الأسئلة
حكم بقاء المحضون عند الأب نهاراً إذا كانت الحاضنة الأم
السؤال
إذا خير الغلام بين أبويه فاختار البقاء عند أمه، فهل من حق والده أن يجبره على العمل معه نهاراً؟
الجواب
إذا قضي بالحضانة للأم فالنهار يكون عند الوالد يعلم الولد ويربيه، وسواء علمه العلوم التي يستفيد منها لنفسه، كما كان في القديم حيث لا مدارس تأخذ الأطفال والأولاد، وإنما كانوا في المساجد وحلق الذكر، فيأخذه أبوه من عند أمه ويذهب به إلى شيخ يحفظه أو يعلمه، وكانت مسئولية الأب في النهار، وهذا نص عليه أهل العلم رحمهم الله: أنه يتولى تعليمه والذهاب به إلى من يعلمه ويقوم على تأديبه ودلالته على الخير.
كذلك يعلمه الصنعة، أي: إذا نضج أو اختار أمه وهو في السابعة، فحينئذٍ يحتاج إلى تعليم صنعة، خاصة في القديم فقد كان الولد يحتاج لتعلم صنعة حتى يستطيع أن يقوم على أمره بعد استقلاله عن والديه، فيأخذون ويعلمونه صنعة من الصنعات بعد التاسعة أو العاشرة على حسب قدرته وطاقته للعمل.
فإذاً: المنصوص عليه عند العلماء: أن الوالد يتولى أمور ولده في النهار تعليماً وتهيئة لظروف الحياة والمعيشة، وأما في الليل أو بعد انتهاء العمل أو بعد انتهاء التعليم، فإنه يرده إلى أمه وتقوم على شأنه، وهذا بالنسبة لمسألة الحضانة.
أما الأم فهي أحق به في الليل والنهار، لكن في النهار لا بأس أن يأخذه الوالد من أجل تربيته وتعليمه ما ينفعه، والله تعالى أعلم.
حكم زيارة الأم أولادها إذا كانت سيئة الأخلاق
السؤال
إذا كانت الأم سيئة الأخلاق فهل لها الحق في زيارة بناتها، علماً أن الأب يخاف على بناته؟ أثابكم الله.
الجواب
على كل حال، لا يستطيع أحد أن يفرق بين الأم وولدها، الأم لا بد أن ترى أولادها، ولابد أن تمكن من زيارة أولادها، أما سيئة السمعة أو سيئة اللسان، فشرها على نفسها، ولا يوجد أعظم من الشرك، وقد جاءت أم أسماء رضي الله عنها وأرضاها إلى بيتها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تبرها وتحسن إليها وتكرمها.
وليس هناك أعظم من قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [لقمان:15] (جاهداك) أي: أنهم بذلوا غاية الجهد، ﴿عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وليس هناك أعظم من حق الله عز وجل، وليس هناك ذنب ولا فساد ولا ظلم أعظم من الشرك، ومع ذلك: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:15]، فإذاً: لا يستطيع الإنسان أن يتدخل في هذا الحق الذي أمر الله عز وجل به.
نحن لا نقول: تجلس البنات بطريقة تفسدهن الأم، ولكن الناس يبالغون في أوصاف الأشياء طلباً لأحكامٍ توافق آراءهم وأهواءهم، لا يريد الأم أن تدخل البيت، وهو يريد أن يأخذ بذلك حكماً شرعياً ينسب إلى شرع الله عز وجل ودين الله، هيهات! نقول له: تعال، ما الذي تخشى؟ يقول: أخشى أن تفسدهن، نقول: إذا جاءت الأم فاجلس في ناحية البيت واسمع ما تقول، هل تفسدهن أو تأمرهن بشيء، أو تجلس معها امرأة تثق بها، هناك مائة حل موجود، لكن أن تبطل الأصول وتهدم القواعد الشرعية لقضايا عينية، ولأسباب موجبة للاستثناء من هذه الأصول، نحن نقول: هذه عوارض تعالج بما يندرئ به الشر ويتحقق به الخير.
والأم إذا أرادت أن تزور أولادها فتمكن من زيارة أولادها، ثم إذا كان هناك ضرر فتمكن بطريقة لا ضرر فيها، وحينئذٍ أخذ الوالد حقه، فصان ولده، وأخذت الأم حقها فرأت أولادها وبروها وأحسنوا إليها، والعجيب: أنك تجد الأم من شر خلق الله، في إساءتها وإضرارها، ولكنها إذا رأت أولادها وحاول أولادها يحسنون إليها أو يحتوونها، فإنه يخف شرها ويندرئ بلاؤها، فإن كثيراً من الأمور والشرور تندرئ إذا تعقل الإنسان وعالج السيئة بالحسنى، ولكنَّ كثيراً من الشرور تعظم وتتفاقم إذا أطفئت النار بالنار، فالأم تمنع من أولادها فتزداد حقداً وسوءاً وشراً.
والغريب أن الإنسان إذا أنصف وأعذر، هان عليه كثير من الأشياء.
أذكر ذات مرة أن أناساً اشتكوا من امرأة جاءت مع ولدها وهو مصاب بحادث، وإذا بها سيئة مع من معها ومن بجوارها، والكل يشتكي منها، وشاء الله عز وجل حينما جئت من العمل فسمعت وسلمت على الإخوان هناك من باب الزيارة، ففاتحوني في الأمر واشتكوا، فقلت لهم: يا إخوان! اتقوا الله في هذه المرأة، المرأة تخرج عن طورها وتسوء أخلاقها تحت ضغوط وظروف، هذه امرأة ولدها له تقريباً تسعة أشهر بين الحياة والموت، وقع عليه حادث فأغمي عليه، فشلت أطرافه كلها، وما استطاع أن يحرك شيئاً.
وأيضاً قطعت المرأة هذه البحار كلها من أجل أن تعالجه مع زوجها، ثم رماها زوجها وأهمل ولدها؛ وهذه بعض الظروف التي لاقتها هذه المرأة، ولو مرت هذه الظروف على رجل لانهدت عزيمته وخارت قواه، فكيف بامرأة؟ فقلت: يا إخوان لا يصلح هذا، ليست هذه هي الطريقة التي تعالج بها الأمور، الإنسان عندما ينظر إلى شر غيره أن يبحث عن أسباب ذلك.
الولد تجده يفعل الأمور التي لا تفعل، لكن حينما تفتش عن أسباب قد تكون تافهة تعالجها فتستقيم الأمور، وكم من أناسٍ يخرجون من عقولهم وأطوارهم بظروفٍ وضغوط معينة، فهل هناك أم سيئة الأخلاق مع ولدها؟ الغالب لا، فلابد أن يوجد شيء لا معقول؛ لأنها خرجت عن العقل والفطرة، فلا بد من وجود شيء قاهر يقهرها حتى أنها خرجت عن هذه الفطرة، وهذا في الغالب.
ولذلك ينبغي أن تعالج الأمور، وهذا هو شأن الرحماء والعقلاء والحكماء، وبالأخص أهل العلم وطلاب العلم والمفتون ونحوهم، فلا يستعجلون في إصدار الأحكام، فقد يأتي الشخص للقاضي ويتظلم، ويذكر كثيراً من الصفات الشنيعة، وقد يأتي للمفتي وقد هيأ كثيراً من الأسباب، الزوج يشتكي من زوجته أنها تفعل وتسب وتشتم، وقد يكون هو السبب في السب والشتم والأذية والإهانة والإضرار، ارجع إلى الوراء واسأله كيف كان يعاملها، وكيف كان يأخذ ويعطي معها، وسوف تجد لماذا خرجت هذه المرأة عن طورها! وكثيراً ما نجد السائل يعطيك صورة بشعة للطرف الثاني من أجل أن يصل إلى غرض معين تحت حكم الله عز وجل ورسوله وهيهات! فعلينا أن نتقي الله عز وجل وأن نعدل.
ثانياً: المبالغة في الأوصاف في المسائل، فقد يقول لك مثلاً: هذه أم شريرة أو أم سيئة أو أم كذا أو أم كذا، كثيراً ما يمر بي بعض الأشخاص ويقول: فلانٌ شرير، أقول له: ماذا عرفت من شره، فيظل يتذكر، مما يدلك على أنه يريد غرضاً معيناً، ويجلس يبحث، ثم إذا جاء يقدم لك بدأ يقدم لك شيئاً ليس بذاك.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: حضرت قاضياً جاءه رجل فطعن في الشاهد، فقال له القاضي: لا أقبل حتى تبين بماذا تجرحه؟ فقال له: أنا أعلم الذي يجرح من الذي لا يجرح، قال له: لا أقبل جرحك حتى تبين لي، قال: رأيته يوماً يبول قائماً، قال له: وما شأنه أن بال قائماً، قال: إنه إذا بال قائماً لطخ ثوبه وقدميه وصلى بغير طهارة، ثم قال له القاضي: هل رأيته فعل ذلك؟ قال: لا، قال: اسكت رحمك الله، ليس هذا جرحاً، بل هذا اختلاق الأشياء وتركيب بعضها على بعض، وهذا هو مصداق قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأنعام:43].
إذاً: ليس هناك شيء يهذب الإنسان مثل العدل، ولا يمكن أن يكون العدل من الإنسان في الحكم على الغير إلا بالخوف من الآخرة، فالشخص الذي عنده خوف من الآخرة هو الذي يعرف كيف ينصف إذا حكم أو قوم، بل إنك تجده أبعد الناس عن الكلام في الناس، ومن أسلمهم وأعفهم لساناً وأطهرهم جناناً وذلك من توفيق الله عز وجل.
فالمقصود: أن الحضانة لا يمكن أن يحال فيها بين الأمّ وأولادها، والواجب على الأزواج أن يتقوا الله عز وجل في زوجاتهم.
وأذكر ذات مرة قضية قريبة من هذا: وهي أن أمّاً مُنعت من زيارة بناتها، وفعلاً كانت شريرة وذات بأسٍ شديد، وشاء الله في يوم من الأيام أن جاءني أحد أقاربها واشتكى لي، وكان عاقلاً حكيماً منصفاً، فقلت: ما بها؟ قال: القضية كذا وكذا، فأراد أن يتدخل في الموضوع، فجيء بقرابة الزوج وكان الزوج معهم، فقال الزوج: هذه لا يمكن أن تدخل بيتنا ولا تزور أولادها، هذه تفسد وتفعل كذا وكذا، فقلت لهم: كم مرة زارت أولادها؟ فذكروا أن لها سنوات وكنت أظن أنها قريبة، فتبين أن لها سنوات وأنها جاءت مرات وكرات فمنعت، فسألتهم حينما تأتي تزور ماذا تفعلون؟ وإذا بها أمور لا تمت إلى الإسلام بصلة، إهانة وإذلال وإضرار وتضييق بطريقة عجيبة جداً، وكل هذا لا يرونه، لكن ينظرون أنها سيئة الأخلاق، لا ينظرون أنه ضيف نزل بيتهم وأنه ذو رحم: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:237]، ويوجد فضل وقرابة بين الأسرتين.
فالشاهد: قلت: أريد والد الزوج على انفراد، وهذا أمر أوصي به دائماً في حلول المشاكل الزوجية أنها لا تحل بالعلن، بل تجلس مع كل شخص على انفراد، فقلت له: أتخشى الله والدار الآخرة، وتعلم أنك ستقف بين يدي الله، وخوفته بالله وبالدار الآخرة، وقلت له: أنت مسئول أمام الله؛ لأني أعلم أن له قوة على ولده وسلطة على البيت والأسرة، فقلت له: نعم، هناك أخطاء من أم الأولاد نظرتم إليها، ولكن أنتم عندكم أخطاء، والإنسان العاقل دائماً يبحث عن أخطائه عند الغير، فأخذت أبين له، والمقصود: أني قلت له: الآن تسمحون لها بزيارة أولادها ولكن بطريقة كذا وكذا، وطبعاً مرت بهم ثلاثة أسابيع تقريباً وما جاء بعد شهر ومن فضل الله سبحانه وتعالى صلحت الأسرتين وحسنت الأحوال، وأصبحت الأم كأحسن ما أن تراها في خلقها وهي تدخل البيت، وكلهم مجمعون على أنها كانت شريرة تؤذي وتضر فالشاهد أنها حينما أكرمت وأعطيت حقوقها، ووضعت في مكانتها، استحت وكسرت عينها، وأصبحت تقلل من شرها رويداً رويداً، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه) فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يعيذنا من منكرات الأخلاق والأدواء، والله تعالى أعلم.
السنة في الإطالة في سنتي الفجر والمغرب
السؤال
هل من السنة الإطالة في سنتي الفجر والمغرب أم التخفيف؟
الجواب
السنة في صلاة رغيبة الفجر، أنها تخفف، قالت أم المؤمنين عائشة: (لا أدري أقرأ فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بفاتحة الكتاب أو لم يقرأ) من خفة الركعتين؛ فالسنة أن لا يطيل في رغيبة الفجر.
أما بالنسبة للمغرب: فوقتها بين الأذان والإقامة، فالسنة يكون وقتها ضيقاً، ولا يتوسع فيه لأمرين: أولهما: أنه يُخشى فوات الفضيلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبادر بصلاة المغرب، فإذا أخر عن الناس الإقامة فوّت عليهم هذه الفضيلة، والواجب على الإمام أن ينصف المأمومين، وأن يحرص على أن تكون صلاته على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأكمل والأتم والأفضل.
وثانيهما: أنه ربما أخر الإقامة، وأضر بالناس معه، لأنهم في الغالب يأتون من شغل من أعمالهم، فيريدون أن يستريحوا ويستجموا أو يكون صائماً يريد أن يفطر، فالأرفق بالناس في المغرب هو التخفيف، وهو يشمل قضية المبادرة بالإقامة، ومن هنا جاء الأثر عنه عليه الصلاة والسلام أن يجعل بين الأذان والإقامة قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والمتوضئ من وضوئه.
إذا ثبت هذا فمعناه أنه ليس هناك وقت لإطالة سنة المغرب، فالسنة التي قبل المغرب وقبل الفجر لا يطوّل فيهما، أما السنة البعدية فإذا أراد أن يطيل فيها فلا بأس بذلك.
أما السنة القبلية فقد ثبت فيها حديث صحيح: (صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين)، فالأفضل فيها ما ذكرنا، فالإمام يبادر بالإقامة ولا يطيل في هاتين الركعتين، لكنهما ليستا من السنن الرواتب، أما بعد المغرب فلو أراد أن يصلي الراتبة فله أن يطيل ما شاء ما لم يدخل وقت العشاء كما عند بعض العلماء؛ لأنه السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء)، فإذا أراد أن يطيل فليطل، لكن السنة الفعلية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يحفظ عنه التطويل، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب العمل ويتركه توسعة على الأمة، واجتزاءً بالأقل، لكن إذا أحب أن يطيل فلا بأس ولا حرج وليس هناك مانع، ولا يقال: هذا لا يجوز، أو هذا: بدعة أو محرم؛ لأن الأصل جوازه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا غربت فصلّ، فإن الصلاة حاضرة مشهودة)، وهذا يدل على التوسعة ولا بأس في ذلك، هذا بالنسبة لمسألة الإطالة.
أما رغيبة الفجر فإن النص فيها وضحٌ جلي، أن يخففها الإنسان والله تعالى أعلم.
النصح لطلاب العلم
السؤال
أنا شابٌ أحببت طلب العلم وأرجو من الله أن يوفقني فيه، ولكن مشكلتي هي أنني أحياناً لا أحب أن أنصح إخواني في طلب العلم، بل ربما أعلم أن هناك شاباً يحب طلب العلم فلا أنصحه ببعض ما يحتاجه المبتدئون، وكل هذا خوفاً أن يكون أفضل مني، أو يتقرب إلى الله أكثر مني، وأنا أعلم أن هذا ليس من أخلاق طالب العلم؟ فأرشدوني أثابكم الله.
الجواب
هذا بلاء عظيم، والشخص إذا حُرم إفادة الغير بالعلم فليعلم أن بركة علمه قد محقت، فالعلم ما قام إلا على نفع المسكين؛ لأن العلم تبليغ رسالة وأداء أمانة، فإذا أراد الله بعبده السعادة والخير بعد الهداية شرح صدره للعلم، هذه أول نفحات الله عز وجل بعد الهداية، أن يشرح صدره للعلم.
ثانياً: إذا وفقه الله لمحبة العلم والرغبة فيه يسر له من يوثق بدينه وأمانته من أجل أن يتعلم، فيكون علمه صواباً وحقاً فلا يذهب يجثو على ركبتيه عند أئمة الضلال، الذين لا علم عندهم أو عند المتعالمين أو نحو ذلك.
ثالثاً: إذا وفقه الله عز وجل لشهود مجالس العلم، وضبط أقوالهم انشرح صدره لهذا العلم، وأحب ما يقولون وما يعملون، فإذا وفق لهذه المرتبة حمل هم العمل بما علم، فيفتح الله عز وجل عليه باب العمل، فلا يتعلم كلمة في مجلس إلا طبقها، ولا سمع نصيحة إلا التزمها وانتقل إلى أهله وولده وهو كاملٌ بتكميل الله عز وجل له في نفسه، فإذا أراد الله عز وجل أن يسعده ويوفقه ويجعل علمه نعمة عليه في الدنيا والآخرة، رزقه نشر هذا العلم.
إذاً: علمٌ ثم عملٌ ثم تعليم، وهذا هو الذي عناه الله عز وجل بقوله: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:1 - 3]، فذكر أنهم هدوا الغير لما اهتدوا، فهم مهتدون في أنفسهم هداة لغيرهم رحمة من الله عز وجل، رحمهم الله في أنفسهم ثم رحم بهم خلقه وعبيده، فإذا كان الإنسان أنانياً والعياذ بالله، ولا يحب أن ينشر الخير لإخوانه، فهذا بلاء.
وأوصيك بأمور: إما أن يكون هذا البلاء جاء بسبب ذنب، فالإنسان قد يلتزم ويهتدي وعنده من أدران الجاهلية ما لم يتطهر منه، فعلى العبد أن يسأل الله أن يطهر قلبه، قال الله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة:41]، فقد تكون الهداية كاملة وقد تكون ناقصة.
والهداية الناقصة: أن يلتزم ولكن عنده أدران وظلمات في قلبه من الجاهلية من الغل والحسد والبغضاء وسوء الظن بالمسلمين ومحبة تتبع عثرات الناس، تجده شاباً ملتزماً، لكنه مولع بأذية الناس، نسأل الله السلامة والعافية، فهو التزم بذكر القبر والنار، لكنها لم تهذب سلوكه ولم تقوم طريقه ومنهجه، فينطلق والعياذ بالله بأدران الجاهلية، ولذلك تعجب حين ترى إنساناً صالحاً ديناً، ثم ترى منه أذية الناس والإضرار بهم؛ لأنه أسلم قالباً ولم يسلم قلباً.
ومن أهم ما ينبغي على الإنسان أن يبدأ بقلبه وسماع العقيدة بحق وصدق، لا بكذب وتنميق وتضخيم وتحت غرور أنه عبدٌ صالح، وأنه قد اتبع الصحابة رضوان الله عليهم، كان الرجل منهم يخاف النفاق حتى حين تقبض روحه، من شدة الخوف والوجل والإحسان في العمل، فالإنسان عليه أن يهذب سلوكه، فقد يكون والعياذ بالله ملتزماً ولكن بقيت عنده هذه الآفة، وهذه يعرفها من يعرفها، فمن كان مبتلى بهذا البلاء فعليه أن يسأل نفسه: ماذا كان عنده قبل التزامه وهدايته؟ فإن كان يعرف لنفسه هذا، فليعلم أنه أسلم ولم يسلم قلبه للإسلام تاماً كاملاً.
ثانياً: قد يكون بعيداً عن هذا وليس عنده آفات، قد يكون عبداً صالحاً مستقيماً ولكن ابتلي بهذا البلاء من الله، قد يبتلى بسبب عقوق والديه أو قطيعة رحمه أو همزه للناس، أو تتبع عثرة الدعاة، أو الكلام في أهل الخير أو الصلاح، فابتلاه الله بفتنة، وخذها قاعدة: أن فتن الدين لا تأتي إلا بسبب ما يكون بين العبد وربه في القلب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:11].
يكون الإنسان كأحسن ما تراه ملتزماً، ثم فجأة يتتبع عثرات العلماء والدعاة الأموات أو الأحياء أو ينتقصهم أو ينظر إليهم نظرات، فينكسه الله عز وجل بسبب ذلك: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:5]، كان مهتدياً صالحاً كما قال صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، ثم أصبح والعياذ بالله خارجاً عن قوله، فاغتر بنفسه، وتعالى على عباد الله أو احتقر خلق الله عز وجل.
فهذا موسى عليه السلام، لما قال: أنا أعلم، عتب الله عليه من فوق سبع سماوات وهو كليم الله، ولكن قال الله له: إن بمجمع البحرين من هو أعلم منك، وهو نبي يقول الله له: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:144]، ويقول الله في تشريفه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:164]، لما جاءت حاجة معينة حصل فيها ما حصل؛ عتب الله عليه من فوق سبع سماوات، فكيف بمن يركب على ظهور الناس أو تحصل منه زلة، فلا تأمن من الله عز وجل أن يبتليك، فهذه ابتلاءات تأتي في القلوب بسبب الذنوب، ومن أعظم ما يفتح على العبد الملتزم الهادي الصالح من البلاء بعد حق الله عز وجل حقوق العباد، ولذلك فاحذر وأنت في طلب العلم أن تنتقص أحداً أو تتكلم في أحد أو تذم أحداً، أو تحمل في قلبك غلاً على أحد من أولياء الله عز وجل.
عليك أن تنتبه وتحذر من ذلك أتم الحذر؛ لأن هذه الفتن التي يحرم بها الإنسان بركة العلم وقبول العلم والانتفاع بالعلم كثيرٌ منها بسبب الظلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه ظلمات، فالقلب لا يمكن أن يستنير، والنور محله القلب، فاتقوا الله يجعل لكم فرقاناً فالنور الذي في القلوب يطمس، وإذا كان الإنسان لم يهذب نفسه سلبه الله عز وجل البركة في عمره وقوله وعمله، فالحذر من الذنوب.
فلذلك أدعوك: إذا كان هذا الأمر قد جد عليك وطرأ، أن تتفقد نفسك ماذا قلت، وماذا عملت، فلعل مسلماً ظلمته أو آذيته فحرمت الخير بسبب أذيته، فتسأله أن يسامحك وتتحلل من مظلمته وتبتعد عن إساءته.
وأوصيك أخي بأمر لا أظن أن هناك فرجاً ومخرجاً أعظم منه، وهو دعاء الله سبحانه وتعالى، بأن تشتكي إلى الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وأن تتوكل على الحي الذي لا يموت حتى ينزع ما في قلبك، فإن هذا بلاء عظيم، إن لم يتداركك الله برحمته؛ فإنه شيء يخشى منه عليك ألا تبقى لك بركة في علمك.
إذا أحد يريد أن يتعلم هذا العلم دون أن يوطن نفسه على بذله للناس وللخير بالوجه الذي يستطيع، لا يكون إنساناً أنانياً طالب علم ولا معلماً، فلا أنت حينما تعلم شيئاً تعطيه لأخيك وتدله، ولا طالب علم أيضاً من حيث إنك أناني تريد الشيء لك وحدك أو نحو هذا، فهذا أمر عليك أن تحذره قدر المستطاع، وتطلب العلم أنى وجدته، وتحرص على نفع المسلمين.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شرح زاد المستقنع -