شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 4-12
أهل الأثرالأرشيف العلمي

نصاب الذهب والفضة

قال المصنف رحمه الله: [يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالاً، وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم ربع العشر منهما].
قوله: (يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالاً) هذا هو نصاب الذهب، والأصل فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ علي: (إذا كان عندك دنانير أو ذهب فبلغ عشرين ديناراً، ففيها نصف دينار)، رواه الإمام الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد، وهذا الحديث حسّن إسناده غير واحد من العلماء رحمة الله عليهم، وفيه كلام؛ لأنه من رواية عاصم بن أبي ضمرة عن علي رضي الله عنه، وفيه الكلام المعروف.
فيقولون: إن الإجماع انعقد على هذا الحديث، أن العشرين مثقالاً هي نصاب الذهب، ولا شك أن العلماء سلفاً وخلفاً أجمعوا على أن عشرين مثقالاً هي نصاب الذهب، فما نقص عن عشرين مثقالاً لا زكاة فيه، وبناءً على ذلك، قالوا: ينظر إلى وزنها وعِدلها، وعدل عشرين مثقالاً خمسة وثمانون من الغرامات الموجودة حالياً، فإذا بلغ الذهب خمسة وثمانين غراماً فإنه تجب فيه الزكاة، وإذا كان دون ذلك فإنه دون النصاب المعتبر، وهناك خلاف في المثقال، مما جعل الأنصبة عند العلماء تختلف، خاصة مع وجود الشوب في الدنانير القديمة، فبعض العلماء يقول: إنها تصل إلى ستة وتسعين غراماً، والخلاف ما بين خمسٍ وثمانين وست وتسعين غراماً، لكنه بالخالص المحرر هو خمسة وثمانون غراماً، وهو ما يعادل أحد عشر جنيهاً وثلاثة أسباع الجنيه السعودي، وهذا هو قدر النصاب من الذهب، والإجماع منعقد على وجوب الزكاة في هذا القدر، وأن ما دونه لا تجب فيه الزكاة.
قوله: (وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم)، أما بالنسبة للفضة، فربطها النبي صلى الله عليه وسلم بمائتي درهم، والإجماع قائم على ذلك أن مائتي درهم هي نصاب الفضة، ولا خلاف في هذا من جهة العدد.
أما من جهة الوزن فخمس أواق، وفيها حديث الصحيحين: (ليس فيما دون خمس أواق من الفضة صدقة)، فهذا يدل على أن العبرة بخمس أواق وبمائتي درهم، إن كانت عدداً فبالدراهم، وإن كانت وزناً فبالأوقية، أما ضابطها بالغرامات، فهناك خلاف بين الجمهور والحنفية، والجمهور يقولون: إن مائتا درهم عربي تصل إلى خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، هذا بالنسبة لقدرها بالغرامات.
هذا القدر أجمع العلماء على اعتباره في الذهب والفضة، لورود السنة في الفضة في الصحيحين، وأما بالنسبة للذهب فالحديث الذي ذكرناه، وله شواهد منها ما ذكره الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام رحمه الله في كتابه الأموال، وكذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فهذه الأحاديث هي أصل في نصاب الذهب ونصاب الفضة على الصورة التي ذكرناها.
قوله: (ربع العشر منهما) أي: من الذهب ومن الفضة، فعشرون ديناراً عشرها ديناران، وربع الدينارين يعادل نصف دينار، ولذلك في كل عشرين ديناراً نصف دينار كما جاء في حديث علي رضي الله عنه.
وأما بالنسبة للفضة ففي كل مائتي درهم خمسة دراهم، هذا هو ربع العشر لورود النص فيه: (في الرقة في كل مائتي درهم ربع العشر) ويسميه العلماء رحمهم الله القدر الواجب، وفي هذا العصر يقولون: يعادل اثنين ونصف في المائة، هذا القدر هو الذي أوجبه الله عز وجل في زكاة الذهب وزكاة الفضة.

حكم ضم النقدين إلى بعضهما

قال المصنف رحمه الله: [ويضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب].
قوله: (ويضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب) هذه مسألة خلافية، وصورتها: أن يكون عند الإنسان نصف النصاب من الذهب، وعنده فضة بحيث لو جمعت مع الذهب بلغت النصاب، سواء قلنا: عِدلها من نصاب الفضة أو عِدلها من نصاب الذهب، فحينئذٍ يرد

السؤال

هل كلٌ منهما ينظر إليه بانفراد، ويعتبر نوعاً مستقلاً، أم أنهما يضمان مع بعضهما؟ للعلماء في هذه المسألة قولان: منهم من يرى الضم، وهم الجمهور، ومنهم من لا يرى الضم وهم الشافعية، واحتج الشافعية بالأصل، قالوا: إن الشرع جعل الفضة نوعاً من الأموال، وجعل الذهب نوعاً من الأموال، ولا يمكن أن نضم النوع إلى النوع، كما أننا لا نضم الإبل إلى البقر، ولا نضم الغنم إلى الإبل، فنظراً لاختلاف الأنواع ننظر إلى كل نوعٍ على حدة، وهذا المذهب يستند إلى الأصل كما ذكر أن الذهب نوع والفضة نوع، والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، سواء بسواء، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)، وبالإجماع أنه يجوز بيع الذهب بالفضة متفاضلين، فدل على أنهما نوعان مختلفان، وهذا بالإجماع في الصرف، فإذا كان في نظر الشرع في الصرف أنهما نوعان مختلفان، فكذلك في الزكاة، وهذا القول هو أسعد القولين بالدليل، وأولاهما بالصواب إن شاء الله تعالى؛ أن لكل منهما نصاباً معتبراً، ولا بد أن تبلغ الفضة نصابها وأن يبلغ الذهب نصابه خلافاً للجمهور رحمة الله عليهم الذين يقولون بضم كل منهما إلى الآخر.

حكم ضم قيمة العروض إلى النقدين

قال المصنف رحمه الله: [وتضم قيمة العروض إلى كل منهما].
(وتضم قيمة العروض إلى كل منهما)، صورة المسألة: فلان من الناس عنده متجر، يتاجر فيه بطعام أو كساء أو دواء، أو نحو ذلك، وهذا المتجر له رأس مال مائة ألف، دخل بها فتاجر، فمن المعلوم أن البائع والمتاجر، تارة تكون عنده الأعيان من الأكسية والأغذية، ونحوها، وتارة تكون عنده النقود، وتارة يكون عنده الاثنان، فيكون الدرج فيه المال والنقد من الذهب والفضة، ويكون المحل فيه العروض، فإذا دخل برأس مالٍ للمتاجرة فيه، جُعِل هذا الشيء بمثابة الشيء الواحد، لأنه لما فرغ المائة ألف والمائتين للتجارة أعطيت حكم المال الواحد، فحينئذٍ ينظر إلى قيمة ما في المتجر من العروض المعروضة سواءً كانت من الأطعمة أو الأكسية أو الأغذية أو غيرها من العروض المعروضة، ويضيفها إلى ما في درج التاجر، فإذا بلغت النصاب وجبت الزكاة، ويقع ذلك إذا كانت العروض نصف النصاب، وكان الذي في الدرج يعادل النصف، فإذا قيل بالضم وجبت الزكاة؛ لأنه بضم بعضهما إلى بعض بلغا النصاب الذي أوجب الله فيه الزكاة، وهذا هو المعتبر لأنهما بمثابة المال الواحد أما لو كان الذي في الدرج مال مُرصَد لغير التجارة، كإنسان قبل الحول بيوم عنده مال استفاده من دين مائة ألفٍ -مثلاً- فجاء ووضعه في درج متجره للحفظ أو نحو ذلك، فالمائة ألف هذه التي جاءته من الدين لا نضمها إلى ما في المتجر عند حولان الحول، وإنما نضم المال المدار الذي احتكره للتجارة، أو جاءه عن طريق التجارة، وأما ما جاءه عن طريق إرث أو دين، فهذا له حكم المستقل، إلا إذا ضمه لرأس المال للمتاجرة به.

حكم اتخاذ الذهب والفضة للرجل

قال المصنف رحمه الله: [ويباح للذكر من الفضة الخاتم].
قوله: (ويباح للذكر من الفضة الخاتم)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لبس الخاتم من الفضة، وسبب ذلك: أنه لما أراد أن يكاتب ملوك الأرض للدعوة إلى الله عز وجل، قيل له: إن الملوك لا يقرءون الكتب إلا إذا خُتمت، فاتخذ خاتماً صلوات الله وسلامه عليه، وكتب إليهم يدعوهم إلى الإسلام، فهذا الخاتم كان في يده صلوات الله وسلامه عليه، ثم بعد ذلك انتقل إلى أبي بكر ثم عمر ثم عثمان، وكان عثمان رضي الله عنه تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم يمر بقباء فيصلي فيه، ثم يجلس على قف بئر أريس، وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك، فجاء عثمان وجلس على قف البئر وما زال يعبث بخاتمه حتى سقط الخاتم من يده في البئر، وطلبوه فلم يجدوه، وبئر أريس بئر بقباء من الجهة الغربية إلى الجهة الجنوبية من المسجد، ويعرف البئر ببئر الخاتم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يجلس عليه، وكان من الفضة، كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من الفضة، وما عاش عثمان بعد سقوط الخاتم إلا يسيراً، قيل سنة، ثم قُتِل رضي الله عنه، فكان فقد الخاتم إشارة إلى ما يكون من الفتن التي افتتح بها البلاء على الأمة بعد ذلك، وهي من الأمور التي كانت من علامات الحوادث التي وقعت في زمانه رضي الله عنه وأرضاه.
أما بالنسبة للخاتم فهو ثابت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان من الفضة.
وأما بالنسبة للذهب، فإنه لا يجوز أن يتختم به الرجل، فإن تختم به الرجل، فهو جمرة من نار والعياذ بالله، يعذَّب بها يوم القيامة كما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه رأى رجلاً قد اتخذ خاتماً من ذهب، فقال: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في إصبعه)، وهذا يدل على أنه إذا تختم بالذهب عذبه الله يوم القيامة، قيل: يعذب في قبره، وقيل: يعذب في حشره، وظاهر النص الإطلاق؛ لأنه قال: (جمرة من نار)، وهذا لا تقييد له، لا بالبرزخ ولا بالآخرة.
وأما بالنسبة للنساء، فيجوز لهن التختم بالذهب والفضة، وهذا بإجماع العلماء؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:18]، فالمرأة تتحلى وتتزين، وشرع الله عز وجل لها الزينة، وذلك لمقاصد اعتبرتها الشريعة الإسلامية، لما فيها من حصول الألفة في الزواج ونحو ذلك، وأما بالنسبة للرجل فالإجماع قائم على تحريم الذهب على الرجال، لكن استثنى بعض العلماء اليسير، وسيذكر المصنف رحمه الله بعضاً من ذلك، فمن هذه الاستثناءات صور ذكرها أهل العلم، منها ما ورد فيه النص بأصله، ومنها ما استثناه العلماء من باب الاستحسان، وفيه بعض الآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم، ومنها ما استثناه العلماء اجتهاداً.
قال المصنف رحمه الله: [وقبيعة السيف].
قوله: (وقبيعة السيف) قالوا: إنها تستثنى، فيجوز أن تكون من الفضة؛ لأن قبيعة سيف النبي صلى الله عليه وسلم كانت من الفضة، وهذا ورد به النص، وعلل العلماء رحمهم الله بأن قبيعة السيف، وهي التي تكون على رأس المقبض أشبه بالكرة أو الدائرة التي تكون في آخر اليد حتى يستطيع الإنسان إذا أمسك بالسيف أن يحكم إمساكه فيقوى ضربه لمن يقاتل، فهذه القبيعة استثنيت أن تكون من الفضة، فيجوز اتخاذها من الفضة، وفيها حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال العلماء: إن الحكمة في ذلك إرهاب العدو، فإن العدو إذا رأى المسلمين في أحسن هيئة وأحسن حال هابهم، ويكون ذلك أدعى لحصول مقصود الشرع من كسرة شوكة الكفار، وهذا كما ذكرنا من باب التعليل للنص، ومن هنا قاس بعض العلماء على القبيعة صوراً الأصل يقتضي تحريمها، ولكنهم استحسنوها، وقالوا بجوازها اجتهاداً، وفي هذا الاجتهاد نظرٌ لا يخفى.
قال المصنف رحمه الله: [وحلية المنطَقة ونحوه].
قوله: (وحلية المنطَقة) وهي التي يُشد بها وسط الإنسان، أشبه بالحزام وتكون لحاملة السيف تُحلّى ويوضع فيها شيءٌ من الفضة، استثنيت هذه وفيها بعض الآثار عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن يرى فعل الصحابي حجة يستثنيها، وليس فيها شيءٌ صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: (ونحوه)، أي: ونحو ذلك، وهذا يقتضي القياس، أنه ينزل منزلة هذه الأشياء، ما كان في حكمها مما فيه إغاظة للعدو وكسرٌ لشأفته، مما يتحلى به على قصد الإغاظة لهم، ولكن الذي يظهر أن هذه الأشياء الأصل فيها المنع؛ لأن الفضة في الأصل فيها وجهان للعلماء: من أهل العلم من يقول: الفضة للذكر تجوز، فيجوز أن يتخذ ما شاء منها، لقوله عليه الصلاة والسلام: (وأما الفضة فالعبوا بها لعباً)، وللعلماء خلاف في قوله: (العبوا بها لعباً)، منهم من حمله على الحقيقة، وهو اللعب الذي يكون بخاتم الإنسان، إشارة إلى ما أبيح منها وهو التختم، والإنسان من عادته إذا تختم لعب بخاتمه، قالوا: فالمقصود به حقيقة اللفظ، ومنهم من يقول: هو مجازٌ كناية عن الجواز، فاتخذوا منها ما شئتم، فيجوز أن يتخذ السيف من فضة، ويجوز أن يتخذ الخنجر من فضة، ويجوز أن يتخذ الحزام من فضة، ويجوز أن يتخذ القلم من الفضة، ويجوز أن يتخذ الإزار من الفضة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العبوا بها لعباً)، وهذا على سبيل التجوز، وإن كان الأصل حمل اللفظ على الحقيقة، وهو أقوى.
ومما يقوي حمله على الحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحائفهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)، قال العلماء: لما حرم النبي صلى الله عليه وسلم أواني الفضة، مع أن الأواني يُحتاج إليها للأكل، كأنه نبه بهذا الأعلى إلى ما دونه، وتوضيح ذلك: أن هناك أشياء ضرورية، وأشياء حاجية، وأشياء تحسينية، منها الكماليات والفضوليات، هذه ثلاث مراتب، فالضروريات هي التي تتوقف عليها حياة الناس، وهي التي يرخَّص فيها في مقام المحظورات والمحرمات، كالأمور التي تتعلق بحياة الإنسان وتتوقف عليها حياته كأكله وشربه ونحو ذلك، فهذه من مقام الضروريات، ومقام الحاجيات هي الأشياء التي لو منع الناس منها تضرروا، وحصل الضيق لكنهم لا يموتون، فيفضي إلى درجة الحرج والمشقة، فيقولون: إن وضع الطعام في أواني الذهب والفضة، نفس الأواني في مقام الحاجيات؛ لأنها تحفظ الطعام الذي يغتذي به الإنسان، ولو لم يحفظ الطعام، لا يستطيع الإنسان أن يغتذي، فهي بحكم الحاجيات، فإذا حرّم النبي صلى الله عليه وسلم وضع الذهب والفضة في الأواني، مع أنها في مقام الحاجيات، فمن باب أولى الفضول والتحسينات، كأن النبي صلى الله عليه وسلم قصد بها أن ينبه بما هو أدنى، وهذا ما يسمونه التنبيه بالأعلى على ما هو أدنى منه، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:23]، فإنه نهى عن أف فمن باب أولى أن لا يضرب الوالدين.
ولذلك يقولون: إذا حرُم أن يأكل في آنية الذهب والفضة، مع أنه يحتاج إلى حفظ الطعام بالإناء، فمن باب أولى ما هو في مقام الفضول والزينة والتحسين، ولما في اللعب بالفضة من كسرٍ لقلوب الفقراء والضعفاء، وبذلك قالوا: إنها أقرب إلى الإسراف، فالإنسان إذا لبس ساعة من فضة أو اتخذ قلماً من فضة، مع أنه يمكنه أن يتخذ ما دون ذلك، لا شك أنه سيتكلف، وستكون قيمة الفضة غالية.
وأما الذهب فلا يرخص فيه على الأصل حتى يدل الدليل على استثنائه.
قال المصنف رحمه الله: [وما دعت إليه ضرورة كأنف ونحوه].
قوله: (وما دعت إليه ضرورة كأنف) مثال ذلك: أن يُجدع أنف الإنسان -يقطع- ثم يحتاج إلى وضع الذهب ستراً لهذا الأنف، هذا من باب الضروريات، والأصل فيه حديث عرفجة بن أسعد أنه جُدِع أنفه يوم كلاب، وقيل: الكلاّب، وكان بين تميم وكندة، ثم اتخذ أنفاً من فضة فأنتن، فاتخذ أنفاً من ذهب، ولذلك قالوا: ما كان من الأعضاء مُحتاجاً إليه أن يوضع فيه ذهب أو فضة، يجوز أن يتخذ منه ما شاء من الذهب والفضة بقدر حاجته، ويبنونه على حديث عرفجة رضي الله عنه وأرضاه، ويقولون: إن هذا من باب الحاجيات، ويؤكد ذلك أن الأنف إذا جُدع فإن الإنسان يستضر بدخول الجراثيم ودخول الأشياء الكبيرة التي قد تضر به، ولذلك اتخذ الأنف دفعاً لهذا الضرر، بخلاف ما إذا كان وضع العضو تحسيناً، كتجميل سنِّ بذهب فإنه لا يجوز؛ لأنه ليس بحاجي ولا ضروري، ولا آخذٌ حكم الحاجة ولا الضرورة، ولذلك فهو حرام، فإن مات ميت وسنه من ذهب، ولبّس بالذهب، أو اتخذ سناً من ذهب، فلا يخلو من حالتين: إما أن يمكن إزالة هذا الذهب دون إضرار بالميت، فتجب إزالته، كما نص العلماء رحمة الله عليهم على ذلك.
وإما أن لا يمكن إزالته إلا بضرر من جرحٍ أو قلع للسن، وهي من أصل الخلقة، فحينئذٍ تترك، ولا يؤمن عليه أن الله يعذبه بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خاتم الذهب: (جمرة من نار)، حتى قال بعض العلماء رحمة الله عليهم: إنه إذا تحلى بالذهب في سن بدون حاجة لا يأمن أن يكون عليه جمرة من نار في فمه، نسأل الله السلامة والعافية.
ولذلك اختص الحكم بقدر الضرورة، أما الأسنان التي يحتاج إلى سدها واحتيج إلى ذهب أو فضة، فإن كانت الفضة يمكن أن تؤدي المقصود، فلا يترخص بالذهب؛ لأن ما جاز للضرورة يقدَّر بقدرها، فلا يتجاوز إلى الذهب؛ لأن الفضة أهون من الذهب، والرخصة بالفضة أيسر من الرخصة بالذهب، والذهب أشد، ولأن الفضة قد أُذن للرجل بها، والذهب لم يؤذن للرجل به، فيبقى على الأصل المقتضي للتحريم، فيُيَسَّر في الفضة ولا يُيَسَّر بالذهب، فإذا أمكنه أن يدفع ضرورته بالفضة لا يعدل إلى الذهب، لكن لو كانت الأسنان من الفضة تنتن، وتكون لها رائحة، أو اتخذها من الفضة فأنتنت وآذت، فحينئذٍ يجوز له أن يعدل إلى الذهب ولا حرج عليه في ذلك، والشرط في جواز الذهب والفضة في السن أن لا يوجد البديل، فإن وجد بديل من مع

ما يباح للنساء اتخاذه من الذهب والفضة

قال المصنف رحمه الله: [ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت العادة بلبسه ولو كثر].
قوله: (ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت العادة بلبسه) كالأسورة والقلائد والأوشحة والحزام من الذهب والفضة، وغير ذلك مما جرت العادة بلبسه، قوله: (ولو كثر) أي: ولو كان كثيراً، وذلك لأن الله عز وجل وصف النساء بكونهن يتحلين بالحلية، وذلك من شأنهن، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:18]، فجعل لهن هذا الحظ من الدنيا، وبناءً على ذلك لا حرج أن تتحلى المرأة باليسير والكثير، خاصة إذا جرى العرف بهذا اللبس، ولا يعتبر محظوراً في حقها.

حكم زكاة الحلي

قال المصنف رحمه الله: [ولا زكاة في حليهما المعد للاستعمال أو العارية].
قوله: (ولا زكاة في حليهما) المعد للاستعمال، الحلي الذي تتحلى به المرأة للعلماء فيه قولان: منهم من قال: يجب على المرأة أن تؤدي زكاة الحلي قلّ أو كثر، بشرط أن يبلغ النصاب المعتبر، وهذا هو مذهب الحنفية رحمة الله عليهم.
القول الثاني: لا تجب الزكاة في الحلي، وهذا هو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة.
واستدل الذين قالوا بوجوب الزكاة في حلي النساء بحديث الترمذي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة تطوف، وعليها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: أتؤدين زكاتهما؟ قالت: لا، قال: هما حسبك من النار)، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بيّن وجوب الزكاة، إذ الوعيد فيه لا يترتب إلا على فعل محرم أو ترك واجب، ولا شك أن الواجب هنا هو الزكاة، فدل على أن الزكاة واجبة، فجعل قوله: (هما حسبك من النار)، مرتباً على قولها: لا، فدل على أنها لو زكت لما كان حسباً لها من النار، قالوا: فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على وجوب الزكاة في الحلي، واستندوا أيضاًَ إلى الأصول، وذلك في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:103]، ولا شك أن الحلي مال؛ لأن له قيمة، وقالوا: إنه تجب فيه الزكاة، سواء كان من الذهب أو كان من الفضة.
واستدل الجمهور على إسقاط الزكاة بحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس في الحلي زكاة)، وهو حديث ضعيف؛ لأنه من رواية أيوب بن عافية، وهو ضعيف، ولا يقوى على معارضة حديث الترمذي الذي صححه غير واحد.
وبناءً على ذلك: يترجح القول القائل بوجوب الزكاة في الحلي، وحينئذٍ يجب على المرأة إذا حال الحول على حليِّها أن تنظر في زكاته إذا كان قد بلغ النصاب، فتُخرج ربع عشره، إن شاءت أخرجته من الذهب، وإن شاءت أخرجته من الفضة، أخرجت ربع العشر من الذهب، أو أخرجته بعدله من الفضة، توضيح ذلك: لو أن حليها زكاته عشرة غرامات، فحينئذٍ نقول لها: إما أن تخرجي عشرة غرامات من الذهب، وتعطى للمسكين ينتفع بها، يبيعها ويأخذ مالها، أو تنظري عِدل العشرة غرامات في يوم الحول بقيمتها من الذهب، فإذا كانت قيمة كل غرام من الذهب في يوم الحول ثلاثين ريالاً فإننا نعتبر الواجب عليها في عشر غرامات ثلاثمائة ريال، ونقول: أنت بالخيار إن شئت أخرجت عدلها من الفضة، وإن شئت أخرجت أصلها، أعني العشرة غرامات، فتُخيّر بين الاثنين، إن شاءت هذا أو هذا، لكنها إذا أرادت أن تنظر إلى عِدل الذهب من الفضة، فينبغي أن تنظر إلى اليوم الذي هو حولها، فلو كان غرام الفضة في يوم حولها يساوي أربعين ريالاً، ثم أرادت أن تخرج بعد يوم أو يومين، وقيمته خمسون أو ستون فالعبرة بالأربعين، لا بالزيادة ولا بالنقص الطارئ بعد يوم الحول، وعلى هذا لا بد أن تعرف قيمة الغرامات في يوم الحول، وتؤدي زكاته على هذا الوجه المعتبر، والعبرة بقيمة البيع لا بقيمة الشراء.
وقوله: (المعدة للاستعمال أو العارية).
بناءً على القول بإسقاط الزكاة في الحلي، كما يقول الجمهور هناك مسائل، يقولون: أولاً: ينبغي أن يكون الحلي معداً للاستعمال، فإذا كان بعضه معداً للاستعمال وبعضه لا يعد للاستعمال إلا نادراً، فإننا نوجب عليها الزكاة في النادر، وأما الغالب فلا زكاة فيه، ومن أمثلة ذلك: لو كان عندها ذهب تلبسه أكثر الحول، أو كل الحول، وذهب خاص للمناسبات بحيث لا يعادل أكثر الحول، تجب عليها الزكاة في النادر الذي تلبسه في المناسبات، ولا تجب عليها في الذي تتحلى به دائماً.
ثانياً: وأيضاً يقولون: إن الحلي يشترط فيه أن يكون مباحاً للمرأة، فما زاد وكان محرماً فإنه تجب عليها الزكاة فيه، ولا يعتبر مستثنى؛ لأن التحريم يسقط الرخصة، وكأن الحلي الأصل وجوب الزكاة فيها، فرخص بإسقاط الزكاة فيها إذا كانت تتحلى بها، وبقي ما عداه على الأصل الموجب للزكاة.
قال المصنف رحمه الله: [فإن أُعد للكراء أو للنفقة أو كان محرّماً ففيه الزكاة].
قوله: (فإن أعد للكراء) إذا قلت: إن الحلي لا زكاة فيه، فإنه قد يُعد الحلي للكراء، ومن أمثلة ذلك: أن يكون عند المرأة أسورة من الذهب، أو قلائد من الذهب، وتؤجرها على النساء، إذا صارت المناسبات تأخذ المرأة هذا السوار الليلة بمائة مثلاً، وكل سوار بمائة، وهذه المسألة فيها قولان للعلماء: من أهل العلم من يرى جواز إجارة الذهب والفضة للتجمل والزينة، ومنهم من يمنع من ذلك.
والذين يجيزون يقولون: إن المنفعة وهي الزينة مقصودة، فصارت منفعة مقصودة، فحينئذٍ يجوز أن يُستأجر، وبناءً على هذا القول الذي يقول بالجواز، كما مشى عليه المصنف رحمه الله، حينئذٍ الذي يُعد للكراء تجب فيه الزكاة مع أنه حلي، ولا تسقط عنه الزكاة على أصل المذهب الذي اختاره رحمة الله عليه؛ لأنه لما أُعد للكراء خرج عن كونه حلياً مرخصاً بإسقاط الزكاة عن صاحبه.
وقوله: (أو للنفقة) كامرأة تعد أسورة من أجل أن تبيعها، ثم بعد ذلك تنفق على نفسها وعلى عيالها، فلا تلبسها، هذا ليس بحلي ولا آخذٌ حكم الحلي وإن كان في أصله حلياً، لكنه ليس في مقام الرخصة بالحلي؛ لأنها لا تلبسه ولا تتحلى به ولا تتجمل.
وقوله: (أو كان محرماً) اتخذته وكان حراماً عليها أن تتخذه كأواني الذهب وأواني الفضة، فهذا المعد للأواني يحرم عليها أن تستعمله، وحينئذٍ لا يرخّص ولا يقال بإسقاط الزكاة عنها، فلا يقول قائل: إن الذهب حلال للنساء، وهذه الآنية اتخذتها للزينة في بيتها لا تجب عليها الزكاة بل نقول: يجب عليها أن تزكي هذه الأواني من الذهب والفضة.
والحمد لله رب العالمين.

الأسئلة

حكم شراء طعام بمال الزكاة وتوزيعه على الفقراء

السؤال

إذا كان يجب على المسلم قدر مالٍ معين من الزكاة فهل يجوز له أن يشتري بالمال طعاماً ويوزعه على الفقراء؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن الزكاة حق من حقوق الله جعله للفقراء والضعفاء في أموال الأغنياء، لا يجوز للغني أن يقدم على التصرف في هذا المال إلا بإذن شرعي، ولم يثبت في كتاب الله ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم الرخصة للغني أن يتصرف في المال الذي أوجب الله عليه أن يؤديه زكاة، فلو وجب عليه أن يخرج خمسة آلاف زكاة، لم يأمره الله عز وجل بإخراجها طعاماً، وقد وجبت عليه نقداً، من ذهب أو فضة أو ما قام مقامهما، فإذا تصرّف بالشراء فاشترى بها طعاماً للفقير، أو اشترى بها أغطية أو أكسية فإنه حينئذٍ لم يؤد الزكاة التي أوجب الله عليه وخرج بالتصرف عن كونه مزكياً إلى كونه متصدقاً، ويجب عليه ضمان هذا المال، وإخراج الزكاة لأصحابها على الوجه الذي أمر الله عز وجل، ولا وجه للاجتهاد بإخراج الأعيان بدل النقود؛ لأن الله سمّى هذا الحق للفقراء، ولا شك أن الإنسان إذا استأجر أجيراً بمائة ريال، فجاء في نهاية اليوم فقال للأجير: هذه المائة ريال اشتريت لك بها طعاماً، لا شك أن الأجير لا يرضى، ويرى أنه قد ظلمه، وقد خرج عن هذا الحق بالتصرف في المال، إلا في حالة واحدة تستثنى، وهي: أن يكون هناك أيتام وهؤلاء الأيتام لا ولي لهم، أو أيتام ومن يقوم عليهم سفيه لا يحسن التصرف، أو هناك فقير أو مسكين ولكنه لا يحسن التصرف في المال، فأنت تعلم أنك لو أعطيته الألف أو الألفين أو الثلاثة أتلفها من ساعته، ولربما صرفها في أمور لا طائل تحتها ولا نائل، والله نهانا عن إعطاء السفهاء الأموال، فإذا نويت أنك قائم عليه، بشرط أن لا يوجد ولي، فحينئذٍ تعطيه على قدر حاجته، فتمر عليه بالشهر تعطيه نفقة شهره، أو تقول لصاحب دكان: أعطه طعامه، وأجمل لي حسابه وأنا أحاسبك، فتقوم على نفقته بالشهر، أو تقوم على نفقته بالأسبوع حتى توفي مال الزكاة، فهذا لا حرج فيه، وإذا كان الإنسان يريد أن يستخدم هذه الطريقة في أناس يستطيعون الإنفاق على أنفسهم، ولكن لا يأمن منهم حسن التصرف، فيمكنه أن يعجل الزكاة قبل وقتها ثم ينفق عليهم مقسطة بالأشهر والأيام.
والله تعالى أعلم.

حكم ضم ذهب الزوجة والبنات ليبلغ النصاب

السؤال

عند زوجتي وبناتي ذهب، فهل أضم الذهب إلى بعضه لتكميل النصاب، أم ذهب الزوجة لا يضم إلى ذهب البنات أو زوجة أخرى؟

الجواب

هذا فيه تفصيل: لمن هذا الذهب الذي يلبسه البنات؟ فإن كان الذهب الذي تلبسه البنات لأمهن وهي زوجتك، فحينئذٍ ذهب الزوجة وذهب البنات بمثابة المال الواحد، وزكاته زكاة المال الواحد فيضم بعضه إلى بعض، إلا في حالةٍ وهي: أن تكون الأم قد نوت العطية، فأعطت ابنتها، فالبنت ذهبها مستقل، وكل بنت ينظر إلى ذهبها، ويعتبر النصاب فيها على حدة، وكذلك الحال بالنسبة للزوج، فإن كان الزوج قد أعطى زوجته ذهباً على سبيل أنها تلبس، ثم بعد ذلك يستبدله لها، لا أنها مالكة لهذا الذهب، فحينئذٍ تجب عليه زكاته، وينظر في زكاة ذهب بناته إذا كان قد أعطاهن من أجل أن يجدد لهن كل سنة، لا على سبيل العطية التي يُقصد منها التمليك.
والله تعالى أعلم.

كيفية إخراج الزكاة مع اختلاف عيارات الذهب

السؤال

من المعروف أن الذهب له عيارات مختلفة، فعند إخراج الزكاة هل يضم إلى بعض، أم يزكى كل عيار على حدة؟

الجواب

هذه المسألة، عيار واحد وعشرين وثمانية عشر وأربعة وعشرين، السبب فيه وجود الشوب من النحاس ونحوه، فخالص الذهب يكون أربعة وعشرين، وهو صافيه وأفضله وأجوده، وإذا خالطه المشوب نزل بحسب الدرجات التي تكون فيه، فيضم الذهب بعضه إلى بعض في الزكاة، والسبب في ذلك: أن الشرع جعل خالصه ومشوبه بمثابة المال الواحد في الربا، وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة)، وقد أجمع العلماء رحمة الله عليهم على أن خالصها ومشوبها في العيارات واحد، والسبب في ذلك صعوبة الانفكاك، ومن هنا قال العلماء رحمة الله عليهم: أنه يُغتفر وجود النحاس في الذهب، وحكى ابن رشد الإجماع على ذلك، واغتُفر في الموازنة في الربويات، فإذا بادل ذهباً عيار واحد وعشرين بذهب عيار أربعة وعشرين، أو أربعة وعشرين بعيار ثمانية عشر، فيجب التماثل والتقابض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا سئل عن التمر، وقال عامله على خيبر: (إنا نبيع الصاع من هذا بالصاعين، قال: أوه! عين الربا)، فقوله: (إنا نبيع الصاع من هذا) يعني الجيد، (بالصاعين من هذا) يعني الرديء، فاعتبر المشوب موجباً للتفاوت، فقال: (أوه! عين الربا) أي: لا بد وأن تبيعه مثلاً بمثل، يداً بيد، سواءً بسواء، ولذلك حكي الإجماع على أن خالص الذهب ومشوبه في الوزن واحد، إلا إذا كان المشوب مما يمكن سحبه ويمكن فصله بدون مشقة وعناء، خاصة إذا كان في غير الضرب، كأن يكون أُدخل عليه فحينئذٍ يفصل، وهكذا بالنسبة للقلادات إذا كان فيها فصوص، فلا بد من فصلها وبيع الذهب بالذهب متقابلاً، ولا يغتفر وجود هذه الفصوص مثلما يغتفر في المشوب.
الشاهد: أن الشرع حينما جعل الذهب خالصه ومشوبه بمثابة الشيء الواحد في الربويات نُزِّل هنا منزلة المال الواحد، على خلاف مسألة الخالص والمشوب في تقدير النصاب على الأصل الذي ذكرناه لوجود القدرة، وذلك أن المشوب أُدخل بخلاف المشوب الذي وجد في أصل الخلقة.
والله تعالى أعلم.

كيفية إخراج زكاة الحلي

السؤال

حسب علمي أن الكثير يخرجون زكاة الحلي بقسمة قيمة الذهب على اثنين ونصف في المائة، فهل فعلهم صحيح، أم لا بد من نصاب الفضة؟

الجواب

هذا مبني على الأصل الذي ذكرناه، أنه إذا اختار إخراجها من الفضة ينظر إلى قيمتها، سواءً قلت: يحسب الغرامات ثم ينظر إلى قيمة الغرامات الواجبة، أو يحسب غرامات الكل ويزكيها، فالنتيجة واحدة، فهي ابن أخت خالة التي قبلها، ما هناك فرق، وابن أخت الخالة هو الشيء نفسه، وهذا مثال عند العرب، يقولون: هو ابن أخت الخالة، أي الشيء نفسه، ما هناك فرق، سواء قلت: إنه ينظر إلى الغرامات وقيمتها من النقد، أو ينظر إلى مجموع الغرامات كلها ويضربها في الفضة، المعنى واحد.

حكم لبس الرجل خاتماً من الألماس أو من الأحجار الكريمة

السؤال

ما حكم لبس الخاتم للرجال، إذا كان هذا الخاتم من الألماس، أو ما يسمى بالأحجار الكريمة؟

الجواب

لا حرج في لبس المعادن الأخرى من الألماس، والأحجار الكريمة، والعقيق، والمرجان، واللؤلؤ، وغيرها؛ لأن الله تعالى سخرها لبني آدم، وكما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:13]، قال العلماء: هذه الآية أصل في جواز التحلي بالمجوهرات وغيرها ما لم يجر العرف باختصاص النساء بها دون الرجال، وأما بالنسبة للأصل، فالأصل يقتضي جواز الانتفاع بما في هذا الكون حتى يقوم الدليل على التحريم، فإذا قام الدليل على الاستثناء والتحريم فإنه محرم بحكم الشرع، ويعتبر خاصاً في التحريم على حسب مورد النص.
والله تعالى أعلم.

حكم لبس الرجال الأشياء المطلية بالذهب

السؤال

هناك بعض الساعات والأقلام يوضع عليها دهان من ماء الذهب بنسب مختلفة، فهل يجوز لبسها، أم لا؟

الجواب

الذهب خالصه ومشوبه، مطليّه وغير مطليّه واحد، وحكمه واحد، واستثنى بعض فقهاء الشافعية وبعض الحنفية رحمة الله عليهم المطلي، فقالوا: إذا كان الطلاء يسيراً يجوز، وهذا مبني على دليل يعرف بالاستحسان، والاستحسان: الاستثناء من أصل عام بدليل ينقدح في نفس المجتهد، والذي يظهر أن هذا ضعيف، ولا يستثنى من ذلك مطلي ولا غير مطلي إلا إذا قام الدليل على الاستثناء، والأصل أن النبي صلى الله عليه وسلم حرّم الذهب وحرّم استعماله، وبناء على ذلك لا يُرخص للرجل أن يتسامح في اليسير من الذهب في ساعة أو قلم أو غير ذلك إلا ما استثناه الشرع.
والله تعالى أعلم.

وصية قبل الاختبارات

السؤال

كما تعلمون فإن الاختبارات على الأبواب، فهلا تفضلتم بوصية في ذلك؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يهون علينا وعليكم اختبار الدنيا والآخرة، وألا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا غاية سؤلنا ورغبتنا.
أما بالنسبة لهذه الأيام فأوصي إخواني من طلاب العلم بأمور: أولاً: أن يتوكلوا على الله عز وجل، وأن يفوضوا الأمور إلى الله سبحانه وتعالى، فما من أمر من أمور الدنيا ينزل بعبد من عباد الله أو بأمة من إماء الله، فينزله العبد بباب الله عز وجل متوكلاً على الله، مفوضاً أمره إلى الله، آخذاً بالأسباب التي شرع الله، إلا جعل الله له العاقبة على أحسن ما يبدو ويأمل، ولذلك قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:132]، وقال سبحانه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:128]، فأول ما يوصى به طالب العلم أن يكون متوكلاً على الله، لا على ذكائه، ولا على حفظه، ولا على فهمه، ولا على نبوغه، ولا على ضبطه، ويحس أنه لا يملك من أمره شيئاً إلا أن يعينه الله، وكلما برئت من الحول والقوة في أي أمرٍ من أمورك الدينية والدنيوية، كمّل الله نقصك، وجبر كسرك، وكان لك معيناً وظهيراً، فما من إنسان يكون عنده هذا الشعور إلا وفِّق، ولا تعتمد على أي شيء غير الله سبحانه وتعالى، فمهما أوتيت من الحفظ والفهم، فلابد لك من عون الله، وقد ذكر الإمام الماوردي رحمة الله عليه -يحكي عن نفسه-: أنه دخل ذات يوم المسجد، وكان طلابه ينتظرونه، فكأنه دخله شيءٌ من نفث الشيطان حينما قال له: هل هنا مسألة في الفقه لا تعلمها؟ كان الإمام الماوردي عجيباً في الفقه، وهو صاحب كتاب الحاوي، وهو كتابٌ كاسمه، جمع فأوعى من المسائل أصلية وفرعية في الفقه، يعز وجود مثله، فضلاً عن أحسن منه، أجاد وأفاد رحمة الله عليه، فلما دخله هذا العجب يقول: دخلت على طلابي، فلما جلس بينهم جاءت إليه امرأة، وكانت معها صبية لأول مرة تحيض، فسألته عن مسألة من مسائل الحيض الواضحة، قال: فأظلمت الدنيا في وجهي.
وكأنه لا يعرف شيئاً، هذا الإمام العظيم الذي فرّع وقعّد ونظّر، والإمام النووي رحمة الله عليه في المجموع كثيراً ما يعتمد على تخريجاته وتصحيحاته ونقولاته، رحمة الله على الجميع، قال: فإذا به لا يعي شيئاً، وكأنه لم يعلم شيئاً، يقول: فمن شدة ما هو فيه جعل يتصبب من العرق، والطلاب من هيبة شيخهم وإجلالهم له -كانوا يعظِّمون العلماء ويجلونهم ويوقرونهم- سكتوا وما استطاع أحد أن يجيب عن هذه المسألة الواضحة إجلالاً له، وذهولاً من الموقف، فما زالت المرأة تنتظر الجواب، وتردد عليه السؤال: رحمك الله كان كذا، رحمك الله، ما حكم كذا، وهو لا يجيب، فلما وجدت أنه لا يجيب، انصرفت عنه، فإذا بطالب علم حديث العهد بطلب العلم يدخل المسجد فسألته عن المسألة، فأجابها بكل سهولة، فقالت له: والله أنت خيرٌ من هذا الذي جلس، فضّلته على شيخه، لأنه رأى نفسه في العلو، فوضعه الله في السفول.
هكذا الإنسان، الماء لعظم فضله، جعله الله في قرار الأرض: ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ﴾ [المؤمنون:18]، والدخان لحقارته يتعالى ويتعاظم.
فالإنسان الموفق الكامل يحتقر نفسه مهما أوتي، ولذلك تجد العالم الذي جعل الله علمه رحمة له وخيراً له يتواضع ولا يعد نفسه شيئاً.
فطالب العلم إذا أراد أن يمضي إلى اختباره أو إلى امتحانه لا يُحس أن عنده شيئاً، إنما يعلق أمله على توفيق الله ومعونة الله، وعندها يكون له من الله على قدر ما كان من توكله ويقينه بالله سبحانه وتعالى.
الأمر الثاني: ألا يضيع الإنسان حق الله عز وجل، فيسهر حتى يضيع صلاة الفجر، أو يجلس لترداد المواد ومراجعة الكلمات حتى يفوت صلاة الجماعة، أو يأتي متأخراً، فلا ينصرف الإنسان عن الله عند اشتداد حاجته إليه، بل حتى في الأمور التي تتعلق به في معيشته، المنبغي إذا نزلت بإنسان أيام عصيبة كأيام الاختبارات والامتحانات أن يحافظ على حق الله، وأن يحس أن مخرجه أن يوفِّي لله حقه حتى يعطيه الله عز وجل من معونته وتوفيقه، كما وفّى لله يوفي الله له، ولذلك ينبغي عليه أن يحرص كل الحرص على إقامة الصلاة، والله تعالى يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:45]، فجعل الصلاة قرينة الصبر، وهذا يدل على أن لها في النوائب والشدائد والمصائب فضلاً عظيماً وأثراً كبيراً في صلاح حال العبد، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول: (يا بلال! أرحنا بالصلاة)، فكانت قرة عينه صلوات الله وسلامه عليه وبهجته وسروره حينما يقف بين يدي الله.
فإذا كنت في أيام الاختبارات لا يختلف حق الله عندك عن الأيام العادية، عظم شأنك وجلّ بإذن الله عز وجل؛ لأنك تُمتحن أنت في امتحان أُخروي، فإذا كانت امتحاناتك واختباراتك تجعلها تبعاً لامتحان الله لك في هذه الدنيا، وفقك الله وأعانك.
الأمر الثالث: حق العباد، إخوانك وزملاؤك يحتاجون إلى ملخصات، يحتاجون إلى معونة، فأعنهم ولا تكن بخيلاً بالعلم، ولا تضن، وتمن لأخيك من الخير مثل ما تتمنى لنفسك أو أكثر، لا بد أن يربي الإنسان نفسه على المعاني الكريمة التي هذب الله بها المسلمين، نحن أمة مسلمة منقادة لله مستسلمة، فالإنسان ينبغي عليه أن يحب لإخوانه وزملائه من الخير مثل ما يحب لنفسه أو أكثر، حتى قال الإمام الشافعي: (والله ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يُظهِر الله الحق على يديه)، وهذا شيء من النزاهة والنقاء والصفاء في قلوب الأخيار، وهو من رحمة الله عز وجل بالعبد، فالإنسان إذا كان خيراً صالحاً أحب للناس مثل ما يحب لنفسه أو أكثر، ولا تكره أن أحداً يسبقك، فهذه أمور الدنيا، والمعوّل على الآخرة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول للأنصار: (إنكم ستلقون بعدي أثرة، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: اصبروا فإني فرطكم على الحوض)، الفضل هناك إذا قرعت الرءوس ومدّت من يده الشريفة صلوات الله وسلامه عليه شربة هنيئة مريئة لا تظمأ بعدها أبداً، ففضلت على غيرك، هناك الفضل بإذن الله عز وجل.
فالإنسان لا ينظر إلى هذه الدنيا إلى درجة أن يكره لإخوانه الخير، فيحس أنهم إذا سبقوه غمطوه أو أهانوه، بل أحب لهم من الخير مثل ما تحب لنفسك أو أكثر.
فلا ينبغي أن تكون الامتحانات وسيلة لحسد الناس، وكراهية الخير لهم، وإذا أحد سبقك أو فضُل عليك فقل: الحمد لله، اللهم إن فضّلته علي في الدنيا فلا تفضِّله عليَّ في الآخرة.
تكون الآخرة هي مبلغ علمك وغاية رغبتك، وهي أكبر همك، وعندها تسعد وتفلح، وتحس أن أمور الدنيا تحت قدمك، ولا تبالِ بشيء أقبل أو أدبر، إن أقبل استعنت به على طاعة الله، وإن أدبر فلن تلو عليه، تستقم لك السعادة، وهذه من نعم الله عز وجل على العبد، وهي راحة النفس، لا تحسد أحداً على فضل الله عز وجل، وإن أوتيت الفضل بذلته وتمنيته للناس.
كذلك أيضاً من الأمور التي ينبغي للإنسان أن يحافظ عليها: ذكر الله عز وجل من كثرة الاستغفار وسؤال الله المعونة ونحو ذلك ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:152]. ومن الأمور التي ينبغي على الإنسان أن ينتبه لها: حقوق الأبناء والبنات، فينبغي على الآباء والأمهات أن يرفقوا بالأبناء والبنات في أيام الاختبارات، ويعينوهم على طلب العلم، ويساعدوهم على المذاكرة حتى لا تنكسر نفوسهم بالتأخر عن زملائهم وقرنائهم، يكون للوالد فضل، أما أن تأتي مثل هذه الأيام وهو مهمل حقوق أبنائه وبناته فلا، كذلك أيضاً ينبغي أن يشملهم بالعطف والحنان والرعاية، وأن يحفظ مشاعرهم النفسية، والقلق الذي هم فيه، فيسليهم بالكلمات الإيمانية، ويثبت قلوبهم بالمواعظ الربانية، فالصبي إذا عودته من صغره على ذكر الله في الشدائد، فجاءت العواقب سليمة يحس أن ذكر الله هو الطريق للسلامة في العواقب، فينشأ منذ نعومة أظفاره وقد تعلّق قلبه بالله جل جلاله، وعندها يصلح حاله ويكمل ويشرف، ويكون له خير الدنيا والآخرة.
وليرفق بهم فلا يحملهم ما لا يطيقون، وبعض الآباء والأمهات تزداد أذيته لابنه في أيام الاختبارات، فيكون الابن مشوش الذهن، ولا يحس أنه متقن لعدم تفرغه، فيأتي الأب ليشغله بمشاغل يمكنه بنفسه أن يقوم بها أو يقيم غيره مقامه، فيأتي ويضار به أو يضيق عليه أو يعنت عليه، وهذا لا ينبغي.
كذلك على الآباء أيضاً غفران زلاتهم، والتجاوز عنهم في مثل هذه الأوقات العصيبة؛ لأن نفوسهم مشغولة، فينبغي للإنسان أن يكون مع أبنائه حليماً رحيماً، وهذا من الرفق الذي قال عنه عليه الصلاة السلام أنه: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيءٍ إلا شانه)، فالله جعلهم أمانة في عنقك، والله ما نظرت إليهم في أوقات الشدة والكرب من مرض أو سقم أو مشغلة من مشاغل الدنيا وعوارضها، فشملتهم بعطفك وإحسانك إلا لطف الله بك كما لطفت بهم، فالإنسان إذا عامل غيره بالإحسان عامله الله بالإحسان، فما ﴿جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:60]، ومن يسّر يسّر الله له، فإذا كان تيسيرك على أقرب الناس إليك، فإن الله ييسر عليك، وأفضل ما يكون الإحسان على أقرب الناس منك؛ لأنه أحوج ما يكون إلى عطفك وحنانك وبرك وإحسانك.
وإذا جئت قادماً على صالة الاختبار، فتذكر قدومك على الله جل جلاله، وتذكر قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:18]، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (أيها الناس حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر على الله)، فالإنسان كما أنه يتهيأ لعرض الدنيا واختبار الدنيا، يجب أن يتهيأ لاختبار الآخرة، هذه ذكرى وعبرة، كما يقول بعض العلماء: المؤمن من فكرة إلى فكرة، ومن عبرة إلى عبرة.
فالله جل جلاله ينبهك بمثل هذه

شرح زاد المستقنع -

باب زكاة عروض التجارة

عروض التجارة من الأموال التي أمرنا بإخراج الزكاة فيها، والعروض هي ما يملكه الإنسان بنية التجارة، وأما ما ملكه بنية الاقتناء فلا يدخل في ذلك.
فمن ملك مالاً بنية التجارة وحال عليه الحول وبلغ النصاب وجب عليه إخراج زكاته، وينبغي عليه أن يقوِّمه عند إخراجه بالأحظ للفقراء والمساكين وألا يظلمهم حقهم.

زكاة عروض التجارة ومشروعيتها

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب زكاة العروض].
العروض: جمع عرض، والعرض: هو المتاع، ومراده رحمه الله أن يبين حكم زكاة التجارة، وهي الأموال التي يعرضها الإنسان بقصد المتاجرة فيها، وذلك أن ما عند الإنسان منه ما يكون للقنية كسيارته وأثاث بيته ونحو ذلك، ومنه ما يكون معروضاً للبيع والمتاجرة.
والأصل في وجوب الزكاة في عروض التجارة عموم قوله سبحانه وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:103]، ووجه الدلالة: أن الله سبحانه وتعالى لم يفرِّق بين مال وآخر، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الزكاة من المال، وعروض التجارة مال، فالأصل وجوب الزكاة فيها، حتى يدل الدليل على الإسقاط.
أما الدليل الثاني: فقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:267]، قال مجاهد -وهو تلميذ عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن- في تفسيرها: إنها عروض التجارة، وأشار إلى ذلك الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، ففسر الآية: بأن المراد بها عروض التجارة، ولا شك أن مجاهداً رحمة الله عليه كان يأخذ التفسير من عبد الله بن عباس، وكان يستوقفه عند كل آية، يسأله عن حلالها وحرامها وما فيها من أحكام، فمثل هذا الغالب أنه أخذه عن ابن عباس رضي الله عنه، وعبد الله بن عباس مكانته عالية في التفسير والتأويل؛ وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، فهو معلَّم ملهم رضي الله عنه وأرضاه، وعلى هذا قالوا بوجوب الزكاة في عروض التجارة، وبذلك قال جماهير العلماء رحمة الله عليهم، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وكان يقول به فقهاء المدينة السبعة: سعيد بن المسيَّب وخارجة بن زيد والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وغيرهم من فقهاء المدينة السبعة، ولا يشتهر هذا القول في المدينة غالباً إلا وله أصل عن الصحابة، ولذلك قال العلماء: القول بوجوب الزكاة في عروض التجارة هو الأصل، حتى يدل الدليل على الإسقاط.
قال رحمه الله: (باب زكاة العروض) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بزكاة عروض التجارة.

شروط وجوب زكاة عروض التجارة

قال المصنف رحمه الله: [إذا ملكها بفعله بنية التجارة وبلغت قيمتها نصاباً زكّى قيمتها].
(إذا ملكها بفعله) أي: بفعل المكلف، كأن يشتري عروضاً من أغذية أو أكسية أو دواب -كالسيارات الموجودة الآن فهي حكم الدواب- فيملكها بفعله، أي: يشتريها، فلا تأتيه عن طريق الإرث، وتدخل عليه بغير محض الفعل، فاشترط العلماء رحمهم الله: أن يكون مالكاً لها بالفعل، أي: أنه أدخلها إلى ملكه قاصداً التجارة بها.

حولان الحول من حين نية التجارة

قوله: (بنية التجارة) أي: لا بد في زكاة العروض من وجود نية التجارة، فالعبرة في حول زكاة العروض بالنية، فمتى ما نوى المتاجرة بهذا المال، فإنه يبتدئ الحول من هذه النية، والأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات)، ولا شك أن الزكاة داخلة في هذا العموم، فلا يُحكم بوجوب الزكاة على إنسان في مالٍ على أنه من عرض التجارة حتى ينوي المتاجرة به؛ فإن المال حينئذٍ صدُق عليه أنه معروضٌ للتجارة.
ولكن لو كانت نيته القنية، أي: أنه تملكه للقنية، أو للارتفاق به، فهذا ليس من عروض التجارة، ولا يدخل في هذه النية كون الإنسان عنده بيت أو عنده سيارة، وينوي في قرارة قلبه أنه إذا احتاج إلى بيعها أنه يبيعها، فإن هذه النية مترددة، ولا توجب الحكم بوجوب زكاة عروض التجارة؛ فالإنسان من حيث هو لو أصابته فاقة أو حاجة، فسيبيع ما يملك، فهذه النية عارضة ولا تؤثر، ولا بد من وجود النية المستقرة التي يقصد منها المتاجرة، سواء كان ذلك في العقارات أو المنقولات، والمنقولات كالأغذية، فلو اشترى مائة كيس من طعام، ونوى أن يتاجر بها، فإنها من عروض التجارة، وكذلك العقارات، فلو اشترى أرضاً أو اشترى داراً أو عمارةً، وقصد منها أن يربح بها الأكثر، فحينئذٍ تعتبر هذه الأرض وهذه العمارة من عروض التجارة، وزكاتها زكاة عروض التجارة.

بلوغ النصاب

قوله رحمه الله: (وبلغت قيمتها نصاباً زكى قيمتها).
هذا الشرط الثاني: أن تكون قد بلغت النصاب بالفضة، وهو -كما ذكرنا- ثلاثٌ وخمسون ريالاً، فإذا بلغت هذا القدر وعرضها للتجارة، فإنه لا بد من حولان الحول على هذه النية، فلو باعها قبل حولان الحول فلا زكاة فيها، مثلاً: لو عرض غذاءً أو كساءً كالأقمشة، لمدة ستة أشهر بنية التجارة، ثم بيعت أثناءها، واستُنفدت قيمتها، فهذه لا زكاة فيها، فلا بد في عروض التجارة أن يمر عليها حولاً كاملاً، ويستوي في ذلك أن تكون العين بنفسها أو ما قام مقامها مما تولد من أصلها، وذلك كأن يدخل للتجارة بمائة ألف ريال، فيشتري بها عشر سيارات ليتاجر بها، يشتري واحدة ويبيعها ثم يشتري أخرى ثم يبيعها، وهكذا فحينئذٍ الحول حول رأس المال، فهو متاجرٌ بالمائة ألف، فإذا حال الحول، وبقي من المائة ألف ما يساوي قدر النصاب وجب عليه زكاة ذلك القدر الباقي.
قال المصنف رحمه الله: [فإن ملكها بإرث أو بفعله بغير نية التجارة ثم نواها لم تصر لها].
كما ذكرنا؛ لأن الأصل في أموال التجارة أن تكون متأصِّلة أو متمحضة النية بالتجارة؛ فلو أنها دخلت عليه بهبة أو بإرث، فلا تعتبر من عروض التجارة بالنية.

الاعتبار في تقدير الزكاة عند الحول

[وتُقوَّم عند الحول بالأحظ للفقراء من عين أو ورِق].
(وتقوّم) أي: عروض التجارة.
من المعلوم أن عروض التجارة في الغالب -سواء كانت من العقارات أو المنقولات- تحتاج إلى معرفة القيمة، فهناك قيمتان: القيمة الأولى: التي اشتريت بها، والقيمة الثانية: التي تعرضها أو تعرض بها الشيء المبيع، فلو أنك اشتريت عشر سيارات لعرضها للتجارة، وقيمتها -مثلاً- في الأصل حينما اشتريتها مائة ألف، ولكنك حينما عرضتها للبيع عرضتها بمائة وخمسين، فحينئذٍ يجب عليك اعتبار سعر البيع، وأما قيمة الأصل فإنها ليست بقيمة؛ والسبب في هذا أن الذي تعرضها به للبيع يعتبر مالاً في الحكم، أي: كأنك مالك لهذا القدر، وأما الذي اشتريت به فإنه لا يؤثر لكونه غير مستقر، وحينئذٍ يستوي أن يكون زائداً عما تعرض به، أو يكون ناقصاً عنه، فلو أنك اشتريت (بمائة ألف) وتريد أن تبيع (بخمسين ألفاً)، أو انخفض السعر حتى أصبحت تباع (بخمسين)، فالقيمة (خمسون)، ولو أنك اشتريت (بخمسين) ثم ارتفعت قيمتها، وعرضتها (بمائة)، فالقيمة مائة، وقس على هذا.
وتقوّم بالأحظ للفقراء، فيُنظر إذا كان الأحظ أن تقوم بالدراهم قُوِّمت بالدراهم، وإن كان الأحظ أن تقوم بالدنانير قوِّمت بالدنانير.
قال المصنف رحمه الله: [ولا يُعتبر ما اشتريت به].
(ولا يعتبر) أي: في القيمة والتقدير والتقويم (ما اشتريت به)، وفي ذلك أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه أمر أن تقوَّم عروض التجارة بقيمتها، أي: في حالها، وهذا يدل على أن العبرة في عروض التجارة بقيمة البذل لا بقيمة الشراء، وقد بيّنا أن السبب في هذا أنك إذا عرضت الدار -مثلاً- أو الأرض للبيع، وكانت القيمة التي اشتريت بها مائة وتعرضها بمائة وخمسين، فأنت في الحقيقة بمثابة المالك للمائة والخمسين، ولكن يرد

السؤال

لو أن هذا الشيء المعروض للتجارة فيه اضطراب، أي: لا يثبت على قيمة معينة، فأنت تقدِّر أن أقل ما تبيع به هذه السيارة هو مائة وخمسون، ولكنك إذا جئت تعرض تقول: مائة وسبعون أو مائة وستون، فهل العبرة بأكثر ما تطلبه، أم العبرة بأقل ما تطلبه أو ترضى به؟ أولاً: قضية سوم الأشياء بأعلى من قيمتها حتى تنزل، فيه حديث أم أنمار رضي الله عنها، فإنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم أنها إذا أرادت أن تشتري الشيء سامته بأقل من قيمته، فلا تزال مع صاحبه حتى يبلغ قيمته فتشتريه، وإذا أرادت أن تبيع الشيء سامته بأكثر من قيمته حتى يبلغ القدر الذي ترضى به فتبيع، فنهاها النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا، فكره بعض العلماء مثل هذا.
ولكن الصحيح أنه يجوز؛ لأن هذا الحديث متكلّم في سنده، وقد ذكره الحافظ ابن حجر رحمة الله عليه في الإصابة، وأشار إلى سنده، وله أصل في سنن ابن ماجة.
والصحيح: أنه يجوز للإنسان أن يسوم بالأكثر والأقل، والأفضل له أن يجتزئ بأقل الأرباح حتى يضع الله له البركة فيما يأخذ، وهذا مبني على عموم قوله عليه الصلاة والسلام: (رحم الله امرأً سمحاً إذا باع)، قالوا: السماحة في البيع أن يرضى بأقلّ الربح.
ثانياً: إذا قلنا: إنه يشرع أن تسوم بالأكثر حتى تبلغ الأقل، فحينئذٍ نحن بالخيار بين ثلاثة أمور: إما أن نقول: العبرة بالأكثر لأنها تسام به، وعُرضت متاجرةً بهذا الأكثر، وكونه يرضى بالأقل، هذا شيءٌ رضي خسارته على نفسه، فلا نرضى خسارته على الفقراء والمساكين.
وإما أن نقول: العبرة بالأقل؛ لأنه هو اليقين، والقاعدة في الشرع: (أن اليقين لا يزال بالشك)، فالأصل أن الذي يبيع به وتُقدَّر به السلعة ويرضى به المشتري في الغالب هو الأقل، فحينئذٍ نقول على هذا الوجه: العبرة بالأقل.
وإما أن نقول: العبرة بما بينهما.
والذي يترجح من هذه الثلاثة الأمور القول: بأن العبرة بالأقل؛ لأنه اليقين، وهذا أصل طرده العلماء رحمة الله عليهم في كثير من المسائل.
وعليه: فإنه إذا كان يعرضه بمائة ويرضى بتسعين فالعبرة بالتسعين.
وقال بعض العلماء: الورع أنه ينظر إلى السوق، فإن كان السوق رائجاً حتى يصير بالأكثر، فإنه يقدره بالأكثر، وإن كان بالأقل فلا حرج أن يقدره بالرخصة بالأخذ بالأقل.
قال المصنف رحمه الله: [وإن اشترى عرضاً بنصاب من أثمانٍ أو عروض بنى على حوله].
أي: بنى على حول الشراء، ما دام أنه اشتراه بنية التجارة، وهذه المسألة الأصل فيها ما ذكرنا أن من دخل إلى التجارة برأس مال واشترى بها عروضاً ثم باعها قبل تمام الحول، فإن العبرة بالأصل، أي: بالثمن، ولا يلتفت إلى هذه العروض؛ لأننا لو قلنا بهذا لما استطعنا أن نزكي عرضاً للتجارة إلا في القليل النادر، وتوضيح ذلك: أن من دخل بمائة ألفٍ يريد أن يتاجر بها في شهر محرم، فاشترى بها عشر سيارات -مثلاً- فعرضها للبيع، فبيعت في منتصف العام، واشترى أخرى مكانها، فقد يقول قائل: الأول قد انقطع بالبيع، والثاني يستأنفه بالشراء من منتصف الحول، نقول: لا، العبرة بالأصل، فحينئذٍ هذه المائة ألف لما تمحّضت للمتاجرة فإننا نقول: العبرة بحولها، فإذا اشترى وأدخل وأخرج، فهذا كله تابع لأصله، يبني عليه، وتجب عليه زكاته كما ذكرنا.
[وإن اشتراه بسائمة لم يَبْنِ] وهذا بناءً على أن زكاة السائمة غير زكاة الأموال المعروضة للتجارة؛ لأنه انتقل من أصل إلى أصل، فالسائمة إذا قطعها بالبيع لا يبني وإنما يستأنف، مثال ذلك: لو كان عنده من الإبل ما يبلغ النصاب، وتجب عليه فيه الزكاة، وفي منتصف العام باعها، ثم اشترى به سيارات أو أكسية أو أغذية، وعرضها للتجارة، فإننا نقول: السائمة لها زكاة مستقلة، وعروض التجارة التي هي الأكسية والأغذية لها حول مستقل، فيستأنف الحول من جديد، ولا يبني على الحول الأول لاختلاف الأصلين، فأصل السائمة شيء، وأصل عروض التجارة شيءٌ آخر.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

الأسئلة

المعتبر في زكاة العملة الورقية

السؤال

ما هو نصاب المال المعتبر في العملة الورقية، هل المعتبر فيه نصاب الذهب، أم نصاب الفضة؟ ولماذا؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالعملة الورقية أصلها فضة كما ذكرنا، وبناءً على ذلك فزكاتها زكاة الفضة؛ لأنها عبارة عن أسناد توثيقية عن الفضة، فيقدر النصاب بهذا القدر الذي ذكرناه، وهو ثلاثة وخمسون ريالاً، وهي تعادل مائتي درهم، فما بلغه فإنه تجب فيه الزكاة، وما كان دونه فلا تجب فيه الزكاة، وأما تقديرها بالذهب فليس بسديد؛ لأنها إذا قدِّرت بالذهب خرجت عن أصلها، والأوراق لا يؤمر بزكاتها، وإنما أُمرنا بزكاة هذا الأوراق (العملة الورقية)؛ لأن رصيدها من الفضة، ولا يؤثر في ذلك كونه يحصل على الرصيد (الفضة) أو لا يحصل، أو يتمكن منه أو لا يتمكن؛ لأن هذا المستند ثابت من ناحية شرعية، وإلغاء الرصيد لا يؤثر في قيمته الحقيقية واعتباره من الفضة.
والله تعالى أعلم.

زكاة المحلات التجارية

السؤال

كيف يُخرج أصحاب المحلات التجارية كالدكاكين والبقالات الزكاة، وذلك لاختلاف البضائع فيها واختلاف أسعارها؟

الجواب

إذا حال الحول يحتاط صاحب (البقالة) و (المتجر) باليوم واليومين الذي يتمكن فيها من جرد البضائع، وحينئذٍ يقفل هذا المحل أو يتصرف بطريقة يمكنه بها أن يجرد في هذا اليوم الذي هو رأس حول المال، فإذا جرد أصناف البضائع وصنّف كل صنفٍ على حدة، حينئذٍ ينظر إلى قيمة عرضه في ذلك اليوم، فلو كان عنده ألف صنف، فيُنظر العدد الموجود من كل صنف، وقيمة كل شيءٍ منه، ثم بعد أن يجرد هذا بقيمته يزكي المحل بقيمة واحدة، ولا يجوز له أن يخمِّن ولا أن يقدر؛ لأن القاعدة: (أن القدرة على اليقين تمنع من الشك) وبعض الناس قد يتلاعب في هذا الأمر، بل قد يتسامح البعض في الفتوى، والواقع أنه ينبغي عليه أن يجرد، وينبغي أن يشعر الناس بأهمية الزكاة، والفقه أننا نطالبهم بالجرد؛ لأن الجرد يُشعر بأهمية الزكاة ووجوب هذه الفريضة، ولو أنه احتاج إلى هذا الجرد لمحاسبة شركائه لوجدته يجرد كل صغيرة وكبيرة، ولا يجد العناء، ولكن في حق الله يتلاعب الناس إلا من رحم الله، ويتساهلون ويبحثون عن الرخصة في الفتوى، فالواجب حملهم على الأصل؛ إلا إذا تعذر القيام بهذا الأصل.
والله تعالى أعلم.

زكاة الدين في عروض التجارة، وإخراج الزكاة من العروض نفسها

السؤال

عندي محل تجاري حال عليه الحول، وبه بضاعة بمبلغ مائة ألف ريال، وعلى المحل دين من البضاعة الموجودة بمبلغ وقدره خمسة وثلاثون ألف ريال، فهل أزكي على قيمة البضاعة كاملة، أم أزكي بعد خصم الدين؟ وإذا حال الحول ولا توجد عندي سيولة نقدية، فهل يجوز لي أن أزكي من البضاعة التي توجد عندي، أم تبقى الزكاة ديناً عليَّ، جزاكم الله خيراً؟

الجواب

للعلماء في الدَّين وجهان: منهم من يقول: إن الدَّين يُسقط، وحينئذٍ تُسقط هذا المبلغ الذي هو دين عليك.
ومنهم من يقول: أنت بالخيار بين أمرين: إما أن تُسدد حقوق الناس قبل استتمام المدة وحولان الحول، وإما أن تُطالب بزكاة الجميع، وهذا أقوى والنفس إليه أميل؛ لأنه هو الأصل، ولا شك أن الإنسان إذا ملك هذا القدر وكان في ماله يمتنع من سداد حقوق الناس، ثم بعد ذلك يسقط الزكاة عنه، فهذا فيه ضعف، ولا يخلو من نظر، وعليه فإنه يقوى القول بأنك تُطالب بأحد الأمرين: إما أن تسدد للناس حقوقهم، أو يجب عليك زكاة المبلغ كاملاً.
على هذا يجب عليك زكاة المال كاملاً، ولا يسقط منه شيء إعمالاً للأصل.
والله تعالى أعلم.
أما إذا حال عليك الحول وليس عندك سيولة؛ فإنه حينئذٍ يجب عليك أن تخرج هذا المال، إما ديناً من الغير، أو تتصرف بما تستطيع الحصول على حق الفقراء وتعطيهم حقهم كاملاً، أما إخراج الزكاة من نفس العروض فقول جمهور العلماء: أن ذلك لا يجزئ؛ لأن الله عز وجل أوجب عليك المال بعينه، فتُخرج من الفضة فضة وتخرج من الذهب ذهباً، وإن كانت من العروض تُخرج بقيمتها من الذهب والفضة، ولو أن إنساناً قيل له: اعمل شهراً، فإذا عمل الشهر جيء له بطعام وكساء ودواء، وقيل له: راتبك خمسة آلاف ريال، وهذه كلها مئونتك بالخمسة آلاف ريال، فلن يرضى، وسيقول: ليس من حق أحد أن يتصرّف في مالي، وهذا حق لي، لا آذن لأحد أن يتصرف فيه، فكذلك الفقير؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:24 - 25]، فليس من حق التاجر أن يتصرف في أموال الفقراء والضعفاء، بل إنه قد يحتال بهذه الطريقة، فيجد البضاعة لا تنفد، وسوقها كاسد، فحينئذٍ يدفع عن نفسه ضرر كساد السوق ويعطي الفقراء والضعفاء مما عنده من المعروضات للتجارة، وعلى هذا فإنه يجب عليه أن يؤدي حق الله في ماله، ويمكِّن الفقير من عين المال من الذهب والفضة، ولا يخرج الأطعمة وغيرها من عروض التجارة.
والله تعالى أعلم.

زكاة مهر المرأة غير المدخول بها

السؤال

هل في المهر زكاة إذا أعطي للزوجة ولم يتم الزواج إلا بعد سنة؟

الجواب

إذا أخذت المرأة المهر فإنها حينئذٍ تزكيه، وتعتبر حوله من القبض؛ لأنها تستحق هذا المال بالقبض، ويبقى النظر في خوف وجود الطلاق قبل الدخول، ولذلك بعض العلماء يقول: هي مستحقة لنصفه، ولا تجب عليها زكاة النصف الثاني إلا إذا دخل بها، فإن دخل بها قضت زكاة ما مضى، وهذا له وجه، ولكن الأول أورع وأحوط؛ لأن الطلاق نادر، فأُعمِل الأصل من بقاء العقد.
والله تعالى أعلم.

حكم من يشتري سلعة ليبيعها لغيره بالتقسيط

السؤال

إذا قال البائع للمشتري: اذهب واختر السلعة التي تريدها وأنا أشتريها لك وأقسطها عليك، فما الحكم في ذلك؟

الجواب

هذا عين الربا، فإذا قال له: اذهب واشتر ما شئت من متاع أو سيارات وائتني بفواتيره، ثم يشتريها ذلك الشخص ثم يقسِّطها عليه، فهذا عين الربا، بدل أن يقول له: خذ مائة ألف وردها مقسطة بمائة وعشرة احتال بإدخال السلعة، ثم يتفق هؤلاء مع التجار على أنه إذا رفض المشتري أنهم يردون البضاعة، وقد يقول البعض: بأن هذا جائز؛ لأن الطرف الذي ذهب إليه المحتاج اشترى السلعة ولم يلزم الطرف المدين أو الذي يريد هذه السلعة بالعقد، وبناءً على ذلك خيّره، وقال له: إن شئت فخذ وإن شئت فدع، نقول: إن الشريعة ألغت صورة العقدين مع صحتهما ظاهراً لذريعة الربا.
مثال ذلك: بيع العينة، وصورتها: رجل جاء إلى تاجر فاشترى منه سيارة بمائة ألف مقسطة، فالسيارة قيمتها بالأقساط مائة ألف؛ لكن قيمتها بالنقد ثمانون ألفاً، فلما اشتراها بمائة ألف إلى أجل قال التاجر: أشتريها منك نقداً بثمانين، فإذا جئت تنظر إلى صورة العقدين فالأصل صحتهما، فالسيارة قيمتها الحقيقية بالأقساط مائة وقيمتها الحقيقية بالنقد ثمانون، فالأصل يقتضي أن العقد صحيح، لكن لما صُرفت السيارة للمشتري ثم عادت للبائع أُلغيت صورة العقدين، وصارت حقيقة الأمر كأنه أخذ النقد أي: الثمانين في مقابل المائة المؤجلة، فحرم الشرع هذا النوع من العقد، وألغى صورة العقد.
كذلك هنا لما كان البنك أو الشركة أو مَنْ يشتري ليس مراده أن يستفيد بالسلعة أصلاً، وإنما يشتريها بناءً على طلب وتحديد وتعيين، فلما وجدت الرغبة ووجدت الحاجة حينئذٍ توجه بالشراء، فلما اشتراها آل الأمر إلى أنه بدل أن يعطيه الثمانين المعجلة ويقول: ردها مائة مؤجلة أدخل السلعة حيلة وحينئذٍ يعتبر من بيوع الربا، وشبهة الربا فيه ظاهرة.
والله تعالى أعلم.

معرفة النصاب في المال

السؤال

عندما أريد أن أعرف ما عندي من المال هل بلغ نصاباً أم لا، فإنني أسأل الصاغة عن قيمة خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً من الفضة كم تساوي من الريالات، فهل فعلي صحيح؟

الجواب

هذا الفعل ليس بصحيح؛ لأن الريال مع الفضة لا بد فيه من التساوي والتماثل، فإذا قلت: خمسمائة وخمسة وتسعون غراماً كم تساوي بالفضة، فهذا عين الربا؛ لأن أصل الورق ريال من الفضة، وله وزن محدد، فعندما تشتري بريال الورق الفضة لا بد أن يكون مثلاً بمثل يداً بيد، فإذا أعطاك الصائغ قيمتها متفاضلاً فإنه قد بناها على الربا؛ لأن التفاضل محرم، وهذه مسألة تحتاج إلى دقة من طالب العلم، لأنه في هذه الحالة كأنه يبادل الفضة بالفضة، ولا بد من التماثل والتقابض، وحينئذ لا تلتفت إلى قيمة زنة الغرامات، وإنما تلتفت إلى تحرير الريال الفضي القديم بالفضة، ثم تنظر إلى عدلها من مائتي درهم، وقد كُفيت المئونة؛ فإن هذا يعادل ثلاثة وخمسين ريالاً، وبناءً على ذلك ثلاثة وخمسون من الفضة القديمة تعادل بزنتها هذا القدر، وحينئذٍ يجب عليك زكاة هذا القدر.

اعتبار الحول في زكاة العروض

السؤال

رجل اشترى خمس سيارات في محرم، وعرضها للتجارة، ثم لم يلبث أن باعها في رمضان واشترى بقيمتها أغناماً وعرضها أيضاً للتجارة، فهل يبدأ الحول من جديد، أم يبقى على الحول الأول، أثابكم الله؟

الجواب

يقول بعض العلماء: إذا كانت تجارته من جنس وانتقل إلى جنس آخر فإنه يستأنف الحول، بشرط أن لا يقصد الفرار من الزكاة أو الاحتيال على الزكاة، وعليه فلو دخل في تجارة السيارات، ثم بعد ذلك تحوَّل إلى السائمة، قالوا: يستأنف الزكاة، بمعنى: يحسب حولاً جديداً من رمضان لهذا المال الجديد.
والله تعالى أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

شرح زاد المستقنع -

باب زكاة الفطر

فُرضت زكاة الفطر على المسلمين طهرة للصائم من اللغو والرفث، فهي مكملة للصيام، وطعمة للفقراء والمساكين وإغناء لهم عن السؤال في يوم العيد.
وهي مفروضة على الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد، فمن كان عنده فضل عن قوته وقوت عياله فيجب عليه أن يخرج عن نفسه وعمن تلزمه نفقته صاعاً من طعام.

زكاة الفطر واشتقاقها ومشروعيتها

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: يقول المصنف رحمه الله: [باب زكاة الفطر].
تقدّم تعريف الزكاة، والفطر المراد به: الفطر من الصوم، وللعلماء رحمة الله عليهم في تسمية زكاة الفطر وجهان: الوجه الأول: أن الفطر هنا ضد الصوم، والمراد به الفطر من الصوم، أي: إكمال عدة رمضان، ودخول شهر شوال.
الوجه الثاني: أن المراد بالفطر من الفَطْر وهو الخلق، ومنه قوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:30] أي: خلقهم وجبلهم عليها، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة)، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:1]، قال ابن عباس: (ما كنت أعلم معنى هذه الآية - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ﴾ [فاطر:1]- حتى اختصم إليَّ أعرابيان في بئرٍ، فقال أحدهما: هي بئري وأنا فطرتها، فعلمت أن معنى فطر: خلق وأوجد)، ففي المخلوق أوجد وفي الخالق خلق.
فقولهم: زكاة الفطر، أي من الخلقة، وبناءً على ذلك يعتبرونها من زكاة البدن.
والأقوى: أن المراد بالفطر: الفطر من رمضان؛ لرواية ابن عمر في الصحيح: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان)، فأضاف الفطر إلى رمضان فصار مختصاً به، وخرج معنى الفَطْر وهو الخلق.
هذه الزكاة شرعها الله عز وجل، فمن العلماء من يقول: هي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، ومنهم من يقول: هي مشروعة بالسنة والإجماع.
فأما الذين يقولون: إنها مشروعة بالكتاب، فيحتجون بقوله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:14 - 15]، قالوا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:14] أي: أدى زكاة الفطر، (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ) بالتكبير ليلة العيد؛ لأنه يشرع ذلك، (فَصَلَّى) أي: صلى صلاة عيد الفطر، فجعل الثلاثة الأمور مرتبة بعضها إثر بعض.
وقال بعض العلماء: إنها مشروعة بالسنة، وفيها حديثان: أولهما: حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان)، وثانيهما: حديث أبي سعيد رضي الله عنه وأرضاه في الصحيحين أيضاً، قال: (كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وكذلك حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عند الحاكم وغيره أنه قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر).
فهذه الأحاديث دلّت على مشروعية صدقة الفطر، ولذلك أجمع العلماء على مشروعيتها، والخلاف بينهم هل هي واجبة، أم مستحبة؟ فمنهم من يقول إنها مستحبة وليست بواجبة.
ومنهم من يقول: إنها واجبة.
فالذين يقولون بالوجوب هم جمهور العلماء رحمة الله عليهم من السلف والخلف، وذهب بعض العلماء -وهو قولٌ في مذهب الإمام مالك وشهّره بعض أصحابه من المتأخرين - إلى أنها ليست بواجبة.
والصحيح: أنها واجبة؛ لقول عبد الله بن عمر: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر)، والقاعدة: أن هذا اللفظ (فرض) يدل على الوجوب واللزوم؛ لأن الفريضة تعتبر لازمة لا خيار للمكلف في إسقاطها، فلا تعتبر في مقام المندوبات والمستحبات، وإنما هي في مقام الواجبات، ولذلك قال تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء:11]، فالفرض يطلق بمعنى الواجب، ولا يطلق على المندوب والمستحب، فكان تعبير هذا الصحابي بقوله: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم) دالاً على الوجوب.
لكن الظاهرية رحمة الله عليهم ينازعون في مثل هذا الحديث؛ ويقولون: يحتمل أن الصحابي فهم ما ليس بفرضٍ فرضاً، فلا يرونه دليلاً على الفرضية.
وجمهور الأصوليين ومنهم الأئمة الأربعة على أن الصحابي إذا قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم) أنه يدل على الوجوب؛ لأن الصحابة أعرف بالخطاب وأعرف بلسان العرب ومدلولاته، وهم قد شهدوا مشاهد التنزيل، فهم أعرف بأساليب الكتاب والسنة، مع ما لهم من العلم والدراية بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الأمر الذي يجعل ما ذكره الظاهرية -من احتمال فهم الصحابي ما ليس بفرض فرضاً- ضعيفاً، والقاعدة: (أن الاحتمالات الضعيفة لا ترد على النصوص، ولا تبطل أدلتها).
وعلى هذا فالصحيح أن قوله: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم) يعتبر دالاً على الوجوب، وأن زكاة الفطر فريضة يثاب فاعلها ويعاقب تاركها، ويدل على هذا قوله بعد ذلك: (وأمر أن تُخرج قبل الصلاة)، كما في الصحيح، فقوله: (وأمر أن تخرج قبل الصلاة) يدل كذلك على وجوبها، وبناءً على ذلك تأكد القول بوجوب زكاة الفطر.

سبب مشروعية زكاة الفطر

للعلماء رحمة الله عليهم في سبب مشروعية زكاة الفطر أوجه، فمنهم من يقول: شرع الله زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث، والسبب في ذلك: أن الإنسان ضعيف، يعتريه ما يعتريه من الجهل، كما وصفه تعالى بالجهل والظلم: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:72]، فلا يأمن أثناء صيامه من الشتم، والرفث الذي يلغو به وغير ذلك من الخطايا التي لا تصل إلى حد الكبائر، فجعل الله صدقة الفطر مطهِّرة لهذا النقص الذي يعتريه في صيامه.
ومن العلماء من قال: إن صدقة الفطر شُرعت من أجل الضعفاء والمساكين، والسبب في هذا: أنهم إذا أُعطوا صدقة الفطر أُعينوا على الفرح بالعيد والسرور به، ولذلك ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أغنوهم عن السؤال يوم العيد وليلته) ولكنه ضعيف؛ إلا أن العلماء يقولون: معناه صحيح، والشرع يقصد إغناء الفقراء، بدليل أنه فرض هذه الزكاة وخصّها للفقراء والضعفاء.
ويقول بعض السلف رحمة الله عليهم: إن صدقة الفطر -بناءً على القول الأول- تكمّل الصوم وتجبر كسره، على ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس وقد حسنه غير واحد من العلماء: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من رمضان طعمة للمساكين وطهرة للصائم من اللغو والرفث) فقالوا: إنه على هذا الوجه تكون صدقة الفطر بمثابة سجود السهو للصلاة، فإنه يجبر النقص فيها، وكالهدي في الحج، فإذا حج الإنسان متمتعاً أو قارناً فإنه يجبر النقص به، والسبب في ذلك: أن المتمتع كان ينبغي عليه بعد انتهاء عمرته أن يرجع إلى ميقاته ويُحرم بالحج؛ ولكنه أحرم بالحج من مكة فكان حجه نقصاً، ولذلك المكي لا يجب عليه دم؛ لأنه أحرم من الميقات في النسكين، فلذلك شُرع الدم جبراناً لهذا النقص، وهكذا القارن؛ لأنه في معناه، وعلى هذا قالوا: إنها -أي: زكاة الفطر- بمثابة الجبر للنقص في صيام المكلف على ظاهر الحديث الذي ذكرناه.

على مَنْ تجب زكاة الفطر

قال المصنف رحمه الله: [تجب على كل مسلم، فضُل له يوم العيد وليلته صاع عن قوته، وقوت عياله وحوائجه الأصلية].
قوله رحمه الله: [تجب على كل مسلم] (تجب) أي: زكاة الفطر (على كل) (كل) من ألفاظ العموم، والعموم هذا يشمل صغار المسلمين وكبارهم وذكورهم وإناثهم، فالرجل يُخرج عن أهل بيته سواءً كانوا بالغين أو غير بالغين، كانوا ذكوراً أو إناثاً، أحراراً أو عبيداً، فيجب عليه أن يُخرج عنهم صدقة الفطر لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين) وقوله: (من المسلمين) حتى يخرج الكافر، فالكافر لا تجب عليه صدقة الفطر؛ لأنها شرعت للتطهير، والكافر لا يطهر، ويشمل هذا العموم في قوله: (كل) العاقل والمجنون، فلو كان في الأبناء أو البنات من هو مجنون وجبت عليه الزكاة وأُخرجت عنه، وفي الجنين وجهان: وقد أثر عن عثمان رضي الله عنه وسليمان بن يسار رحمه الله أنهم كانوا يخرجون عن الجنين، واستحب بعض السلف وبعض الأئمة كما نقل ابن الملقن وغيره في شرح العمدة: أنه يُخرج عن الجنين إذا تمت له أربعة أشهر؛ لأنه في حكم الحي حينئذ، ومنهم من اعتبر الأربعين يوماً، والأقوى الأول لما فيه من استتمام المدة لنفخ الروح لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الثابت في الصحيح.
وكذلك أن يكون المكلف الذي نخاطبه بزكاة الفطر، مالكاً قادراً على إخراجها، فلذلك اشترط المصنف رحمه الله أن يكون عنده فضل عن القوت، والفضل: هو الزائد، ومنه فضلة الطهور: أي الزائد بعد وضوئك وطهرك، وفي الحديث: (أنه شرب فضلة وضوئه) أي: ما زاد، ومنه فضلة الطعام.
وقوله: (فضل له يوم العيد وليلته صاع عن قوته وقوت عياله) فالرجل إذا كان وحيداً مسئولاً عن نفسه، نقول: لا تجب عليك زكاة الفطر إلا إذا ملكت ما تُخرج به زكاة الفطر زائداً عن قوتك، ولذلك يبدأ الإنسان بنفسه، فإذا كان المال الذي عنده لا يكفيه إلا لقوته، فليس من المعقول أن يطلب منه أنه يغني الفقير حتى يصير هو إلى الفقر، ولذلك يُبدأ به فيكف نفسه ويقوم بحوائج نفسه الأصلية، فإذا فضل بعد الحاجة شيء، حينئذٍ يُنظر في الزكاة ويُخاطب بها، وهكذا الحال إذا كان عنده أهل وعنده أسرة، فننظر في قوته وقوت زوجه وأولاده ومن تلزمه نفقته كالعبيد، فإذا كان هذا الرجل عنده -مثلاً- مائة ريال يحتاجها ليلة العيد لنفقته الأصلية، فحينئذٍ لا نطالبه بزكاة الفطر؛ لأنه لم يملك ما زاد عن قوته، بحيث يكلّف ويخاطب بالوجوب، أما لو كان يكفيه منها خمسون لحاجته الأصلية وقوته، فحينئذٍ نقول: أنت مخاطب بزكاة الفطر، فالشرط: أن يكون عنده فضلٌ عن القوت.
قال المصنف رحمه الله: [ولا يمنعها الدين إلا بطلبه].
(ولا يمنعها الدين) قالوا: لأنها ليست متعلِّقة بالمال، وإنما هي متعلقة بالبدن، وبناءً على ذلك: إذا كان الإنسان مديوناً فإنه يجب عليه أن يُخرج زكاة الفطر إذا كان عنده فضلٌ عن قوته يمكنه أن يخرج به هذه الزكاة.
(ولا يمنعها الدين، إلا إذا طولب به) هذا استثناء، أي: في حالة واحدة يكون الدين مانعاً، وهي: إذا طالب صاحب الدين بدينه، فحينئذٍ تعارض حقان: حق الله وحق المخلوق، وحقوق الله مبنية على المسامحة بإجماع العلماء، وحقوق المخلوقين مبنية على المشاحة والمقاصة، وبناءً على ذلك قالوا: يبتدئ بسداد دينه وتسقط عنه الزكاة.

إخراج زكاة الفطر عمن تلزمه نفقته

قال المصنف رحمه الله: [فيخرج عن نفسه وعن مسلمٍ يمونه ولو شهر رمضان].
فقوله: [فيخرج عن نفسه وعن مسلم يمونه] (عن نفسه)؛ لأنه مخاطبٌ بها أصالة، (وعن مسلمٍ يمونه) أي: يقوم على نفقته، وسيأتي إن شاء الله في باب النفقات بيان الضوابط التي يُحكم بها على الإنسان بوجوب النفقة على القريب، ونحو ذلك، والأصل في إيجاب زكاة الفطر على الإنسان فيمن تلزمه نفقته ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر)، فلما قال عليه الصلاة والسلام: (عبده) قال جمهور العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب على السيد أن يُخرج الزكاة عن العبد، ولا نعرف في العبد شيئاً من جهة الإيجاب إلا كون السيد قائماً على نفقته، فلما كان قائماً على نفقته كان هذا معنىً مناسباً لشرعية الحكم بوجوب صدقة الفطر، ومن هنا قال العلماء رحمة الله عليهم: تجب صدقة الفطر عن الإنسان إذا قام بنفقة غيره، فلا يُطالب ذلك الغير بزكاته وإنما يطالب من تلزمه نفقته، وعلى هذا يؤديها عن عبيده، ويؤديها عن زوجته بالتفصيل المعروف في الزوجة، وذلك إذا دخل بها أو مُكِّن من الدخول فلم يدخل، فحينئذٍ تلزمه النفقة؛ لأن النفقة تجب للزوجة بالدخول، لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:24]، فأمر بالإنفاق على الزوجات بعد الدخول والاستمتاع، وعلى هذا فالدخول على صفتين: إما أن يكون حقيقياً، وإما أن يكون حكمياً، فإن كان حقيقياً فلا إشكال، وإن كان حكمياً كأن يقول أولياء المرأة: خذ زوجتك، أو يمكنوه من الدخول بها، ولكنه امتنع من ذلك، فحينئذٍ تنزَّل الزوجة منزلة المدخول بها في النفقات، وتلزمه حينئذٍ نفقتها، وعلى هذا: فلو خرجت عن هذا الوجوب بعلة -كما سيأتي إن شاء الله في النشوز- فحينئذٍ يجب عليها أن تخرج صدقة الفطر عن نفسها، وخالف الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه، فقال: بعدم وجوب زكاة الفطر على الزوج لزوجته، وقال: الزوجة تطالب بإخراج صدقة الفطر عن نفسها.
قال المصنف رحمه الله: [وعن مسلم يمونه ولو شهر رمضان].
(وعن مسلم) فخرج الكافر، (يمونه) أي: يقوم على نفقته ومئونته، (ولو شهر رمضان) فيدخل في هذا العامل، فلو أن عاملاً عند إنسان، فقال له: ألتزم بنفقتك، وحدد الطعام الذي يعطيه إياه مع الأجرة، فحينئذٍ قال بعض العلماء: تصح هذه الأجرة، ومن أهل العلم من قال: لا يجوز أن يقول للعامل أستعملك شهراً وطعامك عليَّ؛ لأن الأصل في الإجارة أن تكون الأجرة معلومة، فإذا قال له: وطعامك عليَّ.
ولم يحدد ضوابط الطعام وقدره ونوعيته وقيمته، فحينئذٍ صارت الأجرة مجهولة؛ لأنه وإن أخذ -مثلاً- ألف ريال في الشهر؛ لكن هذا الطعام لا ندري كم يبلغ، فقد يظن العامل أنه من جيد الطعام فإذا به يعطيه من رديئه، أو من المتوسط، وبناءً على ذلك قالوا: قدر الطعام مجهول، فدخلت الجهالة في الأجرة؛ لأن الجهالة في الأجرة على ضربين: إما أن تكون في أصل الأجرة، كأن يقول له: ابن هذا الحائط وأُرضِيك، أو نتفق بعد ذلك، أو لا يكون إلا خيراً، فهذه جهالة متمحِّضة، لا يُدرى ما هو المال المدفوع، ولا تُدرى الأجرة ما هي؟ فهذه جهالة توجب فساد الإجارة بالإجماع.
النوع الثاني من الجهالة: أن تدخل على المعلوم، ومن أمثلتها: أن يقول له: اعمل في هذا المحل شهراً ولك ألف ريال وربع الخارج أو نصفه أو (5%) من الخارج، فحينئذٍ تكون (الألف) معلومة؛ لكن دخلت الجهالة بالنسبة المضافة إليها، وهذا ما يقال في الطعام، فإذا قال للأجير: اعمل عندي وطعامك عليَّ، فحينئذٍ إذا قال: طعامك عليَّ، وحدّد الطعام على وجه ترتفع به الجهالة فلا إشكال، فالأجرة صارت معلومة، فعلى هذا الوجه لو كان طعامه عليه بحدٍ معين واشتغل عنده في شهر رمضان، فحينئذٍ تتفرع على الأصل المستنبط من حديث أبي هريرة من وجوب الزكاة عليه عند من ذكرنا من العلماء رحمة الله عليهم.

الترتيب في إخراج الزكاة عند العجز عن إخراجها عن الجميع

قال المصنف رحمه الله: [فإن عجز عن البعض بدأ بنفسه].
أي: فإن عجز هذا الرجل الذي خوطب بالزكاة، وعنده جماعة تلزمه مئونتهم ونفقتهم.
(إن عجز عن البعض) بمعنى: عنده زوجة وعنده أربعة أولاد ذكور وإناث، فحينئذٍ إذا جئنا ننظر إلى الزكاة وإذا بها تبلغ مائة ريال، والذي عنده خمسون ريالاً، فقد عجز عن البعض، وهذه هي صورة المسألة، فإذا عجز عن البعض، فكيف يرتب؟ وهذا من دقة المصنف رحمه الله، فبعد أن ذكر لك الأصل ذكر لك ما يطرأ على الأصل من وجود البعض دون الكل.
قال المصنف رحمه الله: [بدأ بنفسه فامرأته فرقيقه].
أي: يجب عليه أن يُخرج على هذا الترتيب، فيبدأ بنفسه لقوله عليه الصلاة والسلام: (ابدأ بنفسك)، فيبدأ أول ما يبدأ بنفسه، ثم بعد ذلك بزوجته؛ لأن نفقتها متأصلة وليست بعارضة، بخلاف الأجير، أو المملوك، فإذا فضل بعد ذلك ينتقل إلى الرقيق.
قال المصنف رحمه الله: [فأمه فأبيه].
وهما الوالدان.
لكن هل يقدّم الأب، أم يقدّم الأم؟ الصحيح: أن الأم تقدّم، لما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه سأله رجل فقال: (يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك)، قال العلماء رحمة الله عليهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم قدّم الأم على الأب، وجعل لها ثلاثة حقوق من أربعة، وجعل للأب ربعها، وذلك لعظيم ما للأم من فضل وإحسان وبر للولد، سواءً كان ذكراً أو أنثى، فعليه أن يبدأ بأمه قبل أبيه، وهذه مسألة مطردة، من أمثلتها: لو مات الوالدان ولم يحجا، فهل يبدأ بالحج عن أمه، أم عن أبيه؟ يبدأ بالحج عن أمه، ويقدمها على أبيه، وقس على هذا، ومنها: مسألة التعارض، فأمرته أمه وأمره أبوه، فأيهما يطيع؟ هذا يحتاج إلى تفصيل؛ لكن لو تساويا في المرتبة فالأم مقدمة على الأب، على تفصيل يذكره العلماء رحمة الله عليهم في باب البر.
قال المصنف رحمه الله: [فولده، فأقرب في ميراث].
(فولده) أي: بعد ذلك يقدم الولد، سواءً كان ذكراً أو أنثى، فيخرج عن أولاده إذا فضل شيء بعد الوالدين.
قال المصنف رحمه الله: [فأقرب في ميراث].
أي: بعد ذلك ينظر إلى الأقرب في الميراث، فابن العم إذا كان مشلولاً عاجزاً عن الكسب، ولزمتك نفقته، وهناك ابن عم ثان؛ لكن الأول ابن عم شقيق والثاني ابن عم لأب، فإن ابن العم الشقيق يُقدم على ابن العم لأب، وقس على هذا، فإن الإخوة الأشقاء يقدمون على الأعمام، فإذا كان هناك أخٌ شقيق عاجز عن الكسب وتلزمك نفقته وهناك عم شقيق، فتقدِّم الأخ الشقيق على العم الشقيق؛ لأن جهة الأخوة أقوى من جهة العمومة؛ ولأنه شاركك في أحد أصليك أو فيهما معاً، ولكن العم شارك أباك ولم يشاركك، ولا شك أن الأخ أقرب من هذا الوجه، ولذلك يقدم على العم، وغيره من مسائل الترتيب المعروفة، والتي تقدمت الإشارة إليها في باب الجنائز.
قال المصنف رحمه الله: [والعبد بين شركاء عليهم صاع].
فلو كان هناك رجلان يملكان عبداً واحداً نصفه لزيدٍ ونصفه لعمرٍ، فحينئذٍ على هذا نصف صاع وعلى هذا نصف صاع.

إخراج الزكاة عن الجنين وعن المرأة الناشز

قال المصنف رحمه الله: [ويستحب عن الجنين].
لأنه فعل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه ولم ينكر عليه أحد، وفعله بعض السلف أيضاً، وكان يفتي به سليمان بن يسار رحمة الله عليه، وقالوا: إنه يستحب إخراجه عن الجنين على التفصيل الذي ذكرناه، وذلك إذا استتمت له المدة أما إذا كان ناقصاً عنها فلا يستحب.
قال المصنف رحمه الله: [ولا تجب لناشز].
أي: ولا تجب صدقة الفطر عن ناشز وهي المرأة التي نشزت، والنشز: هو المرتفع من الأرض، كالهضبة ونحوها، والكدية ونحوها من الأشياء التي ليست على منبسط الأرض، ووصفت المرأة بكونها ناشزاً كأنها تعالت عن زوجها؛ لأن الله جل وعلا خصّ الرجال بفضائل وخصّ النساء بفضائل، فجعل للرجل فضل القيومية على المرأة، وذلك لما جعل فيه من الخصائص المعينة في ذلك، وجعل للمرأة ما جعل من اللين والرفق والدعة والسكون لكي يجبر الله نقص هذا بكمال هذا، ويكون في ذلك الخير للأولاد، بوجود الشدة إذا احتاج إلى شدة ووجود اللين والرفق إذا احتاج إلى اللين والرفق والحنان، فإذا كانت المرأة خرجت عن هذه الفطرة توصف بكونها ناشزاً، أي: تتعالى على زوجها، فإن أمرها لا تأتمر، وإن نهاها لا تنتهي، وإذا دعاها إلى فراشه امتنعت، والنشوز أبلغ ما يكون في الامتناع عن الاستمتاع، وهو الذي وردت فيه اللعنة -والعياذ بالله- فإذا نشزت عن زوجها أو ذهبت إلى بيت أهلها بدون إذن زوجها، وبدون إضرار من الزوج أيضاً، ففي هذه الحالة تسقط نفقتها، وحينئذٍ لا يُطالب الزوج بإخراج زكاة الفطر عنها، وإنما يطالب إذا كانت في طاعته وقائمة بحقوقه وتلزمه نفقتها.

إخراج الزكاة بدون الإذن ممن أمر بالإنفاق عليه

[ومن لزمت غيره فطرته، فأخرج عن نفسه بغير إذنه أجزأت].
هذه المسألة صورتها: أن يكون الإنسان مطالباً بالزكاة عن شخص، ثم يُخرج هذا الشخص عن نفسه بدون إذن من أُمر بالإنفاق عليه، كأن تُخرج الزوجة بدون علم أو استئذان من الزوج، أو يخرج الولد إذا كان في نفقة أبيه بدون علم أبيه وبدون استئذانه -أما إذا استأذن فلا إشكال، فلو قالت الزوجة لزوجها: سأخرج صدقة الفطر، فلا إشكال- فللعلماء رحمة الله عليهم وجهان: بعض العلماء يقول: صدقة الفطر متوجه الخطاب فيها إلى هذه المرأة -التي هي الزوجة- ولكن أُسقطت عنها فوجِّه الخطاب إلى الزوج لوجوب النفقة عليه، فإن أخرجت الزوجة أجزأها لأنه الأصل، وعلى هذا درج المصنف.
ومنهم من يقول: الزكاة عبادة، والعبادة لا تصح إلا بنية، وحينئذٍ لا يجزيها أن تُخرِج حتى تستأذن المطالب بها وهو الزوج، وهذا أقوى إعمالاً للأصول، ولذلك لو أن امرأة تملك حلياً، ثم أراد الزوج أن يُخرج زكاة حليها بدون علمها، فهذا بالإجماع لا يجزئ؛ لأن الزكاة لابد فيها من النية، وهي لم تنو الإخراج، ولم توكله بذلك، فصارت صدقة محضة، وكذلك هنا، فإنه إذا أخرجها بدون إذن المخاطب بها أصلاً، صارت من محض الصدقات، والورع أنه لابد من الاستئذان، ولا تصح إلا بنية على الوجه الذي ذكرناه.

وقت وجوب زكاة الفطر

[وتجب بغروب الشمس ليلة الفطر].
لقوله: (صدقة الفطر من رمضان) فأسند الصدقة إلى الفطر من رمضان، واختلف العلماء في وقت وجوبها: فقال بعضهم: تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان؛ لأنه إذا غابت شمس آخر يوم من رمضان فإن الليل محسوب لشهر الفطر، وهو شهر شوال.
ومنهم من قال: تجب بطلوع الفجر من يوم العيد؛ لأن الفطر لا يتحقق إلا بطلوع الفجر، وبناءً على ذلك يبتدئ فطره بطلوع الفجر.
ومنهم من يقول: بطلوع الشمس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفطر عند غدُوِّه إلى المصلى، وكان غُدُوُّه بحيث تكون الشمس قد ارتفعت على قدر رمحين، فكان يصلي بالناس صلاة العيد في ذلك الوقت، ومعنى ذلك: أن خروجه سيكون -كما هو معلوم لمن قدّر المسافة بين مصلاه عليه الصلاة والسلام وحجراته- بعد طلوع الشمس.
وفائدة هذا الخلاف: أنه لو أسلم الكافر قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان فحينئذٍ تجب عليه صدقة الفطر، لماذا؟ لأنه يكون في حكم من أدرك رمضان، ويلزمه كذلك قضاء آخر يوم من رمضان إذا أسلم قبل غروب شمسه، وإذا قلنا: إن العبرة بطلوع الفجر، فحينئذٍ تتأقت بطلوع الفجر، فعلى هذا لو أسلم الكافر بعد غروب الشمس وقبل طلوع الفجر فلا تجب عليه الزكاة، وكذلك لو اشترى عبداً في هذا الوقت لا تجب عليه الزكاة أيضاً؛ لأنه دخل في ملكه ولم يوجد بعدُ سبب الوجوب أو سبب مخاطبته بالزكاة، وإنما تجب على سيده الأول، وقس على هذا بقية المسائل، فهذه فائدة الخلاف، هل تجب الزكاة بغروب شمس آخر يوم من رمضان، أم تجب بطلوع فجر يوم العيد، أم بطلوع الشمس فيه؟ والأقوى أنها تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان؛ لظاهر حديث ابن عمر: (صدقة الفطر من رمضان)، فأسندها إلى الفطر، لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:185]، فإن إكمال العدة إنما يكون بمغيب شمس آخر يوم من رمضان، وعلى هذا فالعبرة بمغيب شمس آخر يوم من رمضان.
قال المصنف رحمه الله: [فمن أسلم بعده أو ملك عبداً أو تزوج أو وُلد له لم تلزمه فطرته].
لما ذكرناه في فائدة الخلاف في وقت الوجوب.
قال: [وقبله تلزم].
لأنه وجد السبب الموجب للوجوب.
قال المصنف رحمه الله: [ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط].
هذا ثابت في الصحيح أنهم كانوا يخرجون صدقة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين، ولا تجوز قبله بثلاثة أيام، وقال الإمام أبو حنيفة: يجوز إخراجها من أول رمضان؛ لأنه يرى أنها متعلقة بالشهر، وإذا وُجد السبب من أوله جاز الإخراج، والصحيح مذهب الجمهور؛ لأن الأصل إخراجها ليلة العيد، ولأن مقصود الشرع إغناء الفقراء ليلة العيد ويومه، وبناءً على ذلك يكون إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين رخصة، والأصل إخراجها في ليلة العيد ويومه قبل الصلاة.
قال المصنف رحمه الله: [ويوم العيد قبل الصلاة أفضل].
لأنه يحقق مقصود الشرع من إغناء السائلين، وإعفافهم عن المسألة.
قال المصنف رحمه الله: [وتكره في باقيه].
أي: وتكره في باقي اليوم، يعني بعد الصلاة، والكراهة هنا إما أن تكون تنزيهية أو تحريمية، والأقوى أنها تحريمية، فإذا أخرجها بعد الصلاة فإنها تعتبر صدقة من الصدقات ويأثم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات).
ولقول ابن عمر في الحديث: (وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)، فدل على أنه يجب على المكلف أن يخرجها قبل الصلاة، وأن إخراجها بعد الصلاة يوجب الإثم للمخرج.
قال المصنف رحمه الله: [ويقضيها بعد يومه آثماً].

القدر الواجب في زكاة الفطر

يقول المؤلف عليه رحمة الله: [ويجب صاع من بر أو شعير].
شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في بيان القدر الواجب من زكاة الفطر، والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال: (كنا نخرج زكاة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعامٍ أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من أقط) وهذا يدل على القدر الواجب في زكاة الفطر، وهو الصاع، والصاع النبوي أربعة أمداد، والمد: هو ملء الكفين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين، وهو الصاع الذي عنته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقولها: (وكان يغتسل بالصاع)، وأما المد فإنه ربعه، فيقال: مدٌ ويقال: ربع صاع، كل ذلك بمعنى واحد، فيخرج صاعاً -أربعة أمداد- من بر أو شعير أو تمر أو زبيب أو أقط، وإذا كان هناك طعام تعارف الناس عليه كالأرز في زماننا، فإنه يخرجه ويجزيه؛ لأن مقصود الشرع إغناء السائلين بالطعام في هذا اليوم، ولا شك أن الأرز يقوم مقام المطعومات الموجودة على عهده صلى الله عليه وسلم، وهو يحقق مقصود الشرع من إغناء السائل في يوم العيد، ولذلك يخرج الإنسان منه ولا حرج عليه في ذلك.
قال المصنف رحمه الله: [أو دقيقهما أو سويقهما].
إذا طُحن الشعير والبر فأخرج من دقيقهما أو سويقهما الذي طُحن ثم لُتَّ واستوى على النار ونضج، ثم بعد ذلك صار سويقاً، فيجوز أن يخرج منه صاعاً، سواءً هذا أو ذاك، والسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم إخراج الصاع من الطعام نفسه.
قال المصنف رحمه الله: [أو تمرٍ أو زبيب أو أقط، فإن عدم الخمسة أجزأ كل حب وثمر يُقتات].
فبيّن رحمه الله بهذا أن الحكم لا يختص بالإخراج من هذه الخمسة فقط، ولكن العبرة بالطعام، ويدل على ذلك حديث أبي سعيد: (كنا نخرج زكاة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام)، قالوا: وهذا يدل على العموم، وإن كان بعضهم يرى أن ما بعده مفسر له، والبعض يحمله على البر، وعلى العموم قال العلماء: العبرة بكونه يرتفق به مطعوماً، فإذا حصل ذلك فقد أجزأ.
قال المصنف رحمه الله: [لا معيب ولا خُبز].
أي: لا يجوز أن يخرج المعيب من الحبوب، فلو أخرج شعيراً فيه السوس، أو تغيّر أو تعفّن فلا يجوز له أن يخرجه؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وقد نهى الله عز وجل المسلم أن يقصد إلى الخبيث، والمراد بالخبيث من الطعام الرديء منه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:267]، فدلّ على أنه لا يجوز إخراج الرديء من الطعام، ويستوي في ذلك صدقة الفطر وغيرها من الصدقات الواجبة، فيخرجه من أوسط الطعام، لا يُطالب بالجيد الأعلى ولا يطالب بالرديء الأدنى، ولكن يخرج من المتوسط، والدليل على ذلك: أن الله نهى عن الرديء، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كرائم الأموال، فقال: (وإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم)، فيخرج من المتوسط، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا، فلا يجزئ أن يخرج صاعاً معيباً، كأن يكون تمراً فيه سوس، أو طالت مدته حتى تغيَّر.
قال المصنف رحمه الله: [ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه].
فلو أنه أخذ الصاع فقسمه بين أربعة مساكين لكل مسكين ربع صاع أجزأه، وهكذا لو قسمه بين مسكينين فأعطى كل مسكين نصف صاع أجزأه، فيجوز أن يُخرج ما للواحد للجماعة، ويجوز أن يخرج ما للجماعة للواحد، فلو أنه هو وأهل بيته يجب عليه إخراج خمسة آصع، فوجد مسكيناً فأعطاه الخمسة الآصع أجزأه ذلك، ولكن بشرط ألا يتوسع في حق المسكين على حساب غيره.
وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

الأسئلة

وجوب زكاة الفطر على من أفطر في رمضان

السؤال

هل تجب زكاة الفطر على من أفطر شهر رمضان كاملاً لعذرٍ شرعي كالحامل والمرضع وغيرهما؟ وهل إذا قضى صيام شهر رمضان تجب عليه الزكاة بعد ذلك، أي: هل زكاة الفطر تتعلق بالصائم دون المفطر، أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن من أفطر في شهر رمضان فإنه يجب عليه أن يؤدي زكاة الفطر، سواءً كان معذوراً أو غير معذور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان، والمراد بذلك الزمان، وعلى هذا فإنه يخرجها وتجب عليه، ونصّ على هذا أهل العلم رحمة الله عليهم.
والقول بأنها تسقط عنه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (طعمة للمساكين، وطهرة للصائم من اللغو والرفث) ضعيف، والصحيح: ما نص عليه الجماهير من أنها شرعت طعمة للمساكين وغناءً لهم يوم العيد، وعلى هذا كونها تطهِّر الصائم من اللغو والرفث مشترك مع غيره من العلة الموجودة، ويجوز تعليل الحكم بعلتين على أصح أقوال الأصوليين، وحينئذٍ يستقيم أن يخاطب بها إعمالاً للأصل؛ لأنه أفطر من رمضان، والمراد أنه دخلت عليه ليلة العيد وهي ليلة الفطر من رمضان.
ألا ترى أنهم نصوا على أنه لو أسلم الكافر قبل مغيب الشمس ولو بلحظة أنه تجب عليه زكاة الفطر مع أنه لم يصم، وبناءً على ذلك لا يشترط أن يكون قد صام، بل زكاة الفطر واجبة على من صام أو أفطر بعذر؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يُخرجوا زكاة الفطر، ولم يفصِّل، حيث لم يقل: (من أفطر شيئاً من رمضان فلا زكاة عليه)، ولم يقل: (من كان شيخاً كبيراً فأفطر فلا زكاة عليه)، والأصل في المطلق أن يبقى على إطلاقه، وبناءً على ذلك يجب عليه أن يؤدي الزكاة، سواءً كان مفطراً أو كان صائماً.
وأما ما ذكرته من كونه يؤخرها إلى القضاء، فهذا لم يقل به أحدٌ من العلماء.
والله تعالى أعلم.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
نصاب الذهب والفضةحكم ضم النقدين إلى بعضهماالسؤالحكم ضم قيمة العروض إلى النقدينحكم اتخاذ الذهب والفضة للرجلما يباح للنساء اتخاذه من الذهب والفضةحكم زكاة الحليالأسئلةحكم شراء طعام بمال الزكاة وتوزيعه على الفقراءالسؤالالجوابحكم ضم ذهب الزوجة والبنات ليبلغ النصابالسؤالالجوابكيفية إخراج الزكاة مع اختلاف عيارات الذهبالسؤالالجوابكيفية إخراج زكاة الحليالسؤالالجوابحكم لبس الرجل خاتماً من الألماس أو من الأحجار الكريمةالسؤالالجوابحكم لبس الرجال الأشياء المطلية بالذهبالسؤالالجوابوصية قبل الاختباراتالسؤالالجوابباب زكاة عروض التجارةزكاة عروض التجارة ومشروعيتهاشروط وجوب زكاة عروض التجارةحولان الحول من حين نية التجارةبلوغ النصابالاعتبار في تقدير الزكاة عند الحولالسؤالالأسئلةالمعتبر في زكاة العملة الورقيةالسؤالالجوابزكاة المحلات التجاريةالسؤالالجوابزكاة الدين في عروض التجارة، وإخراج الزكاة من العروض نفسهاالسؤالالجوابزكاة مهر المرأة غير المدخول بهاالسؤالالجوابحكم من يشتري سلعة ليبيعها لغيره بالتقسيطالسؤالالجوابمعرفة النصاب في المالالسؤالالجواباعتبار الحول في زكاة العروضالسؤالالجوابباب زكاة الفطرزكاة الفطر واشتقاقها ومشروعيتهاسبب مشروعية زكاة الفطرعلى مَنْ تجب زكاة الفطرإخراج زكاة الفطر عمن تلزمه نفقتهالترتيب في إخراج الزكاة عند العجز عن إخراجها عن الجميعإخراج الزكاة عن الجنين وعن المرأة الناشزإخراج الزكاة بدون الإذن ممن أمر بالإنفاق عليهوقت وجوب زكاة الفطرالقدر الواجب في زكاة الفطرالأسئلةوجوب زكاة الفطر على من أفطر في رمضانالسؤالالجواب
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل