شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 1-10
أهل الأثرالأرشيف العلمي

من رحمة الله بعباده أن شرع لهم القضاء لحل خصوماتهم، فيكف الظالم، وينصر المظلوم، وشرع سبحانه لهم شريعة يحكمون بها، وألزم الشرع الإمام بأن يختار قضاة ذوي كفاءة ودين وورع وعدالة، كل هذا لأجل أن تعم العدالة حياة المسلمين.

تعريف القضاء وحكمه

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [كتاب القضاء].

تعريف القضاء

القضاء يطلق في اللغة على عدة معانٍ: الأول: الفراغ من الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة:200]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء:103] ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة:10] أي: فرغتم منها وانتهيتم من أدائها.
الثاني: الحكم والإيجاب والأمر بالشيء والتوصية، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:23].
الثالث: الإعلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ﴾ [الحجر:66] أي: أعلمناه.
الرابع: الشيء المحتم، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ [سبأ:14] أي: أصبح أمراً محتماً لازما ًعليه.
الخامس: الخلق، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت:12].
أما في الاصطلاح: فهو قطع النزاعات وفصل الخصومات، وقيل: (بحكم الله) إضافة قيد.
وعرفه بعض العلماء بقولهم: الفصل بين خصمين بحكم الله عز وجل.
وهذا من أنسب التعاريف.

مشروعية القضاء

القضاء سنة متبعة، بها يحق الحق ويبطل الباطل، ولابد للمسلمين من قضاة يقومون بمصالحهم، يردعون الظالم عن ظلمه، ويعطون المظلوم حقه، وبذلك يتحقق العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض.
وقد دلّ دليل الكتاب والسنة وانعقد الإجماع على شرعية القضاء، والعقل أيضاً يدل، قال تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة:42]، وقال سبحانه تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾

، فأمر بالقضاء.
والقاضي مستخلف على مصالح المسلمين؛ ليحرص على جلب المصالح لهم، ودرء المفاسد عنهم.
وأما السنة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قضى كما في الصحيحين في قصة اختصام علي وجعفر، وكذلك قصة الزبير مع جاره، وكذلك أيضاً ولّى القضاة، كما بعث علياً رضي الله عنه إلى اليمن قاضياً، وبعث معاذاً وأبا موسى الأشعري أيضاً رضي الله عن الجميع، وتولى القضاء من بعده الخلفاء الراشدون، وولوا القضاة على الأمصار وعلى الأقاليم.
وأجمع المسلمون على شرعية القضاء.
والقاضي خليفة عن الإمام العام للمسلمين في هذا الأمر الذي يناط به، وهي أمانة عظيمة ومسئولية جسيمة.
فمن عرف من نفسه الكفاءة والأهلية ولم يجد غيره، أو غلب على ظنه أنه يتعطّل هذا الحق إذا لم يله تعين عليه أن يطلب القضاء، وتعين عليه أن يصير قاضياً، كما قال تعالى: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:55]، وأما إذا وُجد غيره فإن السلامة مندوب إليها، وفعلها أئمة السلف، أنه إذا غلب الفساد في الناس وغلب على ظنه أنه لا يحق حقاً ولا يبطل باطلاً فالسلامة أفضل.
قيل لـ أبي قلابة الجرمي رحمه الله -الإمام الجليل فقهاً وحديثاً- عندما أكره على القضاء وفرّ، فقيل له: كيف وأنت الإمام وعندك العلم والدراية بالقضاء؟ قال: إلى متى يسبح السبّاح في البحر؟ يعني: إذا عظمت الفتن أصبحت مثل الشخص الماهر القوي في داخل بحر، يسبح يسبح حتى يتعب ثم يسقط، وهذا لمن غلب على ظنه أنه لا يقوى على الفتن.
وقال أبو حنيفة حينما دعي إلى القضاء: والله! لا أصلح، إن كنتُ صادقاً فقد صدقت، وإن كنتُ كاذباً فكيف تولي من يكذب؟! وكان هو وإياس مرشحين للقضاء، قيل: امتنع إياس وامتنع أبو حنيفة، فلما قال أبو حنيفة ذلك قال إياس: يا أمير المؤمنين! أتيت بإمام أوقفته على شفير جهنم حلف عليها يميناً يفتدي منها بكفارة، قال: أما وقد عرفت فقهها لا يقضي غيرك.
وكان لدى إياس رحمه الله ذكاء.
وقيل: لما قيل لـ أبي حنيفة: لماذا لم تلِ القضاء وأنت أنت؟!! قال: إني لا أملك القلب الذي أقضي به عليك وعلى أمثالك.
يعني: لا أملك الصرامة والقوة أن أنفذ الحق، فلذلك لا يمكن أن يكون القاضي قائماً بحق الله عز وجل إلا إذا كان حازماً، وصدق وبر واتقى الله عز وجل.

القضاء فرض كفاية

قال رحمه الله: [وهو فرض كفاية].
وهو -أي: القضاء- فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين.

واجب الإمام في القضاء واختيار القضاة

قال رحمه الله: [يلزم الإمام أن ينفذ في كل إقليم قاضياً].
يجب على إمام المسلمين وولي أمرهم أن يختار القضاة للأمصار والأقاليم وفي الأماكن على حسب الحاجة، فيعين من هو أهل للقيام بهذه المصالح.
والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث القضاة -وممن بعثهم علي رضي الله عنه- وكذلك الخلفاء الراشدون من بعده اختاروا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للقضاء وأرسلوهم قضاة في الأمصار والأقاليم، وهذا يدل على أنه ينبغي اختيار القاضي، ولعظم مسئولية القضاء لا يختار له كل أحد، بل ينبغي أن تتوافر فيه الصفات المعتبرة.
قال رحمه الله: [ويختار أفضل من يجده علماً].
لأن الله سيسأله عمن يختاره، وسيقف بين يدي الله ويسأل عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم وعما اختار لهم، إن نصح فقد نصح، وإن لم ينصح فإنه مسئول محاسب عن ذلك.
إذاً: من واجب النصيحة أنه إذا وجد الناس على فضل بحث عن أفضلهم وأكملهم، وهذا مبالغة في النصيحة لعامة المسلمين، وكل من ولي أمراً من أمور المسلمين -حتى ولو كان مدرساً- وأراد أن يختار أحداً للقيام بمصلحة من المصالح فعليه أن يختار الأفضل، فهذه هي النصيحة التي هي الدين، يقول صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) أن ينصح لعامة المسلمين باختيار الأفضل علماً -أن يكون عنده علم ودراية-؛ لأنه لا يمكن إحقاق الحق وإبطال الباطل إلا بالبصيرة، وهي النور الذي يقذفه الله في القلوب، ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [النساء:162] فالرسوخ والبينة طريقان لاستبانة الحق ومعرفته؛ لأن الجاهل بالحق لا يمكن أن يقضي به، فلابد أن يكون لديه علم.
ويعرف علم الرجل بشهادة العلماء وبشهادة من هو أعلم بأن فلاناً عنده علم، فإذا شُهد له -أو عرف بالسماع عنه- أنه مبرز في علم القضاء فإنه يختار لذلك.
[وورعاً].
الورع أن يكون عنده انكفاف عن محارم الله عز وجل، فيدع ما لا بأس به خوفاً من الوقوع فيما به بأس، وإذا كان القاضي ورعاً عف عن أموال المسلمين، وكف عن أذيتهم بلسانه وعن أذيتهم بقوته وسلطانه، وكان أخوف ما يخاف من الله عز وجل أن يقف أحد منهم خصماً له بين يدي الله سبحانه وتعالى.
وهذا الورع هو الذي يقف به في وجه الظالم لكي يكبحه عن ظلمه كائناً من كان، ويجد أنه بهذا الورع أقوى من القوي في قوته، ويجد أن الضعيف في عينه صار قوياً بهذا الورع، وأن القوي صار ضعيفاً.

نماذج من القضاة القدوة

القضاة من أئمة السلف رحمهم الله ودواوين العلم والصلاح سطروا المواقف العظيمة الجليلة الكريمة.
فقد أثر أن المأمون لما جاء إلى المدينة ومعه الحمالون لمتاعه ما إن نزل واستقر حتى أتوا إلى قاضي المدينة؛ فما إن دخل إلى قصر عامله بالمدينة حتى جاءه رسول القاضي يقول له: إن القاضي يدعوك إلى مجلس القضاء، حضر خصوم لك.
فما كان منه إلا أن بعث حاجبه، وقال له: إذا خرجت فمر الناس ألا يقوموا؛ فإني ماض إلى مجلس القضاء.
فلما مضى إلى مجلس القضاء وجاء إلى مجلس القاضي فرشت له السجادة، فقال له القاضي: يا أمير المؤمنين! لا تترفع عن خصمك، -وخصومه هم الحمالون الذين كانوا يحملون متاعه لما جاء مسافراً من دار الخلافة إلى المدينة- فإما أن تفرش لك ولهم وإلا جلست معهم على أرض المسجد.
فجلس معهم على أرض المسجد، فلما جلس معهم قال: ما خصومتهم؟ قال: إنهم لم يأخذوا حقوقهم، فقال: إني قد أمرت وكيلي أن يدفع إليهم، قال: فلتدفع إليهم الساعة؟ قال: أفعل.
فما كان من القاضي بعد أن انتهى هذا الأمر إلا أن ذهب وجلس وراء المأمون، فقال له: ويحك! ما الذي تفعله؟ قال: يا أمير المؤمنين! كنت في حق الله وقضيت، فالآن أبقى في حق أمير المؤمنين.
وفي زمان الرشيد أثر عن أحد القضاة أنه كان من أصلح القضاة، فجاءته امرأة فقالت له: أنا بالله ثم بالقاضي من عم أمير المؤمنين عيسى بن موسى، وكان له مكانته، قال: ما شأنك؟ قالت: إن أبي خلف لي بستاناً فكان بيني وبين أخوتي، فاشترى من إخوتي نصيبهم وساومني أن يأخذ حقي فامتنعت، فما زال بي حتى كان البارحة أرسل أعوانه فهدموا الجدار فأصبحت لا أعرف حقي من حق إخواني، فأنا بالله ثم بالقاضي.
فكتب إليه: إلى عم أمير المؤمنين فلان بن فلان، تحضروا إلى مجلس القضاء أنت أو وكيلك، فقد حضرت امرأة تستعدي عليك.
فلما جاء الكتاب إليه أخذته العزة بالإثم فغضب غضباً شديداً فنادى أكبر العلماء في قرية كانت في ضاحية فقال له: اذهب إلى هذا القاضي وقل له: نوليك القضاء حتى تقضي علينا؟! فقال له هذا العالم الموفق: أعفني من ذلك؛ لأنه يعرف أن هذا القاضي صارم لا تأخذه في الله لومة لائم، فقال: أعفني من ذلك، قال: والله! لا يذهب غيرك.
قال: أما وقد أقسمت علي فإني سأبعث بفراشي إلى سجن القاضي؛ لأنه يعرف أنه سيسجنه.
فما إن جاء إلى القاضي وقال له: إن عم الخليفة يقول لك كذا وكذا، قال: بئس ما جئتني به، أوتحول دون الحق، وتعين على الباطل؟! اذهبوا به إلى السجن.
قال: قد علمت، وقد سبقني فراشي.
فكتب إليه مباشرة؛ لأنه رد الشرع وأهان القاضي فرد له بالإهانة: إلى فلان بن فلان حضرت امرأة تستعدي عليك، فلتحضر إلى مجلس القضاء بنفسك.
بينما في المرة الأولى قال له: أنت أو وكيلك، فقال له هذه المرة: بنفسك.
فما كان منه إلا أن ازداد غضبه ثم نادى تسعة من العلماء من أعيان البلد وأمرهم أن يذهبوا، فلما صلى القاضي العصر جاءوا حوله وتحلقوا لكي يساوموه في المصلحة وما تقتضيه المصلحة، فلما تكلموا قال: بئس ما جئتوني به، هل هنا أحد من فتيان الحي؟ فقالوا: أنا أنا، فقال: كل منكم يأخذ بواحد منهم ويذهب به إلى السجن.
ثم كتب إليه: إما أن تحضر إلى مجلس القضاء وإلا ختمت القنطر، فوالله! لا خير فيَّ إن لم أقم الحق عليك وعلى غيرك.
فلما مضى إليه الكتاب ما كان منه إلا أن غضب ولم ينظر في الكتاب ولم يقرأه ثم أمر بالباب أن يكسر وأخرج أولئك من السجن، فلما بلغ ذلك القاضي ختم القنطر، وإذا ختم القنطر لابد أن يذهب إلى هارون الرشيد، فلما صلوا المغرب إذا به قد تهيأ أن يخرج، فخرجت القرية عن بكرة أبيها؛ لأن من نصر الحق نصره الله عز وجل، فصاح الناس، وسأل هذا: ما شأن الناس وهو جالس في مزرعته؟ قالوا: إن القاضي ختم القنطر وهو يريد أن يذهب إلى أمير المؤمنين.
قال: وما شأنه؟ قالوا: لأنك لم تأت إلى مجلس القضاء.
وكان يعلم أن هارون الرشيد رحمه الله لا تأخذه في الله لومة لائم، كانت له حسنات جليلة، فعلم أنه لو ذهب إليه سيهينه ويرده إلى مجلس القضاء، فما كان منه إلا أن ركب دابته ووقف للقاضي في طريقه قبل أن يخرج من القرية، فقال له القاضي: لا أرضى حتى يرجع كل من أخرجته؛ لأن هذا حق لله لست أنت الذي تخرجه.
فردوا إلى مجلسه، فلما ردوا قال له: تذهب الآن مع المرأة وتدخل إلى المسجد.
فمضى معها كما يمضي غيره من عامة الناس، ثم لما دخل القاضي وصلى الركعتين وجلس للخصومة جاء عم أمير المؤمنين فأراد أن توضع له الطنفسة، قال: تجلس على أرض المسجد ولا تجلس على بساطك وعلى فراشك، فأنت في مجلس خصومة.
فقامت المرأة ورفعت صوتها، فقال لها بعض أعوان عيسى بن موسى: اخفضي صوتك.
فقال لها القاضي: انطقي؛ فإن الحق رفع صوتك قولي ما عندك، فصاحت المرأة بقضيتها، فقال: ما تقول؟ قال: أقول: قالت حقاً، قال: تبني جدارها الساعة، قال: أفعل، فقالت المرأة: جزاك الله عن الإسلام والمسلمين وعن أمة محمد خير الجزاء.
هذه النماذج العظيمة القوية بها يحق الحق، ولا يمكن أن يكون القاضي إلا إذا كان صادقاً وكان أهلاً، فإذا غلب على ظنه أنه يحق الحق ويبطل الباطل فحيهلاً وإلا فلا.

ما يجب على الإمام أن يأمر به من يوليهم القضاء

قال رحمه الله: [ويأمره بتقوى الله].
أي: يأمر القاضي أن يتقي الله عز وجل؛ لأن أساس الأمور وصلاحها كلها في تقوى الله، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً أو بعث سرية أمر وأوصى الأمير في خاصته ومن معه بتقوى الله عز وجل، فهي أساس ومنبع كل خير وبر.
قال رحمه الله: [وأن يتحرى العدل وأن يجتهد في إقامته].
أي: يوصيه أن يتحرى العدل حتى يعذر إلى الله عز وجل، ويقول: إني وليتك هذا الأمر فاتق الله واعدل؛ لأن الحكم قوامه العدل فالقوي ضعيف عندك حتى تأخذ الحق منه، والضعيف قوي حتى ترد الحق إليه، وأن لا تأخذك في الله لومة لائم، وأن تتذكر معونة الله لك، وتأييد الله لك، وأنه لا يزال لك من الله نصير وظهير ما دمت تطلب الحق وتنشده؛ لأن القاضي إذا طلب الحق وتجرد للحق لا يزال معه من الله معين وظهير، ما لم تخن خائنة في قلبه والعياذ بالله ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:5]، نسأل الله بعزته وجلاله ألا يزيغ قلوبنا.
قال رحمه الله: [فيقول: وليتك الحكم أو قلدتك ونحوه ويكاتبه في البعد].
الأولى صيغة قولية، يقول له: وليتك قلدتك هذه من الصيغ التي يوجهها الإمام العام -ولي الأمر- لمن يوليه القضاء؛ لأن القاضي نائب عنه منفذ بالشرع بالأحكام له نيابة عن الإمام وما دام أن القاضي نائب عن الإمام، فلابد أن تكون هناك وكالة شرعية تكون باللفظ الصريح: وليتك قلدتك نصبتك، ونحو ذلك، أو أنت قاضي كذا.
أو يكتب إليه ويصدر أمراً بتعيينه ونحو ذلك، فهذا يقوم مقام اللفظ.

مهام القاضي

قال رحمه الله: [وتفيد ولاية الحكم العامة الفصل بين الخصوم].
إذا كان القضاء في ولايات عامة وخاصة، يكون عاماً في الولاية عاماً في المكان، كأن يقول له: أنت قاضٍ على دولتي كلها، أي: جميع ما يتعلق بالقضاء راجع إليك، فهذه ولاية عامة في عموم العمل وهذه يطلقون عليها: (عموم النظر في عموم العمل) فجميع ما يتعلق بالقضاء يرجع فيه إلى هذا المولى.
ويكون أيضاً: عموم في خصوص (عموم النظر في خصوص العمل) كأن يقول له: وليتك القضاء في الأنكحة وفي الرهون وفي البيوعات وفي الحدود وفي القصاص، وفي الوصايا وفي الأيتام ونحو ذلك عامة، في مدينة كذا أو كذا؛ فهذا يسمى (عموم النظر في خصوص العمل).
أو يوليه (خصوص النظر في خصوص العمل) كأن يكون هناك قضاة في الوكالات يتولون كتابة صكوك الوكالات، وهناك قضاة يتولون الحدود، وآخرون يتولون الجنايات، يقول -مثلاً-: أنت وليتك قضايا القتل في مكة، أو في المدينة (خصوص النظر في خصوص العمل).
إذاً: ولاية القاضي تكون خاصة وتكون عامة، وهذه من التشريعات الإسلامية، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (واغد -يا أنيس - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) فاعترفت فرجمها، فولاه عليه الصلاة والسلام خصوص النظر في قضية خاصة معينة، وجعله قاضياً إن اعترفت، والاعتراف لا يصح إلا في مجلس القاضي وفي مجلس الحكم، (فارجمها) والرجم لا يكون إلا بحكم القاضي، فجعله قاضياً في قضية مخصوصة، وهذا من خصوص الولاية.
قوله: (وتفيد ولاية الحكم العامة الفصل بين الخصوم، وأخذ الحق لبعضهم من بعض).
كلما اختصم خصمان يفصل بينهما؛ لأنه مسئول عن هذا، سواء كانت الخصومات في الأموال أو كانت في الأنكحة، أو كانت في الحقوق العامة، أو كانت في الحدود ونحو ذلك، كل هذه يتولاها للعموم.
قال رحمه الله: [والنظر في أموال غير المرشدين].
كل قاضٍ ينبغي عليه أن ينظر من ولاهم على الأيتام وعلى القاصرين، وهم (النظار) فيستدعيهم ويسألهم ويعرف كيف يصرفون، وكيف يقومون، حتى يعلم صدق الصادق وكذب الكاذب، وخيانة الخائن، وأمانة الأمين، ويعرف هل هو فعلاً قائم بهذه الولاية.
فكل من ولي قضاء أول ما يأتي ينبغي أن يستدعي هؤلاء ويسألهم، وقد نبه على هذا الأئمة رحمهم الله في كتبهم: كأدب القاضي للإمام الماوردي، وابن أبي الدم من فقهاء الشافعية، وكذلك نبه عليه ابن فرحون في التبصرة، وغيرهم من الأئمة والفقهاء، وشيخ الإسلام أشار إلى هذا فهذه من مسئولياته وأمانته أن ينظر في أموال القصار -إذا كانت الولاية عامة- ويولي أوصياء عليهم، وكذلك يتفقد القائمين على أموال السفهاء ومن يتولى عليهم النظار، هل هم قائمون أم مقصرون؟! قال رحمه الله: [والحجر على من يستوجبه لسفه أو فلس].
يوليه هذه الولاية وتكون ولاية عامة، ولاية الحجر على السفيه.
قال رحمه الله: [والنظر في وقوف عمله ليعمل بشرطها وتنفيذ الوصايا].
إذا كان في مدينة يستدعي النظار على الأوقاف، ويسألهم عن أوقافهم، وهذه الأوقاف ماذا اشترط الأموات فيها؟ وماذا اشترطوا في هذه الأوقاف؟ وهذه مسئولية عظيمة ولا يمكن أن تستقيم الأمور إلا بها، وكيف نفذوا هل نفذوا شروط الوقف أم لم ينفذوا؟ هل هم متلاعبون؟ هل هم مقصرون؟ هل هم محتاجون إلى مساعدة أو معونة؟ حتى يستجلي جميع هذه الأمور، فكلها في رقبته، وهو مسئول عنها أمام الله سبحانه وتعالى، ولذلك ينبغي عليه القيام بها كاملة.
قال رحمه الله: [وتنفيذ الوصايا].
وكذلك هي.
قال رحمه الله: [وتزويج من لا ولي لها].
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له).
قال رحمه الله: [وإقامة الحدود وإمامة الجمعة والعيد، والنظر في مصالح عمله بكف الأذى عن الطرقات وأفنيتها ونحوه].
بالنسبة للجمعة ينصب شخصاً فهذا المسجد تصلى فيه الجمعة، والمنطقة التي هو فيها يقول: لا يصلون إلا في مسجد واحد؛ لأن الأصل أن الجمعة لا تعدد، فله النظر في مساجد الجمعات، وكذلك تنفيذ الحدود.
قال رحمه الله: [ويولى عموم النظر في عموم العمل].
كما ذكرنا، قلنا: أنت المسئول عن القضاء في البلد كله، أو في الدولة كلها.
قال رحمه الله: [ويولى خاصاً فيهما أو في أحدهما].
كما ذكرنا.

ما يشترط في القاضي

قال رحمه الله: [ويشترط في القاضي عشر صفات].

أن يكون بالغاً عاقلاً ذكراً

قال رحمه الله: [كونه بالغاً عاقلاً].
لا يصح القضاء إلا إذا كان القاضي بالغاً؛ لأن الصبي لا ولاية له على نفسه فكيف يكون والياً على الغير، ومن هنا أمر الله عز وجل بالحجر على أموال اليتامى والقاصرين الذين هم دون البلوغ، فلابد أن يكون بالغاً.
وأن يكون عاقلاً، فلا يصح قضاء المجنون.
ذكراً بالغاً عاقلاً وهذه يتأهل بها للتكليف وكل تكليف بشرط العقل مع البلوغ بدم أو حمل وتستحب فيه الجزالة وشرطه التكليف والعدالة أي: يستحب أن تكون عبارته جزلة واضحة، وأن يكون كلامه موجزاً.
(وشرطه التكليف والعدالة) أي: يشترط أن يكون مكلفاً، فلا يصح أن يولي صبياً ولا مجنوناً.

أن يكون حرا

ً قال رحمه الله: [حراً].
لأن المملوك كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ الله مَثلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل:75] هذا نص القرآن بين أن المملوك لا يقدر على شيء، والمملوك يتأثر بأحوال الناس وعظماء الناس، والغالب أنه يضعف ويجبن ويخاف، وهو مشغول بخدمة سيده، ولذلك لا يصح أن يولى القضاء، وهذا يزري بالقضاء وينقص من مكانته إذا ولي الضعفاء، فينبغي أن يولى القضاء من فيه قوة على إحقاق الحق حتى يردع السفيه عن سفهه، والظالم عن ظلمه.

أن يكون مسلماً عدلاً

قال رحمه الله: [مسلماً].
فلا يصح أن يولى كافر، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:141]، حتى لو كانوا كفاراً من أهل الكتاب، وأرادوا أن نولي عليهم قاضياً لا نولي إلا مسلماً؛ لأن الله أمرنا أن نحكم بينهم بالعدل وبشريعتنا، فلا نولي قضاتهم وإنما نولي قضاة مسلمين، لكن لو كانوا يرجعون إلى قضاة فيما بينهم فهذا قدمنا أحكامه في أحكام أهل الذمة.
وقوله: [عدلاً].
ومن يجتنب الكبائرا ويتقي في الأغلب الصغائرا العدل هو: الذي لا يفعل الكبيرة ولا يصر على الصغيرة، فيشترط أن يكون القاضي عدلاً؛ لأن العدالة تحمل على إحقاق الحق وإبطال الباطل، فكما أنه يشترط في القاضي التكليف، كذلك يشترط فيه العدالة، فلا يجوز تولية الفاسق؛ لأن الفسق فيه إضاعة لحق الله عز وجل، ومن ثبتت خيانته في حق الله فإنه سيخون في حق المخلوق من باب أولى وأحرى، ومن هنا لا يولى الفاسق القضاء إلا في أزمنة خاصة يتعذر فيها وجود العدول، أو يكون فسقه خارجاً عن القضاء، يعني: لا يؤثر في قضائه، مثلاً: يشرب الخمر، لكنه من أصدق الناس، وعنده تحفظ ورعاية، لكنه مبتلى بشرب الخمر، فحينئذٍ يولى إذا كان هذا لا يؤثر في قضائه.
فالشاهد من هذا: أن الفسق إذا لم يكن متعدياً للولاية فقد قرر الأئمة خاصة عند فساد الزمان أنه يجوز تولية أمثل الفساق.

أن يكون سميعاً بصيراً

قوله: [سميعاً].
فلا يولى الأصم القضاء إذ كيف يسمع الخصوم؟! وكيف يسمع الحجج ويصغي إليها؟! قوله: [بصيراً].
الأعمى اختلف فيه، والصحيح أنه يصح قضاء الأعمى إذا كان يميز الأصوات ولديه قدرة على القيام بحق الله عز وجل في قضائه، بل قد يكون أفضل من المبصر؛ فإن العمى عمى البصيرة، وكم من قضاة من العميان هم بكثير من غيرهم، مثل ابن عباس رضي الله عنه القضاء، فإذا كان أعمى عنده قدرة على القضاء فإنه يولى، هذا هو الصحيح، أما مذهب بعض العلماء من أنه لا يصح تولية العميان القضاء فهو قول مرجوح، وأشار إليه بعض العلماء بقوله: وأن يكون ذكراً حراً سلم من فقد رؤية وسمع وكلم فهذه من الشروط: أن يكون ذكراً فالأنثى لا تولى.
حراً ألا يكون رقيقاً.
سلم يعني: في عافية في سمعه فلا يكون أصم، وفي بصره فلا يكون أعمى، وفي كلامه فلا يكون أبكم.

أن يكون متكلماً مجتهداً

قوله: [متكلماً].
متكلماً؛ لأنه كيف يحكم؟! قوله: [مجتهداً ولو في مذهبه].
مجتهداً اجتهاداً مطلقاً أو اجتهاداً مقيداً؛ حتى يستطيع أن يعرف الحق وأن يميزه.

القضاء الخاص في مسائل خاصة (التحكيم)

قال رحمه الله: [وإذا حكم اثنان بينهما رجل يصلح للقضاء نفذ حكمه في المال والحدود واللعان وغيرها].
بعد أن بين رحمه الله الولاية العامة شرع في ولاية القضاء الخاصة في المسائل الخاصة، كما لو اتفق شخصان على أن يحكما شخصاً بينهما فإنه ينفذ حكمه، ولذلك حكم النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، وكذلك أمر بالاحتكام إلى الحكمين في قضية نشوز المرأة، فإذا اتفقوا أن فلاناً يحكم بينهم فإنه يمضي حكمه، والأصل في ذلك ما ذكرناه من دليل الكتاب والسنة وكذلك فعل الصحابة رضي الله عنهم، كما فعل علي رضي الله عنه في قضيته مع معاوية حيث حكما أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص رضي الله عن الجميع.

شرح زاد المستقنع -

باب

آداب القاضي

ينبغي للقاضي أن يتحلى بجملة من الأخلاق وأن يراعيها في أقواله وأفعاله وأحواله، منها: القوة في غير عنف، واللين في غير ضعف، ليقوى الضعيف بحكمه، ويضعف الظالم بعدله، وعليه أن يراعي النزاهة في حكمه والبعد عن الشبهات والرشوة، والعدل بين المتخاصمين، ومجانبة ما يشوش عليه في حكمه، وأن يعتبر البينة، ولا وغيرها والآداب والأحكام التي يجب توافلرها في القاضي المسلم.

آداب القاضي

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب آداب القاضي].
الآداب جمع أدب، والأدب من مكارم الأخلاق ومن محاسن العادات.
وهذا الباب -باب آداب القاضي- باب عظيم اعتنى به العلماء رحمهم الله، وهي جملة من الأمور التي ينبغي للقاضي أن يراعيها في أقواله وأفعاله وأحواله في مجلس القضاء، والسبب في ذلك أن القضاء لابد له من هيبة، ولابد له من صيانة وتحفظ يستعان بهما بعد الله عز وجل في إيصال الحقوق إلى أهلها، فالتبذل وعدم العناية بحق القضاء شره وبلاؤه عظيم، ومن هنا اعتنى العلماء بهذا الباب.
وآداب القاضي منها: آداب ظاهرة وآداب باطنة، والآداب الظاهرة: قولية، وفعلية، وكلها ينبغي أن يستجمعها القاضي في قضائه.

أن يكون قوياً من غير عنف

قال رحمه الله: [ينبغي أن يكون قوياً من غير عنف].
فلا تأخذه في الله لومة لائم؛ لأنه إذا كان ضعيفاً لا يستطيع أن يأمر بما أمر الله به، ولا أن ينهى عما نهى الله عنه، فلابد وأن يكون قوياً من غير عنف، فالقوة إذا جاوز وأفرط فيها فإنها تصبح عنفاً، فينبغي أن تكون القوة بحدود، وهي القوة لإحقاق الحق وإبطال الباطل من غير عنف.
وإذا كان قوياً من غير عنف فإنه حينئذٍ يهابه الباغي والظالم، ويطمع في عدله المظلوم؛ لأن المظلوم لما يرى القاضي ضعيفاً يكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، فيفضل السكوت؛ لأنه كيف يشتكي إلى إنسان ضعيف؟ حينما فلابد أن يكون القاضي قوياً حتى يطمع الناس في الوصول إلى حقوقهم عن طريقه، وإذا كان القاضي بهذه الصفة رغب الناس في حكم الله عز وجل والعدل الذي يبينه، فإذا أفرط في القوة نفر الناس وظلم الناس وأجحف بالناس، وقد كان صلى الله عليه وسلم قوياً من دون عنف، وهو أن يضع الشدة في موضعها.

أن يكون ليناً من غير ضعف

قال رحمه الله: [ليناً من غير ضعف].
ليناً رفيقاً حتى لا ينفر منه الضعيف، ولا يهابه هيبة ترده عن الشكوى إليه؛ لأن القاضي إذا كان غير لين خافه الناس وهابوه، لكنه إذا كان ليناً ألفه الضعيف واستطاع أن يبث إليه حزنه وأن يشتكي إليه وأن يبين مظلمته، فيمكن الخصوم من بيان مظالمهم وحوائجهم، لكن يشترط أن تكون هذه اللينة من دون ضعف وخور؛ لأن الضعف والخور يطمع الباغي في بغيه، ومن هنا قالوا: إنه ينبغي عليه أن يكون جامعاً لهاتين الصفتين الجامعتين بين الحسنيين أن يكون قوياً من دون عنف، ليناً من دون ضعف.

أن يكون حليماً ذا فطنة وأناة

قال رحمه الله: [حليماً ذا أناة وفطنة].
لأن القاضي سيأتي إليه السفيه بسفهه، والجاهل بجهله، والناس تأتي وقد أُخذت حقوقها، وضاعت، فيصرخ الرجل وتتألم المرأة ويتضجر المظلوم، فيحتاج إلى صبر وإلى تحمل وإلى أناة، وإلى عدم استعجال وعدم تضجر من هذه الأشياء، ولذلك الأجر في هذا عظيم، فمن ابتلي بمصالح المسلمين كل الناس تأتيه على اختلاف أحوالها حتى العالم الطبيب الخطيب، فلابد أن يكون لديه من الحلم ما يسع الناس برحمته ولطفه، حتى يستطيع كل شخص أن يبدي ما عنده ما دام أنه يقدر على ذلك، أما إذا كان لا يقدر على ذلك أو كان مريضاً أو عنده فهذا أمر آخر، لكن في الأصل العام أنه يبذل ما يستطيع، حتى يستطيع أن يعلم ماذا عند الناس، ويوصلهم إلى حكم الله عز وجل ودينه وشرعه بالتي هي أحسن.
والحلم خصلة يحبها الله، قال صلى الله عليه وسلم لـ أشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة)، والحلم سعة الصدر، ويلزم أن يكون القاضي حليماً؛ قد يأتي الخصم -في بعض الأحيان- بحالة متفجع، فتصدر منه عبارات، فلابد أن يكون لديه من الحلم ما يطفئ هذا الغضب، ولا ينفر منه الناس في تعاملهم معه.
[ذا أناة].
أي: صاحب أناة لا يستعجل في الأمور، فإذا أتاك الخصم وقد فقئت عينه فلا تحكم عليه حتى ترى خصمه، فلعله فقئت عيناه، وقد يأتيك الشخص وهو يبكي ويشتكي وإذا بك تشعر أنه المظلوم، ثم يتبين أنه مزور أو كذاب أو غشاش، أو يكون رجلاً صالحاً وعظم الأمر عندك ولكنه فهم خطأ، فلا يمكن أن تستبين هذه الأمور إلا بالأناة والتروي وعدم الاستعجال، ولذلك من رُزق الأناة فقد رزق الخير الكثير.
[وفطنة].
الفطنة هي: الكياسة والحذر والتنبه، ومن الناس من رزق الفطنة حتى إذا ولي القضاء يبلغ به الحال أنه يجلس إليه الخصمان فيعرف المحق منهما من المبطل، وهذا أثر عن بعض السلف وبعض العلماء الأجلاء الذين كانوا على درجة من الفطنة والفهم، حتى بلغ بأحدهم أنه لا يتكلم عنده الخصمان إلا شعر أيهما الظالم من المظلوم من كثرة التعامل مع الناس وتفطنه لأقوالهم وطرقهم وألاعيبهم وكذبهم وغشهم، فأصبح -غالباً- من قوة فراسته يستطيع أن يدرك كثيراً من الخلل، وليس معنى ذلك أنه يعلم الغيب، وإنما هي فراسة المؤمن.
لكن ينبغي -كما يقول العلماء- في هذه الفراسة والفطنة أن لا يجاوز فيها ولا يسرف، وذلك أنه قد تكون عند إنسان فراسة -وقد تصيب- لكن لا يسرف فيها؛ فإن الشيطان -من خبثه- ربما يستدرج الإنسان إذا أصاب في التفرس مرة أو مرتين حتى يوقعه في سوء الظن بالمسلمين، وربما سدده بالفراسة المرة والمرتين حتى لربما خونه في أهله وعرضه وزوجه، فيحذر الإنسان من استدراج الشيطان له، فالفراسة لها حدود، والفطنة لها حدود، ولذلك قالوا: يكره شديد الذكاء في القضاء؛ لأنه إذا اشتد ذكاؤه ربما حمل الأمور ما لا تتحمل، وحملها على غير ما لا ينبغي أن تحمل عليه.

أن يكون مجلسه قريباً فسيحاً

قال رحمه الله: [وليكن مجلسه في وسط البلد فسيحاً].
للقاضي أن يجلس في أي مكان، لكن ينبغي أن يراعي فيه الرفق بالناس، لئلا يكون فيه تعنيت للخصوم والشهود بالذهاب إليه في أماكن بعيدة، ولذلك اختاروا وسط المدينة ما أمكن، واختلفوا هل يقضي في المسجد أو لا؟ الجمهور على جواز ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه، ولأن الخلفاء الراشدين من بعده كذلك، واستحب بعض العلماء من الجمهور القضاء في المسجد، ولكن الصحيح أنه يجوز أن يجلس حيث أمكنه، ومن هنا قال بعض العلماء: وحيث لاق للقضاء يقعد وفي البلاد يستحب المسجد وحيث لاق للقضاء يقعد يعني: حيث كان المكان لائقاً يجلس، حتى لو في السوق، بلغ ببعض أئمة السلف رحمهم الله أنه إذا جاءه خضمان يقول: لا يحل لي أن تجاوز قدمي قدميهما حتى أفصل بينهما.
أي: لا يجوز أن أفارقهما ولا أن أؤخرهما فلربما جاءوه وهو في السوق، فينتحي ناحية من السوق ويسمع من الخصمين ويقضي بينهما، وهذا مما وضع له من البركة.
وفي البلاد يستحب المسجد فيجوز أن يكون القضاء في المسجد.
وقوله: [فسيحاً] أي: أن يكون المكان فسيحاً لكن في المسجد اشترط بعض العلماء: أن لا يؤذي الناس والمصلين، فإذا كان ذلك يشوش عليهم، وحصلت المفاسد فالمصلحة أن يصرفه عنهم.

العدل بين الخصوم في التعامل معهم أثناء القضاء

قال رحمه الله: [ويعدل بين الخصمين في لحظه] وهذا من أدب المجلس؛ لأن عمر بن الخطاب لما كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه كتاب القضاء -الذي شرحه الإمام ابن القيم رحمه الله في أعلام الموقعين، وهو يسمى كتاب السياسة الكبيرة وهو من أعظم الكتب التي اعتنى العلماء بها- قال له: (آسِ بين الخصمين في عدلك ولحظك ومجلسك) في لحظك: أي: ينبغي أن يعدل بين الخصمين في اللحظ، فلا ينظر إلى أحدهما أكثر من الآخر، ولا ينظر إلى أحدهما بشدة دون الآخر، ولا يطيل النظر على وجه الريبة؛ لأن هذا يحدث في النفوس شيئاً، فإذا نظر إلى أحدهما فلينقل النظر إلى الآخر، وإذا أجلسهما فيجلسهما في مكان واحد، فلو جلس أحدهما على شيء دون الآخر سوى بينهما في المجلس، ولا يجلس أحدهما بجواره والآخر أمامه، بل يجلسان أمامه، كل هذا من باب الحيادية في القضاء، وقد بلغ القضاء الإسلامي الأوج والعظمة وحاز أعلى المراتب وأسماها؛ لأنه من حكيم حميد، وكل هذا من أجل أن يكون العدل، حتى في الصورة والشكل.
وقوله: [ولفظه].
ولفظه: يعني في كلامه، فلا يتكلم مع أحدهما أكثر من الآخر، إلا إذا وجدت حاجة أو وجد أمر، ولا يلحظ أحدهما لحظاً شديداً إلا إذا وجدت حاجة، كل هذا من باب أن يكون على حيادية، فلا يخون في مجلسه ولا في نظره ولا في قوله.
[ومجلسه] كذلك مكان جلوسه، فلا يجعل أحدهما في مكان أبرد من مكان الآخر، ولا مكان أشرف من مكان الآخر، ولا يكون أحدهما في مكان فيه تكرمة والآخر في مكان لا تكرمة فيه، بل ينبغي أن يجلس الخصمان مجلساً متساوياً، ويكون دخولهما من باب واحد، وأن يكون حال القاضي بينهما حالاً واحداً، فلا يقوم لأحدهما ولا يقوم للآخر، ولا يحتفي بأحدهما دون الآخر، بل مثلما يفعل مع هذا يفعل مع هذا.
وقد أثر عن بعض أهل العلم أنه كان في القضاء، فدخل عليه رجل واختصم مع آخر -وهذه مأثورة عن الإمام الشيخ: عبد الله بن حميد نسأل الله أن يقدس روحه وعلماء المسلمين أجمعين- في جنات النعيم، فلما جاء دخلا عليه قالا: يا شيخ! أتينا في خصومة، قال: أتيتما في خصومة؟ قالا: نعم -وكان أحدهما دخل من باب خاص- فقال: يا فلان! من أين دخلت؟ قال: دخلت من باب كذا، قال: اذهب وادخل مع خصمك، ثم إذا دخلتما من باب واحدٍ قضيت بينكما.
وهكذا العدل، فلابد أن يكون بهذا التجرد وبهذا الصفاء والنقاء؛ لتحصل الطمأنينة لدى الناس للوصول إلى الحق.

اتخاذ المستشارين من العلماء

قال رحمه الله: [وينبغي أن يحضر مجلسه فقهاء المذاهب] فمثلاً: لو رفعت إليه حادثة عن شخص فعل فعلاً، قد يكون معتقداً لحرمة هذا الفعل، لكن غيره يعتقد جوازه، ويخفى عليه مذهب غيره، فيأتي ويعزر المسكين، ولربما قال له أحد الخصوم: هذا جائز عندنا، وهو يكذب أو يقول: عملت على مذهب كذا، وأنا أعتقد مذهب الحنفية أو المالكية أو الحنابلة، وعندنا هذا جائز، فكيف يعرف صدقه من كذبه؟ لابد من مشاورة العلماء، وهذا جرت عليه السنة، وهو أن مجلس القاضي يحضره العلماء، وبعد أن يسمع تفاصيل القضية يشاورهم فيما نزل به، هذه هي السنة التي أمر الله بها عز وجل نبيه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:159]، فالشورى كلها خير، وإذا عجز عن ذلك فإنه يتصل بهم ويذاكرهم ويناظرهم حتى يجد الحق ويصل إليه.
[ويشاورهم فيما أشكل عليه] هذا هو الأصل، والله المستعان.

يحرم القضاء إذا كان القاضي مشوش الذهن

قال رحمه الله: [ويحرم القضاء وهو غضبان كثيراً].
ويحرم القضاء وهو غضبان- وهو غضبان: جملة حالية- لأن الغضب يمنع الإنسان من التأمل والتدبر، ولربما اشتد في قوله وتعامله؛ ولذلك لا يجوز أن يقضي وهو على هذه الصفة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
قوله: [أو حاقن أو في شدة جوع أو عطش].
أشير إلى الحاقن بوله أن احتقانه يشوش عليه فكره، أو شدة عطش كذلك يشوش عليه فكره، والنص جاء في الغضبان، وألحق به ما في معناه.
[أو همّ أو ملل أو كسل أو نعاس أو برد مؤلم أو حر مزعج].
كل هذه الأمور تؤثر عليه في فكره وتأثر عليه في تركيزه، فلابد أن يكون على حالة بخلاف هذه الحالات، لكي تعينه على أن يكون أصفى ذهناً وأقدر على معرفة الحق.
[وإن خالف فأصاب الحق نفذ].
وإن خالف فقضى وهو غضبان أو قضى وهو مهموم أو قضى وهو عطشان أو قضى وهو جائع شديد الجوع، نفذ قضاؤه إن أصاب حقاً، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، والعلة هنا أنه يخشى مع هذه الحالات أن يتشوش فكره فلا يمعن النظر، لكن فإذا لم يشوش فإنه يصح قضاؤه.

تحريم الرشوة والهدايا للقضاة

قال رحمه الله: [ويحرم قبوله رشوةً، وكذا هدية] ويحرم عليه أن يقبل الرشوة، وفيها اللعن -والعياذ بالله- الراشي والمرتشي، والرائش -وهو الذي يمشي بينهما- والعياذ بالله، فلا يجوز للقاضي أن يقبل الرشوة، وهي السحت الذي حرم الله ورسوله، قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة:188]، هذه الرشوة ثم انظر وتأمل قوله تعالى: (تُدْلُوا بِهَا) ذكر بعض المفسرين أن القاضي إذا قبل الرشوة نزل من المنزلة العالية السامية إلى الحضيض، ولذلك قال سبحانه: (تُدْلُوا) كالدلو ينزل إلى القاع، فإنزال الرشوة وإدلاؤها إلى القاع، (القاضي) الذي صار في الحضيض بعد أن كان في مقام يشرفه الله عز وجل به ويكرمه ويعزه فيأبى إلا أن يهين نفسه ويذلها.
(وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ)، وهذا من أسرار اللغة الجميلة، ولذلك لا يمكن أن يترجم القرآن إلى أية لغة؛ لأنه لا تستطيع أن تجد فيها هذه المعاني الجميلة المتجددة.
[إلا ممن كان يهاديه قبل ولايته إذا لم تكن له حكومة].
إلا أن يكون هذا الشخص يهاديه من قبل، كصديقة أو رفيقه أو ابن عمه أو قريبه، وكان بينهما مودة، فإذا هاداه بعد الولاية كان كحاله قبل الولاية؛ لكن إذا كان له عند القاضي قضية فلا يجوز للقاضي أن يقبل منه.

استحباب ألا يكون الحكم إلا بحضرة الشهود

قال رحمه الله: [ويستحب أن لا يحكم إلا بحضرة الشهود].
يستحب للقاضي أن لا يحكم في قضية شهد فيها الشهود إلا إذا كانوا حاضرين؛ ولهذا فوائد عظيمة، منها: أنهم إذا شهدوا على شخص بضرر، وحكم عليه فإن هذا يردع شهود الزور من شهادتهم ويوقع في قلوبهم الهيبة مما أقدموا عليه، وكذلك أيضاً الشهود يصححون خطأ القاضي، فلربما نسي شيئاً مما ذكروه، وربما قضى ببعض الكلام دون البعض، فالشاهد عندما يكون حاضراً يكون هذا موافقاً لحكمه.

لا يقبل حكم القاضي لنفسه ولا لقرابته

قال رحمه الله: [ولا ينفذ حكمه لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته له].
(لا ينفذ حكمه لنفسه)، فالقاضي لا يقضي لنفسه، وإنما يختصم إلى قاض غيره إذا حصلت خصومة بينه وبين شخص آخر، فيرفعه إلى قاضٍ غيره يحكم له أو يحكم لخصمه، وكذلك بالنسبة لمن هو معه كالشيء الواحد كابنه، فلا يقضي لابنه وإن نزل، ولا لابنته وإن نزلت، ولا لأبيه وإن علا؛ لأنه لو فعل ذلك فكأنه قاضٍ لنفسه، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما فاطمة بضعة مني)، فلا يشهد لهم ولا يقضي لهم، ولا يصح قضاؤه لهم، فإن فعل فكأنه قضى لنفسه.
وفي حكم ذلك أيضاً الاستخوان، وما هو مظنة الخيانة والريبة، مثلما يقضي في قضية بين رجل وآخر شريك للقاضي في شركة، وله فيها مصلحة، وجاء صاحب الشركة أو مدير الشركة وخاصم شخصاً عند هذا القاضي، ففي هذا ملابسة، فكأنه قضى لنفسه، لأن له جزءاً من المصلحة؛ لأن هذه الشركة له فيها سهم، سواءً تمحضت من ماله أو كان له فيها شركة ونحو ذلك.

إذا كان أحد الخصمين امرأة أو مريضا

ً قال رحمه الله: [ومن ادعى على غير برزة لم تحضر وأمرت بالتوكيل].
(غير برزة)، أي: لا تخرج دائماً، بل هي امرأة محتشمة؛ لأن من النساء من هي (برزة) مثل المرأة التي عندها أيتام، فتخرج وتسعى لرزقها، وكان بعض النساء يتولين البيع لظروف خاصة قاهرة، وهذا النوع من النساء يقال له: البرزة، وسميت بذلك لأنها تكثر البروز والخروج؛ لأنه على مر تاريخ المسلمين ما عرف النساء إلا القرار في البيوت، تقول أم عطية: أمرنا أن نخرج العواتق وذات الخدور والحيّض.
فما يعرفن الخروج إلا لصلاة العيد، وهذا هو الأصل؛ لأن المرأة خيرٌ لها أن لا ترى الرجال ولا يراها الرجال.
ويؤثر عن عمر بن الخطاب أنه نصب الشفاء في السوق، وقد فهم بعض الجاهلين أن هذا يدل على أن المرأة كالرجل، وهذا خطأ واضح، وجهل بيّن بالحقائق؛ لأن قصة الشفاء فيها ضعف، وقد تكلم عليها العلماء، لكن على فرض ثبوتها يكون ولاها أمر سوق النساء، وهذا يفيد أن النساء لا يلي أمرهن إلا النساء.
أما من ظن أنه ولاها على الرجال فهذا يأباه الله ويأباه صالح المؤمنين، ولا يظن ذلك الظن إلا ذوو الأفهام المعكوسة المنكوسة التي لا تحسن النظر، وقد نبه على هذا العلماء رحمهم الله.
إذاً: البرزة هي التي تخرج للبيع والشراء، أو بعض كبيرات السن اللاتي لهن العذر فنحو هؤلاء النسوة يخرجن، فلو ادعي على مثلها دُعيت إلى مجلس القضاء؛ لأنها اعتادت الخروج، أما لو كانت محتشمة أو كانت غير برزة فلا يلزمها الحضور في مجلس القضاء، ولها أن توكل فتبعث وكيلها.
قال رحمه الله: [وإذا لزمها يمين أرسل من يحلفها، وكذا المريض].
أي: وإذا لزمتها اليمين بعث إليها شخصاً يسمع منها اليمين، وكذلك المريض الذي لا يمكنه حضور مجلس القضاء.

شرح زاد المستقنع -

باب طريق الحكم وصفته

بينت الشريعة الإسلامية الطريق للقضاة والحكام ليحققوا الواجب المنوط بهم، وهو تحقيق العدالة، وردع الظالم، وإنصاف المظلوم، فبينت كيفية التعامل مع دعاوى الخصوم، واعتبار البينات، وحقيقة الدعوى، وعدالة الشهود، وغير ذلك من الأحكام.

صفة الحكم

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد:

عرض الدعوى

فيقول المصنف رحمه الله: [باب طريق الحكم وصفته: إذا حضر إليه خصمان قال: أيكما المدعي؟ فإن سكت حتى يبدأ جاز].
إذا حضر إليه الخصمان قال: أيكما المدعي، يسألهما من المدعي، هذا وجه، أو يسكت حتى يتكلما، فإذا سكت وتكلم أحدهما قبل الآخر قدمه: وقدّم السابق في الخصام والمدعي للبدء بالكلام فإذا سبق أحدهما وجاء وتكلم فله ذلك، فمن سبق إلى شيء فهو أحق به، والغالب أن السابق يكون هو المدعي.
ويجوز للقاضي أن يقول لهم: أيكم المدعي، ويجوز أن يسكت.
[فمن سبق بالدعوى قدمه].
من سبق بالدعوى وتكلم قدمه؛ كما قلنا: وقدم السابق في الخصام والمدعي للبدء بالكلام

حكم إقرار المدعى عليه

مثلاً: قال أحدهما: لي عند فلان عشرة آلاف ريال بسبب قرض أو بيع دينٍ -وحرر الدعوى- ولم يقضني، قال له للآخر: ماذا تقول؟ قال: نعم، له عليّ في ذمتي عشرة آلاف ريال، قال: اقضه وأد إليه.
هو هذا الإقرار، فإذا أقر أخذ بإقراره؛ لأنه لا يوجد أقوى من شهادة الإنسان على نفسه، ولذلك يقولون: الإقرار: سيد الأدلة، لأنه ليس هناك عاقل يشهد على نفسه بالضرر كذباً، ولما شهد رجل عند شريح رحمه الله وأقر -فيما لا يحكم فيه إلا بالشهود- فأخذه شريح بإقراره قال: رحمك الله! من شهد عليّ؟ وكيف تحكم عليّ بدون شهود؟ قال: شهد عليك ابن أخت خالتك، يعني أنت شهدت على نفسك، فابن أخت الخالة هو نفس الرجل، فلا أصدق من شهادة الإنسان على نفسه، ولذلك قبلها الله في أعظم الأشياء وهو توحيده سبحانه وأقام الحجة بها على عباده.
وسيأتي في مسائل الإقرار.

طلب البينة من المدعي إن أنكر المدعى عليه

[وإن أنكر؛ قال للمدعي: إن كان لك بينة فأحضرها إن شئت].
لو قال المدعى عليه: ليس له عندي شيء، قال القاضي للمدعي: ألك بينة؟ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة: (ألك بينة؟ قال: يا رسول الله! هي بئري وأنا احتفرتها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ألك بينة؟ قال: لا، قال: إذاً يحلف خصمك، قال: يا رسول الله! الرجل رجل سوء ... )، كما في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن هلال بن أمية قذف امرأته بـ شريك بن سحماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (البينة أو حدٌ في ظهرك).
البينة: مأخوذة من البيان وهي الوضوح، وتعريفها في الاصطلاح: ما يُظهر صدق الدعوى ويكشف وجه الحق، والبينة تشمل الإقرار، والكتاب، والأيمان، والحجج التي اعتبرتها الشريعة.
وقوله: (ألك بينة؟) هذه المقولة تقال: للبر والفاجر، أي: شخص يدعي نطالبه بالبينة إذا أنكر خصمه، ولو كان من أصدق الناس؛ لأن هذا هو الأصل الذي دلت عليه السنة.
والمدعي مطالب بالبينة وحالة العموم فيه بينة (والمدعي مطالب بالبينة) يعني يقال له: ألك بينة؟ (وحالة العموم فيه بينة) أي: ولو كان من أصدق الناس، ولو كان من أصلح الناس وأعلم الناس فقل له: هل لك بينة؟ كما طُلبت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حكم القاضي إذا رفض المدعى عليه الإجابة إقراراً أو إنكاراً

فإن أبى المدعى عليه الإجابة على الدعوى إقراراً أو إنكاراً.
ومن أبى إقرار أو إنكارا لخصمه كلفه إجبارا فإن تمادى فلطالب قضي بلا يمين أو بها وذا ارتضي فيلزمه القاضي بالجواب إن أبى، ويحاول أن يلزمه في ذلك، فإذا رفض الإقرار أو الإنكار كُلّف ولو بالقوة، فإذا أبى فإن القاضي يحكم عليه وهذا ما يسمى بالنكول.
وقد ثبتت به الآثار وعمل به الأئمة رحمهم الله، وهو أن السكوت يدل على اعتباره؛ لأنه أعطي المجال أن ينكر فلم ينكر، فدل هذا على أنه مقر بما اتهم به فيؤاخذ على ظاهره.

اعتبار البينة وشهادة الشهود لا علم القاضي

قال رحمه الله: [فإن أحضرها سمعها وحكم بها] أي: البينة، كشهادة شهود، ويجب على القاضي أن يسمع منهم.
[ولا يحكم بعلمه].
ولا يحكم القاضي بعلمه، ولا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه إلا في مسائل، وهي تزكية الشهود وجرحهم، فلو كان يعلم أن هذا الشاهد لا تقبل شهادته، وجيء به في قضية، وقيل له: فلان يشهد فنظر فيه، فقال: هذا ما نقبل شهادته، فهذا من حقه؛ لأنه يعلم فيه جرحاً؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:282] ممن ترضون: يعني يكون مرضياً عنهم، ولذلك لما أتى شخص لدى القاضي إياس رحمه الله بشاهد ولم يقبله إياس، قال له: لمَ ترد شاهدي رحمك الله؟ قال: يا هذا إن الله تعالى يقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، وأنا لم أرضَ شاهدك، وفي بعض الروايات: وإن هذا ليس ممن أرضاه، فهذا يدل على أن من حق القاضي أن يقضي بعلمه: وفي الشهود يحكم القاضي بما يعلم منهم باتفاق العلماء.
فإذا عرفهم بالتزكية قبلهم وزكاهم، وإذا علم أن فيهم حرجاً ردهم.
وفي سواهم مالك قد شددا في حكمه بغير الشهدا وهو مذهب الجمهور، وليس خاصاً بـ مالك، فالشاهد من هذا: أن قضاء القاضي بعلمه لا يجوز، والدليل على عدم عمل القاضي بعلمه، قوله عليه الصلاة والسلام: (إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فإنما أقضي على نحوٍ مما أسمع).
وفي الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أنه لما حدث اللعان بين عويمر وامرأته، قال صلى الله عليه وسلم: (انظروا إليه فإن جاءت به على صفة كذا وكذا -كما ذكرنا في اللعان- قال: فقد كذب عليها والولد ولده، وإن جاءت به على صفة كذا وكذا فقد صدق عليها وهي زانية)، فأراد الله عز وجل أن تجيء به على صفة من اتهمت به -والعياذ بالله- فقال صلى الله عليه وسلم: (لو كنت راجماً راجماً أحداً من غير بينة لرجمت هذه)، فدل على أنه علم واطلع على ذلك، وجاء بالقرينة واستقر عنده الدليل واتضح أنها زانية، ومع ذلك لمن يقضِ بعلمه، فدل على أن القاضي لا يجوز له أن يقضي بعلمه.

اليمين حال عدم وجود البينة وعدم الإقرار

[وإن قال المدعي: ما لي بينة، أعلمه الحاكم أن له اليمين على خصمه على صفة جوابه].
قال صلى الله عليه وسلم: (ليس لك إلا يمينه)، فأعلمه أنه ليس له من الخصم إلا اليمين، هكذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[فإن سأل أحلفه وخلى سبيله].
فلا يحلفه القاضي مباشرة، بل يقول له: ليس لك إلا يمينه، فهل أحلّفه؟ فإن قال: حلّفه، حلفه.
[ولا يعتد بيمينه قبل مسألة المدعي].
ولا يعتد بيمينه قبل مسألة المدعي؛ لأن مجلس الحكم والقضاء ينبغي أن تكون خطوات الحكم فيه مرتبة على ما ذكرنا، من أنه يمكث ثم بعد ذلك يطلب من الخصم البينة فإذا تعذر وجود البينة، أو قال: لا بينة عندي، يقول له القاضي: ليس لك إلا يمينه، فإذا سبق وحلف قبل أن يطلب القاضي منه القسم فهذه يمين ريبة ترد ولا تقبل، وهي في غير موضعها؛ لأن موضعها أن يطلبها القاضي.
[وإن نكل قضى عليه].
كما ذكرنا.
[فيقول: إن حلفت، وإلا قضيت عليك، فإن لم يحلف قضى عليه].
ومن أبى إقرار أو إنكارا لخصمه كلفه إجبارا فإن تمادى فلطالب قضي بلا يمين أو بها وذا ارتضي

حكم وجود البينة بعد يمين المنكر

قال رحمه الله: [وإن حلف المنكر ثم أحضر المدعي بينة، حكم بها، ولم تكن اليمين مزيلة للحق].
بيّن رحمه الله قوة اليمين واعتبارها في إسقاط الدعوى عن المدعى عليه، ولكن هذا الإسقاط لا يقتضي إسقاطها من كل وجه، بحيث لو وجد الشخص البينة ووجد من يشهد له، فإنه لو أقامها بعد ذلك، سمع منه، لكن ثمة إشكال عند العلماء، وهو إذا قيل له: ألك بينة؟ قال: ما عندي بينة، ثم حلف الخصم، ثم جاء المدعي بالبينة فهذا فيه شبهة معروفة عند العلماء رحمهم الله، وفيها تفصيل تكلم فيه العلماء، ولكن حاصل ما يقال: أنه إذا وجد العذر، كأن يكون ناسياً أن لديه بينة فتذكر، أو كان لا يعلم أن شاهداً حضر ثم تبين أنه حضر الموقف المختلف عليه، ونحو ذلك من الأدلة، أو قال شخص: إني أشهد بما أقر عندي فلان أنك أنت أعطيته ونحو ذلك، فهذه بينة يجهلها، فإذا كان نفيه له وجه فيه وله عذرٌ قبل وإلا فلا.

مسائل في حقيقة الدعوى

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
تعريف القضاء وحكمهتعريف القضاءمشروعية القضاءالقضاء فرض كفايةواجب الإمام في القضاء واختيار القضاةنماذج من القضاة القدوةما يجب على الإمام أن يأمر به من يوليهم القضاءمهام القاضيما يشترط في القاضيأن يكون بالغاً عاقلاً ذكراًأن يكون حراأن يكون مسلماً عدلاًأن يكون سميعاً بصيراًأن يكون متكلماً مجتهداًالقضاء الخاص في مسائل خاصة (التحكيم)آداب القاضيأن يكون قوياً من غير عنفأن يكون ليناً من غير ضعفأن يكون حليماً ذا فطنة وأناةأن يكون مجلسه قريباً فسيحاًالعدل بين الخصوم في التعامل معهم أثناء القضاءاتخاذ المستشارين من العلماءيحرم القضاء إذا كان القاضي مشوش الذهنتحريم الرشوة والهدايا للقضاةاستحباب ألا يكون الحكم إلا بحضرة الشهودلا يقبل حكم القاضي لنفسه ولا لقرابتهإذا كان أحد الخصمين امرأة أو مريضاباب طريق الحكم وصفتهصفة الحكمعرض الدعوىحكم إقرار المدعى عليهطلب البينة من المدعي إن أنكر المدعى عليهحكم القاضي إذا رفض المدعى عليه الإجابة إقراراً أو إنكاراًاعتبار البينة وشهادة الشهود لا علم القاضياليمين حال عدم وجود البينة وعدم الإقرارحكم وجود البينة بعد يمين المنكرمسائل في حقيقة الدعوى
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل