الله يقول: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:7].
وعلى القول بأنه يخرج الطفل من بين صلب المرأة وتريبتها فإننا نستدل بآية: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان:2]، حيث جعل الخلق في آية الإنسان من الخليط بين ماء الرجل وماء المرأة؛ فأثبت أن الخلق منهما معاً، فدل على أنه كما يحكم بالبلوغ للرجل يحكم بالبلوغ للمرأة.
فإذا حملت المرأة حُكم ببلوغها، وكذلك إذا حاضت حُكم ببلوغها، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) فقوله: (لا يقبل الله صلاة حائض) أي: مكلفة بلغت سن المحيض وحاضت، وليس المراد (لا يقبل الله صلاة حائض) أي: أنها تكون حائضاً أثناء الصلاة؛ لأن الحائض لا تصلي.
فمراده بوصفها بكونها حائضاً أي: بالغة، وهذا كما درج عليه الأئمة، وفسروا به هذا الحديث.
فدل على أن الحيض والحمل -وهذا بإجماع العلماء- يعتبر من علامات البلوغ عند المرأة.
وأما العلامات الخاصة بالرجال فليس هناك إلا إنبات الشعر في اللحية والوجه على القول بأن الإنبات عام وليس بخاص بالعانة، وهذا فيه نظر.
أقوال العلماء في السن المعتبرة للبلوغ
قال المصنف رحمه الله: [وإن تم لصغير خمس عشرة سنة] علامات البلوغ منها علامة السن، واختلف العلماء رحمهم الله فيها على قولين: جمهور العلماء على أن السن علامة من علامات البلوغ، وأن للبلوغ سناً إذا وصل إليه الصبي حكم بكونه بالغاً إذا لم ير علامة البلوغ قبله، أما لو رؤيت علامة البلوغ قبل خمس عشرة سنة فلا إشكال، كصبي أنزل المني وعمره أربع عشرة سنة أو عمره ثلاث عشرة سنة، أو امرأة حاضت وعمرها عشر سنوات فإنها بالغة.
فإذا قلنا: إن خمس عشرة سنة هي علامة البلوغ لمن لم تظهر منه علامة البلوغ قبل هذا السن، فجمهور العلماء على أن هناك سناً معيناً إذا وصل إليه الصبي أو وصلت إليها الصبية حكم ببلوغ كل منهما، وإن لم تظهر علامات البلوغ قبل ذلك، وخالف الظاهرية في ذلك.
واستدل الجمهور، فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر السِنّ علامة للبلوغ كما ثبت عنه في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (عُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني -يعني للقتال- وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) هذه هي الرواية التي في صحيح مسلم: (عرضت عليه يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) لكن في رواية البيهقي يقول: (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، ولم يرني قد بلغت، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني ورأى أني بلغت).
فدل هذا على أن الخمس عشرة سنة فاصل بين البالغ وغير البالغ.
وعلى هذا قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر السن علامة للبلوغ.
وقال الظاهرية: ليس السن بعلامة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة) وذكر منهم: (الصبي حتى يحتلم) فقالوا: ليس عندنا علامة إلا الاحتلام فقط، وهو إنزال المني كما سيأتي.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور أن السن علامة يُستدل بها على البلوغ.
و
السؤال
ما هي السن المعتبرة للبلوغ؟ فذهب الحنفية إلى التفريق بين الرجل وبين المرأة، فعند الحنفية أن المرأة إذا بلغت سبع عشرة سنة حكم ببلوغها، والرجل إذا بلغ ثماني عشرة سنة، ولا يحكم بالبلوغ قبل ذلك إذا لم تظهر العلامات؛ قالوا: لأن المرأة فيها من شدة الشهوة والطبيعة والغريزة ما يجعل بلوغها أبكر من الرجل، وهذا معلوم: أن النساء في البلوغ أعجل من الرجال.
فقالوا: نفرق بينهم بسنة وحول كامل، ووافقهم المالكية، فقالوا: ثماني عشرة سنة هي البلوغ، ودليلهم الإجماع؛ لأن أقصى سن اعتد به: ثماني عشرة سنة، إلا طائفة من الظاهرية يقولون: إحدى وعشرين سنة؛ لأنه يصير فيها جداً على مسألة الشافعي رحمه الله حيث يقول: أعجل من رأيت في الحيض نساء تهامة، رأيت ابنة إحدى وعشرين سنة وهي جدة.
تكون تزوجت وعمرها تسع سنوات، وأنجبت في العاشرة، ثم هذه التي أنجبتها مرت عليها تسع سنوات أخرى، فيصبح عمر الأم تسع عشرة سنة والبنت تسع سنوات، فزوجت كأمها وهي بنت تسع، فحملت وأنجبت على العشرين، فتدخل في الواحد والعشرين وهي جدة.
فقال: أعجل من رأيت في الحيض نساء تهامة، رأيت جدة ابنة إحدى وعشرين سنة.
فالإمام ابن حزم رحمه الله يقول: هذا أقصى شيء، فأنا آخذ باليقين، فيكون هو السن الذي يعتبر للبلوغ، لكن بالنسبة لجماهير العلماء يكاد يكون شبه إجماع على أنه ثماني عشرة سنة، والمالكية والحنفية يقولون: أقصى سن ثماني عشرة سنة وما وراءها متفق على أنه بلوغ، والخلاف فيما قبله، واليقين أنه صبي فنبقى على اليقين.
هذا بالنسبة لدليل من يقول: إنها ثماني عشرة سنة، ولذلك المالكية يقولون: وكل تكليف بشرط العقل مع البلوغ بدم أو حمل أو بمني أو بإنبات الشعر أو بثمانية عشر حولاً ظهر هذا بالنسبة للمالكية حيث لا يفرقون بين الرجال والنساء.
والصحيح ما ذهب إليه الإمام أحمد والشافعي وطائفة من أهل الحديث -رحمة الله على الجميع- من أن خمس عشرة سنة هي السن التي يفرق فيها ويحكم فيها بالبلوغ، وأنه إذا بلغ الصبي أو الصبية خمس عشرة سنة ولم ير علامة البلوغ قبل ذلك؛ فإنه يُحكم ببلوغهم بخمس عشرة سنة للحديث الذي ذكرناه، فإنه نص في موضع النزاع.
ولذلك لما بلغت هذه السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله برحمته الواسعة- كتب إلى الآفاق: انظروا فمن وجدتموه قد بلغ خمس عشرة سنة؛ فاضربوا عليه الجزية.
فعده بالغاً.
وعلى هذا نقول: سن البلوغ خمس عشرة سنة، ويستوي في ذلك الرجل والمرأة، فالجارية إذا بلغت خمس عشرة سنة ولم تحض ولم تحمل ولم تُنبت ولم تُنزل نحكم بكونها بالغة.
اختلاف العلماء في اعتبار الإنبات من علامات البلوغ
قال رحمه الله: [أو نبت حول قبله شعر خشن] العلامة الثانية: الإنبات، والإنبات المراد به نبات الشعر، فيعرف بلوغ الرجل وبلوغ المرأة إذا نبت الشعر حول العانة، ويكون حول القبل، والشعر ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الشعر الضعيف الذي يكون عند أول الخلق، وهذا الذي تسميه العرب بالزغب، فمثله لا يحكم فيه بالبلوغ، حتى أجاز العلماء رحمهم الله حلقه وجزه إن كان في الوجه؛ لأنه ليس بشعر لحية ولا يعد من اللحية.
وأما القسم الثاني من الشعر: فهو الشعر الشديد الخشن، ولذلك يعبر بعض العلماء فيقول: أن ينبت الشعر الخشن.
التفاتاً وتنبيهاً على المؤثر، فإذا نبت الشعر الخشن حول القبل وحول العانة -وهي أسفل السُرة فيما بينها وبين القبل- حكم ببلوغه وبلوغها.
وهذه العلامة اختلف فيها العلماء رحمهم الله، فالجمهور على أن الإنبات علامة، ودليلهم حديث محمد بن كعب القرظي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما حَكَّم سعداً رضي الله عنه في بني قريظة حكم سعد فقال: (أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم).
فلما حكم فيهم بهذا الحكم قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده! لقد حكمت فيهم بحكم الجبار من فوق سبع سموات) فأصاب رضي الله عنه الحق والصواب.
فحكم أن تقتل مقاتلتهم، والمقاتل هو البالغ، وقوله: (وأن تسبى ذراريهم)، أي: الذين هم صغار ودون البلوغ، ويشمل ذلك أيضاً النساء، فلما حكم بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم؛ قال محمد بن كعب: (فكانوا من وجدوه أنبت قتلوه، ومن لم ينبت تركوه، فوجدوني لم أنبت، فجعلوني في الذرية).
وحديث محمد بن كعب القرظي حديث صحيح، وفيه دليل على قتل المقاتل البالغ، ففرقوا بين البالغ وغير البالغ بالإنبات.
فدل على أن إنبات الشعر في هذا الموضع يعد علامة على البلوغ، وأن من نبت شعره في هذا الموضع يؤاخذ وتسري عليه أحكام البالغ.
وهذا هو الصحيح، وخالف بعض العلماء فقال: إن الإنبات ليس بدليل، وهذا ضعيف، ولكن السنة قوية في دلالتها على أن الإنبات علامة من علامات البلوغ.
ثم اختلفوا: هل يختص بشعر العانة أو يشمل أيضاً شعر الإبطين وشعر اللحية والوجه، فقال بعضهم بالتعميم، وقال بعضهم بالتخصيص، لكن الأقوى أن يخصص ذلك بشعر القبل، فإذا نبت هذا النوع من الشعر حكم ببلوغه.
إنزال المني علامة من علامات بلوغ الصغير
قال رحمه الله: [أو أنزل] وهذا النوع من العلامات مجمع عليه، والإنزال علامة مشتركة إضافة إلى علامتي السن والإنبات، فإذا بلغت المرأة خمس عشرة سنة حكمنا ببلوغها، ولو بلغ الصبي خمس عشرة سنة حكمنا ببلوغه، فلا يختص ذلك بالرجال دون النساء ولا العكس.
كذلك أيضاً الإنبات يشمل الرجال والنساء، وكذلك أيضاً الاحتلام وهو خروج المني سواءً في اليقظة أو المنام، فإن خرج حكمنا ببلوغ الشخص، ويستوي في ذلك الرجال والنساء، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (رفع القلم عن ثلاثة -وذكر منهم- الصبي حتى يحتلم) وهذا العلامة مُجمع عليها.
هذا بالنسبة للصبي، فإذا ظهرت أحد هذه العلامات حكمنا ببلوغه، ويضاف إليها ظهور الرشد متى ما بلغ الصبي.
الرشد والعقل من علامات فك الحجر عن المجنون
قال رحمه الله: [أو عقل مجنون ورشد].
هنا تنتبهون إلى دقة المصنف، فالمصنف رحمه الله ذكر علامة البلوغ، ثم أضاف إليها العقل للمجنون، وكأنه ينبه إلى أن البلوغ وحده لا يكفي بل لا بد أن يبلغ عاقلاً؛ لأنه ربما بلغ اليتيم مجنوناً -نسأل الله العافية والسلامة- أو يبلغ ما عنده عقل، فحينئذٍ لا يؤثر البلوغ، فقرن البلوغ بالعقل، ثم قرن كلاً منهما بالرشد، وهذا من دقته رحمة الله عليه، فلابد عندنا بالنسبة للصبي من أن يبلغ ويكون عنده عقل ورشد.
وبعض العلماء يقول: يبلغ ويرشد؛ لأن الرشد يستلزم العقل فيكتفي بالعلامتين، لكن المصنف أدخلهما في بعضهما حتى لا يكرر.
ف
السؤال
متى نفك الحجر عن الصبي؟ ومتى نفك الحجر عن المجنون؟ ومتى نفك الحجر عن السفيه؟ هذه هي الجمل الآن.
بينّا أن الصبي لا بد أن يبلغ، وذكرنا علامات البلوغ ويكون عند بلوغه عاقلاً راشداً.
ومعلوم أن الرشد يستعمل في الدلالة على معانٍ، فتارة يقصد منه رشد الدين وتارة يقصد منه رشد الدنيا.
فيقال: فلان رشيد، إذا كان على صلاح وخير، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:256] فالرشد وسبيل الرشد سبيل الحق والصواب والهدى، فهذا استعمال الرشد بمعنى الخير والسداد.
ويستعمل الرشد بمعنى: حسن النظر في أمور الدنيا، وقد أشار الله إليه بقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:6] فالرشد المراد به هنا أن يكون رشيداً يحسن التصرف في ماله.
وبناءً على ذلك: إذا بلغ الصبي فيجب على الولي أن يختبره لكي يكتشف العلامة الثانية وهي الرشد.
والرشد في الصبيان يختلف على حسب اختلاف المحجور عليهم من الصبيان، فهناك رشد يتعلق بالنساء، وهناك رشد يتعلق بالرجال، فولي اليتيم يعطي اليتيم مالاً معيناً عند البلوغ أو مقاربة البلوغ يختبره به في تصرفه.
فمثلاً: إذا كان هناك عيد أو كانت هناك مناسبة واحتاج الصبي أن يشتري ثوباً أو حذاءً أو نحو ذلك فإنه يعطيه مالاً، ويقول له: اذهب واشتر لنفسك؛ ولا يحدد له ما الذي يشتري، ويعطيه مالاً معيناً يكون بمثابة الاختبار.
مثلاً: يمكن أن يشتري الحذاء بعشرة، فيعطيه خمسة عشر ريالاً حتى ينظر كيف يتصرف؛ لأنه لو لم يعطه إلا عشرة فسيشتري الذي قيمته عشرة، فيعطيه بطريقة ليس فيها ضرر من كل وجه على ماله؛ لأن هذا محتاج إليه.
فيعطيه مثلاً -اثني عشر ريالاً- أو ثلاثة عشر ريالاً بحيث يكون هناك سلعة بهذه القيمة وأقل، فينظر كيف يشتري؟ وقال بعض العلماء: بل يعطيه نفس القيمة، والسبب في هذا: أنه إذا أعطي نفس القيمة فسينظر هل يستطيع أن يكاسر البائع ويرغم البائع ويدفع إغراء البائع به، فإذا اشتراها بعشرة علمنا بأنه رشيد، وإن ألح عليه البائع لكي يختله ويضر به، فجاء يشتكي ويقول: ما وجدت أحداً يبيعني بعشرة، أو لا أشتري بأكثر من عشرة، علم رشده، وإن جاء يقول: لا، سأشتريها بخمسة عشر، علم سفهه.
والصحيح والأقوى: الأول، أنه يعطيه ويستفضل قليلاً؛ لكي ينظر كيف يحافظ على ماله، هذا بالنسبة للرجل، فيُختبر في شراء الأشياء التي تتعلق بالرجال كالملابس ونحو ذلك، أما المرأة فقد كانوا في القديم يختبرون النساء بما يصلح شأنهن، أو بما يكون خاصاً بهن من أمور الغزل وشراء الملبوسات ونحو ذلك، فإذا جاءت مناسبة أعطاها مالاً، ثم وكل إليها أن تشتري بهذا المال، فإذا ذهبت تشتري ثيابها واشترت بسفه؛ استمر الحجر عليها، وإن اشترت برشد؛ رفع يده عنها.
ويكرر هذا مرتين أو ثلاثاً، وأقل شيء يضمن به أنه مصيب: ثلاث مرات، فقد يعطي مرة ويشاء الله أن تلك المرة يظهر له فيها أنها راشدة وربما تكون رمية من غير رامٍ، فيكرر مرتين وثلاثاً حتى يتأكد.
وقال بعض العلماء: أحب أن ينوِّع، فتارة يعطيه ليشتري حذاءً، وتارة يعطيه ليشتري طعاماً، وتارة يعطيه ليشتري كتاباً أو قلماً، أو نحو ذلك، فيختبره بأنواع متعددة حتى يستمرئ التعامل مع الناس ويُكشف على حقيقته.
وهذا لا شك أنه أبلغ في الاحتياط، وظاهر القرآن يدل عليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَابْتَلُوا﴾ [النساء:6] والابتلاء: الاختبار كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود:7] أي: يختبركم.
وعلى هذا: لا بد وأن يختبر ويكرر عليه الاختبار حتى يثبت رشده في الشراء والبيع.
أيضاً مما يشمله الاختبار: أن تختبر الصبية والصبي بالبيع، فكما يختبر بالشراء يختبر بالبيع، فيعطى الصبي شيئاً يبيعه إذا كان أهلاً للبيع، فيقال له: خذ هذه السلعة وبعها في السوق، ويترك له الأمر ولا يحدد له قيمة، وإنما يقال له: بعها بالسوق، فيذهب، فإن أحسن بيعها وأحسن التصرف فيها فالحمد لله، ويكرر له مرتين أو ثلاثاً حتى يثبت أنه محسن للبذل؛ لأن الذي يأخذ المال لا يحكم بكونه رشيداً فيه إلا من جانبين: الجانب الأول: جانب الأخذ.
والجانب الثاني: جانب الإعطاء.
فقد يكون رشيداً في الأخذ سفيهاً في الإعطاء، وقد يكون سفيهاً في الإعطاء رشيداً في الأخذ، فبعض الناس إذا اشترى لا يمكن أن يغبن، لكن إذا باع يغبن، والعكس، فمن الناس من يغبن إذا اشترى ولا يغبن إذا باع، فإذاً لا بد وأن يكون رشيداً في بيعه وشرائه، وفي أخذه وإعطائه.
فإذا تم له ذلك وأعطيناه السلعة فباعها بقيمتها أو قريباً من قيمتها دون غبن ظاهر فيها؛ فإنه يحكم برشده ويعطى المال إليه؛ لأنه ثبت كونه مصلحاً للمال أخذاً وإعطاءً، بيعاً وشراء.
الرشد علامة لفك الحجر عن السفيه
قال رحمه الله: [أو رشد سفيه] سبق وأن ذكرنا أن السفيه هو الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء لغيره، فإذا حجرنا عليه ثم صار رشيداً في بيعه وشرائه وأخذه وعطائه نفك الحجر عنه؛ لأن ما شرع لعلة يزول بزوالها، فالأصل أنه يملك ماله، فالله يقول: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:5] فإذا زال وصف السفه وجب رد ماله إليه؛ لأنه مالك لماله، ولا يجوز أن يمنع من التصرف في مال يملكه.
حكم رفع الحجر من دون الحاجة إلى حكم القاضي
قال رحمه الله: [زال حجرهم بلا قضاء] مسألة فك الحجر عن المحجور عليهم فيها نوعان: - نوع منهم لا يفك الحجر إلا بحكم القاضي.
- ونوع منهم يفك الحجر عنهم بدون حكم القاضي.
فمثلاً: عندنا السفيه، مذهب طائفة من العلماء أنه لا يفك عنه الحجر إلا بحكم القاضي؛ للاختلاف في السفه والخروج من السفه واختلاف الأعراف في ذلك، فقالوا: يحتاط، فلا يحكم بفك الحجر عنه إلا بحكم القاضي، وقال بعض العلماء: هؤلاء الثلاثة: الصبي والمجنون والسفيه إذا رشدوا وزال عنهم وصف السفه والجنون والصبا حكمنا بأهليتهم للتصرف بدون حكم القاضي ويرفع الحجر عنهم.
ما فائدة الخلاف؟ فائدة الخلاف: لو أن صبياً حكمنا بالحجر عليه، وبلغ اليوم، وكان قد اختبره وليه عند البلوغ وإذا به رشيد، فلما بلغ اليوم اشترى عمارة بنصف مليون، ثم سئل فقيل: هل هذا رجل محجور عليه فلا نصحح البيع؟ فنقول: إن الحجر عليه زال بمجرد بلوغه إيناس الرشد منه.
فإن الله تعالى لم يشترط حكم القاضي وقال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:6] هذا في الصبي.
كذلك لو أن مجنوناً حجرنا عليه وأفاق من جنونه، فقال له رجل: بعني مزرعتك بخمسمائة ألف؛ فباعها بخمسمائة ألف، وقيمتها تساوي خمسمائة ألف، فإننا نقول: إن هذا المجنون متى ما زال عنه السبب الموجب للحجر عليه رجع حراً في ماله يتصرف فيه كما يتصرف العاقل.
وهكذا بالنسبة للسفيه فإنه يُحكم بفك الحجر عنه بدون حاجة إلى حكم القاضي، أما لو اشترطنا حكم القاضي، وتصرف الصبي أو السفيه أو المجنون فباع أحدهم شيئاً اليوم وقد زال المانع من الحجر عليه فإنه ينتظر إلى فك الحجر، ويبقى البيع معلقاً ومردوداً إلى نظر الولي، فإن أجازه صح وإن لم يجزه لم يصح.
مسألة ثانية من فوائد الخلاف: لو أن الصبي بلغ رشيداً وتصدق في هذا اليوم بألف، وليس فيه غبن على ماله، فإن قيل بأن الحجر يزول بمجرد وجود علامة البلوغ والرشد، فحينئذٍ صدقته نافذة، وعطيته صحيحة، والعكس بالعكس.
ومثال آخر: لو أن هذا الصبي بلغ اليوم وتصدق أو تبرع بألف لأخيه، ثم توفي في حادث، ولم يكن مريضاً مرض الموت، فهذه الألف عطية، وإن قلنا: إن الحجر عليه لا يفك إلا بحكم القاضي فهي لاغية؛ لأن عطية المحجور عليه قبل فك الحجر عنه لا تصح، فترد الألف وتبطل العطية.
وإن قلنا: يفك عنه بمجرد بلوغه ورشده، فعطيته نافذة وتُملك بمجرد القبض.
إذاً: هذه المسألة -هل نفك الحجر عنه بمجرد وجود علامة الفك أم أنه لا بد من حكم القاضي؟ - لها فوائد ولها آثار: والصحيح: أنه لا يشترط حكم القاضي على ظاهر النص في التنزيل.
ما تخص به المرأة من علامات البلوغ
قال رحمه الله: [وتزيد الجارية في البلوغ بالحيض].
وتزيد الجارية الأنثى بعلامة في بلوغها وهي: الحيض؛ لأنه يكون بالنساء، فإذا حاضت المرأة حكم ببلوغها.
قال رحمه الله: [وإن حملت حكم ببلوغها] لأن الحمل يكون عن حيض.
حكم رفع الحجر قبل تحقق الشروط
قال رحمه الله: [ولا ينفك قبل شروطه] ولا ينفك الحجر قبل شروطه، يعني: قبل وجود الشروط المعتبرة لفك الحجر، وهي: - البلوغ للصبي مع الرشد.
- والرشد في السفيه.
- والعقل في المجنون مع الرشد.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الراشدين في الدين والدنيا.
شرح زاد المستقنع -
باب الحجر [6]
الذي يحجر عليه لمصلحة نفسه لا يدرك مصلحته، ولهذا أوجبت الشريعة أن يكون هناك من يتولى أمره ومصالحه حتى يستطيع أن يتولاها بنفسه، ولكن هذا الولي لا يتصرف بما شاء، وإنما يتصرف بحدود مصلحة موليه؛ لأن هذا هو المقصود من وضعه في هذا الملف، ولهذا جعل العلماء عدة ضوابط لتصرفات الولي.
وقت فك الحجر عن السفيه والصبي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد ذكر المصنف -رحمه الله- هذه الجملة لبيان فك الحجر عن السفيه والصبي، وذلك بثبوت الرشد في كل منهما، وقد بينّا أن الرشيد في ماله هو الذي يحسن الأخذ لنفسه والإعطاء لغيره.
ومعنى ذلك أنه إذا اشترى أو استأجر أو أخذ شيئاً فإنه لا يغبن كما ذكر المصنف رحمه الله، فلا يباع عليه الشيء بأكثر من قيمته؛ ولا يبيع الشيء بأقل من قيمته.
فإذا كان على هذه الحالة أكثر من مرة، واختبر فبان أنه يتصرف على هذا الوجه: يحسن الأخذ لنفسه ويعطي لغيره على وجه معروف؛ فإنه يفك الحجر عنه.
ضابط الرشد عند السفيه والصبي
قال رحمه الله: [والرشد] أي: حقيقة الرشد وضابط الرشد في الشرع ما ذكره [بأن يتصرف في ماله مراراً فلا يُغبن غالباً].
قوله: (مراراً) فلو أعطى ولي اليتيمة اليتيمة مالاً فباعته أو اشترت به مرة وأصابت فإنه لا يحكم برشدها، بل لا بد من أن يتكرر ذلك أكثر من مرة؛ لاحتمال أن تكون أصابتها في المرة الأولى بدون قصد، كأن تكون حصلت موافقةً.
وعلى هذا فلا بد وأن يختبر أكثر من مرة قبل بلوغه -كما ذكرنا- أو عند بلوغه، وإذا أراد أن يختبره أعطاه مالاً وقال له: خذ بع هذا أو اذهب واشتر بهذا المال لك ثياباً أو طعاماً أو نحو ذلك، فإذا كرر البيع وكرر الشراء وكان على المعروف والسنن حُكم برشده.
قال رحمه الله: [ولا يبذل ماله في حرام] الرشد يشترط فيه ألا يبذل صاحبه المال في غير طاعة الله عز وجل، أو يبالغ في إنفاق المال في الشهوات.
فالمصنف ذكر المعصية وهي الحرام، لكن أيضاً يضاف إليها أن ينفق ماله ويكثر من الإسراف في المباحات، كرجل يدفع المال الكثير لقاء النزهة أو الفسحة، ويكون ذلك المال الذي أنفقه في سفره للنزهة والفسحة كبيراً وكثيراً، فإنه يحكم بسفهه وبزوال الرشد عنه، وإذا ثبت عليه ذلك عند القاضي حكم بالحجر عليه.
فإذاً لابد وأن يكون تصرفه على الوجه المعروف، وذلك بإحسانه للأخذ لنفسه والإعطاء لغيره، وعدم إنفاقه للمال في الحرام أو إسرافه في المباحات كما قال بعض العلماء: والسفه التبذير للأموال في لذة وشهوة حلال وخرّج العلماء على الوصف الأخير الذي ذكرناه -وهو إنفاق المال في الشهوة الحلال- أن يكون شراؤه للأشياء بأكثر مما تستحقه أو بما لا تملك بمثله، كأن يكون مثلها يشترى بمائة فيبالغ ويشتريه بمائتين أو بثلاثمائة.
أو يكون يحتاج إلى سيارة ومركب، وتكفيه سيارة بمائة ألف -مثلاً- فيذهب ويشتري سيارة بمائتين أو بثلاثمائة، فمثل هذا إذا أنفق المال وزاد وبالغ في المباحات فأسرف فيها، فإنه يُحكم بكونه سفيهاً.
قال رحمه الله: [أو في غير فائدة] كذلك لو أنفق المال في غير فائدة، كأمور اللهو التي لا تعتبر محرمة ولا مندوبة، وذلك اللهو المندوب الإنسان مع فرسه من أجل أن يتعود الفروسية، أو لهوه بسلاحه من أجل أن يتعود ويعد نفسه للجهاد في سبيل الله ونحو ذلك من المقاصد الشرعية؛ فاللهو الذي يكون لا فائدة فيه ويدفع المال فيه فإنه يُحكم بسفهه.
فلو دخل لكي ينظر إلى مناظر طبيعية بالغ أصحابها في قيمتها كأن لا يدخل لرؤية هذه المناظر إلا بمائة ريال، فدخل ودفع المائة وذهب ينظر في هذه المناظر، فما الفائدة التي يعود بها! فحينئذٍ إذا أنفقها فيما لا فائدة فيه فإنه يحكم بكونه سفيهاً.
وجوب اختبار الصبي قبل دفع المال إليه
قال رحمه الله: [ولا يدفع إليه حتى يختبر قبل بلوغه بما يليق به] ولا يدفع المال إلى الصبي إذا كان محجوراً عليه حتى يختبر ويمتحن كما ذكرنا؛ لأن الله أمر بذلك فقال سبحانه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:6] فأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نختبر اليتامى وذلك عند بلوغهم، فإذا حصل أو ثبت رشدهم فإنه يحكم بإعطاء الأموال إليهم.
وإنما حكم العلماء بلزوم الاختبار؛ لأننا لا نحكم برشده إلا بعد ثبوت ذلك الرشد بالاختبار.
الأحق بالولاية على السفيه والصبي أثناء الحجر عليهم
قال رحمه الله: [ووليهم حال الحجر الأب ثم وصيه ثم الحاكم] إذا كان الصبي محجوراً عليه فإن الذي يتولى أموره وحفظ ماله هو والده، وهو أحق الناس بذلك.
وهذا إنما يتأتى إذا كان للصغير مال، كأن تموت أمه وتترك له إرثاً، كصبي -مثلاً- ماتت أمه وتركت له مائة ألف، فالواجب على أبيه أن يأخذ هذا المال وأن يحفظه، حتى إذا بلغ الصبي دفع إليه ماله.
هذا بالنسبة للأشخاص الذي لهم حق الولاية، وبعبارة أخرى: من هو الولي الذي ينصب على اليتيم؟ فذكر رحمه الله أن أولى الناس بالولاية الأب، ثم وصي الأب إذا كتب الإنسان وصيته وخاف على أولاده، كأن يكون عنده ذرية ضعيفة -أطفال- ويخشى عليهم أنه لو مات عنهم أنهم يضيعون، فيجب عليه شرعاً أن يعهد ويوصي من يثق بدينه وأمانته أن يحفظهم.
فلا يجوز للمسلم إذا كان عنده أطفال أن يأمن الموت؛ لأن الموت يأتي الإنسان دون أن يشعره ويعلمه، وكم من ضاحك قد نسجت أكفانه.
فالواجب على المسلم إذا كان عنده أطفال وذرية أن يكتب وصيته، وأن يكتب في وصيته أن أولاده وأبناءه وبناته يليهم فلان، سواءً كان من القرابة أو من غير القرابة، إلا أن الوصية من القرابة أولى وأحق.
فإن كان هناك من أبناء العم أو العشيرة أو القبيلة من يُعرف فيه الدين والأمانة والحفظ والرعاية فإنه ينصبه على أولاده ليقوم عليهم ويرعى شئونهم ونحو ذلك.
فهذا الوصي الذي يوصي إليه الأب هو أحق بالولاية على أولاده إذا توفي، فيقوم هذا الوصي مقام الأب، وإنما قُدِّم الأب؛ لأن أكمل الناس شفقة على الإنسان هم الوالدان، ولا شك أن شفقة الأم أعظم من شفقة الأب، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم حينما ضرب المثل لعظيم رحمة الله عز وجل، وأراد أن يبيّن للعباد عظيم حلمه جل جلاله ورحمته بعباده، ضرب لهم ذلك بالأم حينما لقيت ولدها وقد خافت أن يكون قتيلاً في الحرب، فلما لقته أخذته وضمته إلى صدرها، فقال صلى الله عليه وسلم: (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا.
قال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها).
فالوالدان أسكن الله في قلوبهما الرحمة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم حينما دمعت عيناه على ابنه إبراهيم وبكى عليه الصلاة والسلام وعجب الصحابة وقالوا: ما هذا يا رسول الله؟ قال: (رحمة أسكنها الله في قلوب عباده).
فالوالد في قلبه رحمة لولده، والأم لا تستطيع أن تتولى أمور البيع والشراء والأخذ والعطاء على الأيتام، ولذلك الأب مقدم، وفي الأب من النصيحة لأولاده ما لا يخفى، فهو المقدم على غيره في ولاية أمور الصغار.
وكذلك أيضاً يليه الوصي؛ لأن شفقة الأب وحنانه تجعله لا يوصي بأبنائه بعد موته إلا لشخص يرى أنه يحل محله، وأنه يكون مثله أو أفضل منه.
فالواجب على الأب أن يفعل ذلك إذا علم أن هناك أيتاماً، وخاصة إذا وجد من القرابة -نسأل الله العافية والسلامة- من يعرف بالظلم واغتصاب الأموال وأذية الأيتام، ولا يبالي بالحقوق، فخاف عليهم من قرابتهم، فإنه يجب عليه أن ينصب الأصلح الذي يخاف الله عز وجل ويتقيه فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:9] فأمرنا الله إذا كان عندنا ذرية ضعيفة أن نتقيه فيهم، والذرية الضعيفة هم الأطفال، ومعنى ذلك أن كل إنسان عنده أطفال ينبغي أن ينظر هذا النظر، وألا يأمن الموت، وأن يكتب وصية لمن يقوم على أولاده في حالة موته.
هذا الوصي الذي توصي إليه أول شيء ما تنظر إليه فيه: دينه، فالدين هو عماد الخير كله، وينظر إلى تقواه لله سبحانه وتعالى؛ لأن المتقي أمين إذا استؤمن، وصادق إذا تكلم، وفيه من الحفظ والرعاية ما ليس في غيره.
ثم بعد ذلك تنظر إلى خلقه من ناحية أخلاقه ومعاملاته، بأن يكون رجلاً ديناً فيما بينه وبين الله يخافه ويتقيه ويحفظ حقوق الله، وذا خلق فيما بينه وبين الناس؛ لأنه ربما كان إنساناً ديناً لكنه عصبي وأخلاقه شرسة لا يستطيع أن يأمن نفسه؛ وتكون فيه حدة الطبع، فإذا جاء اليتيم يستعطفه في مال أو شيء ربما كهره، وربما أساء إليه وأغلظ عليه وربما قهره، وقد يكون ذلك بدون شعور منه، فينبغي أن ينظر إلى الخُلُق.
وثالثاً: ينظر إلى عقله، فقد يكون إنساناً فيه دين وصلاح، لكنه ناقص العقل، بمعنى: أنه أخرق لا يحسن التقدير للأمور، ولا يحسن النظر ولا الاجتهاد، فينبغي أن ينظر إلى عقله وبعد نظره وحسن تدبيره للأمور، حتى إذا طرأ شيء على أموال اليتامى أحسن التصرف، وكان عنده من الفطنة والذكاء والحذر والحزم ما يحفظ به أموال هؤلاء الضعفاء.
فإذا استجمع هذه الشروط فإنه يعهد إليه ويوصي إليه، وحبذا لو أنه يستدعيه ويذكره الله فيما بينه وبينه حتى يكون ذلك أبلغ في حفظه لماله ورعايته لأيتامه.
فالأب ومن اختاره الأب لأولاده يقدم على من سواه، وإن نصبه القاضي؛ لأن الأب أدرى بولده، وينصب الأب من يختار على أيتامه سواءً كانوا ذكوراً أو إناثاً، وله الحق أن يوصي بالذكور والإناث ويقول: فلان يلي أمور أيتامي، ويشمل ذلك ذكورهم وإناثهم.
قال رحمه الله: [ثم الحاكم] وذلك لأن الله جل وعلا جعل ولي الأمر كالوالد للناس، يعطف عليهم ويقوم على شئونهم ويرعى مصالحهم، فالولاة نصبوا على الناس حتى ينظروا الأصلح والأقوم والأهدى سبيلاً فيتبعوه ويأخذوا به.
وعلى هذا فلو مات إنسان وترك أيتاماً ولم يوص بهم لأحد، فإنه يرفع أمرهم إلى القاضي؛ لأنه يقوم مقام ولي الأمر، ولأن له ولاية النظر في المصالح، وهو منصب من ولي الأمر للنظر في مثل هذه الأمور.
فيقوم القاضي ويسأل عن قرابة الميت: هل فيهم رجل فيه من الدين والعقل والأمانة فيقدمه على غيره؛ فإذا لم يجد في قرابة الميت من هو أهل للقيام على أموال اليتامى، فإنه ينظر من سائر الناس من هو كذلك، فينصبه على هؤلاء الأيتام، ويوصيه بتقوى الله عز وجل، ويعظه ويذكره هذه الأمانة، ثم يفوض إليه الأمر بالنظر في مصالح هؤلاء الأيتام.
كيفية تصرف ولي أمر السفيه أو اليتيم أو المجنون لهم
قال رحمه الله: [ولا يتصرف لأحدهم وليه إلا بالأحظ] بعد أن بيّن رحمه الله من الذي يولى على الأيتام، شرع في بيان تصرف الولي، فإذا كان الولي ينصب على اليتيم والمجنون والسفيه، فماذا ينبغي عليه؟ قال رحمه الله: (ولا يتصرف) أي: الولي، والتصرف يشمل البيع والشراء والأخذ والعطاء من سائر المعاملات، فلا يتصرف هذا الولي في مال اليتيم إلا بالأحظ، والأحظ أفعل تفضيل بمعنى: أن يتصرف التصرف الذي هو الأفضل لمصلحة مال المحجور عليه.
وبناءً على ذلك: نفهم من هذا أنه ليس من حق الولي أن يتصرف تصرفاً يضر بالمال كله أو ببعضه، إلا في مسائل مستثناة.
فمن هنا: لا يصح للولي أن يتصدق بالمال، فلو أنه تصدق بالمال ضَمِن، ويجب عليه أن يضمن المال كاملاً، ولا يصح منه أن يتبرع بهذا المال، فلو قال: أنا وليهم أتبرع بهذا المال لأمهم، لم يكن من حقه ذلك.
فليس له أن يتصرف بما فيه ضرر، فيتلف المال كله أو يتسبب في ذهاب منفعة المال، بل عليه أن ينظر الأحظ.
وإذا كان ملزماً بالنظر بالأحظ، فيشمل ذلك أن يتصرف بالبيع ويتصرف بالإجارة ويتصرف بغير ذلك من مسائل المعاملات.
فعلى هذا: لو كان اليتيم توفي عنه أبوه وترك له عمارة، وهذا اليتيم بقي له ثلاث سنوات ويبلغ، والعمارة لو بقيت ثلاث سنوات ستنزل قيمتها وتصبح قيمتها رخيصة، وسأل أهل الخبرة فقالوا: إن العمارة سعرها الآن أفضل، فرأى المصلحة والأحظ أن يبيعها، فيجوز له أن يبيع؛ لأنه يلتمس الأصلح والأحظ.
كذلك العكس: لو أنه توفي وترك لأيتامه أرضاً، وهذه الأرض في مكان بعيد، وليس لها قيمة الآن، وقيمتها -مثلاً- عشرة آلاف لو بيعت الآن، وعلم عن طريق أهل الخبرة أو عن خبرته ومعرفته، أنها لو بقيت سيصل إليها الناس وتصبح قيمتها أكثر فيمسكها ويمتنع من بيعها.
ولاحظ الفرق بين الحالة الأولى والحالة الثانية: فإنه في هذه الحالة إذا غلب على ظنه أن الأصلح بقاء الأرض أبقاها وأمسكها، ففي حال البذل بالبيع وفي حال الإمساك إنما يروم ويقصد الأصلح للأيتام، فإذا نظر وعلم الأصلح والأفضل فإنه يقدم عليه ويعمل به.
ومثال آخر: في الإجارة: لو كان عند الأيتام عمارة، إذا أجرت فإنها تدر عليهم أموالاً، وهذه الأموال أنفع وأصلح لهم، خاصة وأنهم قد يتوفى أبوهم ولا يترك لهم سيولةً، فيحتاج ولي الأيتام إلى شيء ينفق منه على الأيتام، لشراء طعامهم وشرابهم ونحو ذلك، فرأى من المصلحة ألا يبيع العمارة وإنما يؤجرها فأجرها، فإنه حينئذٍ تصرف بالأحظ والأصلح.
لكن لو كانت هذه العمارة تؤجر على قوم يدفعون -مثلاً- عشرة آلاف، وآخرون يدفعون ثمانية آلاف فإلى أيهم نؤجر؟
الجواب
ينظر إلى من سيدفع العشرة أهم أحفظ لمصالح العمارة أكثر ممن سيدفع الثمانية أم لا، فقد يؤجر إلى أناس يتلفون مصالحها ويضرون بها، ثم بعد خروجهم يحتاج إلى إنفاق أموال لإصلاح ما أفسدوه وضيعوه، مع أنه شرعاً يجب على الأجير إذا أتلف شيئاً في العمارة ألا يخرج إلا وقد أصلحه.
وهذه من الأخطاء التي يخطئ فيها أولياء الأيتام ونظار الأوقاف، أن الأجير يخرج وقد أتلف المصالح والأعيان، وهذا لا يجوز؛ لأن هذا من إضاعة المال، وفي الشرع لو أن ناظر الوقف تساهل وخرج المستأجرون وتركهم يخرجون دون أن يضمنوا ما أتلفوه، فإنه يدفع من ماله وجيبه ما يصلح به ما أفسدوه؛ لأنه هو الذي مكنهم من ذلك، وقصر ولم يطالبهم بإصلاح ما أفسدوه.
فالمقصود: أن الولي لليتيم والناظر للوقف ونحوهم كلهم ينظر الأصلح للمال، سواءً كان ذلك ببيعه أو استئجاره أو إجارته أو نحو ذلك.
كذلك أيضاً: لو كان للأيتام مائة ألف، وهذه المائة ألف لو بقيت في البنك أو عند الصبي فإنها تأكلها الزكاة؛ لأن عليها زكاة؛ فحينئذٍ ينقص المال ولا يبلغ إلا وقد نقص المال، فنظر إلى أن الأفضل والأحظ أن يتاجر بهذا المال فنقول له: تاجر بهذا المال.
إذاً: القاعدة عندنا: أن ينظر الأصلح والأحظ، وكيف يتوصل إلى الأصلح والأحظ؟ نقول له: سل الناس إذا كنت تجهل، أو اجتهد على قدر علمك ووسعك إذا كان عندك علم وخبرة تتمكن عن طريقها من معرفة الأصلح والأحظ للمال.
حكم اتجار ولي اليتيم بمال اليتيم لمصلحة اليتيم
قال رحمه الله: [ويتجر له مجاناً] أي: ويتجر في مال اليتيم مجاناً، فلا يأخذ أجرة مثله إلا في مسائل ستأتي عند الحاجة، أما إذا اتجر بمال اليتيم فإنه لا يتعامل مع اليتيم، فلا يشتري من مال اليتيم، ولا يستأجر مال اليتيم؛ لأنه محل التهمة.
وعند بعض العلماء لا يصلح أن يكون مؤجراً أو مستأجراً أو بائعاً لليتيم أو مشترياً منه في آن واحد، لكن هذه العلة الثانية ضعيفة؛ لأنه يمكن أن يتزوج اليتيمة إذا عدل وأقسط إليها كما هو مقصود التنزيل واختارته أم المؤمنين عائشة وقال به الجماهير، أن ولي اليتيمة إذا عدل بمهرها وأقسط فلا بأس عليه، فهو ولي وهو زوج.
وأياً ما كان فمسألة الاجتماع قد لا تخلو من نظر كما ذكرنا، لكن ولي اليتيم يتاجر بمال اليتيم، أما مشروعية التجارة له ففيها حديث ضعيف، والصحيح أنه موقوف على عمر رضي الله عنه، فقد قال رضي الله عنه في خطبته: (اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة) فأمرهم أن يتاجروا بأموال اليتامى لئلا تأكلها الصدقة؛ لأن كل سنة عليها زكاة، فالمال ينقص، وحينئذٍ ينبغي على ولي اليتيم أن يحتاط لذلك، وبذلك أفتت وعملت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فكانت تلي أيتاماً لأخيها عبد الرحمن رضي الله عنهما، وكانت تتاجر لهم في أموالهم.
فإن تاجر الوصي فيتاجر مجاناً، ولا يأخذ أجرة عمله، وعلى هذا فإنه يكون قائماً على مال اليتيم وأجره على الله، فإن من أعظم الأعمال أجراً وثواباً: الإحسان إلى اليتامى، ومن الإحسان: استصلاح أموالهم والسعي فيما يعود عليهم بالخير، فإن هذا أجره عند الله أعظم، وثواب الآخرة أكبر.
وبناءً على ذلك فقد أجمع الصحابة على جواز التجارة بمال اليتيم؛ لأنه لا مخالف فيه، والعمل عليه عند أهل العلم رحمهم الله، وإذا ثبت ذلك فإنه يتجر بدون مقابل.
حكم المضاربة في مال اليتيم
قال رحمه الله: [وله دفع ماله مضاربة بجزء من الربح] قررنا أن ولي اليتيم يتصرف بالأحظ، وإذا كان يتصرف بالأحظ فله أن يتاجر في المال، لكن تبقى مسألة وهي: لو أنه تاجر في المال فاحتاج إلى عمال أو إلى أناس يقومون بالتجارة، فهل الذين يقومون بالتجارة لا يعطى لهم أجر؟
الجواب
لا، فقوله: (مجاناً) راجع إلى الولي وليس إلى العمال الذين يستأجرهم ويطالبهم للعمل، وإلا لما أمكن أن يتاجر بأموال اليتامى؛ لأنه إذا كان الولي لا يأخذ والعمال لا يأخذون فلن تقوم تجارة أصلاً، بل أين يوجد هذا؟! لكن يجوز أن يستأجر أناساً بالمعروف ويعطيهم أجرة بالمعروف، وبما جرى عليه العرف، لا يزيدهم ولا يظلمهم، ويعطيهم من مال اليتيم كما يعطى غيرهم من الأجراء، وذلك جائز ولا بأس به.
وإذا ثبت أن ولي اليتيم لا يجوز أن يضحي بشيء من مال اليتيم فيرد السؤال هنا: بعض العقود تبرم بين الشخص والآخر ويكون فيها نقص للمال، فأنت -مثلاً- إذا دفعت مال اليتيم إلى رجل ليتجر به وهو الذي يسمى بالمضاربة، -والمضاربة من الضرب في الأرض؛ لأن التجارة تحتاج فيها إلى السفر والضرب في الأرض- فلو أنك دفعت مائة ألف من مال اليتيم إلى رجل من أجل أن يتاجر فيها مضاربة، فإنه سيقول لك: أريد جزءاً من الربح؛ لأن المضاربة تدفع المائة ألف ويكون الربح بين صاحب المال وبين العامل، فلو أنه دفع مائة ألف إلى عامل، وقال له العامل: أنا آخذ نصف الربح، فحينئذٍ سينقص مال اليتيم، فبدل أن يكون الربح كله لليتيم سيكون نصف الربح له والنصف الآخر للعامل، فنقول: هذا جائز ولا مانع منه؛ لأنه جارٍ على سنن المضاربة.
ولذلك نص رحمه الله على هذه المسألة فقال: له أن يضارب في هذا المال على جزء من الربح.
يعني: يقول لشخص: خذ هذه المائة ألف واضرب بها وتاجر بها ونمَّ المال والربح بينك وبين اليتيم، أو ثلاثة أرباع الربح لليتيم وربعه لك، أو الثلثان لليتيم والثلث لك، أو العكس الثلث لليتيم والثلثان لك على حسب ما يرى فيه المصلحة.
والحقيقة أن إتلاف جزء من المال لاستبقاء الكل صحيح شرعاً، فولي اليتيم أو ناظر الوقف إذا أتلف جزءاً من المال من أجل بقاء المال فإن المصلحة تقتضي هذا.
ولذلك لما ركب موسى عليه السلام مع الخضر، وكسر الخضر لوح السفينة، أنكر عليه موسى عليه السلام، ولما بيّن له الخبر قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:79] فهو قصد الإتلاف والإفساد حتى لا تفوت السفينة بكاملها؛ ولذلك أخذ العلماء من هذا القاعدة المشهورة: (يرتكب الضرر الأخف دفعاً للضرر الأعظم)، وفي معناها قولهم: (إذا تعارضت مفسدتان روعي ارتكاب أخفهما لدفع أعظمهما)، فحينئذٍ فوات السفينة أعظم، وذهاب اللوح من السفينة أخف، فلولي اليتيم أن يضحي بجزء من المال لاستبقاء الكل.
وله كذلك أن يجعل الربح بين اليتيم وبين غيره بما يرى فيه المصلحة للمال ولليتيم.
حكم أكل الولي الفقير من مال موليه
قال رحمه الله: [ويأكل الولي الفقير من مال موليه الأقل من كفايته] هذه المسألة مستثناة من الأصل الذي ذكرناه، وقد قلنا: إن العلماء رحمهم الله يقررون الأصل ثم يذكرون أفراد المسائل التي تستثنى، فهنا عرفنا أن الولي لا يأكل من مال اليتيم وبينّا هذا الأصل.
ويرد
السؤال
الولي الغني ليس بحاجة، ويستقيم أن يقال: أجره على الله، والقاضي إذا نصب شخصاً للنظر في مصالح اليتيم وصار ولياً عليه، فإنه سيتعطل عن مصالحه، وقد لا يجد وقتاً من أجل أن يطلب الرزق، فلو كان فقيراً واحتاج إلى أن يأكل من مال اليتيم فهل يجوز له ذلك؟
الجواب
نعم، وهذا قول جماهير العلماء وأئمة السلف ودواوين العلم رحمة الله عليهم أجمعين، أن ولي اليتيم إذا كان فقيراً فإنه يجوز له أن يأكل بالمعروف؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:6] فأحل الله عز وجل له أن يأكل بالمعروف.
وعلى هذا قال العلماء: يأكل الأقل من أجرته وكفايته، أو يأخذ الأقل من أجرته وكفايته، والمراد بذلك: أنه إذا كان ولياً على يتيم وكان فقيراً واحتاج أن يأكل وهو قائم على مال اليتيم نقدر أجرة مثله، فلو كانت أجرة مثله في الشهر ألف ريال وكفايته في البيت ثمانمائة ريال فإنه يأخذ الثمانمائة ريال، ويأكل في حدود الثمانمائة.
فعندنا سببان: الأول: كونه قائماً على المال، وهذا يقدر فيه أجرة المثل.
والثاني: كونه محتاجاً وهذا يقدر فيه دفع الضرر عنه.
فعندنا أمران: كونه فقيراً ومحتاجاً، وكونه تولى هذا المال وقام على حفظه ورعايته.
فهذان سببان كلاهما يحل للشخص أن يأكل من مال اليتيم، لكن لا تخلو المسألة من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يتساويا، فتكون أجرة مثله تساوي قدر كفايته.
مثلاً: تولى المال وكان سيولة، ولم يتاجر به، فلو استأجرت شخصاً من أجل أن يحرس المال ويحفظه تقدر له -مثلاً- في الشهر خمسمائة ريال، فلو قدرت له خمسمائة ريال كأجرة، ونظرت إلى قدر كفايته في طعامه ونفقته في نفسه فوجدت أنه خمسمائة ريال، تقول: تساوت أجرة مثله مع حاجته؛ فحينئذٍ لا إشكال، فيعطى الخمسمائة وتتساوى الأجرة مع الحاجة.
الحالة الثانية: أن تكون الأجرة أغلى من حاجته، كرجل -مثلاً- ينمي مال اليتيم ويتاجر فيه، فمثله لو قدر أجرة عمله فإنه يعطى -مثلاً- ثلاثة آلاف في الشهر، وكفايته ألف، فنقول: يعطى الألف إذا كانت كفايته أقل من أجرته، والعكس لو كانت أجرته أقل من كفايته، كرجل عنده أولاد وأسرة كبيرة ينفق عليهم، وكفاية مثله في أهله وولده: ألفان، وأجرة مثله: ألف؛ فحينئذٍ قدر كفايته أكثر من أجرة مثله، فيعطى أجرة مثله.
ولذلك ينظر الأقل من السببين؛ لأنه يأكل بسبب الأجرة ويأكل بسبب الحاجة فيعطى الأقل منهما، وهذا نص عليه جمهور العلماء رحمهم الله؛ لأن الأصل حفظ مال اليتيم، وحل الأكل إنما هو لوجود الحاجة، وما أبيح للحاجة يقدر بقدره.
فيرد السؤال: إذا كانت أجرة مثله أكثر من كفايته، لماذا لا نعطيه أجرة مثله؟ الجواب: أن الشرع لم يجعل ولي اليتيم أجيراً، ولذلك لا نستطيع أن نضحي بمال اليتيم ونعطي من يقوم عليه الأجرة بدون نص وبدون أصل شرعي، وإنما قدرنا أجرته من أجل تعارضها مع كفايته، فمن حيث الأصل يحرم الأكل عليه، والأصل أنه يلي أمر اليتيم وأجره على الله، إذ لو فتح هذا الباب ربما أكلت أموال اليتامى وذهبت قبل أن يبلغ اليتامى.
وعلى هذا: ننظر إلى الأقل من أجرته وكفايته فنعطيه، سواءً كانت الأجرة أو كانت الكفاية.
قال رحمه الله: [أو أجرته مجاناً] هنا مسألة ثانية: لو أن شخصاً تولى على مال اليتيم وكان فقيراً، وأنفق على نفسه خلال ولايته على اليتيم سبعة آلاف ريال، ثم لما قارب اليتيم البلوغ أصبح الولي غنياً، فكان فقيراً فأكل ثم اغتنى بعد ذلك، سواءً عند البلوغ قبل أن يدفع المال أو بعد بلوغ اليتيم وقد دفع المال، فهل نقول له: رد لليتيم السبعة آلاف؟ أي: هل يضمن ما أكله؟ قال رحمه الله: [مجاناً].
للعلماء وجهان في هذه المسألة: بعض العلماء يرى أنه يدفع ويضمن ما أكله، وبهذا أفتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقولته المشهورة: (إني أنزلت نفسي من مال المسلمين كمنزلة ولي اليتيم، إذا اغتنيت تركته وإذا افتقرت أكلت، فإن أيسرت رددت ما أخذت).
فدل على أنه يقضي بعد اليسر، فإذا يسر الله عليه واغتنى ضمن المال.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا يقضي، وبعض العلماء يجعل أكل الولي من مال اليتيم في حال الفقر بشرط وهو: أن يكون المال في تجارة ونماء، أما لو كان المال لا يجري وليس في التجارة ولا في النماء فلا يفتي بجواز أكله منه.
الأحوال التي يقبل فيها قول الولي والحاكم بعد فك الحجر
قال رحمه الله: [ويقبل قول الولي والحاكم بعد فك الحجر في النفقة] إذا ثبت أن الأصل عدم جواز التصرف في مال اليتيم، وبينّا المسائل التي يجوز للولي أن يأخذ فيها ويأكل فيها بالمعروف، يرد
السؤال
إذا دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه وادعى اليتيم أن وليه أكل منه، أو أن وليه ظلمه في المال فأنفق فيما لا ينبغي أن ينفق فيه، أو دفع المال في شيء يشترى بالأقل فاشتراه بالأكثر، أو باع ما لا ينبغي بيعه، أو اشترى ما لا ينبغي شراؤه -لأن هذا كله وارد- فهل نقبل قول الولي أو نقبل قول اليتيم؟ هذه مسألة، كذلك أيضاً: إذا جاء وقت دفع المال إلى اليتيم عند البلوغ ووجدنا اليتيم رشيداً في تصرفه وحكم القاضي بدفع المال إليه، فسيحاسب الولي، ويقدم الولي بياناً لما دفعه على اليتيم من المصاريف في طعامه وشرابه وكسوته ومسكنه وملبسه إلى غير ذلك، فيقدمه ويقول: أنفقت عليه كذا وكذا، وكان ماله مائة ألف، فأنفقت عليه منها عشرة آلاف في طعامه ومسكنه وكسوته وغير ذلك، فيذكر الأمور التي أنفق فيها على اليتيم.
هذه العشرة آلاف التي يدعي الولي أنه أنفقها هل نقول: نقبل قوله هكذا أو نطالبه بالدليل؟ هذه مسألة ثانية، فالمسألة الأولى: إذا ادعى اليتيم، والمسألة الثانية: إذا حضر وقت الدفع ورد المال إلى اليتيم، ففي كلتا المسألتين يقبل قول الولي، والقاضي يقبل من ولي اليتيم ما يدعيه، فقال رحمه الله: (ويقبل قول الولي والحاكم بعد فك الحجر في النفقة).
فإذا كان الحاكم هو الذي يتولى أمر اليتامى، فإنه يقبل قول الولي والحاكم بعد فك الحجر عن اليتيم في النفقة، وإذا قلت: يقبل قوله، فمعناه: أنه يكون مدعىً عليه، ومعنى هذا: أنه لو حصلت خصومة وقضاء فسيكون الولي مدعىً عليه والقول قوله، لأنه إذا قيل: القول قول فلان فخصمه مدعٍ، والذي يُطالَب بالبينة خصمه ولا يُطالَب هو، فإذا جاء وقال: أنفقت عليه بعشرة آلاف فلا نقول له: أحضر شهوداً وأدلة على أنك أنفقت العشرة، بل يقبل قول الولي والحاكم.
قوله: (في النفقة) أي: في طعامه وشرابه وكسوته ومصالحه التي احتيج إليها، وسميت نفقة من النفاق؛ لأنها تستنزف المال وتأخذه.
قال رحمه الله: [والضرورة] سبق وأن ذكرنا ضابط الضرورة، وتعريفات العلماء للضرورة، لكن الضرورة هنا لها معنىً خاص، فاليتيم ترك له أبوه عمارة قيمتها مليون، وترك له سيولة خمسة آلاف ريال، فأنفق وليه الخمسة آلاف، فاحتاج اليتيم أن يبحث عن دخل ومال من أجل أن ينفق عليه، فقام ولي اليتيم ببيع العمارة.
في هذه الحالة لو سأله القاضي: لِمَ بعت العمارة؟ سيقول: اضطررت إلى البيع وألجأتني الضرورة أن أبيع هذه العمارة، فادعاؤه أنه مضطر لبيع العمارة أو أي مملوك لليتيم، كل هذا يصدق فيه؛ لأننا لو فتحنا الباب في عدم قبول قوله لفر الناس من الولاية وأصبح فيها ضرر عليهم.
فالشاهد: أن اليتيم إذا قال: باع عمارة والدي وما كان ينبغي له أن يبيعها، فقال الولي: بل كان ينبغي بيعها.
فكلمة: بل كان ينبغي، يعني: أنا مضطر إلى بيعها، والضرورة إذا ادعاها الولي يقبل قوله، وهكذا إذا ادعاها الحاكم فبنى عليها بيع شيء أو إجارة شيء.
مثلاً: لو أن اليتيم ادعى على الولي أنه أنفق عشرة آلاف ريال عليه، فسأله القاضي: فيم أنفقتها؟ قال: أنفقتها في سكن.
قال اليتيم: ما كان ينبغي أن يستأجر لنا سكناً، فيقول له: أين أذهب بهم يسكنون؟ في العراء! إنهم مضطرون لدفع العشرة الآلاف لإسكانهم، لكن لو ثبت عند القاضي أنه غير مضطر، فحينئذٍ يضمن الولي على التفصيل عند العلماء رحمهم الله، ويؤاخذه ويحاسبه القاضي على هذا إذ فيه ضرر على المال.
فإذا باع الولي العمارة بحجة نفقتها على اليتيم، واليتيم ترك له والده عشرين ألفاً، ويكفي اليتيم منها في حدود عشرة آلاف، فإذاً وجود العشرين ألفاً يمنع من الضرورة لبيع العمارة، فحينئذٍ يكون الولي مخطئاً في بيعها، لكن لو ادعى ضرورة ثانية كأن يشتهر أنه -مثلاً- بعد سنة ستصبح هذه العمائر رخيصة فيقول: أنا مضطر إلى بيعها لمصلحتها لليتيم، فباعها فخالفت الظنون وأصبحت غالية، فادعى اليتيم على وليه أنه فرط في هذه العمارة يقول: أنا نظرت إلى الحال واجتهدت، وفي ذلك الزمان كنت مضطراً إلى البيع؛ لأنني وجدت أن هذا يضر بمصلحة مال اليتيم، وأقدمت على البيع من هذا الوجه، فحينئذٍ يقبل قوله.
وقد يضطر الولي إلى البيع لخوف الكساد وهذا -مثلاً- في الأطعمة؛ إذا كان اليتيم ترك له والده بضاعة وكانت من الطعام، ولا يمكن أن تبقى شهراً دون فساد، فعرضها في السوق ولكنها لم تأتِ بقيمتها وإذا تركت تفسد فلا تأتي بشيء، فباعها بنصف القيمة، فحينئذٍ يخاصمه اليتيم أو القاضي ويسأله: كيف تبيع بضاعة قيمتها مائة ألف بخمسين ألفاً؟ يقول: نعم هذا البضاعة لم يتيسر بيعها إلا بخمسين ألفاً، ولو لم أبعها فستتلف، وأنا مضطر إلى ذلك؛ فهذه ضرورة صحيحة.
كذلك أيضاً لو كان الميت ترك متاعاً، وهذا المتاع المراد به مثلما يحصل لبعض التجار يشترون بضاعة بمائة ألف -مثلاً- من أجل أن تباع في موسم الحج بمائتين، وشاء الله أن يموت في شعبان، فهذه البضاعة سيتولى أمرها الولي، فإذا تولى أمرها فمعناه أنه سيحفظ البضاعة إلى الحج، وحفظ البضاعة إلى الحج يحتاج إلى إجارة، فاستأجر لها مكاناً بثلاثين ألفاً ولم يجد إلا هذا المكان بثلاثين ألفاً، وإن بيعت البضاعة في وقتها بيعت بخسارة أو برأس مالها، وإن بقيت بيعت بالضعف فالأصلح لليتيم ألا تباع الآن، وتبقى حتى تباع بالضعف، ووجد أن استئجار مخزن لها بعشرة آلاف لا يمكن، فاستأجر مخزناً بثلاثين ألفاً وباعها بمائتين، فأصبح كاسباً سبعين ألفاً، فإذا سأله القاضي: أين أنفقت الثلاثين؟ قال: أنفقتها من أجل حفظ البضاعة.
قال له: وهل كان حفظها لازماً؟ يقول: نعم.
لأن السوق كان كاسداً ونحو ذلك من الأحوال، وهذا معنى قوله: (والضرورة).
فكل ما يدعيه الولي من أنه مضطر وملجأ إليه من بيع أو شراء فإنه يقبل قوله.
لكن إذا أنكر اليتيم وقاضاه، فبعض العلماء يقول: يقبل قوله مجرداً ولا يطالب باليمين، وقال بعض العلماء: يقبل قوله مع اليمين، وهذا ما يسمى بيمين التهمة، وهو أن يحلف من أجل التهمة الموجودة، فحينئذٍ قالوا: يقبل قوله مع اليمين.
قال رحمه الله: [والغبطة] الغبطة: الذي هو الأصلح، فمثلاً إذا قال اليتيم: أخر بيع البضاعة إلى السنة القادمة، فهذا أضر بي؛ لأني دفعت من مالي أجرة المخازن وأجرة نقل السلع وأنفق أموالاً على ذلك، فقال ولي اليتيم: إنما ذلك من أجل الأحق وهي الغبطة، فحينئذٍ يقبل قوله.
ومن الغبطة لو قيل له مثلاً: بعت العمارة بكم؟ قال: بعتها بمليون.
قيل له: لماذا؟ قال: لأن هذا أعلى سعر، وإذا بقيت فستباع بنصف مليون أو بثلاثة أرباع مليون، فإذاً الغبطة في بيعها بمليون، فيقبل قوله.
قال رحمه الله: [والتلف] إذا ادعى أن بعض المال تلف ولم يكن بتفريط منه فإنه يقبل قوله، مثلاً: لو أن يتيماً ترك له أبوه مائة رأس من الغنم، وجاء سيل واجتاح نصفها، فقال القاضي للولي: كم ترك والد اليتيم؟ قال الولي: المال الذي توليت اليتيم فيه مائة رأس، والآن يوجد خمسون رأساً منها، وخمسون أخذها السيل فيقبل قوله؛ لأنه -كما ذكرنا- يقبل قوله في الربح والغبطة، وفي الخسارة والتلف ونحو ذلك مما يدعيه.
قال رحمه الله: [ودفع المال] هذه مسألة ثانية: رجل تولى على يتيم وكان ماله -مثلاً- مائة ألف، واختبره عند البلوغ فوجده رشيداً فدفع له ماله، وبعد سنة جاء اليتيم وادعى أنه لم يقبض مال أبيه، وأن وليه لم يدفع المال إليه، فهل نصدق اليتيم أو نصدق الولي، الولي يقول: دفعت.
واليتيم يقول: ما أخذت.
ففي الحقيقة إذا جئت تنظر إلى الأصل، الأصل أن المال عند الولي حتى يثبت أنه دفعه لليتيم، وفي هذه المسألة ومسألة التلف يقوي بعض العلماء فيها اليمين، واليمين هنا قوية وأميل إلى هذا القول؛ لأنه خلاف الأصل، والتهمة فيه قوية، وفي ذلك احتياط لمال اليتيم، فإذا دفع المال إليه ولم يشهد فهو الذي فرط.
وحينئذٍ يقوى أن يقال: إنه يكون القول قول اليتيم أو لا يقبل قوله إلا باليمين.
حكم دين العبد وما أتلفه
قال رحمه الله: [وما استدان العبد لزم سيده إن أذن له] العبد يتولى سيده أمر ماله، وهذا -كما ذكرنا غير مرة- مبني على حديث ابن عمر في الصحيحين: (من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع)، لكن ذكر هذه المسألة هناك لأن فيها شيئاً من الارتباط بمسألة الولاية على المال.
قوله: (وما استدان العبد) إذا تعامل الرقيق مع الناس وأخذ منهم أموالاً ديناً، فسيده له حالتان: إما أن يكون أذن له في التجارة.
أو أنه لم ياذن له.
فإن أذن له فإن سيده يتحمل مسئوليته، وحينئذٍ يلزمه أن يدفع عنه، وإن لم يأذن له يكون في رقبة الرقيق.
وسيأتي -إن شاء الله- بسط هذه المسائل في باب الرق.
قال رحمه الله: [وإلا ففي رقبته] فلو أن العبد ذهب واستدان مائة ألف، ثم جاء صاحب المائة ألف يطالبه فإذا به ليس عنده مال، فالآن هل نقول: إن الرقيق لا يملك المال، ونقول لصاحب المال: ليس لك شيء، وتذهب أموال الناس بهذه الطريقة، أو نقول: خذ الرقيق، والرقيق ملك لسيده بملك الشرع؛ لأن الرق مضروب بحكم الشرع؟ فحينئذٍ حصل تعارض بين هذين الأصلين.
فإذا كان السيد علم بجناية عبده أو باستدانته للمال، فإنه يخير بين أمرين -إذا لم يأذن له- الأمر الأول: إما أن يدفع عنه ويبقى له عبده، وإما أن يكون المال في رقبته، فيباع ويؤخذ منه المال، ويرد الباقي إلى سيده؛ لأننا لو فتحنا هذا الباب لكل رقيق أن يجني على مال الغير ثم بعد ذلك لا يؤاخذ بالجناية ولا يمكن أن يطالب سيده بها، لفتح باب الضرر على الناس، ولذلك تكون جنايته في رقبته.
قال رحمه الله: [وأرش جنايته] وأرش جنايته كذلك.
قال رحمه الله: [وقيمة متلفه] أي: وقيمة الشيء الذي أتلفه، فنقول لسيده: إما أن تدفع عنه وإما أن يبيع القاضي هذا الرقيق ويسدد دينه من رقبته، ثم بعد ذلك يدفع الباقي من المال -إن كان ثَمَّ باقي- إلى سيده الذي يملكه.
والله تعالى أعلم.
الأسئلة
حكم تولية المرأة على مال اليتيم
السؤال
هل يجوز أن يجعل الأب امرأة تلي أبناءه بعد موته؟
الجواب
باسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فوصاية المرأة على مال الأيتام في حجره أجازها طائفة من العلماء رحمهم الله، ولذلك كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تلي أمر أيتام عبد الرحمن أخيها، وقالوا: أن المرأة لها حق النظر في المال، فيجوز لها أن تتولى النظر في أموال اليتامى، ولا شك أن الرجل أكثر مخالطة للرجال وأعلم بأحوالهم، ولذلك هو أقرب للولاية من المرأة.
والله تعالى أعلم.
حكم أخذ ولي اليتيم الفقير من زكاة مال اليتيم
السؤال
هل يجوز لولي اليتيم إن كان فقيراً أن يأخذ زكاة مال اليتيم الذي يتولاها؟
الجواب
يجوز لولي اليتيم أن يأخذ زكاة مال اليتيم إذا كان مستحقاً لها، وذلك لأن المال مال غيره -اليتيم- وقد مكن الله عز وجل من الزكاة الأصناف الثمانية وملكها لهم فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:60] الآية.
فاللام للملك.
ولذلك قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:24 - 25] فأثبت أنه حق فهو يستحقه بوصف الفقر، والله عز وجل أعطاه بهذا الوصف حقه في الزكاة، فيجوز له أن يأخذ زكاة مال اليتيم.
لكن بشرط ألا يقدم نفسه مع وجود الغير المستحق والذي هو أولى منه وإنما يكون ذلك بالمعروف، والله تعالى أعلم.