الزكاة فريضة من فرائض الله عز وجل، وهي الركن الثالث بعد الشهادتين والصلاة، وقد أوجب الله الزكاة وفرضها على عباده في كتابه المبين، وعلى لسان رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم، وأجمعت الأمة على فرضيتها، وما فرضها الله إلا طهرة للأنفس والأموال، وتفريجاً وإحساناً إلى الفقراء والمساكين ومن كان من أهل مصارفها.
تعريف الزكاة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: يقول المصنف رحمه الله: [كتاب الزكاة].
الزكاة: أصلها من زكا الزرع والمال إذا نما وكثر، يقال: زكا الشيء إذا نما وكثر خيره، وقالوا: سميت الزكاة بهذا؛ لأن الله ينمي المال بها ويضع فيه البركة، فما نقصت صدقةٌ من مال، بل تزيده، والله عز وجل يجعل هذه الصدقة سبباً في حصول الخير في مال العبد.
وقيل: إنها مأخوذةٌ من زكا الشيء إذا صلح، والعبد الزكي هو الصالح المستقيم على طاعة الله عز وجل البعيد عن الذنوب، ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف:74] أي: لا ذنب لها فهي صالحة؛ لأن الصغار الأصل فيهم أنهم لم يبدر منهم الشر.
وكذلك تطلق الزكاة بمعنى الطهارة والحرص على الخير، والبعد عن كل دنس وعن كل ما يشين الإنسان، ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:7 - 10].
فقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ قالوا في تفسيره: طهرها بالخير والاستقامة على الطاعة والبر فهذه من معاني الزكاة.
وسميت هذه الفريضة بهذا الاسم -من ناحية هذا الاشتقاق اللغوي- لأن الله يطهر بها المال، ويطهر بها نفس المزكي من الشح والبخل، فيؤدي الزكاة طيبةً بها نفسه، ومستجيباً لأمر الله عز وجل، فيكون أرفع من أن يملكه المال؛ فيصبح بذلك قوي النفس على إنفاق المال في وجوه الخير والطاعة والبر.
والزكاة حقٌ واجبٌ في المال، ويعرفها بعض العلماء بقولهم: حقٌ مخصوص في شيءٍ مخصوص على صفةٍ مخصوصة في شخصٍ مخصوص.
فالحق المخصوص قدره الله عز وجل بالمقادير، فيكون عشر المال، ويكون ربع العشر كما سيأتي إن شاء الله في قدر الواجب من الزكاة.
وقولهم: في مالٍ مخصوص؛ وهي الأموال التي أوجب الله فيها الزكاة؛ ومن ذلك السائمة من بهيمة الأنعام، والنقدان وعروض التجارة، ونحوها من الأموال التي خص الشرع الزكاة بها.
ولشخصٍ مخصوص: وهي الأصناف الثمانية الذين سماهم الله عز وجل بحيث تدفع الزكاة إليهم لا إلى غيرهم.
في وقتٍ مخصوص: وهو الذي اعتبره الشرع من حولان الحول، أو إذا كان من الزروع ونحوها عند الحصاد.
مكانة الزكاة وحكمها
الزكاة فريضة من فرائض الله عز وجل، وهي ركنٌ من أركان الإسلام، وهي الركن الثالث بعد الشهادتين والصلاة، وقد أوجب الله عز وجل الزكاة وفرضها على عباده في كتابه المبين وعلى لسان رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم، وأجمعت الأمة على فرضيتها، ففي الكتاب في أكثر من آية قال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:43] ولذلك قرنها مع الصلاة التي هي عماد الدين؛ إشارةً إلى علو شأنها وعظم أمرها، وقد رتبها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة مباشرة، كما في الصحيح من حديث معاذ رضي الله عنه: (فإن هم أطاعوك لذلك -يعني: للصلوات الخمس- فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم).
وكذلك أيضاً وردت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالزكاة وبين مجمل القرآن فيها، فذكر النصاب وقدره؛ وكذلك القدر الواجب في الأموال، وأرسل السعاة والمزكين إلى الناس فأخذوا الزكاة منهم، وكانت سنته صلوات الله وسلامه وهديه على ذلك، وفي الصحيح عنه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ... ) وحديث معاذ رضي الله عنه وأرضاه لما بعثه إلى اليمن -وكان في آخر حياته- (فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم).
وهي حقٌ لله عز وجل جعله في مال الأغنياء، وأجمع المسلمون على وجوبه ولزومه.
حكم من أنكر الزكاة
ومن أنكر وجوب الزكاة فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون عالماً بوجوبها وفرضيتها وينكر، فهذا كافر مرتد بإجماع العلماء رحمة الله عليهم؛ لأنه أنكر المعلوم من دين بالله بالضرورة، فمثلاً: لو قيل لرجلٍ: زك، فقال: ليس هناك زكاة، أو أنكر أن في الإسلام زكاة، وقال: الزكاة ليست بواجبة، وليس في دين الله زكاة، فهذا كفرٌ وردة، نسال الله السلامة والعافية.
أما إذا كان جاهلاً، والجاهل له أمثلة: كرجلٍِ أسلم من الكفار، فلما أسلم أُمرَ بالصلاة فصلى، ثم قيل له: زك، قال: ما هناك زكاة، فأنكر الزكاة لجهله وعدم علمه؛ فهذا لا يكفر، وإنما يعلم وتقام عليه الحجة، ثم بعد ذلك إن جحد بعد تعليمه وإقامة الحجة عليه فهو كافر؛ فيعذر في هذه الحالة بجهله، وهي من مسائل العذر بالجهل.
وهكذا لو كان في بادية بعيداً عن العلم وبعيداً عن العمران، فليس ثم عنده علماء يسألهم، فيعلم منهم أن هذه الزكاة فريضة من فرائض الله، فَسُئِلَ عن الزكاة أو أُمِرَ بالزكاة فقال: ليس هناك زكاة؛ عن جهلٍ منه؛ فإنه لا يكفر، وإنما يعلم وتقام عليه الحجة، ثم يحكم عليه بعد ذلك.
واختلف العلماء -رحمة الله عليهم- في أهل الردة الذين منعوا الزكاة على عهد أبي بكر رضي الله عنه وقتال أبي بكر لهم، فأهل الردة فيهم ما يدل على جحدهم للزكاة، وهو يقتضي الحكم بكفرهم، ويظهر ذلك من قولهم: مات الذي أمرنا الله بأداء الزكاة إليه، وقال بعضهم: قد كانت صلاة النبي عليه الصلاة والسلام لنا سكناً، وصلاة أبي بكر ليست لنا بسكن، يعنون بذلك قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:103] فقالوا: إن نص الآية يدل على تخصيص دفع الزكاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر ليس داخلاً في هذا الحكم، فكأنهم بهذه المثابة قد أنكروا الزكاة وأنكروا فرضيتها؛ فاستقام تكفير الصديق رضي الله عنه لهم وقتالهم على هذه الردة.
وقيل: إن الصحابة لم يحكموا بكفرهم بناءً على وجود التأويل.
وإن كان الظاهر أن فيهم من أنكر الزكاة، فيحكم بكفره على ما ذكرناه من إنكار وجوب دفع الزكاة إلى أبي بكر الصديق، واعتقادهم أن الزكاة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وفيهم من منعها عناداً، وكلٌ منهما أخذ حكمه، وقد ذكر الأئمة رحمة الله عليهم أنه لما عضتهم الحرب ووجدوا حرها، قالوا: ندفع الزكاة، فامتنع أبو بكر أن يقبل منهم ذلك -كما ذكر الإمام ابن قدامة في "المغني"- حتى يشهدوا أن قتلاهم في النار وقتلى المسلمين في الجنة، فشهدوا بذلك، فقالوا: إن هذا يدل على أنهم كفار.
وأجاب بعض العلماء: بأن كونه يحكم بكونهم في النار لا يقتضي الحكم بكفرهم؛ لأنه قد يعذب تارك الزكاة ومانعها بالنار كما في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم لارتكابه للكبيرة.
فالحاصل: أن من أنكر الزكاة وقال: ليس في دين الله زكاة، أو ليست الزكاة بواجبة، فإنه حينئذٍ يحكم بكفره؛ لأنه أنكر المعلوم من الدين بالضرورة إذا كان عالماً، وأما إذا كان جاهلاً فلا.
مقاصد الشريعة من فرضية الزكاة
يقول رحمه الله: [كتاب الزكاة].
أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بفرضية الزكاة.
والله تعالى قد أمر بالزكاة في كتابه وأجمل، حيث لم يبين ولم يفصل أحكام الزكاة، وإنما فصلتها السنة، ولذلك يعتبر الأصوليون رحمة الله عليهم الأمر بالزكاة في القرآن من المجملات، ويعتبرون أدلة السنة مبينة، ويذكرون من أمثلة المجمل إجمال القرآن للزكاة وتفصيل النبي صلى الله عليه وسلم لأنصبتها وشرائطها وأركانها مما يلزم للحكم بها؛ فلذلك يقولون: إن القرآن أجملها والسنة بينتها.
لقد أوجب الله سبحانه وتعالى الزكاة وفرضها لحكمٍ عظيمة، ففيها الخير لمن يزكي ولمن تؤدى إليه، ولا يقتصر الخير عليهما، بل يشمل المجتمع كله، ففيها خير للإنسان الذي يزكي، إذ هي زيادة قربةٍ وامتثالٍ وطاعةٍ لله عز وجل، فإذا أداها زاد خيره وعظم أجره بالامتثال.
ثانياً: أنها تقوي يقينه بالله سبحانه وتعالى من جهة كونه يُحسن الظن بأن الله سيخلف عليه، وأن الله سيعوضه خيراً.
ثالثاً: أنها تطهر نفسه من أدران الشح والبخل، ومالك المال إذا جاد به وأنفقه وأحسن به إلى الناس أخرجه الله من رقه، فأصبح مالكاً للمال، ولم يكن المال مالكاً له، وإذا تعوّد الإنسان الإنفاق من ماله قوي على هذا المال، وإذا تعود على كنزه وحفظه، فإن المال يأسره -نسأل الله السلامة والعافية- حتى يأتي عليه يوم لا يستطيع أن ينفق من هذا المال حتى لصحته وصحة أبنائه وأطفاله وزوجته، كل ذلك لأن المال أسره، وحب المال -والعياذ بالله- فتنه، فإذا أدى الزكاة تعود أن يخرج من رق المال ومن أسر المال له.
وكذلك أيضاً فيها خير له من جهة أن الله عز وجل يضاعف له المال وينميه، ولا تنقص هذه الزكاة من ماله، بل إن الله عز وجل يعوضه في هذا المال حساً ومعنى: يعوضه حساً، فتربح تجاراته وتعظم أمواله؛ ولذلك تجد المزكين بخير الأحوال ولربما يعوضه معنى، فيجعل البركة في ماله؛ فإذا كانت تجارته أقل من تجارة الغير عدداً فإنها أكثر بركةً، والعبرة بالبركة، فإن الله سبحانه وتعالى قد يغدق المال الكثير على العبد وينزع منه البركة؛ فيصبح كأفقر الناس -نسأل الله السلامة والعافية- ولربما تجد الإنسان قليل المال، ولكن وضع الله له فيه البركة، فيعود عليه بالخير كما لو كان عندهُ أضعاف هذا المال، ولذلك يقول العلماء: ليس المهم أن يجد الإنسان الخير في الدنيا، ولكن الأهم أن يضع الله له البركة فيما وهبه من خير الدنيا.
فمثال ذلك: قد تجد عند الرجل التسعة والعشرة من الأولاد، ولكن الله ينزع منهم البركة، فيجد فيهم العقوق والأذية والضرر حتى يتمنى أنه عقيم لا ولد له -نسأل الله السلامة والعافية- فنزع الله منهم البركة، وجعلهم شقاءً عليه.
ومن الناس من تجد عنده الولد الواحد ذكراً أو أنثى، قد وضع الله فيه سعادة الدنيا، فيكفي أباه همه، ويقوم على شأنه، ويجده في الشدائد عوناً بعد الله سبحانه وتعالى، فيجد فيه من الخير ما لا يجده صاحب العشرة والعشرين من الولد مما وضع الله من البركة في هذا النسل أو هذا العقب.
فالعبرة في خير الدنيا الذي يهبه الله من الأموال والأولاد والتجارات ونحوها: أن يضع الله البركة فيها، وقد تجد الإنسان يملك الملايين ولكنها تذهب سداً، وقد تجده يملك مئات الألوف ولكن الله ينزع منها البركة، فزوجته مسرفةٌ في إنفاقها وأولاده يسرفون، فلا يجد بركةً لماله، خاصةً إذا اكتسب المال من الحرام؛ فإن أول شؤم الحرام أن ينزع الله منه البركة، فالزكاة سبب للبركة في الأموال، ويصلح الله بها حال المال، ولذلك تجد المزكي على خير دائمٍ في ماله وطمأنينة وانشراح صدر مع ما في الزكاة من دفع البلاء عن المال؛ فإن الله سبحانه وتعالى إذا وفى العبد له بحقه حفظ له ماله وبارك فيه.
كذلك أيضاً فيها خير لمن تؤدى إليه الزكاة، فالفقراء والضعفاء ينجبر كسرهم وتفرج كرباتهم، والمديون يُقضى دينه، وغير ذلك مما يحصل من الخير للضعفاء والمساكين.
هذا الضعيف والمسكين يرتاح قلبه بأداء الزكاة إليه؛ فتندفع نفسه عن التفكير في الحرام، وكذلك الحقد على إخوانه الأغنياء من المسلمين، فإذا وجدهم يحسنون إليهم أحبهم، وبناءً على ذلك يبتعد عن كثير من المفاسد، مع ما يحصله من المصالح، فيها خيرٌ للمجتمع؛ لأنها تقوي أواصر المحبة، فطبقة الأغنياء والفقراء لا بد منها؛ لأن الله رفع بعضنا على بعض وفضل بعضنا على بعض، وجعل بعضنا فوق بعض درجات ليتخذ بعضنا بعضاً سخرياً، ابتلاءً للأغنياء وللفقراء، فالأغنياء يبتلون كيف يعاملون الفقراء والضعفاء، والضعفاء يبتلون كيف يصبرون على أذية الأغنياء وإذلالهم لهم.
فهذا الابتلاء من لازم وجود الأغنياء والفقراء أن يحصل التنافس بينهم، فلربما يحقد الفقراء على الأغنياء، حتى تأتي الساعة التي تسرق فيها الأموال وتغتصب، وذلك بسبب منع الأغنياء لأموالهم، فلو أن الله لم يفرض الزكاة وأصبح الفقير فقيراً فسيحقد الفقراء على الأغنياء؛ لأنهم يجدون أنهم في ضيق وشدةٍ؛ هذا الغني يتمتع بملاذ الحياة، والفقير لا يجد قوام عيشه فضلاً عن أن يتمتع في حياته، فيحقد الضعيف على القوي، ويحقد الفقير على الغني.
فإذا جاء الغني وأعطى الفقير زكاة ماله، وأشعره كأنه شريكٌ له في هذا المال؛ اطمأنت نفسه، ودعا له بالخير والبركة، ولذلك تجد الفقراء يحبون الأغنياء بحسناتهم وصدقاتهم ويدعون لهم بالخير، حتى إنهم إذا سمعوا بالنكبة لهذا الغني دعوا الله أن يفرج عنه وأن يخفف عنه، فكم من بيوتٍ تقوم على إحسان الأغنياء، قد جعل الله هذا الإحسان سبباً في دفع البلاء عن هؤلاء الأغنياء، فترفع لهم الأكف آناء الليل وأطراف النهار بأن يحفظ الله أموالهم، وأن يحفظ الله أبناءهم وذرياتهم؛ فيعود الخير على أفراد المجتمع وتجتمع القلوب.
إضافةً إلى أن السرقات والغصوبات ونحوها مما تكون بسبب الفقر لا تنتشر بين المسلمين؛ لأن الفقير يعطى من الزكاة نفقة العام كما سيأتي إن شاء الله الإشارة إليه، فكأنه كُفي، وبناءً على ذلك فإن انتظام الزكاة من صالح الأفراد والجماعات.
ونظرة الإسلام إلى المال وسطية، لأن هناك نظرة مادية تعظم المال حتى كادت أن تعبده، كما هو منهج الرأسمالية، وهناك نظرة تنظر إلى المال كأنه لا قيمة له إلى درجة سوت بين الأغنياء والفقراء كما هي نظرة الاشتراكية، فجعلت الفقير يشارك الغني في كده وتعبه ونصبه وشقائه فظلمت الغني، وأولئك ظلموا الفقراء، والشريعة عدلت بين الفقراء والأغنياء، فجعلت في أموال الأغنياء حقاً معلوماً للسائل والمحروم، فبذلك حفظت الغني من بطره وأشره واكتنازه لماله، مع ما أعد الله للغني من الثواب في الآخرة.
فجاءت نظرة الإسلام وسطية بين تعظيم الأموال والنظرة إليها أنها هي كل شيء كما هو منهج الرأسمالية، وبين إهانة المال والاعتداء على الملكية الفردية كما هي نظرة الاشتراكية، فأتى الإسلام بالوسطية: فجعل للمال حقه، وجعل للغني يده، ولم يظلمه في تعبه، فكيف يسوى بين الذي يتعب ويكدح آناء الليل وأطراف النهار، ويحصل الأموال بكده وتعبه -بعد توفيق الله عز وجل- وبين العاجز الخامل؟! فلو أنه سويّ بين الغني والفقير -كما يقال في مذهب الاشتراكية- فإن هذا يجعل المجتمع في بطالة، ويقوي على البطالة ويعين عليها، ولكن الإسلام لا ينظر إلى هذا، يقول: أعط الفقير، ولكن بشرط أن يكون عاجزاً عن الكسب، يكون قد ضاقت يده في ظروفٍ معينة وحدودٍ ضيقة، وكذلك أيضاً ملَّك الغني ماله، فأعطى كل ذي حقٍ حقه، وما ظلم الله عز وجل لا الأغنياء ولا الفقراء، مع أنه سبحانه وتعالى هو مالك الأموال ومن ملكها، ولو قال الله عز وجل لنا: أدوا أموالكم كاملة لأديناها؛ لأنها ما كانت لنا ولم تكن إلا بفضله سبحانه وتعالى، هو الذي أنفق على عباده وأغنى الغني بفضله وكرمه.
يقول المصنف رحمه الله: [كتاب الزكاة].
من عادة العلماء رحمة الله عليهم أن يرتبوا مؤلفاتهم الفقهية، فهم يبدءون بكتاب الصلاة، وحين يبدءون بكتاب الصلاة يهيئون له بكتاب الطهارة، فيبينون الشروط المعتبرة للصلاة ومنها الطهارة، وبعد بيانهم للصلاة وما يتعلق بها يقولون: كتاب الزكاة.
فبعد أن فرغ رحمه الله من كتاب الصلاة شرع في كتاب الزكاة، وعبر بـ (كتاب) ولم يقل: (باب)؛ لاشتمال هذا الكتاب على أبواب عديدة ومباحث متعددة تحتاج إلى تفصيل، ومسائل مختلفة تحتاج إلى بيان؛ ولذلك قال رحمه الله: كتاب الزكاة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه جمعين.
شرح زاد المستقنع -
باب
شروط وجوب الزكاة
من شروط الزكاة حولان الحول، لكن هناك أموال لا يشترط فيها الحول، كالحبوب والثمار ونحوها، وهناك مسائل متعلقة بالزكاة، منها: زكاة الدين ومتى تجب فيه الزكاة ومتى لا تجب، وزكاة الشيء المغصوب، وزكاة من ملك مالاً ونسي موضعه، وزكاة من ملك نصاباً وعليه دين، والأحوال التي تسقط فيها الزكاة، وهل تجب الزكاة في عين المال أم في الذمة.
شروط وجوب الزكاة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله: [تجب بشروط خمسة].
تجب -أي: الزكاة- بشروط خمسة لا بد من توفرها للحكم بوجوبها ولزومها، وقوله: (خمسة) إجمالٌ قبل البيان والتفصيل، من فوائده: تهيئة السامع، وتشويقه إلى العلم بها أو بتفصيلها.
قوله: [حرية].
الشرط الأول في وجوب الزكاة الحرية، والعبد بالإجماع لا تجب الزكاة عليه من حيث الجملة، فلا تجب الزكاة في أموال العبيد، وإنما تجب على الأحرار.
أما الدليل على أنها لا تجب على العبد: فما ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من باع عبداً وله مال؛ فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع).
ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخلى يد العبد من الملكية، فقال: (من باع عبداً وله مالٌ -أي: للعبد مال- فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) فدلّ على أن العبد لا ملك له للمال، وإذا كان العبد لا يملك المال فإنه لا يتوجه إليه الخطاب بزكاته، وإنما يتوجه إلى سيده.
وعلى هذا: فزكاةُ مال العبد واجبةٌ على السيد، وهذا مذهب الجمهور.
وقال مالك رحمة الله عليه: لا تجب لا على السيد ولا على العبد، فأسقط الزكاة عنهما، وظاهر حديث ابن عمر يدل على أن الزكاة تتعلق بالسيد، وأنه تجب زكاة مال العبد لكن على سيده لا على العبد؛ وذلك لأنه مال، فهو داخلٌ في عموم الأدلة التي أمرت بأداء الزكاة.
والعبد له أحوال: إما أن يكون مملوكاً بكامله لزيدٍ من الناس، أو يكون بعضه حر وبعضه عبد، فإذا كان نصفه حراً ونصفه عبداً فما الحكم؟ قالوا: تجب الزكاة بقدر ما فيه من حرية، وحينئذٍ يكون مالكاً لنصف ماله، فتجب عليه الزكاة في هذا النصف بما فيه من الحرية.
المسألة الثالثة: إذا كان العبد مكاتباً -وهو الذي يسعى لحريته- فهل تجب عليه الزكاة أو لا تجب؟ للعلماء قولان: أبو ثور وداود الظاهري يوجبان على العبد المكاتب الزكاة، والجمهور لا يوجبون عليه الزكاة؛ لأنه لم تثبت حريته بعد؛ لأنه إذا عجز عن أنجم الكتابة رجع رقيقاً، فدلّ على أنه أثناء أدائه لثمن الكتابة لا يزال رقيقاً، وعلى هذا: فالمكاتب لا تجب الزكاة عليه، وإنما تجب على سيده.
قوله: [وإسلام].
أي: ومن شروط وجوبها الإسلام، فلا تجب الزكاة على كافر؛ فمثلاً: لو أن اليهود والنصارى كانوا أهل ذمة عند المسلمين، فلا نأتي ونقول لهم: أدوا الزكاة؛ إذ لا تجب الزكاة على الذمي؛ لأنه كافر، أما لو كان مسلماً ثم بعد ذلك ارتد، فإنه لا تجب عليه الزكاة، لكنه يطالب بالزكاة الواجبة عليه أثناء إسلامه، فلو أنه وجبت عليه الزكاة مائة ألف، فارتد بعد وجوبها ولم يؤدها بعد، فمن حق الإمام أن يأخذ من ماله قدر المائة الألف؛ لأنه إذا ارتد حُبِسَ ماله في بيت مال المسلمين، يحفظه الوالي، ثم يؤخذ منه بقدر ما عليه من الزكاة قبل أن يرتد، هذه هي الحالة التي تجب فيها الزكاة في مال المرتد، أما إذا كان في حال ردته فإنه لا يطالب بزكاة ماله.
واختلف في نصارى بني تغلب، وفيهم حكمٌ خاص قد يأتي إن شاء الله الإشارة إليه.
قوله: [ومُلك نصاب].
ملكية النصاب شرط لوجوب الزكاة؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة) وقال: (ليس فيما دون خمسٍ ذودٍ من الإبل صدقة) فجعل للصدقة حداً سماه العلماء بالنصاب، وهي العلامات؛ لأنها تنصب علامةً على الشيء، فلما قال عليه الصلاة والسلام: (ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة) كأنه يقول: هذه علامة الوجوب، وما دونها لا تجب فيه الزكاة من الأموال، وما فوقها تجب فيها الزكاة.
وقوله: (ملكية النصاب): أن يكون مالكاً للنصاب، والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة) (ليس فيما دون خمسٍ ذودٍ من الإبل صدقة) (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) هذا كله يدل على أن النصاب معتبر، وأن ما دون النصاب لا تجب فيه الزكاة بإجماع العلماء، فالزكاة لا تجب في كل مال، وإنما تجب في أموال مخصوصة؛ بشرط أن يكون الإنسان مالكاً لهذا الحد الذي نصبه الشرع وجعله علامةً على لزوم الزكاة.
قوله: [واستقراره].
أي: واستقرار الملك، وكون المال ليس مستقراً كالوقف على غير معين، فلو أن شخصاً -مثلاً- أوقف بستانه بغلته على الفقراء والمساكين؛ فإن هذا المال مال، لكن ليس له يدٌ مستقرة، فيكون للفقراء في زماننا، وإذا ماتوا وجاء فقراء غيرهم فهو لهم، فيد الملكية ليست بمستقرة.
إضافةً إلى أنه يكون وقفاً على فقراء، ثم هؤلاء الفقراء لو أنهم صاروا أغنياء انتفت عنهم الملكية، وانتقلت إلى غيرهم من الفقراء؛ فهو وإن كان موقوفاً عليهم لكنهم لا يملكونه، وإن كانت غلته يملكونها إذا أخذوها ولكنها ليست بمستقرة، وليست هناك يدٌ ثابتة على هذا المال، ولذلك من أوقف ماله فقد خرجت ملكية المال عنه لله سبحانه وتعالى.
وعلى هذا قالوا: لو أنك بنيت مسجداً، وأوقفته صار ملكاً لله عز وجل، وليس من حقك بعد بناء المسجد أن تقول: لا يصلي فيه إلا فلان، ولا يدخل إلا فلان، ولا تفعلوا إلا كذا، أو اسمعوا كذا.
لأنه ليس ملكاً لك؛ فهو بالوقفية خرج عن ملكية الإنسان، وأصبح وقفاً لله -أي سبيلاً لله- عز وجل، فملكيته لله سبحانه وتعالى بالنسبة؛ وإن كان في الأصل أننا وما ملكنا ملكٌ لله عز وجل.
فالزروع وسائر الأشجار إذا نبتت في الفيافي، لو أن الشجر نبت في الفيافي والبراري فإنها أموال، لكن ليس هناك مالكٌ معينٌ لها، فلا تجب فيها الزكاة، وإن كانت مالاً وقد تبلغ النصاب، وقد يكون فيها خمسة أوسق من الحبوب، كأن يصيب الغيث أرضاً فتنبت الحب ويكون منها الخير، فإننا لا نوجب الزكاة؛ لأن الملكية هنا ليست بمستقرة وليست بثابتة على المكلف المخاطب بوجوبها.
قوله: [ومضي الحول].
(ومضي الحول) الحول: هو العام الكامل مأخوذٌ من الحال، وشرطه: أن يكون بالسنة القمرية لا بالشمسية، فالحساب في الشرع بالقمرية لا بالشمسية، فمن ملك في يوم، فلا بد أن يعتبر سنة قمرية لهذا اليوم حتى يأتي مثلها في السنة القادمة، والإنسان إذا مكث سنة كاملة يتغير من حالٍ إلى حال، فسمي الحول حولاً لأن الناس تتغير أحوالهم بمضيه.
ولا بد من مضي الحول، فلو أن المائة ألف التي معك ملكتها في اليوم العاشر من رمضان، وجاء اليوم العاشر من السنة القادمة من رمضان وهي معك فإنه تجب عليك الزكاة، فلو أنك قبل اليوم العاشر من رمضان في اليوم التاسع تلف هذا المال أو أوقفته، أو حصل له عارضٌ تزول به ملكيتك أو نقص عن قدر النصاب؛ فإنه تسقط عنك الزكاة ولا تجب ولو قبل غروب الشمس بلحظة واحدة، فلا بد من مضي السنة الكاملة على هذا النصاب.
قال: [في غير المعشر].
قوله: (في غير معشر) أي: الزروع والثمار والحبوب ونحوها مما أوجب الله زكاته حال الحصاد؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:141] فأوجب علينا في الجنات والزروع والنخيل أن نؤدي الزكاة إذا حصدنا، فدل على أنها قبل الحصاد لا تجب، ومن المعلوم: أنك لو حصدت الحب قد يكون مضى عليه أشهر ولم يمض عليه حولٌ كامل، فدل على أن زكاة الحبوب والثمار مستثناة من الحول، والإجماع منعقد على مضي الحول -وفيه حديث عند أبي داود وحسنه العلماء-: أنه ليس في الأموال زكاة حتى يحول عليها الحول؛ لكن هذا النوع من الأموال -الذي هو الزروع والثمار- أوجب الله زكاتها ولو لم يحل عليها الحول، فجعل الزكاة بالحصاد، فإذا حصد الحب وجلبه إلى مسكنه وبيدره، فإنه حينئذٍ يؤدي زكاته بالقدر الذي أوجب الله وسمى في زكاة الحبوب والثمار.
قال المصنف رحمه الله: [إلا نتاج السائمة وربح التجارة].
قوله: (إلا نتاج السائمة) البهيمة: تكون -مثلاً- عندك أربعون شاة، الأربعون بلغت النصاب، هذه الأربعة نمت أثناء العام، والعبرة بمجيء الساعي في حولها، فإذا كانت عندك طيلة السنة مثلاً مائة وعشرون شاة، فيها شاةٌ، وفي الليلة التي جاء فيها الساعي ولدت شاة، فأصبحت مائةً وإحدى وعشرين، فتجب عليك شاتان، فالذي حال عليه الحول تجب فيه شاة واحدة، لكن هذا النتاج تابعٌ لرأس ماله وأصله؛ فحينئذٍ تجب عليك الزكاة بشاتين، ويسمونها الشاة المشئومة من باب الكناية؛ لأنها شاة صغيرة ولكن ضيعت ما هو أكبر منها.
فلو ولدت شاة قبل مجيء الساعي -ولو بيوم واحد أو ليلة واحدة- وأصبح العدد مائة وإحدى وعشرين، وجبت عليك شاتان، فتلزم بدفع شاتين، مع أن الأصل أن في المائة والعشرين شاة واحدة.
فلا يشترط حولان الحول على النتاج.
وبناءً على ذلك قاس بعض العلماء الرواتب وما في حكمها.
يقولون: في الأصل لك الحق أن تجعل الراتب كل شهر تجعل حوله بحوله، فشهر محرم تكتب عليه شهر محرم، وتنتظر إلى السنة القادمة تنفق من شهر محرم، إلى أن يأتي شهر محرم من العام القادم، فإن بقي من هذا الراتب شيء زكيته إذا بلغ النصاب، وإن لم يبق ما يعد به قدر النصاب لا تجب عليك الزكاة، هذا الأصل: أن كل راتبٍ تجعله بحوله المستقل.
لكن إذا صَعُب عليك هذا، ولا شك أنه يفتح باب الوسوسة، ويؤدي إلى حصول الشكوك عند الإنسان وفيه ضيق على الإنسان أن يكتب على كل مبلغ وأن يجعله عنده بأرقامه وكتاباته، فهذا فيه عسر وتعب وعناء، قالوا: إذا لم يرد هذه الطريقة يزكي كسائمة بهيمة الأنعام.
فنقول له: انظر إلى أول شهرٍ استلمت فيه الراتب فتنتظر إلى مثله في العام القادم وتجمع ما عندك، حتى ولو كان من شهر ذي الحجة الذي قبلها بأيام أو بشهر، يجب عليك أن تزكيه على الأصل، هذا بالنسبة إذا كنت تختار الحول لشهر واحد.
أما الطريقة الأولى: فهي الأصل: أن كل راتب شهر بحسبه؛ لكن لو أحببت أن ترتاح، وأن تجعل حول رواتبك حولاً واحداً، في بداية المحرم -مثلاً- استلمت هذا الراتب الذي به يكون قدر الن
ذكر ما يستثنى منه الحول في إخراج الزكاة
قال المصنف رحمه الله: [ومضي الحول في غير معشّر إلا نتاج السائمة وربح التجارة ولو لم يبلغ نصاباً، فإن حولهما حول أصليهما إن كان نصاباً وإلا فمن كماله].
ذكر المصنف رحمه الله جملة من الشروط التي ينبغي توفرها للحكم بوجوب الزكاة، فإذا وجدت هذه الشروط فإن المكلف ملزمٌ بالزكاة، وإذا تخلفت هذه الشروط أو واحد منها، فإنها لا تجب، فما زال رحمه الله يبين لنا هذه الشروط، وكانت خاتمتها اشتراط الحول، وقد تقدم الكلام على هذا الشرط، وقد بيّنا أن إجماع العلماء رحمهم الله على أن الحول معتبر لوجوب الزكاة، ويستثنى من ذلك المعشّر؛ وهو الذي أوجب الله فيه العشر، والمعشّرات هي الزروع والثمار، والدليل على هذا الاستثناء أن الله سبحانه وتعالى قال في زكاة الزروع والثمار: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:141]، ومن هنا نفهم أن من الأموال التي تجب فيها الزكاة ما يشترط فيه الحول كالذهب والفضة، ومنها ما لا يشترط فيه الحول كالزروع والثمار، فلو أن إنساناً زرع شعيراً، ثم كان القدر الذي استحصده منه بالغاً خمسة أوسق، فإننا نوجب عليه الزكاة إذا حصده وضمّه إلى البيدر، مع أنه لم يمض العام الكامل عليه، ولذلك يقال: إن هذا النوع من الأموال لا يشترط فيه حولان الحول، وحولان الحول أصل لكن له مستثنيات، منها ما ذكر المصنف رحمه الله.
قوله: (إلا نتاج السائمة) ذكرنا أن النتاج: هو ما يكون من نتاج بهيمة الأنعام -وهو صغارها- فلو أن إنساناً ملك مائة وعشرين شاةً، فإن الله أوجب عليه فيها شاة واحدة، ولا يجب عليه أكثر منها، فلو فرضنا أنه طيلة العام كانت عنده مائة وعشرون شاةً، فلما كانت ليلة الساعي ولدت إحداهن شاةً، فأصبح الذي عنده مائة وإحدى وعشرين شاة، ففيها شاتان، ولا نقول: إنه يجب أو يشترط أن يحول الحول على هذا النتاج الذي لم يبلغ السنة الكاملة، وبناءً على ذلك نقول: إن نتاج السائمة لا يشترط فيه حولان الحول.
أما لو اشترى غنماً وضمها إلى الغنم الأولى، فقال بعض العلماء: إنه يستأنف لهذه الغنم الجديدة الحول، ومنهم من يقول: إنها مضمومة إلى رأس ماله، ولهذا القول من الوجاهة قوة.
قوله: (وربح التجارة).
فلو كانت عند الإنسان مائة ألف اشترى بها تجارة من قماش أو غذاء أو غير ذلك، وعرضها للبيع، فإن هذه المائة الألف التي دخل بها للتجارة، إذا مضى الحول عليها فإنها تزكّى؛ فيجمع ما في الدكان أو البقالة أو المتجر ثم بعد ذلك يقدره بقيمته يوم تمام حوله ويخرج زكاة القيمة؛ فلو فرضنا أن هذه المائة ألف قامت على تجارة أكسية اشترى بها القماش، وما زال يبتاع ويشتري في هذا القماش، إذا برأس ماله الذي هو المائة ألف قد أصبح مائة وعشرين، فعنده نتاج وهو ربح لرأس المال وهو العشرون ألفاً؛ فإذا حال الحول فإنه يجمع المال كله فيؤدي زكاة مائة وعشرين، مع أن المائة والعشرين: منها ما حال عليه الحول وهو المائة ألف، ومنها ما لم يحل عليه الحول وهو العشرون التي تعتبر ربحاً للمائة، فهذا الربح لم يحل عليه الحول، ولكن الفرع تابع لأصله، فأصبح تابعاً لذلك الأصل الذي أنميته بالتجارة، فصارا كالشيء الواحد، وتزكيه زكاة واحدة.
بناءً على هذا يقول الفقهاء: يشترط حولان الحول في المال الذي تجب فيه الزكاة إلا إذا كان ربح تجارة، فاستثنوا المعشّرات ونتاج السائمة وربح التجارة.
فلو سألك تاجر وقال: قد ملكت كذا وكذا ألفاً وتاجرت بها السنة كاملة، وقبل نهاية السنة بيوم أو بأسبوع أو بشهر ربحت مثلها؛ فأصبحت المائة مائتين أو أصبحت العشرة عشرين، فهل في هذه الحالة يجب عليَّ زكاة الأصل وهو العشرة آلاف أو المائة ألف- أو زكاة الجميع؛ أعني مع ما حصل عليه من الربح؟ فالجواب أن تقول: عليك زكاة رأس مالك وكذلك نتاج رأس المال وهو الربح؛ لأنه تابع للأصل.
هذا هو مراده رحمة الله عليه، وعليه نقول: إنه يجب على الإنسان أن يراعي الحول في ماله الذي وجبت فيه الزكاة إلا إذا كان من المعشّرات أو نتاج سائمة أو ربح تجارة.
وقوله: (ولو لم يبلغ نصاباً).
ربح التجارة في بعض الأحيان قد يبلغ النصاب، وأحياناً أخرى لا يبلغ النصاب، فلو أنه ربح مع المائة ألف مائة ألف أخرى، فقد بلغت النصاب قطعاً، ولو ربح خمسين ريالاً فإنها دون النصاب، فحينئذٍ نقول: ربحك لما بلغ النصاب ولما دون النصاب الحكم فيه سواء فتضمه إلى أصله، وتطرد القاعدة أن الفرع تابع لأصله، فزكاة الأرباح زكاة رءوس أموالها، ويستوي في ذلك أن تكون بالغة النصاب أو دون النصاب.
قال المصنف رحمه الله: [فإن حولهما حول أصلهما إن كان نصاباً وإلا فمن كماله].
قوله: (فإن حولهما) يعني: حول الربح حول رأس ماله، فحينئذٍ تعتبر حولهما واحداً، فلو دخلت في التجارة من بداية محرم واكتسبت الربح في شوال مثلاً أو في رمضان، فإنك حينئذٍ تعتبر هذا الربح الطارئ في رمضان تابعاً لرأس المال الذي هو في محرم، ولا تقول: إنه ينبغي أن أستقبل به رمضاناً قادماً؛ لأنه في هذه الحالة يعتبر تابعاً للأصل.
وقوله: (وإلا فمن كماله) هذا الحكم الذي ذكرناه وهو كونك تتبع الربح لرأس المال يكون شرطه أن يكون رأس المال قد بلغ النصاب، فلو كانت عندك خمسون ريالاً، وهذه الخمسون دون النصاب المعتبر كما سنبينه إن شاء الله في زكاة النقدين، لكنك دخلت بها في التجارة، فما زلت تربح حتى بلغت النصاب، مثلاً ثلاثةً وخمسين أو أربعةً وخمسين على جبر الكسر الذي فوق الثلاثة وخمسين، فإذا بلغت أربعةً وخمسين في ربيع، فإن حولها من ربيع، وحينئذٍ يكون هذا الزائد وهو الثلاثة أو الأربعة التي بلغ بها النصاب هو بداية الحول، وحينئذٍ تعتبر حولهما واحداً وتضمهما لتزكيهما زكاة مال واحد.
أحكام زكاة الدين
قال المصنف رحمه الله: [ومن كان له دين أو حق من صداق أو غيره على مليء أو غيره أدى زكاته إذا قبضه لما مضى].
هذه المسألة مسألة يحتاج إليها الناس وتعم بها البلوى، وهي زكاة الديون، فأنت عندك مال أخذه منك إنسان، وحينئذٍ لا تبحث عن هذه المسألة إلا إذا أمضى حولاً كاملاً، أو مرّ حول مالك الأصلي والدين عند الشخص الذي أعطيته إياه، فلو فرضنا مثلاً: أنك أعطيت رجلاً مائة ألفٍ ديناً، أعطيته إياها في محرم، فهذا الدين لا يخلو من صور: الصورة الأولى: أن يحل أجله، فقلت له: هذا الدين توفيني إياه أو تعطيني إياه في نهاية رمضان، فهو سيوفيك المائة ألف قبل دخول الحول أو قبل بلوغ الحول، فإن كان أجل الدين قد دخل في الحول، فحينئذٍ تبحث عن حكم زكاته إذا لم يؤد الدين بعد تمام المدة، فأنت اشترطت عليه في نهاية رمضان أنه يعطيك المال، ولكن جاء رمضان وقال: لا أستطيع السداد، فبقي الدين عنده حتى شاء الله عز وجل ومضى إلى بداية حولك الذي هو محرم، فحينئذٍ إذا جاء محرم سألت: هل هذا الدين الذي لي على الرجل تجب علي الزكاة فيه، أو لا تجب؟ هذا الدين لا يخلو من حالات: الحالة الأولى: أن يكون الشخص الذي أعطيته الدين قادراً على السداد، وهو الذي يعبر العلماء عنه بالمليء، فإذا كان قادراً على السداد فحينئذٍ لا تخلو من حالتين: إما أن تستطيع مطالبته به ويعطيكه فحينئذٍ تجب عليك الزكاة؛ لأن الذي منعك من طلبه إنما هو الحياء، فقد يكون بينك وبينه مودة، أو قد يكون بينك وبينه معاملة فتترك الدين عنده، أو تريد أن يكون المال عنده؛ لأنه أحفظ لمالك؛ لأنه رجل أمين وتثق به، والسبب في وجوب الزكاة في هذه الحالة أن المال إذا كان على غني مليء بحيث لو طالبته أعطاك كأنه بيدك، فالمال وإن لم يعطِك إياه فإنه في حكم المال الذي بيدك، وتجب عليك زكاته، هذا إذا كان مليئاً وكنت قادراً على مطالبته ولا يماطل؛ بل يعطيكه في أي وقت تطلبه، ففي هذه الحالة يجب عليك زكاة المال، ووجه وجوبها أن المال وإن كان عند المدين، لكنه في حكم المال الذي بيدك، وعلى هذا الأصحاب فيما بينهم من مودة ومجاملات ربما يتركون الأموال عند بعضهم، وربما يغلبه الحياء عن مطالبته، فإذا كان الشخص تستطيع مطالبته ويوفيك عند المطالبة وهو قادر، فعليك زكاة مالك؛ لأنه وإن كان ديناً، ففي حكم المال الذي في يدك، هذه الحالة الأولى.
الحالة الثانية: إذا حلّ الأجل أن يكون عاجزاً على السداد، وعدك نهاية رمضان وجاءت نهاية رمضان، ولكنه لم يستطع السداد؛ لفقره وعجزه، فإذا كان فقيراً أو عاجزاً عن السداد أو طرأت له ظروف، ولكنه لا يستطيع أن يعطيك، فحينئذٍ للعلماء قولان: منهم من يقول: عليك زكاته، فتجب عليك الزكاة في كل سنة؛ فلو بقي عنده الدين خمس سنوات؛ عليك زكاة خمس سنوات، ففي كل سنة تحسب هذا المال سواء كان على فقير أو غني لا يفرقون، ويجب عليك أن تزكي، هذا هو القول الأول.
القول الثاني أنه إن كان عاجزاً عن السداد ولو طالبته بالدين لا يستطيع أن يوفيكه، فإنه لا تجب عليك زكاة المال، وهذا هو الصحيح؛ لأن المال غير موجود، وهو في هذه الحالة في حكم المفقود؛ فهو ليس بيدك، ولا تجب عليك زكاته، وإنما تنتظر، فلو جلس عشر سنوات أو عشرين سنة أو ثلاثين سنة، وبعد ثلاثين سنة جاء يوفيك فتزكيه لسنة واحدة، وبذلك أفتى علي وعائشة وعبد الله بن عمر رضي الله عن الجميع؛ لأنه لم يصل المال إلى يدك إلا في تلك السنة، واليقين أنك مطالب بتلك السنة وغيرها شك؛ لأن المال كان غير موجود، وحينئذٍ لا تجب عليك الزكاة للسنوات التي مضت، هذا إذا كان عاجزاً عن السداد.
الخلاصة لهذه المسألة: أنه إذا حلّ الأجل وكان عاجزاً عن السداد، ولا تستطيع أن تأخذ المال منه، فحينئذٍ لا تجب عليك الزكاة، ثم ننظر؛ فلو وفاك بعد عشرين سنة أو ثلاثين سنة، فلا تجب عليك إلا زكاة سنة واحدة فقط وغيرها لا تجب؛ لأن المال في حكم المفقود، وهذا الرجل الذي هو معسر -ولا يستطيع السداد طيلة السنوات التي كان المال في ذمته- لم يكن المال موجوداً عنده، ولا تجب زكاة المال المفقود، وحينئذٍ لا تجب عليك إلا زكاة سنة واحدة.
فإذا قبضت المال منه ولو بعد عشر سنوات أو عشرين سنة تزكيه لسنة واحدة، فإذا كان المدين غنياً بَيَّنَّا حكمه، وإذا كان فقيراً بَيَّنَّا حكمه.
الحالة الثالثة: أن يأتي الأجل ثم تطالبه وإذا به قادر على السداد ولكنه يمتنع، فيكون مليئاً غنياً ولكنه يماطل، وهذا ما يسميه العلماء بالمماطل -الغني القادر على السداد المماطل- فلا تخلو حينئذٍ في هذا المماطل من حالتين: إما أن تستطيع أن تقهره وتأخذ الحق منه سواء عن طريق القضاء أو عن طريق غيره من الناس ممن تستطيع أن تكلمه حتى يأخذ بحقك منه، فتجب عليك الزكاة؛ لأنه وإن كان مماطلاً لكنه في حكم من أنت قادر عليه والمال موجود عنده، فكونك تقصر في أخذ المال يلزمك بزكاته، هذا إذا امتنع عن السداد، وكان عندك قدرة على أخذه، فحينئذٍ يجب عليك زكاته.
أما لو امتنع، ولا تستطيع أن تأخذه منه؛ لقهره إياك، أو تخشى منه الضرر والأذية، أو ليس عندك شهود على المال ولا تستطيع إقامة القضاء عليه، فحينئذٍ تنتظر ولو مائة سنة، فإن قدرت ولو بعد مائة سنة تزكيه لسنة واحدة؛ لأنك ما قدرت على مالك إلا في تلك السنة، ولا تجب عليك إلا زكاة سنة واحدة، وأما بقية السنوات فالمال وإن كان مالك لكنه في حكم المعدوم لعدم القدرة عليه.
فإذا كان قادراً على السداد ويمتنع من السداد، فلا يخلو: إما أن تقدر على قهره، فتجب عليك الزكاة، وإما ألا تستطيع قهره، فحينئذٍ لا تجب عليك الزكاة إلا لسنة واحدة على التفصيل الذي ذكر.
الحالة الرابعة: أن يكون المدين قادراً على السداد لكنه ينكر ويجحد مالك، وهذا يسمى بالجاحد -مثلاً: جاء الأجل وهو رمضان فقلت: يا فلان وفني حقي، فما بيني وبينك هو نهاية رمضان، فقال: لا شيء لك عندي، أو قال: ليس لك مال عندي- يقول: ليس لك عندي شيء، فالجاحد إذا جحد مالك يعتبر في حكم الغاصب، فلا تخلو من حالتين أيضاً: الحالة الأولى: أن تكون لديك بينة أو شهود أو تستطيع قهره وقسره على إعطائك الحق، فتجب عليك الزكاة؛ لأن المال في يدك.
الحالة الثانية: ألا تستطيع إقامة القضاء عليه فيه، لخوف ضرر عليك أو لأنه غصبه بقوة وقهر، فحينئذٍ لا تجب عليك الزكاة، وتنتظر إلى أن تتمكن، فمتى ما تمكنت من مالك المغصوب أو مالك المجحود تجب عليك الزكاة لسنة واحدة؛ لأن المال في حكم المفقود، وإنما ملكت مالك حينما قدرت عليه، فإن لم تقدر عليه فإن الله لا يكلفك بزكاته.
هذا حاصل ما يقال زكاة الدين إذا حلّ الأجل، فإذا حلّ الأجل فإن كنت قادراً، على أخذ المال وأخرّت المال عنده لمودة أو ثقة، وجبت عليك الزكاة، وإن كان غير قادر فلا تجب عليك الزكاة، وتنتظر حتى يسدد فتزكي لسنة واحدة، وإن كان قادراً على السداد ومطل أو جحد أو غصب، فإن كنت قادراً على إقامة الحق عليه، فتجب عليك الزكاة، وإن كنت غير قادر على إقامة الحق عليه، فلا تجب فيه الزكاة.
إذاً: فقه المسألة في القدرة على المال، فإن كان المال كأنه بيدك وجبت الزكاة، وإن كان المال كأنه مفقود، أو كأنه غير موجود لعوزٍ وضيق يد أو جحدٍ مع عدم القدرة على المطالبة بالحق، فحينئذٍ لا زكاة عليك، ومتى ما سددك أو قدرت على حقك زكيته لسنة واحدة هذا حاصل ما يقال في الديون إذا حلّ أجلها.
الصورة الثانية: ألا يحل الأجل، يأخذ منك الدين لعشر سنوات، فإنه في خلال العشر سنوات ليس من حقك أن تطالبه بهذا الدين، فالمال ليس بمالك، أو كأنه ليس بمالك ويعتبر مالاً له، وقد يأخذ منك المائة ألف أو المائتي ألف وينفقها، فلا تكون موجودة، فأنت تستحق المطالبة بعد عشر سنوات، فلا تبحث ولا تسأل عن زكاة هذا الدين إلا بعد العشر سنوات، فإذا مضت العشر سنوات، وحل الأجل، رجعنا إلى التفصيل الذي ذكرناه.
إذاً: عندنا في الدين حالتان: حالة يحلّ فيها الأجل ونفصِّل فيها بين كون المال في حكم المال الذي في اليد؛ لقدرةٍ ومحبة ومودةٍ، فحينئذٍ تجب الزكاة، أو يكون في غير حكم المال الذي في اليد؛ لعوزٍ أو جحودٍ وعدم قدرة على مطالبة، فحينئذٍ لا زكاة، فإن قدرت زكيت لسنة واحدة.
وأما إذا لم يحلّ الأجل، فالمال ليس لك؛ لأنك قد تنازلت عن هذا المال، وزكاته كونك قد أدنته وأعطيته إياه وفرجّت كربته، فذلك من زكاة المال، وهو من الخير الذي جعله الله لك في هذا المال، بل قال بعض العلماء: إن مسامحة المديون والعفو عنه والتيسير عليه والإنظار له من أفضل القربات وأحبها لله عز وجل، وقد جاءت الأحاديث في الترغيب فيها، والله يقول في كتابه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:280]، (فنظرة) أي: فانتظار، (إلى ميسرة) أي: إلى اليسار والغنى والقدرة على السداد، وعلى هذا فإن الديون لا يبحث فيها إلا إذا حلّ أجلها، وكان الذي عليه الدين قادراً على السداد وأنت تستطيع مطالبته بالدين، على التفصيل الذي ذكرناه.
صور الصداق وأحكام زكاته
قال المصنف رحمه الله: [ومن كان له دين أو حق من صداق أو غيره].
قوله: (من كان له دين أو حق من صداق أو غيره) الدين شيء والحق من الصداق يختلف، الصداق للمرأة، وقد يقع الصداق ديناً، فيشبه الدين ويأخذ حكم الدين إذا كانت المرأة قد طالبته بالسداد، مثلاً إذا قال: زوجتك بنتي بعشرة آلاف مثلاً، فقال: قبلت، ثم بُتّ النكاح على أن العشرة آلاف تكون حالّة، فيكون الزوج مطالباً بالعشرة آلاف حالة، فقال الزوج: هذه خمسة آلاف، وإذا يسّر الله الباقي أعطي الباقي، فالدين الذي عليه خمسة آلاف، فحينئذٍ في هذه الحالة، يكون الزوج مديوناً للزوجة مطالباً بالوفاء عند القدرة، متى؟ إذا كان قد بتّ.
وألزمه بالمهر بالعقد، فحينئذٍ قال: أنا عاجز الآن، ولكن إذا يسّر الله، هذا ثلث الصداق، هذا ربعه، هذا جزءٌ منه، هذا نصفه، فإن يسّر الله السداد أعطيتك، ففي هذه الحالة يكون في حكم الدين، إن كان الزوج قادراً على السداد والمرأة قادرة على مطالبته وقد تركت مالها لثقتها ببعلها وزوجها، فتزكيه لكل سنة؛ لأنه في حكم المال الذي في اليد، وكأنه مودع ومحفوظ عند الزوج، والودائع تزكّى، هذا إذا كان الزوج قادراً على السداد، والمرأة تستطيع أن تطالبه في أي وقت.
لكن لو أن الزوج بعد دخوله بالزوجة قد أعطى نصف المهر، ثم إنه افتقر ولم يستطع أن يسدد النصف الباقي، فحينئذٍ نقول: إن هذا النصف الذي بقي يأخذ حكم المديون المعسر، فلا يجب على المرأة أن تزكي هذا الدين الذي لها على زوجها حتى يسددها الزوج ولو بعد مائة سنة، فإذا سددها ولو بعد عشر سنوات أو عشرين سنة فإنها تزكي لسنة واحدة، على التفصيل الذي ذكرناه، لماذا؟ لأن الزوج لما عجز عن السداد كانت العشرة آلاف التي هي دين عليه كأنها مفقودة، فهي وإن كانت ديناً للزوجة على زوجها لكنها في حكم المفقود، فلا يجب عليها أن تزكي حتى يستطيع السداد، فإذا استطاع السداد وطالبته وأعطى وسدد ولو بعد عشر سنوات وجبت عليها زكاة سنة واحدة، على الأصل الذي قررناه، فلو أنها بعد عشر سنوات تمكن الزوج من السداد، فقالت له: اترك العشرة عندك مثلاً، فمن حين قولها: اتركها عندك حينئذٍ تستقبل الحول، كل حول يأتيها يجب عليها الزكاة؛ لأن المال أصبح وديعة أو شبه وديعة عند الزوج، ولما كان الزوج قادراً على السداد كان المال وإن لم يكن بيد الزوجة لكنه في حكم الذي بيدها، نظراً لوجود الغنى والقدرة على السداد هذه حالة أولى للمهر.
الحالة الثانية: أن لا يبتّ الزوج وإنما يعلق بقية الصداق على الطلاق والفراق، فيقول له: زوجتك بنتي بعشرين ألفاً، عشرٌ منها حالة ويجب عليك سدادها وإعطاؤها، وعشرٌ منها إذا طلقتها، فحينئذٍ تكون العشر الحالّة لا إشكال فيها، وحكمها حكم الأصل، حتى لو أنه عجز عنها يكون حكمها حكم ما ذكرناه من التفصيل السابق، لكن لو قال له: إذا طلقتها، فهذا فيه نظر، وهو: هل صداق المرأة مستحق بالعقد أو بالدخول؟ فإن قلنا: مستحق بالعقد أو بالدخول فقد وجب هذا الدين، وثبت على الزوج بمجرد دخوله بها أو بمجرد عقده عليها، ويسري فيه التفصيل الذي ذكرناه، ويكون الإنظار إلى الطلاق أشبه بالوديعة، كأنه تركه وديعة عنده، فتزكيه لكل سنة.
وإن قلنا: إن بقية الصداق في حكم الدين المؤجل، فلا يجب عليها أن تزكي إلا إذا وقع الطلاق، فإن وقع الطلاق استقبلناه، فإن كان قادراً على السداد وجب عليها أن تزكيه، وإن كان غير قادر على السداد فإنها لا تزكي، حكمه حكم الدين سواءً بسواء، هذا من التفصيل الذي سبقت الإشارة إليه.
إذاً: الصداق له حالتان: إما أن يبتّه ولي المرأة ويكون لازماً على الزوج بمجرد العقد، فحينئذٍ إذا بقي شيءٌ منه فهو دين وحكمه حكم الدين، إن كان الزوج قادراً على الإعطاء والوفاء، والزوجة تستحي أو لا تستطيع مطالبته بسبب الحياء، فحينئذٍ تجب عليها الزكاة؛ لأن الدين في حكم المال الذي بيدها، والمهر كأنه بيدها.
وأما إذا كان هذا المال واجباً على الزوج، والزوج لا يستطيع وفاءه؛ لعوز ودين وفاقة؛ فلا يجب على الزوجة أن تزكيه حتى يصير الزوج قادراً على السداد، وتستقبل فيه حكم ما ذكرناه وهو القادر على السداد.
وأما إذا كان المهر أو الباقي منه قد علّقه الولي على طلاق أو فسخ أو على أمد معين، فحكمه حكم الدين المؤجل على أحد الوجهين، وعلى الوجه الآخر يسري فيه ما يسري على الديون الحالة من جهة كونه غنياً قادراً على السداد أو غير قادر على السداد.
كيفية إخراج زكاة المال المغصوب والمفقود
قال المصنف رحمه الله: [أو حق من صداق أو غيره].
قوله: (أو غيره) هناك مسائل أخرى تلتحق بمسائل الدين، منها: لو أن رجلاً جاء وغصبك مزرعتك، وهذه المزرعة فيها حبوب وثمار وزروع، فهي من جنس الأموال التي تجب فيها الزكاة، ومن اغتصبها منك أو أخذها قهراً، فهو يدخل تحت قول المصنف: (حقٌ على غيره)، فيكون قوله: (كصداق) مثال، فيدخل في ذلك المال المغصوب.
فلو أن إنساناً اغتصب منك أرضاً زراعية فيها نخل أو حب، أو اغتصب منك ذهباً أو فضة، أو أخذ منك مائة ألف اغتصاباً، أو شخص سرق منك مالاً وعرفته، وتبين لك أنه سرق منك هذا المال، فلا يخلو من حالتين: إن كان هذا الغاصب تستطيع أن تنتزع حقك منه ببينة وشهود وقضاء، فحينئذٍ يجب عليك أن تزكي هذا المال.
وإن كنت لا تستطيع أن تأخذ حقك، أو تخشى ضرراً أعظم، وأنت في حكم المكره، وانطبقت عليك شروط الإكراه، سقطت عنك الزكاة، حتى إذا ملكت هذا المال، ورجع إليك، زكيته لسنة واحدة.
ويسري الحكم لبقية الأموال من ذهب أو فضة وحلي إذا غُصبت.
وقد ألحق بعض العلماء بهذه المسائل مسألة لطيفة، وهي: لو أن إنساناً كانت عنده مائة ألف، فأراد أن يخبئها في مكان، ثم نسي المكان الذي خبأ فيه المائة ألف، فهذا مال، وهو ملك له، ولكن هذا المال لا يستطيع أن يصل إليه، ولا يستطيع أن يهتدي إلى مكانه، فبعض العلماء يقول: إن نسي مكانه، أُلزم بزكاته، ووجبت عليه الزكاة كل سنة؛ لأنه فرّط على نفسه وقصر، وهذا التفريط لا يضيع حق الفقراء والمساكين، والأصل أنها واجبة عليه.
وقال بعض العلماء: لا؛ لأن هذا خلاف الشرع؛ لما فيه من الحرج والمشقة وتكليف الإنسان ما لا يطيق، فقد لا تكون عنده إلا هذه المائة ألف، والمال وإن كان ماله لكنه في حكم المفقود، ألا ترى من غُصب على ماله، ومن كان ماله على معسرٍ لا يستطيع سداده، قالوا: الناسي يستوي معه في الحكم، بل أشد منه ضرورة وأعظم منه بلية؛ لأنه إذا كان ماله على مدين فقير فإن يرجى له أن يجده، ولكن هذا ربما استغرق في النسيان إلى درجة لا يستطيع أن يتذكر موضع ماله، فقالوا: إنه لا تجب عليه الزكاة.
والنفس تميل إلى أنه لا تجب عليه الزكاة، فإن تذكر المكان ولو بعد سنوات زكّى لسنة واحدة.
وقوله: (على مليء أو غيره)، المصنف هنا اختار هذا القول.
وقوله: (أدى زكاته إذا قبضه لما مضى) وقد أُثر عن علي بعض الروايات يفهم منه هذا، أن الدين لا تجب عليك زكاته إلا عند قبضه، ولا يفصلون التفصيل الذي ذكرناه، ولا يفرقون بين المليء ولا غير المليء، ويقولون: إن هذا المال يعتبر كمال غيرك، فهو سيزكيه، فلا تزكيه أنت، حتى لا يزكى المال مرتين، وحينئذٍ قالوا: لا تزكيه إلا إذا قبضته، فإذا قبضته وجبت عليك زكاة سنة واحدة.
والصحيح: ما ذكرناه من التفصيل؛ لأن فقه المسألة يدور حول كون المال في يدك وفي حكم المال الذي في يدك، وبين كونه في يد الغير وفي حكم المال الذي للغير، وعلى هذا يكون التفصيل الذي اخترناه هو الأقرب والأولى بالصواب إن شاء الله تعالى.
حكم من ملك نصاباً وعليه دين
قال المصنف رحمه الله: [ولا زكاة في مال من عليه دين ينقص النصاب].
بعد أن بيّنا حكم دينك إذا كان لك على الغير دين، يرد السؤال في العكس، إذا كان للغير عليك دين فكنت مديوناً للغير؛ كشخص له تجارة وهذه التجارة فيها دين للغير، فلا يخلو إما أن يستغرق دين الغير جميع التجارة فتسقط عنه الزكاة؛ لأنه لا يملك شيئاً؛ لأنه مال للغير، هذا مذهب الجمهور أن الدين يسقطها، وأثر عن عثمان رضي الله عنه ما يدل على ذلك حينما كان يفرض للناس أعطياتهم إذا حلّ أجلها، وكان يقول: (هذا شهر زكاتكم لمن كان له دين) ويسقطه رضي الله عنه، وكان يعتبر الدين مسقطاً للزكاة عن المال، وهو مذهب الجمهور.
وقال بعض العلماء: الدين لا يسقط الزكاة؛ لأن هذا الرجل الذي له مال، وهذا المال ملك للغير يخيّر بين أمرين: إما أن يسدد الناس حقوقهم، وإما أن يزكّي، أما أن يبقي المال عنده لا هو زكّى وأعطى الفقراء حقوقهم من المال، ولا هو سدد أصحاب الأموال؛ فإنه حينئذٍ يكون ظالماً، وهذا الظلم يقع على الفقراء، والأصل وجوب الزكاة.
ولا شك أن الإنسان الذي عليه دين: إما أن يوفي الناس ديونهم، وإما أن يؤدي زكاته، فالنفس تميل إلى هذا القول الذي اختاره بعض العلماء رحمة الله عليهم من أن الدين لا يسقط الزكاة.
تقسيم الأموال إلى ظاهرة وباطنة
قال المصنف رحمه الله: [ولو كان المال ظاهراً].
قوله: (ولو كان المال ظاهراً) العلماء والفقهاء رحمة الله عليهم يقسمون الأموال إلى قسمين: أموال ظاهرة، وأموال باطنة، الأموال الظاهرة عندهم كالزروع والدواب والمواشي والعقارات ونحوها من المنقولات الأخرى، وهي تكون في المثمونات، وأما الأموال الباطنة فهي في الذهب والفضة، يسمون الأول ظاهراً وهو الزروع والمواشي والعقارات والأرضين والدور، كل ذلك يسمونه أموالاً ظاهرة، وأما بالنسبة للأموال الباطنة فهي كالذهب والفضة، ولذلك هي خفية والناس يؤتمنون عليها، يعني: حينما يأتي الشخص يكون عنده مائة ألف، قد لا تستطيع أن تفرض عليها الزكاة؛ لأن ماله خفي، لكن إذا كانت له عقارات وبقالات ومحلات تجارية، فإن هذه أموال ظاهرة مكشوفة أمام الناس، ولكن الذهب والفضة يكون باطناً خفياً عن الناس، ولذلك قالوا: الأول ظاهر، وقالوا في الثاني: باطن.
حكم من ملك نصاباً وعليه حق لله
قال المصنف رحمه الله: [وكفارة كدين].
هذا من التسلسل والترتيب المنطقي في الأفكار، فقد بيّن لنا رحمه الله الحكم في حقوق العباد -إذا كان للإنسان على الإنسان دين- وأنه يختار رحمة الله عليه ما ذهب إليه جماهير العلماء من أن الدين يسقط الزكاة هذا إذا كان الدين لمخلوق، فما الحكم إذا كان الدين للخالق؟ القول الذي اختاره المصنف رحمة الله عليه أن الرجل لو كانت عنده مائة ألف، وهي مال للغير ودين للغير يستحقه عليه لا تجب الزكاة، فيرد
السؤال
لو كان عنده ألف ريال، وعليك ديون لله عز وجل فيها، أو عندك خمسة آلاف ريال وعليك دين لله من عتق رقبة في كفارة قتل، أو كفارة جماع في نهار رمضان، أو في ظهار، الرقبة قيمتها خمسة آلاف ريال، وأنت تملك خمسة آلاف ريال، فعليك دين لله عز وجل.
فالمصنف رحمه الله بعد أن بين أن الديون تسقط الزكاة عن الأموال، قال رحمه الله: دين الله ودين المخلوقين سواء، فمن كان عليه دين للمخلوق يسقط به المال بحيث يستغرق المال كله أو ينزل به المال عن نصاب الزكاة فحينئذٍ يقولون: لا تجب عليه الزكاة، فلو كانت عنده خمسة آلاف وعليه عتق رقبة بخمسة آلاف ريال، فحينئذٍ يقول المصنف رحمه الله وجمهور العلماء: هذا المال وإن كان مما تجب فيه الزكاة، لكنه مستغرق لحق لله عز وجل، قالوا: نقيس حق الله على حق المخلوق، فكما أسقطنا الزكاة بحق المخلوق وهو الدين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فدين الله أحق أن يقضى)، وفي الصحيح: (ودين الله أحق بالوفاء)، قالوا: فمن كانت عليه كفارات مجتمعة أو متفرقة تستغرق بحقها من المال والنقد النصاب، أو تستغرق أمواله كلها فلا زكاة عليه، مثل من عنده خمسة آلاف وعليه عتق رقبة، أو عنده خمسة آلاف والرقبة قيمتها مثلاً ألفان وخمسمائة وعليه رقبتان تسقط عنه الزكاة، أو مثلاً عليه عتق رقبة كفارة، وعليه فدية أو عليه شاة جبراناً لواجب في الحج فوّته أو ضيعه، فحينئذٍ إذا جمعنا هذه الشياه الواجبة عليه في واجبات الحج، وجمعنا ما للرقبة من مال استغرق سبعة آلاف ريال وعنده سبعة آلاف ريال، أو عنده خمسة آلاف ريال وهي دون المبلغ المستحق عليه فلا زكاة عليه، هذا على القول الذي ذكرناه من أن الديون تسقط الزكاة، وقد ذكرنا ما هو راجح في هذه المسألة.
حكم زكاة من ملك نصاباً من صغار الغنم ونحوها
قال المصنف رحمه الله: [وإن ملك نصاباً صغاراً انعقد حوله حين ملكه].
قوله: (وإن ملك نصاباً صغاراً) الصغار كالسخلة من الغنم، فمعلوم أن الشرع إذا أوجب الشاة في الأضحية أو الهدي يشترط سناً معينة، الثني من الماعز والجذع من الضأن، فلو فرضنا أنك ملكت شياهاً دون القدر الذي يعتد به وهي الصغار، والشاة الصغيرة هي التي تسمى بالجفرة، لو أن إنسان عنده جفار مثلاً أربعين جفرة؛ فإنه تجب عليه الزكاة منذ أن ملكها، ولا يقال أن هذه الصغار دون الحد الواجب، ولا تجب عليه الزكاة؛ بل تجب عليه فيها الزكاة.
صور انقطاع الحول
قال المصنف رحمه الله: [وإن نقص النصاب في بعض الحول أو باعه أو أبدله بغير جنسه لا فراراً من الزكاة انقطع الحول].
لو كان عندك نصاب من إبل أو بقر أو غنم أو ذهب أو فضة، وهذا النصاب في أثناء حولان الحول وقبل تمامه غيرّته أو بدلته أو أنفقت منه فنقص، فإن هذه مسألة يُحتاج إلى بحثها.
ما مناسبة هذه المسألة لما مضى؟ -حتى نعرف ترتيب العلماء للأفكار- الأصل في هذه المسائل التي نبحثها أنه تجب عليك الزكاة، وأسقطتها لحقوق الله عز وجل، فكأنه يبحث متى تجب وتسقط، فأنت في قاعدة وجوب الزكاة عليك وسقوطها لسبب؛ مثل ما ذكرنا؛ لديون أو حقوق، ففي حكم ذلك لو أن العوز والنقص اعتراك بحكم الشرع، فعندك نصاب وقبل تمام الحول نقص هذا النصاب، فلو فرضنا كانت عندك أربعون شاةً، وكان بداية ملكك لها في الأول من شهر المحرم، فأنت تستقبل بها حولاً كاملاً، جئت في ذي الحجة قبل تمام ذي الحجة ودخولك في المحرم حتى تجب عليك الزكاة ماتت من هذه الأربعين شاة، أو ذبحت لضيف منها شاة، أو بعت منها شاة أو شاتين أو ثلاثاً، فحينئذٍ نقصت عن النصاب، فتستقبل الحول من جديد، وإذا ملكت شاة أخرى فإنك تنتظر إلى أن يتم النصاب من جديد، ولو قبل حَوَلان الحول بيوم واحد.
أي: في يوم تسعة وعشرين من ذي الحجة جاءك ضيف ونزل بك وذبحت له الشاة، فحينئذٍ يعتبر هذا المال قد خرج عن حكم الزكاة، ولا تجب عليك فيه الزكاة وتستقبل حولاً جديداً ولو بعد عشرين سنة، فإذا ملكت شاة أخرى فأصبحت هذه الشياه أربعين شاة؛ تبتدئ الملكية وتستقبل حولاً جديداً بالملكية، وحينئذٍ لا إشكال، هذه حالة، أن ينقص المال عن الزكاة، لكن يشترط في هذا النقص ألا يكون حيلة على الشرع، والحيلة على الشرع: الفرار من الزكاة ومن حق السائل والمحروم الذي أوجبه الله عليك في مالك زكاة له، فلو أن إنساناً عنده -مثلاً- مائة وإحدى وعشرون شاةً، الواجب عليه شاتان، وقبل أن يأتيه المصدِّق بيوم احتال في إعطاء هذه الشاة لشخص، فحينئذٍ أعطى شخصاً مثلاً شاة صغيرة السن كالجفرة مثلاً، فهذا من الحيلة بدل أن يدفع للمتصدق شاتين بالسن المعتبرة وهو الثني من المعز والجذع من الضأن، فإن كانت ضأناً فلا إشكال، وإن كانت من الماعز فماعز، لكنه قال: بدلاً أن أعطي شاتين من الثني من الماعز، فإنني آخذ هذه الجفرة وأهديها لجاري، فأهداها لجاره قبل مجيء المصدِّق، فهذه حيلة لا تسقط حق الله عز وجل في ماله، ويجب عليه أن يؤدي شاتين ولو كان الغنم دون النصاب المعتبر في الشرع، ولو أعطى ثلاث جفرات -مثلاً- فانتقص عن قدر الشاتين وجبت عليه شاتان، لماذا؟ لأنه احتال على الشرع، فهو يعامل بنقيض قصده، كمن طلّق امرأته وهو في مرض الموت ظلماً لها حتى يحرمها من حق الله، فهذا ظالم للمساكين قاصد حرمانهم من حق الله، كيف تثبت عليه؟ تقول: الأصل وجوب الشاتين عليه، ولكنه فرّ عن هذا الأصل بغير عذر شرعي، فكونه أعطى أو لم يعط عندنا على حد سواء؛ لأن إعطاءه افتيات على الشرع وظلم للناس، ولا يمكن للشرع أن يأذن بهذا الظلم، لأنك لو قلت: سقطت عنه الزكاة فقد أذنت بالظلم، وأجزت له أن يضيع حق الفقراء، وحينئذٍ خالفت مقصود الشرع، ولذلك يقولون: يجب عليه أن يؤدي الشاتين، ولو احتال بهذه الحيلة فوجودها وعدمها على حد سواء، فيعامل بنقيض قصده.
فمن طلّق امرأته في مرض الموت، فإن هذا التطليق لا يؤثر، وتكون وارثة له؛ لأنه قصد حرمانها من حقها.
لكن ما الدليل على أن الشرع يعامل المحتال بنقيض قصده؟
الجواب
لو أن إنساناً رأى أباه يملك مالاً كثيراً يقدر بالملايين مثلاً، فحبه للدنيا أغراه أن يقتل أباه، بحيث ينال ما عند أبيه من التركة والمال أو كان ابناً له، عنده مثلاً أموال كثيرة، فأقدم الأب على قتل ابنه، فإن الأب إذا قتل ابناً لا يقتل به؛ بشبهة الأدب، وهذه مسألة ستأتي -إن شاء الله- في كتاب القصاص، حيث نعلم أنه يمتنع قتل الوالد بابنه، فحينئذٍ إذا قتله وهو يريد الميراث منه، فإن الشرع لا يورث القاتل كما هو نص السنة: (لا يرث القاتل المقتول)، فحينئذٍ عومل بنقيض قصده، إذ لو فتح للناس أن القاتل يرث، فإن الإنسان يقدم على قتل قريبه وهو يعلم أن ورثته لا يقتلونه، فإن الابن قد يقتل أباه، وهو يعلم أن بقية إخوانه سيتنازلون؛ لأنهم لا يرضون أن يفجعوا بأبيهم وأخيهم، فسيتنازلون عن القصاص، فإذا تنازلوا عن القصاص فإنه سيرث، ولذلك سدّ الشرع الذرائع المفضية إلى سفك الدماء والوصول إلى الأموال بهذه الحيل، ونهى عن توريث القاتل ممن قتل، وبناءً على ذلك فإنه لا يرث القاتل المقتول، وذلك معاملة له بنقيض القصد، قال العلماء: ففهم من هذا أن من قصد قصداً محرماً، فإنه يعامل بنقيض قصده، ولذلك قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده موافقاً لقصده لا مخالفاً له.
فإذا كان قد أعطاه الله مائة وإحدى وعشرين شاةً ويسرّها له، فقصد الشارع أن يعطي المسكين حقه من الشاتين، فإذا جاء يخالف قصد الشارع بنية منكرة، وجحود لنعمة الله عليه، وإضرار بالفقراء والضعفاء، عومل بنقيض قصده، فأوجبنا عليه الشاتين، مع أن ماله في الصورة ليس بمال تجب فيه الشاتان وإنما هو مال تجب فيه الشاة الواحدة.
هذا بالنسبة لما يتعلق بمسألة المعاملة بنقيض القصد.
قال المصنف رحمه الله: [أو أبدله بغير جنسه لا فراراً من الزكاة انقطع الحول وإن أبدله بجنسه بنى على حوله].
قوله: (أبدله) من بدّل ماله من غنم أو بقر أو إبل، أو ذهب أو فضة أو غير ذلك من أموال الزكاة، فإنه لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: إما أن يبدّله بجنسه مع اتفاق النوع، مثلاً عنده إبل فأبدلها بإبل، كأن يكون -مثلاً- عنده عِراض فأبدلها ببختية؛ لأن الإبل العِراض هي التي لها سنام واحد، والبختية هي التي لها سنامان، فأبدل الإبل بالإبل، حينئذٍ لا إشكال؛ لأن الجنس واحد فيبقى الحكم واحداً، فكأن المال لم يختلف.
الحالة الثانية: أن يبدله بغير جنسه، كأن يكون عنده ذهب وفضة، فاشترى بهما -مثلاً- عقاراً لكي يتاجر به، فحينئذٍ نقول: يستأنف الحول من شراء هذا العقار؛ لأنه خرج عن كونه ذهباً وفضة إلى كونه عقاراً، وخرج عن زكاة الأثمان إلى زكاة عروض التجارة، فحينئذٍ يستأنف الحول من جديد، لكن بشرط: ألا يكون قاصداً الحيلة على الزكاة، مثلما ذكرنا؛ فإنْ قصد الاحتيال على الزكاة؛ كإنسان يكون عنده مليون، فاشترى بها بيتاً قبل تمام الحول حتى يفر من زكاتها ثم باع هذا البيت -مثلاً- واشترى به بيتاً وهو واثق أن البيت سيأتي بقيمته ولا يتغير الحال ولا يقصد الربح ولا النماء ثم يبيعه بنفس القيمة، أو يشتريه وهو يعرف أنه سيخسر، ولكنه يقارن بين خسارته بهذا الشراء وخسارته في الزكاة، فيرى أن خسارته بالزكاة أعظم من خسارته بالشراء، فيشتريه ويبيعه بعد يوم أو يومين، فحينئذٍ نقول: هذا الشراء لاغٍ، وهذا التبديل لاغٍ، وعليه أن يبقى على الحول الأصلي، وذلك معاملة له بنقيض قصده.
إذاً لا بد للفقيه والمفتي أن ينظر إلى قصده، وأن يعلم ما يريد من هذا التبديل، فإن كان تبديله بريئاً ليس خروجاً من الزكاة؛ فإنه حينئذٍ يؤثر إذا كان من غير جنسه، وإن كان من جنسه فإن المال مال واحد وتجب عليه الزكاة.
وقوله: (بنى على حوله) يعني على حول الأصل.
تعلق الزكاة هل هو بعين المال أم بذمة مالكه
قال المصنف رحمه الله: [وتجب الزكاة في عين المال].
قوله: (وتجب الزكاة في عين المال) هذه مسألة خلافية الزكاة هل أوجبها الله في الأموال بعينها، أم أوجبها في ذمتك؟ إما أن تقول الزكاة واجبة في ذمم الناس متعلقة بالمكلفين، أو تقول: الزكاة واجبة في أموال الناس.
فللعلماء وجهان: اختار المصنف رحمه الله مذهب من يقول: الزكاة واجبة في عين المال؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (في كل أربعين شاةً شاةٌ) فإنه عبر بـ (في) جعل في الظرفية، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:24 - 25] (في أموالهم) فجعلها حقاً في عين المال.
ومنهم من قال: حق في الذمة.
ما الفرق بين قولك: في عين المال، وبين قولك: في الذمة؟ هذا تترتب عليه فوائد، من ألطفها: لو أن رجلاً امتنع من أداء الزكاة في الغنم، عنده أربعون شاةً، تجب عليه شاة واحدة، فامتنع السنة الأولى وامتنع السنة الثانية وامتنع السنة الثالثة، ثم تاب إلى الله وأراد أن يزكّي، فإن قلت: الزكاة في عين المال، حينئذٍ يكون الواجب عليه شاة واحدة، لماذا؟ لأنها لما كانت في عين المال، وجبت عليه شاة واحدة في السنة الأولى، فأصبح عين هذه الشاة محبّساً وديناً عليه، فأصبح الذي عنده تسع وثلاثون شاة، وإنما تجب الزكاة إذا كان الذي عنده أربعون شاة، والذي عنده تسع وثلاثون فتعلقت الزكاة بعين ماله، وأصبحت هذه الشاة ديناً عليه لا يملكها، فإذا جاءت السنة الثانية جاءت وعنده تسع وثلاثون، وليس عنده أربعون، فحينئذ يكون عليه زكاة سنة واحدة، ولو جلس على هذه الوتيرة عشر سنوات، فالواجب شاة واحدة.
أما لو قلت: متعلقة بذمته، فحينئذٍ تجب عليه ثلاث شياه، الشاة الأولى للسنة الأولى، وهي دين في ذمته، وقد ملك أربعين، فجاءت السنة الثانية وقد ملك الأربعين فعليه شاة ثانية، ثم جاءت السنة الثالثة وعليه شاة ثالثة، فأصبح الواجب عليه ثلاث شياه.
هذا يتفرع على مسألة الحلي، إذا قلنا: على المرأة في حليها زكاة، إذا كانت نصاباً فلو فرضنا أن عندها نصاباً، وحد النصاب تسعون غراماً على أحد الأقوال، التسعون غراماً وجب عليها ربع عشرها، فإن قلنا: يتعلق هذا بعين مالها وهو الحلي، فإنها إذا امتنعت السنة الأولى والثانية والثالثة والرابعة؛ فالواجب عليها زكاة سنة واحدة؛ لأنها لما وجب عليها ربع عشر التسعين جراماً انتقص النصاب عن الحد الواجب، وحينئذٍ تكون في السنة الثانية غير مطالبة بالزكاة وكذلك في الثالثة والرابعة، فإن تابت إلى الله وجبت عليها زكاة سنة واحدة، هذا إذا تعلق الحق بعين المال.
أما لو تعلق حق الزكاة بذمة مالك المال، فحينئذٍ تجب عليها الزكاة في السنوات مضاعفة مرتبة، ولا نظر إلى تأثيرها في النصاب وعدم تأثيرها، وهذا معنى قوله رحمة الله عليه: أن الزكاة متعلقة بعين المال.
قال المصنف رحمه الله: [ولها تعلق بالذمة].
قوله: (ولها تعلق بالذمة) هي المسألة التي ذكرناها آنفاً، وهذا ينبني على مسألة الدين، يقولون: لو قلت: إنها في عين المال سقطت عنه الزكاة، فإذا دخلت في ذمته يقولون: من جهة الاستحقاق بدليل إيجاب الزكاة على غير المكلف من الصبي واليتيم، فإنك أوجبتها في عين المال، وكذلك أيضاً تجب في الذمة من جهة الاستحقاق، وتفرّع على قول أنها متعلقة بالذمة أنها لا تصح بدون نية، ولا بد له من قصد العبادة، ولا بد له من التوكيل فيها وأن يقصد التوكيل، فلو أخرج إنسان زكاة عن رجل دون أن يأذن له ويوكله، فإنه لا تبرأ ذمته؛ لأنه لم ينو براءة الذمة، فهي عبادة متعلقة بذمته، فلو أن ابناً -مثلاً- تبرع عن أبيه بزكاة فإنها لا تصح؛ لأنها تعلقت بذمة الأب، وهذه الذمة لا بد وأن ينوي بها لإخراجه أصالة أو وكالة، فلما أوقعها الغير دون أن ينويها من تعلقت بذمته لم تجزه من هذا الوجه.
بيان الأمور غير المسقطة لوجوب الزكاة
قال المصنف رحمه الله: [ولا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء ولا بقاء المال].
شرع المصنف رحمه الله في بيان الأمور التي لا تعد مسقطة لوجوب الزكاة، ومن ذلك عدم القدرة على الأداء، بعد استقرار وجوب الزكاة في ذمة الإنسان، ومثال ذلك: أن يحول الحول على المال، ويكون حوله مثلاً في أول محرم، ثم يُجنّ أو يغمى عليه، ولا يستطيع أن يقوم بأداء هذه الفريضة، فإن طريان الجنون والإغماء عليه يمنعه من القدرة على الأداء، فهذا الطريان لا يؤثر في استقرار الزكاة ووجوبها، كما نص رحمة الله عليه على ذلك، والأصل في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)، كما في حديث السنن الصحيح، فهذا الحديث بيّن أن الزكاة واجبة في المال، وبناءً على ذلك كونه يغمى عليه ولا يقدر أن يتمكن من الأداء، لا يؤثر في استقرار الوجوب وثبوته، ولزوم مطالبته بهذا الحق، كما لو أنه أُغمي عليه، فإن الصلاة واجبة، فكما طولب بالصلاة يطالب بالزكاة وغيرها من الفرائض على الأصل، إلا ما قام الدليل على استثنائه بالإسقاط، وبناءً على ذلك نص رحمه الله على أنه لا يُسقط مثل هذا وجوب الزكاة عليه، فإن كان مجنوناً وأُقيم وليه مقامه، فإن هذا الولي يخرج الزكاة عنه نيابة؛ لأنه تعذر الأصيل، فأقيم عنه الوكيل، فيخرج عنه الزكاة كما هو الحال في مال اليتيم.
قوله: (ولا بقاء المال).
وصورة ذلك: لو أن إنساناً وجبت عليه الزكاة، ثم إن هذا المال استبدله بمال آخر بعد وجوب الزكاة عليه، أو حوّله إلى جنسٍ آخر، فلا تزال الزكاة واجبة عليه، ويعتبر مطالباً بهذه الزكاة؛ لأنه قد تعلّقت ذمته بهذه المطالبة، ولا دليل على إسقاطها، فلو أنه بادل هذا المال أو صرف عينه أو وهبه أو تصدق به بعد مضي الحول، فإنه يطالب بإخراج الزكاة.
تعلق الزكاة الواجبة على الميت بتركته
قال المصنف رحمه الله: [والزكاة كالدين في التركة].
قوله: (والزكاة كالدين) أي: حكمها حكم الدين، وتثبت في تركة الإنسان بعد موته، وهذه مسألة اختلف فيها العلماء رحمة الله عليهم: فمن أهل العلم من يقول: إن من لم يؤد الزكاة تعتبر ديناً عليه، تُخرج من ماله بعد وفاته، وأخذ بعموم قوله سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:11]، والآية الثانية: ﴿يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:12]، والآية الثالثة: ﴿تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:12]، فقال: إن الزكاة دين لله عز وجل، لقوله عليه الصلاة والسلام: (أرأيتِ لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى)، قالوا: فقد نزل النبي صلى الله عليه وسلم صيام النذر الذي تعلق بذمة الميتة وهي أم السائلة منزلة الدين، فإذا كان صوم النذر ديناً بوجوبه على المكلفة، فكذلك الزكاة صارت ديناً على المكلف بوجوبها؛ بتعلق ذمته بهذا الحق، وبناءً على ذلك، فلو مات ولم يؤد الزكاة، مقصِّراً في ذلك أو غير مقصر، فإنها تعتبر ديناً في ماله، ويُخرج هذا الدين من ماله، ولو تكرر لسنوات عديدة.
ومن أهل العلم من يقول: إن الزكاة لا تبقى متعلقة بذمة الميت، بمعنى: أنه لا يطالب الورثة بإخراجها من التركة، والتركة قد صارت إلى ملكية الورثة، فهم الذين ملكوها بمجرد مرضه للموت، ولذلك لا يتصرف إلا في حدود الثلث، وعلى هذا القول، قالوا: لو فتحنا هذا الباب لأصبح ذريعة للإضرار بالورثة، وهذا يقول به بعض أئمة السلف، ويختاره الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس إمام دار الهجرة، فأصبح كل رجل يؤخر زكاة ماله إلى دنو أجله، فيصير ماله مستحقاً بكماله لسداد ديون الزكاة عليه، والأصل يقتضي رجحان قول الجمهور الذين يقولون: إنها متعلقة بالمال.
ومن أهل العلم من فرّق فقال: إذا فرّط فإنه تجب الزكاة على ماله، وتؤخذ من تركته، وإذا لم يفرِّط فإنه لا تؤخذ من التركة ولا يُطالب بها الورثة، والأول أقوى.
الأسئلة
حكم زكاة الجواهر النفيسة من غير الذهب والفضة
السؤال
هل تجب الزكاة في المعادن الأخرى غير الذهب والفضة كالألماس والأحجار الكريمة؟
الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن الحلي من الذهب والفضة تجب فيها الزكاة على أصح أقوال العلماء، فإن اشتمل حلي المرأة على ألماس وعلى جواهر أخرى، فإنه لا تجب عليها الزكاة فيه، وبناءً على ذلك يقولون: يختص الحلي بالذهب والفضة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها ... ).
وأما بالنسبة للألماس والياقوت والمرجان واللؤلؤ؛ فهذه إن عرضها للبيع وكانت من عروض التجارة وجبت الزكاة في قيمتها، أما لو تحلّت بها المرأة أو كان فص خاتمها عقيقاً أو نحو ذلك، فإنه لا تجب على من ملكه الزكاة إذا اتخذه للبس وحلي.
والله تعالى أعلم.
حكم زكاة العقارات إذا عرضت للبيع
السؤال
من كانت عنده أرض يتربص بها السوق وينوي بيعها، فهل عليه فيها زكاة؟
الجواب
هذه المسألة وهي مسألة عروض التجارة إذا كانت من العقارات، عندك بيت أو أرض أو مزرعة عرضتها للبيع سنوات ولم تبعها إلا بعد عشر سنوات، فهل الواجب عليك أن تؤدي زكاتها في كل سنة، أم الواجب عليك أن تؤدي زكاة سنة واحدة؟ للعلماء قولان في هذه المسألة: فقال بعض العلماء: الواجب عليك أن تؤدي زكاة سنة واحدة عندما تبيعها، فإذا بعت الأرض أو بعت المزرعة أو بعت الدار وجبت عليك زكاة سنة واحدة، وبهذا قال سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وخارجة بن زيد وأبو بكر بن عبد الرحمن المخزومي والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، فهو مذهب الأئمة السبعة -فقهاء المدينة السبعة- واختاره إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك بن أنس، وهو إحدى الروايتين والوجه أيضاً عند الشافعية، يقولون: إنه تسقط الزكاة عنه وتجب عليه لسنة واحدة.
وهذا هو أصح أقوال العلماء: أن ما عرضته للبيع من بيوتٍ أو عقارات أرضين ومخططات وزراعات كل ذلك لا تجب عليك الزكاة إلا عند البيع، فتزكيها لسنة واحدة ولو مضت عليها سنوات وأنت عارضٌ لها للبيع.
والله تعالى أعلم.
يقولون: أنه ليس مالكاً للمال أصلاً، ولم يثبت ملكه للمال إلا بالبيع، فإنه ربما عرضت للبيع ثلاث سنوات، ثم عدلت عن البيع إلى الملكية والقنية، ولذلك قالوا: إنه لا تجب عليك الزكاة، ثم إنك ربما -كما هو موجود الآن- ربما يكون قيمة العقار الآن مائة ألف ثم في السنة الثانية مائة ألف والثالثة مائة ألف والرابعة إلى عشر سنوات وقيمته مائة ألف، ثم ينزل هذا العقار حتى يباع بخمسة آلاف وقد يباع بعشرة آلاف، فتزكي طيلة هذه السنوات ثم تبيع ولا يبلغ قيمة بيعك ما زكيت.
وهذا موجود، خاصة الآن ربما كان المكان مرغوباً لسبب، ثم يشاء الله عز وجل لأمر أو لآخر أن يصبح هذا المكان كأنه لا قيمة له، فبدلاً من أن تكون قيمته مئات الألوف ولربما تبلغ الملايين يصبح لا قيمة له، ولذلك قالوا: إنه لا يزكي إلا عند بيعه؛ لأنه لما باع تحققت ملكيته للأرض، وأصبح هذا المال أشبه بالديون وأشبه بالمال غير الموجود، حتى يتحقق من بيعه، ولأن نيته غير ثابتة؛ إذ لو طرأ عليه طارئ للسكنى والقنية ونحو ذلك، فإنه سيسكن ويقتني ويخرج عن كونه متاجراً.
والله تعالى أعلم.
حكم زكاة الدين الذي لا أجل له
السؤال
ما حكم الدين الذي لم يسم له أجل، بل ترك أمره إلى المدين متى شاء سدده، هل تجب زكاته، أم لا؟
الجواب
إذا كان الدين لا أجل له، فإنه ينظر في صاحبه، فإن كان قادراً على السداد، فإنه يجب أن يحتسب وجوبه منذ قدرته على السداد، ويفصّل فيه كما فصّل في المليء، وأما إذا بقي عاجزاً عن السداد لسنوات طويلة فلا زكاة عليه حتى يسدده، وإذا سدده زكاه لسنة واحدة.
والله تعالى أعلم.
زكاة الأنعام إذا تعدد الملاك ووقعت الخلطة
السؤال
والدي ووالدتي لهما غنم تبلغ بمجموعها النصاب، ولكن كل واحد يطعم غنمه على حدة، ومبيتهما في حظائر متجاورة، فهل عليهما زكاة كلٌ على حدة، أم بمجموعهما؟
الجواب
هذه المسألة هي مسألة الشركة في بهيمة الأنعام، فشرط اعتبار المالين مالاً واحداً أن يكون مراحهما واحداً ومرعاهما واحداً وفحلهما واحداً، فإذا كان الأمر كذلك فإنه تجب الزكاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجمع بين مفترق، ولا يفرّق بين مجتمع خشية الزكاة).
فإذا كان المال على هذه الصفة فإنه تجب فيه زكاة المال الواحد؛ فلو ملك أحدهما عشرين شاة، وملك الآخر عشرين شاة، وجبت عليهما شاة واحدة، يدفعها أحدهما، ثم نقدر قيمة هذه الشاة، ويجب على الآخر أن يدفع نصف قيمتها، فلو أن هذه الشاة أُخذت من أحد الشريكين وقيمتها خمسمائة ريال، فإننا نوجب على الشريك الثاني أن يدفع له مائتين وخمسين ريالاً، وقس على هذا.
وأما إذا كان مراحهما مختلفاً، أو كان لكل واحد منهما حظيرة، ومرعاهما مختلف، أو كانت من المعلوفة كما ورد في السؤال، فإنه لا تجب زكاتهما، وليسا بمال واحد، وإنما هما مالان مختلفان.
والله تعالى أعلم.
كيفية إخراج زكاة الدين المقسط
السؤال
لقد استدان مني أحد الناس مبلغاً وقدره عشرون ألفاً، وهو يدفع لي المبلغ أقساطاً؛ كل شهر مقدار تسعمائة، فهل في هذا المال زكاة؟
الجواب
إذا مضى على هذا الدين سنة كاملة وحلّ أجل مطالبته، فحينئذٍ تنظر إلى كل قسط وتزكيه على حدة، وتجب عليك زكاة كل قسط منفرداً، فتؤديه لسنة واحدة.
والله تعالى أعلم.
حكم المطالبة بأداء الدين بعد إبراء المدين منه
السؤال
لو أن لي عند شخص مالاً، ثم أبرأته منه بسبب عجزه عن السداد في ذلك الوقت، ثم إن الله منَّ عليه بالمال وأصبح غنياً، فهل لي أن أطالبه به الآن؟ وما حكم ذلك؟ وهل له أن يرفض السداد؟
الجواب
إذا سامحت أحداً في الدين فقد وهبته المال، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس لنا مثل السوء: العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه)، مضى أجرك على الله، واحتسب ثوابك عند الله، ولا تفسد عليك آخرتك بدنياك.
والله تعالى أعلم.
عقوبة تارك الزكاة
السؤال
ما عقوبة تارك الزكاة يوم القيامة؟
الجواب
عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا صفِّحت له صفائح من نار يكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيد عليها، فأحميت؛ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة أو إلى النار، وما من صاحب إبلٍ لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها فصيلاً، يجدها أوفر ما تكون، تطؤه بأخفافها، وتعضه بأنيابها، كلما مرّ عليه أخراها أعيد عليه أولاها؛ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) ثم ذكر ذلك في الغنم.
فهذه هي عقوبته في الآخرة.
وأما عقوبته في الدنيا، فمحق البركة من الأموال، وسوء العاقبة والمآل، ومن ضيّع حق الله ضيعه الله كما ضيّع حقه، ولينتظر كل من ضيّع أمانة الله وحقّه في الزكاة عقوبة عاجلة في نفسه أو ماله أو أهله وولده.
والله تعالى أعلم.
تعلق الأحكام بغلبة الظن
السؤال
ما معنى قولكم: (إن الله تعبدنا بغلبة الظن)؟
الجواب
معنى ذلك أن الشرع جعل غالب الظن محكوماً به، وقد قرر ذلك العلماء، ومن أنفس ما كُتب في ذلك كتاب الإمام العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام ومصالح الأنام، قال: إن الشريعة بنيت على غالب الظن في كثير من المسائل، والدليل على هذا أمور: أولاً: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، وإذا اجتهد فأخطأ كان له أجر واحد)، فالقاضي يقضي في الدماء ويقضي في الأعراض ويقضي في الفروج ويقضي في غيرها من حقوق الناس بشاهدين، مع أن هذين الشاهدين ربما نسيا، وربما أخطأا، وربما توهما، وربما كذبا وزورا والعياذ بالله، فقد يستباح دم الرجل إذا شهد شاهدان عدلان أنه قتل فلاناً، فإذا شهد الشاهدان أنه قتل فلاناً، فإنه حينئذٍ يستباح دم المشهود عليه، ويُحكم بالقصاص، وتثبت حقوق القتل سواءً بسواء، كمن أقر، مع أن هذين الشاهدين ربما أخطأا وربما دلّسا وكذبا، ومع ذلك نحكم بشهادتهما؛ لغلبة الظن في أنهما لمّا زُكّيا وعرفت أمانتهما وعدالتهما أنهما صادقان، فغلب على ظننا صدقهما وحكمنا بذلك، هذا بالنسبة لحقوق العباد مع العباد.
وتعبّدنا الله بغلبة الظن فيما بيننا وبينه سبحانه وتعالى، فنحن نحكم بدخول شهر رمضان وخروج شهر رمضان، فنبني عبادة وركناً من أركان الإسلام، وكذلك حج الناس بشهادة الشهود على الهلال، مع أنه ربما كذب الشهود وربما أخطئوا وربما توهّموا، وأنت تدين الله عز وجل، وتتعبد الله عز وجل بغالب ظنك، مع أنه يحتمل أنه أخطأ، تسمع المؤذن يؤذن لصلاة الفجر فتمسك عن صيامك، وتسمعه يؤذن لأذان المغرب فتفطر من صيامك، وتعتد بذلك في عبادة هي ركن من أركان دينك، مع أن المؤذن يحتمل أنه أخطأ، ويحتمل أنه لم يصب الحقيقة في كون الشمس غربت أو كون الفجر قد طلع، ومع هذا جعل الله ذلك عبادة في الصلاة، وجعله عبادة أيضاً في الزكاة، فإن الإنسان يبني على غالب ظنه في الزكوات، فإن الإنسان إذا غلب على ظنه ملكيته لمال، بنى على غلبة الظن في ملكية المال، وبنى على غلبة الظن في الحول، وكل ذلك مما يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى به في زكاته، كذلك أيضاً في صومه وحجه، وقس على ذلك مما لا يُحصى كثرة.
فلو تعبدنا الله باليقين لحصل على الناس من الحرج ما الله به عليم، فأنت حينما تخرج من بيتك لصلاتك وأنت على طهارة، فإنك ربما جلست ساعة فيما بين طهارتك وبين صلاتك، ولا تتحقق يقيناً أنك لم تحدث، فلربما خلال الساعة خرج منك شيء، لكن غالب الظن أنك على طهارة، وأن طهارتك باقية، فتحكم بكونك متطهراً، وتستبيح الوقوف بين يدي الله عز وجل بغالب ظنك، وقس على هذا سائر الأحكام.
فإن الإنسان مثلاً لو قال لامرأته كلمة من كلمات الطلاق، وهذه الكلمة اختلف العلماء فيها، فمنهم من يقول: إنها طالق، ومنهم من يقول: إنها غير طالق، فلو ذهبت إلى عالم وفقيه معتدّ بفتواه ومعتد باجتهاده، فأفتاك أنها امرأتك، فقد جعل الله السماحة على لسانه، فتتعبد الله عز وجل بغالب ظنك من إصابة هذا المجتهد، مع أنه يحتمل أن يكون أخطأ وأنها ليست بامرأة لك، وأنها قد حرمت عليك.
فقس على ذلك من المسائل ما لا يحصى كثرة، ولذلك يقول العز بن عبد السلام كلمة نفيسة، يقول رحمه الله: إن الشرع يبني على غلبة الظنون، ولا يبني على ضعيف الظن، وغالب الظنون كالمحقق، ولو ذهبنا نعتبر أن الظنون الغالبة فاسدة لفسدت أحوال العباد في دينهم ودنياهم وآخرتهم، فمن رحمة الله عز وجل أن تعبدنا بهذا الغالب على الظن.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آل محمد.
شرح زاد المستقنع -
باب زكاة بهيمة الأنعام
من رحمة الله على عباده أن فرض عليهم زكاة في أموالهم من نقود وأنعام وغيرها، فهي طهرة للغني، وعون للفقير وبلاغ يتبلغ بها، وليعلم كل غني أن الزكاة حق للفقير، وأن المال مال الله سبحانه وتعالى، فلا يمن به على الفقير، وليعلم أن الله عز وجل استخلفه في هذا المال، فليؤد حق الله تعالى فيه.
أصناف الأنعام التي تجب فيها الزكاة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: يقول المصنف رحمه الله: [باب زكاة بهيمة الأنعام].
قوله: (بهيمة) فهي مأخوذة من أبهم الشيء، وإبهام الشيء استشكاله وعدم وضوحه، وقالوا: إن البهيمة سمِّيت بهيمة؛ لأنها لا تتمكن من النطق والكلام، ومن هنا يقال: كلامٌ مبهم، أي غير واضح، قالوا: لأن البهيمة لا تستطيع الكلام ولا الإبانة والإفصاح عما في نفسها، فسمِّيت بهيمة لذلك.
وقوله: (الأنعام) من النعم، والأنعام تشمل: الإبل، والبقر، والغنم، كما قاله أئمة اللغة ومنهم: الأزهري رحمه الله، تشمل كلمة الأنعام هذه الأصناف الثلاثة: الإبل والبقر والغنم، فلا يدخل في ذلك الوعول ولا الظباء ولا الغزلان، ولا غير ذلك من بقية الحيوانات.
فقوله: (باب زكاة بهيمة الأنعام) أي: في هذا الموضع سأذكر جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بالزكاة الواجبة في الإبل والبقر والغنم، وهذه هي التي أمر الله عز وجل بزكاتها، فالإبل تشمل الإبل العراض والبختية، والغنم تشمل الضأن والماعز، والبقر يشمل البقر المعروف والجواميس، فهذه كلها تعتبر من بهيمة الأنعام.
حكم زكاة ما تولد من الأنعام ومن غيرها
ما تولَّد وكان أنثاه من بهيمة الأنعام، وذكره من غير بهيمة الأنعام أو العكس، ففيه تفصيل: قال بعض العلماء: ما تولد وكان أصله مما تجب فيه الزكاة، كأن تكون أمه بقرة، فإنه يأخذ حكم الزكاة، بمعنى أنه تجب فيه الزكاة، ويأخذ حكم أمه، لقوله عليه الصلاة والسلام: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر)، فأتبع المولود لأمه، فإذا كان الذكر (الفحل) لا تجب في جنسه الزكاة، والأنثى تجب فيها الزكاة، فإن المتولد منهما يتبع أمه، وتجب فيه الزكاة.
أسباب ذكر زكاة الأنعام قبل غيرها
ابتدأ المصنف رحمه الله بزكاة بهيمة الأنعام لأسباب، من أهمها: أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ بزكاة بهيمة الأنعام قبل زكاة النقدين في كتابه المشهور الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، والذي يسميه العلماء: كتاب الصدقة، وهو أهم ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في أنصبة الزكاة، ابتدأ صلوات الله وسلامه عليه فيه ببيان الأنصبة المتعلقة بالإبل والبقر والغنم، ثم بعد ذلك ذكر نصاب الذهب والفضة وبينه صلوات الله وسلامه عليه.
كذلك أيضاً من الأسباب الداعية لتقديم زكاة بهيمة الأنعام: أنها أعز ما كانت العرب تملكه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمُر النعم)، فكانت أعز ما يملكه الإنسان، وتتفاخر به العرب، لأنها كانت تحب هذا النوع من المال، ومن هنا قال سبحانه وتعالى في أمارات يوم القيامة: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير:4]، وهي من أعز ما كانوا يملكونه، وهي الناقة العشراء، (عطلت) أي: لم يُحمل عليها، وقيل: (عطلت) بمعنى: أن الإنسان من شدة أهوال يوم القيامة لم يلتفت إلى أعز ماله وهي الناقة العشراء.
سيتكلم رحمه الله عن على الثلاثة الأنواع وهي: الإبل والبقر والغنم، ويبدأ بالإبل ثم يتبعها بالبقر ثم يتبعها بعد ذلك بأنصبة الغنم.
شروط وجوب الزكاة في الأنعام
قال رحمه الله: [تجب في إبلٍ وبقرٍ وغنمٍ إذا كانت سائمة الحول أو أكثره].
أي: تجب الزكاة في إبلٍ وبقرٍ وغنمٍ بإجماع العلماء رحمة الله عليهم، لورود النص في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس في بهيمة الأنعام خلاف، قالوا: إن الزكاة فيها واجب.
وقوله: (سائمة) من السوم وهو الرعي، وقيل: إنه مأخوذ من السيماء وهي العلامة، كما في قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح:29]، فالسوم قالوا: توصف الغنمة به؛ لأنها تُعْلِمُ الأرض، والرعي الذي هو السوم يعتبر شرطاً لوجوب الزكاة في بهيمة الأنعام، فالبهائم: الإبل والبقر والغنم تنقسم إلى قسمين: إما سائمة ترعى، وإما معلوفة، ويتفرع على ذلك قسم ثالث ينبني عليهما وهو الجامع بين السوم والعلف، فما كان منها سائم، فإنه تجب فيه الزكاة بالإجماع، بمعنى: أن الإبل والبقر والغنم إذا كانت ترعى، فالعلماء متفقون على وجوب الزكاة فيها.
أما المعلوفة: فهي التي يشتري الإنسان لها العلف، أو يأخذه من مزرعته، أو يذهب بنفسه يجنيه ويحشُّه من الأرض ثم يعطيه للبهيمة، ولا يخرجها من حظيرتها، فهذه معلوفة، سواءً اشترى أو ذهب وجمع لها ثم أطعمها، فإذا كانت البهيمة معلوفة، فللعلماء فيها قولان: منهم من يقول: البهيمة المعلوفة تجب فيها الزكاة كما تجب في السائمة؛ لأن الأصل يقتضي وجوب الزكاة في جميعها.
والقول الثاني: أن الزكاة لا تجب في المعلوفة.
فأصحاب القول الثاني وهم الجمهور، يقولون: إن المعلوفة لا تجب فيها الزكاة، لقوله عليه الصلاة والسلام: (من الإبل السائمة)، وقوله في كتاب الصدقة وفي السنن: (وأما الغنم ففي سائمتها في كل أربعين)، فقوله في سائمة الإبل، أو الغنم: في سائمتها، يدل بمفهومه على عدم وجوب الزكاة في المعلوفة، وهذا المفهوم هو الذي يسميه الأصوليون: مفهوم الصفة، فإن السوم صفة، والمفهوم له عشرة أنواع، ومنها: النوع الذي هو الصفة، فقوله عليه الصلاة والسلام: (في سائمتها) مفهومه: أن المعلوفة التي لا ترعى لا تجب فيها الزكاة، وهذا كما قلنا: مذهب جمهور العلماء، وهو الصحيح: أن البقر والإبل والغنم إذا لم ترع لا تجب فيها الزكاة.
إذا ثبت أنه لا بد من السوم، يبقى النظر في النوع الثاني وهو الذي جمع بين السوم والعلف، فالذين قالوا باشتراط أن تكون سائمة؛ منهم من يقول: العبرة في السوم بأكثر الحول، وبناءً على ذلك فلو جمعت بين السوم والعلَف ننظر، فإن كانت أشهر السوم أكثر من أشهر العلف، فإنه تجب فيها الزكاة، وإن كانت أشهر العلف أكثر من أشهر السوم فلا تجب فيها الزكاة، مثال ذلك: لو كانت عنده أربعون من الغنم، وهذه الأربعون ترعى ثمانية أشهر وأربعة أشهر تكون في حظائرها ويعلفها، فإن الأكثر للسوم والرعي، فتجب فيها الزكاة، وأما إذا كان العكس وهو أنها ترعى أربعة أشهر وتُعلف ثمانية أشهر، فإنه لا تجب فيها الزكاة؛ لأنها معلوفة، هذا حسب ما قيل في اشتراط السوم، فإذاً العبرة في السوم بأكثر الحول.
وقال بعض العلماء رحمة الله عليهم: إذا سامت ورعت ولو بعض الحول تجب فيه الزكاة، ولا يفرِّق بين كونه أكثر الحول أو أغلب الحول.
والصحيح: أن الزكاة فيها إذا جمعت بين السوم والعلف تابع للغالب عليها، فإن كان الغالب عليها أن تعلف فلا زكاة إلا إذا كانت من عروض التجارة، فالزكاة في قيمتها، وأما إذا كانت تسوم وترعى أكثر الحول، فإن الزكاة تجب فيها؛ لأن الحكم للغالب منهما.
إذاً: بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، فيها مسألتان بالنسبة لوجوب الزكاة فيها: المسألة الأولى: أنه لا تجب فيها الزكاة إلا إذا رعت، وكانت تسوم.
المسألة الثانية: أن يكون السوم في أكثر الحول، فإذا كان أكثر الحول للسوم وجبت فيها الزكاة.
وأما إذا كانت معلوفة؛ يُعلفها صاحبها ويطعمها أكثر الحول، أو كل الحول، فلا تخلو نيته من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون قصده منها أن يأخذ غلتها، وأن يستفيد من ألبانها وأصوافها وأوبارها وأشعارها، فإذا كان قصده نماء المنفصل منها، فإنه حينئذٍ لا تجب عليه الزكاة؛ كما إذا قصد منها أن يشرب من ألبانها، فيكون عنده أربعون من الغنم من أجل أن يشرب حليبها، وأن ينتفع من صوفها، وكذلك أيضاً يجعلها للضيف وللقرى ونحو ذلك، فهذا لا تجب عليه الزكاة.
الحالة الثانية: أن يقصد منها التجارة، كأن تكون عنده أربعون من الغنم ويقصد منها أن يبيع ويشتري، فيأخذ منها مجموعة لكي يطعمها ويقيم عليها حتى إذا غلت أسعارها أو كبرت أسنانها ذهب بها إلى السوق وباعها، فهذا زكاته زكاة عروض التجارة.
فخلاصة ما سبق: أن بهيمة الأنعام لها حالتان: إما أن تكون سائمة سواء كانت سائمة كل الحول أو أكثر الحول ففيها الزكاة بإجماع العلماء رحمة الله عليهم، وإما أن تكون معلوفة، فإن كانت معلوفة: فإما أن تكون بقصد النماء لما يكون منها؛ من حليبها وأصوافها، وتكون طعمة للضيف وطعمة للبيت، فهذه لا زكاة فيها، وإما أن يقصد منها أن يبيعها ويستفيد بالمال الذي يبيعها به، فهذا حكمه حكم عروض التجارة، تقدّر عند كل حول وتكون الزكاة في قيمتها، فالفرق بين كونها تجب فيها الزكاة كسائمة وتجب فيها الزكاة كعروض التجارة: أننا إذا أوجبنا فيها الزكاة كسائمة، يُعتبر فيها النصاب وهو أربعون، وأما إذا أوجبنا الزكاة فيها كعروض تجارة فتكون العبرة بالقيمة، فلربما يكون عنده أربع شياه وتجب عليه الزكاة؛ لأن قيمتها تصل إلى نصاب زكاة عروض التجارة.
نصاب زكاة الإبل
قوله: [فيجب في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض].
ابتدأ رحمه الله بالأعلى وهي الإبل، تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لما كتب كتابه الذي رواه عبد الله بن أنس عن أبيه أنس بن مالك رضي الله عنه أنه ابتدأ بالإبل، فبين عليه الصلاة والسلام أنصبتها والأسنان الواجبة فيها، فيكون ابتداء المصنف رحمه الله بها تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم.
والإبل فيها حقان: الحق الأول ليس من الإبل نفسها وهو الحق الواجب، وإنما هو من الغنم، والحق الثاني يكون من الإبل نفسها، فأما الحق الذي يجب من الغنم فإنه يبتدئ بالخمس من الإبل، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله: (ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة)، فإذا كان عند الإنسان خمس من الإبل فإنه تبتدئ فرضية الزكاة بهذا العدد، وما دونه كأن يكون عنده أربع من الإبل أو ثلاث أوناقتان أو ناقة فلا زكاة، إلا إذا كانت لغرض التجارة.
فإن كانت عنده خمس من الإبل وجب عليها شاة، فإن بلغت عشراً ففيها شاتان، فإن بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه، فإن بلغت العشرين ففيها أربع شياه، فإن بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض، فإذاً تبتدئ بالغنم في كل خمس منها شاة، هذه الشاة يشترط فيها ما يشترط في الأضحية من سلامتها من العيوب، وبلوغها للسن المعتبرة، فلا يجزئ إلا الثني من الماعز والجذع من الضأن، فلا يُخرج أي شاة، بل يشترط في الشاة التي تدفع زكاة عن هذه الخمس أن تكون قد بلغت السن المعتبرة؛ ففي الماعز يشترط أن تتم سنة كاملة، وتدخل في الثانية وهو الثني من الماعز، وفي الضأن تبلغ أكثر الحول؛ لأنه يكون جذعاً إذا فاق الستة الأشهر، خاصة إذا كان مرعاه طيباً.
فالمقصود: أن زكاة الإبل تبتدئ في الشاة الواحدة في كل خمس، وما دون الخمس لا زكاة فيه، إلا إذا قصد بهذه النوق البيع والشراء، فتقول له: زكاتك زكاة عروض التجارة خارجة عن مسألتنا؛ لأننا نتكلم على زكاة الإبل من حيث هي بوجوب النصاب فيها، فإذا بلغت خمساً وعشرين يقول عليه الصلاة والسلام: (ففيها بنت مخاض)، والماخض: الحامل، وبنت مخاض أي: بنت ناقة حامل، ومعنى ذلك: أنه تمت لها سنة واحدة، ودخلت في الثانية، ويقولون لها: ماخض؛ لأن أمها قد حملت من بعدها فتكون ماخضاً، هذه تجب في كل خمس وعشرين إلى أن تبلغ ستاً وثلاثين، فمن خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين بنت مخاض، فإن بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون، وبنت اللبون: هي التي تمت سنتين ودخلت في الثالثة، واللبون: هي أم المرضعة ذات اللبن، فقد أنجبت ما في بطنها، وأخرجت ما في بطنها، فأصبحت ترضعه، فهي لبون، فبنت لبون أي: بنت ناقة لبون، فمعنى ذلك: أنه تمت لها السنتان.
هذا إذا جاوزت الخمسة والثلاثين إلى ست وثلاثين، فمن ست وثلاثين إلى خمسٍ وأربعين فيها بنت لبون، ومن ست وأربعين إلى ستين فيها حقة؛ وهي طروقة الفحل، وصفت بذلك؛ لأنها استحقت أن يطرقها الفحل، وقيل: استحقت أن تُركب وأن يحمل عليها، الحقة تمت لها ثلاث سنوات ودخلت في الرابعة، فإن بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، والجذعة تمت لها أربع سنوات ودخلت في الخامسة؛ لأنها تجذع أسنانها، بمعنى أنها تسقط، إلى أن تبلغ خمساً وسبعين، فإذا جاوزت الخمس والسبعين إلى ست وسبعين، فمن ست وسبعين إلى تسعين فيها بنتا لبون، فيكون الواجب فيها بنتا لبون من ست وسبعين إلى تسعين، فإن جاوزت التسعين إلى إحدى وتسعين، فمن إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين فيها حقتان طروقتا الفحل، هذا هو كتاب النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة لأنصبة الإبل التي بيّنها عليه الصلاة والسلام وفصلها، كما في حديث أنس.
من خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين فيها بنت مخاض، ومن ست وثلاثين إلى خمس وأربعين فيها بنت لبون، ومن ست وأربعين إلى ستين فيها حقة، ومن إحدى وستين إلى خمس وسبعين فيها جذعة، ومن ست وسبعين إلى تسعين فيها بنتا لبون، ومن إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين فيها حقتان طروقتا الفحل.
هذا يحتاج إلى أن يحفظه طالب العلم ويضبطه على نفس الوصف الذي ذكرناه، ثم بعد ذلك يكون الحكم مختلفاً، إذا بلغت مائة وعشرين، من بعد مائة وعشرين إن زادت عليها، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
بعد المائة والعشرين إذا جاوزتها بالعشرات فإنه للعلماء فيها قولان: منهم من يقول: تُستأنف الفريضة، واستئناف الفريضة يرى أنه بعد المائة والعشرين تنظر خمسة وعشرين ففيها شاة، ثم ثلاثين فيها شاتان، مائة وخمسة وثلاثين ثلاثة شياه، مائة وأربعين أربعة شياه، مائة وخمسة وأربعين، حينئذ تبدأ تضيف عليها أي: يستأنف الفريضة، وهذا قول مرجوح.
والصحيح مذهب الجمهور: أنها إذا بلغت مائة وعشرين وجاوزت المائة والعشرين، ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، والمسألة حسابية، فالمائة والثلاثون: إذا جئنا ننظر إلى مائة وعشرين قبلها ففيها حقتان حسب حكم الشرع الصريح، ولو اعتبرنا القاعدة الحسابية التي تنص أن كل أربعين فيها بنت لبون، لكان فيها ثلاث بنات لبون، فإذا كان لديك نصاب زكاته من بنات اللبون، ثم زدت فوق ذلك النصاب عشراً من الإبل، فأسقط واحدة من بنات اللبون وأدخل حقة، ثم إن زادت عشراً أخرى فأسقط بنت لبون أخرى وأدخل حقة، توضيح ذلك بالتطبيق: فمائة وثلاثون فيها بنتا لبون وحقة، فبنتا اللبون عن الثمانين والحقة عن الخمسين، فإن جاوزت إلى مائة وأربعين ففيها حقتان عن مائة وبنت لبون عن أربعين، فإذا جاوزت إلى مائة وخمسين فأسقط بنت اللبون، وضع مكانها حقة، فيكون فيها ثلاث حقائق عن مائة وخمسين، فإن وصلت إلى مائة وستين ففيها أربع بنات لبون؛ لأن مائة وستين إذا قسمت على أربعين كان الناتج أربعة، ففيها أربع بنات لبون، فإن وصلت مائة وسبعين فأسقط واحدة منهن وضع مكانها حقة، فيكون فيها ثلاث بنات لبون وحقة، أما مائة وثمانين ففيها بنتا لبون وحقتان، حقتان عن مائة وبنتا لبون عن ثمانين، وسر على هذا، حتى تجتمع في بعض الأحيان الفريضتان، وكلما زادت عشراً سقطت واحدة من بنات اللبون ودخلت بدلها حقة؛ لأن الفرق بين الحقة وبنت اللبون إنما هو العشر، وبناءً على ذلك تستقيم الفريضة بعد هذا بهذا التفصيل، في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
[وفيما دونها في كل خمس شاة].
يعني: فيما دون الخمس والعشرين في كل خمس شاة، فالخمسة فيها شاة والعشرة شاتان، والخمسة عشر ثلاث شياه، والعشرون أربع شياه، وهذا أعلى ما يجب من جهة الغنم، فإن بلغت خمسة وعشرين فإنها تبتدئ بالواجب من الإبل نفسها، تبدأ ببنت المخاض، ثم تليها بنت اللبون، ثم تليها الحقة، ثم تليها الجذعة، ثم تجمع بين بنتي اللبون، ثم بين الحقتين على التفصيل الذي بيناه.
[وفي ست وثلاثين بنت لبون].
دون الستة والثلاثين فيها بنت مخاض، ولاحظ أنه قال: بنت لبون وبنت مخاض، فلا يقبل إلا الإناث -إلا في بنت المخاض يمكن أن يقبل بدلها ابن اللبون الذكر- والسبب في هذا: أن وجوب بنت اللبون وبنت المخاض والحقة والجذعة، إنما هو لكون الأنثى تنجب ويكون منها النسل، ويكون منها الحليب فنماؤها خير لبيت المال، فجعلها الله عز وجل واجبة من الإناث وهي أحق، لكن لو كانت الإبل ليس فيها إلا ذكور، فللعلماء فيها وجهان: منهم من قال: ألزمه بالبحث عن أنثى وليخرجها.
ومنهم من قال: إذا لم يكن عنده إلا الذكور يخرج ابن مخاض وابن لبون ونحو ذلك فيما ذكروه رحمة الله عليهم على نفس الترتيب الذي يكون في الإناث.
القول الثاني هو الأقوى، وسيأتي أنه اختاره جمع من العلماء رحمة الله عليهم؛ لأن كل مال تجب الزكاة فيه من نوعه.
[وفي ست وأربعين حقة].
وهي كما ورد في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم: (فيها حقة طروقة الفحل)، قالوا: سميت حقة؛ لأنها استحقت أن تطرق بالفحل، واستحقت أن يُحمل عليها ويركب.
[وفي إحدى وستين جذعة].
لأنها جذعت أسنانها.
[وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان، فإذا زادت على مائة وعشرين واحدة فثلاث بنات لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة].
اختلف العلماء فيما بين المائة والعشرين وما بين المائة والثلاثين، فقد ذكرنا بعض العلماء يدخل الشياه في كل خمس فيجعل الخمس فيها شاة والعشر فيها شاتان، وقلنا: إن هذا مذهب مرجوح.
والصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن زادت ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة)، فبعض العلماء يقول: إذا كانت مائة وعشرين، وزادت واحدة فإنني أوجب ثلاث بنات لبون بدل أن كانت على المائة والعشرين مستقرة بحقتين، وبناءً على ذلك يرى أن بنات اللبون تكون بزيادة الأفراد فيما بين مائة وعشرين ومائة وثلاثين، وقال بعض العلماء: لا يجب فيما بين ذلك، وهذا الوقص الذي يكون بين الفريضتين لا يجب فيه شيء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في كل أربعين) و (في كل خمسين) فكأنه يشير إلى ما يقبل القسمة على الأربعين والخمسين، ويجمع ما بين الأربعين والخمسين، فمائة وإحدى وعشرين لا تعتبر جامعة بين الخمسين والأربعين، وبناءً على هذا فإن المائة والعشرين المائة والإحدى والعشرين والاثنتين والعشرين، والثلاث والعشرين، والأربع والعشرين، حتى تبلغ مائة وثلاثين، فما دون المائة والثلاثين يرى أن فيه حقتين على الأصل الذي نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث.
نصاب زكاة البقر
يقول رحمه الله: [فصل: ويجب في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة].
هذه زكاة البقر، وسمي البقر بقراً من البقْر وهو شق الشيء، قيل: سمِّي البقر بذلك؛ لأنه يشق الأرض بالحراثة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة، وتركتم الجهاد، واتبعتم أذناب البقر)، أي: بالحراثة والزرع، وزكاة البقر واجبة بإجماع العلماء رحمة الله عليهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص عليها كما في حديث معاذ حينما بعثه إلى اليمن.
والجزيرة العربية يقل فيها وجود البقر، وإنما كان المشهور فيها الإبل والغنم، وأما البقر فكان قليل الوجود في جزيرة العرب، وذلك لكونه يطلب المرعى الأكثر، ولا يرتفق في الصحراء، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم حكم زكاته حينما بعث عامله معاذاً على اليمن، وكان البقر موجوداً هناك، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم هذا القدر من النصاب، في كل ثلاثين تبيع، وهو الذي تمت له سنة ودخل في الثانية، وُصِف بذلك؛ لأنه يتبع أمه، ويكون وراءها، هذا التبيع يجب في كل ثلاثين، واختلف العلماء فيما دون الثلاثين من البقر كخمس من البقر وعشر وخمس عشرة وعشرين، قال بعض العلماء: نقيسها على الإبل، ففي كل خمس من البقر شاة، وفي كل عشر شاتان، وفي كل خمس عشرة ثلاث شياه قياساً على الإبل، وهذا القول يقول به سعيد بن المسيب، والإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري رحمة الله عليهم، لكن جماهير السلف يقولون: لا يجب فيما دون الثلاثين من البقر زكاة، وهذا هو الصحيح؛ لأن معاذاً رضي الله عنه -كما في حديث الدارقطني والبيهقي وغيرهما، رحمة الله عليهم- قال: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آخذ في البقر من كل ثلاثين تبيعاً)، فدل على أن ما دون الثلاثين لا تجب فيه الزكاة؛ لأن الأصل براءة الذمة حتى يدل الدليل على شغلها ووجوب الحق فيها.
قوله: تبيع، التبيع ذكر، أو تبيعة، وهي الأنثى، ولذلك يقولون: لا يؤخذ الذكر إلا ابن لبون، بدل بنت المخاض في الإبل، والتبيع أو التبيعة يخيّر بينهما في البقر، هذا بالنسبة لبهيمة الأنعام، وإلا فالأصل أنها تؤخذ من الإناث، فلا يؤخذ إلا الأنثى؛ لأنه أحب لبيت المال، وأحب للفقراء، وهو منصوص الشرع، فقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على الأنثى، ولذلك لا يخرج الذكر بدلها إلا في هذا الموضع، أو ما ذكرناه من كون ماله كله من الذكور.
[وفي أربعين مسنة].
وهي التي تمت لها سنتان ودخلت في الثالثة، والمسنة من الإناث، ثم بعد ذلك في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة، فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان، وإذا بلغت السبعين ففيها تبيع ومسنة، وإذا بلغت الثمانين ففيها مسنتان، وإذا بلغت التسعين ففيها ثلاثة أتبعة، وإذا بلغت المائة أسقط تبيعاً منها وأدخل مسنة، فتقول: فيها تبيعان ومسنة، وقس على هذا، التبيعان بالستين والمسنة بأربعين، أصبح المجموع مائة، وقس على هذا حتى تجتمع الفريضتان في مائة وعشرين، في مائة وعشرين من البقر يخيّر، نقول له: إن شئت أخرج أربعة أتبعة أو ثلاث مسنات، إن شئت أن تخرج هذه أو تخرج هذه، فالثلاث المسنات تعادل مائة وعشرين، والأربعة الأتبعة تعادل مائة وعشرين، يسمونه: اجتماع الفريضتين، حينئذٍ يخيّر، كمائتين في الإبل، يجتمع فيها بنات اللبون مع الحقاق، إن شاء أخرج في المائتين خمس بنات لبون أو أربع حقاق، ولا يلزم بواحدة منه إن شاء هذا أو ذاك.
[وفي ستين تبيعان، ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة، ويجزئ الذكر هنا، وابن لبون مكان بنت مخاض، وإذا كان النصاب كله ذكوراً].
هذا كله بيّناه، يعني: ابن لبون بدل بنت المخاض إذا لم يجد رب الإبل بنت مخاض فإنه يقول له الساعي: أخرج بدلاً منها ابن لبون ذكر؛ لأنه قد يستفاد منه فيكون فحلاً لهذه الإبل، وهذا منصوص الشرع، ولذلك لا يجتهد ولا يقال بالصيرورة إلى الذكور، إلا في حالة ما إذا كان المال كله ذكوراً، ويستوي البقر والجواميس في الزكاة.
نصاب زكاة الغنم
قال رحمه الله: [فصل: ويجب في أربعين من الغنم شاة].
هذه هي زكاة الغنم وهو النوع الثالث، والغنم هي الماعز والضأن، فالضأن ذكره وأنثاه والماعز ذكره وأنثاه يستوي فيه الزكاة، وكما قلنا في الإبل العراض والبختية، العراض: التي لها سنام واحد، والبختية: التي لها سنامان، هذه الأنواع كلها تعتبر داخلة في عموم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج الزكاة من هذه البهائم، حيث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الغنم، ولم يفرق بين الماعز والضأن، والعرب تسمي الماعز والضأن (الغنم) بهذا الاسم، فدل على دخولها في هذا العموم، ومن هنا قال العلماء: تجب الزكاة على من ملك ضأناً أو ملك ماعزاً أو جمع بينهما، ففي كل أربعين شاةً شاةٌ، فتجب على من ملك أربعين شاةً شاةٌ واحدة، وما كان دون ذلك فلا زكاة فيه إلا إذا كان عرض تجارة، كأن يملك ثلاثين شاة بقصد النماء للبيع والشراء، فهذا منفصل، وزكاته زكاة عروض التجارة، مثل ما يفعله تجار الغنم، فهؤلاء إذا حال الحول على أحدهم يجمع ما عنده من الغنم ويقدر قيمته ويزكيه، ولا يلتفت إلى أنصبة الغنم كما ذكرنا.
[وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه، ثم في كل مائة شاة].
يستمر الفريضة من الأربعين إلى مائة وعشرين، فإن بلغت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان، حتى تبلغ مائتين وواحدة، ففيها ثلاث شياه، ثم بعد ذلك تستقيم الفريضة في كل مائة شاة، هذا منصوص كتاب النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس بن مالك الذي ذكرناه، والإجماع على هذا.
خلطة الأنعام وأثرها في أحكام الزكاة
قال رحمه الله: [والخلطة تصيِّر المالين كالواحد].
بعد أن بين لنا الأنصبة، شرع في بيان الأحكام المتعلقة ببهيمة الأنعام، فقال: (والخلطة تصيِّر المالين واحداً) الخلطة: من الاختلاط، واختلط الشيء بالشيء إذا دخل فيه، تقول: اختلط الليل بالنهار إذا قارب طلوع النهار، وكذلك إذا قارب دخول الليل، فالخلطة أصلها دخول الشيء في الشيء، والعرب والناس عادةً إذا كانت عندهم البهائم لا يخلون من حالتين: إما أن ينفرد كلٌ منهم بغنمه وإبله وبقره، بالمرعى والمراح، فحينئذٍ لا إشكال، والمال للرجل والزكاة على التفصيل الذي ذكرناه، لكن هناك إشكال، وهو أن يكون عندي من الشياه والغنم ما لا يبلغ النصاب، وعندك مثله، فلو جُمع المالان بلغا قدر النصاب، وكان بين مالي ومالك خلطة؛ شراكة شيوع؛ كأن نملك ستين من الغنم لك نصفها ولي نصفها؛ كرجل توفي عن ابنين وله ستون من الغنم، تقسم بين الابنين الذكرين هذا له ثلاثون وهذا له ثلاثون، فالمال بينهم مشاع؛ فهذه خلطة، إن جئنا ننظر إلى الابن الأول فله ثلاثون، وإن جئنا ننظر إلى الثاني فله ثلاثون، وكل من الثلاثين عند كل واحد منهما دون النصاب، لكن الذي أمامنا من المال هو ستون شاة، وقد بلغت النصاب، فالخلطة سواءٌ كانت بالشركة لإرثٍ أو شراكة بينهما في المال لعلاقة من قرابة ونحو ذلك، أو كانت في المراح كما يقع في القبائل وأبناء العم، وأحياناً تكون القبيلة مرعاها واحد، ويجتمع الثلاثة والأربعة والخمسة في مرعى واحد، تذهب إبلهم مع بعضها، وترجع مع بعضها، ويكون مراحها ومكان ظعنها وبقائها واحداً، فهذه تأخذ حكم المال الواحد، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة)، فأعطى المالين المجتمعين حكم المال الواحد، فيشترط أن يكون المرعى واحداً، والسوم واحداً، والفحل واحداً، والمراح الذي تمرح فيه الإبل وتكون فيه واحداً فلا يختلف، والمحلب وهو المكان الذي تحلب فيه على أحد القولين عند العلماء رحمة الله عليهم واحداً، فهذا غالباً ما يكون في البادية، في البادية يتيسر فيه أكثر لسعة المكان، فتجد المالين كالمال الواحد، مرعاهما واحداً، والمكان الذي تسوم فيه الإبل واحداً، والفحل الذي يضرب واحداً، والمراح الذي تمرح فيه الإبل واحداً، والمكان الذي تحلب فيه واحداً، فإذا جمعت هذه الأوصاف فهي مال واحد، فإن كانت الغنم ستين شاة لكل واحد منهما ثلاثون، ففيها شاة واحدة، ولو نظرنا إلى ملكية كل واحد منهما لم تجب الزكاة فيه، هذا ثلاثون وهذا ثلاثون، لكن لأنهما بهذه الصفة وبهذه الحالة، فقد جعلا بمثابة المال الواحد، فتجب الزكاة عليهما، نقول لهما: أخرجا شاةً واحدة، لكن يرد
السؤال
هل يخرجها هذا أو ذاك؟ نقول: يخرجها أي واحد منهما، فإن أخرجها أحدهما طالب الآخر بنصف قيمتها، فإن كانت هذه الشاة قيمتها خمسمائة ريال، فعلى الآخر أن يدفع لمن دفع مائتين وخمسين ريالاً.
فإذا اتحد المال بالأوصاف التي ذكرناها، فإنه يأخذ حكم المال الواحد، وتجب الزكاة عليه.
ولا يفرق بين هذا المجتمع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يفرَّق خشية الزكاة)، فدل على أنه لا يجوز أن يقال: هذا مال وهذا مال، ويفرَّق بينهما حتى لا تجب الزكاة عليه، أو قبل تمام العام وقبل مجيء الساعي يحرص الاثنان على التفريق بين الغنم وبين الإبل وبين البقر حتى لا يطالبهم الساعي بزكاة، فإن اطلع الساعي على ذلك ألزمهما بزكاة المال الواحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نزّل المالين المختلطين منزلة المال الواحد، فتجب عليهما الزكاة على التفصيل الذي ذكرناه.
الأسئلة
حكم زكاة الإبل التي تحتاج إلى العلف أحيانا
ً
السؤال
أثابكم الله فضيلة الشيخ، وجزاكم الله خير الجزاء: إذا كانت الإبل سائمة أكثر الحول؛ وذلك لأن الرعي لا يكفي، فهو يطعمها مع الرعي، فهل يجب فيها زكاة؟
الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فهذه المسألة ذكرها بعض أهل العلم رحمة الله عليهم، إذا كان المرعى لا يكفي، وقد جعل الإنسان مع هذا المرعى علفاً يعلف به دوابّه، فهل نقول: إنها سائمة بناءً على أنها رعت، أو نقول: إنها معلوفة بناءً على أنه يعلفها ويقوم عليها؟ والجواب: أننا نقول: إنها سائمة؛ لأن العلف كان فضلاً وتقوية للطعام، ولم يكن أصل قوتها، فأصل قوتها كان على السوم، وبناءً على ذلك تجب فيها الزكاة وهي سائمة لثبوت الوصف.
والله تعالى أعلم.
حكم إخراج القيمة في الزكاة
السؤال
أثابكم الله فضيلة الشيخ، إذا بلغ النصاب أربعين شاة، فهل يصح أن أخرج قيمة الشاة نقداً بدلاً من الشاة؟
الجواب
هذه المسألة للعلماء فيها قولان: هل يجوز إخراج النقد بدل هذه التي سمّى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأسنان؟ الجمهور على أنه لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حدّد هذه الأسنان وعيّن من نفس الإبل والبقر والغنم، وقال الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه: يجوز؛ لأن معاذاً رضي الله عنه قال لأهل اليمن: (ائتوني بخميص أو لبيس فإنه أرفق لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم)، قالوا: فأخذ العِدل أو أخذ المِثل من الثياب بدل العين الواجب في الزكاة، وهذا أصل للإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه، يطرِدُه، بمعنى يجعله مطّرِداً، فيقول -مثلاً- في زكاة الفطر: يجوز أن تخرج بدلها النقود ونحوها من الكفارات.
والصحيح: مذهب الجمهور أنه لا يجوز الإخراج إلا مما سمّى النبي صلى الله عليه وسلم وعيّن، والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حدّد هذا وأقّته، وما حدّده الشرع لا يجزي إلا بعينه، ولأن المال النقد يأخذه المحتاج وغير المحتاج، وأما الطعام فلا يأخذه إلا المحتاج ولا يأخذه إلا الفقير، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده كان الذهب والفضة موجوداً في زمانهم، ومع ذلك ما أخرجوا زكاة الفطر من ذهب ولا فضة، وبناءً عليه فلا يجوز إخراج القيم؛ لا في الأعيان التي ذكرت في الزكوات، ولا في غيرها من الزكوات كزكاة الفطر ونحوها، وإنما يجب الإخراج على النحو الذي سماه الشرع، إن كان طعاماً فطعام، وإن كان إبلاً فإبل، وإن كان بقراً فبقر، وإن كان غنماً فغنم، وأما ما استدل به رحمه الله من حديث معاذ، فيجاب عنه بأن الحديث ورد في الجزية، والجزية يجوز الانتقال فيها إلى المثل والبدل، بخلاف الزكوات، فإن الزكاة سمّيت وحُددت، فوجب عين المسمى والمحدد.
والله تعالى أعلم.