شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 16-25
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بيان وحكم الجروح التي لا تقدير فيها

قال رحمه الله: [وما عدا ذلك من الجراح وكسر العظام ففيه حكومة] ذكر المصنف رحمه الله الواجبات المقدرة في الاعتداء على الأنفس والأعضاء، وبينا فيما مضى ما ثبت من النصوص ودلت عليه في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم في مقدرات وأحكام الجنايات، هناك جنايات لا تقدير فيها، وهي ما عدا ما ذكر مما له أصل مقدر، فلو أنه جرحه جرحاً لا تقدير فيه، أو ضربه ضربة على مكان أورمت المكان، وحصل ضرر لا تقدير فيه في الشرع، فما الحكم؟ قال رحمه الله: (وما عدا ذلك) أي: من الشجاج والكسور والجراحات.
قوله: (ففيه حكومة) الحكومة: أن يقدر هذا المجني عليه وينزل منزلة العبد، فيقدر قبل الجناية ويقدر بعد الجناية، وينظر كم أنقصته الجناية من القيمة، وهذه النسبة تكون مقدرة من دية المجني عليه، وسميت بحكومة؛ لأنها راجعة إلى الحكام وهم القضاة، فلا يقدر هذا التقدير ولا يجتهد هذا الاجتهاد ولا يبين حكم هذه المسائل إلا الحكام والقضاة، ومن هنا وصفت بكونها حكومة، وبين رحمه الله أنه يرجع فيها إلى حكومة عدل، إذ يطالب القاضي من له خبرة ومعرفة بتقدير المجني عليه على الوجه الذي ذكرناه، ثم إذا ثبت ذلك القدر حكم به، وسيبين المصنف رحمه الله ذلك بالمثال.

الحكومة في الجنايات التي لا تقدير فيها

قال رحمه الله: [والحكومة: أن يقوّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به] قوله: (لا جناية به) مثل أن يقدر بمائة ألف قبل الجناية.
قال: [ثم يقوم وهي به قد برئت] قوله: (وهي به) أي: الجناية.
قوله: (قد برئت) أي: بعد البرء فينظر ماذا حدث في الجسم أو في العضو من النقص؟! فإذا قوم قبل الجناية بمائة، ثم قوم بعد الجناية بخمس وتسعين أو بسبع وتسعين ونصف، فحينئذٍ يكون نصف نصف العشر، يكون قد أنقصته نصف نصف عشره، فيقدر ذلك القدر الذي أنقصته من الدية؛ لأنه لا تقدير في تلك الجناية.

شروط صحة الحكومة في الأمور التي لا تقدير فيها

ويشترط في صحة الحكومة ما يلي: الشرط الأول: أن تكون الجناية لا تقدير فيها في الشرع، فهذا محل اتفاق على أن هذا الأمر -وهو الحكومة- يختص بالجنايات التي لا تقدير لها في الشرع، هذا أول شرط.
الشرط الثاني: أن يكون من ذوي الخبرة والنظر والمعرفة، يقال لهم: قدروه قبل الجناية وقدروه بعد الجناية، وانظروا نسبة النقص هذه التي تكون من هذا الشخص المجني عليه ذكراً كان أو أنثى، يعني: يستوي في ذلك أن يكون المجني عليه ذكراً أو أنثى.
قال رحمه الله: [فما نقص من القيمة فله مثل نسبته من الدية] سيذكر هذا بالمثال.
قال: [كأن كان قيمته عبداً سليماً ستين وقيمته بالجناية خمسين ففيه سدس ديته] أي: إذا كانت القيمة تساوي الستين، يعني: يعادل ستين ألف ريال، ثم بعد الجناية أصبح بخمسين، فمعنى ذلك: أنها أنقصته عشرة، والعشرة تعادل السدس من القيمة، فحينئذٍ يجب على الجاني أن يدفع له سدس ديته، وهنا بالنسبة للحكومة يكون الرقيق أصلاً والحر مبنياً عليه، والعكس بالنسبة للديات، يكون في المقدرات والأعضاء المقدرة يكون الحر أصلاً والرقيق مبنياً عليه.
قال: [إلا أن تكون الحكومة في محل له مقدر فلا يبلغ بها المقدر] مثلاً: لو كانت الجناية على أصبع من أصابعه، وهذه الجناية ليس لها تقدير، بمعنى: أنه ما قطع الأصبع كاملاً، وفي بعض الأحيان يكون الرقيق ذا صنعة، وإذا قدر قبل الجناية على أنه بمائة ألف، ثم أنقصته الجناية الربع، مثلاً: أصبح بخمسة وسبعين ألفاً، فحينئذٍ أنقصته ربع القيمة، يعني: لو حصلت فيه هذه الجناية في أصبعه، وكان قبلها كاتباً، أي: عنده صنعة الكتابة، أو عنده صنعة غيرها ينتفع بها، فأنقصته -مثلاً- الربع، في هذه الحالة الأصبع لا تعادل الربع؛ لأن الأصبع لو قطعت ففيها عشر الدية، فلا تبلغ الحكومة أو مقدر الحكومة لا يبلغ دية العضو الذي فيه الجناية، وهذا أصل شرعي، وبناءً على ذلك ينقص من هذه الحكومة حتى تصل إلى أقل من عشر الدية؛ لأن الأصبع موجود ولا يعقل مساواتها بعدم الوجود، فلو قطعت الأصبع كاملة لكان فيها عشر الدية، فكيف نقول له: جناية الحكومة يقدر أكثر من المقدر شرعاً والأصبع موجودة؟! فهذا يخالف شرع الله عز وجل.
ومن هنا اشترط العلماء رحمهم الله شرطاً في الحكومة وهو الشرط الثالث: أن لا يبلغ التقدير أكثر من قيمة العضو الذي فيه الجناية.

الأسئلة

إشكال في تعبير المؤلف بالبعير لا الإبل في الهاشمة

السؤال

ذكر المصنف في حد الهاشمة عشرة أبعرة، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، والمعروف عن الأبعرة هي ذكران الإبل، أما الإبل فيشمل الذكر والأنثى، فهل في ذلك فرق، أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، في الحقيقة هذا أمر ملاحظ، والأصل في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد التعبير بالبعير، وإنما ورد التعبير بالإبل، قال: خمسٌ من الإبل، وعلى هذا فقد يكون هناك تسامح من المؤلف، وأنه لا يعتبر المعنى الذي ذكرته، والله تعالى أعلم.

حكم طلب المجني عليه من الجاني تكاليف العلاج

السؤال

لو طلب المجني عليه من الجاني تكاليف العلاج بدلاً من الدية هل يعطى ذلك؟

الجواب

نعم إذا أراد أن يخالف شرع الله، ويجتهد من عنده، ويعبث بالأحكام الشرعية، هذه أحكام شرعية ما فيها تلاعب، لا ينظر لا إلى أجرة الطبيب، ولا إلى تكاليف العلاج، هذا دين وشرع جاء بهذه الصفة، ينفذ هذا الوارد كما ورد، كونه يقول: أريد تكاليف العلاج أو قيمة العلاج ليس من حقه ذلك، وليس له غير هذا الذي حكم به الشرع، حتى ولو كانت تكاليف العلاج أكثر، العبرة بالمقدر شرعاً قليلاً كان أو كثيراً؛ لأنه لو فتح هذا الباب قد تكون تكاليف العلاج لا تساوي شيئاً، ولذلك الشريعة لا تنظر إلى تفاوت الأزمنة، وهذا من سمو منهج الشريعة أنها أعطت أحكاماً تقديرية، سبحان الله العظيم! الآن لو جئت تنظر تجد في غالب الأحوال أن هذا المقدر يعادل العلاج وزيادة، وهذا نعرفه من خلال أسئلة الناس، وعلى كل حال هذا غير وارد، وتكاليف العلاج ليست بواردة، إنما الوارد أنه يعطيه حقه الشرعي سواءً كان قليلاً أو كثيراً، وعليه أن يرضى بحكم الله سبحانه وتعالى، والله تعالى أعلم.

الصحيح في تعريف الموضحة

السؤال

تعددت النسخ في قول المصنف رحمه الله في تعريف الموضحة وهي ما توضح اللحم، وفي بعض النسخ ما توضح العظم، فأيهما أصح، أثابكم الله؟

الجواب

الصحيح ما توضح العظم، وهذا استدركه الشراح رحمهم الله، وقالوا: إن هذا موجود في النسخ، ولكن الصحيح أنها توضح العظم، وهذا هو الذي ذكره أئمة اللغة، والاحتجاج في هذه التفسيرات مرده إلى أئمة اللغة؛ لأن القاشرة إيضاح اللحم، والقاشرة مع ذلك ليس فيها ما في الموضحة، الموضحة هي التي توضح العظم، وعبارات النسخ توضح اللحم خطأ، ونبه على ذلك، والله تعالى أعلم.

حكم من فرط في قضاء الصوم حتى عجز عنه

السؤال

تبلغ أمي من العمر خمسين سنة، كانت تفطر في شبابها من التعب، وبعد زواجها أفطرت في ولادة إخوة لي، وكانت تجهل قضاء ما عليها من الأيام، وهي الآن مريضة حيث عندها القلب والضغط وتجلطٌ في الدم، أفيدونا في قضاء هذه الأيام أثابكم الله؟

الجواب

أولاً: لا ينبغي للمسلم أن يتساهل في حقوق الله عز وجل، والصوم إذا وجب على المسلم فهو دين، وقد جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما- قالت: (إن أمي ماتت وعليها صوم، أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين أكنتِ قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى) حق الله أحق بالوفاء، وأحق بالقضاء، ولا ينبغي للمسلم أن يتساهل في حقوق الله عز وجل، سواءً كانت كفارة في الصوم أو كفارة في الحج أو كفارة في العمرة، أو كفارة في سائر الأمور التي تجب فيها الكفارات فلا يتساهل في شيء منها، حتى قالوا: إن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (نفس المؤمن مرهونة بدينه حتى يؤدى عنه) يقولون: إن الإنسان والعياذ بالله! قد يرهن عن كثير من الخير بسبب تعطيل حقوق الله عز وجل وحقوق الناس، ولذلك تجد المديون في بعض الأحيان لا يستطيع تحصيل أشياء من الخير كان يحصلها قبل دينه وقبل انشغال ذمته للناس، تجده قبل تحمل ديون الناس مستجماً ومنشرحاً ومنطلقاً، ولكن ما أن يقع في الدين حتى يصبح كالمرهون، وهذا مصداق قوله: (نفس المؤمن مرهونة) والرهن الحبس.
ولذلك ينبغي للمسلم أن يبادر بسداد حقوق الله عز وجل، فإذا تساهل وفرط لم يأمن أن يأتيه المرض أو يأتيه البلاء أو يتقدم به السن ويعجز عن أداء حق الله، وحينئذٍ تكون الحالقة؛ حالقة الدين لا حالقة الشعر، فيخرج من الدنيا وقد فرط في حق الله، حتى أصابه الكبر فحيل بينه وبين الوفاء، وبين رد الحقوق والقيام بالواجبات، وقد وصف الله أهل الجنة بأنهم موفون بعهودهم مؤدون للحقوق التي عليهم، فعلى المسلم والمسلمة أن يتقي الله عز وجل كل واحد منهما في حق الله خاصة، وفي الحقوق عامة؛ لأن حق الله أحق، الله أحق أن يعبد وأحق أن يؤدى حقه، وهو الغني عن عباده في جميع ما أوجب عليهم سبحانه وتعالى.
ثانياً: إذا بلغت هذا المبلغ وأصبحت عاجزة عن الصوم فإنها تنتقل إلى الإطعام عن كل يوم، مع الندم والاستغفار والتوبة، والله تعالى أعلم.

جواز الرد على الخطيب عند خطئه في الآية

السؤال

إذا أخطأ الإمام في الآية مثلاً في خطبة الجمعة هل يرد عليه أم لا؟

الجواب

الصحيح أنه إذا أخطأ في الآية فإنه يرد عليه ويفتح عليه؛ لأن كتاب الله عز وجل تجب صيانته عن الخطأ، وهذا جائز في الصلاة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بالناس الفجر فارتج عليه في آية، ثم لما سلم قال: (أفي الناس أبي؟ قال: نعم يا رسول الله! قال: ما منعك أن تفتح عليَّ آنفاً؟) فدل على عظمة كتاب الله عز وجل، وعظيم حقه أنه يصان من الخطأ، ومن اللحن، ومن القصور الذي يكون من بني آدم، المبني على الجهل والإساءة كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:72] فلا ينبغي التساهل في كلام الله عز وجل، بل ينبغي الرد عليه وتنبيهه على الخطأ والفتح عليه، فإذا كان هذا في الصلاة فمن باب أولى في خطبة الجمعة، والله تعالى أعلم.

حكم صلاة الليل جماعة في غير رمضان

السؤال

أسكن ومعي زميلي في بيت وأصلي صلاة الليل فهل يجوز أن نصلي جميعاً ونوتر مع بعضنا، أثابكم الله؟

الجواب

يجوز اتفاقاً لا قصداً، فإذا قمت تصلي بالليل وجاء أخوك وصلى معك فلا بأس، كما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم مع ابن عباس رضي الله عنهما وغيره، لكن أن يكون بالترتيب والقصد كأن تقول له: إذا صارت الساعة الثانية أقوم وتقوم معي، أو إذا صارت الساعة الواحدة من الليل فلا؛ لأن الأصل أن القيام المرتب لا يكون إلا في التراويح، وقيام رمضان خاصة، وأما في بقية السنة فإنها عبادة خفية قصد منها الإخلاص وإرادة وجه الله عز وجل، ولا تكونوا جماعة إلا في الوارد، والله تعالى أعلم.

كيفية تشميت من عطس أكثر من ثلاث مرات

السؤال

إذا عطس الإنسان مرات عديدة خارج الصلاة هل يشرع تشميته في كل مرة يحمد فيها الله، أثابكم الله؟

الجواب

نعم يشرع إذا عطس وكرر العطاس ففي الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عطس الرجل رد عليه، ثم عطس الثانية فرد عليه، ثم عطس الثالثة فقال: إنه مصاب) فمن أهل العلم من قال: لا يرد عليه؛ لأنه مريض، وإنما يدعى له بالشفاء، فانتقل من العطاس المألوف المأمور بتشميته إلى الدعاء له بالشفاء، ومن أهل العلم من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بكونه مريضاً، فبقي الأصل على ما هو عليه وهو تشميت العاطس، ولم يسقط هذا الأصل صلوات الله وسلامه عليه فهذا وصف حال.
وعلى كل حال إذا شمته فهذا أفضل، فهو إذا قال: الحمد لله فعليك أن تشمته، أما إذا عطس وسكت فهذا منه، وبعض العلماء يقول: إنه إذا كانت الثالثة والرابعة وكان مريضاً فلا يقول: الحمد لله؛ لأنه أصبح مريضاً والأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق، لكن كل هذه اجتهادات وآراء، هذا الأصل عطس رجل عند رجل فشمته، ثم عطس الثانية فشمته، ثم عطس الثالثة فقال: يرحمك الله مائة، فعطس الرابعة فقال: اللهم من عندك، يعني أصبحت المائة دين كلما عطس قال: اللهم من عندك، هو لو نظر اللهم من عندك، أخف من أن يقول له: يرحمك الله، نسأل الله السلامة والعافية من الحرمان! هذا دعاء بخير وفيه أجر لك ولمن تدعو له، فلا يبخل الإنسان بهذا.
كم هي سعادة للمسلم أن يلهج لسانه بذكر الله عز وجل؟! هذا اللسان الذي تجده يتحدث في أمور الدنيا فلا يكل ولا يتعب، ويجلس الرجل مع ضيفه وصاحبه وحبه، يسأله عن ثوبه ومأكله وملبسه ومخبزه وبيته وعن كل صغيرة وكبيرة ولا يكل ولا يمل، ولكن لما يريد أن يكرر يرحمك الله أربع مرات خمس مرات تجد السآمة والملل، وهذا حال الإنسان -نسأل الله السلامة والعافية- في تقصيره في حق الله عز وجل، ولكن للآخرة أهلها، فيا حبذا المسلم أن يكون متلذذاً بذكر الله عز وجل حريصاً على هذا الخير، يشمت العاطس، فكلما قال: الحمد لله تشمته، فهو من ذكر الله سبحانه وتعالى، قال بعض العلماء: إلا إذا كان هناك ما يشغل، مثل: أن يكون هناك ما هو أشرف كاشتغالك بقراءة القرآن، أو اشتغالك بعلم، أو اشتغالك بشيء أوجب وأوكد، حينئذٍ لا مانع أن تأخذ بالسنة، وهي أن يشمت ثلاث تشميتات، ثم بعد ذلك يكون الإنسان في العفو، والله تعالى أعلم.

نصيحة عامة لمن يتكرر منه الذنب بعد التوبة منه

السؤال

عندي ذنبٌ كلما تبت منه رجعت إليه، وأدعو الله أن يبعدني عنه، ولكن كلما أردت الاستقامة لم أثبت على ذلك بم تنصحني، أثابكم الله؟

الجواب

إذا كان المستقيم هو السالم من الذنب فإنا لله وإنا إليه راجعون! يعني: إذا كان المستقيم هو الذي لا ذنب له البتة فحينئذٍ الله المستعان، من هو هذا الذي لا ذنب له، ولا خطأ عنده؟! إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة:222] ووصفهم بأنهم توابون، والتواب فعال، أي: كثير التوبة وما كثرت التوبة إلا من كثرة الذنوب.
أخي في الله! لا يتسلط الشيطان على قلبك، ولا يحولن بينك وبين ربك، فالله جل وعلا يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وهو سبحانه الحليم الرحيم، هل رأيته دفع تائباً عن بابه؟ هل رأيته خيب تائباً في رجائه؟ هل رأيته قطع تائباً من محبته وإنابته إلى ربه؟ كلا والله بل إنه فرح بتوبته وشمله بعفوه وحلمه ومنّه وكرمه ورحمته.
أخي في الله! تب إلى الله، واقهر عدوك إبليس بالإنابة إلى الله ولو (مليون) مرة تكرر التوبة، صادقاً منيباً إلى ربك، ولا تبال إن قال لك: أنت منافق، أنت كذاب، أنت غشاش، تبت المرة الأولى، تبت المرة الثانية ثم ترجع، ثم تبت المرة الثالثة، إذا كان الشخص يقع في الذنب وبعد فعله للذنب يكره هذا الذنب ويمقته في جنب الله، ويعقد العزم في قرارة قلبه على كراهته وعدم الرجوع إليه، فإنه مبشرٌ بخير وهو التوبة من الله، ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:71].
والله سبحانه يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:53] فقوله: (قُلْ يَا عِبَادِيَ) لأنه علم سبحانه أنه لا رب لنا سواه، ولا أمل ولا رجاء لنا في أحد عداه، فأخي في الله! اصدق مع الله يصدق الله معك، ولا تقولن: تبت مائة مرة، أو ألف مرة.
ثم هنا أمر ينبغي التنبيه عليه وهو: أن الشيطان عليه لعائن الله تترى إلى يوم الدين، قعد للإنسان بالرصد وأعظم شيء يحرص عليه الشيطان قطع العبد عن ربه، وبالأخص إذا كان خيراً صالحاً، فإنه يأتيه بالذنب ويحول بينه وبين الله، فيقول له تارة: لو كنت من الصالحين ما أوقعك الله في الذنب، ولو كنت صالحاً بحق ما أوقعك في الزلة، قاتله الله عدو الله! أنى يؤفك وأنى يكذب على الله سبحانه وتعالى، بل إن الله يبتلي ويمتحن ويختبر إذا كان التائب موحداً لربه؛ لأنه إذا قال: رب اغفر لي فقد علم أن له رباً يأخذ بالذنب ويعفو عن الذنب.
وينادي الله في ملائكته: (يا ملائكتي! علم عبدي أن له رباً يأخذ بالذنب ويعفو عن الذنب قد غفرت لعبدي).
فإذا كان الإنسان في هذه الصورة من الفتنة جعله يعود إلى الذنب المرة تلو المرة، ثم يقول له: أنت لا تصلح أن تكون مع الأخيار، اترك الأخيار واترك الملتزمين، واترك الصالحين, ولا تجلس معهم، لا تدنس مجالسهم، يعني: وكأن إبليس ما شاء الله! غيور على الصالحين، ومحب للصالحين.
وضع السم في العسل؛ لأنه يعلم أنه متى ابتعد عن الصالحين تخطفته الشياطين، فأعرض عن سبيل رب العالمين، فكانت الهلكة والضلال المبين نسأل الله السلامة والعافية! فيأتيه من هذا الباب.
ثم هناك صنف ثالث: إذا أذنب الواحد منهم المرة والمرتين والثلاث والأربع يأتيه بنوع من الانشراح يخلي بينه وبين الطاعة؛ لأنه يعلم أن المعصية قد استحكمت في قلبه، وأن قرناء السوء حوله، فتراه يتركه اليوم واليومين والأسبوع والأسبوعين في نوع من الانشراح، ويكف عدو الله عنه حتى يأمن ويطمئن ويقول له: افعل عهداً على أنك لا تعود، واجعل عليك المواثيق بينك وبين الله أنك ما تعود، فهذا المسكين من حبه لربه، وحبه للطاعة يأتي بالعهود المغلظة ثم لا يلبث في اليوم الثاني أن يتسلط عليه عدو الله، فينهزم وينكسر وعندها يريد أن يسلخه من دينه بالكلية والعياذ بالله! فيقول له: أنت فعلت هذا فإذاً لا عودة ولا رجعة، وهذا كله من الأباطيل، ومن الإرجاف من عدو الله.
ولذلك على المؤمن أن يعلم أن ربه هو الحليم الرحيم الغفور الذي يفرح بتوبته، ويشمله بعفوه وحلمه ورحمته، والذي وسعت رحمته كل شيء سبحانه وتعالى.
أخي في الله! لو تبت (ملايين) المرات، فكل مرة تتوب فيها فاعلم أن الله يعوضك خيراً مما فقدت، وكل ذنبٍ تقع فيه فقف بعد ذنبك منكسراً إلى ربك، وقل يا رب! أسأت وأخطأت، منك الخير ومني الشر، منك الإحسان ومني الإساءة، تب عليَّ يا خير التوابين! تب عليَّ وارحمني وأنت أرحم الراحمين! واسأل الله عز وجل أن يجبر كسرك في دينك، فكم من شخصٍ يقع في الذنب فيقول صادقاً من قلبه: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي هذه واخلف لي خيراً منها، إلا آجره الله في مصيبته وخلف له خيراً منها، وصفع الشيطان على وجهه، واندحر عدو الله مغاظاً مهاناً ذليلاً، هكذا يكون ولي الله المؤمن.
ثم قضية الرجوع إلى الذنب ففي بعض الأحيان -والعياذ بالله- قد يُبتلى الإنسان بالذنب تلو الذنب، قد يكون سببها غيبة الصالحين، وقد يكون سببها أذية أولياء الله المتقين؛ لأن أعظم شر ينزل على الإنسان عداوته لله أو لرسوله أو للصالحين من عباده، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث كما في صحيح البخاري وغيره يقول الله تعالى: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) وكان بعض مشايخنا رحمة الله عليهم، لما يشتكي الشخص من كثرة الرجوع إلى الذنب يقول له: تفقد نفسك، لابد وأنك عاديت ولياً من أولياء الله.
مثال ذلك: أن الشخص يأتي ويحضر الجمعة ثم يخرج من الجمعة ويقول: والله الخطيب أطال الخطبة، والله عندنا إمام مسجد يطيل بنا.
فيغتاب عبداً صالحاً، وهذا العبد الصالح في كل ليلة يناجي ربه ويقول: اجعل ثأرنا على من ظلمنا، فهذا الذي اغتابه ظلمه بغيبته فلا يأمن أن يُنكب، ولذلك ينبغي الحذر من التعامل مع الصالحين والأخيار؛ لأن القرب منهم خير، لكنه سلاحٌ ذو حدين لمن لم يحفظ حرمتهم، وكنا نجد أناساً يجلسون في مجالس العلم يكثرون الاعتراض، ويكثرون الأذية للعلماء ولإخوانهم من طلاب العلم، فما وجدناهم سلكوا سبيلاً -نسأل الله السلامة والعافية- في الطاعة، وغالباً ما تأتي نهايتهم سيئة، وغالباً ما يحرمون، حتى إن الواحد منهم يأتي ويشتكي ويقول: قسا قلبي، كنت على حال طيبة ثم أصبحت في حال سيئة، يعني كان الإنسان على حال صالحة حينما كان يحفظ الحقوق والذمم.
كذلك أيضاً مما يُبتلى الإنسان به الوقوع في الفتن بسبب أذية أولياء الله، والله تعالى يقول في الذين سبوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستهزءوا بهم وقالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء يكثرون عند الطمع، ويقلِّون عند الفزع، وفي بعض الألفاظ يجبنون عند اللقاء، فنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:65] انظروا كيف جعل الاستهزاء بالقراء استهزاء بالله والرسول؛ لأنه جاء من جهة الدين.
فكل شخص ينتسب لهذا الدين من داعية وعالم وخطيب وإمام يجب أن تحذر في التعامل معه؛ لأنه ولي لله تعالى قائم بحقه، ولما تستهزئ به من خلال أدائه لرسالته وأمانته التي يحبها الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:33] هذا الذي أثنى عليه ربه من فوق سبع سماوات، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا﴾ [التوبة:65 - 66] حتى لم يقبل منهم المعذرة وقال: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:66] لأن الأمر نشأ من الاستخفاف بالدين والاحتقار للصالحين، فقد يجلس الشخص يلمز جماعة وقد يلمز منهجاً لإخوان عندهم بعض الأخطاء، ثم يأتي يتهكم بهم، ويسخر بهم، ويستهزئ بأمور قد تكون من أمور الطاعة في شأنهم، فهنا تأتي الفتنة والعياذ بالله.
قال تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة:66] فجعل - والعياذ بالله- هذا البلاء والفتنة بسبب التعرض لأولياء الله عز وجل، وكانوا يقولون: من سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمن عليه سوء الخاتمة والعياذ بالله! وقل أن تأتيه حسن خاتمة، وقلَّ أن يتولاه الله برحمته، وهذا معروف في بعض أهل البدع نسأل الله السلامة والعافية! فالمقصود من هذا الحذر حتى لا يقع في الفتنة، ولذلك تجد شخصاً يتوب توبة صادقة، ومع ذلك يُبتلى بالوقوع في الذنب مرة ثانية، بمعنى: أن هناك أمراً بينه وبين الله عز وجل، فليقل بصادق من قلبه: اللهم! إني أستغفرك من ذنبٍ أوقعني في هذا البلاء، اللهم أدركني برحمتك، ونحو ذلك من الدعاء الصادق.
كذلك أيضاً مما يوجب الوقوع في الفتن تلو الفتن، والمعاصي تلو المعاصي، عقوق الوالدين وقطيعة الرحم، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:22 - 23] نسأل الله السلامة والعافية! فالعقوبة التي جلت بهم الصمم وعمى البصيرة مع اللعنة، وكل هذا جاء بسبب قطيعة الرحم، فما بالكم بعقوق الوالدين! وهو أعظم من قطيعة الرحم! الرجل يستهزئ بأمه فيكون عاقاً، ويستهزئ بأبيه فيكون عاقاً، ويرفع صوته في وجه أبيه كاشحاً له في وجهه فيكون عاقاً، ولربما والعياذ بالله يلمز أباه في وجهه فيكون عاقاً، وتبقى جرحاً في قلب الأب إلى أن يموت، فيكون عاقاً والعياذ بالله! كلما تذكر الأب آلامها وأحزانها تجدد البلاء على من قالها.
إذاً على الإنسان أن يحذر في التعامل مع الناس: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُو

بيان فضيلة الجماعة الأولى والفرق بينها وبين الثانية

السؤال

بعض الناس يتأخر عن صلاة الجماعة في المسجد ويقيمون جماعة ثانية بعد الجماعة الأولى فهل يكون أجر هذه الجماعة مساوياً لأجر الجماعة الأولى، أثابكم الله؟

الجواب

هذا فيه تفصيل: الجماعة الأولى من حيث الأصل أفضل، وقد حصلت فضيلة أول الوقت، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن العبد ليصلي الصلاة وما يصليها في وقتها وما فاته من وقتها خيرٌ من الدنيا وما فيها) الثواني بين الجماعة والجماعة خير من الدنيا وما فيها، يصلي أهل المسجد الأول في الوقت ويصلي أهل المسجد الثاني بعده ويكون الفرق بينهما يسيراً وبينهما كما بين السماء والأرض، ولذلك يقول عبد الله بن مسعود: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: الصلاة على وقتها) يعني: على أول وقتها، فهذا أفضل الأعمال وأحب إلى الله، فالجماعة الأولى أفضل وأعظم وأزكى أجراً عند الله عز وجل.
ومن هنا كان من الخطأ قول أهل الرأي -وبعض المتأخرين اختار هذا القول-: إن الشخص إذا أتى والجماعة في التشهد فيظل واقفاً حتى تأتي جماعة ثانية، نقول: أولاً: دخولك مع الجماعة الأولى إدراكٌ لفضيلة أول الوقت، وحينئذٍ تدرك فضيلتها، ثم بعد ذلك إذا كان بجوارك شخص فتتمان جماعة، وتحصلان على الفضيلة وإن لم تحصلا على الحكم، فهذا أمر يغفل عنه الكثير، ومن هنا ينبغي الحرص على الجماعة الأولى.
ثانياً: الجماعة الثانية تكون أقل من جهة العدد، فإن الجماعة الأولى في الغالب هي أكثر عدداً، وقد قال صلى الله عليه وسلم في هذه الفضيلة الثانية: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أزكى) فالجماعة الأولى أزكى من هذا الوجه ومن حيث إدراك فضيلة أول الوقت.
كذلك أيضاً ينبغي أن ننبه على أمر وهو: قِدَمُ الإنسان في الطاعة، فإن إمام المسجد في محافظته على الإمامة أكثر خيراً ممن هو دونه، والصلاة وراء الإمام الراتب المداوم على إمامة الناس والصلاة بهم ومعونتهم على الخير، أفضل من الصلاة وراء شخصٍ لا يلي الإمام إلا في الأحوال الطارئة، وهذا هو الراجح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان رمضان فاعتمري فيه، فإن عمرة في رمضان كحجة معي) فجعل للفضل مزية في الطاعة، ومن هنا قالوا بأفضلية القدم، وكانوا يفضلون في الأئمة من يكون الأخشع، ولماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم قال (أقدمهم سلماً) يعني: أقدمهم إسلاماً، فهذه كلها من الفضائل، فالإمام الراتب هذا أكثر فضلاً وأكثر طاعة وأحض، خاصة إذا كان لا ينسى المأمومين، ويأخذ بالسنة في دعائه له ولمن وراءه، فإن بعض الأئمة يكون حريصاً على الدعاء بالخير للمأمومين، فيسأل الله لهم الطاعة والخير والبر، ويكون فيهم حفظة لكتاب الله عز وجل، قائمون بحقوق الله، داعون إلى الله، فالصلاة وراء هؤلاء المتمسكين بالسنة، المتمسكين بطاعة الله عز وجل، لا شك أنها أفضل وأعظم وأقرب وأحظى منزلة، والله تعالى أعلم.

حكم رفع اليدين في الدعاء ومسح الوجه والجسم بعده

السؤال

ما حكم رفع اليدين في التأمين، وكذا مسح الجسم بعد الفراغ من التأمين أثابكم الله؟

الجواب

السؤال عام: من حيث الأصل المؤمِّن داعٍ، قال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس:89] وكان هارون مؤمِّناً ولم يكن داعياً، ومن هنا نص العلماء على أن المؤمِّن داعٍ؛ لأنه يقول: آمين.
ومعنى: آمين، اللهم! استجب، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه رفع كفيه في الدعاء، وجاء عنه في ذلك أكثر من خمسين حديثاً، ما بين صحيحٍ وحسن وضعيف، مما يقبل بعضه الانجبار، فهذه السنة محفوظة ما فيها إشكال، حتى في الصحيحين عليه الصلاة والسلام أنه ذكر: (الرجل أشعث أغبر يطيل السفر يمد يديه إلى السماء) يقول العلماء: إن هذا الحديث فيه ثلاث خصال من أسباب إجابة الدعاء، أولاً: أشعث أغبر، وقد قال في الحديث الآخر: (رب أشعث أغبر مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) لأن الدنيا ولّت عنه، فدفعه أهل الدنيا وأهانوه، ولكن الله لم يدفعه ولم يهنه، بل فتح له أبواب رحمته، فلم يجمع له بين هم آخرته ودنياه، بل عوضه عن دنياه بأحسن الثواب وأتمه وأكمله، فلو أقسم على الله لأبره واستجاب دعاءه.
ثانياً: قوله عليه الصلاة والسلام: (يطيل السفر) فالمسافر مستجاب الدعاء، وإذا كان سفره أبعد فإن الاستجابة أحرى، كما ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله ونقله عن الأئمة.
ثالثاً: يمد يديه إلى السماء، وقد قال في الحديث الذي حسنه غير واحد من العلماء: (إن الله حييٌ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفراً) وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الصحيحة أنه رفع كفيه ودعا، إلا في بعض العبادات التوقيفية مثل: الصلاة، فلا يرفع فيها الكف إلا في المواضع التي شرع فيها رفع الكف، مثل: القنوت.
وذكر الحافظ ابن الملقن وحسن إسناده عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أنه رفع يديه لما قنت عليه الصلاة والسلام)، ونص الأئمة على أنه يشرع للمأمومين أن يرفعوا أيديهم تأميناً لدعاء الإمام في القنوت، فهذا الرفع ما فيه بأس.
وأما مسح الجسد والوجه فهناك تفصيل: مسح الوجه فيه حديث عمر، وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في البلوغ: أن له طرقاً يقوي بعضها بعضاً، مما يشهد أن للحديث أصلاً، وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع يديه في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه) وهذا الحديث أصل في مشروعية مسح الوجه، وذكر الإمام الصنعاني رحمه الله في السبل وغيره: أن هذا من باب الفأل، كأنه من ثقته بالله وكمال توحيده وصدق ظنه في الله أصابته الرحمة، وأخذ حاجته من ربه، فكان أفضل وأشرف شيء ما عفره بالسجود لله وهو أن يمسح وجهه، هذا إذا صح الحديث، ومن العلماء والأئمة من ذكر: أن المسح للوجه يشرع في الدعاء، فلا ينكر على من فعله، لأن له أصلاً وإن توقف الإنسان متحرياً للسنة فلا بأس.
وأما بالنسبة لمسح الجسم كله فلا؛ لأنه لم يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مسحه، وإذا كان في مسح الوجه إشكال فكيف بمسح الجسم كله؟! ولذلك إن كان ولابد ماسحاً فإنه يقتصر على مسح الوجه، والله تعالى أعلم.

المرأة المسلمة والدعوة إلى الله

السؤال

ما هو واجب المرأة المسلمة تجاه أخواتها من الأقارب والجيران في الدعوة إلى الله؟ وما هي الوسائل المعينة على ذلك؟ وهل المرأة مأجورة على دعوتها لأهلها وأقاربها، حتى وإن رفضوا وأعرضوا، أثابكم الله؟

الجواب

في الحقيقة الكلام على دعوة المرأة أمر يحتاج إلى تفصيل، ويحتاج إلى تأصيل، ويحتاج إلى شرح وبيان؛ لأنه كلما عظم الشيء وجلَّت مرتبته ومنزلته عند الله عز وجل، كان أحق أن يوفى حقه، ولكن هناك أمور: فالمرأة الصالحة إذا أراد الله بها خيراً حبب الدين إليها، فشرح صدرها، وطمأن قلبها بذكر الله عز وجل، فإذا أراد الله أن يعلي مرتبتها، وأن يعلي منزلتها، ألهمها طلب العلم، وألهمها أن تتبصر في أمور دينها، فتحب العلم، وتحب سماع العلم ومذاكرة العلم، فتتفقه في أمور دينها، وتعرف حلال ربها وحرامه، وشرعه ونظامه.
وتعلم كذلك ما يجب عليها فيما بينها وبين الله سبحانه وتعالى، من تصحيح عقيدتها، وسلامة إيمانها والتعرف على حقوق ربها، من الإخلاص وابتغاء ما عنده سبحانه وتعالى، فإذا أراد الله أن يعلي مرتبتها أكثر هيأها إلى العمل بهذا العلم الذي تعلمته، فتجد المرأة الصالحة تبحث عن الخير، فإذا وجدته تعلمته وعلمته، ثم إذا تعلمت ذلك العلم حرصت على التطبيق والعمل، فإذا أراد الله أن يزيدها علواً في الدرجة وعظماً في الأجر، شرح صدرها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأصبحت آمرة بأمر الله، ناهية عما نهى الله عنه، تقول بقول الله، وتنهى بنهي الله، وعندها تنال الحكمة التي لا يعطاها ولا يؤتاها إلا من أراد الله له الخير الكثير: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة:269] وكثيراً من الله ليست بالهينة.
والحكمة المراد بها هنا علم القرآن والسنة؛ لأن الله أحكم بهما الأمور، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود:1] فالدين المستنبط من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم محكمٌ في ذاته، أحكمت آياته وأحكمت شريعته، فهو الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين سبحانه وتعالى، وهو محكمٌ في بيانه، ومحكمٌ في تفصيله، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:115]. فتؤتى المرأة الحكمة، والنساء هن شقائق الرجال، فإذا أصبحت المسلمة حريصة بدأت أول ما تبدأ بفلذات كبدها، وأهل بيتها، فأمرت بطاعة ربها، بين بناتها وأبنائها، وكانت خير قدوة لهم، فكم من أبناء نشئوا على الخير والطاعة والبر حينما تربوا في أحضان أمٍ صالحة، وكم من بنات نشأن على الخير والبر حينما كانت تتلقفهن الأيدي الأمينة، من تلك الأم التي تخاف الله عز وجل في أمانتها ورسالتها، فتبدأ بأولادها والذكور والإناث، فإذا أراد الله عز وجل أن يعلي لها الدرجة جعلها داعية في قرابتها.
فلا تجلس مجلساً إلا كانت مباركة على ذلك المجلس، كما قال الله عن نبيه يحيى عليه السلام: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ?وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم:31] فحملة العلم ودعاة العلم مباركون أينما كانوا، ما داموا يعلمون العلم وينشرون العلم، ويقولون بالحق وبه يعدلون، فالمرأة الصالحة إذا قالت بالخير ودعت إلى الخير كانت مباركة.
أما واجبها تجاه مجتمعها فإنها تأمر بما أمر الله عز وجل به، وتنهى عما نهى عنه بالموعظة الحسنة، والكلمة الطيبة، والنصيحة الهادفة، وتأخذ بمجامع قلوب بنات المسلمين، وتحرص على أن تحببهن في الخير، وتؤلفهن في الخير، ما تكون فظةً، ولا تكون غليظة، ولا تكون منفرة، وإنما تكون ميسرة لا معسرة، مبشرة لا منفرة، إذا جاءت المجلس وتكلمت كان كلامها كالغيث لتلك القلوب العطشى الظمأى التي تنتظر ماء الوحي أن يحيي مواتها بإذن الله عز وجل، فتتكلم ذلك الكلام الهادف، الكلام المختصر المفيد الجيد، وعلى كل امرأة أرادت أن تسير في هذا المسير أن تكون على بصيرة.
فالذي ينبغي أن يحذر منه الرجال والنساء في مسألة الدعوة: الحذر من فتنة الدعوة، فإن للدعوة فتنة، قل أن ينتبه لها من يتحمل مسئوليتها، وهي فتنة الغرور بالنفس، فالمرأة والرجل والداعي والداعية، يبدأ الواحد منهم في الوعظ والرقائق، ثم يفتي في المسألة الواضحة، ثم لا يلبث أن يجر إلى الفتاوى الكبرى، التي لو عرضت على أئمة السلف لجثا الواحد منهم على قدميه خوفاً من الله عز وجل، ومع ذلك تجده من أجرأ الناس فيها، وهذا هو سبيل الردى؛ لأن الشيطان إذا يئس من الشر أخذ -والعياذ بالله- المفتون من جهة الخير، فعلى المرأة الحذر من هذه الفتاوى العجيبة التي يطلقها بعض النساء في الدعوة.
والعجب والأعجب من هذه الفتنة أن بعض النساء يغرر بهن، يقال لهن: من قال لكن: إن الدعوة خاصة بالرجال، ومن قال لكن: إنه لابد أن نحضر عند الرجال وعند المشايخ، ينبغي أن يكون عندنا مشايخ أيضاً من النساء، ونحن شقائق الرجال، والمرأة مثل الرجل، وغيرها من الدعوات والنعرات التي تخالف شرع الله عز وجل، من الغلو في أمر المرأة.
أقول: لا حرج أن يكون هناك داعيات من النساء، لكن أن تغتر هؤلاء الداعيات، وتصبح الواحدة منهن متصدرة لكي تفتي في الحلال والحرام، يقولون: ما وجدنا شيخاً إذاً هذه هي التي تفتي، وهي التي تعلِّم، وهي التي تجتهد، وهي التي تقعد وتؤصِّل، هذا هو الغلو الذي ينبغي الحذر منه.
وما هو موجود في النساء موجود في الرجال أيضاً، ولذلك تجد أناساً يتصدرون للدعوة بالوعظ، وما عرفوا إلا بالخطابة وترقيق القلوب، وفجأة أصبحوا يتكلمون في الأحكام، وفجأة أصبحوا يفتون، وفجأة أصبحت لهم أقوال، حتى إذا نزلت النازلة بُحِثَ عن رأيهم في المسألة، الله الله! رحم الله امرأً عرف قدر نفسه! ورد الأمر إلى أهله، وأنزل نفسه منزلتها اللائقة بها، فإذا كان واعظاً وقف عند وعظه، وزم نفسه بزمام التقوى، وجلس في مجالس العلم يتعلم ويضبط العلم حتى يصل إلى الدرجة التي يبوئه الله فيها مبوأ صدق، ولا يغشنَّ أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
من الغش أن يأتي الإنسان ويتصدر وليس عنده علم، ولم يأذن له العلماء بالفتوى، ولم يأذن له العلماء ببيان الأحكام، وهل تشتت الأمة وتفرقت إلا حينما لمع أقوام لا حظّ لهم في العلم، فأصبحوا يفتون، وأصبحوا يقعدون ويؤصلون، حتى شوشوا على أئمة العلم والهدى، فأصبح منارُ الحق ملبساً عليه بفتاوى عجيبة غريبة قل أن تجد الناس تصل إلى عالم يوثق بدينه وعلمه من كثرة من يفتي، فتجد الفتوى على لسان كل أحد، والأعجب من هذا أنك تجد مثل هذا في الرجال والنساء على حد سواء، فالمرأة تقول: هذا في رأيي ما فيه شيء، والرجل يقول: هذا في رأيي ما فيه شيء، متى كان الرأي حكماً في دين الله وشرعه؟ متى كان الرأي يفتى به في الحلال والحرام؟ والله عز وجل يقول: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:23] فالذي يريد الهدى من ربه، فليتبع كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، والمرأة الداعية تزم نفسها بزمام التقوى، فإذا سئلت عن شيءٍ لا تعلمه قالت: الله أعلم، أو قامت بسؤال العلماء ونقل المسألة إلى العلماء، لكي يفتوها ويعلموها ويرشدوها ويدلوها، كي تدل أخواتها على الخير، وجماع الخير كله في تقوى الله عز وجل، فمن اتقى الله علَّمه، ومن اتقى الله فهمه، ومن اتقى الله جعل له فرقاناً يفرق به بين الحق والباطل، وجعل له نوراً يمشي به، وصراطاً يهتدي به إلى لقاء ربه، حتى يلقى الله غير مبدل ولا مفتون ولا مفتون به.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم! أن يجعلنا ذلك الرجل، وأن يوفقنا لهذه النعمة الكريمة، وفي الختام تعلمون ما أصاب إخوانكم في فلسطين وهم أشد ما يكونون حاجة إليكم بعد الله عز وجل، وللمسلم على أخيه المسلم حقوق ينبغي عليه أن يحفظها ولا يضيعها، والمسلم إذا أصابته النكبة فينبغي على أخيه المسلم أن يقف معه، وأن يناصره ويؤازره بكل ما تعنيه هذه الكلمة، وأقل ما يكون -وليس بالقليل- كثرة الدعاء لهم، والابتهال لله سبحانه وتعالى، فكم من كفٍ صادقة من قلبٍ صادق كَبَتَ الله بها عدوه! وكم من كفٍ صادقة من رجلٍ مؤمن صادقٍ مع الله عز وجل رفع الله دعوته! وأعلى بها منزلته! فكونوا صادقين في الدعاء لإخوانكم، وتذكروا ما يعانونه من الظلم ومن الاضطهاد، ومن الأذية والبلاء مما لا يشتكى إلا إلى الله جل وعلا، فاجتهدوا في الدعاء لهم ومناصرتهم ومؤازرتهم بالماديات والمعنويات على قدر الاستطاعة، وتذكير المسلمين بذلك.
فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ينصر إخواننا في فلسطين، اللهم! ثبت أقدامهم، اللهم! ثبت أقدامهم، اللهم! ثبت أقدامهم، اللهم! أصلح أحوالهم، اللهم! نور قلوبهم، اللهم! أنزل عليهم السكينة والثبات، اللهم! أنزل عليهم السكينة والثبات، اللهم! اجمع شملهم، اللهم! وحد صفوفهم، اللهم! سدد آراءهم، اللهم! صوب آراءهم، اللهم! سدد سهامهم، اللهم! صوب آراءهم.
اللهم! عليك بأعدائك أعداء الدين، اللهم! عليك باليهود فإنهم طغوا وضلوا، وأشركوا وأفسدوا وأرجفوا، اللهم! أنت الله لا إله إلا أنت يا من يسمع الدعاء ويكشف البلاء فاطر الأرض والسماء، اللهم! إنا نستغيث بك لا إله إلا أنت لإخواننا، اللهم! عليك باليهود ومن شايعهم، اللهم! شتت شملهم، اللهم! فرق جمعهم، اللهم! صدع بنيانهم، اللهم! زلزل عروشهم، اللهم! فرق جمعهم، أنزل بهم لعنتك، اللهم! اسلبهم عافيتك، اللهم! اسلبهم عافيتك، واشدد عليهم وطأتك، وأنزل بهم رجسك ولعنتك إله الحق لا إله إلا أنت، اللهم! اقصم ظهورهم، وشتت أمورهم، اللهم! اقصم ظهورهم، اللهم! اجعل أمرهم إلى سفال، وعاقبتهم إلى خزيٍ ووبال، يا ذا العزة والجلال! يا كبير يا متعال! اللهم! أنت الله لا إله إلا أنت نسألك بعزتك وق

شرح زاد المستقنع -

باب العاقلة وما تحمله [1]

إن من رحمة الله بعباده أن فرض على العاقلة التي هي عصبة الإنسان وقرابته أن تتحمل الدية عنه في قتل الخطأ، ولقد كانت العاقلة موجودة في الجاهلية، وأقرها الإسلام؛ لما فيها من الألفة والتكاتف والترابط والمحبة بين الأقرباء بعضهم بعضاً.
وللعاقلة ثلاث جهات: جهة النسب، وجهة الولاء، وجهة الحلف.
وللعاقلة أحكام كثيرة منها: الاكتفاء بالأقربين حال الغنى واليسار، وعدم وجوب العقل على غير المكلف ولا الرقيق ولا المرأة، ولا مع اختلاف الملة وغير ذلك من الأحكام.

حقيقة العاقلة وما يجب عليها وجهاتها

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
فقال رحمه الله تعالى: [باب العاقلة وما تحمله] العاقلة من العقل، والعقل في لغة العرب: الحبس والمنع، يقال: عقل البعير إذا ربطه ومنعه من السير، وسمي العقل عقلاً؛ لأنه يعقل صاحبه، بمعنى: يمنعه عما لا يليق من سفاسف الأمور، والمراد بالعاقلة هنا في اللغة والاصطلاح شيء واحد: وهو العصبة، والعصبة سميت عصبة من العصابة، والمراد بهم قرابة الإنسان المتعصبون بأنفسهم، كإخوانه وبني إخوانه من جهة الأشقاء أو لأب، وكذلك أيضاً بنو العمومة كأعمامه وبني أعمامه وبني بني أعمامه وإن نزلوا من جهة الأب والأشقاء، هؤلاء كلهم قرابة الإنسان، يوصفون بكونهم عصبة كما تقدم معنا في العبادات والمعاملات أكثر من مرة، وصفوا بذلك لأنهم كالعصابة تحيط بالرأس وهم يحيطون بالقريب، فإذا نزلت به نازلة أو ألمت به مصيبة -لا قدر الله- فهم الذين يتعصبون له ويحيطون به، هؤلاء يوصفون بكونهم عاقلة؛ لأنهم يعقلون قريبهم، بمعنى: يحيطون به فيمنعونه من الأعداء إذا أرادوه بسوء؛ ولأنهم إذا وجدت الدية أخذوا الإبل فعقلوها عند باب المجني عليه؛ لأنهم هم القرابة الذين يذهبون؛ ولأنهم يعقلون بمعنى: يتحملون الدية، يقال: عقلت الدية أي: تحملتها، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (ثم أنتم يا خزاعة! قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا عاقله) يعني: دافع ديته، فهذه كلها أوجه في سبب تسميه العاقلة بهذا الاسم.
المراد بالعاقلة: تشريع إسلامي كان موجوداً في الجاهلية، حيث كانوا في الجاهلية تتحمل قرابة الإنسان الدية وتدفعها عن قريبهم، وأقر الإسلام هذا العمل الذي كان موجوداً في الجاهلية، وهذبه وقومه، وجاءت شروط شرعية أحق الله بها الحق وأبطل بها الباطل، وبناءً على ذلك لو أن شخصاً أخطأ فقتل شخصاً خطأً ووجبت عليه الدية، فقرابته وعصبته يدفعون هذه الدية ويتحملونها عنه، وهكذا لو أنه صدم شخصاً بسيارته خطأً فوجبت عليه نصف الدية، فقرابته هؤلاء من العصبة يدفعون نصف الدية، فهم يتحملون عنه هذه الحمالة، وهذا قضاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث الذي في الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام، أنه قضى بالدية على عاقلة المرأة من هذيل، وذلك حينما اختصمت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، فقضى عليه الصلاة والسلام بديتها على عاقلتها.

الجهة الأولى: جهة الحلف

في قصة قتيل هذيل الذي قتلته خزاعة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تحمله من باب الحلف؛ لأنه بين أجداد النبي صلى الله عليه وسلم وخزاعة حلفاً في الجاهلية، وخزاعة أحلاف لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية والإسلام، ولذلك كما تعلمون في صلح الحديبية أن من أسباب نقض هذا الصلح من قريش إغارة حلفائهم على حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم من خزاعة، حتى قال قائل خزاعة: اللهم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا فناشده بالحلف الذي كان موجوداً واستمر وبقي بعد الإسلام، ويدل هذا على مشروعية العاقلة بالأحلاف بين القبائل، فإذا وقع الحلف بين القبيلة والقبيلة على المناصرة والمؤازرة والتحمل، فإن هذا له أصل في الإسلام، ومحمول على ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه أبقى حلف آبائه وأجداده مع خزاعة، مع أنه حلف مع القبيلة، فإذا وقعت المناصرة بين قبيلة وقبيلة وبينهم حلف، فإن هذا الحلف تجب به المناصرة، وتتحمل به القبيلة عن القبيلة الأخرى إذا حصلت دماء، وحصلت ديات كثيرة لم تستطع القبيلة الأولى أن تتحملها، فإنها تنتقل إلى القبيلة الثانية بالحلف.
والعاقلة في الأصل كما سيبين المصنف رحمه الله: من جهة النسب ومن جهة الولاء، ويلتحق بذلك حلف القبائل -كما ذكرنا- لثبوت السنة به، وقد حمل بعض العلماء قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء:33] على أن المراد به التعاقد باليمين، والحلف على النصرة بين القبائل بعضها مع بعض، وأما إذا انتقل شخص من قبيلته إلى قبيلة أخرى؛ بسبب دم أو فرار من حق فهذا لا حلف فيه على قول طائفة من العلماء، ولا يحصل به العقل، كما قرره غير واحد من الأئمة رحمهم الله، وبينوا: أن المراد به الأحلاف الظاهرة، والحلف إذا كان على الوجه الذي ذكرناه، وكان على أمور شرعية لا جاهلية فيها فإنه مشروع؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث: (شهدت بدار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أُحب أن لي به حُمر النعم ولو دُعيت لمثله في الإسلام لأجبت) وهذا الحلف: هو حلف الفضول، وحلف الفضول وقع في دار عبد الله بن جدعان في أنهم يناصرون المظلوم، ويعينون المحروم، وأنهم يعينون الحاج والمنقطع، ونحو ذلك من الأمور التي لا تخالف شرع الله عز وجل.
قوله: (باب العاقلة وما تحمله) هذا الباب في الحقيقة هو من عدل الله عز وجل، وهو باب عظيم، عدلت فيه الشريعة بين الناس، وجعلت العقل على قرابة الإنسان؛ لأن الذي يرث الإنسان هم قرابته، فكما أنهم يأخذون الإرث ويغنمون، كذلك يتحملون الخسارة، ومن يعترض على الإسلام أنه أعطى الذكر مثل حظ الأنثيين أخطأ في فهم الإسلام؛ لأن الإسلام في الأصل جعل الذكر يتحمل ويعقل ويغرم، وفي النفقة يتحمل النفقة والأنثى لا تتحمل هذه التبعات، ولذلك في نظام العاقلة في الإسلام لا تتحمل الأنثى، كما سيأتي إن شاء الله تفصيله؛ لأن العقل للقرابة بالنسبة للعصبة المتعصبين بأنفسهم، وهذا من أقوى الأمور التي تدمغ بها هذه الشبهات.
والإسلام ربط بين الغنم والغرم، والقاعدة تقول: إن الغرم بالغنم والغنم بالغرم، وهو معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنن: (الخراج بالضمان).
فالمصنف في هذا الموضع سيذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بعقل الديات.

الجهة الثانية: جهة العصبة من النسب

قال رحمه الله: [عاقلة الإنسان عصبته كلهم من النسب] قوله: (عاقلة الإنسان عصبته كلهم) أي: أن عاقلة الإنسان إذا جنى جناية هم عصبته، لو أنه قاد سيارة ودهس شخصاً، أو كان معه في السيارة أربعة أشخاص وماتوا، وكان متسبباً في موتهم، فعليه أربع ديات، من الذين يتحملون هذه الديات؟ هم العاقلة، وهم عصبته كلهم، العصبة هي الأقرب فالأقرب.
وعصبة الإنسان هم عمود النسب: أولاً: آباؤه وإن علوا، أبيه وأبو أبوه الذي هو جده من جهة الذكور متمحضاً بالذكور دون الإناث.
ثانياً: أولاده الذكور وفروعه من الذكور: أبناؤه وأبناءُ أبنائه وإن نزلوا، فالإناث لا يدخلون في هذا التعصيب.
ثالثاً: فروع أبيه كإخوانه الأشقاء، ومن شاركه في والده وهم الأخوة لأب دون الأم، فالأخ لأم ليس من العصبة ولا يتحمل.
ثم رابعاً: ننظر إلى من شاركه في جده الذين هو أصل أبيه، وهم أعمامه الأشقاء، وأعمامه لأب، وأبناؤهم.
خامساً: ننظر من شارك أبا الجد، ثم من شارك جد الجد، ننظر في هؤلاء الأقرباء، إن كان عندهم قدرة وعندهم مال، واستطاعوا أن يدفعوا خمسين ألفاً التي هي نصف الدية، أو مائة ألف فلا إشكال، حينئذٍ نكتفي بالأقرباء، الأقرب فالأقرب، فإذا كانوا فقراء وضعفاء وفيهم من لا يتحمل، وظروفهم لا تساعد ننتقل إلى الأبعد فالأبعد، حتى نصل إلى جميع العشيرة، يعني: ينظر إلى الأقرب، ثم إلى العشيرة، ثم إلى القبيلة بكاملها فيتقسم عليها، فلو كانت القبيلة قليلة العدد، قليلة المال، ولا تستطيع، ولها حلف مع قبيلة أخرى، انتقلت العصبة إلى القبيلة الأخرى كما ذكرنا في العقل بالأحلاف.
هذا بالنسبة لجهة النسب والقرابة، وقد بينّا تعريف النسب والقرابة وقلنا: ما سمي بذلك إلا لأن الإنسان ينسب، بمعنى: يضاف؛ لأن النسب أصله الإضافة، وسمي القريب بهذا الاسم؛ لأنه يضاف إلى قريبه.

الجهة الثالثة: جهة الولاء

قال رحمه الله: [والولاء] الولاء: نعمة المعتق على العتيق، وهناك مولى أعلى ومولى أسفل: المولى الأعلى: هو نفس المعتق، والمولى الأسفل العتيق، فإذا أعتق المولى صار بينه وبينه ولاء، ونحن بيّنا أن الرق ليس مختصاً بلون ولا بجنس ولا بطائفة، وإنما هو راجع إلى الكفر، فإذا ضرب الرق بهذا السبب وأعتق شخص مولىً له صار هذا العتق موجباً للولاء، حتى ولو أعتقه في كفارة واجبة، فإذا ثبت الولاء، ففائدته: أن هذا الرقيق لو توفي يرثه موالاه عند انعدام الورثة، مثلاً: لو فرضنا أنه أخذ عبداً من الروم، ثم أسلم هذا العبد وأعتقه سيده في كفارة أو أعتقه نافلة، فلما أعتقه قام هذا المعتق وباع واشترى فأصبح ذا مال كثير، فلما توفي نظرنا إلى قرابته لم نجد له قريباً يرثه، وليس عنده أولاد ولا إخوان ولا قرابة ولا زوجة، أو عنده زوجة وفاض المال، من الذي يرثه إذا انقطع من جهة النسب؟ الميراث ينتقل إلى الولاء، فالولاء سبب من أسباب الميراث، كما أن السيد يأخذ الولاء في حال الغنيمة، يتحمل أيضاً مع المولى الأسفل في حال الجناية، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: (الولاء لحمة كلحمة النسب) كما في الصحيح، وقال: (قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق) والنبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (نهى عن بيع الولاء وهبته)، فجعل هذه وصلة بين المعتِق والمعتَق، وفي هذه الحالة يتحمل بالولاء كما ذكرنا.

الاكتفاء بالأقربين في الدية حال الغنى واليسار

قال رحمه الله: [قريبهم وبعيدهم] قوله: (قريبهم وبعيدهم) نبدأ بالأقربين، إذا اكتفوا بهم، خاصة إذا كان فيهم غنى ويسار وتحملوا الدية، وقالوا: نحن نتحمل، فمثلاً: لو أن شخصاً لزمته دية في قتل الخطأ، وكان له، ثلاثة أعمام أشقاء، أو ثلاثة أعمام أشقاء ولأب، وهم أغنياء أثرياء فقسموا هذه الدية بينهم، وقالوا: نتحملها، سقطت عن الأبعد، ولزمت هؤلاء، لكن لو لم نكتف بالأعمام، فحينئذٍ ننتقل إلى بني الأعمام وبني بني الأعمام، وإذا كان الأعمام في درجة الجد، فإنه ينتقل إلى أعمام الأب وأعمام الجد وأعمام جد الجد وبنيهم، يعني: لو كان لهم نسل وذرية، فهؤلاء كلهم قريبهم وبعيدهم يستوون في فرض العقل.
وهذا من نعم الله عز وجل على المسلمين، وما كانت تعجزهم هذه الحقوق، ثم انظر رحمك الله! إذا أعان القريب قريبه في حال الخطأ كيف تجتمع القلوب! وكيف تتآلف وتتكاتف وتتعاطف! ويحصل بينها المحبة والتواصل! وهذا مقصود الإسلام: أنه يحرص على ربط الناس بعضهم ببعض، فكيف إذا كانوا أقرباء؟! فلو أن إنساناً مثلاً: يقود سيارته ومعه أشخاص وحصل له حادث وتوفي هؤلاء الأشخاص، ثم جاء أقرباؤه وتحملوا الديات، كيف يكون أثرها في نفس هذا الشخص؟ وكيف يحب جماعته وقرابته ويتصل بهم؟ إذاً الإسلام يقوي هذه الوشائج، ويقوي هذه الصلات، ويذكر القريب بحق قريبه عليه، ولا شك أن في هذا خيراً كثيراً، مع أن فيه تحملاً للمسئولية وتحملاً للضرر؛ لكنه يحدث شيئاً من المحبة والترابط بين أفراد المجتمع، ناهيك عن القرابة الذين هم أولى وأحق من يكون بينهم ذلك.

وجوب الدية على الحاضر والغائب من الأقرباء

قال رحمه الله: [حاضرهم وغائبهم] (حاضرهم وغائبهم) الأقرباء فيهم الذي يكون في نفس المدينة، وفيهم الذي يكون في مدينة أخرى، وفيهم الذي يكون في الحضر، وفيهم الذي يكون في البادية، فبعض العلماء يرى: أنه إذا كان الغائب غائباً بعيداً فإنه ينظر إلى الأقرباء الحاضرين ولا ينظر إلى الأقرباء البعيدين، وتفرض الدية مقسمة على الأقرباء الحاضرين.
ومن أهل العلم من قال: إن الأقارب لو كانوا في بلد بعيد، فعلى قاضي البلد الذي فيه الجناية أن يكتب إلى قاضي البلد الذي فيه البعيد ويلزمه، والحقيقة من حيث الأصل هذا أقوى؛ لأن العبرة بوجود الموجب للتحمل والمسئولية، وهذا موجود من جهة القرابة، فيستوي قريبهم وبعيدهم، وهذا هو الذي اختاره المصنف رحمه الله.

حكم دخول الجاني في تحمل الدية

اختلف العلماء رحمهم الله في أخذ الدية من القاتل نفسه، لو أن شخصاً قاد سيارة، وحدث له حادث وتحمل فيه ثلاثَ دياتِ، هل الدية يدفع هو فيها أم أنها تكون على العاقلة فقط؟ وجهان لأهل العلم: الوجه الأول: من أهل العلم من قال: العاقلة هي التي تحمل والقاتل لا يتحمل شيئاً، وهذا له نظائر في الشريعة، ويقولون: إن العاقلة ترثه، وتأخذ الميراث من تعصبهم بأنفسهم، كما ذكرنا في القرابة من جهة الآباء والأصول، فقالوا: في هذه الحالة يتحملون، واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث في الصحيحين: (قضى بديتها على عاقلتها) ما قال: عليها وعلى عاقلتها، قالوا: فخص الدية بالعاقلة، وفي الحديث الآخر: (فقضى بديته على عاقلته) وقال: (ثم أنتم يا خزاعة! قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله) فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه أنه يعقل، ما قال: إن على القاتل أو على قرابة القاتل أو في مال القاتل شيئاً من العقل.
والوجه الثاني: أن يتحمل القاتل جزءاً على قدر غناه ويسره، كما سيأتي إن شاء الله، فإن كان القاتل ما عنده مال فإنه ينتقل إلى أقربائه.
وفي الحقيقة القول الأول قوي جداً من جهة النص.
قال: [حتى عمودي النسب] في المسألة الأولى: إذا أثبتنا أن القاتل لا يتحمل بناءً على ظاهر الحديث، في هذه الحالة اختلف العلماء في عمودي النسب أصوله وفروعه، قالوا: إذا امتنع فإن عليه أن يدفع فأصله آخذ حكمه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما فاطمة بضعة مني) فالولد قطعة من والده، وإذا كان الفرع لا يلزمه فالأصل من باب أولى وأحرى؛ لأنه أصله، ولأنه لم يجن الجناية، قالوا: فتسقط عنه، والفرع كذلك؛ لأنه بضعة من القاتل، والأصل كذلك؛ لأن القاتل بضعة منه.
فقوله: (حتى عمودي النسب) يرد على هذا القول، ويرى بعض العلماء: أن الحكم مختص بالقاتل فقط؛ لأن الأصل أنهم يتحملون، وسقطت عن القاتل الدية على الذي ذكرناه، فيضعف جريان القياس أو جريان الأصل من هذا الوجه.

الأصناف التي لا يجب عليها العقل

عدم وجوب العقل على الرقيق

قال رحمه الله: [ولا عقل على رقيق] قوله: (ولا عقل على رقيق)؛ لأنه لا يملك المال، وملكيته ضعيفة، والدليل على ذلك: حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) فأخلى يد العبد عن الملكية.

عدم وجوب العقل على غير المكلف

قال رحمه الله: [وغير مكلف] قوله: (وغير مكلف) الذي هو الصبي والمجنون، فلو أن قرابته كان فيهم صبيان، كما لو كان لو كان ابن عمه صبياً دون البلوغ، وعنده مال، أو كأن يكون يتيماً وورث عن أبيه مالاً، فإننا لا نوجب في ماله عقلاً؛ لأن العاقلة لا تثبت في غير المكلف، قالوا: لأن الأصل في العاقلة المعاضدة والنصرة، فكما أنه ينصره إذا أخطأ، كذلك يتحمل هو خطأه، الآن هذا الولد لو أنه بالغ وحصل له نفس الخطأ تحمل قريبه، والعكس مادام وقع لقريبه فإنه يتحمل، لكن حينما يكون قاصراً ودون البلوغ ولا يستطيع النصرة ولا يستطيع المعاضدة، وبناءً على ذلك قالوا: إنه لا عليه، وهذا الحق سقط عنه بناءً على الحديث الذي ذكرناه، وقالوا: إن غير المكلف من صبي ومجنون لا عقل عليهما؛ وذلك لسقوط المعاضدة والمناصرة منهما.

عدم وجوب العقل على الفقير

قال رحمه الله: [ولا فقير] قوله: (ولا فقير)؛ لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286] فلو كان بنو أعمامه كلهم فقراء فإنه يُنتقل إلى بني أعمام الأب، وإذا كان بنو أعمام الأب كذلك فإنه ينتقل إلى بني أعمام الجد، يعني: يُنتقل إلى الأقرب فالأقرب على حسب اليسار والغنى، ولا تجب على فقير، فالفقير لا يستطيع أن يعول نفسه فكيف يعول غيره؟ ولذلك قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286] والإجماع على أن الفقير لا يجب عليه العقل.

عدم وجوب العقل على الأنثى

قال رحمه الله: [ولا أنثى] قوله: (ولا أنثى) لقد ذكرنا أن هذا مختص بالذكور دون الإناث، ولذلك الذكر عليه النفقة وله الميراث بالعصبة، ولذلك لو انفرد هذا الذكر لأخذ مال قريبه كله بالتعصيب، وانظر كيف يكون التفريق في الشرع بين الذكر والأنثى، في الميراث وفي المؤاخذة، ومن هنا جاء العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، والأنثى لا تناصر ولا تعاضد؛ لأن الأنثى ليست من أهل النصرة والمعاضدة، ولذلك سقط الجهاد عن النساء، ومن هنا قالوا: إن الأنثى لا تتحمَّل ولا تعقل.

الأحوال التي لا يجب فيها العقل على العاقلة

عدم وجوب العقل على من خالفت ملته ملة الجاني

قال رحمه الله: [ولا مخالف لدين الجاني] قوله: (ولا مخالف لدين الجاني)؛ لأنه ينقطع إذا كان على ملة غير ملة الجاني، فليس بينهما الأصل الموجب للمعاضدة والمناصرة في الدين والشرع؛ لأن العاقلة فيها المناصرة والمعاضدة بالطبع، والمناصرة والمعاضدة بالشرع، فإذا وجد ما يمنع المناصرة والمعاضدة بالطبع امتنع، وإذا وجد ما يمنع المعاضدة والمناصرة بالشرع امتنع، ومن هنا لا يقضي القاضي على قريبين من ملتين مختلفتين، وصورة هذه المسألة: كانوا في القديم -هذا بالنسبة لأهل الكتاب- إذا كانوا تحت حكم المسلمين وحكم القاضي بينهم في العقل بشريعتنا، فإن القاضي يحكم بالعاقلة، فإذا كان هناك قريب من العاقلة على ملة غير ملة الجاني لم يحمل، ولا يقضي القاضي بحمالته، فلا يقضى بين ملتين مختلفتين، ومن باب أولى بين المسلمين والكفار.
ولذلك قطع الله التوارث بين المسلم والكافر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح، حينما قال له أسامة بن زيد -حبه وابن حبه رضي الله عنه وعن أبيه-: (أين تنزل غداً؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ -ثم قال عليه الصلاة والسلام-: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، منزلنا بخيف كنانة حيث تقاسموا على الكفر)، فالشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع التوارث بين المسلم والكافر.

عدم وجوب العقل على العاقلة في العمد المحض

قال رحمه الله: [ولا تحمل العاقلة عمداً محضاً] قوله: (ولا تحمل العاقلة عمداً محضاً) بعد أن بين حقيقة العاقلة، ومن هم العاقلة، ومن الذي يُدخل في العاقلة، ومن الذي لا يدخل، شرع رحمه الله في الموجبات للعقل، وهو الخطأ دون العمد، لكن لو قتل -والعياذ بالله- عمداً فالعاقلة لا تحمل الدية، لو قال أولياء المقتول: نريد الدية، فقال القاتل لعاقلته: ادفعوا الدية، نقول: لا تلزم العاقلة الديةُ، إذا كان عمداً محضاً.

عدم وجوب العقل على العاقلة إذا جنى الرقيق

قال رحمه الله: [ولا عبداً] قوله: (ولا عبداً) كذلك لا تحمل العاقلة العقل إذا كان الجاني رقيقاً مملوكاً؛ لأن جنايته في قيمته.

عدم وجوب العقل على العاقلة في صلح الإنكار

قال رحمه الله: [ولا صلحاً] قوله: (ولا صلحاً) أي: لا تحمل العاقلة العقل في صلح الإنكار، وهذا تقدم معنا في مسألة الصلح، وبينَّا في مسائل الصلح أن الصلح يكون على الإقرار وعلى الإنكار، فخصه طائفة من العلماء على أن العاقلة لا تحمل في صلح الإنكار خاصة، وهذا الذي نفاه المصنف من عدم العقل في هذه الصورة، وأصله أثر ابن عباس الذي رواه البيهقي في سننه، وصحِح وقفه وضعف رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الزيلعي في المرفوع: إنه غريب، يعني: المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضعف بعض العلماء رحمهم الله إسنادَ المرفوع، لكن العمل عليه عند أهل العلم رحمهم الله.

عدم وجوب العقل على العاقلة في اعتراف لم تصدق به

قال رحمه الله: [ولا اعترافاً لم تصدقه به] لو اعترف بجناية وقال: أنا قتلت فلاناً خطأً، والعاقلة لا تصدقه بهذا، قالوا: إنه لا تحمل العاقلة هذا الاعتراف الذي تنكره، إذا كان لإنكارها وجه؛ لأنه قد يتواطأ هذا الشخص مع أولياء المقتول، في أنه يضغط على جماعته وقرابته وقبيلته، ثم يقتسم ذلك بينه وبين من يدعي زوراً وكذباً أنه اعتدى على صاحبهم أو سفك دمه، وهذا من باب سد الذرائع.

أقوال العلماء في القدر الذي تحمله العاقلة

قال رحمه الله: [ولا ما دون الدية التامة] قوله: (ولا ما دون الدية التامة) اختلف العلماء رحمهم الله في مسألة القدر الذي تحمله العاقلة، بعض العلماء يقول: العاقلة تحمل القليل والكثير في الضمانات التي ذكرناها، ولا يتقيد هذا لا بالثلث ولا بنصف العشر من الدية، ولا بما يعادل الغرة، ومن أهل العلم من حده بالغرة كـ أبي حنيفة رحمه الله، ومنهم من حده بالثلث كما هو مذهب الحنابلة، والمالكية عندهم وجه في ذلك رحمة الله على الجميع، وفي الحقيقة عندهم نظر في الأدلة قد يقوى حمل القليل والكثير؛ لأن التحديد بالثلث مبني على النظر، والأصل في الحمالة بأسبابها وموجباتها أنه يتحمل جناية غيره، سواءً كانت قليلة أو كثيرة.

الأسئلة

حكم الانتقال من القريب إلى البعيد في العقل مع الاستطاعة

السؤال

هل الانتقال من القريب إلى البعيد توقيفي، أم أننا نلزم القبيلة بالدفع والمشاركة، علماً بأن أقرباء الجاني يستطيعون تغطية الديات، أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فعلى القاضي أن ينظر في قرابة الشخص ويفرض عليهم على حسب غناهم ويسرهم، فهناك الغني، وهناك المتوسط، فإذا اجتزأ بالأقرباء القريبين من الشخص فإن له ذلك، ولا ينتقل للأبعد، فهي تختص بالأقرب فالأقرب، فإذا سدوا لم ينتقل إلى الأبعد، والله تعالى أعلم.

حكم جمع المال للنوازل وحكم زكاته

السؤال

عندنا في القبيلة يلزم كل بالغ بدفع مبلغ معين، وأحياناً تتكدس الأموال المجموعة لغرض العقل، فهل في هذه الأموال زكاة، أثابكم الله؟

الجواب

بالنسبة لصندوق القبيلة، ينبغي أن يعُلم أنه لا يُحكم بخروج المال من ذمتي أنا الدافع إلا إذا وصل لمستحقه، فمن هنا نقول: إن الأصل أن المال لمن دفع، وإذا كان لمن دفع فلا نحكم بانتقال يده؛ بدليل أنه لو مات لوجب رده إلى ورثته شرعاً، لو قالت القبيلة: ما نرده، نقول: هذا حكم خلاف شرع الله عز وجل، الأصل أنه يرد إلى صاحبه؛ لأنه دُفع من أجل الطارئ، وما دُفع لسبب يتقيد بذلك السبب، وإذا مات الشخص ولم يُدفع ذلك المال فإنه يرد إلى قرابته وورثته، هذا مال يجب أن ينظر إلى سبب الدفع فيه، فإذا كان الذي دفعه على أنه للنوازل والعوارض، وإذا لم توجد هذه النوازل والعوارض، فهو في ملكيته حتى تحدث هذه النوازل والعوارض، إذا ثبت هذا فعليه زكاته، وإذا مات فإنه يرد إلى ورثته ولهم النظر في ذلك المال.
بعض العلماء يقول: هذا المال أصبح لا مالك له، وإذا كان لا مالك له فإنه لا تجب فيه الزكاة، وهذا محل نظر، أولاً: إذا اختلف عندنا قولان نرجع إلى الأصل، هل الأصل في هذا المال أنه مملوك لدافعه أو لغيره؟ وهل الذي دفعه لسبب خرج عن يده؟ كأن يقول: إذا حدث حادث، فاخصموا منه قسمي أو نصيبي من العقل، فلو قال قائل: إن هذا مدفوع ومفروض على أفراد القبيلة، من أجل إذا طرأ طارئ، بغض النظر عن العاقلة أو غيرها، نقول: إن هذا الأصل ينبغي أن ينُظر فيه؛ لأن إلزام الناس بالدفع في غير ما ألزمت به الشريعة يحتاج إلى نظر، ولا يُحرج الناس ولا يؤخذ المال بسيف الحياء، وأموال الناس لها حرمة كحرمة الدماء.
ومن هنا نقول: إن هذا المال ملك لمن دفع، حتى يدل الدليل على أنه خرج عن ملكيته، فلو قال قائل: إنه تصدق به، قلنا: لم يصل إلى يد المتصدق عليه، فأصبح شيخ القبيلة وكيلاً بدفعه للمحتاج، ومن دفع صدقة إلى شخص من أجل أن يعطيها إلى محتاج ولم يعطها، فالوكيل منزل منزلة الأصيل، ولا زالت يده يد أمانة، والمال واجب زكاته، فلو أعطيت رجلاً مائة ألف ليتصدق بها على الفقراء، وحبسها حتى حال عليها الحول وجبت زكاتها إجماعاً؛ لأنها لم تصل إلى مستحقيها، ولم تخلُ يدك من الموجب للزكاة إلا بعد أن يستلمها المسكين والمحتاج، فإذا كانت الأموال دفعت بسبب، والسبب لم يقع ولم يحدث، فلا زالت في ملك أهلها، ويجب ردها إلى أهلها إذا طلبوا ذلك المال، أو حدث أن توفي الشخص حينئذٍ يُرجع المال إلى ورثته، وينظر في قول الورثة، ويجري عليها حكم التصدق بالثلث، على الأصل المعروف في الشرع إذا قصد بها الصدقة، وأما إذا قصد بها العقل فلا إشكال أنها ترجع إلى الورثة، ثم ننظر في عقل الورثة إذا نزل الموجب للعقل، والله تعالى أعلم.

حكم تحمل الدية عن الفاسق

السؤال

إذا كان القول الصحيح: أن العاقلة تتحمل الدية ولا يتحملها القاتل المتسبب في الحادث، فهل إذا كان هذا القاتل معروفاً عنه عدم المبالاة وعدم الاستقامة؟ فهل يدفع عنه أيضاً، أثابكم الله؟

الجواب

تحمل العاقلة يستوي فيها البر والفاجر، يعني: لو كان هذا السائق فاسقاً يشرب الخمر أو يزني -والعياذ بالله- فهذا حق من حقوقه، فلو أنه توفي لَوَرِثْتَه سواءً كان براً أو فاجراً، ما دام أنه مسلم ولم يخرجه فسقه عن الإسلام، فالشاهد: لا ينُظر فيه إلى كونه فاسقاً أو صالحاً، هذا لا عبرة به، العبرة بكونه قريباً له حق القرابة، وما بينه وبين الله من الأخطاء والذنوب هذا شيء بين العبد وربه وليس بيننا وبينه، فنحن لسنا مكلفين بهذا الأمر.
إذاً يستوي في ذلك برهم وفاجرهم، وعليه فيعقل عن الفاسق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل، ولم يقل: على عاقلتها إن كانت تقية، ولم يقل: على عاقلتها إن كانت صالحة، هذا حكم عام في الشرع، له سبب وهو القرابة، ومن ذلك يبقى الحكم على هذا الأصل، والله تعالى أعلم.

التوفيق بين قوله: (ولا تبطلوا أعمالكم) وقوله: (المتطوع أمير نفسه)

السؤال

كيف نوفق بين قوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:33] وبين قوله صلى الله عليه وسلم: (المتطوع أمير نفسه)، أثابكم الله؟

الجواب

لا تعارض بين عام وخاص، فقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:33] عام وقوله عليه الصلاة والسلام: (المتطوع أمير نفسه) خاص، فلا تبطلوا أعمالكم عام، يشمل الفرائض والنوافل، ويشمل جميع الأعمال الصالحة، سواءً كانت في الفريضة: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:33] فإذا كبرت لصلاة الفريضة فعليك أن تتمها، وإذا ابتدأت صوم الفرض فعليك أن تتمه، وإذا حججت فعليك أن تتم الحج، وإذا اعتمرت فعليك أن تتم العمرة، ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:33] هذا في الفرائض.
أيضاً قوله سبحانه: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:33] في النوافل، فلو أن شخصاً تطوع بصلاة، فإنه لا يقطعها إلا إذا طرأ له طارئ، أو رخص له الشرع بالقطع.
لقد نهانا الله عز وجل أن نبطل أعمالنا؛ لأن إبطال الأعمال فيه مخالفة للشرع إذا كان العمل واجباً، فمن قطع صلاته وهو يصلي الظهر بدون سبب فإنه آثم شرعاً؛ لأن الله أمره بإتمام صلاته وأداء حقه سبحانه، ومن أفطر في رمضان من دون عذر فإنه آثم شرعاً، ولم يقضه صيام الدهر ولو صامه، ومن جاء في حج فجامع زوجته قبل الوقوف بعرفة فقد أفسد حجه وأبطله، وهكذا لو جاء في عمرة فجامع قبل الطواف بالبيت فإنه قد أفسد عمرته، هذا كله منهي عنه شرعاً في الفرائض وفي النوافل.
فجاء النص في النافلة: (المتطوع أمير نفسه) في مسألة الصوم، فمن صام الإثنين ثم رأى من المصلحة أن يفطر، إما جبراً لخاطر قريب، أو دُعي إلى وليمة، أو أمره والده أو والدته أن يفطر فهذا خاص، قال صلى الله عليه وسلم: (المتطوع أمير نفسه)؛ لأنه ألزم نفسه ما لم يلزمه الشرع، فوسع الشرع في حقه أكثر من غيره، والقاعدة: لا تعارض بين عام وخاص، والله تعالى أعلم.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
بيان وحكم الجروح التي لا تقدير فيهاالحكومة في الجنايات التي لا تقدير فيهاشروط صحة الحكومة في الأمور التي لا تقدير فيهاالأسئلةإشكال في تعبير المؤلف بالبعير لا الإبل في الهاشمةالسؤالالجوابحكم طلب المجني عليه من الجاني تكاليف العلاجالسؤالالجوابالصحيح في تعريف الموضحةالسؤالالجوابحكم من فرط في قضاء الصوم حتى عجز عنهالسؤالالجوابجواز الرد على الخطيب عند خطئه في الآيةالسؤالالجوابحكم صلاة الليل جماعة في غير رمضانالسؤالالجوابكيفية تشميت من عطس أكثر من ثلاث مراتالسؤالالجوابنصيحة عامة لمن يتكرر منه الذنب بعد التوبة منهالسؤالالجواببيان فضيلة الجماعة الأولى والفرق بينها وبين الثانيةالسؤالالجوابحكم رفع اليدين في الدعاء ومسح الوجه والجسم بعدهالسؤالالجوابالمرأة المسلمة والدعوة إلى اللهالسؤالالجوابباب العاقلة وما تحمله [1]حقيقة العاقلة وما يجب عليها وجهاتهاالجهة الأولى: جهة الحلفالجهة الثانية: جهة العصبة من النسبالجهة الثالثة: جهة الولاءالاكتفاء بالأقربين في الدية حال الغنى واليساروجوب الدية على الحاضر والغائب من الأقرباءحكم دخول الجاني في تحمل الديةالأصناف التي لا يجب عليها العقلعدم وجوب العقل على الرقيقعدم وجوب العقل على غير المكلفعدم وجوب العقل على الفقيرعدم وجوب العقل على الأنثىالأحوال التي لا يجب فيها العقل على العاقلةعدم وجوب العقل على من خالفت ملته ملة الجانيعدم وجوب العقل على العاقلة في العمد المحضعدم وجوب العقل على العاقلة إذا جنى الرقيقعدم وجوب العقل على العاقلة في صلح الإنكارعدم وجوب العقل على العاقلة في اعتراف لم تصدق بهأقوال العلماء في القدر الذي تحمله العاقلةالأسئلةحكم الانتقال من القريب إلى البعيد في العقل مع الاستطاعةالسؤالالجوابحكم جمع المال للنوازل وحكم زكاتهالسؤالالجوابحكم تحمل الدية عن الفاسقالسؤالالجوابالتوفيق بين قوله: (ولا تبطلوا أعمالكم) وقوله: (المتطوع أمير نفسه)السؤالالجواب
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل