شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 12-10
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأسئلة

حكم تساهل بعض طلاب العلم بالألفاظ التي يذكرها الفقهاء في باب الطلاق

السؤال

يتساهل بعض طلاب العلم ببعض الألفاظ التي يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى في أبواب الطلاق فما توجيهكم في هذا؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: فأخذ العبارات الغريبة من المتون الفقهية ومحاولة تطبيقها مثل ما ذكرنا في مسألة: شعرك طالق، فيأتي بزوجته وهو يعتقد أن الشعر في حكم المنفصل فيقول لها: شعرك طالق، ظفرك طالق ونحو ذلك، لا ينبغي لطالب العلم أن يفعله، وعلى المسلم أن يحمد الله على نعمة العلم، وأن يجعل العلم معيناً له على الورع والتزام الأصلح والأسلم، وعدم اتخاذ آيات الله هزواً، فهو ما دام أنه لا يريد طلاق زوجته فلا يتلفظ بالطلاق، ولا يشعر امرأته أنه يريد أن يطلقها أو يجري الطلاق على لسانه، فهذا مما يزيد المحبة والمودة، وأما لو قال هذه الألفاظ ولو كانت لا توقع الطلاق، فإنها تحرك الشياطين في القلوب، وتجعل باباً ينفذ منه الشيطان إلى قلب المرأة، ويوسوس لها بكراهية زوجها لها، وأنه قد يأتي اليوم الذي يطلقها فيه، فعلى المسلم أن يحمد الله على العافية، ومن عوفي فليحمد الله، وليكن طالب العلم دائماً في سمته ودلّه وحاله مع أهله على أتم الوجوه وأكملها من خوف الله ومراقبته والحرص على المعاشرة بالمعروف، والبعد عن مثل هذه الأمور، وعلى طلاب العلم أن يوصي بعضهم بعضاً بذلك، وأن يذكر بعضهم بعضاً بالله.
وقد جاءني ذات مرة طالب علم -وهذا من أغرب ما وجدت- من حملة كتاب الله عز وجل وكان يقرأ في تخصص القراءات، وكان معه زملاء، قال له أحدهم: أريد أن أسمع منك القلقلة في قولك: زوجتي طالق، فقال: زوجتي طالق، ثم وقع في أمره، هل وقع الطلاق أم لم يقع؟ فانظر إلى أي حد! إن القلقة مبحث متعلق بكتاب الله عز وجل وليس له علاقة بمثل هذه الأمور، وليس له مجال في مثل هذه المسائل، فأدخل علم كتاب الله عز وجل الذي فضله الله وشرفه على شيء لا تُحمد عقباه، وأدخل الضرر على أخيه المسلم، والله لو كانت أخته هي الزوجة ما قال له هذا القول؛ ولذلك ينبغي على المسلم أن يتقي الله، وواجب على طالب العلم أن يتقي الله في أخيه المسلم، وربما يلتزم الإنسان ولكن تبقى معه بعض أدران الجاهلية، فعلى المسلم أن يتقي الله، ودائماً الملتزم بحق وطالب العلم حينما يطلب العلم عليه ألا ينظر أن حمله الكتاب وحضوره إلى مجالس الطلب أن ذلك قد زكّاه، وأن ذلك قد أصلحه، ما لم يأخذ نفسه بزمام التقوى والورع ومراقبة الله عز وجل في قوله وفعله وكيف يعامل الناس.
فعلى هذا: ينبغي لطلاب العلم أن يبتعدوا عن مثل هذه الأمور، وينبغي أن تكون لهم من الهيبة والوقار والكف والانكفاف عن ذكر الطلاق ونحوه، وكل ما فيه أذية وضرر لإخوانه وأخواته، وعلى المسلم ألا يروع أخاه المسلم، فإن ترويع المسلم لا يجوز، وهو إذا قال هذا روع زوجته، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا من الزلل وأن يوفقنا في القول والعمل، والله تعالى أعلم.

حكم من قال: (نسائي طوالق إلا واحدة) ولم يعينها

السؤال

لو قال رجلٌ: نسائي طوالق إلا واحدة، ولم ينو في الاستثناء واحدةً بعينها، وإنما أحب إبقاء إحداهن، فما الحكم في ذلك؟

الجواب

الآن بدأ مفعول فرضيات الفقهاء، فقد ذكروا هذه المسألة، فإذا قال: نسائي طوالق إلا واحدة، ولم يعين، فإنه إذا أردنا أن نحكم في هذه المسألة نجري القرعة فيقرع، فالمرأة التي تخرج من نسائه هي التي تخرج من هذا الطلاق، فهو قال: إلا واحدةً، فبينه وبين الله عز وجل أنه قد أخرج واحدة، فيتعين المبهم بالقرعة لحكم الشرع بها، وجمهرة العلماء رحمهم الله على أنه إذا قال: نسائي طوالق إلا واحدة، فبينه وبين الله أنه ستبقى له واحدة، فالتي يختارها الله عز وجل بقرعته هي التي تخرج، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (أنه كان إذا أراد السفر أقرع بين نسائه)، فقد ثبت الحق لواحدةٍ من نسائه، فجعل القرعة معينةً للإبهام، وهذا في الاستحقاق، وعند تعذر معرفة واستبيان من هي الواحدة، فإننا نرجع إلى القرعة؛ لأن الشرع اعتبرها عند الإبهام، والله تعالى أعلم.

نصيحة لطالب العلم

السؤال

في هذه الأيام يعيش الطلاب أواخر الإجازة الصيفية، وبعض طلاب العلم استغلوا هذه الإجازة في طلب العلم ودراسته، فما هو توجيهكم في ختام هذه الإجازة لهذا النوع؟

الجواب

أولاً: الحمد لله على فضله وعظيم منته وجزيل كرمه، ولا يزال المسلم بخير ما حمد ربه وشكره وعرف نعمته عليه، فمن عرف نعمة الله عليه ذلّ لله وانكسر، ثم إن هذه المعرفة تقوده إلى محبة الله عز وجل، ومن أحب الله أحبه الله عز وجل، ويسر له سبيل المحبة، فانتقلت به الخطى من طاعةٍ إلى طاعة ومن برٍ إلى بر، وازداد من توفيق الله له وإحسانه وإنعامه وإفضاله عليه، فإن الله في كتابه المبين أخبر عباده أجمعين أنه يجزي الشاكرين وأنه يزيد من شكر، وتأذن لهم بذلك كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:7]، وأفضل ما يُشكر عليه سبحانه نعمة الدين، فمن وفقه الله عز وجل لهذه النعمة العظيمة وأسبغ عليه نعمة الإسلام فجعلها على أتم الوجوه وأكملها فقد عظمت نعمة الله عليه، ولا يمكن أن تكمل نعمة الإسلام على عبدٍ من عباد الله إلا بالعلم، فليس هناك أحد في مقام بعد الأنبياء أشرف ولا أكرم من العلماء العاملين، فإذا وفقك الله وحضرت مجالس العلم فتذكر نعمة الله، واعرف مقدار هذه النعمة.
ثانياً: من الذي أمدك بالصحة والعافية؟ من الذي أمد في عمرك حتى بلغت يوماً تكسبه في طاعة الله أو ساعةً تدخرها إلى لقاء الله في محبة الله ومرضاته؟ فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).
فمن الذي أمدك بالصحة والعافية؟ وكم من مريض كان يتمنى أن يصل إلى ما وصلت إليه وحيل بينه وبين مجالس العلم، وقلبه يتفطر بالحزن والألم بالسقم والمرض، فاحمد الله على العافية، وقل من قلبك وملء لسانك: اللهم لك الحمد لا أحصي ثناءً عليك.
ثالثاً: عليك أن تعلم أن هذه النعمة التي ربما تكون في عينك قليلة أنها عظيمةٌ عند الله، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً خرج من قريةٍ له يزور أخاً له في الله، فأرسل الله إليه في مدرجته وطريقه ملكاً، فقال له: إلى أين أنت ذاهب؟ قال: إني ذاهب إلى قرية كذا، قال: وما لك فيها؟ قال: لي فيها أخٌ في الله، قال: هل لك عليه من نعمةٍ تربها عليه؟ قال: لا.
إلا أنه أخي في الله أحببت أن أزوره، فقال: إني رسول الله إليك أن الله قد غفر إليك بممشاك إليه).
فإذا كانت محبة هذا الرجل لأخيه في الله كانت سبب مغفرة ذنوبه، فكيف بمن أحب العلم والعلماء؟ وكيف بمن خرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله، فتغرب عن أهله وولده وزوجه وحبه من أجل دروس علم، أو فوائد من العلم يجنيها فيسد ثغور الإسلام لنفع الأمة؟ فبخٍ بخٍ يا لها من تجارةٍ رابحة ويا لها من نعمةٍ سابغةٍ وافرة، ولكن من الذي يعرف قدرها؟ ومن الذي يشكر من أسداها وأولاها وهو الله رب العالمين الذي لا نحصي ثناءً عليه سبحانه وتعالى؟ فعلى طالب العلم أن يشكر هذه النعمة، وكما يشكرها بقلبه ولسانه يشكرها بالعمل، فيزيده شهود مجالس العلم من حبها، ويزيده من التعلق بها حتى تصبح سلوته، تتبدد بها أحزانه وتزول بها أشجانه، حتى يصبح حزنه إذا فارق مجالسها أو تأخر عن أنسها ولذتها وبهجتها، فيا لله! كم من طلاب علمٍ أتم الله عليهم نعمةَ العلم، فسلوا بالعلم عن هذه الدنيا الفانية، فأصبح العلم أكبر همهم وغاية رغبتهم وسؤلهم، فرفع الله درجاتهم، وقد قرن الله العلم بأشرف الأشياء وأحبها وأزكاها إليه سبحانه وهو الإيمان، وقرن جزاءه وفضله وعاقبته بالإيمان: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:11]، وهذا كله يدل على شرف هذه النعمة العظيمة، فاحمد الله حق حمده بالعمل، ويكون ذلك بمراجعة ما تعلمت، وضبط ما كتبت وقرأت وسمعت، حتى تكون بخير المنازل في هذا العلم، فإن الله يحب من طالب العلم أن يكون في أحسن المراتب والمنازل في ضبط العلم وتحصيله والأخذ به على الوجه الذي يرضي الله، قال الله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:12]، العلم يحتاج إلى قوة وهمة صادقة، يراجع فلا يسأم ولا يمل، ويحمد الله عز وجل أن الله شرفه حتى أصبح يراجع هذه المسائل، ويقرأ هذه الحكم والأحكام الشرعية بعد أن كان جاهلاً بها؛ فإن الله يقول لنبيه من فوق سبع سماوات: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:113]، قال بعض العلماء: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾، ذُكِرت بعد العلم، فالذي علمك الله إياه مما لم تكن تعلم فإنه الفضل العظيم، فعلى طالب العلم أن يراجع هذه المسائل.
والنقطة الأخيرة: أن يُظهر طالب العلم هذا العلم في سلوكه وأخلاقه وعمله، فيجمع بين العلم والعمل، فإذا جمع الله لعبده بين العلم والعمل كان من الصديقين، ومرتبة الصديقين بعد مرتبة النبيين: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:69].
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجعل مراتبنا مع الصديقين، اللهم ارفع منازلنا مع النبيين والشهداء والصالحين، اللهم اجعل ما تعلمناه وعلمناه خالصاً لوجهك الكريم وموجباً لرضوانك العظيم، نسألك علماً نافعاً وقلباً خاشعاً ودعاءً مسموعاً مستجاباً يا أرحم الراحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع -

باب الطلاق في الماضي والمستقبل [1]

الطلاق له أنواع وأقسام، ومن أنواعه ما يكون معلقاً على شيء معين، إما في الماضي أو المستقبل، وهذا مذكور في كتب الفقهاء.

ألفاظ

الطلاق في الماضي

والمستقبل بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: قال رحمه الله تعالى: [باب الطلاق في الماضي والمستقبل].
ذكرنا أن الفقهاء رحمهم الله ذكروا هذه الأبواب والمسائل والفصول والمباحث لوجود الحاجة، فإن الناس تختلف ألفاظهم بالطلاق، فمنهم من يلتزم اللفظ الشرعي الوارد ويتبع المسنون في طلاقه، ومنهم من يتلفظ بالطلاق على وجهٍ بدعي، ومنهم من يتلفظ بالطلاق بألفاظٍ يتأثر فيها بعرفه وبيئته، وعلى هذا لا بد من بيان هذه الأحكام والمسائل لحاجة الفقيه إليها إما للفتوى وإما للقضاء وإما للعلم والتعليم؛ ولذلك فصلوا هذه المسائل ورتبوا أبواب الفقه حتى يكون الفقيه على إلمام بأحوال الطلاق وصوره وألفاظ الناس فيه، فالأصل الشرعي يقتضي أن المسلم إذا تلفظ بالطلاق أنه يؤاخذ به، ونصوص الكتاب والسنة من حيث الأصل تُلزم المطلق بطلاقه، بل وجدنا الشرع يشدد في لفظ الطلاق حتى أمضاه على الهازل، كما ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثلاثٌ جدهن جدّ، وهزلهن جدّ: النكاح والطلاق والعتاق).
فأثبت عليه الصلاة والسلام أن جد الطلاق جد وأن هزله جد، وعلى هذا قال العلماء رحمهم الله: لفظ الطلاق خطيرٌ شرعاً، والمسلم يؤاخذ به من حيث الأصل العام، حتى أن الشرع التفت إلى ظاهره وأسقط الباطن كما في الهزل.
وعلى ذلك فالأصل يقتضي مؤاخذة الناس في ألفاظ الطلاق، إلا إذا قامت الأدلة على استثناء ألفاظ معينة وعدم مؤاخذة أهلها.
وفي بعض الأحيان يكون اللفظ دالاً على الطلاق دلالةً بينة بالأصل اللغوي والوضع اللغوي فلا إشكال فيه عند ذلك، وتارةً ينصرف عن ذلك بعرف، فيتلفظ الناس بألفاظٍ يعرف بالعرف أنها توجب التأثير في لفظ الطلاق.
وعلى هذا يحتاج الفقيه إلى معرفة الألفاظ التي يعتد بها وتؤثر، واللغة دالة على تأثيرها، والألفاظ التي يظهر أنها لغو وأن من تكلم بالطلاق ونطق بها لا يعتد لفظه ولا يكون طلاقه على الوجه الشرعي ألبتة.
وبناءً على ذلك نحتاج إلى مباحث الطلاق في المستقبل والماضي، فقد يكون الطلاق معلقاً على المستحيل كقوله: إن طرتِ في الهواء، وإن قلبتِ الماء سمناً، إن جعلتِ الحديد ذهباً ونحو ذلك من المستحيلات، كذلك تعليق الطلاق على الأفعال والصفات والأزمنة: إن جاء زيدٌ، إن جاء رمضان، إذا ذهبت إلى أبيك، إذا دخلت دار أبيك، إذا كلمت فلانة ونحو ذلك، كلها أمورٌ لا بد من بحثها فقد عمت بها البلوى، وكثرت منها الشكوى، ووقع فيها الناس على حسب اختلاف فئاتهم وأعرافهم.
وقد استفتح المصنف هذه المسائل بمسألة الطلاق في الماضي والمستقبل، فالمطلق إذا طلق ونجز طلاقه وقال لامرأته: أنت طالق، وسكت فهذا الأصل، وهي طالق، وقد بينا أن التعبير بهذا اللفظ مؤثر وموجبٌ لانحلال العصمة؛ لكن الإشكال إذا أسند الطلاق على وجهٍ مستحيل، فإنه حينئذٍ يكون كمن لم يطلق وكأن الطلاق لم يصادف وجهاً صحيحاً يمضي وينفذ به، فتارةً نصحح الطلاق في زمان إذا أسنده إلى زمان، وتارةً لا نصححه، فهو إذا طلق في الحال فلا إشكال، ولكن إذا قال لامرأته: أنت طالقٌ بالأمس، أنت طالقٌ أمس، فقد أسند الطلاق إلى الأمس، مع أنه في الأمس لم يطلق زوجته، كذلك: أنت طالقٌ قبل يومٍ، أنت طالق قبل أسبوع، أنت طالقٌ قبل شهرٍ، فهذا قد أسند فيه الطلاق على وجه لم يقع فيه الطلاق، ويكون كذباً؛ لأنه لما قال: أنت طالقٌ قبل شهرٍ، أنت طالقٌ قبل سنةٍ، وهي لم تطلق لا قبل شهرٍ ولا قبل سنةٍ ولا قبل ساعةٍ، كان حكاية كذبٍ، وهو اللغو الذي لا يعتد به.
لكن إن قال لها: أنت طالقٌ بعد يومين، أنت طالق إن جاء الغد، أنت طالق إن جاءت الجمعة، أنت طالقٌ إن مِتُّ، أنت طالقٌ إن مرضتُ ونحو ذلك، فقد أسنده إلى المستقبل.
فأصبح عندنا ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يسند الطلاق إلى الماضي.
والحالة الثانية: أن يسند الطلاق إلى الحاضر والحال.
والحالة الثالثة أن يسند الطلاق إلى المستقبل العاجل.
يقول رحمه الله: (باب الطلاق في الماضي والمستقبل) وسكت عن الحاضر؛ لأن الأصل أن الحاضر يمضي به الطلاق، فلا نبحث في شيءٍ حاضر، ولكن سنبحث في جانبين: إما طلاقٌ مسند لماضٍ وهو شيءٌ قد ذهب، وإما طلاق مسند إلى مستقبلٍ سيأتي.

الطلاق في الماضي

قال رحمه الله: [إذا قال: أنت طالق أمس أو قبل أن أنكحك ولم ينو وقوعه في الحال لم يقع].
قوله: (أنت طالقٌ أمس) أمسِ من الأسماء التي يلغزون فيها، يقولون: اسمٌ إذا عُرّف أصبح نكرة، وإذا نكّر صار معرفةً، فأمس هو الذي قبل اليوم، وإذا قلت: بالأمس، فإنه يستغرق الزمان الماضي، ويكون نكرةً عامةً لما مضى؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:24].
فقوله: أنت طالقٌ أمس، أو أنت طالق بالأمس، أسند الطلاق إلى ما قبل اليوم؛ فإن لم يكن قد طلق امرأته قبل يومه ولم ينو به الطلاق حالاً لم تطلق زوجته.
وعلى هذا يقولون: إذا قال لها: أنت طالقٌ أمس، فقد حكى كذباً، والكذب لغوٌ، والأصل أنها زوجته، والقاعدة الشرعية تقول: (الأصل بقاء ما كان على ما كان)، فالأصل كونها زوجةً له، ولا نرفع هذه العصمة إلا بدليلٍ، ولا دليل يدل على أنه قصد الطلاق أو أراد وقوعه.
قوله: (أو قبل أن أنكحك).
فلو قال رجل لزوجته: أنت طالقٌ قبل أن أنكحكِ، وكانت قد تزوجت رجلاً قبله، ثم طلقها ذلك الرجل، فإن كان يخبر أنها قد طلقت منه، فهذا صحيحٌ ولا يقع عليه طلاق؛ لأنه حكى شيئاً قد وقع، فتكون جملةً خبرية لا إنشائية.
قوله: (ولم ينو وقوعه في الحال لم يقع).
أي: لم يقع الطلاق، فإن نوى وقوعه وقع.
قال رحمه الله: [وإن أراد بطلاق سبق منه أو من زيد وأمكن قُبِل].
مثل ما ذكرنا: أنت طالقٌ بالأمس، وقصد أنها طلقت من بعلها الأول صح ذلك؛ لأنه ممكن.

حكم طلاق من مات أو جن ولم يعرف مراده بلفظ الطلاق

قال المصنف رحمه الله: [فإن مات أو جن أو خرس قبل بيان مراده لم تطلق].
ذكرنا أن العلماء رحمهم الله -وهذا من دقة الفقهاء الأولين وهي سمة من السمات العظيمة التي امتاز بها الفقه الإسلامي- كانوا لا يعطون الفتوى والحكم مجرداً عن الأثر، أي: حينما يقولون لك: إذا نوى فالحكم كذا، وإذا لم ينو فالحكم كذا، يعني: إذا أعطاك شيئاً يختلف بحسب النية؛ فإنك تعرف أن الحكم إذا نوى وقع، وإذا لم ينو لم يقع، فيرد

السؤال

إذا توفي أو جُنّ أو خرف أو أصابته عاهة ولم نستطع أن نعرف نيته، فهذا سؤالٌ وارد ومحتمل عقلاً؛ ولذلك نجد أن فرضيات الفقه في الفقه الإسلامي لم تأت من عبث ولا جاءت من فراغ.
فهذه الكتب كانت تؤلف وتكتب في أزمنة فيها جهابذة العلماء، أزمنة ما كان يخط رجلٌ في قرطاسه ولا يخط بقلمه إلا وقد عرض عقله على أئمة ودواوين العلم، فإما أن يكون بُهجةً للناظرين، وإما أن يكون في أسفل السافلين فلا يعتد به، فهذه الكتب حينما تجد فيها الفرضيات ما جاءت من فراغ، نعم قد يوجد التكلف في بعضها؛ لكن نحن نتكلم عن شيء له حاجة وشيء متصل بالأصل، فإذا تقرر أن الأصل الشرعي يفرق بين من نوى ومن لم ينو، ورسول الأمة عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الصحيح: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى)، ففرق بين من نوى ومن لم ينو، فإذا جئت تقول: إن نوى وقع وإن لم ينو لم يقع؛ فإن الفرض العقلي يستلزم أن تبين؛ لأن الشريعة كاملة، ولا بد أن يأتيك شخص ويقول لك: والدي قال كذا، ونسينا ونسي أن يسأل ثم توفي، هل نحكم بأنه مات وزوجته في عصمته، أم أن والدتنا مطلقة؟ فهذا كله يحتاج إلى بيان، فالفرضيات ما جاءت من فراغ، وما كان أهل العلم ودواوين العلم ليضيعوا أوقاتهم وأعمارهم، وما كان أئمة الإسلام الذين عُرِفوا بالنصح لأتباعهم ومن أراد قراءة كتبهم ورضيهم حجةً بينهم وبين الله أن يضيعوا أعمارهم بالفرضيات عبثاً، فلم توضع هذه الفرضيات إلا بترتيب مبني على الأصول الشرعية، وهذا ينبغي أن يوضع في الحسبان.
فلا يعرف قدر هؤلاء العلماء إلا من بُلي بالفتاوى، ومن وقف أمام المعضلات والمشكلات في القضاء يعرف عندها هذه النوازل والفرضيات، والله يعلم كم من مسائل نزلت على المفتي في ظلمة الليل وضياء النهار، فحار فيها عقله والتبس عليه أمره، حتى وجد فرضية من إمام متقدم، فأصبح يترحم عليه كلما ذكر أمره؛ لأنه وقع في كرب لا يعلمه إلا الله، فما زالت عنه كربته إلا بفضل الله وفي تلك الساعة الموفقة التي وجد فيها هذه المسألة العجيبة، حتى تجد بعضهم يقول: إنها مسألة تُعمل لها المطي، أي: إنها مسألة مشكلة، فلما يجدها الإنسان في وقتها وعند الحاجة إليها يحس بفضل العلماء، ويحس أنهم فعلاً قصدوا النصيحة لهذه الأمة.
فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجزيهم عنّا وعن الإسلام والمسلمين خير ما جزى عالماً عن علم، وأن يسبغ عليهم شآبيب الرحمات، وأن يجعلهم في أعالي الدرجات، وأن يجمعنا بهم في نعيم الجنات.
المقصود من هذا التنبيه: أن المصنف رحمه الله قال: إن قال: أنت طالق بالأمس، ونوى وقع حالاً، ومفهومه أنه إذا لم ينو لم يقع وصرح بذلك المفهوم، وعليه يرد السؤال: إذا مات أو جُنّ قبل بيان مراده -ولا يُلتفت إلى مسألة الموت أو الجنون؛ لأنها أمثلة تذكر لأصل التعذر، وهو تعذر الاستبيان، فليست العبرة بالأمثلة، بل المهم أن تفهم الأصل؛ ولذلك لما تفهم الأصل يسهل عليك الاستحضار، وتكون عندك الملكة الفقهية- وقال هذا الكلام المحتمل الذي يختلط فيه الحكم بين الظاهر والباطن، وجب حينئذٍ أن ننظر إلى نيته، ولا يمكننا أن نطلع عليها إلا إذا عبر الإنسان عن مكنون نيته وخفي قلبه، وربما تعذر أن نعرف منه ذلك، إما أن يتعذر بموتٍ أو يتعذر بفقد النطق وعدم القدرة على الكتابة وعدم وجود الإشارة المفهمة، أو يتعذر بجنون، فالمجنون لا يستطيع أن يعبر عن مكنون نفسه، والميت لا نستطيع أن نسأله ويجيب، وكذلك أيضاً بالنسبة لمن خرس لسانه وهو لا يعرف الكتابة، ولا يستطيع أن يتكلم أو يشير إشارة مفهمة، فهذه أمثلة على الاستعجام وعدم إمكان الاستبيان.
قوله: (فإن مات) مثل: رجل جاء ورثته فقالوا: والدنا قال لأمنا: أنتِ طالقٌ بالأمس، ثم توفي ولم نجد من نسأله، ومضى على هذا الكلام سنة فهل من الممكن أن تخرج المرأة من عصمته، ونحكم بكونها قد طلقت ولا إرث لها، أو نحكم بكونها زوجة وهذا الكلام غير مؤثر؟ فبيّن رحمه الله قاعدة تقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، ومعنى ذلك: أن الأصل أنها زوجته وشككنا في طلاقها، فنبقى على الأصل من أنه لم ينو الطلاق حالاً؛ لأنه أسنده إلى الأمس، وقوة اللفظ بالأمس توجب عدم وقوع الطلاق، فلا نحكم بكونها مطلقةً، والسيوطي في الأشباه والنظائر، ومثله ابن نجيم وعلماء القواعد الفقهية ذكروا في كتبهم أن من تفريعات قاعدة: (الأصل بقاء ما كان على ما كان): استصحاب الزوجية إذا ترددت نيّة الطلاق بين أن يكون نوى الطلاق أو لم ينو، فنقول الأصل: أنه لم ينو، وعلى هذا لا تطلق عليه زوجته.

أحكام الطلاق في الماضي

وخلاصة الكلام: أن الزوج إذا أسند الطلاق إلى الماضي على وجه لا يمكن تأويل وقوع الطلاق به؛ فإنه لا يقع الطلاق، فإذا قال لزوجته اليوم: أنتِ طالق أمس، فإنه إذا لم يقصد إيقاعه حالاً وقصد إسناد الطلاق إلى ظرف الأمس، فإن الأمس قد ذهب، وحينئذٍ كأن الطلاق حينما تلفظ به الزوج لم يصادف محلاً يتعلق به، وعليه: فلا ينفذ هذا الطلاق، وبينا وجه ذلك وشرحناه، وقلنا: إذا قال في هذه الحالة أنتِ طالق قبل أن أنكحكِ، وأنتِ طالق بالأمس، أو أنتِ طالق أمس، أنه إذا قصد حكاية طلاق كان قد وقع على المرأة بقوله: قبل أن أنكحكِ؛ صُرِف إليه، كأن يكون تزوجها رجل من قبل وطلقها، ثم نكحها هذا الرجل أو هذا الزوج فقال: قصدت بقولي: (أنتِ طالق) قبل أن أنكحكِ، أي: من زوجكِ الأول، فلا ينفذ عليه الطلاق؛ لأنه لم يطلق حقيقةً، وإنما حكى طلاق الغير، والحاكي لطلاق غيره لا يُلْزم بالطلاق.
قوله رحمه الله: [ولم ينوِ وقوعه في الحال] لو قال رجل لامرأته: أنتِ طالق أمس، ونوى أنها تطلق عليه بهذا اللفظ حالاً؛ وقع الطلاق، وكذلك لو قال: أنتِ طالق، ثم قال: قبل أن أنكحكِ، من باب التهرب من الطلاق، وكان قد نوى بقوله أولاً: (أنتِ طالق) إيقاعَ الطلاق، وقع الطلاق.
قوله: (وإن أراد بطلاق سبق منه أو من زيد وأمكن قُبِل) كأن يكون طلق امرأته طلقة ثم راجعها بعد الطلقة، ويوماً من الأيام بعد رجعته لها قال: أنتِ طالق بالأمس، وذكرنا أن (أمس) إذا عُرفت صارت نكرة، وإذا جاءت نكرة صارت معرفة، قال تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:24] فهو إذا قال لها: أنتِ طالق بالأمس، وقصد أنها طلقت منه طلقةً، فإنه يكون حاكياً لهذه الطلقة ولا تطلق عليه.
وذكرنا أن العلماء رحمهم الله يذكرون الحكم ولربما يفصلون فيه، وهذا التفصيل قد يختلف بحسب اختلاف نية المتلفظ بالطلاق، فنحتاج أن نسأل المطلق: ما الذي قصدت؟ هل قولك: أنتِ طالق بالأمس قصدت به إيقاع الطلاق حالاً؟ قال: لا، قصدت بالأمس أنها طلقت مني طلقة قبل هذا الكلام، فإن أمكن ذلك حملناه عليه، فإذا نوى حكاية طلاق منه أو من غيره لم يقع الطلاق؛ لأن حكاية الطلاق ليس بطلاق، ولذلك قالوا: حكاية الكفر ليست بكفر، فعلى هذا قالوا: إذا حكى الطلاق عن غيره أنه طلقها، أو حكى طلاقاً سابقاً منه؛ فقد تحققنا أنه لا يريد تطليقها، لكن المشكلة إذا قال لها: أنتِ طالق بالأمس ولم يفصح عن نيته، فقال رحمه الله: (فإن مات أو جن أو خرس ... ) بحيث لا نستطيع أن نعلم منه ما هي نيته، ولا نستطيع أن نسأله.
وذكرنا من أمثلة هذه المسألة: رجل قال لامرأته: أنتِ طالق بالأمس، ثم توفي هذا الرجل وجاء ورثته يسألون، فهل في هذه الحالة نحكم بكونها زوجة؛ لأن الأصل بقاء الزوجية وشككنا في طلاقه؛ لأن هذا اللفظ الذي ذكره يحتمل أنه نوى إيقاع الطلاق، فتكون زوجته قد طلقت عليه، ولربما كانت أجنبية منه إن كانت الطلقة ثالثة، فتوفي وهي ليست في عصمته، ولربما حكى طلاقاً سابقاً منه أو من رجل كانت تحته قبل زواجها منه فلا يقع به الطلاق؟ فإذاً معنى ذلك: أن الميت الذي تلفظ بهذا اللفظ نحن مفتقرون إلى معرفة نيته، حتى نوقع عليه الطلاق أو لا نوقعه، فإن كان حاكياً للطلاق فلا نوقعه، وإن كان ناوياً للطلاق حالاً فنوقعه، ولربما خرجت من عصمته كأن تكون الطلقة الأخيرة، فإذاً: ليس عندنا ما يميز الحال.
وذكر رحمه الله أن هذا اللفظ إن أمكن فيه التمييز تميز بحسب ما يميزه، وإن لم يمكن فيه التمييز -وهي القسمة العقلية- قال: الأصل بقاء النكاح، ولا نحكم بوقوع الطلاق؛ لأننا عندنا احتمال أن يكون حاكياً للطلاق، والقاعدة: (أن الأصل بقاء ما كان على ما كان)، وخذ هذه القاعدة: أنه متى شككنا في وقوع الطلاق وعدم وقوعه؛ فإننا نستصحب بقاء الزوجية، ولا نحكم بكون المرأة مطلقة، ومتى شككنا هل اللفظ يقتضي الطلاق أو لا يقتضيه، وهل نوى أو لم ينو؛ فالأصل أنها زوجته حتى نتحقق من نيته على وجه يوجب حل العصمة بالطلاق؛ لأن القاعدة: (أن الأصل بقاء ما كان على ما كان) وهذه القاعدة هي في الحقيقة مفرعة على القاعدة التي سبق وأن ذكرناها: (اليقين لا يزال بالشك) فنحن على يقين أنها زوجته، وعلى يقين أن هذه الزوجية باقية ما لم نتيقن أنه طلقها وخرجت عن عصمته، فحينئذٍ نقول: هذه زوجته، ونقول لورثته: لا نجزم بكون هذا اللفظ موجباً للطلاق حتى نتحقق أنه نواه، ولا يمكن التحقق، فنبقى على الأصل.
قوله: (أو جن) وهكذا إذا جن، قلنا: مسألة: مات أو جن أو خرس ليست هي المهمة، المهم أن تأتي بشيء يمنع من معرفة الحقيقة، فهو إذا مات لا يمكن أن تسأله، وإذا جن لا يمكن أن تثق بكلامه، وإذا خرس لا يستطيع أن يتكلم إلا إذا كان ثم إشارة مفهمة أو كتابة مستبينة.
قوله: (قبل بيان مراده لم تطلق) وذلك كما ذكرناه.
وخلاصة ما ذكرنا في قوله: (أنتِ طالق بالأمس) أن هذا اللفظ يأتي على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: إما أن يقصد إيقاع الطلاق في الحال، وكلمة (أمس) تعتبر لغواً، والعبرة بقوله: أنتِ طالق.
الوجه الثاني: أن ينوي حكاية أمر سابق، فلا إشكال أنه بحسب ما يحكيه.
الوجه الثالث: أن لا يستبين لنا الأمر، فنبقى على العصمة والأصل.
وذكرنا أنه لو قال لها: (أنتِ طالق أمس) ولم يقصد إيقاع الطلاق حالاً، ولم يحك طلاقاً سابقاً، وقصد أن الطلاق وقع بالأمس فلا يقع؛ لأن الطلاق جاء بلفظ لا يمكن أن يقع عليه، لأن الأمس قد ذهب وهو يقول: أنتِ طالق أمس، وأمس ما وقع فيه طلاق، قالوا: فصار كلامه كذباً، والكذب لغو لا ينبني عليه حكم شرعي، فيكون هذا من اللغو.
ما لم يقصد به الطلاق حالاً، لكن يرد هنا إشكال: أن الرجل لو قال: أنتِ طالق بالأمس، ونوى أنها طالق حالاً فكيف يقع هذا؟ تقول: يكون قوله: أنتِ طالق، نوى به الطلاق فطلقت، ويكون قوله: بالأمس، لغواً لا تأثير له، كرجل يقول لامرأته: أنتِ طالق، ثم يسكت على وجه لا يمكن فيه الاستثناء ثم يستثني، فإن قوله: أنتِ طالق، وسكوته بعد قوله: أنتِ طالق، فهمنا منه أنه قصد إيقاع الطلاق، فكان ما بعده من الاستثناء والقيد لا يؤثر.

أحكام الطلاق في المستقبل

نخرج من قضية الطلاق في الماضي، وسندخل في مسألة المستقبل، والطلاق في المستقبل فيه تفصيل ويحتاج إلى شيء من التركيز.
قال المصنف رحمه الله: [إن قال: طالق ثلاثاً].
ما قال: (أنتِ طالق) وسكت؛ لأن الحكم يختلف من الطلقة الرجعية والطلقة البائنة، فهذه المسألة إذا قال لها: أنتِ طالق قبل قدوم زيد، في شيء لا يعلم إلا بالمستقبل، قبل قدوم زيد بيوم، قبل قدوم زيد بأسبوع، قبل قدوم زيد بشهر، في بعض الأحيان تنتقل هذه المسألة إلى حكم الطلاق في الماضي مع أنه أضافها إلى الشهر، فهو إذا قال لها: أنتِ طالق ثلاثاً قبل قدوم زيد بشهر، ننظر الوقت الذي تلفظ فيه بهذه الكلمة، فإذا كان أول يوم من محرم قال لها: أنتِ طالق قبل قدوم زيد بشهر، وزيد غائب ومسافر، وقدم زيد أثناء شهر محرم، فمعنى ذلك: أن الشهر لم يتم، فكأنه أسند الطلاق للأمس، مثل مسألتنا التي تقدمت، فحينئذٍ إذا بت الطلاق في الحال وقال لها: طلقتكِ قبل قدوم زيد بشهر، فالواقع أنه قبل قدوم زيد بشهر لم يقع طلاقاً فصار كذباً ولغواً.
وبناءً على هذا: إذا قال لها: أنتِ طالق ثلاثاً قبل قدوم زيد بشهر، قبل قدوم والدي بشهر، ولم يمض الشهر صار لغواً وصار غير مؤثر ولا موجباً للطلاق، لكن لو أن زيداً قدم بعد شهر من كلامه الذي قاله، فإنه يلزمنا عدة أمور: أولاً: لابد في هذه المسألة أن تضبط الوقت الذي تلفظ فيه بالطلاق المعلق، وثانياً: تضبط الوقت الذي يقدم فيه زيد الذي علق الطلاق على قدومه، ثم تنظر في المدة بينهما، فإن وافقت ما علق الطلاق عليه من الأمد وقع الطلاق، وإن كان الوقت أقل لم يقع الطلاق، كما ذكرنا، فهو إذا قال لها: أنتِ طالق قبل قدوم زيد بشهر، إما أن يقدم زيد قبل تمام الشهر من هذا الكلام، فيكون لغواً ولا يقع، كقوله: أنتِ طالق بالأمس، وإما أن يقدم زيد بعد شهر من هذه الكلمة، فحينئذٍ تكون قد طلقت بمجرد قوله: أنتِ طالق قبل قدوم زيد بشهر، فيكون قد أسند الطلاق لوقته، فلو أنه قال هذه الكلمة في واحد محرم، وقدم زيد في الثاني من صفر؛ فإنها قد طلقت عليه في أول محرم؛ لأن قدوم زيد كان في الثاني من صفر، ولفظه بالطلاق استغرق وقتاً يمكن تعلق الطلاق به فتطلق، وليست هذه المسألة هي التي تعنينا، بل الذي سيأتي، والآن فقط اضبطوا المسألة، والذي سيأتي لا يمكن أن يفهم إلا بفهم هذه المسألة.

صور الطلاق في المستقبل

قوله: (إذا قال: طالق ثلاثاً قبل قدوم زيد بشهر) والأمر لا يتوقف على الشهر، ممكن أن يقول لها: بشهر، بأسبوع، بسنة، بيوم، والمهم أن يحدد مدة من الزمان، فعبر بالشهر حتى تتضح الصورة، فإن قال لها: أنتِ طالق قبل قدوم زيد بشهر، لا يخلو قدوم زيد بعد هذه الكلمة من الصور التالية: الصورة الأولى: أن يقدم قبل أن يتم شهر من هذا القول فلا يقع الطلاق؛ لأننا تبينا أنه لغو ولم يصادف الزمان.
ثانياً: أن يقدم زيد بعد شهر تام، بحيث لا يكون هناك وقت لمضي الطلاق ووقوعه.
ثالثاً: أن يقدم زيد بعد شهر ووقت يسير يمكن أن يقع فيه الطلاق، فأصبحت القسمة العقلية تقتضي ثلاث صور: إما أن يقدم زيد والمدة لم تتم، فتبينا أنه لغو ولا يؤثر، وإما أن يقدم زيد والمدة قد تمت، لكن ليس هناك زيادة في الوقت يمكن أن يقع فيها الطلاق، فهي في حكم ما لم تتم المدة، مثلاً: لو قال لها في الساعة الثانية ظهراً من أول محرم: أنتِ طالق قبل قدوم زيد بشهر، وجاء زيد في الساعة الثانية في نفس اليوم الذي يتم به شهر كامل، بحيث دخل في نفس الوقت -والمراد فقط ضبط الضابط- ولذلك يقول المصنف: (ومضى وقت يمكن فيه الطلاق) فأنت إذا عرفت هذه المسألة ربما يأتيك مثلها في مواضع تحتاجها، كالبيع والرهن، فتقول: يمضي الشهر وتمضي مدة يمكن أن يقع فيها الطلاق، فإن مضى الشهر ولم تمض المدة التي يمكن في مثلها وقوع الطلاق فقد تبينا أن الطلاق لم يقع، فصارت في حكم ما لم تتم المدة، فعندنا صورتان من الثلاث لا يقع فيها الطلاق: الصورة الأولى: ألا تتم مدة الشهر.
الصورة الثانية: أن تتم ولا يمضي قدر من الزمان يمكن فيه الطلاق، يعني: ممكن شخص يعلم بهذا ويقول: أنت قلت: أنتِ طالق قبل قدوم زيد بشهر، وجاء زيد على نفس الوقت الذي يتم به الشهر من فيه تلفظ، ممكن أن يقع هذا، فلو سألك على هذا الوجه تقول: لم تأت مدة يمكن أن يقع فيها الطلاق، وهي التي يسمونها مدة الإمكان، فعندنا المدة التي علق عليها الطلاق، وعندنا مدة إمكان الطلاق، فلابد من وجود المدتين، المدة الأولى: مدة الشهر كاملاً، والمدة الثانية: مدة الإمكان وزمن الإمكان.
أما الصورة الثالثة: أن يمضي الشهر وزيادة على وجه يمكن فيه وقوع الطلاق، فلو قال لها: أنتِ طالق قبل قدوم زيد بشهر في أول محرم، وقدم زيد في أول -مثلاً- ربيع، فحينئذٍ يكون طلاقها في أول صفر؛ لأن الذي قبل ربيع الأول صفر، فتقول: تكون طالقاً من أول صفر؛ لأنه قال: أنتِ طالق قبل قدوم زيد بشهر، ولو قال لها في أول محرم: أنتِ طالق قبل قدوم زيد بشهر، وقدم زيد في أول رمضان، فإنها تطلق في أول شعبان، وتحتسب عدتها من أول شعبان، وتسري الأحكام عليها من أول شعبان.
فعرفنا أن الصورتين الأوليين لا يقع فيها طلاق، فالصورة الأولى: إذا لم تمض المدة، وتكون في حكم قوله: أنتِ طالق بالأمس، والصورة الثانية: أن تمضي المدة وليس هناك زمن إمكان الوقوع، وأما الصورة التي يقع فيها الطلاق فهي إذا مضت مدة الشهر مع زمان الإمكان.
قال رحمه الله: [وإن قال: طالق ثلاثاً قبل قدوم زيد بشهر، فقدم قبل مضيه، لم تطلق] فقوله: (قدم قبل مضيه لم تطلق) لماذا؟ لأنه مثل قوله: أنتِ طالق بالأمس؛ لأنه إذا قدم، قال لها: أنتِ طالق قبل قدوم زيد بشهر في أول محرم، وقدم زيد في الخامس عشر من محرم، فقد أسند الطلاق إلى الخامس عشر من ذي الحجة، والخامس عشر من ذي الحجة لم يقع فيه طلاق، فحكى كذباً فصار لغواً، مثل قوله: أنتِ طالق بالأمس، إذا لم يقصد به الطلاق.
قال رحمه الله: [وبعد شهر وجزء تطلق فيه يقع] فقوله: (وبعد شهر) هذا الشرط الأول (وجزء) هو الذي قلنا: قدر الإمكان، (وجزء) تستطيع أن تقول: أي: قدر من الزمان يمكن أن يقع فيه الطلاق ولو دقيقة أو نصف دقيقة الذي هو زمن الإمكان للتلفظ بالطلاق ووقوعه.

حكم دخول الخلع على الطلاق في المستقبل

قال المصنف رحمه الله: [فإن خالعها بعد اليمين] وهنا مسألة جديدة: إذا قال لزوجته: أنتِ طالق -بالصورة التي ذكرناها- وخالعها بعد يوم، أو خالعها بعد ساعة، أو خالعها بعد أسبوع، فخالعته المرأة فافتدت ولم تقصد من ذلك الهروب من الطلاق، وهذه المسألة التي سنبحثها مبنية على المسألة التي كنا فيها، لكن قبل أن ندخل فيها نحتاج إلى تنبيه مهم، المصنف رحمه الله قال: (وإن قال: طالق ثلاثاً) ما قال: أنتِ طالق، وعبر بالثلاث على قول جماهير السلف من أن الثلاث ثلاث، وأنها توجب البينونة الكبرى، واختار المصنف ما يوجب البينونة الكبرى؛ لأنه سيتكلم عن الخلع، فمهد بالتطليق ثلاثاً، وإلا لو قال لها: أنتِ طالق طلقة قبل قدوم زيد، فالحكم أنها تقع طلقة واحدة إذا مضى الشهر، ولا يختلف الحكم من واحدة إلى ثلاث، وهذا التنبيه ينبغي أن ينتبه له طالب العلم، فالسبب الذي دعاه -رحمه الله برحمته الواسعة- أن يختار الثلاث: أن الخلع مع الطلاق بالثلاث لا يجتمعان ولا يصح إلا أحدهما؛ لأنك لو أوقعت الطلاق رجعياً ووقع الخلع بعده صح؛ لأن الخلع يصح في حال الطلاق الرجعي ما دام أنها في العدة، فالرجعية تخالع؛ لأن الزوج يمتلك رجعتها.
ففهمنا أولاً: متى يقع الطلاق إن علقه على زمنٍ في المستقبل، وبينا الصورتين اللتين لا يقع فيهما الطلاق، والصورة التي يقع فيها الطلاق، الآن وسيدخل المصنف في المسألة التي قلنا: إنها تحتاج إلى ضبط.
قوله: (فإن خالعها بعد اليمين بيوم، وقدم بعد شهر ويومين؛ صح الخلع وبطل الطلاق) أولاً: لفظُه بالطلاق متى وقع؟ فتضع تاريخاً للفظ الطلاق، هذا أول شيء، ثانياً: تضع تاريخاً للخلع، مثلاً: عندنا لفظ الطلاق وقع في أول محرم، ولفظ الخلع أو المخالعة وقع في الثاني من محرم.
ثالثاً: قدوم زيد.
إذا عندنا ثلاثة أشياء: أولاً: لفظه بالطلاق وتعليقه للطلاق على قدوم زيد، وثانياً: الخلع وزمانه متى وقع؟ وثالثاً: قدوم زيد، هذه الثلاث يعني: لابد من تركيب المسألة عليها، فلنجعل لفظه بالطلاق على هذا الوجه في أول محرم، قال لها في أول محرم: أنتِ طالق ثلاثاً قبل قدوم زيد بشهر، قررنا في المسألة الماضية أنه لا يقع الطلاق إلا إذا مضى شهر وقدر يسمونه: قدر الإمكان لوقوع الطلاق، فعلى الأصل الذي قررناه إذا كان قال لها في واحد محرم فإنها تطلق إذا جاء واحد صفر، لكن هنا مشكلة، عندك طلاق بالثلاث وعندك خلع، إن صححت الطلاق من واحد محرم؛ فقد بانت؛ وجاء الخلع وهي أجنبية، ولماذا ذكر مسألة الخلع؟ لأن الخلع تدفع المرأة بسببه مالاً، ترد المهر، فأنت إذا صححت الطلاق وأبطلت الخلع؛ وجب رد المال إلى المرأة وإبطال الخلع، وإن أبطلت الطلاق والمرأة في عصمة الرجل منذ التلفظ، أو كان القدوم بعد الخلع بمدة تستغرق الشرط؛ فحينئذٍ تصحح الخلع ويأتي الطلاق لأجنبية.
وحتى نفهم كل الكلام الذي سيأتي نقول: إما أن تقدم تصحيح الطلاق وتبطل الخلع، وإما أن تبطل الطلاق وتصحح الخلع، وعلى هذا نحتاج إلى صورة نقول فيها: إن الطلاق وقع، وصورة نقول: الخلع وقع، فإن قلنا: الطلاق وقع؛ بطل الخلع، وإن قلنا: الخلع وقع؛ بطل الطلاق.
فلنبدأ الآن، قال لها: أنتِ طالق قبل قدوم زيد بشهر، ووقع هذا الكلام في بداية محرم، فإن قدم زيد في أول صفر، وتم الشهر، وتمت مدة الإمكان من اللفظ الذي تلفظ به، فقدم في أول صفر مع مضي مدة من الزمان للوقوع، مثلاً تلفظ بهذا اللفظ في أول محرم في الساعة الثانية ظهراً، وقدم زيد في أول صفر في الساعة الثالثة ظهراً، فما يكون الحكم؟ تقدر زماناً قبل قدوم زيد وهو الشهر، وتقول: تبينا بقدوم زيد أن الطلاق قد وقع؛ لأنه قال: قبل قدوم زيد بشهر، فقد تحقق عندنا أنه في الساعة الثانية وزيادة من أول محرم طلقت المرأة بالثلاث، والخلع وقع في اليوم الثاني من محرم، فهو خلع لأجنبية، فيحكم القاضي برد المهر إلى المرأة، وتصحيح الطلاق، وأنها طلقت عليه من أول يوم من محرم، فيكون الخلع في هذه الحالة وقع بعد وقوع الطلاق بالثلاث، وهذا الذي جعل المصنف يقول: (أنتِ طالق ثلاثاً) لأنه لو قال لها: أنتِ طالق طلقة، فحينئذٍ هي في العصمة والخلع لا يتأثر، فهذا وجه اختيار الثلاث.
لكن كيف يمكن لنا أن نصحح الخلع ونبطل الطلاق؟ تأتي بمدة بعد الخلع بشهر وزمن الإمكان؛ لأنك إذا جئت بشهر كامل بعد الخلع فمعناه أن الطلاق وقع بعد الخلع، فيكون قدوم زيد في الثالث من صفر، فإذا قدم زيد في الثالث من صفر فمعناه أن الطلاق وقع في الثالث من محرم، والخلع وقع في الثاني، إذاً: سبق الخلع الطلاق، فصار الخلع موجباً لطلقة بائنة، وصارت المرأة بالخلع أجنبية، فجاء الطلاق بالثلاث أو بواحدة لأجنبية فلا يقع، فلو عقد عليها في هذه الصورة رجع لها بطلقتين على أن الخلع طلقة، ولا تبين منه.
فإذا أردنا أن نوقع الطلاق ونلغي الخلع، فينبغي أن نجعل المدة التي بين الطلاق وبين قدوم زيد هي المدة المشروطة، بحيث يكون الخلع قد صادف امرأة أجنبية قد بانت بالثلاث، ومثال ذلك: أن تقول: قال لها: أنتِ طالق ثلاثاً قبل قدوم زيد بشهر، وكان قوله هذا في نصف الظهيرة من اليوم الأول من محرم، وقدم زيد بعد نصف الظهيرة من أول صفر، فنقول: وقع الخلع في الثاني من محرم لأجنبية، فنصحح الطلاق ونلغي الخلع، ويحكم القاضي ويقول: ثبت عندي طلاق فلانة من زوجها، وأنها بانت منه في اليوم الأول من محرم في كذا، وأن الخلع الذي خالعت به المرأة خالعت من رجل أجنبي، فلا يستحق المهر، ويجب عليه رد ما أخذ منها، هذا بالنسبة للحالة الأولى، حيث صححنا الطلاق وأبطلنا الخلع.
إن أردنا العكس؛ يقول لها: أنتِ طالق ثلاثاً قبل قدوم زيد بشهر، وتمضي مدة الشهر بعد الخلع لا بعد الطلاق، فإذا مضت مدة الشهر وزيادة بعد الخلع فقد تحققنا أن الخلع قد سبق الطلاق، فوقع الخلع من امرأة في العصمة فبانت بذلك الخلع، وأنتم تعلمون كما تقدم معنا في الخلع أن الخلع طلقة بائنة، وتصبح كالأجنبية وبينا دليل ذلك، فإذا كانت قد بانت منه وصارت أجنبية؛ فإنه قد وقع التطليق بالثلاث لأجنبية؛ فصار من اللغو ولا تأثير له.
(فإن خالعها بعد اليمين بيوم وقدم بعد شهر ويومين صح الخلع وبطل الطلاق) قوله: (وقدم بعد شهر ويومين) والخلع وقع بعد الطلاق بيوم، فاحتاط المصنف باليومين حتى يكون وقوع الطلاق بعد وقوع الخلع، وإذا وقع الطلاق بعد الخلع صار لغواً، فالمسألة مثلما ذكرنا، والمهم أن تفهم الضابط، وممكن يقول لها: أنتِ طالق قبل قدوم زيد بيوم، -نفس التفصيل- ثم خالعها بعد ساعة، فإن كان التلفظ بالطلاق في الساعة الثانية عشر ظهراً قال لها هذا الكلام، وقدم زيد في الثانية عشر ظهراً من اليوم الثاني وزيادة قدر الإمكان الذي هو دقيقة أو نصف دقيقة للفظ الطلاق فإنه يقع الطلاق، فإن كان كذلك وكان الخلع في الواحدة ظهراً، فالخلع لم يصادف محلاً فيبطل، وإن كان قد قدم زيد بعد الواحدة ظهراً فقد صادف الخلع امرأة في العصمة فصح ووقع طلاقها بعد الخلع؛ لأن الخلع وقع في الواحدة ظهراً، فبعد الواحدة ظهراً إذا وقع الطلاق فإنه قد وقع على أجنبية فلم يؤثر.
وهكذا الأسبوع لو قال لها: أنتِ طالق قبل قدوم زيد بجمعة، أو قبل قدوم زيد بأسبوع، وقصد السبعة الأيام، فننظر إن كان قد تلفظ بالكلمة في السبت فنحتسبه أسبوعاً ونعتد في السبت بأجزاء اليوم من الساعات واللحظات، ونقدر زماناً لإيقاع الطلاق، فإن لم يتسع الزمان للخلع؛ فحينئذٍ نحكم بصحة الطلاق وبطلان الخلع، أو نحكم بصحة الخلع وبطلان الطلاق إن كان العكس.
قوله: (وعكسها بعد شهر وساعة) حينئذٍ تصحح الطلاق وتبطل الخلع، فإما أن تصحح الخلع وتبطل الطلاق، وإما أن تصحح الطلاق وتبطل الخلع، كما ذكرنا.

حكم تعليق الطلاق بالموت

قال رحمه الله: [وإن قال: (طالق قبل موتي) طلقت في الحال] متى تطلق؟ تطلق حالاً؛ لأنه أسند الطلاق بما يمكن في أي لحظة بعد تلفظه بالطلاق، فكل لحظة بعد تلفظه بالطلاق هي موته فصح لإيقاع الطلاق، فحينئذٍ تسند إلى أقرب لحظة؛ لأنه قد طلقها بهذا الوصف، فتطلق عليه مباشرة، فلو قال لها: أنتِ طالق قبل موتي، ومات من ساعته، فلم يوجد زمن لإمكان الطلاق، فحينئذٍ لا تطلق، لكن إذا مضى زمن الإمكان فبعده مباشرة تطلق حالاً، فمثلاً: قال لزوجته: أنتِ طالق قبل موتي، فأصابته سكتة من الفجعة أو من فراقها مثلاً، فحينئذٍ نقول: هذا اللفظ لم يصادف وقتاً للإمكان فلا تطلق.
قال رحمه الله: [وعكسه معه أو بعده] أن يقول: أنتِ طالق مع موتي، أو أنتِ طالق بعد موتي، فلا يقع الطلاق حالاً وإنما ينتظر، فإن قيل: إن الموت يوجب انحلال العصمة؛ فبعد موته صارت أجنبية فلا طلاق، ويثبت إرثها بموته، فحينئذٍ لا إشكال، أو يقال: إنه لا يوجب انحلال العصمة، وتسري الأحكام، فيتفرع عليه ما ذكرناه.

تعليق الطلاق على مستحيل

قال رحمه الله تعالى: [فصل: وإن قال: أنتِ طالق إن طرتِ أو صعدت السماء أو قلبتِ الحجر ذهباً ونحوه من المستحيل؛ لم تطلق] ذكرنا غير مرة أن الفقهاء -رحمهم الله- ذكروا أمثلة والمقصود منها تقرير القواعد، وأن المهم لطالب العلم أن يعرف الضوابط والقواعد والأصول التي يمكن من خلالها ضبط المسائل، وقد يعبر بمسألة في باب الطلاق فيستفاد منها في ظهار أو لعان أو أيمان أو نذر، أو يستفاد منها حتى في بيع إذا علق البيع على شيء، فهناك تعليق على الممكن وهناك تعليق على المستحيل، وهنا لما شرع المصنف بالتعليق وذكر الاستثناءات ثم ذكر التعليق: التعليق على الماضي والتعليق على المستقبل، شرع الآن في التعليق على المستحيل، فيعلق طلاق المرأة على شيء مستحيل.
ذكرنا أن المطلق من حيث الأصل أعطاه الله الطلاق، ومكنه من تطليق زوجته، لكن هذا التمكين ممكن أن يطلق الإنسان ويبت الطلاق، وممكن أن يعلق طلاقه على شيء، فإذا وقع هذا الشيء الذي علق الطلاق عليه، فبينه وبين الله أنه قد طلق زوجته، فحينئذٍ يجب على الفقيه والمفتي والقاضي والمعلم أن يعلم متى يكون التعليق ممكناً ومتى يكون التعليق غير ممكن، ففي بعض الأحيان يعلق الطلاق على شيء لا يمكن أن يقع، وقد وجدنا نصوص الكتاب والسنة تعتد بالتعليق، وتعتد بصيغة الشرط التي فيها تعليق، كقوله عليه الصلاة والسلام: (أهلّي واشترطي: إن حبسني حابس، فمحلي حيث حبستني، فإن لكِ على ربكِ ما اشترطتِ)، هذا في العبادات، وكذلك الله سبحانه وتعالى علق الشيء المستحيل على شيء مستحيل؛ لإفادة استحالته فقال: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:40] فعلق الله المستحيل على مستحيل، فلما كان دخول الكافر للجنة مستحيلاً جاء بصيغة الاستحالة.
ففهمنا من هذا أن هذه الألفاظ لها حكم في الشرع، فإذا جاء يطلق ويعلق طلاقه على ممكن وقفنا عند هذا الممكن بصفاته، وطلقنا متى ما وقع الشرط بالصفة المعتبرة، فإذا وقع الشرط؛ وقع المشروط، وهذا معروف من منطوق القرآن والسنة، وليس عندنا فيه إشكال، لكن إذا علق الطلاق على أمر مستحيل؛ فإن الطلاق لا يمكن أن يقع، والمستحيل يختلف في كل زمان، وكل زمان له ألفاظه وعباراته، فقد يأتيك رجل من العامة ويسألك عن أشياء ما تخطر لك على بال، ولذلك يقولون: السائل أو المستفتي لا مذهب له، أي: لا تظن أن الناس تأتيك في حدود ما علمت، قد يأتيك بأشياء ضوابطها وأصولها عندك -وهذه ميزة الشريعة الإسلامية- لكن عين المسئول عنه من الصور والحوادث مستجدة.
ولذلك يقرر العلماء القواعد بالأمثلة، فقد يكون المستحيل مستحيلاً شرعاً، وقد يكون مستحيلاً عادة وعرفاً، وقد يكون مستحيلاً عقلاً، فحينئذٍ نحتاج إلى معرفة مسألة التعليق على المستحيلات، والتعليق على المستحيل إما بالنفي وإما بالإثبات، كقوله: أنتِ طالق إن طرتِ في الهواء، فإنه حينئذٍ أثبت الطلاق معلقاً على مستحيل وقد يقول لها: إن لم تطيري في الهواء فأنتِ طالق، فيأتي بصيغة النفي للمستحيل، فنفي المستحيل إثبات، فيثبت معه الطلاق؛ لأنه أثبت الطلاق بالنفي، فقد يثبت الطلاق بالنفي وقد يثبت الطلاق بالإثبات، وقد ينفي الطلاق بالمستحيل ونحو ذلك، كلها صيغ ستأتي.
قوله: (وإن قال: أنتِ طالق إن طرتِ) أي: في الهواء، فالعادة جارية على أن الرجل والمرأة والآدمي لا يمكنه أن يطير في الهواء، فحينما قال لها: أنتِ طالق إن طرتِ، فمعناه أنه لغو، وعلق الشيء على شيء مستحيل، فصار طلاقها مستحيلاً؛ لأنه علقه على مستحيل، كما أن الله تعالى علق دخول الكفار فقال: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:40] سم الخياط: ثقب الإبرة، وللعلماء رحمهم الله وجهان في تفسير الجمل في هذه الآية الكريمة: فقيل: الجمل هو الحيوان والبعير المعروف؛ لأنه لا يمكنه أن يدخل في ثقب الإبرة، فثقب الإبرة لا يسع مثل هذا الحيوان، فالمراد من الآية بيان استحالة الشيء، فقالوا: إن الله علق دخول الجنة للكفار على مستحيل، فصار دخولهم مستحيلاً، وقال بعض العلماء: هو في قراءة جُمل، والجُمل: الحبال الثخينة التي تشد بها السفن، فبعض العلماء يرجح هذا التفسير الثاني؛ لأن ثقب الإبرة يدخل فيه الخيط، فاختار شيئاً من جنس الخيوط وهو الحبال، لكنها بحجم لا يوافق الحجم الذي يدخل في ثقب الإبرة، كالحبال التي تشد بها السفن وتوثق بها، قال: ((لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ)) [الأعراف:40]، يعني: دخول هذا النوع من الحبال في ثقب الإبرة مستحيل، فصار دخولهم مستحيلاً، هذا بالنسبة للآية الكريمة.
فهو إذا قال لها: أنتِ طالق إن طرتِ في الهواء، فلا يمكن لها أن تطير في الهواء، لكن لو أن طيرانها في الهواء قصد به شيئاً معروفاً في العرف، مثلاً: قال لها: أنتِ طالق إن طرتِ، يعني: سافرتِ بالطيارة وقصد ذلك، حينئذٍ تترتب المسألة على مسألة الطلاق المعلق بالشرط وسيأتي، لكن إذا قصد أن تطير بيديها طيراناً فهذا مستحيل لا يمكن، فيكون قوله: أنتِ طالق إن طرتِ، تعليقاً للطلاق على مستحيل، فالطلاق محال.
المستحيل: هو الذي لا يمكن، أي: ما أبى الثبوت عقلاً أو هو المحال عقلاً؛ لأن الأشياء إما جائزة عقلاً، وإما واجبة عقلاً، وإما ممتنعة عقلاً، ثلاثة أقسام: وحكمنا العقل قضية بلا وقف على عادة أو وضع جلا أقسام مقتضاه بالحصر تماز هي الوجوب الاستحالة الجواز فواجب لا يقبل النفي بحال وما أبى الثبوت عقلاً المحال وجائز ما قبل الأمرين سمِ للضروري والنظري كلاً قسم فالأشياء ثلاثة: الشيء الثابت عقلاً الذي لا يمكن نفيه بحال، ويسمى هذا: واجب عقلاً، والشيء الذي لا يمكن أن يثبت عقلاً فهذا يعتبر من المستحيل أو من الممنوع عقلاً، وما كان ممكناً تقول: هذا جائز عقلاً، لكن لا تقل: واجب، ولا تقل: مستحيل، فعندنا الواجب والمستحيل والجائز، هذه الثلاثة الأقسام في القسمة العقلية، فالشيء عقلاً إما أنه واجب عقلاً، مثلاً: حينما تقول: هذا الكون مخلوق، والمخلوق لابد له من خالق، فالعقل يدل على أن الخلق لابد لهم من خالق، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:35 - 36]، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ [الطور:35] أبداً لا يمكن أن يكون الخلق بدون وجود خالق وشيء يوجد به ذلك المخلوق، ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:35] الذين خلقوا أنفسهم.
فالقسمة العقلية إما أنهم هم خلقوا أنفسهم -وهذا طبعاً لا يمكن أن يقولوه- وإما أنهم خلقوا، وإذا خلقوا إما أنهم خلقوا من غير شيء وإما أن خلقوا بخالق، فجاء بالفرضيات التي على دينهم من باب رجوعهم إلى الأصل، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:35] إما أنهم خلقوا أنفسهم، وإما أنهم خُلِقُوا من غير شيء وليس هناك، ولذلك يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:87] فإذاً معنى ذلك: أن يثبت كون الله عز وجل خالقاً لهم.
فالمقصود: أن العقل يدل على أن الشيء إما أن يكون واجباً وإما أن يكون مستحيلاً وإما أن يكون جائزاً، فالمستحيل هو الذي يأبى العقل ثبوته، وبعض العلماء يقول: إن طيرانها في الهواء مستحيل عادة، يعني: في العادة مستحيل بالتجربة والنظر، فما وجدنا أحداً يطير، وعلى هذا يقولون: هذا من المستحيل عادة وليس من المستحيل عقلاً، فالعقل لا يمنع أن يطير إنسان مثلما أن الطائر يطير، لكن بعض العلماء يقول: إنه مستحيل عقلاً وعادة.
قوله: (أو صعدتِ السماء) يعني: لا يمكنها أن تصعد للسماء، وبناءً على ذلك علق على المستحيل، فإذا كان تعليقاً على المستحيل، فالتعليق على المستحيل مستحيل، والتعليق على المحال محال، فصار المحال لغواً، كأنه يقول لها: أنتِ طالق بلا طلاقٍ، يعني: طالق بشيء لا يمكن وقوعه وحدوثه، فعلى هذا كان قوله: (أنتِ طالق بكذا) من اللغو.
قوله: (أو قلبتِ الحجر ذهباً) يعني: لو كانت تقلب الحجر ذهباً لطلقها؛ وعادة العلماء أنهم يذكرون هذا، مع أن هذا ربح عظيم أن تكون الزوجة تقلب الحجر ذهباً، وعلى العموم إن قلبتِ الحجر ذهباً فأنتِ طالق، طبعاً لا يمكنها، أو أنتِ طالق إن قلبتِ الحجر ذهباً، فهي لا يمكن أن تقلب الحجر ذهباً، وهذا مستحيل، فعلق الأمر على مستحيل فهو مستحيل.
قوله: (ونحوه) مثلاً قال لها: إن أمسكتِ الريح -ما يمسكها إلا الله عز وجل- فأنتِ طالق، فهذا لا يمكن؛ لكن إن عكس كان العكس.
قال رحمه الله: (ونحوه من المستحيل لم تطلق) مثلما ذكرنا، وهذه كلها أمثلة.
قال رحمه الله: (وتطلق في عكسه فوراً) يقول: إن لم تقلبي الحجر ذهباً فأنتِ طالق، ومستحيل أنها تقلب، فلا نعطيها مدة يمكن فيها قلب الحجر، فإذا قال لها: إن لم تقلبي الحجر ذهباً فأنتِ طالق، إن لم تصعدي إلى السماء فأنتِ طالق، تطلق حالاً، إن لم تمسكي الريح فأنتِ طالق، طلقت حالاً، وعكسه بعكسه.
قال رحمه الله: [وهو النفي في المستحيل] نعم.
سواء بالنفي أو بالإثبات، إن لم تقلبي الحجر ذهباً، إن لم تطيري في الهواء فأنتِ طالق، إن لم تمسكي الريح فأنتِ طالق.
قوله: [مثل: لأقتلن الميت] الميت له حياة واحدة، وإذا مات فلا يمكن أن يعود إلى هذه الحياة؛ لأن الله تعالى كما ثبت في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله أنه لما اشتد عليه استشهاد أبيه رضي الله عنه وأرضاه؛ جلس يبكي، فقال له صلى الله عليه وسلم: (ابكه أو لا تبكه، لا زالت الملائكة تظله حتى رفعته إلى السماء -ثم قال له:- يا جابر! إن الله كلم أباك كفاحاً، وقال: تمنَّ يا عبدي، فقال: أتمنى أن أعود فأقتل في سبيلك ثانية) مما رأى من عظيم ما أعد الله للشهداء، فأحب أن يعاد مرة ثانية فيقتل، فقال تعالى: (أما إنه قد سبق العهد مني أنه من مات لا ير

شرح زاد المستقنع -

باب الطلاق في الماضي والمستقبل [2]

تعليق الطلاق قد يكون بصفة، سواء كانت ممكنة أو مستحيلة، وقد يكون بزمان سواء كان ماضياً أو حاضراً أو مستقبلاً، وللعلماء تفاصيل في أحكام هذه التعاليق كلها.

تعليق الطلاق على المستحيل بالنفي أو الإثبات

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه.
أما بعد: فقد تقدم معنا أن من تلفظ بالطلاق له حالتان: الحالة الأولى: أن ينجز الطلاق، فيقول لامرأته: أنت طالق، فإنها تطلق عليه في الحال، وذكرنا أن هذا محل إجماع بين العلماء -رحمهم الله- وأن هذا النوع من التطليق يعتبر أصلاً في الطلاق.
فالأصل في الطلاق أن يقول لامرأته: أنت طالق، طلاقاً منجزاً، ولكن إذا علق الطلاق، فإما أن يكون معلقاً على مستحيل، أو على شيء غير مستحيل، فإن كان على أمر مستحيل، فقد ذكرنا أن نصوص الشريعة دلت على أن تعليق الطلاق على الشيء المستحيل يمنع وقوعه، ويدل على أن ذلك الشيء المعلق لا يقع قوله تعالى: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:40] فعلق الله تبارك وتعالى دخول الكفار للجنة على دخول وولوج الجمل في سم الخياط، ولا يمكن للجمل -سواء قلنا: هو الحبل الذي تشد به السفن، أو قلنا: إنه الحيوان المعروف- أن يدخل في سم الخياط، وسم الخياط هو: ثقب الإبرة، فعلَّق الله دخول الكفار للجنة على هذا المستحيل، ففهمنا أنه قصد أن دخولهم إلى الجنة مستحيل.
وبناءً على هذه الصيغة الواردة في كتاب الله عز وجل، تبين أن من علق طلاقه على مستحيل، فإن الطلاق لا يقع، وبذلك يكون قوله لغواً وضرباً من العبث، ولا يعتد به، ولذلك قلنا: ضرب العلماء أمثلة على ذلك المستحيل، أو على الصيغة التي يُعلق فيها على المستحيل، ومما ذكره المصنف-رحمه الله- قوله: أنت طالق إن طرت، أو قلبت الحجر ذهباً، فإن المرأة من المستحيل أن تطير، وكذلك الرجل من المستحيل أن يطير، وأيضاً من المستحيل أن تقلب الحجر ذهباً، أو تقلب الخشب حديداً، أو نحو ذلك.
فمن علق طلاقه بمثل هذه الألفاظ، على مثل هذا الوجه الدال على أنه قصد المستحيل؛ فإنه لا يعتد بطلاقه، ولا يقع، إلا إذا نوى أنها طالق، بمعنى: نوى أن يبت الطلاق، توضيح ذلك: أنه إذا قال لها: أنت طالق، ثم قال: إن طرت، فيكون قوله: أنت طالق، إذا قصد به الطلاق قدراً كافياً لإيقاع الطلاق، ويكون قوله بعد ذلك: إن طرت، واقعاً في غير موقعه، كما لو قال لها: أنت طالق، وسكت، فهذا الذي جعل العلماء يستثنون حالة إذا قصد إيقاع الطلاق، لأنه عند قصد إيقاع الطلاق نأخذ الجملة الأولى (أنت طالق) ويكون قوله بعد ذلك: إن طرت، أو إن قلبت الحجر ذهباً، أو إن قلبت الخشب حديداً، أو العكس، يعتبر ضرباً من اللغو، وكذلك إذا أراد إلحاق هذا اللفظ بعد إيقاع الطلاق، فبالإجماع لو أن رجلاً نوى تطليق زوجته وتلفظ بلفظ الطلاق للبت في الحال، فقال لها: أنت طالق، ثم مباشرة طرأ له-بعد قوله: أنت طالق- أن يأتي بصفة وقيد، فقال لها: إن طرت في السماء، فتكون جملة: إن طرت، قد وافقت وقوع الطلاق، وكأنه أدخلها وأقحمها بعد وقوع الطلاق.
قالوا: كما لو قال: أنت طالق، وسكت سكوتاً، وفصل بفاصل مؤثر لا يدل على التعليق، ولا قصد التعليق، وكما لو أدخل كلاماً أجنبياً يدل على الفصل، فإنه لا تطلق عليه امرأته.
إذاً: بالنسبة للأفكار التي معنا: أولاً: الطلاق؛ إما معلق، وإما منجز، ثم المعلق له حالتان: إما معلق على مستحيل: فلا يقع، وإما أن يكون معلقاً على غير مستحيل.
فإذا كان معلقاً على المستحيل، فتارة يكون بالنفي، وتارة يكون بالإثبات، فهو تارة يقول لها: إن طرت فأنت طالق، وتارة يقول لها: إن لم تطيري فأنت طالق، فقوله: إن طرت فأنت طالق، يوقف الطلاق حتى تطير، والطيران مستحيل؛ فلا طلاق، وإن قال لها: إن لم تطيري فأنت طالق، فهذا مستحيل منها أصلاً أن تطير، فقال لها: إن لم تطيري فأنت طالق، فإنها في الحال لا تستطيع أن تطير فيقع الطلاق، فاختلف الحكم ما بين صيغة النفي وصيغة الإثبات، فإن جاء بمستحيل وعلق الطلاق على إثباته؛ لم تطلق، وإن جاء بمستحيل وعلق الطلاق على نفيه؛ طلقت، وكان طلاقها واقعاً حالاً.

تعليق الطلاق على المستحيل بالإثبات

قال رحمه الله: [ونحوه من المستحيل لم تطلق] أي: نحوه من الألفاظ التي تشتمل على الأوصاف المستحيلة، وهذا يختلف باختلاف الأعراف والأزمنة، فلكل عرف كلمته، قالوا: لأنه إذا قال لها أنت طالق إن طرت في السماء، وأنت طالق إن قلبت الحجر ذهباً، فهمنا أنه لا يريد الطلاق، ولا يقصد الطلاق، إنما هو ضرب من العبث.

تعليق الطلاق على المستحيل بالنفي

قال رحمه الله: [وتطلق في عكسه فوراً] يعني: إن علق الطلاق على نفي المستحيل، وإثبات المستحيل مستحيل، لكن نفي المستحيل هو الثابت، وقد بينا أن المستحيل عقلاً: هو الذي لا يمكن إثباته، ومعلوم أن الأحكام العقلية ثلاثة: الواجب العقلي، الجائز العقلي، المستحيل العقلي، واختصاراً هي الوجوب والاستحالة والجواز، قال الناظم: فواجب لا يقبل النفي بحال وما أبى الثبوت عقلاً المحال وجائز ما قبل الأمرين تم للضروي والنظري كلاً قُسم فقوله: ما أبى الثبوت عقلاً المحال، كما ذكرنا: أن المحال هو الشيء الذي يحكم العقل بعدم ثبوته، وعدم وجوبه، وقد يأتي النفي والاستحالة بأسباب أخرى؛ شرطية، أو عرفية، كما هو معلوم.
وقوله: (وتطلق في عكسه فوراً، وهو النفي بالمستحيل) عندنا عدة فوائد: الفائدة الأولى: أن نفي المستحيل يدل على الثبوت، وهو إذا قال لها: إن لم تطيري فأنت طالق، فإنها تطلق، ونحكم بوجوب الطلاق؛ لأنها لا تطير، وقد علق طلاقه فيما بينه وبين الله على أنها إذا لم تطر فهي طالق، فنقول: يقع طلاقه بثبوت عدم طيرانها.
الفائدة الثانية: أن ذلك الحكم يحكم به مباشرة، وتطلق فوراً، وهناك أشياء نحكم فيها بأن الطلاق لا يقع، ويبقى، أي: نحكم بوجوب الطلاق، لكن لا يكون فوراً، وننتظر مدة، ثم نقول: بفوات المدة يقع الطلاق، كما في أزمنة الإمكان، كما لو قال لها: إن دخلتُ الدار فأنت طالق، فنعلق الطلاق، والطلاق ثابت، لأنه يريد أن يطلق زوجته، لكن عند وجود الدخول، فيبقى الطلاق معلقاً إلى وجود صفة الدخول، لكن هنا لو قال لها: إن لم تطيري في الهواء فأنت طالق، نحكم بطلاقها فوراً؛ لأن نفي طيرانها ثابت، ولا إشكال أنها لا تستطيع الطيران، فلا نحتاج إلى مدة نختبرها: هل تستطيع أن تطير أو لا، ولا نعلق الحكم بالطلاق على مضي زمن الإمكان، كما مر معنا في بعض المسائل من أنه يعطى زمن لإمكان وقوع الطلاق، أو زمن لحدوث الصفة، أو لإمكان الصفة، ثم بعد ذلك نطلق إذا كان الأمر معلقاً على نفيها.
فإذا قال لها: إن لم تطيري فأنت طالق، إن لم تقلبي الحجر ذهباً فأنت طالق، فإنها تطلق حالاً.
قال رحمه الله: [مثل: لأقتلن الميت] لماذا نقول: إن الميت لا يقتل؟

الجواب

لأن الله سبحانه وتعالى جعل للحي حياة واحدة بالنسبة لحياة الدنيا، فإن فاتته فلا رجعة إليها، وقد دل على ذلك صريح قوله عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه عز وجل، وذلك حينما قتل شهداء أحد، فسأل جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان والده عبد الله بن حرام من شهداء أحد-كما هو معلوم- وكان جابر يحب والده محبة شديدة، حتى إنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلهف أن يعرف ما هي عاقبته؟ فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: (إن كان في الجنة؛ سلوت، وتعزيت، وصبرت.
فقال: يا جابر! إنها جنان، وإن أباك قد أصاب الفردوس الأعلى من الجنة).
وفي هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله كلمه كفاحاً) وقال تعالى: (تمنوا) -يعني شهداء أحد- وفي رواية: (أنه كلم عبد الله بن حرام كفاحاً وقال: تمنّ عبدي)، ورواية الترمذي: أنه سألهم، قال: (تمنوا)، فتمنوا أن يعودوا، فقال الله تعالى-وهذا موضع الشاهد-: (أما إنه قد كان العهد مني- أو مضى العهد مني-؛ أن من مات لا يرجع إليها)، وهذا نص صريح؛ على أنه لا عود بعد الموت، وهنا ننبه على مسألة عقدية عند بعض الطوائف الزائغة، كما هو واقع في طائفة التيجانية؛ الذين يعتقدون أن أحمد التيجاني قد تلقى الصلوات عن النبي صلى الله عليه وسلم من فمه مباشرة، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:5]، وبلغت الجرأة بهم أن يقول قائلهم: إن دلائل الخيرات ختمة منه تعدل عشر ختمات من القرآن -والعياذ بالله- إلى هذه الجرأة!! لأنه تلقاها مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم!، وعندهم عقيدة أن من بلغ في الصلوات إلى حد معين يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم يقظة! فهذا أشبه بالرجعة-والعياذ بالله- ومذهب أهل السنة والجماعة على أنه لا يعود الميت، وأنه إذا مات فهو في البرزخ، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:100] وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:11]، فهذا راجع إلى أنه لا ميتة ثالثة، وبناءً على ذلك قال العلماء: إنه لا يمكن أن يقتل الميت؛ لأن الميت إذا فاتت حياته، فليست هناك حياة ثانية يمكن أن يقتل فيها، ونحكم بكونه قد قتل الميت، فالميت لا يقتل، وإنما نصف الشيء بكونه قتلاً إذا كان فيه إزهاق الروح، والروح لا يمكن إعادتها إلى هذا الجسد الذي فارقته في حال الحياة الدنيا، أما في البرزخ فلا إشكال، لكن نحن نتكلم على أنه يقتله في الحياة الدنيا، فإذا قال: لأقتلن الميت، فإن قتل الميت مستحيل، فإن نفى المستحيل، أو علق على نفي المستحيل، فإنه يقع، كما بينا في مسألة: إذا قال لها: إن لم تقلبي الحجر ذهباً، ونحوه.
قال رحمه الله: [ولأصعدن السماء ونحوها] في الحقيقة، السماء إن قصد بها السماء المعروفة، تكون (أل) هنا عهدية، ولا يمكن أن يصعد إلى السماء، وإذا قال: لأصعدن السماء، فإنه علق الطلاق على مستحيل، فإن نفى ذلك المستحيل، ثبت الطلاق، وينتفي الطلاق إن علقه على ثبوت المستحيل.

أحكام تعليق الطلاق على الزمان

تعليق الطلاق على زمن مستحيل

قال رحمه الله تعالى: [وأنت طالق اليوم إذا جاء غد؛ لغو] الغد لا يمكن أن يأتي بنفسه، وهو يقول لها: أنت طالق، بشرط أن يأتي غد في هذا اليوم، (أنت طالق اليوم إذا جاء غد) ولا يمكن أن يأتي في هذا اليوم، فحينئذ يكون من اللغو، ولا يقع الطلاق.
وهذا من دقة المصنف رحمه الله، ولماذا ذكر كلمة: أنت طالق اليوم إذا جاء غد؟ نبهنا غير مرة أن العبرة بفهم القاعدة والضابط؛ حتى نستطيع أن نفهم كيف استخرج العلماء مثل هذه الصور العجيبة الدقيقة.
حينما قلنا: إن تعليق الطلاق على المستحيل مستحيل، ويوجب الحكم بعدم وقوع الطلاق، قد يكون المستحيل بالصفات، فهو إذا قال لها: أنت طالق إن طرت، فلا يمكن أن تطير، وأنت طالق إن قلبت الحجر ذهباً؛ لا يمكن، فكما أن المستحيل يكون في الأعيان والذوات، كذلك يكون في الأزمنة، فجاء بالمستحيل في الزمان، كأن يقول: أنت طالق اليوم إن جاء غد، وأنت طالق الشهر -مثلاً- ربيع إن جاء جمادى، وما يمكن أن يأتي جمادى في ربيع، وإدخال الزمان على الزمان مستحيل، فكما أن الاستحالة في الصفات، والذوات، والأحوال، والأشخاص، فكذلك ربما تقع في الأزمنة، ولذلك جاء بصيغة مركبة على وجه يُفهم منه الاستحالة, ولا يمكن أن يقع هذا الشيء على هذه الصورة: أنت طالق اليوم إن جاء غد، فإنه لا يمكن أن يكون الغد إلا بزوال اليوم، وعلى هذا فلو علق الطلاق بمجيء الغد قبل زوال اليوم، فقد علق على مستحيل، والتعليق على المستحيل مستحيل.

تعليق الطلاق على الزمن الحاضر

قال رحمه الله تعالى: [وإذا قال: أنتِ طالق في هذا الشهر أو اليوم؛ طلقت في الحال] أي: إذا كان كلامه -مثلاً- في شهر ربيع، فإنه حينما قال لها: أنت طالق في هذا الشهر، فقد أسند الطلاق إلى شهر ربيع؛ فتطلق عليه في شهر ربيع، فإذا كان الشهر شهر ربيع، فمعنى ذلك أنها طالق، وكذلك إذا قال لها: أنت طالق اليوم، أنت طالق الساعة، وهذه المسألة ذكرها المصنف في الأجزاء المتعددة التي تشمل الساعة واليوم، وتشمل الأسبوع والجمعة، كما يقال للأسبوع: أو السبت، وتشمل أيضاً الشهر والسنة.
فهو إذا قال لها: أنت طالق الساعة، الساعة -كما هو معلوم- ستون دقيقة، فهو إذا قال لها: أنت طالق الساعة، يرد

السؤال

هل نطلقها بمجرد كلامه؛ لأن وقت الكلام الذي تلفظ به هو من الساعة؛ فتطلق حالاً، أم ننتظر إلى آخر الساعة، ففي آخر دقيقة وآخر ثواني الساعة نحكم بالتطليق فيها؟ قالوا: العبرة بالوقت الذي تلفظ به، ما دام أن الوصف يصدق عليه، فإذا قال لها: أنت طالق الساعة، طلقنا مباشرة، فصح في الوصف أنه طلق الساعة، ولا نحتاج أن ننتظر إلى نهاية الساعة؛ لأنه بت الطلاق، وإذا بت الطلاق على وجه يقع به منجزاً، فلا يمكن لنا أن نجعله معلقاً، ولذلك إذا تعارض التنجيز والتعليق، وكان للتنجيز قوة، وللتعليق قوة، فإننا نقدم المنجز؛ لأن اللفظ إذا كان دالاً على الوقوع؛ فإنه يقع، فهو يقول لها: أنت طالق الساعة، نقول: تطلق عليه، فإذا حكمنا بالطلاق، فقد صدق قوله: إنها طلقت الساعة، فلا نحتاج إلى الانتظار إلى آخره ما لم ينو آخر الساعة.
وكذلك أيضاً إذا قال لها: أنت طالق اليوم، فإنه إذا كان في الساعة الأولى من اليوم؛ طلقناها من حين تكلم، ولا نقول: يُنتظر إلى نهاية اليوم، فتطلق عليه في نهاية أجزائه؛ لأننا إذا حكمنا بالطلاق في أول ساعة من ذلك اليوم، فإنه يصدق أنه طلق امرأته في ذلك اليوم.
كذلك أيضاً في الأسبوع؛ إذا قال لها: أنت طالق الأسبوع -يعني: في هذا الأسبوع- فإن اليوم الذي تلفظ به هو من الأسبوع، فتطلق عليه، فلما طلقنا، صدق عليه أنها طلقت في الأسبوع، وعلى هذا لا ينتظر آخر الأسبوع، ولا ينتظر آخر الشهر، ولا ينتظر آخر اليوم، ولا ينتظر آخر الساعة، إلا إذا نوى أو قيد، فقال: أنت طالق آخر الأسبوع، وأنت طالق آخر اليوم، أو في آخر هذا اليوم، أو في آخر هذا الأسبوع، أو في آخر هذا الشهر، ونحو ذلك، فيحمل على الأخير.

تعليق الطلاق على ما يستقبل من الزمان

قال رحمه الله: [وإن قال: في غد، أو السبت، أو رمضان؛ طلقت في أوله] المسألة السابقة: إذا قال لها: أنت طالق اليوم، أنت طالق الأسبوع، ضابطها في الظرفية، أي: يأتي بوصف يكون وقت التلفظ داخلاً في ذلك الزمان، فإن قال: الساعة؛ فإنه وقت تكلمه هو في الساعة، وإن قال: الأسبوع؛ فإن اليوم الذي تكلم فيه هو من الأسبوع؛ لأنه قال: هذا الأسبوع، فقد قيد بالزمان الذي تلفظ به، وجعله يوماً، أو أسبوعاً، أو شهراً.
لكن إذا قال لها: أنت طالق غداً، أو في غد، تارة يأتي غداً-على الظرفية-، وفي غد-صيغة الجر-، فإن قال لها: أنت طالق في غد، يرد السؤال -وقد عرفنا أنه إذا أسند إلى يوم الكلام، أو ظرف الكلام؛ طلقت حالاً- فإذا أسند إلى غد، قال لها: أنت طالق غداً، هل تطلق بأول اليوم، أي: بمجرد ما تطلع الشمس على الغد نقول: طلقت، أو ننتظر إلى آخر اليوم، ونطلقها عند آخر ساعة من الغد؟ أو نطلقها في نصف الغد؟ وجهان للعلماء، قال بعض العلماء: إذا أسند الطلاق للمستقبل؛ طلقت، ووقع الطلاق في أوله، فإذا قال لها: أنت طالق غداً؛ فإنها زوجته، ويستمتع بها، ويحل له ما يحل منها، ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس؛ فحينئذ تحرم عليه، ويكون الاعتبار بابتداء اليوم، مالم ينو آخره كما ذكرنا في الأوصاف المعتبرة، والقيود المؤثرة.
قوله: (أو السبت) إما أن يسند إلى الغد المباشر، أو يسند إلى يوم بعده، كقوله: في السبت؛ يعني: في يوم السبت القادم، فالعبرة بمغيب الشمس من آخر اليوم الذي قبله، فينتهي يوم الجمعة بمغيب شمسه، ويبدأ السبت بذلك المغيب، فنحكم بكونها طالقاً بغروب شمس يوم الجمعة، ولا ننتظر إلى طلوع شمس يوم السبت، والإسناد في هذه المسائل يكون إلى العرف لكن إذا قيل: اليوم؛ فابتداؤه من ابتداء عشيّه من الليل، ولذلك قال: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:46] فأسند الضحى إلى العشي، فدل على أن عشية كل يوم قبله، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:185]، فقالوا: يشرع التكبير ليلة العيد؛ لأن العدة قد كملت بمغيب شمس آخر يوم من رمضان، فلما قال الله تعالى: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:46] دل على أن عشية كل يوم قبله إلا يوم عرفة؛ فإن عشيته بعده، وهذا هو المستثنى، واختُلف في أيام التشريق؛ هل ينسحب الحكم عليها، ويتفرع عليها جواز الرمي بعد غروب الشمس؟ وتقدمت معنا هذه المسألة في المناسك، وذكرنا أن بعض العلماء قال: ينسحب العشي في حكم الجمار، ويرمي ما لم يطلع فجر اليوم الذي بعده، ويجوز رميه في يوم العيد، مالم يطلع فجر الحادي عشر، ويرمي الحادي عشر، ما لم يطلع فجر الثاني عشر، وقس على ذلك.
قوله: (أو رمضان؛ طلقت في أوله) أي: إذا قال لها: أنت طالق في رمضان؛ فهي تقتضي الظرفية، أي: في شهر رمضان، فإذا دخل رمضان -في أول دخول رمضان، وثبوت رمضان بمغيب شمس آخر يوم من شعبان- حُكم بطلاقها، كما ذكرنا في الأيام، وكذلك في الأسابيع؛ يكون الحكم واحداً.

تعليق الطلاق بزمن مع نية آخره

قال رحمه الله تعالى: [وإن قال: أردت آخر الكل؛ دُيِّن، وقُبِل] هنا مسألة: إذا قال لها: أنت طالق اليوم، أنت طالق غداً، أنت طالق السبت، رمضان، إلى آخره، وفي هذه نوى آخر الكل، وقال: أنا قصدت أنها في آخر رمضان تطلق، وقصدت في آخر الغد تطلق، وقصدت آخر اليوم تطلق، فإن ظاهر اللفظ محتمِل، فالأصل أن رمضان يشمل جميع رمضان، والظرف شامل للكل؛ لكن لما كان الوصف يصدق على إيقاع الطلاق مباشرة؛ حكمنا بتنفيذه؛ لكن إذا نوى إلى آخر رمضان، أو إلى آخر الغد، فإنه ونيته، وتبقى زوجة له طيلة شهر رمضان، ما لم يصل إلى آخره الذي نواه؛ لكن هل نقبل منه قوله مجرداً؟ أم أنه يلزم بيمين التهمة؟ وهذه اليمين تعرف في القضاء بيمين التهم، ويمين التهم: أن يسند الحكم، أو الوصف، أو الشيء الذي يختلف فيه، أو يستفتى فيه -إذا كان في الفتوى- إلى أمر محتمِل، ويكون إما غير ظاهر، أو يكون متردداً مع غيره، فهو حينما قال لها: أنت طالق اليوم، فظاهر اللفظ على أن المقصود اليوم كله، سواء في أوله أو آخره، هذا ظاهر كلامه؛ لكن حينما قال: أردت آخره، فقد خصص عموم اليوم، فخرج عن الظاهر إلى أمر خلاف الظاهر، إذ لو كان في الحقيقة قاصداً الآخر، لكان قال لها: أنت طالق آخر اليوم، ولصرح وقال: أنت طالق آخر رمضان، لكن كونه يطلق، ويجعل الصيغة بهذا الوجه، قالوا: هذا من خلاف الظاهر أن يسند إلى الآخر، وحينئذ قالوا: نحكم بقبول يمينه، فإذا قال: أردت الآخر، نقبل منه ذلك بشرط أن يحلف اليمين -يمين التهمة- ولذلك قال: دُيِّن، أي: حلف اليمين، ويديَّن، والدين فيما بين العبد وربه؛ لأنه متعلق بالاعتقاد، فيقول له القاضي: احلف، وهذه اليمين بينه وبين الله، إن كان كاذباً فاجراً فيها -والعياذ بالله- فهي يمين غموس، تغمس صاحبها في النار؛ لأن الأيمان في مجالس القضاء تعتبر من الأيمان الغموس -والعياذ بالله-، وكذلك أيمان الحكومة التي تكون في المحاكمة بين الطرفين، حتى ولو كانت عند حَكَم غير القاضي، فإنه إذا حلف اليمين -والعياذ بالله- فإنها يمين غموس، فالشاهد: أنه يحلف اليمين؛ فإن كان صادقاً فيها، فإنها لا تطلق إلا في آخر اليوم، أو آخر الشهر -على ما ذكر-؛ لأنه لو طلق مسنداً الطلاق إلى زمن هو آخر اليوم، أو آخر الشهر؛ فيبقى الطلاق معلقاً إلى وقوع ذلك الآخر؛ لكن لو كان كاذباً في هذه اليمين؛ فإننا نقبل منه في الظاهر، وأما في الباطن فإنه لا يقبل منه ذلك.
فائدة المسألة: أننا لو فرضنا أنه قال: أردت الآخر، وكانت زوجته ممن تعتد بالأشهر، ثم إن هذه الزوجة طلقها، وقلنا: إن الرجعية يرثها، وترثه، وبقيت ثلاثة أشهر، فتوفيت في أول يوم السبت، فحينئذ إن كان الطلاق مسنداً إلى آخر السبت؛ فقد توفيت وهي في حكم زوجته؛ لأن الرجعية تورث، وإن توفيت في آخر السبت؛ فإنه لا يرثها، فإن كان قد كذب في يمينه، وحكم القضاء أنها زوجته، وتوفيت في أول السبت، وكذب وقال: قصدت الآخر، فإن ميراثها لا يحل له فيما بينه وبين الله، وإن كان قضاءً في الظاهر أنه يرثها، وتأخذ حكم المطلقة الرجعية على القول الذي يقول بتوريثها.
قوله: (وقُبل) أي: وقبل منه الإسناد إلى آخر اليوم؛ لأنه في بعض الأحيان يحلف اليمين، ولا يقبل منه قضاءً، لكن يقبل منه ديانة فيما بينه وبين الله عز وجل.

حكم قول الرجل: أنت طالق إلى شهر أو سنة

قال رحمه الله تعالى: [وأنت طالق إلى شهر] يعني: معك شهر كامل أنت فيه زوجة لي، فإذا مضى الشهر؛ فأنت طالق، فحينئذ نقول له: قصدت التعليق أو التنجيز؟ فلو قال: قصدت التعليق.
نقول: تطلق بعد تمام شهر من تلفظه بالطلاق.
فلو تلفظ بالطلاق في السبت، حسبنا شهراً من ذلك السبت، فإذا مضى طلقت، وأما إذا قال: قصدت الحال طلقت، لكن كيف نرتب القضية؟ وكيف نحكم بكونها طالقاً مع أنه قال لها: أنت طالق إلى شهر؟ فكيف طلقناها منجزة؟ قالوا: تكون نيته أنها طالق حالاً، فيكون قوله: أنت طالق، موجباً للطلاق حالاً، وقوله: إلى شهر؛ تعليقاً لاغياً؛ لأنه ما نواه، فنعتد بقوة اللفظ، مع وجود النية المعتبرة، ونلغي التعليق إلى الشهر، وتطلق عليه حالاً، وهذا معنى قوله: (إلا أن ينوي في الحال فيقع).
قال رحمه الله: [طلقت عند انقضائه] أي: طلقت عند انقضاء الشهر وتمامه، فإذا قال: أنت طالق إلى يوم، وأنت طالق إلى أسبوع، وأنت طالق إلى سنة؛ احتسبت المدة كاملة.
قال رحمه الله: [إلا أن ينوي في الحال؛ فيقع] إلا أن ينوي أنها تطلق في الحال، فيقع عليه الطلاق حالاً -كما ذكرنا-.
وفي قوله: (أنت طالق إلى شهر) اختلف العلماء: الجمهور على أنه إذا قال لها: أنت طالق إلى شهر؛ فإنها تطلق -سواء في مسألة اليوم التي ذكرناها أو في الشهر، أو اليوم، أو الأسبوع- بعد تمام المدة؛ لأنه أسند إلى الشهر، وعند الإمام أبي حنيفة: أنها تطلق حالاً، والصحيح مذهب الجمهور؛ لأن فيه فتوى ابن عباس رضي الله عنهما، وكذلك أبي ذر رضي الله عن الجميع.
إذا قال لها: أنت طالق إلى شهر، فالواقع هناك تفصيل، فنحن بين حالتين: إما أن يكون في أول الشهر، بحيث يمكننا أن نحتسب الشهر هلالاً، فحينئذ ننتظر إلى هلال الشهر الداخل.
وإما أن يكون قد قال الكلام أثناء الشهر؛ فإن قال الكلام أثناء الشهر؛ بحيث لا يمكننا أن نسنده إلى الأهلة؛ فإنها تطلق بمضي ثلاثين يوماً، والفرق بين المسألتين: أنه إذا قال لها: أنت طالق إلى شهر، وكان زمن الإمكان -الذي هو الشهر- يتم بظهور هلال الشهر الذي سيدخل، فننظر: إن أهل الشهر ودخل، احتسبنا الشهر بالهلال؛ لأنه بعد زمن الطلاق مباشرة، فإذا ظهر الهلال بعد تسع وعشرين يوماً؛ طلقت بعد تسع وعشرين، لكن إذا كان الاحتساب بالعدد فلا تطلق إلا بعد مضي ثلاثين يوماً، فبعد أن يمضي على ذلك اللفظ ثلاثون يوماً تطلق.
قال رحمه الله: [وطالق إلى سنة؛ تطلق باثني عشر شهراً] قوله: (طالق إلى سنة) كأنه أنهى طلاقها وعلق طلاقها بمضي السنة، فننتظر اثني عشر شهراً؛ لأن الله جل وعلا جعل السنة اثني عشر شهراً: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [التوبة:36]، وهذا نص بأن السنة اثنا عشر شهراً، فإذا أسند إلى السنة، فقال: (أنت طالق إلى سنة) يعني: إلى مضي سنة، اعتبرت اثني عشر شهراً.

حكم قول الرجل: أنت طالق إلى الشهر أو السنة

قال رحمه الله: [وإن عرفها باللام؛ طلقت بانتهاء ذي الحجة] أي: إذا جاء وقال: (أنت طالق إلى السنة) يعني بعد مضي السنة؛ فإنها تطلق بعد انسلاخ شهر ذي الحجة من السنة نفسها.
إذاً عندنا ثلاثة ألفاظ: أنت طالق السنة؛ فتطلق حالاً، مثل قوله: أنت طالق اليوم، ما لم ينو آخر السنة، وأما إذا قال: أنت طالق إلى سنة، فجاء بإلى التي تفيد الغاية، وإذا قال لها: أنت طالق إلى السنة؛ ففُرق في الحكم بين التعريف والتنكير، فإن قال لها: أنت طالق السنة-وأسقط حرف الجر- فإنها تطلق حالاً، كما لو قال: أنت طالق اليوم، أنت طالق الشهر، فإننا نحتسبها طالقة منذ تكلم وتفوه، ما لم يسند إلى آخره-على التفصيل الذي ذكرناه-، لكن إذا قال: أنت طالق إلى سنة، فلا بد من مضي سنة كاملة، مثل قوله: أنت طالق إلى شهر، وأما إذا قال: أنت طالق إلى السنة، يعني: إلى انتهاء هذه السنة-بالتعريف- وعلى هذا: فإنه إذا انتهى شهر ذي الحجة، وانسلخ شهر ذي الحجة من السنة نفسها؛ طلقت عليه، ولو كان ذلك بعد يوم، فلو قال لها: أنت طالق إلى السنة، فإننا ننتظر إلى انتهاء السنة التي تكلم فيها، ولو كان كلامه قبل انتهائها بساعة، ولو بلحظة، فإنها تطلق عليه مباشرة بانتهائها، لكن إذا قال: أنت طالق إلى سنة-بالتنكير-، إلى شهر-بالتنكير-؛ فإن الحكم ما ذكرناه من كونه ينتظر مدة السنة ومدة الشهر.

الأسئلة

الفرق بين قول الزوج لزوجته بعد العقد: أنت طالق إلى شهر، وبين زواج المتعة

السؤال

إذا عقد على امرأة وقال: أنت طالق إلى شهر، ألا يشكل عليه أنه من نكاح المتعة، ولو لم يكتب في صلب العقد؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فينبغي التفريق بين صيغة العقد، وبين الصفة أو الحال التي يقع بها الطلاق بعد العقد.
فإذا جئت تقول: إن هذا نكاح متعة، فينبغي أن يكون العقد عقد متعة، وهنا أحب أن أنبه على فائدة: ما الذي جعل العلماء يتكلمون على المصطلحات المتعلقة بأبواب الفقه؟ ما الذي جعلهم يعرفون صيغة العقد؟ يعرفون العقد؟ لأنك إذا قلت: هذا عقد شغار، فلا بد أن تكون الصيغة التي يتركب منها العقد-الإيجاب والقبول- مبنية على الشغار، إذا قلت: هذا نكاح متعة، عقد متعة، زواج متعة، ينبغي أن يكون الإيجاب والقبول مبنياً على هذه الصيغة المعتبرة للمتعة، لكن إذا كان الإيجاب والقبول خالياً من ذلك، والعقد تركب بأركانه وشروطه سالماً من ذلك؛ تقول: هذا عقد شرعي، وكونه بعد ذلك يعلق طلاقاً، أو يوقع طلاقاً بساعة أو بلحظة، أو يقول لها: أنت طالق الآن، لا نقول: إنه نكاح متعة، فهناك فرق، لأنك إذا قلت: إنه نكاح متعة؛ فمعنى ذلك: أن المرأة لا تستحق المهر، ومعنى ذلك: أن المرأة لا تستحق شطر المهر إذا كان لم يدخل بها، ولا تستحق المهر كاملاً إذا كان قد دخل بها، ولا يترتب عليه أحكام العدة كالطلاق، والحداد، فالرجل عقد على المرأة عقداً شرعياً، مستوفياً للأركان والشروط، ثم بعد أن أتم العقد قال لها: أنت طالق إلى شهر، فليس بنكاح متعة، بل هذا تطليق واقع بعد تمام الصيغة التامة الكاملة المعتبرة في الشرع، ولا يجوز أن نصفه بالمتعة فنسقط حقوق المرأة، ونسقط حقوق الطلاق، وينبغي على طالب العلم أن يكون عنده دقة، إذا كان العقد مبنياً على صيغة صحيحة؛ فالله أمرنا أن نحكم بصحته، ولماذا تجد العلماء يقولون: الأحكام الوضعية هي العلامات والأمارات التي نصبها الشرع ووضعها للحكم بصحة العبادة، وبطلانها، ووجوبها، ولزومها، وغير ذلك مما هو معروف في الأحكام الوضعية؟ فما وضعه الشرع علامة على صحة العقد؛ حكمنا بصحته، وما وضعه علامة على فساده؛ حكمنا بفساده، بشرط وجوده أثناء العقد، لكن كونه يحصل شيء بعد العقد فهذا لا يؤثر، مثلاً: الرجل -ولي المرأة- قال له: زوجتك ابنتي فلانة، قال: قبلت، بعشرة آلاف، وتم العقد، وتم الإيجاب والقبول، ثم بعد أن تم العقد مباشرة قال لها: أنت طالق إلى شهر، نقول: ننتظر إلى شهر، وهي زوجته، يجوز له أن يستمتع بها، وله حقوقه ولها حقوقها الزوجية لمدة شهر، ثم إذا مضى الشهر؛ حكمنا بالطلاق، فهذا ليس بنكاح متعة، ولا يأخذ حكم المتعة؛ لأن العقد ما قام على متعة، ولم يقم على التحديد أصلاً، وهذا الذي جعل بعض العلماء يقول: إنه إذا تزوج المرأة وفي نيته أن يطلقها، فإنه عقد، والشرع يحكم على الظاهر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس) فنأخذ بالظاهر أنه إيجاب وقبول، وشروطه مستوفية وعقده مستوفٍ، فلو نوى الطلاق بعد شهر، أو بعد شهرين، فلا تأثير لهذا في صلب العقد، ولا تأثير له في الأركان والواجبات، لأن المعتبر الحكم بصحة العقد، فنحكم بكون العقد صحيحاً، وقد يموت قبل أن يطلقها، فلا يمكن أن نحكم بأنه زواج متعة، ولذلك يقولون: ينبغي أن يفرق بين الظاهر وصيغة العقد، وترتب العقد على الوصف الموجب لصحته، وبين كونه ترتب على وصف أو رُتب على وصف يقتضي بطلانه وعدم صحته، وعلى هذا فالعقد صحيح، ولا يُحكم بكونه متعة.
ويرد الإشكال: ما الفرق بين هذه الصيغة وبين المتعة؟ الفرق واضح: أن النكاح بالمتعة مقيد بهذا الذي ذكرناه، فبمجرد مضي الشهر لا هي زوجته ولا هو زوجها، هذا نكاح المتعة، إذا مضت المدة مباشرة ينفسخ النكاح، ولا يحتاج إلى طلاق ولا غيره، وأما بالنسبة للنكاح الذي معنا؛ فإن هذا النكاح لا ينفسخ مباشرة، حتى لو وقع الطلاق، إلا إذا كانت غير مدخول بها، فتكون طلقة بائنة، لكن إذا كانت مدخولاً بها، مثلاً: تزوجها ودخل عليها، ثم مباشرة قال لها: أنت طالق إلى شهر، فإن لها عدة، وتعتبر مدخولاً بها، وتبقى بعد مضي مدة الطلاق، فهناك فرق واضح، والفرق يظهر أكثر إذا دخل بها فيما بين العقد وبين تلفظه بالطلاق.
والله تعالى أعلم.

حكم المراجعة للمرأة قبل وقوع الطلاق المعلق بصفة

السؤال

هل له أن يراجع قبل وقوع الطلاق؛ إذا قال: أنت طالق غداً؟

الجواب

هذا سيأتي: أن من علق الطلاق على صفة لم يملك الإسقاط إلا في بعض الأحوال التي استثناها بعض العلماء، وفيها خلاف، يعني: كما لو فُهم منه التحديد، وقصد التحديد، وجاء بحرف شرط لا يقتضي الدوام والاستمرار، ولذلك قالوا في هذه الحالة: يمكن أن يُحكم برفعه، كما لو كان في نيته أن يقيد منعها من دخول بيت أبيها مدة الخصومة، ومدة النزاع، ونحو ذلك، قالوا: يرتفع بارتفاع السبب الموجب.
والله تعالى أعلم.

حكم قول الرجل لزوجته: أنت طالق قبل موتي بساعة، ناوياً حرمانها من الميراث

السؤال

رجل قال لزوجته: أنت طالق قبل موتي بساعة، ينوي حرمانها الميراث، فما حكم ذلك؟

الجواب

إذا قال: أنت طالق قبل أن أموت بساعة، فإنه إذا مات فإنها مطلقة رجعية، والمطلقة الرجعية ترثه، وعلى هذا ما يؤثر هذا فيه، ولو قصد حرمانها من الميراث؛ فإنه يأثم بنيته، حتى قال بعض العلماء: إنه من خاتمة السوء -والعياذ بالله- أن يوصي الرجل بوصية جائرة، فيكون آخر ما يُكْتَب في عمله -والعياذ بالله- عمل السوء.
وقد جاء عن عثمان رضي الله عنه، وعن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنهم لم يمضوا طلاق مريض الموت لشبهته، وجماهير العلماء على العمل بهذه الفتوى، وقالوا: إنها من باب المعاملة بنقيض القصد، إلا إذا كانت الزوجة هي التي سألت طلاقها، فإن كانت هي التي سألت الطلاق، وطلقت عليه في مرض موته؛ فمذهب طائفة من العلماء: أنها لا ترثه، ولا يرثها، على تفصيل سيأتي -إن شاء الله- في كتاب الميراث.
والله تعالى أعلم.

شرح قول المصنف: [وإن قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة فطلقتان]

السؤال

مر معنا سابقاً قول المصنف -رحمه الله-: [وإن قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة فطلقتان] يقول السائل: لم أفهم قول المصنف في كيفية وقوع الطلاق طلقتين.
نرجو إعادة توضيحها؟

الجواب

هو يقول لها: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة؛ فمعنى ذلك: أنت طالق طلقتين؛ لأن الاستثناء نص القرآن ونصت السنة على أنه مؤثر، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إلا الإذخر)، وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:3]، فالاستثناء مؤثر، فهو يقول: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة، فلما قال الله عز وجل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ.
[المائدة:3]، ثم قال: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:3]، فهمنا: أبيح لكم ما ذكيتم.
نسأل الله العظيم أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع -

باب

تعليق الطلاق بالشروط

[1] الطلاق جائز في الشريعة الحكيمة سواء كان منجزاً أو معلقاً، ولتعليق الطلاق بالشروط أحكام كثيرة تدل على كمال الشريعة الإسلامية ورحمتها بالعباد.

تعليق الطلاق بالشروط

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [باب تعليق الطلاق بالشروط].
التعليق: هو جعل الشيء على الشيء، وقد قال بعض العلماء: إن مادته في اللغة تدور حول ربط الشيء بالشيء ونوطه به؛ ولذلك يقال: علق الثوب على الشجرة، إذا كان الثوب على غصنٍ من أغصانها أو فرعٍ من فروعها فاتصل بذلك الشيء المعلق به.
ومسألة تعليق الطلاق بالشروط مسألة مهمة تكثر بها البلوى بين الناس، فإن كثيراً من الناس إذا أراد أن يطلق زوجته علق الطلاق على وقوع شيء أو على عدم وقوعه، ومن هنا يرد السؤال عن حكم هذا النوع من الصيغ المتعلقة بالطلاق.
والتعليق عند العلماء رحمهم الله له ضابط ذكره بعض أئمة الأصول والفقهاء رحمةُ الله على الجميع.
فضابط التعليق هو: ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى، فهناك جملتان، وهناك أداةٌ تربط بين الجملة الأولى والجملة الثانية، ولذا فإن التعليق بالشروط يستلزم وجود شرط يترتب عليه وجود المشروط، والأداة التي تربط بين الشرط والمشروط، فهو إذا قال: أنت طالقٌ إن قمت، أو قال: إن قمت فأنت طالق، فقد ربط حصول مضمون جملة -وهي جملة الطلاق- بوقوع مضمون جملة أخرى -وهي جملة: إن قمت.
أي: القيام- فكأنه يقول: زوجتي طالق إن وقع القيام منها، ولو قال لها: إن قعدت فأنت طالق.
فقد ربط مضمون جملة الطلاق بوقوع مضمون جملة القعود، فإذا حصل القعود حصل الطلاق.
وهذا الربط بين الشرط والمشروط يجعلُ الشرط مرتباً على المشروط، فعندنا شرط وجواب في قوله: إن قمت فأنت طالق.
فالشرط: إن قمت، و

الجواب

فأنت طالق، فإذا اشترط لوقوع الطلاق قيامها فإننا نحكم بوقوع الطلاق إذا حصل القيام منها.
فالتعليق هو: ربط حصول مضمون جملة -وهي جملة الطلاق- بحصول جملة أخرى -وهي الجملة التي اشترطها لوقوع الطلاق- إن قمتِ إن قعدت إن قرأت إن ذهبت إلى بيت أبيك إن كلمت أمك إن كلمت جارتك إن كلمت أختك ونحو ذلك من الشروط التي يربط وقوع الطلاق بها.
ولذلك قال العلماء في القاعدة المشهورة: إذا وقع الشرط وقع المشروط.
وتعليق الطلاق بالشروط بابٌ من أبواب الطلاق، اعتنى العلماء رحمهم الله به لعموم البلوى به، والناس تختلف الشروط التي تكون منهم فتارة يشترط أحدهم وجود شيء وتارةً يشترط نفي الوجود، فإذا قال: إن لم تخرجي فأنت طالق، فقد علّق الطلاق على عدم الخروج، فيكون تعليقاً بطريقة النفي، وإن قال: إن خرجت فأنت طالق فيكون قد علقه بطريقة الإثبات.

الدليل على وقوع الطلاق المعلق بالشروط

قال العلماء: إن الطلاق يقع إذا وقع الشرط؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعطى المسلم الطلاق، فإن شاء نجزه وإن شاء علقه، والقياس الصحيح والنظر الصحيح يقتضي أنه إذا علق الطلاق على شيء فإنه يقع به من حيث الجملة، فإن الشرع أوقع العتق المعلق على شرط، فإذا أعتق عبيده بشرط وجود شيء ووجد ذلك الشيء فإنه يحكم بعتق العبيد، وهكذا إذا كان العبد مدبراً بحيث يعتق عليه بعد موته، فإنه يعتق عليه بوجود تلك الصفة، قالوا: والعتق والطلاق بابهما واحد؛ لأن الطلاق: التزامٌ من المكلف بما لم يلزمه في الأصل، فالطلاق ليس بواجب عليه وليس بلازمٍ عليه أن يطلق امرأته ولكنه التزم أن يطلقها، فالتزم ما لم يلزمه بالأصل، وكذلك العتق، فإنه إذا أعتق عبيده عن دبر وجعل عتقهم مدبراً فإنه قد علق العتق على وجود صفة وهي الموت، فإذا وجد الموت وجد العتق وحُكم به، ولهذا قالوا: ينفذ الطلاق بالشروط كما ينفذ العتق بالتدبير بجامع كون كلٍ منهما التزاماً من المكلف بما لا يلزمه بأصل الشرع، وجماهير العلماء والأئمة على أن الطلاق يقع إذا كان مرتباً على شرط ووقع ذلك الشرط، وصيغة الشرط معتبرة في كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن اشترط شيئا ووقع ذلك الشرط فإنه يلزمه ما التزمه في المشروط، فإن هذه الصيغة في أصل الوضع اللغوي صيغةٌ مؤثرة؛ ولذلك اعتبرت الشروط، قال صلى الله عليه وسلم: (المسلمون على شروطهم)، فإذا اشترط لامرأته أنها إن خرجت فهي طالق أو إن دخلت فهي طالق أو إن قامت فهي طالق، فهذا شرطٌ بينه وبين زوجه، فتطلق عليه إن وقع ذلك الشرط كما لو طلقها طلاقاً منجزاً.

من يصح منه التعليق

قال رحمه الله تعالى: [لا يصح إلا من زوج].
أي: لا يصح الطلاق المعلق إلا من زوج، وهذه الجملة المراد بها: أن صيغة التعليق لا تصح إلا بعد وجود عقد النكاح، فلو أن رجلاً قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فمعنى ذلك: أنه علق تطليق المرأة بما إذا تزوج بها، فإذا نظرنا إلى هذا التعليق وجدناه وقع من غير الزوج، وهو الأعزب، فإذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق أو أيما امرأةٍ أتزوجها فهي طالق أو إذا نكحت فامرأتي طالق فإن هذه الصيغة لاغية ولا تأثير لها؛ لأن الطلاق لا يصح إلا بعد وجود العقد، فإذا علق الطلاق بالشرط ولم يعقد على المرأة، فإن الطلاق لم يصادف محلا، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب:49]، ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى جعل الطلاق مرتباً على وجود العقد، فدل على أنه لا طلاق قبل عقد النكاح، فلو سألك سائل وقال: اشترطت على نفسي وقلت: كل امرأةٍ أتزوجها فهي طالق، هذا في حالة العموم، أو خصص وقال: إذا تزوجت خديجة أو تزوجت من قبيلة فلان، أو من بيت فلان أو من بني عمي أو من بني خالي فهي طالق، فحينئذٍ سواءً عمم أو خصص بذكر القبيلة أو ذكر المدينة أو غير ذلك فنقول: هذا لغوٌ، ولا يترتب عليه ثبوت الطلاق لدليلين: أولهما: دليل الكتاب، والثاني: دليل السنة، أما دليل الكتاب فإن الله تعالى جعل الطلاق مرتباً على وجود العقد، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب:49]، فجعل الطلاق مرتباً على وجود العقد، وبهذا استدل الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: (لا طلاق فيما لا يملك)، وفي الحديث الآخر في السنن: (إنما الطلاق لمن أخذ الساق)، فدل هذان الحديثان -وقد صححهما غير واحد من أهل العلم- على أن الطلاق لا يقع إلا إذا وجدت العصمة، وأن من علق طلاقه على وجود العصمة أو طلق قبل العصمة فإنه قد طلق امرأةً أجنبية ولا يقع الطلاق، وقد بينا مذاهب العلماء وذكرنا أن هذه المسألة اختلف العلماء رحمهم الله فيها فقال بعض العلماء: إن الذي يشترط على هذا الوجه عموماً أو خصوصا فإن شرطه لازم وتطلق عليه المرأة بمجرد أن يعقد عليها، وعلى هذا سيبقى مدى عمره بدون نكاح، وهذا لا شك أنه خلاف شرع الله، لأنه سيؤدي إلى تحريم ما أحل الله عليه، ولربما وقع في الحرام، خاصة في الأزمنة التي لا يوجد فيها ملك اليمين، وقال بعض العلماء: إن هذا الشرط لاغ ولا طلاق إلا بعد نكاح، وهو الراجح كما ذكرنا، وقال بعض العلماء: إن عمم فإنه يلغى قوله: ولا يعتد به، وإن خصص اعتد بتخصيصه، وهذا مرويّ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقال به بعض أصحاب الإمام مالك، والصحيح: أن الطلاق لا يقع إلا إذا وجد النكاح، وأن من قال كل امرأةٍ أتزوجها فهي طالق، أو أيما امرأة أتزوجها فهي طالق، أو أيما امرأة من بني فلان أو من قرية كذا أو من بلدة كذا، كل ذلك لغوٌ ولا تأثير له في إثبات الطلاق.

عدم وقوع الطلاق المعلق بالشرط إلا عند حصول الشرط

قال رحمه الله تعالى: [فإذا علقه بشرط لم تطلق قبله، ولو قال: عجلته، وإن قال: سبق لساني بالشرط ولم أرده وقع في الحال].
(فإذا علقه بشرط لم تطلق قبله) يعني: إذا علق الطلاق بشرط لم تطلق المرأة قبله، أي: قبل وجود الشرط؛ لأن الذي بينه وبين الله عز وجل: أن امرأته طالق إن وجدت هذه الصفة المشروطة، فهو يقول لها: إن قمت فأنت طالقٌ، فإننا لا نحكم بطلاقها إلا إذا وجد القيام؛ لأن الطلاق تعلق على صفة فإن وجدت الصفة حكمنا به وإلا فلا، فلو أنها ماتت قبل قيامها لم تطلق، ولو قال لها: إن خرجت من الدار فأنت طالقٌ فلم تخرج من دارها فإنها امرأته ويحل له أن يستمتع بها وهي امرأته حتى تخرج، فيسري عليها حكم المطلقة على حسب ما علق من طلاق.
فهاتان مسألتان: الأولى: أنه لا يقع الطلاق إلا بعد وقوع الشرط.
الثانية: أنها زوجته فيما بين التلفظ بالشرط وما بين وقوعه وحدوث الطلاق.
فلو سألك سائل: لو أن رجلاً علق طلاق امرأته على صفة، فقال لها: إن خرجت أو إن دخلت أو إن انتهى الشهر أو نحو ذلك فأنت طالق، فهل هي زوجةٌ له قبل وجود الصفة أو لا؟ تقول: هي زوجةٌ له حتى يقع الشرط وحينئذ يحكم بوقوع الطلاق.

ادعاء الزوج تعجيل إيقاع الطلاق المعلق بالشرط

(ولو قال: عجلته).
ولو قال: عجلت الطلاق، قوله: (ولو) إشارة إلى خلاف المذهب، قال بعض العلماء: إذا قال لامرأته: أنت طالقٌ إن تكلمت اليوم وبقي من اليوم عشر ساعات فننتظر خلال العشر ساعات حتى يتم اليوم، فإذا مضت ولم تتكلم فلا طلاق، فنقول: الأصل أن يبقى الطلاق معلقاً على صيغة الخطر، وصيغة الخطر أن يبقى الأمر متردداً، ولذلك صيغة الشرط التعليق بها منبن على الخطورة كما يقول بعض الفقهاء رحمهم الله، بمعنى: أنه يحتمل أن يقع فيقع الطلاق ويحتمل أن لا يقع الشرط فلا طلاق، فتصبح صيغة مترددة على خطر، يحتمل أن تبقى المرأة في عصمته إذا لم يقع الشرط، ويحتمل أنها تطلق إذا وقع الشرط فالأمر متردد، والحال على خطر، فلا نحكم بالطلاق إلا إذا وجد الشرط، وعلى هذا لو قال لها: أنت طالقٌ إن جاء أبوك اليوم فلم يأت أبوها، وجلست تنتظر فما جاء أبوها، فيبقى الأمر معلقاً، فإن قال: عجلت الطلاق، لم يقبل منه؛ لأن الأصل أن الطلاق معلق، فإذا أراد تعجيله فليأت بصيغةٍ ثانية يراد بها التعجيل.
وقال بعض العلماء: إن قال عجلته أوقعنا الطلاق بقوله: أنت طالقٌ، وأسقطنا قوله: إن جاء أبوك اليوم، وتصبح طالقة بقوله: أنت طالق، فأصبحت الصيغة في ذاتها بين التنجيز والتعليق، قالوا: نحكم بطلاقه بقوله: أنت طالق، لأنه ألغى التعليق فبقي الأصل وهو قوله: أنت طالق، والصحيح ما اختاره المصنف: أنه إذا قال لها: أنت طالق إن جاء أبوك، أو: أنت طالق إن غربت الشمس، فإنها لا تطلق إلا بوقوع الصفة، وإن قال: عجلت لا يعتد بقوله؛ لأن الصيغة ليست دالة على ما قال، فهي صيغة تعليق في أصل الوضع اللُّغوي، ودالة على التعليق، فلا نحكم بكونها مطلقة بقوله: عجلت، وهذا هو أصح أقوال العلماء رحمهم الله.
قال رحمه الله: (ولو قال: عجلته)، يعني: لو قال: عجلت وقوع الطلاق، فإنه لا يعتد بقوله، لكن لو أنه قال: أنت طالق ونوى في قلبه أنها طالق، ثم قال: إن جاء أبوك اليوم، فنيته أنه معجل فيكون قوله: إن جاء أبوك، صيغة تعليق جاءت بعد وقوع الطلاق وتنجيزه، وهذا شيءٌ بينه وبين الله، فلو أقر عند القاضي أن الصيغة قالها على هذا الوجه، وأنه أدخل التعليق كحيلة ثم تاب واستغفر؛ فإنه يحكم بكونها طالقاً لقوله: أنت طالق، ويكون طلاقاً منجزا، ولا يحكم بكونه طلاقاً معلقاً.
ومن عجيب ما ذكره بعض العلماء -رحمهم الله- أنه لو قال: أنت طالق بعدد شعر إبليس -وهذا ذكره الإمام النووي رحمه الله- قال بعض العلماء: إنها لا تطلق؛ لأننا لا نعلم هل لإبليس شعر أو لا! والأصل: أنها زوجه، لكن قال بعض العلماء وهو أصح: قوله: أنت طالق، إثبات للطلاق، وقوله بعد ذلك: بعدد شعر إبليس زيادة على الواحدة، يعني: أنه يريد أكثر من واحدة، فنبقى على الأصل من أنه طلق، والزائد ملغي وهذا هو الصحيح.
فبعض العلماء يرى أنه إذا قال: أنت طالقٌ، وذكر صيغة الشرط بعد ذلك، ونوى في قلبه أنها طالق مباشرة، فصيغة الشرط جاءت على سبيل اللغو، فيحكم بكونها طلقاً بالقول الأول وبالجملة الأولى وتلغو صيغة الشرط.
قوله: (وإن قال: سبق لساني بالشرط ولم أرده وقع في الحال).
فهو يريد أن يقول: أنت طالق البتة، فسبق لسانه وقال: أنت طالقٌ إن جاء أبوك، نقول له: هذا الشرط الذي قلته: إن جاء أبوك قصدته أو لم تقصده؟ قال: سبق لساني به وأقر أنه لم يقصده، فيكون التعليق غير مقصود وتكون مطلقة بقوله: أنت طالق.

ادعاء الزوج التعليق في لفظ الطلاق

قال المصنف رحمه الله: [وإن قال: أنت طالق وقال: أردت: إن قمت، لم يقبل حكما].
العلماء -رحمهم الله- من دقتهم أنهم يذكرون الأمور المحتملة، فقد يذكر التعليق ويقصده، وقد يذكر التعليق ولا يقصده، وقد لا يذكر التعليق ويقصده، فالقسمة العقلية تقتضي ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يذكر التعليق ويقصده، ففي هذه الحالة اجتمع عندنا اللفظ والنية، فاجتمع الظاهر والباطن على إرادة التعليق، مثال ذلك: أنت طالق إن قمت، فاللفظ لفظ تعليق والنية والقصد أنه تعليق، فالحكم في هذه الحالة أننا نبقى إلى وقوع الشرط.
الحالة الثانية: أن يعلق باللفظ ولكن لم يرد ذلك التعليق ولم ينوه، وسبق لسانه بالتعليق، فنقول: العبرة بنيته، والمرأة طالق بقوله: أنت طالق، فيكون قوله: إن قمت، حشواً ولغواً لا تأثير له؛ لأنه لم يقصد تعليق الطلاق، ويثبت طلاقه.
الحالة الثالثة: أن يقصد ولا يتلفظ، فيقول لامرأته: أنت طالق، ويسكت، وهنا معناه: أنها تطلق منجزاً، فقلنا له: قد طلقت عليك زوجك! قال: لا، أنا قصدت في نيتي: أنت طالق إن قمت، فنوى التعليق بقلبه، فالصورتان الأخيرتان متضادتان، إما أن يكون الظاهر للتعليق والباطن خلاف التعليق أو العكس: أن يكون الباطن للتعليق وقصد التعليق والظاهر لا يريد التعليق، وليس فيه ذكرٌ لصيغة الشرط، فإن تلفظ بالطلاق ونوى في قلبه أنها مطلقةٌ بالتعليق فالعبرة بالظاهر، والباطن لا عبرة به، قال عليه الصلاة والسلام: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس)، فالقاضي يحكم بطلاق المرأة مباشرة ولا يلتفت إلى تعليقه، فنحكم بالظاهر؛ لأن هذا هو الأصل، ولو فتحنا الباب لأمكن كل زوج أن يدعي أنه نوى التعليق في قلبه فيقول: لا، أنا قصدت: إن قمت، قصدت: إن طرت، قصدت: إن فعلت، ولربما جاء بالمعجز حتى يخرج من تبعة طلاقه، فهذا بالنسبة للحالة الثالثة وهي: أن ينوي في قلبه التعليق ولا يتلفظ به، والحالة الثانية عكسها: أن يتلفظ بالتعليق ولا ينوي ذلك التعليق قال: لم أرده، ولم أقصده، بل سبق به لساني، فقال بعض العلماء: إذا تلفظ وقال لها: أنت طالقٌ إن قمت، وبينه وبين الله أنه قصد تطليق امرأته في الحال قبل قيامها، وجملة: إن قمت، زلة من لسانه، واعترف بذلك فإنها مطلقة عليه بمجرد قوله: أنت طالق، وهذا لا إشكال فيه، فأصبحت ثلاث صور: إما أن يكون التعليق بالظاهر والباطن، ومثالها أن يقول: أنت طالق إن قمت، أنت طالق إن غربت الشمس، أو إذا غربت الشمس فأنت طالق، إذا جاء الغد فأنت طالق، فحينئذٍ نحكم بكون الطلاق معلقاً على الصفة أو على الشرط الذي ذكره على حسب الأحوال، وأما إذا كان قد تلفظ ولم ينو التعليق، أو نوى التعليق ولم يتلفظ به فالحكم في الحال الأولى: إذا تلفظ بالتعليق ولم ينوه وقال: سبق به لساني، فالعبرة بنيته ولا يلتفت إلى وجود التعليق؛ لأنه لم يرده وسبق به اللسان، فوجوده وعدمه على حد سواء، وأما إن قال: أنت طالقٌ، وقصد التعليق في الباطن فتطلق عليه امرأته على الظاهر ولا يلتفت إلى النية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بالظاهر وقال: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس).
وقوله: (لم يقبل حكماً) أي: في القضاء، لكن يقبل فيما بينه وبين الله عز وجل، مثلاً: قالت المرأة: سأخرج، قال: لا تخرجي، قالت: سأخرج، قال: لا تخرجي أنت طالق، ونوى بقلبه: إن خرجت، ففي هذه الحالة يقول جمهور العلماء رحمهم الله: إنها لا تطلق إلا إذا خرجت ديانة بينه وبين الله، لكن إذا رُفع إلى القاضي حكم بالظاهر وقال: زوجتك مطلقة عليك؛ لأنك قلت: أنت طالق، ولم تقل: إن خرجت، فيحكم بكونها طالقاً سواءً خرجت أو لم تخرج، وإذا كان بينك وبين الله أنك لا تطلقها إلا إذا خرجت فننظر: لو أن هذا الرجل قالت امرأته: سأخرج، قال: لا تخرجي، قالت: سأخرج، قال: لا تخرجي، أنت طالق، وقصد أنها طالق إن خرجت ونوى بذلك أنها طالق في ذلك اليوم إن خرجت، ومضى اليوم كله ولم تخرج، فإنها امرأته ولا يحكم بكونها طالقة، فإن غابت شمس ذلك اليوم ولم تخرج فهي امرأته، فلو أن القاضي حكم بكونها مطلقة فتطلق بالظاهر، لكن فيما بينه وبين الله عز وجل أنه لم يرد إلا التعليق ولم تخرج المرأة فإنها امرأته يرثها وترثه وتسري عليها أحكام الزوجية، ولو أنه جامعها؛ فإنه يحكم بكونها امرأةً له فيما بينه وبين الله عز وجل، وحكم القاضي بكونها ليست امرأته حكم في الظاهر، ولكنها زوجه في الباطن، كما لو حكم القاضي بأن بيتك لشخص آخر جاء بشهود كاذبين، فإن البيت بيتك، وملكٌ لك فيما بينك وبين الله، ولا يحل له، وليس من حقه، وإذا علم بذلك من اشترى منه فيكون قد اشترى المغصوب والمأخوذ بالحرام.
فالمقصود أننا نحكم على الظاهر والسرائر نكلها إلى الله، فنفرق بين كونه نوى التعليق أو لم ينو التعليق على التفصيل الذي ذكرناه في الثلاث الصور.

أدوات الشرط التي يقع بها التعليق

قال رحمه الله تعالى: [وأدوات الشرط: إن وإذا ومتى وأي ومن وكلما وهي وحدها للتكرار، وكلها ومهما بلا لم أو نية فور أو قرينة للتراخي، ومع لم للفور إلا إن مع عدم نية فور أو قرينة].
هذه الشريعة شريعة كاملة، وفصّل الله عز وجل فيها كل شيء تفصيلا، فهي شريعة تقوم على إعطاء كل شيء حقه وقدره، حتى الألفاظ التي يتلفظ بها المسلم: إن كانت بالطلاق منجزاً حكمنا بكون الطلاق منجزاً، وهذا هو لفظه، وهذا هو الذي بينه وبين الله: أنه يطلق امرأته طلاقا منجزا، وإن تلفظ بلفظ وكان اللفظ دالاً على التعليق فبينه وبين الله أن امرأته تطلق إذا وُجِدت هذه الصفة، أو وجد هذا الزمان أو وُجد هذا الحال الخ.
فإذا قلنا: إن كل لفظٍ وكل حرف وكل جملة لها معنى ولها دلالة، فلا بد أن نعطي كل زوجٍ حقه فيما تلفظ به من صيغ الطلاق، وصيغ التعليق تكون بحروف الشرط: إن وإذا ومتى ومن ومهما وكلما وأي ونحوها من أدوات الشرط، فينبغي أن تعطى كل أداة دلالتها، فتوجد أدوات تدل على الشرط، وهناك أدوات تدل على الشرط المقترن بالزمان، وأدوات تتمحض في الزمان؛ ولذلك يختلف الحكم بحسب اختلاف هذه الأدوات، ودلالتها، وما وضعت له في أصل اللغة، وقد قرر جمهور العلماء من الأصوليين أن اللغة من وضع الشارع سبحانه وتعالى، فلا يستطيع أحد أن يأتي بصيغة أو بلفظ أو بجملة لها دلالتها في اللغة ويصرفها عن هذه الدلالة.
مثلاً: لو قال: إن قمت فأنت طالق، قلنا له: إذا قامت طلقت قال: لا، أنا أقصد بهذه الصيغة التمجيد، نقول: هذا قصدك لك أنت، لكن من ناحية وضع اللغة ووضع الألفاظ فإن هذه الألفاظ وضعها الشارع دالة على هذه المعاني، فيؤاخذ بلفظه، واستدل جمهور الأصوليين على هذا بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلّهَا﴾ [البقرة:31]، فأصل اللغة أنها من وضع الشارع، فلو أن شخصاً قال: والله لا أكتب، فقلنا له: إذا كتبت لزمتك كفارة اليمين قال: لا، أنا أقصد: لا أسوق السيارة أو لا أخرج من البيت، نقول: إن الكتابة وضعت للدلالة على هذا المعنى الذي يجري به البنان بحروف معينة، فإذا وقعت منك الكتابة على هذه الصفة فحينئذٍ تلزمك اليمين وعليك الكفارة، وكونك تقصد شيئاً آخر هذا لك أنت، لكنه لا يؤثر في الأحكام الشرعية.
ولهذا ينبغي على الفقيه وعلى العالم أن يقف مع كل حرف وكل صيغة فيما تدل عليه، فهذا كتاب الله عز وجل، قد جاء بصيغة الشرط وجاء بدلالاتها ومعانيها، فلا بد من التقيد بهذه الدلالات والمعاني.

الأسئلة

حكم من علق الطلاق بشرط فوقع الشرط في وقت نهي عن الطلاق فيه

السؤال

هل يأثم من علق طلاق امرأته على شرط، وحصل الشرط في وقت بدعي كأن يحصل الشرط وهي حائض أو في طُهر جامعها فيه؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: فستأتي هذه المسألة في مسألة تعليق الطلاق بالحيض، ويتبعها الكلام على مسألة الطهر، وإذا علق تطليق امرأته على صفة ووجبت حال حيضها، فيأتي الخلاف في مسألة وقوع الطلاق في الحيض وقد قدمنا هذه المسألة، وبينا فيها كلام العلماء والحكم فيها على التفصيل الذي سبق بيانه، والله تعالى أعلم.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
الأسئلةحكم تساهل بعض طلاب العلم بالألفاظ التي يذكرها الفقهاء في باب الطلاقالسؤالالجوابحكم من قال: (نسائي طوالق إلا واحدة) ولم يعينهاالسؤالالجوابنصيحة لطالب العلمالسؤالالجوابباب الطلاق في الماضي والمستقبل [1]الطلاق في الماضيحكم طلاق من مات أو جن ولم يعرف مراده بلفظ الطلاقالسؤالأحكام الطلاق في الماضيأحكام الطلاق في المستقبلصور الطلاق في المستقبلحكم دخول الخلع على الطلاق في المستقبلحكم تعليق الطلاق بالموتتعليق الطلاق على مستحيلباب الطلاق في الماضي والمستقبل [2]تعليق الطلاق على المستحيل بالنفي أو الإثباتتعليق الطلاق على المستحيل بالإثباتتعليق الطلاق على المستحيل بالنفيالجوابأحكام تعليق الطلاق على الزمانتعليق الطلاق على زمن مستحيلتعليق الطلاق على الزمن الحاضرالسؤالتعليق الطلاق على ما يستقبل من الزمانتعليق الطلاق بزمن مع نية آخرهحكم قول الرجل: أنت طالق إلى شهر أو سنةحكم قول الرجل: أنت طالق إلى الشهر أو السنةالأسئلةالفرق بين قول الزوج لزوجته بعد العقد: أنت طالق إلى شهر، وبين زواج المتعةالسؤالالجوابحكم المراجعة للمرأة قبل وقوع الطلاق المعلق بصفةالسؤالالجوابحكم قول الرجل لزوجته: أنت طالق قبل موتي بساعة، ناوياً حرمانها من الميراثالسؤالالجوابشرح قول المصنف: [وإن قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة فطلقتان]السؤالالجوابتعليق الطلاق بالشروطالجوابالدليل على وقوع الطلاق المعلق بالشروطمن يصح منه التعليقعدم وقوع الطلاق المعلق بالشرط إلا عند حصول الشرطادعاء الزوج تعجيل إيقاع الطلاق المعلق بالشرطادعاء الزوج التعليق في لفظ الطلاقأدوات الشرط التي يقع بها التعليقالأسئلةحكم من علق الطلاق بشرط فوقع الشرط في وقت نهي عن الطلاق فيهالسؤالالجواب
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل