شرح زاد المستقنع للشنقيطيمقدمة كتاب الأيمان [2]
أهل الأثرالأرشيف العلمي

إن من تيسير الشرع على المكلفين أن جعل التخيير في كفارة اليمين لمن لزمته الكفارة، وهذا من فضل الله على عباده، كما جعل الرجوع في الأيمان إلى نية الحالف وقصده؛ لأن في الأيمان ما هو لغو يؤاخذ المرء عليه، ومنها ما هو يمين معقود يتحقق فيه لزوم الكفارة.

التخيير في كفارة اليمين بين خصال الكفارة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصل: يخير من لزمته كفارة يمين بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة] الواجب في الشريعة ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الواجب المضيق المرتب، الذي لا يجوز للمسلم أن ينتقل فيه بعد ترتيب الشرع إلى أمر لاحق؛ إلا بعد العجز عن الأمر السابق، كما في كفارة الظهار، وكفارة الجماع في نهار رمضان؛ فإن هذه واجبة لازمة على من ارتكب المحظور، ولكنه لا ينتقل إلى الخصلة الثانية التي رتبها الشرع على الأولى إلا بعد العجز عن الأولى، وهذا يسميه العلماء: بالواجب المرتب.
وقد نص ابن عباس رضي الله عنهما على أن ما ورد بثم، لا يجوز للمسلم أن ينتقل إلى الخصلة الثانية إلا بعد عجزه عن الخصلة الأولى.
فهذا واجب مرتب يجب على المسلم أن يلتزم ترتيب الشرع فيه.
القسم الثاني: الواجب المخير، وهو الذي وسع الشرع فيه على المكلف، فخيره بين خصلتين أو ثلاث أو أربع، إن فعل واحدة منها أجزأه.
وفي الحقيقة كفارة اليمين جمعت بين النوعين، ففيها الواجب المرتب، وفيها الواجب المخير، فخيّر الله عز وجل بين الإطعام والكسوة والعتق، ورتب ما بين هذه الثلاثة إذا عجز عنها أن ينتقل إلى الصيام.
وعلى هذا يكون الواجب في كفارة اليمين قد جمع بين الأمرين: الترتيب والتخيير، فبيّن المصنف رحمه الله: أن من لزمته كفارة -وقد قدمنا شروط الحنث، ومتى يحكم بكون الإنسان حانثاً في يمينه- فعليه الكفارة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أوجب الكفارة كما في آية المائدة: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:89] فهذه الآية أصل في كفارة اليمين، وقد نص الله عز وجل فيها على خصال الكفارة.
فبيّن رحمه الله الواجب الأول: وهو إطعام عشرة مساكين، وإطعام عشرة مساكين على وجهين عند العلماء: الوجه الأول: أن يطعم كل مسكين ربع صاع، كما في كفارة الظهار، من حديث سلمة بن صخر البياضي، حيث أطعم ستين مسكيناً خمسة عشر صاعاً، وهذا يقتضي أن يكون لكل مسكين ربع صاع.
الوجه الثاني: أن يطعم كل مسكين نصف صاع، كما في كفارة الفدية في النسك من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه الذي في الصحيح، وفيه أن من ارتكب المحظور من حلق رأس ونحو ذلك لزمته الفدية، وقد أمر الله عز وجل فيها بنصف صاع، فقالوا: هذا يدل على أن الإطعام يكون بنصف صاع.
والحقيقة أنه لو اقتصر الشخص على ربع صاع أجزأه، لكن الأحوط والأحسن له أن لا ينقص عن نصف صاع، هذه الصورة الأولى.
ثم يرد

السؤال

هل الكفارة في اليمين تمليك، أو يقصد منها مطلق الوقوع؟ بمعنى: أن الشخص يجب عليه أن يعطي المسكين الطعام، والمسكين يتصرف في الطعام كيف شاء، فهذا تمليك، وحينئذٍ لا يجوز أن يصنع الطعام ويدعو المسكين إليه؛ لأن التمليك يقتضي أن يكون المسكين حراً بين أن يأكله اليوم أو غداً أو بعد غد، فيملك هذا الذي ملّكه الله عز وجل إياه، وإن قلنا: إنها ليست بتمليك فيكون من حقه أن يطعمه، وأن يصنع الطعام ثم يدعو عشرة مساكين فيأكلون ذلك الطعام.
ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم أطعموا، كما في قصة أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وأيضاً الأصل يقتضي عموم الإطلاق، ولكن التمليك أحوط، والجمهور على أنه لو أطعم يجزيه.
وإطعام عشرة مساكين يستوي فيه أن يكونوا ذكوراً أو إناثاً، أي: تمحضوا بالذكور، أو تمحضوا بالإناث، أو جمعوا بين الذكور والإناث، ويستوي أن يكونوا كباراً أو صغاراً، فلو نظر إلى أسرة فيها عشرة أفراد أجزأه، ثم يرد السؤال: هل يشترط أن يكون الصغير بعد الفطام ليأكل أكل المفطوم، أم يكون رضيعاً فيشتري له ما يرتضع به كحليب ونحو ذلك؟ وجهان للعلماء: والصحيح: أنه يجزيه سواء كان قبل الفطام أو بعده؛ وذلك لإطلاق القرآن، ولكن الأحوط أن يبرئ ذمته على الوجه الذي لا شبهة فيه.
قوله: (أو كسوتهم) الكسوة فيها وجهان للعلماء: منهم من أطلق الكسوة، حتى لو ألبسه ثوباً يستر عورته أجزأه، والصحيح: أن الكسوة لابد فيها من أن تكون كسوة تصح بمثلها الصلاة، وعلى هذا لو كساه ثوباً شفافاً لم يجزه، ودليلنا على ذلك السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما، نساء كاسيات عاريات) فوصفهن بالكسوة، ولكن سلبهم هذا الوصف بالعري، وقد أمر الله بكسوة المسكين، فدل على أنها كسوة خالية من العري.
وعلى هذا لابد وأن تكون الكسوة التي تصح بها الصلاة في المرأة: الدرع والخمار، وفي الرجل: ما يستر به عورته، فلو أنه ستره بثوب غامق اللون يستر عورته، فيكون السروال والفنيلة فضلاً، ولو ستره بقميص وسروال أجزأه، ولو ستره بإزار ورداء كإزار الحج والعمرة وردائهما، فإنه يجزئه.
إذاً: بالنسبة للثياب يشترط فيها: أن لا تكون معيبة عيباً يقدح في وجود الكسوة فيها، فلو أنه كانت عنده ثياب يلبسها هو وكساها فيجزيه ذلك، ما دام أنها نظيفة صالحة للاستعمال، وهكذا بالنسبة للثياب التي كساها للصغار من المساكين، لو أخذ كسوة أولاده فكساهم إياها وهي صالحة للاستعمال أجزأه.
قوله: (أو عتق رقبة) يستوي أن تكون الرقبة صغيرة أو كبيرة، وقد بينا هذا وفصلناه في مسألة العتق في كفارات الظهار والجماع في نهار رمضان.
ولكن هنا هل يشترط إيمان الرقبة أو لا يشترط؟ الأقوى أنه يشترط إيمان الرقبة؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال -كما في صحيح مسلم من حديث معاوية بين الحكم رضي الله عنه-: (أعتقها فإنها مؤمنة) وذلك بعد أن سأل الجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء.
قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله.
قال: أعتقها فإنها مؤمنة) أي: أعتقها من أجل أنها مؤمنة.
فالرق ضُرب من أجل الكفر، فلا يعقل أن الشريعة تأمر بضرب الرق على الكفار المحاربين، ثم بكل سهولة يعتقون، إذاً ما هي الفائدة؟ وعلى هذا لابد وأن تكون الرقبة مؤمنة، فإن قوله صلى الله عليه وسلم: (أعتقها فإنها مؤمنة) جملة تعليلية، أي: لأنها مؤمنة، ولم يقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتق مباشرة، بل أمره أن يحضر الجارية، وسألها وامتحنها واختبرها صلى الله عليه وسلم وتكلف ذلك، فدل على أنه لا يجزئ أن يعتق كل رقبة.
قال بعض العلماء: يشترط عدم العيب في الرقبة إذا كان عيباً مخلاً يمنع العجز فإنه لا يصح ولا يجزئ، والصحيح أنه قد يجزئ، إلا إذا كان على وجه يريد به التخلص من الرقبة، فهذا أمر آخر.
[فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة] وقد نص القرآن على ذلك، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:89] وفي قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب، الأولى عند عبد الرزاق بسند صحيح، والأخرى عند ابن جرير وجود إسنادها غير واحد من العلماء: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وهذا أخذ منه الحنابلة وطائفة وجوب التتابع في صيام الكفارة في الأيمان، وهو الصحيح إن شاء الله.

حكم من لزمته أيمان متكررة قبل التكفير حال اتحاد موجبها أو اختلافه

قال رحمه الله: [ومن لزمته أيمان قبل التكفير موجبها واحد فعليه كفارة واحدة].
قوله: (ومن لزمته أيمان) يعني: متكررة عديدة، ويكون ذلك على صورتين: الصورة الأولى: أن يكون على شيء واحد، فمثلاً قال لفلان: والله ما تدخل البيت.
ثم قال له: سأدخل.
قال: والله ما تدخل.
قال: سأدخل، فهذه يلزمه كفارة واحدة.
الصورة الثانية: إذا كانت متعددة فكل واحدة منها يمين، وهذا مذهب جمهور العلماء رحمهم الله.
[وإن اختلف موجبها كظهار ويمين بالله لزماه ولم يتداخلا] أي: وهكذا إذا اختلفت أجناسها كظهار ويمين ونحو ذلك، فكل ذلك يحكم بكل مقسم عليه بيمين مختصة به، إذا حنث فيها يلزمه الكفارة لكل يمين.

شرح زاد المستقنع -

باب جامع الأيمان

من المسائل التي تواجه الناس في حياتهم اليومية مسائل الأيمان، لذا فلابد لهم من معرفة أحكام أيمانهم، وما يجب عليهم منها، وما لا يجب، وقد فصَّل العلماء في أحكام الأيمان تفصيلاً دقيقاً، فبينوا حكم نية الحالف، وسبب اليمين، وأحكام تعيين الشيء المحلوف عليه، وغير ذلك من الأحكام التي يكثر احتياج الناس إلى معرفتها؛ ليقوموا بحق الله عليهم فيها.

ما يرجع إليه في الأيمان

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد:

الرجوع إلى نية الحالف إذا احتملها اللفظ

فيقول المصنف رحمه الله: [باب جامع الأيمان: يرجع في الأيمان إلى نية الحالف إذا احتملها اللفظ].
أي: يرجع في الأيمان إلى نية الحالف وقصده؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:225] وقال سبحانهه في الآية الأخرى: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة:89] فإذا كانت اليمين في الأصل لا تنعقد إلا إذا قصد الشخص عقدها، فإذا لم يقصد عقدها بأن جرت على لسانه كانت لغواً ساقطة، دل هذا على قوة تأثير النية، فإذا كانت اليمين لا تنعقد إلا عند القصد والتوجه والنية، فمن باب أولى أن لا تنعقد في الألفاظ والكلمات ما دام أن اللفظ محتمل ويرجع إلى نيته.
والأصل في ذلك حديث عمر رضي الله عنه في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات) والأعمال شاملة للأقوال والأفعال، واليمين قول، فتدخل تحت هذا العموم، فدل على أنه لابد من الرجوع إلى نية الحالف.
وصورة المسألة: لو قال: والله لا أركب السيارة.
فالسيارة لفظ عام يشمل السيارة الصغيرة والكبيرة والباص وغيره، فلو قال: قصدت السيارة -أل للعهد- الفلانية أو سيارة فلان.
فحينئذٍ ينتقل من العموم إلى الخصوص.
والعكس، لو أن شخصاً جاراه في السيارة فقال: والله لا أشتري السيارة.
فظاهر الحال أنه لا يشتري السيارة هذه، لكن قال: نيتي جميع السيارات، يعني: جنس السيارة لا أشتريها، فحينئذٍ النية تتحكم في اللفظ، بشرط أن يكون ذلك اللفظ محتملاً؛ لأن (أل) في السيارة تحتمل الجنس وهذا للعموم، وتحتمل العهد وهذا للخصوص، قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل:15 - 16] قيل: إن أل في الرسول للاستغراق؛ لأن من عصى رسولاً واحداً فكأنما عصى الرسل كلهم، والأشبه أن هذا عهد ذهني.
فهناك شرط في اعتبار النية مؤثرة في اللفظ: وهو أن يكون اللفظ محتملاً، بمعنى: أن وضعه اللغوي يحتمل معنيين فأكثر، فالنية تحدد المراد، أما إذا كان اللفظ لا يحتمل ولا علاقة له بما نوى في وضع اللغة وأصلها، وليس هناك عرف جارٍ به، فنيته لغو، كأن يقول: والله لا آكل البرتقال.
ولكن قصد بالبرتقال التفاح، ومعلوم أنه لا يطلق البرتقال على التفاح فحينئذٍ تسقط نيته ويعتد ويعتبر بظاهره، فما دام أنه تلفظ بهذا اللفظ يؤاخذ به، ويحكم بوجوب الكفارة عليه إن أكل ذلك المسمى.
وهذا مقرر على مسألة مشهورة عند علماء الأصول، وهي: مسألة وضع اللغة، والصحيح أن الله عز وجل هو واضع اللغات، ومن هنا لو تحكم الشخص في اللغة وقال: والله لا أصعد الجبل، وقيل له: ماذا تريد بالجبل؟ قال: السيارة.
لا يوجد أحد يطلق الجبل على السيارة لا لغة ولا عرفاً، ولا توجد مناسبة بين السيارة والجبل، فهو يضع دلالة من عنده لهذا اللفظ، مع أن الجبل من حيث هو موضوع على دلالة معينة، فهو فحينئذٍ يسقط اعتبار النية بشرط احتمال اللفظ، وهذا أصل صحيح مقرر عند العلماء.

الرجوع إلى سبب اليمين عند انعدام النية

قال رحمه الله: [فإن عدمت النية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها] فأول شيء النية ثم هناك السبب، وسبب اليمين يسمونه: السبب المهيج.
وبعض فقهاء الحنابلة يطلق ويقول: سبب اليمين، وعند المالكية وبعض الفقهاء يسمونه: بساط اليمين.
وبعضهم يعبر عنه: بموجب اليمين، والمراد من ذلك الباعث على اليمين.
ونحن نمثل بأشياء موجودة الآن؛ لأن القديم موجود في كتب العلماء فإذا رجع إليه طالب العالم فإنه يفهم.
مثال: لو أن شخصاً اختصم مع شخص وجرى بينهم لجاج، فقال: تركب معي سيارتي.
فقال له: والله لا أركب سيارتك.
فقوله: (لا أركب سيارتك) في الأصل يقتضي أن كل سيارة يملكها الشخص أنه لا يركبها، ولكن بساط اليمين، وموجب اليمين، والباعث على اليمين، والسبب المهيج لليمين، هو الخصومة عن سيارة معينة.
فحينئذٍ نقول: هذا العموم ينصرف إلى خاص، فلا يحنث إذا ركب سيارة أخرى يملكها ذلك الشخص، إلا إذا نوى، فإن النية مؤثرة، لكن كلامنا هنا عن الشخص الذي قال: والله لا أركب سيارتك.
قلنا له: هل نويت العموم؟ قال: لا ما نويت العموم، بل خرج مني هذا اللفظ بناءً على قوله لي: اركب معي سيارتي، فقلت: لا أريد أن أركب.
فقال لي: لابد أن تركب.
فأحرجني فأردت أن أقطع قوله: فقلت: والله لا أركب سيارتك.
نقول له: إن ركبت أي سيارة غير هذه السيارة فإنك حينئذٍ لا تحنث؛ لأن السبب المهيج يقتضي التخصيص.

الرجوع إلى التعيين في اليمين عند انعدام النية والسبب

قال رحمه الله: [فإن عدم ذلك رجع إلى التعيين] إذا: هناك ثلاثة أشياء: - النية.

  • السبب.
  • التعيين.
    والتعيين: أن يعيّن الشيء، وهو ضد الإبهام، فإذا قال: والله لا آكل هذا اللحم.
    والله لا ألبس هذا الثوب.
    والله لا أكلم هذا الرجل لا أُكلم هذا الصبي لا أُكلم هذه الجارية.
    فهذا تعيين، والمعين لا ينصرف إلى غيره؛ لأن مرادهم بعينه وذاته، وعين الشيء ذاته.
    قوله: [فإذا حلف: لا لبست هذا القميص فجعله سراويل أو رداءً أو عمامة ولبسه] أي: لو حلف على ذلك الشيء بعينه كأن يقول: لا لبست هذا القميص، ومادة القميص من القماش، إذاً انصب عليها اليمين، فلو أن هذا القميص غُيِّر وفُصِّل سروالاً حنث بلبسه؛ لأنه قال: هذا، فاختص بالتعيين وتقيد به؛ لأن اليمين بالتعيين، فمهما تغير في شكله فذاته موجودة، وانصب المنع على الذات، وحينئذٍ لو تغيرت إلى أي حال فإنه يبقى الحكم معلقاً بها، فيحنث إذا لبسه على أي صورة.
    وكذلك لو جعل هذا القميص رداءً أو عمامة، فإنه يحنث بلبسه، والعكس إذا جعل السروال قميصاً، فالمادة موجودة والحكم واحد في هذا.
    قوله: [أو لا كلمت هذا الصبي فصار شيخاً] أو صار رجلاً لأن الحكم متعلق بعين الصبي ولا يختلف.
    قوله: [أو زوجة فلان هذه، أو صديقه فلاناً، أو مملوكه سعيداً، فزالت الزوجية والملك والصداقة ثم كلمهم] لو قال: والله لا أكلم زوجتك.
    فليس كقوله: والله لا أكلم هذه الزوجة.
    فلو قال: لا أكلم زوجتك.
    فقوله: زوجتك لفظ عام، فإذا لم تكن هناك نية وأخذناه على ظاهر اللفظ، فكل زوجة يتزوجها هذا الرجل بمجرد أن يعقد عليها وتدخل في عصمته، فإنه يحنث بكلامه معها بأقل ما يصدق أنه كلام.
    فكل امرأة عقد عليها ذلك الشخص فإنه يحنث بكلامه لها، وبمجرد أن تخرج من عصمته وتنتقل عنها، فحينئذٍ إذا كلمها لا يحنث؛ لأن الوصف متعلق بكلام زوجة هذا الرجل، وحينئذٍ متى ما كانت زوجة لهذا الرجل حنث بكلامها، وإذا زالت هذه الصفة من الزوجة لم يحنث، أما إذا قال: لا أكلم زوجتك هذه.
    صار الأمر متعلقاً بالزوجة بعينها، فلو طلقها أو بانت منه، فإنه في هذه الحالة لو كلمها فإن اليمين ما زالت منعقدة فيحنث بكلامها، حتى لو تزوجت غيره فإنه لا زال اليمين متعلقاً بالعين فيحنث بكلامها.
    قوله: (أو مملوكه سعيداً).
    لو قال: لا أكلم مملوكاً لك.
    فهذا عام، أي: كل عبد يملكه هذا الشخص، فبمجرد ما يشتريه يحنث بكلامه بأقل ما يصدق عليه أنه كلام، لكن لو قال: لا أكلم مملوكك سعيداً وعيّن، أو مملوكك هذا وعين وخصص، فحينئذٍ كما ذكرنا، لو أنه أعتقه ما زال الحكم متعلقاً بعين المملوك، فيحنث بكلامه.
    قوله: (فزالت الزوجية والملك والصداقة ثم كلمهم) الأصل أنه يحنث حتى بعد زوال هذه الأشياء كما ذكرنا وفصلنا.
    قوله: [أو لا أكلت لحم هذا الحمل فصار كبشاً].
    لأن اليمين متعلقة بلحم الحمل، فحتى إن أكله بعد أن صار كبشاً، فإنه يحنث؛ لأنه قد انصبت اليمين على لحمه.
    قوله: [أو هذا الرطب فصار تمراً أو دبساً أو خلاً].
    لو جيء لشخص برطب فقال: والله لا آكل رطباً.
    فرُفِعَ هذا الرطب ثم صار تمراً بالحرارة وبالتأخر وجيء به إليه، فقيل له: كل.
    فأكل، فإنه لا يحنث؛ لأن الأمر متعلق بالوصف الذي هو رطب، ولو قال: والله لا آكل الرطب وقيل له: على هذه النخلة رطب اصعد وكله.
    قال: أنا حلفت أن لا آكل الرطب، ثم صبر حتى صار تمراً فصعد وأكل، فإنه يحنث لو صعد وهو رطب وأكل منه، ولا يحنث في الثانية؛ لأنه أكل تمراً؛ ولأنه حلف على الرطب، لكن لو قال: والله لا آكل هذا الرطب، فإنه في هذه الحالة يحنث إن أكله رطباً أو تمراً.
    [أو هذا اللبن فصار جبناً أو كشكاً أو نحوه ثم أكله حنث في الكل] وهكذا بالنسبة للبن، يعني يستوي أن ينتقل عن حاله بفعل المكلف أو ينتقل بطبعه، كما ذكرنا في الرطب والتمر، حنث في الكل [إلا أن ينوي ما دام على تلك الصفة] إذاً النية من أقوى ما تكون، ونحن لا نتكلم هنا على قوة السبب.
    وعلى هذا يحنث في الكل كما ذكرنا؛ لأنه قصد عين المحلوف عليه.
    وإذا كانت له نية فقال: والله لا أكلم زوجتك فلانة، وهذا لأنه رأى أن الرجل متضايق منه بسبب خصومة أو شيء، فقصد في نيته أن هذه المرأة سيئة تسبب مشاكل، فقال: والله لا أكلم هذه الزوجة، وهو يقصد مدة كونها زوجة له، فحينئذٍ هناك تعيين في السبب، ولكن النية أخص من السبب؛ لأنه لم يقصد عين المرأة، وحينئذٍ إذا زالت الزوجية يجوز له أن يكلمها ولا يحنث.

الرجوع في اليمين إلى ما يتناوله الاسم عند عدم النية والسبب والتعيين

قال رحمه الله: [فصل: فإن عدم ذلك رجع إلى ما يتناوله الاسم].
إذاً أول شيء النية، ثم السبب، أي: لابد أول شيء أن تكون هناك نية؛ لأن مقاصد المكلفين معتبرة، وقد أجمعت على ذلك نصوص الكتاب والسنة والقاعدة المشهورة: على أن الأمور بمقاصدها، ثم السبب الذي يهيج اليمين.
قوله: (رجع إلى ما يتناوله الاسم) أي: هذا اللفظ يدل على ماذا؟ وهذا عين العدل في الشريعة الإسلامية، فينظر إلى دلالة اللفظ اللغوية والعرفية والشرعية، هذه ثلاثة أنواع من الدلالات، فإذا قال: والله لا أصعد الجبل، والله لا أجلس تحت السماء، والله لا أعبر نهراً ولا أركب بحراً، والله لا أصلي، والله لا أصوم، فكل هذه ألفاظ فيها دلالة لغوية وفيها دلالة شرعية وفيها دلالة عرفية، فحينئذٍ لابد من النظر في اللفظ، هذا إذا قال: ليست عندي نية في شيء معين، وليس هناك سبب هيج على اليمين، فحينئذٍ يُنْظَرُ في دلالة اللفظ.

أقسام الحقائق ومتى يرجع إليها في اليمين

قال رحمه الله: [وهو ثلاثة: شرعي وحقيقي وعرفي].
هذه يسمونها.
الحقائق، وهي: - الحقيقة اللغوية.

  • الحقيقة الشرعية.
  • الحقيقة العرفية.
    فالحقيقة اللغوية: مصطلح يكون في أصل التخاطب في لسان العرب، فإذا قالوا: السماء، فهم يعنون بها السماء المعروفة، وإذا قالوا: الأرض، الجبل، الشجر، فهذه أسماء على مسميات معينة وضعت في لغة ولسان العرب، فهذه يسمونها: حقيقة لغوية، وهي ما يدل عليه اللفظ في وضع اللغة.
    الحقيقة الشرعية: فالشرع قد ينقل هذا الاسم من عموم إلى خصوص، وقد ينقل هذا الاسم إلى دلالة ليس فيها لا عموم ولا خصوص، وإنما يكون لها معنىً جديد، فالشرع يتصرف في المسميات.
    الحقيقة العرفية: العرف يجمع الناس على لفظ له دلالة لغوية فيأخذه الناس، مثلاً السيارة الآن، السيارة: لها معنى في اللغة، وهي في لغة القرآن موجودة: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ [يوسف:19] ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف:10].
    لكن هل تلك السيارة التي كانت عندهم هي السيارة الموجودة عندنا الآن؟

الجواب

لا، السيارة في القديم لها معنى، والسيارة في وضع اللغة لها معنى، وفي عرفنا اليوم لها معنى.
ونحن نمثل بشيء موجود: الكتابة في القديم لها معنى، ومعناها اللغوي معروف، وهو الخط باليد، لكن في زماننا الآن يضرب بأصابعه على الآلة ومع ذلك يوصف بكونه كاتباً، فلو قال شخص: والله لا أكتب على الآلة، وهو يختصم مع شخص على أن يطبع له، إذاً يوجد معنى عرفي الآن.
كذلك الوضوء له معنىً لغوي، وله معنىً شرعي، والصلاة والزكاة والصوم والهبة والصدقة والإجارة كلها حقائق فيها معان لغوية وفيها معان شرعية.
ولذلك لما استفتحنا أبواب العلم كنا نقول: في اللغة وفي الشرع، في اللغة: أي: حقيقة لغوية، وفي الشرع: أي حقيقة شرعية، فهذه تسمى: بالحقائق، فإذا تلفظ المكلف فإنه ينظر فيها.

الحقيقة الشرعية ومتى يرجع إليها في اليمين

قال رحمه الله: [فالشرعي ما له موضوع في الشرع، وموضوع في اللغة] فالشرعي كالصلاة مثلاً، لها موضوع في اللغة، فتطلق بمعنى: الدعاء، وتطلق بمعنى: الرحمة، وتطلق بمعنى: البركة، ولكنها في الشريعة نقلت إلى العبادة، ذات القيام والركوع والسجود والذكر على الوجه المخصوص.
قال رحمه الله: [فالمطلق ينصرف إلى الموضوع الشرعي الصحيح] اللفظ المطلق إذا كان له معنى لغوي ومعنى شرعي فإننا نصرفه إلى الشرعي، فلو قال: والله لا أصلي، فإنه يحنث بالصلاة نافلة أو فريضة؛ لأن الشرع يطلق الصلاة على هذه العبادة ذات الركوع والسجود، هذا هو المعنى الشرعي.
والمعنى اللغوي: الدعاء، فلو أنه قال: والله لا أصلي.
ثم قال: اللهم! ارحمني لم يحنث؛ لأنه عند تعارض الحقيقة اللغوية مع الحقيقة الشرعية، مع الإطلاق العام يتقيد بالشرع، فإذا قال: والله لا أصلي.
فإنه يحنث بفعل الصلاة، ولا يحنث بالدعاء، ولا بالترحم.
إذاً: الصلاة في هذا المعنى تنصرف إلى المعنى الشرعي، فلا يحنث إلا بفعل فريضة أو نافلة.
ويشترط إذا كانت بالمعنى الشرعي أن تكون معتبرة معتداً بها شرعاً.
فلو قال: والله لا أصلي هذه الساعة.
ثم قال: أريد أن أكفر.
فقام يريد أن يصلي، فصلى ركعتين، ثم أراد أن يكفر، فتبين له أنه محدث، سقطت عنه الكفارة تيسيراً من الله.
إذاً في هذه الحالة لا يحنص إلا إذا كانت صلاة شرعية؛ لأنه قال: والله.
أي: ألزم نفسه فيما بينه وبين الله أنه لا يصلي، فلا يكون حانثاً ولا تجب عليه كفارة إلا إذا حصل الإخلال، ولا يحصل الإخلال إلا بالصلاة الشرعية، فإذا صلى محدثاً لم تكن صلاته مجزئة.
[فإذا حلف لا يبيع أو لا ينكح فعقد عقداً فاسداً لم يحنث] وهذا مثلما ذكرنا، لو قال: لا أصلي ثم صلى صلاة فاسدة لم يحنث؛ لأن الشرع لا يسمي هذا صلاة، ولا يسمي هذا بيعاً، قال: والله لا أبيع.
ثم باع بيعاً فاسداً، كأن يبيع مجهولاً، فإنه يحكم ببطلان البيع؛ لأنه من بيوع الغرر -وقد تقدم معنا- كما لو قال له: أبيعك داراً ولم يصفها، قال: هذه الدار تشتريها مني (بمليون)، قال: قبلت.
أعطاه (المليون) تمت صورة البيع، لكن انفسخ هذا البيع بحكم الشرع، قال القاضي: هذا بيع فاسد؛ لأن الدار لم تصفها ولم تبينها على وجه تزول به الجهالة ويصح به العقد، إذاً هذا عقد فاسد، وذلك لوجود الغرر.
في هذه الحالة لو جاء وقال: أنا قلت: والله لا أبيعه، وقد وقع مني بيع، ولكن أفسده القاضي، أو المفتي حيث قالا: هذا بيع فاسد.
نقول: إذاً وجوده وعدمه على حد سواء، ولا كفارة عليك؛ لأنك حلفت على بيع شرعي وهذا بيع فاسد.
[وإن قيد يمينه بما يمنع الصحة، كأن حلف لا يبيع الخمر أو الخنزير حنث بصورة العقد] إذا قلنا: إن البيع حقيقة شرعية، ولابد أن يكون على الصفة الشرعية، فلو أنه قال: (والله لا أبيع الخمر) ثم باع الخمر هل يحنث؟ قالوا: هنا يحنث بصورة العقد؛ لأن مراده بقوله: (لا أبيع الخمر) صورة العقد؛ لأنه في الأصل يريد أن لا يبادل؛ لأن البيع حقيقته المبادلة، وكأنه يقول: التزمت فيما بيني وبين الله أن لا أبادل الخمر بشيء، فلما وقع البيع فصورة المبادلة وجدت، فحينئذٍ نقول: قد حصل الإخلال فلزمه الكفارة من هذا الوجه.
وهناك من العلماء من لا يرى أنه ليس إخلالاً ولا تجب به الكفارة.

الحقيقة اللغوية ومتى يرجع إليها في اليمين

قال رحمه الله: [والحقيقي هو الذي لم يغلب مجازه على حقيقته].
الحقيقي في اللغة: هو الذي لم يغلب مجازه على حقيقته اللغوية، كالسماء والأرض، فهذه حقائق تنطبق على أشياء.
مثلاً: اللحم حقيقة يطلق على اللحم، ولا ينصرف إلى غيره إذا أطلق، وهذا لا إشكال في اعتباره، فلو قال: (لا آكل اللحم) حكمنا بأنه يحنث بأكل اللحم، أياً كان هذا اللحم، فيكون اللحم شاملاً للحم الأنعام ولحم الطيور ولحم الأسماك، فإذا أكله حنث، وتتقيد هذه الحقيقة بدلالتها.
[كاللحلم فإن حلف لا يأكل اللحم فأكل شحماً أو مخاً أو كبداً أو نحوه لم يحنث] لأن الكبد والشحم والمخ هذه ليست بلحم؛ فإن العرب إذا قالت: اللحم، فإنه لا يشمل الكبد ولا المخ ولا الشحم، وقد يستشكل البعض هذا، ويقول: إن الله عز وجل قال في المحرمات: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [الأنعام:145] نقول: هذا لا إشكال فيه؛ لأنه عبر بالجزء وأراد الكل؛ لأن الذي يأكل الخنزير في الأصل إنما يأكل اللحم، وجعل ما بعده تبعاً له.
فالشاهد من هذا: أن اللحم إذا أطلق فالمراد به اللحم المعروف، ولا يشمل الشحم وبقية الأجزاء التي ليست بلحم حقيقة؛ فإن اللحم له حقيقة، والشحم له حقيقة، والكبد لها حقيقة، الطحال له حقيقة، فإذا قال: لا آكل الكبد فهذه حقيقة تتقيد بالكبد، وإذا قال: والله لا آكل اللحم، فهذه حقيقة تتقيد باللحم.
[وإن حلف لا يأكل أدماً حنث بأكل البيض والتمر والملح والخل والزيتون ونحوه وكل ما يصطبغ به] إذا قال: والله لا آكل ولا أطعم الإدام، والأدم هو: كل ما يؤتدم به، فإنه يحنث به إن أكله، سواء كان من المربى أو الملوخية أو اللوبيا أو الفاصوليا أو الخضار أو غيرها من المطاعم مما يؤتدم به، فكل ما يؤتدم به، تصدق عليه هذه الحقيقة اللغوية الجامعة في دلالتها على هذه الأشياء، فيحنث بها.
[ولا يلبس شيئاً فلبس ثوباً أو درعاً أو جوشناً أو نعلاً حنث] لأن أصل اللبس الدخول في الشيء، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: (لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف) وجعل هذا لبساً، فلو قال شخص: والله لا ألبس، فإنه يحنث بكل شيء يكتسي به، ويضعه على بدنه ويدخل فيه، فإذا قال: والله لا ألبس الثوب.
فإنه بمجرد دخوله فيه يحنث.
لكن لو أنه وضع الثوب على كتفيه لم يحنث؛ لأنه لا يصدق عليه اللبس، مثله مثل المحرم، لو أن محرماً أخذ ثوباً ووضعه مثل الإحرام، لم تجب عليه الفدية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تلبسوا القمص ولا العمائم) الذي يشمل أعلى البدن، ثم قال: (ولا السراويلات) الذي يشمل أسفل البدن ثم قال: (ولا البرانس) فشمل أعلى البدن وأسفله، فإذا حصل الدخول حصل الإخلال وإلا فلا.
[وإن حلف لا يكلم إنساناً حنث بكلام كل إنسان] إذا قال: والله لا أكلم إنساناً.
فإن هذه نكرة عامة تشمل كل إنسان، سواءً كان مجنوناً أو كان عاقلاً صغيراً أو كبيراً ذكراً أو أنثى؛ لأن الحقيقة اللغوية تشمل هذا كله.
[ولا يفعل شيئاً فوكل من فَعَلَهُ حنث إلا أن ينوي مباشرته بنفسه] إذا قال: والله لا أعطي فلاناً ثم وكل شخصاً -والوكيل ينزل منزلة الأصيل، والفرع آخذ حكم أصله- وقال له: يا فلان اذهب واعط فلاناً أو قال لابنه: يا محمد اذهب وأعط فلاناً هذا المبلغ حنث؛ لأن عطاء الوكيل عطاء من الأصيل، وهو تابع للأصل فيحنث به.

الحقيقة العرفية ومتى يرجع إليها في اليمين

قال رحمه الله: [والعرفي ما اشتهر مجازه فغلب الحقيقة كالرواية والغائط ونحوهما] هذا النوع الثالث من الحقائق: وهي الحقيقة العرفية، فقوله: (ما غلب مجازه على الحقيقة) مثل: الغائط، والراوية، فلو قال: والله لا أذهب إلى الغائط، فالعرف أن الغائط مكان قضاء الحاجة، وذلك لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء:43] يعني: مكان قضاء الحاجة، فقوله: والله لا أذهب إلى الغائط، أو لا أدخل الغائط، أو لا أجلس في الغائط، يحمل على الحقيقة العرفية، فيحنث بدخوله مكان قضاء الحاجة، وحينئذٍ لا يحكم بكونه حانثاً إلا إذا دخل فيه، لكن لو قصد الحقيقة اللغوية، وقال: أردت بالغائط المكان المطمئن؛ فحينئذٍ نيته تنقله من الحقيقة العرفية إلى الحقيقة اللغوية؛ لأنه نوى ذلك وقصده.
لكن لو تعارضت الحقيقتان، كأن قال: والله لا أجلس في غائط، فقال بعض الفقهاء: هذه حقيقة لغوية وحقيقة عرفية، فأيها يقدم؟ يقدم العرفية على اللغوية في قول جمهور العلماء رحمهم الله في هذه المسألة، وهذا ما درج عليه المصنف رحمه الله، أن العرف معتبر.
إذاً الراوية والغائط تنتقل من المعنى العام إلى المعنى الخاص.
[فتتعلق اليمين بالعرف] الأصل في الاحتجاج بالعرف القاعدة الشرعية التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة: (العادة محكمة)، فإذا جرى العرف بذلك فإنه يؤثر.
جلس قوم في شركة أو مؤسسة وعندهم غرفة معينة اصطلحوا على تسميتها (الغرفة) فهذا عرف خاص، فإذا حلف شخص وقال: والله لا أدخل الغرفة، فالغرفة حقيقة لغوية للمكان المبني بالهيئة المعروفة، فكلمة (الغرفة) في اللغة عامة في كل غرفة، ولكن العرف والأصل أنه يريد هذه الغرفة، لاختصاص هذه الغرفة بالعرف.
إذاً: لابد للفقيه إذا سئل عن الأيمان أن يكون ملماً بدلالة اللغة في هذا اللفظ الذي سُئل عنه، وأن يكون ملماً بدلالة الشريعة، فإذا قال: والله لا أتصدق، والله لا أهب، كيف يعرف أنه حنث أو لم يحنث إذا لم يعلم حقيقة الهبة، وحقيقة الصدقة، وحقيقة الوقف؟ إذاً: لابد من إدراك هذا كله حتى يحكم بكونه حانثاً أو غير حانث.
[فإذا حلف على وطء زوجته أو وطء دار تعلقت يمينه بجماعها وبدخول الدار] أي: لو قال: والله لا أطأ زوجتي.
تعلقت يمينه بجماعها، هذه حقيقة عرفية، ولو قال: والله لا أدخل الدار، لم يحنث إلا بدخول جرمه كاملاً فيها، والدار إذا خصها العرف بشيء معين اختصت به؛ لأن الدار في بعض الأحيان قد تطلق حتى على الخباء، يقول الشخص: هذه داري.
وهي خيمة، وقد تختص بالبناء.
إذاً العرف له تأثير في دلالات الألفاظ، فحينئذٍ نتقيد بهذا العرف، وإن كانت دلالة اللغة عامة كما بيّنا.
[وإن حلف لا يأكل شيئاً فأكله مستهلكاً في غيره كمن حلف لا يأكل سمناً فأكل خبيصاً فيه سمن لا يظهر فيه طعمه، أو لا يأكل بيضاً فأكل ناطفاً لم يحنث] هذه المسألة تقدمت معنا في الصيد في المستهلك ومتى يحكم باستهلاكه وعدمه، في المستهلك من الممنوع أكله وطعمه مثل: الزعفران وغيره.
فعلى كل حال إذا استهلكت وذهبت مادة السمن في المطبوخ فإنه لا يؤثر؛ لأنه لم يصدق عليه أنه أكله، أما لو بقي شيء من المادة فإنه يؤثر.
[وإن ظهر طعم شيء من المحلوف عليه حنث] لأنه حينئذٍ يتحقق السبب الموجب للحنث، وهو وجود طعم الذي حلف أنه لا يطعمه.

حكم من أكره على فعل شيء حلف ألا يفعله

قال رحمه الله: [فصل: وإن حلف لا يفعل شيئاً ككلام زيد ودخول دار ونحوه ففعله مكرهاً لم يحنث] بين رحمه الله في هذا الفصل تأثير الإكراه، وأن الإكراه يوجب إسقاط المؤاخذة، وعلى هذا قالوا: إنه لا يحكم بالحنث مع وجود الإكراه، فلو قال: والله لا أدخل الدار، فأكره عليها بالتهديد، أو أكره عليها بأن ربط ووضع في حمالة ونقل، وهذا يسمونه: الإكراه الملجئ، وهناك الإكراه غير الملجئ، أو يقولون: الإكراه التام، والإكراه الناقص، في كلتا الصورتين لم يحنث، فلو قال: والله لا أدخل الدار فحمل إليها مكرهاً، أو لا أكلم فلاناً فأكره على تكليمه فإنه لا تلزمه كفارة؛ لأن الله أسقط بالإكراه أعظم شيء وهو الردة، فلأن يسقط موجب التكفير من باب أولى وأحرى.

حكم من حلف ألا يفعل شيئاً ففعله ناسياً أو جاهلاً

قال رحمه الله: [وإن حلف على نفسه أو غيره ممن يقصد منعه كالزوجة والولد أن لا يفعل شيئاً ففعله ناسياً أو جاهلاً حنث في الطلاق والعتاق فقط].
هذه المسألة ترجع إلى قضية حق الله عز وجل وحق المخلوق، فإذا كان حلف على غيره أن لا يفعل، كولده وزوجته ممن له عليه سلطان، فإنهم فرقوا بين الطلاق والعتاق الذي هو تعلق حق المخلوق بهما دون غيره، أما وجه تعلق حق المخلوق في العتق والطلاق، فلو قال له: إذا فعلت كذا فعبدي فلان حر، وهذا العتق، أو إذا فعلت كذا فزوجتي فلانة طالق، أو زوجتي طالق، أو نسائي طوالق، هذا الطلاق.
في هذه الصور كلها، هذا الحلف على المنع أو الحمل على فعل الشيء في شخص له عليه سلطة وقوة، قالوا: إنه يسقط المؤاخذة بالنسيان في هذه الصور كلها إلا العتق والطلاق؛ لأن العتق تعلق به حق المخلوق، فلو أن الشخص هذا الذي قال له: والله ما تشتري من البقالة.
وإن اشتريت فزوجتي فلانة طالق، هنا تعلق الطلاق بمن له عليه سلطة كولده أو زوجته.
قالوا: إذا فعل هذا المحلوف عليه والمعين ناسياً فإنه لا كفارة عليه ولا يحنث، ولا يلزمه شيء، إلا في الطلاق، والعتق.
فإنه إذا فعله ناسياً حكمنا بالعتق وبوقوع الطلاق؛ لأنه حق للزوجة، أنها تطلق من زوجها، وتنحلُّ العصمة، وحق للملوك؛ لأنه خرج عن الملكية، فما نستطيع أن نقول: إن النسيان مؤثر.
لماذا؟ لأنه دلت النصوص على أن النسيان لا يسقط حقوق المخلوقين.
فلو أن شخصاً نسي ديناً لشخص عليه، ثم رفعه إلى القاضي فقال: عليه دين لي؟ قال: ليس له عليّ شيء.
وهو ناسٍ، وحكم القاضي بأنه لا شيء عليه، ثم بعد عشرين سنة تذكَّر أن عليه ديناً، فهل يسقط الحق هنا؟

الجواب

لا، ويجب عليه الضمان، ويسقط عليه الإثم مدة النسيان، فالنسيان يسقط الإثم، ولكن لا يسقط الحق من المخلوق.
إذاً النسيان الذي هذا حكمه يؤثر ما لم يكن فيه التبعة، الذي هو موجب الضمانات، وقد تقدم معنا في أكثر من مسألة بيان هذا.
وقد استثنى المصنف رحمه الله العتق والطلاق لتعلق حق المخلوق به، فحينئذٍ المرأة لها حق والمملوك له حق، وبعض المتأخرين من العلماء رحمهم الله قال: إن هذا ضعيف أن يسوى الطلاق بالعتق، فقبل الطلاق ولم يقبل العتق.
قال: لأن المرأة قد تبكي وتقول: أريد زوجي وما تريد الطلاق، والواقع أن جمهور العلماء لما قالوا بهذا، قالوا به بوجه صحيح.
وهناك أمر ينبغي على طالب العلم أن ينتبه له وهو: أن كثيراً من إيرادات المتأخرين تنحصر في صور معينة، ولذلك تجد بعض المتأخرين يأتي بصورة عاطفية، أو يأتي بشيء محدود يعيب به على كلام العلماء وينتقدهم فينبغي أن ينتبه لهذا؛ فإننا كثيراً ما نجد ضوابط العلماء شمولية أو عمومية أو غالبية لا تتقيد بصور معينة، وهذا أمر مهم جداً؛ لأن أحكام الشريعة لا تتقيد بحالة دون أخرى.
المقصود أنه قال: إنه قد تبكي المرأة، نقول: أيضاً المملوك الذي حكمنا بعتقه قد يقول: أريد سيدي، لا أريد أن أعتق منه.
وأذكر أيام الرق كان للجد والأسرة منهم بعض من عتق وأبوا أن يبرحوا الجد، بسبب حسن المعاملة، وقد لا يرضى الإنسان، ويحب أن يكون عند سيده؛ من حسن معاملته، وشرفه، وطيبه، وعلمه، فتجد من يبكي ويتذمر منهم.
وأدركنا أناساً حدثونا عن أناس ممن كانوا لا يريدون أبداً أن يعتقوا من أسيادهم، فرجعوا إلى أسيادهم وأصروا على البقاء عندهم.
إذاً المعنى في العتق هو نفس المعنى في الطلاق، ما الذي جعلهم يقولون: إن المرأة عندما تطلق عتقت من موجب العصمة؛ لأن قيام الرجل عليها تضييق في حريتها، هذا بأصل الشرع، وإن كان فيه مفسدة، لكن له مصالح أعظم، ونحن نقول: إن الطلاق يوجب لها الراحة والفكاك في غالب الصور، بغض النظر عن الآحاد، وهذا أمر ينبغي أن يتنبه إليه.
وعلى هذا لا يرد ما ذكره بعض المتأخرين بالتفريق بين العتق والطلاق، والمصنف جمع بينهما وجمعه صحيح ونص عليه الأئمة رحمهم الله.

حكم من حلف على من ليس له عليه سلطان

قال رحمه الله: [أو على من لا يمتنع بيمينه من سلطان وغيره ففعله حنث مطلقاً] قوله: (من لا يمتنع بيمينه) سواءً فعله ناسياً أو غير ناس، فرقوا بين من يمتنع وبين من لا يمتنع، والأصل يقتضي التسوية.

حكم من حلف على شيء وفعل بعضه

قال رحمه الله: [وإن فعل هو أو غيره ممن قصد منعه بعض ما حلف على كله لم يحنث ما لم تكن له نية] هناك فرق بين الكل والبعض، فلو قال: والله لا آكل الرغيف فإنه يحنث إذا أكل بعضه، أما لو قال: والله لا آكل كل الرغيف.
فأكل نصفه، أو أكل ثلثيه أو ثلاثة أرباعه أو أكل شيئاً يسيراً لم يحنث حتى يأكل الكل، ولو قال: والله لا أدخل الدار فمد يده أو مد رجله لم يحنث حتى يدخل كله.
ومن هنا قالوا: الجزء لا يأخذ حكم الكل، واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام لـ عائشة: (ناوليني الخمرة -وكان معتكفاً- قالت: يا رسول الله! إني حائض) وهذا يدل على أن الحائض لا تدخل المسجد، فإنه لو كانت عائشة لا تدرك هذا -وهي الفقيهة- لقامت مباشرة وأعطته، لكن قالت: (إني حائض) ومعنى ذلك: أنه عرف عند الصحابة وتقرر أن الحائض لا تدخل المسجد، لكنهم ظنوا أن الجزء يأخذ حكم الكل؛ فإنها لو مدت يدها لناولته، فقال لها: (إن حيضتك ليست في يدك) يعني: (ناوليني) والمناولة باليد، ما قال: ائتيني أو تعالي بالخمرة إنما قال: (ناوليني) باليد، فدل هذا على أن الجزء لا يأخذ حكم الكل، وأنه لا يحنث.
ومن ذلك: مسألة الأيمان والنذر في الاعتكاف، لو نذر أنه لا يخرج من المسجد فأخرج يده فإن هذا لا يوجب الحكم بانتقاضه.

شرح زاد المستقنع -

باب النذر

النذر أن يلزم المكلف نفسه بما لم يلزمه به الشرع، ولهذا الإلزام أحكام وأقسام بينها الفقهاء في كتبهم وتصانيفهم، مع بيان ما يترتب على الإخلال بالنذر من الكفارة، ومتى يكون هذا الإخلال واجباً أو محرماً أو مندوباً أو مكروهاً، وغير ذلك من الأحكام.

تعريف النذر

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب النذر] علاقة النذر باليمين علاقة قوية، حتى إن الشرع سوى بينهما في حال الإخلال، وجعل كفارة النذر كفارة اليمين، وهذا يدل على قوة التلازم بين الأيمان والنذور، وكثير من العلماء ذكروا باب النذر مقروناً بباب اليمين، وهذا لشدة التلازم بينهما.
والنذر هو: أن يلزم المكلف نفسه بما لم يلزمه به الشرع، ويكون في المعصية ويكون في الطاعة، ولكل حكمه، والأصل فيه الكتاب، حيث أثنى الله عز وجل على عباده فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:7] والنبي صلى الله عليه وسلم أقر ذلك من الصحابة رضوان الله عليهم، كما في قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأجمع العلماء على مشروعيته من حيث الجملة.
قال رحمه الله: [لا يصح إلا من بالغ عاقل ولو كافراً] أي: لا يصح النذر إلا من بالغ عاقل، أي: مكلف؛ لأن التكليف بالعقل والبلوغ، فلا يصح نذر الصبي ولا يصح نذر المجنون.
قوله: (ولو كافراً) الكافر يصح نذره؛ لحديث عمر بن الخطاب أنه نذر أن يعتكف ليلة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يوفي بنذره، وهذا يدل على صحة نذر الكافر.

أقسام النذر الصحيح

قال رحمه الله: [والصحيح منه خمسة أقسام] إذا قلت: الصحيح.
فمعنى ذلك: أنه تترتب عليه الكفارة عند الإخلال، أما إذا قلت: إنه فاسد أو لاغ.
فهذا ليس له موجب وهو الكفارة.
فقوله: (خمسة أقسام) هذا إجمال قبل البيان والتفصيل.

القسم الأول: النذر المطلق

قال رحمه الله: [المطلق: مثل أن يقول: لله عليّ نذر ولم يسم شيئاً فيلزمه كفارة يمين] قوله: (لله عليّ نذر) فيه وجهان في الانعقاد: والجمهور على أنه ينعقد.
وحينئذٍ إذا لم يسم شيئاً يلزمه أن يكفر كفارة يمين، وفيها الزيادة في الحديث المشهور: (من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين)، وهي زيادة على الرواية الصحيحة، وهذه الرواية موجودة في السنن، والأصل في صحيح مسلم، وهذا يدل على أنه إذا لم يسم النذر، فإن عليه كفارة يمين.
ووجه ذلك أنه قال: لله عليّ فحصل الالتزام، والصيغة موجبة للالتزام، ثم لم يبين شيئاً، فحينئذٍ تعلق به النذر، فلا وجه للإسقاط؛ لأنه التزم، ثم بعد ذلك يلزم بموجب النذر وهو الكفارة.

القسم الثاني: نذر اللجاج والغضب

قال رحمه الله: [الثاني: نذر اللجاج والغضب: وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب] نذر اللجاج والغضب أن يكون الحامل عليه هو أن يغضب من شيء فينفر منه، لا أن حالته حالة الغضب؛ لأن الغضب الذي يسقط التكليف هو الذي يصل إلى حد الجنون، وقد بينّا أن صاحبه غير مكلف، أما هذا فيكون بالحمل على الشيء أو ترك الشيء، فيقول له: لله عليّ أن تفعل كذا أو تفعل كذا، فهذا يعتبر من نذر اللجاج؛ لأنه يحصل عند المراجعات وعند الخصومات بين الناس.
[فيخير بين فعله وبين كفارة يمين] كما لو قال له: أعطني.
قال: لله عليّ أن لا أعطيك.
فحينئذٍ لو أنه رأى أن الخير أن يعطيه فله أن يعطيه، كما أنه لو حلف أن لا يعطيه فله أن يعطيه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير) فقال العلماء: من نذر ورأى غيره خيراً منه فإنه يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير، في الفعل أو الامتناع، سواءً حلف على أن يفعل أو أن لا يفعل.

القسم الثالث: نذر المباح والمكروه

قال رحمه الله: [الثالث: نذر المباح: كلبس ثوبه وركوب دابته فحكمه كالثاني] أي: لو أنه نذر لله عز وجل في لبس ثوب أو ركوب دابة، وحصل ما يوجب الحنث، فإن هذا النذر في المباحات بالإجماع، وكذلك لو قال: لله عليّ أن لا أركب الدابة، لله عليّ أن ألبس الثوب، لله عليّ أن أفعل كذا وكذا، فهذا في المباحات وهو من نذر المباح.
قال رحمه الله: [وإن نذر مكروهاً من طلاق أو غيره استحب أن يكفر ولا يفعله] وهذا ما يندب فيه الحنث ويكره فيه الفعل؛ لأن النذر إذا كان بفعل واجب فيجب الوفاء به، ويحرم الحنث فيه، ومنه ما هو مندوب، يكره فيه الحنث، ومنه ما هو مكروه يندب فيه الحنث، وهذا مما يكره ويندب فيه الحنث، فلو أنه نذر على شيء مكروه فإننا نقول له: الأفضل أن تكفر.
وقد تقدم تفصيل هذا في الأيمان.

القسم الرابع: نذر المعصية

قال رحمه الله: [الرابع: نذر المعصية: كشرب خمر، وصوم يوم الحيض والنحر، فلا يجوز الوفاء به ويكفر] اختلف العلماء في هذا النوع من النذر، وهو أن ينذر أن يفعل معصية أو يترك واجباً، وهذا يسمى: نذر المعصية بفعل المحرمات أو ترك الواجبات، فقال بعض العلماء: لا ينعقد أصلاً ولا كفارة فيه؛ لأنه لغو.
ومن أهل العلم من قال: فيه كفارة، وهذا جار على الأصول وهو أقوى، وهو الذي درج عليه المصنف رحمه الله، ولا يجوز له أن يعمل بذلك، فالمرأة فلا يجوز أن تصوم يوم حيضها؛ لأن هذا منهي عنه شرعاً، وكذلك صوم يوم النحر، كما في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يومي العيد، فلا يجوز له أن يصوم هذين اليومين وإنما يكفر.

القسم الخامس: نذر التبرر

قال رحمه الله: [الخامس: نذر التبرر مطلقاً أو معلقاً، كفعل الصلاة والصيام والحج ونحوه] كأن يقول: لله عليّ أن أصوم، لله عليّ أن أصلي، لله علي أن أعتمر، هذا نذر التبرر: وهو طلب البر والطاعة، فهذا مندوب، والرغيبة فيه والأجر فيه والمثوبة فيه، ولذلك يستحب الوفاء به والقيام به ويستحب أن لا يحنث فيه، ومن هنا هذا النوع من النذر مما يستحب فيه الوفاء ويكره فيه الحنث.
وكذلك لو قال: لله عليّ أن أصوم الإثنين والخميس.
وقال: ما رأيكم؟ نقول له: يا أخي! هذا النوع من النذر نذر بر وطاعة وخير فلا تحرم نفسك الأجر، وقد حملت نفسك على هذا الخير بحامل وبإلزام فابق على هذا الإلزام؛ لأنه أعظم لأجرك وأتقى لربك، فهذا النذر يعتبر الوفاء به مندوباً، وقيل: إنه هو الذي ورد الثناء عليه في قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان:7] وليس النذر المعلق على المكروهات.
قال رحمه الله: [كقوله: إن شفى الله مريضي أو سلّم مالي الغائب فلله عليّ كذا فوجد الشرط لزمه الوفاء به] قوله: (إن شفى الله مريضي).
هذا النذر فيه وجه من الكراهة، وكذلك إن قال: إن سلمت بضاعتي؛ لأنه قد يعتقد أن البضاعة ما سلمت إلا بهذا النذر، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) بمعنى: أن النذر ليس هو الذي يؤثر في قضاء الله وقدره.
فبعض الناس يظن أنه ما دامت تجارته في خطر إذاً ينذر، كأنه بهذا الفعل يجامل ربه، هذا معنى قوله: (لا يأتي بخير) إذاً: يجب أن لا يعتقد الإنسان بنذره كأنه يحمل -حاشا لله- الله عز وجل أن يسلم له بضاعته أو يشفي مريضه، فإن الله سبحانه وتعالى لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، والله الغني ونحن الفقراء، فهذا الاعتقاد قد يحصل من بعض ضعاف النفوس، وهذا وجه كراهة النذر، وهو كون المرء يظن أنه بهذا النذر حصل له المطلوب، واندفع عنه المرهوب الذي لا يحبه ولا يريده، وهذا هو المعنى المذموم شرعاً.

حكم من نذر الصدقة بماله كله أو أقل من الثلث

قال رحمه الله: [إلا إذا نذر الصدقة بماله كله أو بمسمىً منه يزيد على ثلث الكل فإنه يجزئه قدر الثلث] إذا نذر أن يتصدق بماله كله فوجهان: قيل: إنه يقبل منه، كما قبل النبي صلى الله عليه وسلم من أبي بكر رضي الله عنه حينما خرج من ماله، وخرج بعض الصحابة من مالهم.
ومن أهل العلم من قال: من نذر أن يتصدق بماله كله، فإنه يتصدق بالثلث ويجزيه، ويسقط عنه الإلزام في الكل، وأخذوا هذا من حديث: (قال: يا رسول الله! إن من توبة الله عليّ أن أتصدق بمالي.
قال: أمسك عليك مالك) قالوا: إن هذا يدل على أنه لا يتصدق بالمال كله.
وقبل النبي صلى الله عليه وسلم من سعد الثلث كما في حديث الوصايا فقال: (الثلث والثلث كثير) ففرقوا بين الكثير والقليل فقالوا: يخرج الثلث، وظاهر السنة يدل على قبول خروجه من المال كله، خاصة إذا كان قوي الإيمان قوي الاعتقاد فلا بأس بذلك ولا حرج، كما قبل النبي صلى الله عليه وسلم من أبي بكر رضي الله عنه ذلك.
[وفيما عداها يلزمه المسمى] قوله: (وفيما عداها يلزمه ما سماه) أي: إذا كان أقل من الثلث كما لو سمى الربع أو سمى الثمن فإنه يلزمه أن يفي به.

حكم من نذر صوم شهر

قال رحمه الله: [ومن نذر صوم شهر لزمه التتابع].
من نذر صوم شهر فله حالتان: الحالة الأولى: أن يسمي شهراً بعينه، فيفوت بفوات أول يوم منه، فلو أفطر في أوله فحينئذٍ انتقض نذره ولزمته الكفارة، كما لو قال: لله عليّ أن أصوم شهر ربيع الأول، فإذا هل هلال ربيع الأول لزمه أن يصوم الشهر كاملاً متتابعاً، سواءً كان ناقصاً أو كاملاً، فهذا المعين يتقيد به.
الحالة الثانية: أن يطلق، فإذا أطلق يخير بين أن يصوم أثناء الشهر أو أن يصوم شهراً كاملاً، فلو أنه حلف أن يصوم شهراً فابتدأ ببداية شهر ربيع، وتبين أن ربيع ناقص أجزأه؛ لأن الشهر يكون ناقصاً وكاملاً كما قال صلى الله عليه وسلم: (الشهر هكذا وهكذا).
لكن إذا أراد أن يصوم أثناء الشهر فلابد أن يعد ثلاثين يوماً، وللعلماء وجهان: منهم من قال: إنه يصوم ثلاثين يوماً ولو متفرقة، إلا إذا قصد التتابع، وهذا أقوى مما اختاره المصنف رحمه الله أنه يلزمه التتابع.

عدم لزوم التتابع لمن نذر صيام أيام معدودة

قال رحمه الله: [وإن نذر أياماً معدودة لم يلزمه إلا بشرط أو نية] قال: لله عليّ أن أصوم عشرة أيام، أو لله عليّ أن أصوم عشرين يوماً، فإن شاء صامها متفرقة وإن شاء صامها متتابعة.

شرح زاد المستقنع -

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
التخيير في كفارة اليمين بين خصال الكفارةالسؤالحكم من لزمته أيمان متكررة قبل التكفير حال اتحاد موجبها أو اختلافهباب جامع الأيمانما يرجع إليه في الأيمانالرجوع إلى نية الحالف إذا احتملها اللفظالرجوع إلى سبب اليمين عند انعدام النيةالرجوع إلى التعيين في اليمين عند انعدام النية والسببالرجوع في اليمين إلى ما يتناوله الاسم عند عدم النية والسبب والتعيينأقسام الحقائق ومتى يرجع إليها في اليمينالجوابالحقيقة الشرعية ومتى يرجع إليها في اليمينالحقيقة اللغوية ومتى يرجع إليها في اليمينالحقيقة العرفية ومتى يرجع إليها في اليمينحكم من أكره على فعل شيء حلف ألا يفعلهحكم من حلف ألا يفعل شيئاً ففعله ناسياً أو جاهلاًالجوابحكم من حلف على من ليس له عليه سلطانحكم من حلف على شيء وفعل بعضهباب النذرتعريف النذرأقسام النذر الصحيحالقسم الأول: النذر المطلقالقسم الثاني: نذر اللجاج والغضبالقسم الثالث: نذر المباح والمكروهالقسم الرابع: نذر المعصيةالقسم الخامس: نذر التبررحكم من نذر الصدقة بماله كله أو أقل من الثلثحكم من نذر صوم شهرعدم لزوم التتابع لمن نذر صيام أيام معدودة
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل