شرح زاد المستقنع للشنقيطيمقدمة كتاب الأطعمة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأطعمة أنواع: منها النباتية، ومنها الحيوانية، ومنها الجمادات، وكل طعام الأصل فيه الحل حتى يدل الدليل على خلافه، وهذا يدل على أن الشريعة جاءت بما فيه المصلحة والتيسير لا التشديد، وهي إذا حرمت نوعاً من الأطعمة فإنما لما فيه من الضرر على الإنسان وحياته.

حقيقة الأطعمة وأحكامها

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [كتاب الأطعمة] الأطعمة جمع طعام، واختلف العلماء رحمهم الله في حقيقة الطعام شرعاً على وجهين: الوجه الأول: أن الطعام ما يؤكل ويشرب.
الوجه الثاني: أن الطعام ما يؤكل مطلقاً.
وفائدة هذا الخلاف: هل يدخل الماء في المطعومات أو لا يدخل؟ وهكذا بقية المائعات، فالذين قالوا: إن الشراب والمائع يدخل في الطعام، احتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة:249]، فقالوا: (ومن لم يطعمه) وقد انصرف ذلك إلى الماء، فدل على كون الماء مطعوماً، كذلك استدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم في زمزم: (إنها طعام طعم، وشفاء سقم) قالوا: فهذا يدل على أن الماء والمائع يكون طعاماً، ومن هنا قالوا: إن الحقيقة الشرعية تشمل هذا -أعني: المأكول والمشروب-.
ومن فوائد ذلك: جريان الربا في الماء، فلو قلنا: إن الشريعة إذا أطلقت الطعام تقصد به المأكول والمشروب، فمعنى ذلك أنه يدخل في عموم الحديث الذي رواه معمر بن عبد الله: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل)، ومن هنا لا يجوز بيع الماء بالماء إلا متماثلاً ويداً بيد، بناءً على أنه يدخل في الطعام الشرعي.
وقوله رحمه الله: (كتاب الأطعمة) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بما أحل الله وما حرم، وما كره للعبد أن يطعمه.
وهذا الباب باب عظيم؛ لما يشتمل عليه من بيان أحكام ومسائل شرعية تعم بها البلوى، ويحتاج المسلم إليها في نفسه وفي أهله وفي الناس جميعاً، ولما في الطعام الطيب والأكل من الطعام الطيب، أو من الطيبات من الخير العظيم للإنسان؛ لأن الله يزكيه بذلك حتى تستجاب دعوته، وتقبل دعوته إذا طاب مطعمه، قال صلى الله عليه وسلم: (أطب مطعمك؛ تستجب دعوتك).
وقد جمعها رحمه الله في قوله: (الأطعمة)؛ لأنها أنواع من حيث الحقيقة، فهناك أطعمة نباتية، وهناك أطعمة حيوانية، وهناك أطعمة من الجمادات، وكذلك أيضاً لاختلاف أنواعها الشرعية: فهناك طعام محرم، وهناك طعام مباح، وهناك طعام مكروه، فنظراً لتعددها قال رحمه الله: (كتاب الأطعمة).

الأصل في الأطعمة الحل

قال رحمه الله: [الأصل فيها الحل]: قوله رحمه الله: (الأصل فيها الحل) الضمير عائد إلى الأطعمة، أي: حكم الشريعة على الطعام أنه حلال للمسلم، وهذا الأصل دل عليه دليل الكتاب كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:13]، وهذا التسخير لبني آدم يقتضي الانتفاع، فإن كان الشيء الموجود في السماوات والأرض مطعوماً يطعمه، وإذا كان مشروباً يشربه، وإذا كان من جنس ما يركب يركبه، إذن قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ) يقتضي الإباحة والحل، ومن هنا: نص العلماء والأئمة على أن الأصل في الطعام: أنه حلال.
وفائدة هذا: أن الفقيه، وطالب العلم، والمسلم يعلم أن أي طعام الأصل فيه أنه حلال، حتى يدل الدليل الشرعي على عدم جوازه، ومن هنا لو اختلف العلماء رحمهم الله في طعام هل يجوز أكله أو لا يجوز أكله، فإن الذي يقول بجواز الأكل يستدل بالأصل، ويقول: الأصل عندي أن الطعام حلال، ولذلك يجوز لي أن آكله حتى تعطيني دليلاً يدل على أنه لا يجوز لي أن آكل هذا, ومن هنا نجد أن العلماء والأئمة يقولون: إن حفظ الأصول هو الطريق للوصول، ولذلك قالوا: من حرم الأصول حرم الوصول، والمراد بالأصول: أصول الأبواب، وليس أصول الفقه، وإن كانت أصول الفقه مهمة، لكن المقصود أصول الأبواب: أي أنك في كل باب تعرف ما هو حكم الله، وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، الذي شرعه في كتابه، وبهدي نبيه صلى الله عليه وسلم على الشيء: هل هو حلال، أو غير حلال؟ فإذا علمت هذه الأصول تسأل عما يستثنى، وعندها تكون قد وصلت إلى خير كثير من العلم.
وقوله: (الحل) أي: الجواز، بدليل الكتاب، ولإجماع العلماء رحمهم الله على أن الأصل في الطعام أنه حلال.

إباحة كل طاهر لا ضرر فيه

قال رحمه الله: [فيباح كل طاهر لا مضرة فيه]: الفاء: للتفريع، أو سببية، يتفرع على ما سبق من كون الأصل في الأطعمة أنها حلال، أن نقول ونحكم بأنه يباح كل طاهر لا مضرة فيه، فيباح كل طاهر، و (كل) من صيغ العموم.
قوله: [كل طاهر لا مضرة فيه] هذان الوصفان ما اجتمعا في شيء من الأطعمة إلا كان طيباً: أن يكون طاهراً، وأن يكون لا مضرة فيه، فكل ما جمع هذين الوصفين فإنه الطيب الذي عناه الله عز وجل بقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:57]، وعتب على من حرم فقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:32]، فكل طاهر لا مضرة فيه فإن الله قد طيبه، وهو حلال، هذا الأصل.
قوله: (كل طاهر) هذا اللفظ له مفهوم وهو: أن من أسباب التحريم: عدم الطهارة، أو كون المأكول أو المطعوم ليس بطاهر، أي: إما نجس، أو متنجس؛ لأن المتنجس يأخذ حكم النجس، أو يكون مما فيه ضرر، وسيأتي أنه لا يجوز أكل النجس.
[من حب، وثمر وغيرهما]: قوله: (فيباح كل طاهر لا مضرة فيه) هذا كما قلنا عموم، وهذا العموم يحتاج إلى بيان، ولذلك قال: (من حب، وثمر وغيرهما).
الضرر: ضد النفع، وهو نوعان: إما ضرر ينتهي بالإنسان إلى الموت والهلاك.
وإما ضرر دون ذلك.
فأي طعام اشتمل على فوات الأنفس وهلاك الأرواح فإنه لا يجوز أكله، أو يكون فيه ضرر يتسبب في إتلاف الأعضاء، أو تعطيل منافعها، أو يُحدث للإنسان ضرراً في عقله، أو ضرراً في حاسة من حواسه، أو يشوش عليه، أو يقلقه، أو يزعجه ونحو ذلك، فإنه يحكم بعدم الجواز؛ لأن النصوص في الكتاب والسنة دلت على تحريم إضرار الإنسان بنفسه، ولذلك حرم الله على العبد أن يقتل نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:29]، وقال تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:195]، وكل ما فيه ضرر يلقي بالإنسان إلى التهلكة، وقد يُهلك عضواً من أعضائه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله عن تعذيب هذا لنفسه لغني)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن لنفسك عليك حقاً)، ومن هنا: حرم أكل وشرب الأشياء المضرة، سواءً كانت من الجامدات، أو كانت من المائعات.
قال رحمه الله: [لا مضرة فيه] فلا يجوز أكل السم؛ لأن فيه ضرراً، ولا يجوز أكل ما فيه ضرر على الإنسان في حواسه كما ذكرنا، مثل: الشاة التي فيها مرض، فإنه إذا أكلها انتقل إليه المرض ونحو ذلك، كل هذا لا يجوز، وهو مفرع عن الأصل الذي ذكرناه: أن الأصل لا يكون طيباً إلا إذا كان طاهراً لا مضرة فيه.
قال رحمه الله: [من حب، وثمر وغيرهما]: قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:141]، فأحل الله عز وجل أكل ثمار الأشجار، والزروع، وأباح الانتفاع منها، وكذلك أيضاً دلت الأدلة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم على إباحة أكل الحيوانات من بهيمة الأنعام من الإبل، والبقر، والغنم، وكل هذا داخل تحت العموم، فيباح كل طاهر لا مضرة فيه؛ من حب، وثمر وغيرهما، و (من) هنا بيانية.

تحريم كل نجس وضار من الأطعمة

قال رحمه الله: [ولا يحل نجس] ولا يحل نجس: هذا المفهوم جاء بالمنطوق تقريراً للأصل: أنه يباح كل طاهر لا مضرة فيه، والمفهوم: يحرم كل نجس، وكل ما فيه ضرر.
والنجس في لغة العرب أصله: القذر، والقذر: هو الشيء الذي تعافه النفوس؛ من المستقذرات، والأشياء الخبيثة، فإنه يحرم أكل النجاسات، والأصل في ذلك: تحريم الله للميتة، وما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: أنه لما حرم لحوم الحمر الأهلية، نادى مناديه -كما في الصحيح- قال: (إنها رجس)، والرجس: هو النجس، وهذا يدل على أنه لا يجوز أكل كل النجاسات.
قوله: [كالميتة] الميتة: هي الحيوان الذي هلك حتف نفسه بغير ذكاة.
والميتة لا توصف إلا في الحيوانات، فلا يمكن أن نقول للبرتقال ميتة، ولا للتفاح؛ لأنه لا توجد فيه حياة، إذن العلماء رحمهم الله إذا قالوا: ميتة، فمعناه: أنه متعلق بالحيوان، وتوضيح ذلك: أن الحيوان إما أن يذكى؛ إذا كان من جنس ما يذكى، وإما أن يموت حتف نفسه، أو بذكاة غير معتبرة شرعاً، ولذلك نجد بعض الفقهاء في تعريفه للميتة يقول: هلك حتف نفسه، أو بغير ذكاة، لأنه لما قال: هلك حتف نفسه، مثل الشاة تموت بأمر الله عز وجل، يعني: تموت فجأة، ولو أن شخصاً أمسك الشاة فخنقها، أو وضعها في ماء حتى هلكت، أو رماها من شاهق حتى تردت، فهي منخنقة، أو متردية، أو رماها بحجر على رأسها فهلكت فهذه موقوذة، فكل هذه الأنواع ميتة، ولكنها ماتت بغير ذكاة شرعية، ولذلك نجد بعض العلماء يضيف هذا القيد: هلك حتف نفسه، أو بغير ذكاة شرعية، حتى يشمل النوعين.
والميتة نجسة، ولا يجوز أكلها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:3]، وذلك في آية البقرة، وآية المائدة، وقال تعالى أيضاً في آية الأنعام: ﴿قُُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام:145] فهذه النصوص تدل على حرمة أكل الميتات؛ من الإبل، والبقر، والغنم، ويقال: ميتة، لما له ذكاة، وللحيوان الذي في الأصل لا يؤكل إذا مات، لأنه يعتبر ميتة، فاجتمع فيه التحريم بالأصل، والتحريم بعدم وجود الذكاة، وهذا مبني على مسألة حله عند الاضطرار، هل يشترط فيه الذكاة أو لا؟ كما سيأتي في باب الذكاة.
فالميتة لا يجوز أكلها، كلاً وجزءاً، ولا يجوز الانتفاع بها، إلا ما ورد الدليل من الانتفاع بجلدها، وهذا الأصل محل إجماع عند العلماء رحمهم الله.
[والدم]: لا يجوز شرب الدماء، والدم المراد تحريمه هنا: الدم المسفوح، وهو: الدم الذي يسبق الموت، والدم الذي يكون أثناء التذكية، فلو أن شاة جرحت، فتطاير دمها على ثوب الإنسان، فإن هذا الدم دم مسفوح، والدم هو الذي يكون بغير ذكاة، سواء سبق الذكاة أو أثناء الذكاة، ولو أراد أن يذبح الشاة أو ينحر البعير، فتطاير عليه دمه فإنه نجس، وهو الذي يسمى بالدم المسفوح: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام:145]، فالدم المسفوح: هو الذي يكون في البهيمة حال حياتها إذا نزفت، أو قطع عضو من أعضائها فجرى منها الدم، أما الدم الذي يكون في الحيوان المذكى بعد ذكاته، فإنه طاهر، فلو أن شخصاً أتى عند جزار، والجزار يقطع له كتفاً من شاة مذكاة، فتطاير عليه دمها، فإنه طاهر، لكن الدم الذي يكون في الرقبة، والدم الذي يكون في السفح-الذكاة- أو أرسل سهماً، أو ببندقيته، فضرب بهيمة فتطاير دمها؛ فهذا الدم المسفوح الذي يكون أثناء الذكاة نجس.
فلا يجوز شربه، ولا الائتدام به، ولذلك حرم النبي صلى الله عليه وسلم بيعه، لكن يجوز الانتفاع به في حال الاضطرار، كما لو احتاج إلى أن يتبرع بدمه لإنقاذ نفس، فهذا استثناه الله عز وجل في قوله: (إ ِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام:119]، وقوله سبحانه: ﴿إ ِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة:173]، فإذا توقفت حياة شخص على أن يُتبرع له بالدم، فإنه يجوز للإنسان أن يتبرع له، وينوي إنقاذ حياته، وهو مأجور على ذلك، ويدخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:32]، وهذا الدم يعتبر من إنقاذ الأنفس، وتكون الحالة حالة اضطرار.
[ولا ما فيه مضرة كالسم ونحوه]: لا يجوز أكل ما فيه مضرة كالسم؛ لأن السم قاتل -أعاذنا الله وإياكم منه- وهو يكون في الحيوانات، ويكون في النباتات، ويكون في الجمادات، فسم الحيوانات: مثل ما ذكر العلماء: في السمك، فهناك نوع من أنواع السمك، يقولون له: السمك المسموم، ويكون في الحيوانات كالوزغ الأبرص، فإنه من الحيوانات المسمومة -وذكروا: الزنبور، والنحل- الميت منه يقتل الإنسان غالباً إذا أكله، فهو محرم، سواءً كان من الحيوانات، أو كان من النباتات كالخردل، أو كان من الجمادات كالزرنيخ، فهذا لا يجوز أكله.
إذاً: سبب تحريم السم وجود الضرر، فإن كان السم لا يشتمل على ضرر، بمعنى أن يتعاطاه الإنسان بطريقة لا تضره، ولا تأتي ببلاء عليه في عضو من أعضائه، أو في جسده، فيجوز أكله، ويجوز تعاطيه للحاجة، مثل الدواء، فبعض الأدوية توضع فيها جرعات من السم، وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعاطي السم للوقاية، كما كان يفعله بعض الأطباء للعظماء، والسلاطين إذا خشوا أن يُسموا، فكانوا يعطونهم جرعات من السم، حتى يصبح الجسم قابلاً للسم، فكانوا يرخصون في هذا؛ لأن سبب التحريم خوف الهلاك، والعلة إذا زالت يزول الحكم المترتب عليها، وعلى هذا لو زال أو غلب على ظنه أنه لا يستضر فإنه يجوز تعاطيه.
أما بالنسبة لدليل تحريم السم فقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:195]، والسم ينتهي بالإنسان إلى الموت، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:29]، وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من تحسى سماً فمات منه، فهو في نار جهنم يتحساه، خالداً مخلداً فيها)، فهذا يدل على تحريم أكل السموم.
وإذا ثبت أنها حرام، فإنه يحرم بيعها، إلا إذا كان على الوجه الذي استثنيناه، ولكن لو علم أن شخصاً سيأخذ السم، ويقتل به نفساً محرمة فلا يجوز وهكذا.
ومما يتفرع على هذه المسألة بيع الأدوية ممن لا يحسن صرفها، كأن يبيعها الصيدلي، أو يعطيها للمريض، أو يصرفها طبيب ليس من تخصصه، والأدوية، إما أن تكون فيها سموم، أو فيها ضرر، وكلاهما موجب؛ لأن أصل تحريم أكل السموم: الضرر، فالقاعدة العامة: وجود الضرر، والمثال: السم، فإذا كانت الأدوية تصرف من شخص ليست عنده أهلية، فالغالب الضرر، وحينئذ لا يجوز أن يأكلها، ولا يجوز أن يتعاطاها.

ما يحرم من الحيوانات البرية وما يباح

قال رحمه الله: [وحيوانات البر مباحة]: هذا أصل عام.
والحيوان ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون برياً.
وإما أن يكون بحرياً.
فحيوان البر: يشمل ما كان في السماء، كالطيور، وما كان في الأرض؛ مثل بهيمة الأنعام، ونحو ذلك من الوحوش في البراري، وغيرها مما أحل الله عز وجل، هذا حيوان البر.
وحيوان البحر: كالسمك، والحوت ونحو ذلك، والحيوان البحري: هو الذي لا يعيش إلا في البحر، أو غالب عيشه في البحر، بحيث إذا خرج يهلك، أو يقل خروجه، ونسله وتكاثره في غير البحر.
حيوانات البر تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: مستأنسة: وهي التي تكون بين الناس وتأنسهم، وتألف الناس ويألفونها ولا تنفر منهم؛ كالإبل، والبقر، والغنم، ومن الطيور: كالدجاج، والإوز، والبط، هذه يسمونها: مستأنسة وداجنة.
والقسم الثاني: المتوحشة، وهي بطباعها تنفر من الإنسان، كبقر الوحش، وحمار الوحش، والثيتل، والوعل، ونحو ذلك من حيوانات البر، والطيور: مثل العصافير، والحباري، والقماري وغير ذلك.
فحيوانات البر: الأصل حلها، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:96] معناه: أنه حلال لكم إذا لم تكونوا محرمين، هذا بالنسبة للصيد البري، وصيد البحر.
أما بالنسبة للمستأنس البري: فإن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الإبل، والبقر، والغنم، وهذا يدل على حل حيوانات البر.

حكم أكل الحمر الإنسية والوحشية

قال رحمه الله: [إلا الحمر الإنسية]: الحمر نوعان: الأول: حمر إنسية، أو أهلية: وهي التي تعيش بين الناس، الأسود منها، أو الرمادي، أو الأبيض، أو الأغبر.
الثاني: حمر وحش: وهي التي تعيش في البراري، وهو الأبيض والأسود المخطط، وهو معروف إلى الآن في زماننا، وموجود.
ولكن يقل وجوده في جزيرة العرب؛ لأنه كان يأتي من أفريقيا، كما حدثنا كبار السن، وقل وجوده بسبب عدم وجود الهجرة.
فبالنسبة للحمر الأهلية: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها عام خيبر، ونهى عنها عليه الصلاة والسلام عام الحديبية -كما في بعض الروايات- ونهى عنها في خطبة حجة الوداع، والإجماع قائم -بعد أن وقع بعض الخلاف عن الصحابة- على تحريمها، وقد أمر صلى الله عليه وسلم بإكفاء القدور، كما في حديث أنس، وحديث جابر: نادى مناد: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن الحمر الأهلية) وهذا يدل على تحريم أكلها.
واختلف العلماء في العلة: فقيل العلة أنها تجول، وتأكل النتن، والقذر في القرى والهجر، وهذه العلة يرتضيها الإمام البخاري، ويقويها حديث الغالب بن أبجر: (إنها جوال القرية): أي تجول في القرى.
وقيل: إنها لا تخمس في الغنائم، وهي علة ضعيفة، وقد تقدم معنا أحكام الخمس.
وقيل: إنه يحتاج إليها للظهر؛ أي: أن يحمل عليها، كما يشهد لذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
وقيل-وهي العلة القوية-: كما في حديث أنس رضي الله عنه في الصحيح، ورجحه غير واحد من العلماء أن العلة هي: النجاسة، وذلك لحديث: (وأمر أن تكفأ القدور، وقال: إنها رجس)، والرجس هو: النجس، وهذا يدل على أن تحريم أكل الحيوانات المحرمة يؤدي إلى الحكم بنجاستها، وهذا صحيح، ولذلك حكم بنجاسة الميتة، وهذا الذي أجمع عليه العلماء، وشكك فيه بعض المتأخرين، وقال: لا يعرف دليل على نجاسة الميتة، لكن يقوي القول بنجاستها حديث الحمر؛ ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت الحمر تؤكل، ثم في اليوم الثاني عندما حرِّم أكلها قال: (إنها رجس)، فدل على أنها سلبت ما فيها من الطيب، وأصبحت نجسة، ولا يجوز أكلها من هذا الوجه.

حكم أكل ما له ناب من السباع

قال رحمه الله: [وما له ناب يفترس به]: الناب: هو السن الذي يلي الرباعيات ويفترس به؛ وهنا وصفان: أن يكون له ناب، وأن يفترس؛ أي: أن يكون من العاديات، وهذا لا يكون إلا في السباع.
والأصل في تحريمه قوله صلى الله عليه وسلم: (كل ذي ناب من السباع حرام) والحديث في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره.
فهذا أصل عند جمهور العلماء في تحريم أكل السباع العادية؛ كالأسد، والنمر، وكل ما له ناب، يعدو به على الناس، ولذلك لا يحل أكل لحمه.
وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن العلة في هذا التحريم: أن السباع العادية فيها قوة، وفيها كلَب، وفيها نفس خبيثة في الاعتداء، وإلحاق الضرر بالغير، واللحم يؤثر في الطبائع، ولـ ابن خلدون كلام تاريخي على مسألة النباتية والحيوانية، يعني أكل النباتات والحيوانات، وتأثير ذلك على الطباع.
فالسباع العادية إذا أكل لحمها تأثر الإنسان بطباعها الخبيثة من العدو والكلب، ولذلك نهي عنه، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: (السكينة عند رعاة الغنم من مضر) لأن طبيعة الغنم السكينة؛ ولذلك بين أن السكينة في رعيها وأكل لحمها، ثم قال: (والجفاء عند رعاة الإبل من ربيعة) فهذا يدل على أن أكل لحم الإبل يؤثر في الطبائع، ويؤثر في نفسية الإنسان، ومن هنا قال الإمام ابن القيم: إن السباع العادية فيها نفس خبيثة، وفيها كلب وعدوان، فأكل لحمها يؤثر في طبع الإنسان، ولهذا حرمت.
واختلف العلماء في مسألة كل ذي ناب من السباع: الجمهور على التحريم، والمالكية عندهم رواية بالجواز، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام:145]، قالوا: إن آية الأنعام لم تذكر السباع.
ونقول لهم: إن قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾.
دل على عموم التحريم، وحديث: (كل ذي ناب من السباع) دل على خصوص التحريم في السباع العادية، فلا تعارض بين هذا وهذا، حيث جاءت السنة بالزيادة، والسنة تزيد على القرآن، وهذا هو الذي عليه العمل عند جماهير السلف والخلف والأئمة.
قوله: [غير الضبع]: الضبع: اختلف فيه على قولين: قيل: إنه لا يجوز أكله، كما يقول المالكية والحنفية.
وقيل: بجواز أكله، كما هو مذهب الشافعية والحنابلة.
والذين قالوا بالجواز أسعد بالدليل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحل الضبع، فقد سأل عبد الرحمن بن عبد الله بن عمارة التابعي جابر بن عبد الله صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: (الضبع صيد؟ قال: نعم، قال: آكله؟ قال: نعم، قال: أقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم).
وهذا الحديث صححه الإمام البخاري، وابن خزيمة، وابن حبان، والإمام الترمذي، والعمل عند العلماء-من ذكرنا- على متنه، أنه يدل على جواز أكل لحم الضبع، وعلى هذا فقول من قال بتحريمه مرجوح.
[كالأسد، والنمر.
كالأسد، والنمر، والذئب، والفيل: هذا تمثيل للسباع العادية، فالأسد: يقتل، ويعدو بنابه، وله كلَب، وفيه وجهان: أولاً: الأسد، والنمر من السباع العادية، وهذا النص فيه واضح.
وثانياً: اغتذاؤها بالجيف، ومن هنا تكون خبيثة، فجمعت بين الأصلين؛ لذلك التحريم فيها أقوى.
[والذئب]: والذئب له ناب، ويعدو بنابه، ويقتل.
[والفيل]: فيه قولان للعلماء: الجمهور على تحريم أكل الفيل؛ وذلك لأمرين: أولاً: وجود الناب فيه، حتى قال الإمام أحمد: لم أر أعظم منه ناباً، وقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم كل ذي ناب.
وهو يعدو؛ فإنه إذا آذاه الإنسان يفتك به، وإن كان فتكه ليس بالناب، لكنه يعدو عليه ويقتله، ففيه الكلَب.
الوجه الثاني: خبث الفيل، ومن هنا قالوا: إنه جمع بين الوصفين.
وهناك من يقول بجواز أكل لحم الفيل.
[والفهد، والكلب، والخنزير]: أما الكلب: فاختُلف في نجاسته وطهارته: فقيل: إنه نجس، وهذا هو الصحيح، وقد تقدم هذا في الطهارة وبينا الدليل على نجاسته، وبناءً على ذلك لا يجوز أكل لحم الكلب، ومما يدل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعله من الفواسق، وإن كان قد خص الكلب العقور، وقد أمر بقتل الكلاب صلوات الله وسلامه عليه، ولو كانت تؤكل لأمرهم أن يأكلوا لحمها، ولكنه عليه الصلاة والسلام أمر بقتلها، وهذا يدل على أنه لا يجوز أكل لحم الكلب.
الأمر الثاني: أن الكلب يغتذي بالجيف، ففيه استخباث لحمه، وقد جمع بين الوصفين لتحريمه.
قوله: (والخنزير) دل دليل الكتاب والإجماع على تحريم أكل لحم الخنزير، كما قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:3]، وهذا يدل على أنه لا يجوز أكل لحم الخنزير، ولا الإدهان بشحمه، ونحو ذلك من بقية أجزائه.
[وابن آوى، وابن عرس، والسنور] ابن آوى: فوق الثعلب، ودون الذئب، ويكثر صياحه لبني جنسه، وصوته أشبه بصوت الصبيان فيما ذكروا من ضوابطه، وهو مستخبث، وفيه خلاف، والجمهور على تحريم أكل لحمه.
(وابن عرس) كذلك مثله؛ لأن له ناباً، وكلباً.
(والسنور) القط: سواء كان برياً، أو أهلياً، فله كلب، وله عدو، خاصة المتوحش منه؛ وهو البري، ولو خلا بالإنسان فإنه يقتله، والقط البري المعروف، يقال: إنه من فصيلة النمور، وهو يغتذي بالجيف والأهلي يغتذي بالحشرات، فيستخبث لحمه، فهذه الأنواع كلها لا يجوز أكلها.

حكم أكل ما له مخلب من الطير

قال رحمه الله: [والنمس، والقرد، والدب]: الدب استخبثوه؛ لأن فيه الكلب، وفيه الاستخباث.
[وما له مخلب من الطير يصيد به]: بعد أن بين رحمه الله تحريم السباع العادية، بالنسبة لما يدب على وجه الأرض، شرع في بيان النوع الثاني من البري؛ لأن البري إما طائر، وإما غير طائر، فبين غير الطائر، الذي هو ذو الناب من السباع، ثم شرع في بيان المحرم من الطير، وهو كل ذي مخلب من الطير، والمخلب: الظفر، والمراد به: ما يعدو من الجوارح؛ كالصقر، والباز، والشاهين، والباشق، ونحوها من العاديات في الطيور، فهذه محرمة.
أولاًً: لوجود العدو منها، كالعدو في ذوات السباع؛ لأنها ذوات مخلب.
كذلك أيضاً: خبث تناولها للجيف، وأكلها للجيف يقوي تحريمها.
[كالعقاب، والبازي، والصقر، والشاهين، والباشق، والحدأة، والبومة]: هذه كلها من الطيور العادية، والعادية ورد فيها النص؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الحدأة في الحل والحرم، وهذا يدل على أنها ليست بصيد؛ لأن المحرم لا يقتل الصيد، ولو كانت مما يحل أكله لكان فيه الضمان في قتله، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنها فاسق، وأنها تقتل، فهذا يدل على أنها ليست مما يحل أكله.

حكم أكل ما يأكل الجيف

قال رحمه الله: [وما يأكل الجيف]: هذا المستخبث من الطيور.
[كالنسر، والرخم]: النسر معروف، وهو يعدو على الجيف، وكثيراً ما يوجد في فضلات البهائم في البر.
والرخم: وهو من أسوأ وأقذر أنواع الطيور لحماً، حتى كان بعض الأطباء إذا أعياه وجود الدود في بعض الجسم، يضع لحم الرخم على الجلد من خارج، فيترك الدود داخل البدن ويخرج إلى الرخم، وهذا من غريب ما فعله بعض الأطباء حينما أعيته الحيلة والرخم يضربون به المثل للشيء الذي يكون عديم الفائدة، لأنه لا أحد ينتفع به.
[واللقلق، والعقعق، والغراب الأبقع]: أما الغراب فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بقتله كما في حديث الفواسق، والأبقع: هو الذي فيه البقعة البيضاء، قيل: فيه بياض.
[والغداف: هو أسود صغير أغبر، والغراب الأسود الكبير]: كل هذه يحرم أكلها -أنواع الغراب- لأنها مستخبثة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الغراب، وجعله من الفواسق، ولو كان حلالاً لما أمر بقتله عليه الصلاة والسلام، ولما جعله من جنس ما لا يضمن، كما في حديث الفواسق.

حكم أكل ما يستخبث

قال: [وما يستخبث كالقنفذ، والنيص، والفأرة، والحية، والحشرات كلها، والوطواط، وما تولد من مأكول، وغيره كالبغل] قوله: [وما يستخبث]: الأصل في تحريمه قوله تعالى: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:157]، والأصل عند جمهور العلماء أن العبرة بالاستخباث العرب؛ لأن بيئتهم هي أوسط البيئات، وطبائعهم هي أعدل الطبائع، لما جبلهم الله عز وجل عليه من الصفات، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله اختارهم واصطفاهم.
وهذا الاختيار من الله عز وجل والاصطفاء، فيما جبلوا عليه من النعم التي وضعها الله عز وجل في طبائعهم.
فما استخبثته العرب فهو خبيث، وما استطابته فهو طيب، ثم ينظر: العرب فيهم بادية وحاضرة، وفيهم الغني والفقير، وفيهم أزمنة الرخاء وأزمنة الشدة، فهل نحكم في الاستخباث والطيب بضابط معين؟ أو يترك الأمر هكذا؟ الذي عليه المحققون: أن الاستخباث والطيب أمر نسبي، وأن العبرة فيه بأعدل الناس، لأن الغني يستخبث ما يستطيبه الفقير، فلو أنه جُعل الاستخباث للأغنياء لعظم التحريم، ولم يبق شيء إلا حرم؛ لأنهم لا يأكلون إلا شيئاً معيناً خاصاً، ولذا نُظر إلى الأعدل في هذا، قيل: إنه يُنظر إلى الفقراء.
أما بالنسبة للمدن، والقرى، والبادية، فينظر إلى الوسط بينها؛ لأن البادية بحكم شدة الظروف فيهم من الجلد والقوة ما ليس بالحاضرة، ولذلك يقوون على بعض الأشياء، ويرون أنها مستطابة، وقد يكون العرب في الحاضرة لا يستطيبونها، فلو قيل: إن العبرة بطبائع البادية، لحصل توسع، ولذلك قالوا: ينظر إلى الطبائع المعتدلة في القرى، والهجر، ونحوها.
كذلك أيضاً بالنسبة للغنى والفقر، وأزمنة الخصب والجدب، فإن العبرة بالوسط بين الحالتين، وهو الذي يعتبر فيه الاستخباث وعدمه، وليس فيه إشكال إلا قليل جداً؛ لأنه ما حدث الخلاف بين العلماء إلا في مسائل معدودة، لأن كثيراً منها وردت بها النصوص، وحُل إشكالها؛ لأنه لم يُترك الشرع إلى طبائع الناس، وإنما هو وارد في بعض المسائل المحددة، وقد اختلف فيها، مثلاً: بعض الدواب مثل القنفذ، هل هو مستخبث أو ليس بمستخبث؟ حصل الخلاف بين العلماء في هذا، لكن الأمر في الأوسط، وهو الذي عليه العمل عند المحققين رحمهم الله.
[كالقنفذ، والنيص]: القنفذ معروف؛ ذو الشوك، وهو حيوان يعدو بشوكه على الأفاعي، واستخباثه من جهة مطعمه، وتستخبث النفوس أكله، وأُثر عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أنهم حرموا أكله، ونصوا على ذلك، كما أثر عن ابن عمر رضي الله عنهما، وغيره.
[والنيص]: قيل: إنه أكبر القنافذ أي: شيخ القنافذ، ويأخذ حكم التابع لما قبله، وقيل غير ذلك، ويقال له: (الدلدل) وعلى كل حال هو آخذ حكم القنافذ؛ لأن الخبث فيه من جهة أنه يعدو على الحيات والأفاعي، وهو يتكور، فتؤذيه الحية حتى يقتلها بشوكه، وقيل: إن النيص يلقي شوكه، والقنفذ لا يلقي شوكه، يعني: يرمي النيص، لكن هذا اختلف فيه بين العلماء رحمهم الله، وسواء هذا أو هذا، كلاهما شر.
[والفأرة]: النص فيها واضح، وخبثها معلوم، حتى إن الأطباء -والعياذ بالله- ذكروا أنها من أسباب الطاعون.
[والحية]: لا يجوز أكل الحيات؛ لما فيها من الضرر، وقد عدها النبي صلى الله عيه وسلم من الفواسق.
[والحشرات كلها]: لا يجوز أكل الحشرات؛ لأنها مستخبثة، إلا الدود الذي يكون في الطعام، مما لا نفس له سائلة، كدود التمر، ودود الحب، فهذا طاهر، ويجوز أكله، والأصل في ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أحلت لنا ميتتان، ودمان، أما الميتتان: فالجراد، والحوت)، فجعل الجراد من الميتات يؤكل بغير ذكاة، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يقتلونه بالرماح، والجراد مما لا نفس له سائلة، ولذلك دود التمر، وسوس التمر، والسوس الذي يكون في الحبوب ونحوها، يجوز أكله مع أنه من الحشرات، ولا يعتبر محرماً.
[والوطواط]: كذلك لاستخباثه، وقد أثر عن السلف رحمهم الله خبث لحمه.
[وما تولد من مأكول وغيره، كالبغل]: البغل يتولد من الحمار ومن الخيل، فإذا غُلب الحلال، فإنه يقال بجواز أكله، وإن غُلب الحرام، فيقال بتحريم أكله، والذي عليه المحققون: أنه إذا اجتمع الحل والحرمة في الدواب، كأن يكون متولداً من حلال وحرام، سواءً كانت الأنثى الحلال، أو العكس، فالحكم في الجميع التحريم، والسبب في ذلك: أنه ليس فيه ذرة من لحمه إلا وفيها اختلاط حلال بحرام.
وهذا لا يجوز أكل السنع والسيعار، والسنع من الذئب والضبع، والسيعار من الكلب والضبع، وقيل أيضاً: النعجة قد ينزو عليها الكلب-أكرمكم الله- فتأتي بنصف شبه للكلب، ونصف شبه للبهيمة، فكل هذا محرم؛ لأنه ليس فيه شيء إلا وقد اشترك فيه الحلال والحرام، ولا يشكل على هذا مسألة من كان يتعامل بالربا، إذا أردت أن تأخذ منه ديناً، أو استضافك، وقد اختلط ماله الحلال بماله الحرام، فليس من هذا، ولذلك قالوا: من اختلط ماله الحلال بماله الحرام لا يمتنع إلا إذا جزم بأن هذا المال من الحرام، وعلم أن هذا المال الذي يأكل منه من الحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من شاة اليهودية، واستضافه اليهودي كما في الحديث المسند على خبز وإهالة سخنة، وأكل صلى الله عليه وسلم، لأن عين المال لم يجزم بحرمته، فبقي على الأصل من حله.

ما يحل أكله من الحيوانات

قال رحمه الله تعالى: [فصل: وما عدا ذلك فحلال] أي: سوى ما ذكر فحلال، وهذا من بديع ذكر المصنف رحمه الله؛ فإنه ذكر المحرمات، ثم أعقبها بالحلال، من هنا يدرك المسلم أن ما أحل الله من الطيبات أكثر مما حرم، ولذلك قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام:145] فجعل الحل عاماً، وجعل التحريم خاصاً، وهذا يدل على سماحة الشريعة ويسرها، ولا يحرم إلا لسبب؛ إما وجود الخبث، وإما وجود الضرر، وقد يكون لسبب إلهي مثل أن يكون مذبوحاً لغير الله عز وجل، كأن يكون مما ذبح على النصب، وأهل لغير الله به.
[كالخيل]: اختلف في الخيل على قولين: قيل بتحريمها، وقيل بحل أكلها، والصحيح جواز أكلها، فقد حل نص صلى الله عليه وسلم على ذلك كما في حديث جابر في الصحيح أنه قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الحمر الأهلية، وأذن لنا في الخيل) وقالت أم المؤمنين: (نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً وأكلناه)، فهذا يدل على حل أكل الفرس، وقد حرم الحنفية وبعض المالكية أكل الخيل، لقوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل:8] قالوا: إن الله جعل الخيل مع الحمير، وهذه تسمى: دلالة الاقتران، وهي ضعيفة؛ لأن العطف لا يقتضي المساواة في الحكم، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:141] كلوا، وآتوا: فالأكل من الثمر ليس بواجب، وآتوا حقه-الذي هو الزكاة- واجبة، فالعطف لا يقتضي من كل وجه التشريك في الحكم، فالصحيح القول بجواز أكل لحم الخيل، وأنه لا بأس بذلك ولا حرج.
[وبهيمة الأنعام، والدجاج، والوحشي من الحمر، والبقر، والظباء، والنعامة، والأرنب، وسائر الوحوش] هذا فقط مجرد تمثيل، وما سوى ذلك الأمر واضح فيه، فلو أنه عدد، لم ينته الكتاب؛ لأن ما أحل الله لا ينحصر، وذلك من سعة رحمة الله بعباده.
وقوله: (بهيمة الأنعام) أي: الإبل، والبقر، والغنم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أكل الإبل، وأكل الغنم كما في حديث الشاة، وحديث الكتف، وكذلك أيضاً البقر، فقد ضحى عن نسائه بالبقر، أما الدجاج، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة) ثم الشاة، ثم الدجاجة، فدل على حل أكل الدجاج.

ما يباح من حيوان البحر وما يحرم

قال رحمه الله: [ويباح حيوان البحر كله]: شرع رحمه الله في بيان حكم حيوان البحر، وقد اختلف في الأصل فيه على قولين: القول الأول: أن حل حيوان البحر لا يختص بنوع معين، أي: أن الأصل حله، لقوله عليه الصلاة والسلام: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، فقوله: (الحل ميتته) عام، فنأكل السمك، ونأكل الحوت، ونأكل سرطان البحر، ونأكل الجنبري ونحو ذلك، وذهب الحنفية رحمهم الله إلى تخصيص الحكم بالسمك والحوت، وأن ما عداه لا يؤكل، واختلفوا في نوعين: أحدهما (الجرّيث): وهو السمك الذي كالترس المدور، و (الماراماهي): وهذا أيضاً فيه خلاف لبعض أهل البدع مع أهل السنة، والصحيح جوازه، وهو مذهب جماهير العلماء، لظاهر السنة.
فلا نحرم شيئاً من لحم البحر إلا إذا ثبت ضرره، كالسمك إذا تفسخ، وقال الأطباء: فإنه يضر، أو كان من النوع الذي فيه ضرر، فنقول: لا يجوز أكله.
إذاً: لا نحرمه إلا إذا وجد سبب يقتضي التحريم، وإلا فالأصل جوازه.
[إلا الضفدع]: لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله.
[والتمساح]: وهو من العوادي، فلا يحل أكله.
[والحية]: تقدم معنا أنها من الفواسق، ومراده هنا: حية الماء.

أحكام المضطر

قال رحمه الله: [ومن اضطر إلى محرم غير السم حل له منه ما يسد رمقه]: بعد أن بين أحكام الاختيار شرع رحمه الله في بيان أحكام الاضطرار.
والضرورة: الإلجاء، ومن اضطر إلى الشيء احتاجه ولجأ إليه بعد الله سبحانه وتعالى، ولا تكون الضرورة إلا عند الخوف على النفس من التهلكة، أو على عضو من الأعضاء؛ كاليد والرجل أن تقطع، أو تذهب منافعها، فهذا مقام ضرورة.
قوله: (من اضطر) كمن أصابته مخمصة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة:3] قيل: ألا يكون سفره لحرام، وقيل أن يقصد تقوى الله عز وجل، وألا يعتدي ويسرف في أكله، فإذا أصابته المجاعة ولم يجد شيئاً إلا الميتة، ينتظر حتى يغلب على ظنه أنه لو لم يأكل يهلك، فحينئذ يأكل، وقد ذكر الإمام الحافظ ابن حجر أمراً عجيباً عن بعض الأطباء، وهو: أن الجسم إذا وصل إلى درجة المخمصة الشديدة وأصبح في مجاعة شديدة، وبلغ حالة الاضطرار، تكون فيه مثل المادة السمية، مما يفرزه من شدة حرارة الجسم، وهي في حُمياته، وهذه المادة تقوى على دفع سم الميتات وضررها.
وقال: هذا من البديع الحسن، وكل شرع الله عز وجل حسن، ومن هنا لو اعترض معترض بأن الميتات خبث، وأنها كذا، لا يبعد أن الله سبحانه وتعالى أحل هذا، وجعل في الإنسان ما يؤهله لذلك، ولذلك لما حرم الخمر سلبها المنافع، فالله إذا أحل وحرم، حلل وحرم لحكمة: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:216]. فمن اضطر -أي بلغ مقام الاضطرار- فقد أجمع العلماء رحمهم الله على حل الميتات والمحرمات له؛ لأن الله نص على ذلك، فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [البقرة:173]، وقال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [المائدة:3]، وقال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:145]، وقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:119] فالمضطر يسقط عنه التكليف، وحينئذ ينقذ نفسه، وهذا من باب دفع الضرر الأعظم بتناول أو تعاطي الضرر الأخف، وعلى هذا أجمع العلماء والقاعدة المشهورة: (الضرر يزال) ومن فروعها: (الضرورات تبيح المحظورات).
قوله: [ومن اضطر إلى محرم]: كالميتة، فيجوز للمضطر أن يأكل منها، وهل يأكل إلى حد الشبع، أو يأكل بقدر ما يدفع المخمصة؟ وجهان: أحوطهما: أن يأكل بقدر ما يدفع به المخمصة، وإذا غلب على ظنه أنه يجد ما ينقذ به نفسه فلا يجوز له أن يحمل منها، وإذا غلب على ظنه أنه لا يجد فيجوز له أن يحمل، هذا بالنسبة للأكل مما يضطر منه.
فالقاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات) فُرعت عليها القاعدة: (ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها) ومن هنا يأكل بقدر ما يدفع به الضرر عن نفسه، والزائد على ذلك يبقى على الأصل.
[غير السم]: لأن السم لا ضرورة فيه، فإنه إذا أكله هلك، وحينئذ لا ينقذ، بل يعجل بالوفاة، فلا يجوز تعاطي السم في الضرورات، يعني ليس بموجب لاغتذاء الجسم، وليس بموجب لاندفاع الضرر عنه، إلا فيما استثنيناه من أن يكون السم للتداوي أو ما شابه، فهذا قد استثناه بعض العلماء ولا يدخل في مسألتنا، إنما المسألة: رجل جائع ويريد أن يأكل، ولم يجد إلا سماً، أو عطشان، ولم يجد إلا سائلاً من السم، وإذا شربه يموت، فإن هذا ليس مما يؤذن له بشربه.
قال رحمه الله: [حل له منه ما يسد رمقه] حل له من الميتة، أو من الطعام المحرم ما يسد رمقه؛ لأن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها.
قال رحمه الله: [ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه]: بعد أن بين الاضطرار إلى الأكل شرع في الاضطرار إلى المنافع، إذا اضطر إلى المنفعة مع بقاء العين، كأن يضطر إلى ركوب سيارة، مثل أن تكون امرأته في حالة يخشى عليها الموت، أو عنده مريض يريد أن يسعفه، ولم يجد إلا هذه السيارة وعليها مفتاحها، إذن اضطر إلى نفع في مال غير، وهي السيارة، والنفع هو الركوب، مع بقاء العين: التي هي السيارة، وسيردها إلى صاحبها، فليس فيه استهلاك للمادة، وهذا يدخل في العواري، والأصل: أن المسلم يمنح أخاه المسلم ويعطيه، دل على مشروعية ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم حينما ركب على فرس أبي طلحة، وذلك عندما سمع الصحابة ذات ليلة صيحة، فخرجوا -وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشجع الناس، وهذا الحديث من السير يمثل به العلماء على شجاعته عليه الصلاة والسلام- فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قد رجع من عند الصوت، وهو يقول: (لا تراعوا)، وكان عليه الصلاة والسلام قد ركب على فرس أبي طلحة من غير سرج، وأخذوا من هذا الحديث -يقولون- ما لا يقل عن ثلاثين فائدة، منها: استعمال مال الغير عند الحاجة مع بقاء العين، وقيل في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:4 - 7] قيل: الماعون: هو الإناء، وهذا قول لبعض العلماء، ولكن قول طائفة من أئمة اللغة، وهو معروف في لسان العرب، واختاره بعض أئمة التفسير، ومحفوظ عن أئمة الصحابة أن الماعون: كل ما يحتاج إليه الإنسان؛ لأنه من المعونة، والآية فيها وعيد شديد على أن للإنسان الذي يرى أخاه محتاجاً إلى شيء زائد عنه ثم لا يعطيه ذلك الفضل، وهذا هو المعنى الصحيح، وقد أشار إليه الأئمة كالإمام القرطبي وغيره من المفسرين، وعلى هذا لا يمنعه مالك الحاجة.
واختلف العلماء لو رأى شخصاً بين الحياة والموت, وعلم أنه لو لم يركب معه أنه سيموت، وامتنع من إركابه؛ فـ ابن حزم يرى أنه قاتل، وأنه يقتل به، وهذا من مسائله الغريبة، لكنه سيكون عليه إثم عظيم، وهذه سببية، لكنها سببية لا تفضي للزهوق، ولم يقصد بها الزهوق، ولم يقصد بها الإتلاف؛ لأنه قد يمتنع لعارض، وليس كل من يمتنع معناه أنه يريد أن يقتل أخاه، كأن تمر على شخص في الطريق في شدة الظهيرة وهو واقف فتمتنع من إركابه، كأن تكون معك عائلة، أو تخشى على عرض، أو تخشى على شيء، وهذا شيء آخر، أو وجدت شبهة وريبة، وإلا والله الأمر عظيم في منع المسلم لأخيه المسلم ما يحتاجه.
قال رحمه الله: [لدفع بردٍ، أو استسقاء ماء، ونحوه]: لدفع برد: أي من أجل دفع البرد، وإذا كان يريد منك لحافاً (بطانية)، أو استسقاء: مثل أن يريد الدلو للبئر، فحينئذ ينبغي للإنسان أن يساعده.
[وجب بذله له مجاناً]: معناه: أنه يأثم إذا لم يعطه، وفي حال الاضطرار يصير واجباً عليك، وفي حال الاختيار يكون غير واجب؛ لأنه يجد مندوحة، وعنده القدرة أن يشتري، لكن شخص مضطر يريد أن يشرب ماء ولا يجد إلا دلوك من أجل أن يغرف به فتعطيه، أو رجل يرتعش من شدة البرد، والضرر سيأتيه في بدنه، وعندك مثلاً لحاف، أو بطانية، أو كوت، أو نحو ذلك، وتستطيع أن تعطيه إياه، أو في شدة الحر يمشي على الوهيج، وقد يتأذى يتضرر، وعندك حذاء-أكرمكم الله- زائد عن حاجتك، وجب بذله، قال: (وجب) يعني: يأثم إذا امتنع.
قال رحمه الله: [ومن مر بثمر بستان في شجرة، أو متساقط عنه، ولا حائط عليه ولا ناظر، فله الأكل مجاناً منه، من غير حمل]: من مر بثمر داخل بستان: ينادي على صاحبه، فإذا لم يأت صاحبه حل له أن يأكل غير متمون، ولا يرمي الشجر فيسقط ما عليه، له أن يأكل ما أسقطه النخيل أو ما أسقطته الرياح من النخيل، وله أن يلتقط من الفواكه غير متمون، وفيها حديث السنن عنه عليه الصلاة والسلام أنه: (ينادي على صاحب البستان ثلاثاً، ثم يأكل بالمعروف).
قال رحمه الله: [وتجب ضيافة المسلم المجتاز به في القرى يوماً وليلة].
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) فالمسلم إذا اجتاز بالقرى، فيجب على أهل القرية أن يكرموه، فإذا تبرع شخص أن يؤويه، وتبرع آخر أن يطعمه، سقط الإثم عن الجميع، وإلا أثموا، فعندما يمر الضيف أو يمر المسلم بإخوانه المسلمين ولا يجد من يضيفه، هذا من أسوأ ما يكون.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا.

شرح زاد المستقنع -

باب الذكاة

الذكاة أصلها الشيء الطيب، وتنقسم في الشريعة إلى قسمين: ذكاة أصلية، وذكاة بدلية، ولكل منهما شروط حتى يحكم بصحتهما، فينبغي على كل مسلم معرفة هذه الشروط يلزم توافرها ليعرف ما أحل الله له من الذبائح وما حرم عليه.

الذكاة تعريفها وأقسامها

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الذكاة].
الذكاة أصلها: الشيء الطيب، ومنه قولهم: رائحة ذكية، وقيل: الذكاة الحدة، والفراسة القوية، ولذلك وصف بها إنهار الدم؛ لأن الآلة تفري، وتنهر الدم، فكانت هناك مناسبة بين الإطلاق اللغوي والإطلاق الشرعي.
قوله رحمه الله: (باب الذكاة) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالذكاة الشرعية، والمناسبة: أن هذه الحيوانات المباحة، يحل أكلها إذا ذكيت وكانت من جنس ما يذكى.
فإن هناك حيوانات من حيث الأصل أمر بتذكيتها، وهناك حيوانات لا تذكى، وقد بين لنا المصنف ما يحل وما يحرم، فنستبعد الذي يحرم؛ لأن الذي يحرم لا يذكى، إلا في خلاف عند العلماء في حال الضرورة، كأن يكون مثلاً جائعاً ووجد أسداً، فهل يذكيه؟ هذا إذا ما كان الأسد سيبقى إلى تذكيته! لكن بعض العلماء يرى أنه يذكى، والأقوى أنه لا تجب الذكاة؛ لأنه أصلاً ليس من جنس ما يذكى.
الذكاة نوعان: منه ما أمر الله بذكاته، ومنه ما لم يأمر الله بذكاته، وهو حيوان البحر، وأيضاً ما لا نفس له سائلة؛ كالجراد، والدود، فهذا يؤكل بدون ذكاة، أما بالنسبة للذي يكون من غير حيوان البحر، ومما له نفس سائلة مما أحل الله أكله ففيه الذكاة.

أقسام الذكاة

وتنقسم الذكاة إلى قسمين: الأول: الذكاة الأصلية.
الثاني: الذكاة المنزلة منزلة الأصل، فهي بدل عنه.
والذكاة الأصلية: تنقسم إلى قسمين أيضاً: الذبح والنحر، وما جمع بينهما: فهناك حيوانات تذبح؛ كالغنم، وتيس الجبل ونحو ذلك، إذا كان مستأنساً.
وهناك حيوانات تنحر، كالإبل، فلا يوجد أحد يذبح الإبل وإنما ينحرها، ولذلك يقال: نحرت البعير، ولا يقال: ذبحت البعير.
وما يجمع الأمرين: كالبقر، ففيه موضع للذبح، وموضع للنحر، هذا بالنسبة لما يحل أكله من الحيوان الذي يذكى الذكاة الأصلية.
والذكاة البدلية: هي ذكاة الصيد، وقد نزلت منزلة هذه الذكاة الأصلية حتى نفقه عموم حكم الشريعة في الذكاة، فالحيوان الذي يكون برياً؛ إما أن يكون من جنس ما يذكى بالأصل، وهو الحيوان المستأنس، وإما أن يكون له ذكاة بدلية، وهو الصيد، وتعكس، فتقول: إذا صار الصيد مستأنساً عومل معاملة المستأنس، فلو أمسك بقر وحش، فإنه ينحره أو يذبحه، ولو أن المستأنس أصبح متوحشاً عومل معاملة الصيد.
ومعاملة الصيد على إحدى النوعين من الذكاة، فكما أن المستأنس له طريقتان، فالصيد له طريقتان: الأولى: أن تكون تذكيته بالآلة، مثل: أن يرسل السهم، أو يثور السلاح كالبندقية، فتنهر الدم في أي موضع، فيحل أكله إذا وجده ميتاً، أما إذا وجده حياً فإنه يجب أن يعامله معاملة المستأنس، إذن هي بدلية، وليست أصلية.
الثانية: أن تكون بالحيوان، ثم إذا كانت بالحيوان؛ فإما أن تكون بالعاديات، كالكلب، والأسد، والنمر، ونحوها من الحيوانات العادية التي تعلم الصيد، وإما أن تكون بالطيور كالباز، والصقر، والنسر، والباشق، والشواهين مما يعلم من الطيور العادية.
هذا بالنسبة لمجمل نظرة الذكاة، فإما أن تكون من جنس ما يذكى، وإما أن تكون من جنس ما لا يذكى.
فمما لا يذكى، حيوان البحر، وما لا نفس له سائلة.
أما الذي يذكى وهو البري، فإنه غير ما ذكر، فإن الذكاة فيه إما أن تكون أصلية، وإما أن تكون بدلية قائمة مقام الأصل.
هذا كله يسمى من حيث الأصل: الذكاة الاختيارية، وهناك نوع من الذكاة يسمى: الذكاة الاضطرارية: وهي مثلما ذكرنا: أن يفر المستأنس، ويعجز الإنسان عن إمساكه، فيرميه في أي موضع، فيعامله معاملة الصيد، مع أنه في الأصل يذكى الذكاة الشرعية.

وجوب الذكاة في الحيوان المقدور عليه

قال رحمه الله: [لا يباح شيء من الحيوان المقدور عليه بغير ذكاة]: (لا يباح، ولا يحل): من الصيغ الصريحة في التحريم؛ وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:3] فدل على لزوم الذكاة، وهذا في جنس ما تجب ذكاته.
قال رحمه الله: [إلا الجراد، والسمك، وكل ما لا يعيش إلا في الماء]: إلا الجراد: هذا ما لا نفس له سائلة؛ ولذلك كان الصحابة يضربونه بالرماح، ويقتلونه من غير ذكاة، ثم بعد ذلك يشوى، أو يقلى، ويؤكل.
والسمك والحوت: هذا لا يذكى؛ لأنه من حيوان البحر، وحيوان البحر يؤكل بدون ذكاة إلا على مذهب المدلسين، فإنهم يكتبون على بعض الكراتين: مذبوح بالطريقة الإسلامية، وهو سمك، وهذا-نسأل الله السلامة والعافية- من خداع المسلمين، والحرص على ترويج البضاعة ولو بأي شيء، ولو بالكذب في أمر الدين-نسأل الله السلامة والعافية-.

شروط الذكاة

الشرط الأول: أهلية المذكي

قال رحمه الله: [ويشترط للذكاة أربعة شروط: الأول: أهلية المذكي]: لا تصح الذكاة إلا إذا كان المذكي أهلاً، ويكون أهلاً [بأن يكون عاقلاً، مسلماً، أو كتابياً]: قوله: (بأن يكون عاقلاً فالمجنون لا تصح ذكاته، وكذلك السكران أما المجنون: فلأنه لا يقصد الذكاة، وحكي الإجماع، لكن عند الحنفية أنه إذا كان المجنون يضبط، قالوا: تصح صلاته، أي: إذا جاء وذبح أو نحر، وضبط الذبح والنحر، تصح ذكاته، وهذا ضعيف؛ لأنه لا يوجد القصد، الذي ذكرناه في الإراقة على وجه التعبد.
أما بالنسبة للسكران؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:43]، فسيقول السكران: باسم الله، وهو لا يعلم ما يقول، وهذا يدل على أنه لا تصح ذكاة السكران؛ لأنه لا يعلم ما يقول، والمجنون في حكمه أيضاً، من باب أولى وأحرى، وهكذا من تعاطى المخدرات وزال شعوره، فإنه لا تصح تذكيته.
قوله: [مسلماً، أو كتابياً]: سواء كان مسلماً، أو كان كتابياً من اليهود والنصارى، يقول تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة:5]، والشرط: أن يكون ذبحه ونحره وقيامه بالتذكية على المعروف في دينه، فطعام الذين أوتوا الكتاب حل لنا، وقد خص الله عز وجل من بين الكفار أهل الكتاب؛ لأن غيرهم لا يتقيد بشريعة، وهم متقيدون بشريعة، وهذا الوصف يقتضي التخصيص.
وهناك من يقول: لما قال: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ): يعني ما يأكلونه من ذبائحهم، بأي طريقة ذبحوه، فكل شيء جاءنا من عندهم يؤكل، ولو كان بالآلات، يا سبحان الله! لو أن مسلماً وضع آلة، وصرعت البهيمة ودوختها، أو جاء بالآلة، وجعلها هي التي تفري الأوداج، وهي التي تقطع الرءوس، فإننا نقول: حرام، ولا يجوز، وإذا جاء كتابي -يهودي، أو نصراني- نقول: إنه يجوز؛ لأن الله يقول: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) لا يمكن هذا، (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) ما حل طعام الذين أوتوا الكتاب إلا لطيبه؛ وطيبه لأنه من شرع سماوي، ولذلك أكل النبي صلى الله عليه وسلم من شاة اليهودية.
ومن أقوى الأدلة على ضعف القول بجواز أكل كل ما أكلوه: حديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إلا السن، والظفر، وأنا أنبئكم؛ أما السن فعظم-وتعرفون أن العظم زاد إخواننا من الجن، فإذا ذبح به فالدم المسفوح نجس- وأما الظفر فُمدى الحبشة) والحبشة كانوا من أهل الكتاب، وكانت الكنائس موجودة عندهم، وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان، فكانوا يذكون بأظفارهم، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه التذكية، أحلال لأهل الكتاب حرام علينا؟! ويأتي المسلم يذكي به، إذن معناه: أنهم خرجوا عن دينهم، قال: (مدى الحبشة)، ما قال: (مدى النصارى)، ولذلك خص به: أهل الموضع.
فالذي نجده الآن في الذبائح المستوردة، نجد شيئاً خارجاً عن السنن، لا ينضبط بضوابط الشريعة الإسلامية، ولا بضوابط أهل الكتاب، فالشركة تبحث عن كثرة الإنتاج، وتبحث عن كثرة ما تصدره من الذبائح، فتقتل بأي طريقة، وتزهق بأي طريقة، وبأي وسيلة، ثم بعد ذلك لا يُسأل، ونقول: إن هذا حلال، لا، ينبغي التقيد بالوارد، وهذا الوارد هو الذي وردت النصوص باعتباره، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة:5].
ومن طرق أهل الكتاب الموجودة الآن ما يأتي: أولاً: لا نجد تقيداً من شركات الذبائح بذبيحة أهل الكتاب، بل تعمل هذه الشركات بالطرق التي يراد منها تكثير الإنتاج، بغض النظر عن كونه موافقاً أو مخالفاً، ولذلك لا يتقيد أحد من أهل الكتاب عدا اليهود في ذبائحهم، ومن هنا أكل النبي صلى الله عليه وسلم شاة اليهودية، وكان بعض مشايخنا مثل الشيخ الأمين الشنقيطي رحمه الله عندما سافر إلى الغرب ما أكل إلا من ذبائح اليهود؛ لأنهم يتقيدون بشريعتهم، والذي يتقيد بشريعة أهل الكتاب تقيد بملة، ودين، وحينئذ يجوز أكل ذبيحتهم.
لكن الذي يجري في اللحم المستورد أنه يتم قتله -بالنسبة لما يتاجر به- على مرحلتين: المرحلة الأولى: التمهيدية؛ وهي السيطرة على البهيمة.
والمرحلة الثانية: مرحلة الإزهاق.
والمحظور موجود في المرحلتين، فمرحلة السيطرة على البهيمة هذه أصلاً ليست من شرع أهل الكتاب، إنما هي من بقايا اليونانية, فإنهم كانوا لا يقتلون إلا بضرب البهيمة بالعصا على رأسها حتى تدوخ، ثم بعد ذلك يذكونها، وهذا الضرب قد يقتل البهيمة قبل أن تزهق روحها، ويقولون: إن هذا أرحم بالبهيمة.
والمصدّر من الطعام: منه ما يكون من الدجاج، ومنه ما يكون من الغنم، ومنه ما يكون من البقر، فالنسبة للحيوانات الكبيرة، يُعتنى بصرعها وتدويخها، ومسألة التدويخ تكون بطريقة الصعق الكهربائي بالمسدس في النخاع، أو الدائرة الكروانية، وهناك طريقة للدجاج خاصة؛ لأنه لا يحتاج إلى سيطرة عليه مثل البقر والغنم، وهي التي تسمى بالطريقة الإنجليزية، وهي مشهورة: يخزعون -وحتى في البهائم البقر والغنم يفعلون هذا- ما بين العظم الرابع والخامس في عظام الصدر بالمنفاخ، ثم يضخون الهواء، عندها تتخثر البهيمة، ويضعف النفس.
وهذا التدويخ من سلبياته: معارضته للشريعة، فإن الشريعة قصدت الإزهاق وإنهار الدم، قال صلى الله عليه وسلم: (ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه).
قالوا: إن البهيمة تستطاب بخروج الدم منها؛ لأنه بمجرد حدوث أي نزيف يسترسل الدم، وهذا أبلغ في طهارة المذبوح كما هو معروف طبياً، وأبلغ في طهارة اللحم، واستطابته، والعملية التي يفعلونها - وهذا إذا سلمت البهيمة- الدجاج أول شيء: يقلب، ثم يحضر بالماء ويعلق من رجليه، ولا يصل إلى المكان الذي فيه الآلات إلا وشيء منه يموت أثناء حمله، وشيء منه يموت أثناء تعليقه، ثم لا يبالى أهو حي أو ميت، ثم بعد ذلك يرش بالماء لتنظيفه بطريقة معروفة، وهذه الطريقة أبدى بعض الذين حضروا ورأوا أنه قد يحصل خنق للبهيمة بسبب الماء المبرد، ثم بعد ذلك يحضر بالتدويخ، كل هذه المراحل تأتي بعد مرحلة الزهوق.
وبالنسبة للبقر والغنم فإنهم يدخلونه بين نوعين: الدوار، والمثبت، وهي معروفة في الغرب، وجميع هذه الأحوال للبقر، والغنم، والدجاج، والآلة هي التي تزهق، فهذا هو التحضير كله، وهناك التدويخ الذي يأتي على نفس البهيمة، وقد تموت بفعل الخزع بالنخاع، ومعروف أن خزع النخاع قد يقضي على البهيمة، ولذلك من العلماء من قال: إذا ذبح الذابح، وأدخل السكين، وقطع النخاع قبل قوة المور في فري الأوداج، والحلقوم والمريء، أصبحت شبهة؛ لاحتمال أن البهيمة ماتت بخزع النخاع ولم تمت بفري الأوداج والحلقوم والمريء، وهذا سيأتي في فصل الرأس، ومن هنا قال بعض العلماء بعدم حلها، وإذا قطع النخاع وصبرت قبل الزهوق تذبح من الخلف، كل هذا من أجل أن يكون الفوات للنفس عن طريق النزف وإنهار الدم، وهذا كله مصادم لما في الشرع فيترك.
ثم تأتي المصيبة العظمى وهي: عمل الآلة، أي: أن الذي يقتل هو الآلة؛ فليس هناك آدمي؛ لا كتابي ولا غيره، بل الآلة هي التي تذكي، إلا إذا كانت الآلة من أهل الكتاب، لا أدري!! فما العجب من أن نسأل: هل ذكوا أو لم يذكوا، أهل لأن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (إن أناساً يأتوننا بلحم، حديثو عهد بجاهلية، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أو لا) فهذا الحديث خارج عن مسألتنا؛ فمسألتنا: خرجت فيها الذكاة عن الصورة الشرعية المعتبرة عند الكتابيين وعند المسلمين، أما حديث عائشة: (إن أناساً حديثو عهد بجاهلية) فمعناه: أنهم أسلموا، لكن لا ندري عندما ذبحوا؛ هل ذبحوا على طريقة الإسلام، أو على الطريقة التي ألفوها.
والأصل: أنهم لما أسلموا يعاملون معاملة المسلمين لا معاملة أهل الجاهلية، ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم لها: (سم الله) يعني هذا لا يسأل عنه؛ لأن الأصل في المسلم إذا ذبح أن تؤكل ذبيحته، وقال صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وذبح ذبيحتنا، فذلك المسلم).
فهؤلاء الأصل فيهم: أنهم إذا أسلموا أن يعملوا بوفق شريعة الإسلام، ولذلك ألغى النبي صلى الله عليه وسلم الشك، وهذا ليس له علاقة لا من قريب ولا من بعيد بمسألتنا، فالذي معنا: إعمال الذكاة، وإنفاذ الذكاة على الأصل الذي لا يمت لا إلى الشريعة الإسلامية، ولا إلى ذبائح أهل الكتاب بصلة، فوجب العمل بالأصل الشرعي: أننا نقول: هذا ليس من طعام أهل الكتاب؛ لأنه لا يحل لهم في دينهم، وإنما هو خارج عن الأصل، فلا يحل أكله حتى يكون ذبحه من المحافظين؛ فإذا كان نصراني يذبح بذبيحة النصرانية فأقبل، ولو جئت نصرانياً، وذبح ذبيحته على طريقته أقبل وآكل، كما أكل النبي صلى الله عليه وسلم من شاة اليهودية، أما أن تذبح الآلات، وتسفك، وتنهر الدم الآلات، فهذا ليس بداخل تحت قوله:: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) والجمهور على أن العبرة في طعام أهل الكتاب: أن يكون وفق شريعتهم، وليس على كل ما فعلوه أنه يقبل منهم، خاصة وحديث مدى الحبشة يدل على أنهم إذا استطابوا شيئاً أو أكلوا شيئاً، لا يأخذ حكم الأصل من جواز أكله.
وقوله: [ولو مراهقاً]: ولو: إشارة إلى الخلاف المذهبي.
(مراهقاً) مثلاً: صبي قبل البلوغ؛ في الثانية عشرة أو في الثالثة عشرة، ولم يحتلم، ولكنه يعقل، وسمى الله وذبح الذبيحة، قال: تحل ذبيحته.
قوله: [أو امرأة]: وكذلك المرأة، كما ثبت في صحيح البخاري في قصة المرأة عندما عدا الذئب على شاتها، فقطعت حجراً ثم ذبحتها.
قوله: [أو أقلف]: وهو غير المختتن، فلا تأثير له في الذكاة، وتصح ذكاته.
قوله: [أو أعمى]: جمهور العلماء على صحة تذكية الأعمى إذا ضبط ذكاته، وقال الإمام النووي

الشرط الثاني: الآلة الشرعية

قال رحمه الله: [الثاني: الآلة]: الشرط الثاني: الآلة.
[فتباح الذكاة بكل محددٍ].
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أنهر الدم)، وقال: (وليحد أحدكم شفرته)، فدل على أن المحدد من جنس ما يذكى به، مثل: السكاكين، والزجاج، فلو أنه لم يجد سكينة فله أن يذبح بالزجاج، فالزجاج له مور ونفاذ، فإذا أمسك البهيمة وذبحها بالزجاجة، أو ذبحها بنحاس له مور ونفاذ كل ذلك مؤثر ما دام أنه ينهر الدم، ولذلك لما سأل أبو ثعلبة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيد بقوسه، قال: (ما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل)، وفي بعض الروايات: (إن أصاب فخزق) وهذا يدل على اعتبار المور، والنفاذ وقد تقدم معنا في القتل العمد بيان مسألة المحدد.
قوله: [ولو مغصوباً]: إشارة إلى خلاف مذهبي، قال بعض العلماء، وهو موجود في مذهب الحنابلة: أنه لو غصب سكيناً وذكى بها، لم تصح التذكية، والصحيح مذهب الجمهور: أنه لو أخذ سكيناً فذكى بها، صحت التذكية.
قوله: [من حديدٍ، وحجرٍ، وقصبٍ وغيره]: (من): بيانية، من حديد: مثلما ذكرنا: محددة، كالسكاكين.
[وحجرٍ]: لحديث المرأة؛ لأنها كسرت حجراً.
[وقصبٍ وغيره]: القصب معروف، فإذا كان له مور ونفاذ، فإنه يذبح به وينحر.
[إلا السن، والظفر]: لأن النبي صلى الله عليه وسلم استثناهما كما في الحديث الصحيح: (أما السن فعظم) والعظم زاد إخواننا من الجن، فلو أخذ ناباً ونحو ذلك من بهيمة، وأراد أن يطعن به خزقاً كما ذكر بعض العلماء وكان بعض العرب في القديم يأخذ البهيمة بسنه، كما لو صاد عصفوراً.
فهذا من المخصصات لحديث: (ما أنهر الدم) لأن السن ينهر الدم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتبره ذكاة.
(والظفر) كذلك: وهو معروف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فمدى الحبشة).

الشرط الثالث: قطع الحلقوم والمريء

قال رحمه الله: [الثالث: قطع الحلقوم والمريء]: الشرط الثالث: قطع الحلقوم والمريء.
الحلقوم: مجرى النفس، والمريء: مجرى الطعام.
وهناك أربعة أشياء ينتبه لها: الحلقوم: مجرى النفس.
المريء: مجرى الطعام.
ثم الجانب الأيمن والأيسر من رقبة البهيمة فيها الودجان -العرقان- وبقطعهما يكون زهوق الروح.
وقد أجمع العلماء على أنه إذا قطع الحلقوم، والمريء، والودجين، أنها تحل البهيمة، وهناك من العلماء من اشترط ثلاثة من أربعة: الحلقوم، والمريء، وأحد الودجين، ومنهم من اشترط ثلاثة من أربعة دون تعيين، أن يأخذ ثلاثة من هذه الأربعة دون أن يحدد، ومنهم من اشترط الحلقوم والمريء، كما درج عليه المصنف، وبهما يتحقق الزهوق والإنهار للدم، فهذا هو القدر الذي اقتصر عليه.
[فإن أبان الرأس بالذبح لم يحرم المذبوح] الذبح يكون تحت الجوزة، أو الغلصمة كما تسمى، فإذا كان من تحتها أو عليها نفسها وفصلها، فلا إشكال، لكن لو أنه ارتفع -من فوقها- فقطع من هذا الموضع؛ فالجمهور على صحة ذلك، والمالكية عندهم قول بالمنع، والصحيح مذهب الجمهور لعموم الخبر.
قال رحمه الله: [وذكاة ما عُجز عنه من الصيد، والنعم المتوحشة، والواقعة في بئر ونحوها: بجرحه في أي موضع كان من بدنه] بعد أن بين رحمه الله ذكاة المقدور عليه، شرع في حكم ذكاة الصيد، وذكاة المعجوز عنه، فقال رحمه الله: [وذكاة ما عجز عنه من الصيد]: هذا النوع الأول.
[والنعم المتوحشة]: سيأتي في الصيد بيان أحكامه.
[وما يشرد] فمثلاً: لو أن شاة شردت، وهو في بر، وغلب على ظنه أنه لا يستطيع أن يمسكها، وأنها ستنفق في مقطعة، أو نحو ذلك، فإنه يأخذ السلاح ويرميها في أي موضع.
رأى الشاة فرت منه إلى الشارع، وهو جازم بأنها ستضربها السيارة وتموت، وإذا ضربتها السيارة فإنها حينئذ تموت بالصدم، وهذا أشبه بالارتطام وبالتردية، وحينئذ أراد أن يدرك ذكاتها، فقتلها قبل أن تصدمها السيارة.
أو جاءت على بئر، أو على هاوية، أو على شفير جبل، وهو يعلم أنها ستموت، فحينئذ لو ثور السلاح وقتلها، حلت، وتكون ذكاتها.
والدليل على ذلك: حديث أبي رافع رضي الله عنه وأرضاه: أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فند بعير وشرد، فأهوى رجل بسهمه فعقره وقتله، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن لهذه الحيوانات أوابد كأوابد الوحش، فما ند منها فاصنعوا به هكذا) فدل على أن المستأنس إذا توحش يعامل معاملة الصيد، وهذا ما عناه المصنف رحمه الله، ولم يخالف في هذه المسألة إلا الإمام مالك، فالجمهور على أنه يقتل في أي موضع، ويرمى في أي موضع، وأنه يحل بهذه التذكية، واستدلوا بحديث أبي رافع، ولذلك كان الإمام أحمد يقول: لعل مالكاً لم يبلغه حديث أبي رافع، ما قال: أخطأ مالك، أو: هذه من أوهام مالك ومن شذوذه، لا.
بل قال: لعل مالكاً هكذا وإلا فلا، هكذا يطيب العالم، ويطيب قوله، ويُطيّب بما يكون منه من حسن المعذرة لأهل العلم رحمة الله عليهم، وقد ضرب أئمة الإسلام المثل السامي في حسن الأدب رحمهم الله وفي رعاية الحرمة، وفي حفظ الحق لذي الحق، مع أن الإمام مالكاً يقول: إذا وجدتم قولي يخالف قول الرسول فاضربوا بقولي عرض الحائط، والظن به: أنه لو بلغته السنة لعمل بها، فيقول: لعل مالكاً لم يبلغه حديث أبي رافع.
[والواقعة في بئر، ونحوها]: لو وقعت شاة في بئر، فإنها ستموت بأحد أمرين: إما أن ترتطم بأرض البئر إذا لم يكن فيه ماء، وحينئذ تكون متردية، وإما أن تموت بخنق الماء إذا كان هناك ماء في البئر، فحينئذ يعاجلها بضربها في أي موضع، ويزهق روحها قبل وصولها إلى الماء.
يقول رحمه الله: [بجرحه في أي موضع كان من بدنه، إلا أن يكون رأسه في الماء ونحوه، فلا يباح].
قوله: [إلا -استثناء- أن يكون رأسه في الماء]: هذه مسألة اجتماع الحاضر والمبيح، فإنه إذا رمى الشاة، أو الطير، أو البط، أو الإوز وهو على النهر، وانغمس، وشُك: هل مات بالخنق، أو مات بالذكاة؟ فخذها قاعدة: الأصل في الصيد-يعني في الشيء الذي لا تمسكه، ولا تذكيه الذكاة الشرعية- أنه ميتة حتى تحله الذكاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم لـ عدي: (فإن أكل-يعني الكلب من الصيد- فلا تأكل، فإني أخاف -لم يجزم- أن يكون إنما أمسك لنفسه) لم يجزم بالتحريم، والأصل: حل الأشياء، لكنه غلّب التحريم، ومن هنا استنتج العلماء قاعدة: الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل.
فالصيد بضرب البهيمة في أي موضع رخصة، وتوسعة من الله، لكن لما شككنا أنها أزهقت النفس، أو أزهقها الماء بالخنق، قدمنا الحاضر على المبيح، ومُنع من أكل الطير، وإذا رأى الشاة ساقطة من علو ورماها، وغلب على ظنه أن المرمى يزهق نفسها قبل الوصول إلى الأرض، أو تكون مستنفذة الروح، حل، لكن لو رماها -مثلاً- في رجلها، وارتطمت، وقوي وغلب على الظن أن موتها كان بقوة الارتطام، فحينئذ لا تحل له، وهذا معنى قوله: إلا أن يرى رأسه في الماء، وهذا فيه أثر عنه عليه الصلاة والسلام.

الشرط الرابع: التسمية

قال رحمه الله: [الرابع: أن يقول عند الذبح: باسم الله]: وهذا لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:118]، ولقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:121]، وهذا يدل على لزوم التسمية، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل) وهذا شرط يدل على أنه إذا أرسله ولم يذكر اسم الله عليه لم يحل أكله، وأجمع العلماء على أن الأصل بالتذكية: أن تكون بذكر اسم الله عز وجل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (باسم الله) عند تذكيته صلوات الله وسلامه عليه كما في حديث أنس وغيره رضي الله عن الجميع.
[ولا يجزيه غيرها]: لا يجزيه غير باسم الله، فلو ذكر غير اسم الله-والعياذ بالله- ولو كان نبياً، أو ملكاً، فإنها تعتبر ميتة لا يحل أكلها، فلو قال: باسم النبي، أو باسم الولي فلان، أو الشيخ فلان؛ لأن الذبح لغير الله شرك (كفر) والعياذ بالله، فالذبح لا يكون إلا لله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:162]، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:2]، وهذا يدل على أنه لا يجوز ذكر غير اسم الله عز وجل مع اسم الله عز وجل عند الذبح.
[فإن تركها سهواً أبيحت، لا عمداً]: هذه مسألة خلافية، فمن العلماء من يرى أنه تحل الذبيحة إذا تركت البسملة نسياناً، ومنهم من يبقى على الأصل: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:121] وهذا أقوى، أن العبرة بذكر اسم الله، وأنه تحل الذبيحة به، وأنه لازم في الذكر والنسيان.

مكروهات الذبح

قال رحمه الله: [ويكره أن يذبح بآلة كالة]: شرع رحمه الله في بيان مكروهات الذبح، فيكره للمسلم أن يذبح بآلة كالة كالسكين غير المحددة، قال صلى الله عليه وسلم لـ عائشة: (هلمّ المدية) فجاءت بها، فقال: (اشحذيها بحجر)، فدل على أن السنة: أن تشحذ، قال صلى الله عليه وسلم: (وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)، هذه هي السنة، قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)، فإذا ذبح بآلة كالة غير مسننة وغير محددة عذب الحيوان، ولذلك أُثر في الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمتها مرتين) وفيه ضعف، لكن معناه صحيح، وأثر عن بعض الصحابة: (لا تمتها مرتين).
[وأن يحدها والحيوان يبصره]: وهذا فيه أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عنه؛ فإنه ليس من الإحسان، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإحسان عند الذبح، فيكره أن يأتي بالبهيمة ويحد السكين أمامها؛ لأن هذا مما يؤذيها.
فهذه هي الحقوق الواقعة في موقعها والواقعة في موضعها، أما أن ترى الذين لا يعقلون ولا يفقهون يريدون أن يعلموا المسلمين الحقوق! ألا شاهت الوجوه!! هذه حقوق الشريعة من قبل ألف وأربعمائة سنة، وهي تقر المبادئ السامية العادلة، أما هؤلاء فلم يعرفوا حقوق الحيوانات إلا الآن، لكنا عرفناها وعرفها أبناء المسلمين، وأطفال المسلمين وهم يمصون أصابعهم كيف يعاملون حتى الحيوان، وعلموا الحرمة حتى في الشجر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حرم في مكة شجرها، وكان المسلم يعي ما الذي له وعليه، حتى الجماد، فهذه أمة سامية، ولذلك ينبغي للمسلم أن يعتز بدينه، وأن يعلم أنه ليس بحاجة لأن يعلمه أحد، وأن ما علمه الله عز وجل يكفيه عن غيره: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:113]: إنه فضل الله عز وجل عليه، وعلى أمته صلوات الله وسلامه عليه وعلى خلقه أجمعين، فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
[وأن يوجهه إلى غير القبلة] لأن النبي صلى الله عليه وسلم وجه إلى القبلة، وهذه هي السنة، وقد قال في الحديث الحسن: (قبلتكم أحياءً وأمواتاً).
قال رحمه الله: [وأن يكسر عنقه، أو يسلخه قبل أن يبرد].
لأن في هذا إيلاماً لها؛ لأنه إذا كانت ترفس فلا زالت فيها حياة، نعم، هي كالعدم، لكن من باب الرفق أنه ينتظر حتى تبرد، ومن الأخطاء: أن ترى بعض من يذبح يدخل السكين، أو يحاول أن يكسر الرقبة قبل أن تبرد.
فتقول له: لا، افر الأوداج واقطع الحلقوم والمريء، واترك البهيمة حتى تبرد، هذا هو الرفق، وهذا هو الإحسان، وهذا الخطأ يقع من بعض الجزارين؛ لأنه يريد أن يذبح أكبر عدد فيفعل مثل هذا.

شرح زاد المستقنع -

باب الصيد

سخر الله سبحانه وتعالى الأرض لبني آدم؛ فمنها طعامهم وشرابهم ولباسهم ومساكنهم، ومن جملة ما سخر الله سبحانه في هذه الأرض أن سخر الحيوان لبني آدم، فبه يصطادون ومنه يأكلون، ولحل هذا الصيد والأكل جاءت الشريعة الإسلامية بعدة شروط وأحكام، تطالعها -أخي القارئ الكريم- في هذه المادة.

الصيد شروط حله

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الصيد.
لا يحل الصيد المقتول في الاصطياد إلا بأربعة شروط:] باب الصيد مفرع على باب الذكاة، والصيد -كما ذكرنا في الحيوان المتوحش- وأحكامه بينتها أدلة الكتاب والسنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عدي بن حاتم الطائي، وكان عدي رضي الله عنه يربي العاديات، حتى قالوا: إنه لما مات عكفت على قبره السباع من حبها له رضي الله عنه وأرضاه؛ لأنه كان مولع بالصيد بالسباع العادية، وكذلك أيضاً: حديث أبي ثعلبة الخشني في الصيد بالمعراض والصيد بالقوس.
والصيد يكون واجباً إذا كان لإنقاذ نفس، ويكون مكروهاً إذا فوت الإنسان به الأفضل والأكمل؛ لأن الصيد يشغل الإنسان ويلهيه، ويكون مندوباً إذا كان الإنسان يستغني به، أو يريد أن يطعم به ضيفاً أو نحو ذلك، ويكون مباحاً في غير ذلك.
ويكون محرماً إذا كان لإزهاق الأرواح، كمن يقتل البهيمة دون أن يأكلها، ويترك الطير بعد قتله، ولا يأكله، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح عنه (أن يتخذ الحيوان غرضاً) يعني: هدفاً، فالصيد على هذا النوع محرم لا يجوز.

الشرط الأول: أهلية الصائد

قال رحمه الله: [أحدها: أن يكون الصائد من أهل الذكاة].
وقد تقدم هذا في شروط أهلية المذكي.

الشرط الثاني: الآلة الشرعية

قال رحمه الله: [الثاني: الآلة، وهي نوعان]: الصيد إما أن يكون بالسهم، وبالرمح كما في القديم، أو بالبنادق وبالرشاش كما في عصرنا الحاضر.
وإما أن يكون بالحيوان.
يعني: الصيد إما أن يكون بآلة، وإما أن يكون بحيوان.
قال رحمه الله: [محدد يشترط فيه ما يشترط في آلة الذبح وأن يجرح].
يشترط في هذه الآلة أن تكون جارحة، فيجوز أن يصيد بالبنادق الموجودة الآن؛ لأن البندق يخزق البهيمة، قال صلى الله عليه وسلم: (إن أصاب فخزق فكل).
فإذا خزق البهيمة فقد أنهر الدم، فيذكر اسم الله عند ثوران السلاح، ويأكل ما صاد له، ما دام أنه أنهر الدم.
لكن لو كان لا ينهر الدم مثل النبال الموجودة الآن، بأن يضع الحصى ويرمي الطائر، فهذا إذا وجد الطائر ميتاً فهو موقوذ لا يحل، فقد حرم الله الموقوذة، وإذا كانت الآلة التي يستخدمها أو السلاح الذي يقتل به البهيمة له مور ويشق ويخزق ونحو ذلك حل أكل البهيمة، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل) ومفهومه: أن الذي لا ينهر الدم لا يأكل منه، كما لو كانت عنده خشبة يضرب بها الطير فتموت الحمامة أو يموت العصفور، نقول: هذا لا يجوز؛ لأنها ميتة بالارتطام، وليس فيها خزق، لكنه لو رمى سهماً أو نحو ذلك فخزق الروح ونفذ إلى البدن فإنه يحل أكله.
[فإن قتله بثقله لم يبح].
كما ذكرنا، ومنه صيد المعراض، فقد كانوا في القديم يضعون المعراض ويضعون الحجر المقلاع ويرمون به، فيجدون البهيمة ميتة، فإذا وقعت الحجرة على رأس البهيمة أو في مقتل منها فماتت، لم يحل أكلها.
[وما ليس بمحدد كالبندق والعصا والشبكة والفخ لا يحل ما قتل به].
لأنه ليس بمحدد، البندق قالوا: كان الطين يجفف ويرمون به، فيدوخ البهيمة وقد يقتلها ويقضي عليها، فله قوة قريبة من قوة الحجر، فهو يأخذ حكم الوقيذ.
والشبكة فيها خنق، فقد كانوا يضعون فيها أكلاً، وبعض الأحيان يضعونها في مجرى الصيد، ثم يثيرون الصيد من ناحية ويأتون إلى الشبكة -وهي غير الشبكة الموجودة الآن التي تمسك البهيمة حية- وكلما تقدم الحيوان جذب حتى ينخنق ويبرد، وهذا نوع من الخنق، ولذلك لا يحل أكله، لأن الإزهاق به ليس بإنهار الدم، وقد اشترط النبي صلى الله عليه وسلم لحل الذكاة إنهار الدم.
النوع الثاني: الجارحة، فيباح ما قتلته إذا كانت معلمة].
الجوارح نوعان: طيور، وسباع عادية، فالسباع العادية الصحيح أنه يجوز الصيد بأي منها، فلو علمت أسداً فصد ما شئت، وهذا له طريقة، وقد بين كتاب: حياة الحيوان، ونهاية الأرب، وصبح الأعشى للقلقشندي أنواع الحيوانات التي يصاد بها، وطريقة تعليم الصيد لهذه الحيوانات، والأصل في الشريعة أن هذا السبع وهذا الطائر يعلم بطريقة مخصوصة، ويشترط فيه أن يدعوه فيجيب، وأن يشليه فينشلي، وألا ينطلق إلا بأمره.
فمثلاً: السباع العادية نوعان مما يعلم: مما له كلب: إما أن يكون من السباع العادية كالأسد والنمر والفهد والكلب، فهذه كلها تعلم الصيد، فإذا علم الصيد جاز أكل صيده وميتته، وكذلك أيضاً الطيور الجارحة مثل الباز والنسر والباشق والشواهين والعقاب ونحو ذلك إذا علم جاز أكل صيده.
أما كيفية تعليمه: فأولاً: يعلمه استجابة الدعاء، كأن يكون بينه وبينه صوت معين، فإذا ناداه بهذا الصوت عرفه فأتاه.
ويكرر هذا ثلاث مرات، أي: يدعوه ثلاث مرات فيستجيب، ويكون هذا الصوت متعارفاً عليه، فلو علمه مرتين، ودعاه فاستجاب مرتين، فرأى الفريسة في الثالثة وانطلق بأمره وجاءه بها لم يحل أكلها، لأنه لا يصبح معلمه إلا بعد الثالثة.
الشرط الثاني: أن يشليه فينشلي، والإشلاء: التحريش أتينا أبا عمرو فأشلى علينا كلابه فكدنا بين بيتيه نؤكل هذا رجل بخيل، وجاءوا يريدون أن يطعمهم، فوجدوا طعاماً لكن من نوع خاص، فالإشلاء هو التحريش، أن يحرش الكلب أو الأسد الذي يعلمه أو النمر ثلاث مرات، فبعض الأحيان يكون عنده لحم ويرميه له، فيدعوه أن يذهب ويأتي باللحم، أو يرمي له دجاجة فتفر، فيحرشه بها.
ويكون ساكناً ينتظر أمره، فإذا استجاب ثلاث مرات ورأى صيداً في الرابعة فحرشه عليه فجاء بالصيد ميتاً حل أكله.
إذاً: هذه الأمور لابد أن تكرر ثلاث مرات: دعوى مع الإجابة، والإشلاء؛ فينشلي بأمر سيده، ويكون انبعاثه بأمر السيد لا بنفسه.
قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:4]، وهذا يدل على مشروعية تعليم الجوارح، ويشمل جارحة الطير، قال أبو ثعلبة: (يا رسول الله! إني أصيد بهذه البزاة -الباز من أفضل أنواع الطيور التي يصاد بها- وأصيد بكلبي المعلم، وأصيد بكلبي غير المعلم، فما يحل لي؟ -فبين له الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا يحل له إلا أكل ما صاد المعلم- إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل) فدل على اشتراط التعليم، كما هو ظاهر القرآن.

الشرط الثالث: إرسال الآلة قاصدا

ً قال رحمه الله: [الثالث: إرسال الآلة قاصداً].
يعني: لو أن البندقية ثارت من نفسها، فضربت فريسة، فهذا لا يؤثر ولا يعتد به، وإنما تكون ميتة.
ثم الخلاف: هل يشترط أن يعين الصيد أم لا يشترط؟ وفائدة الخلاف: لو أنه أرسلها على حمامة معينة، ثم طارت وجاءت حمامة أخرى، فإن قلنا: يشترط التعيين، فإنها تكون ميتة، وإن قلنا: لا يشترط التعيين حلت، والأقوى أنه لا يشترط التعيين، ويتخرج عليه أنه لو ذبح الشاتين بشاة واحدة، فإنه يصح، وهكذا يتفرع عليها مسألة الرصاص المنتشر؛ لأنه إذا أرسله على الصفة الشرعية بذكر اسم الله عز وجل صار مذكياً، يستوي أن يصيب ما عينه صيداً أو ما لم يعينه، ثم إنه من الصعوبة بمكان لو قلنا بالتعيين وجاء بقطيع من تيس الجبل، فصعب جداً أن يحدد واحداً، لا يمكن هذا، فأنت عندما ترى القطيع يفر ترمي مباشرة، وقد تصيب هذه أو هذه، فهل تظل تبحث عن واحدة معينة؟!! هذه مشكلة وحرج عظيم، لذلك لا يشترط التعيين، وهو الصحيح.
والسلاح الموجود الآن والذي ينتشر منه عدة طلقات إذا أصابت طلقة واحدة الفريسة فإنه يحل أكلها على الصحيح، وهو مذهب الجمهور رحمهم الله.
[فإن استرسل الكلب أو غيره بنفسه لم يبح إلا أن يزجره فيزيد في عدوه بطلبه، فيحل].
إذا استرسل الكلب وأنت جالس، سواء رأيت الصيد أو لم تر، فما شعرت إلا والكلب -أكرمكم الله- قد هاج على الصيد، فهذا له صورتان: الصورة الأولى: أن يشليه -يحرشه-، أي: فبعد أن رأيته مسرعاً زدت في تحريشه، فهذه فيها خلاف بين العلماء.
والصورة الثانية: أن تسكت.
فأما إذا سكت فإنه قد أمسك لنفسه فلا يحل الصيد؛ لأن الله يقول: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:4] أي: لكم، وإذا انبعث من نفسه فهو يريد الصيد لنفسه وليس لسيده، ولذلك قال: (إذا أرسلت كلبك) ومفهوم الصفة في قوله صلى الله عليه وسلم: (أرسلت) أنه لا يحل إذا لم يرسله، فالذي يترجح مذهب من قال: أنه يستوي إذا حرشه بعد انبعاثه أو لم يحرشه، فما دام أن الكلب بنفسه انبعث فإنه لا يحل أكل صيده، وهكذا لو أن الباز بنفسه انطلق دون أن يكون هو الذي أطلقه، ودون أن يكون هو الذي أرسله لم يحل الصيد.

الشرط الرابع: التسمية

قال رحمه الله: [الرابع: التسمية عند إرسال السهم أو الجارحة].
لأنها شرط، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:4] فدل على اشتراط التسمية، ولا بد من ذكر اسم الله عند إرساله، وهكذا قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه)، وقال: (وما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه)، فأكدت السنة ما دل عليه القرآن من اشتراط التسمية.
[فإن تركها عمداً أو سهواً لم يبح].
تقدم معنا في باب الذكاة أنهم قالوا: لو نسي البسملة في الذبح والنحر صح، أي: جاز أن يأكل، وهنا -في الصيد- قالوا: لم يجز، وهذا يؤكد أن باب الصيد أضيق من باب التذكية؛ لأنه خرج عن الأصل.
قال رحمه الله: [ويسن أن يقول معها: الله أكبر كالذكاة].
لثبوت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

شرح زاد المستقنع -

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل