شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 12-3
أهل الأثرالأرشيف العلمي

نكاح التحليل

قال رحمه الله: [وإن تزوجها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها].
قوله: (وإن تزوجها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها) هذا نكاح المحلل وهو التيس المستعار كما قال صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من التيس المستعار؟ هو الرجل ينكح المرأة حتى يحلها للأول) ولعن المحلل والمحلل له، وهذا يسميه العلماء نكاح المحلل، وصورته: أن تطلق المرأة ثلاثاً من زوج سابق فيتزوج اللاحق هذه الزوجة لأجل أن يحللها للأول، وهذه على صورتين: الصورة الأول: أن يكون ذلك بشرط واتفاق وتمالؤ، فهذا باتفاق جماهير العلماء أنه لا يجوز، والنكاح فاسد ويعتبر من الأنكحة المحرمة التي لا تصح.
والصورة الثانية: أن يكون في نيته أن يحللها للأول، فقد جاء عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً جاءه وقال: يا ابن عم رسول الله! إن عمي طلق امرأته ثلاثاً وإن نفسه قد تبعتها وإني أخشى عليه، أفأنكحها حتى أحلها له؟ قال: أي بني! إن الله لا يُخادع.
يعني: هذا من الخديعة، فأنت لا تريد نكاحها ولكنك في الحقيقة تريد أن تحللها لعمك، فالله لا يخادع فهو مطلع على السرائر والضمائر.
فقالوا: الباطن كالظاهر، يعني: سواءً أظهر أو أبطن فإنه لا يجوز ذلك، لكن لو أن المرأة حنت لبعلها الأول ورغبت في زوجها الأول لم تلم على ذلك، يعني: إذا رضيت بالزوج الثاني ووطئها ثم لم ترده فهذا من حقها؛ لأن امرأة رفاعة لما وطئها عبد الرحمن بن الزبير حنت لزوجها الأول وجاءت واشتكته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟) وهذا في الصحيحين، فصرح لها بمكنون نيتها، ثم قال: (لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتكِ) فالمرأة غير الرجل؛ لأن المرأة أصل مشروعية دخول الزوج الثاني أن تعرف قيمة الأول وأن ترجع إلى صوابها ورشدها، وانظر إلى حكمة الشريعة، فالطلقة الأولى رجعية، والطلقة الثانية رجعية، فقد يغلط الإنسان المرة الأولى والمرة الثانية ويخطئ، لكن لا يعطى مهلة ثالثة، فالمرة الأولى يتأدب بها ثم يرجعها: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة:228] فإن طلقها الثانية كذلك أعطي مهلة، فقد تكون الطلقة الأولى غلطة منه وتكون الطلقة الثانية غلطة منها.
وقد يقول قائل: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، فالطلقة الواحدة كافية، فنقول: نعم، الطلقة الواحدة كافية؛ لأنه ربما كانت الخطيئة منه والغلطة منه فاستعجل فطلق، لكن قد تكون هناك غلطة من المرأة فتأتي الطلقة الثانية لاحتمال أن تكون الطلقة بسبب المرأة، فإن كانت الطلقة الأولى والثانية بسبب الرجل نفسه تعنتاً منه وأذية فطلق الثالثة ندم أشد الندم وعرف مقدار هذا الطلاق، فأصبح إذا تزوج امرأة ثانية يتحاشى الطلاق، وإذا عادت له عادت له وقد عرف قيمة هذه المرأة، وحينما يتزوجها غيره ويطؤها ترغم نفسه ويناله من الألم والأسى والحزن ما الله به عليم، مما يعينه على إصلاح نفسه لو عادت له بعد طلاقها من الثاني.
فانظر كيف تهذب النفوس وتقوم، وكيف تتحقق المصالح وتدرأ المفاسد، فكأنه إذا تزوجت المرأة من زوج ثانٍ مقصود الشرع أن يتأدب كلا الزوجين، فالمرأة إذا تزوجها الثاني تنظر في هذا الثاني، فلو أن الثاني كان رجلاً كريماً محسناً فلا يمكن أن تفرط فيه؛ لأنها لما جربت الأول ووجدت الثاني أفضل منه لا يمكن أن ترجع للأول، هذا بالنسبة للمرأة، وأما إذا كان على خلاف ذلك في عشرته أو على خلاف ذلك في طبعه وأخلاقه فمن حقها أن تدفع الضر عن نفسها وتحن للأول؛ لأن القلوب لا تمنع.
فأياً ما كان إذا دخل الرجل بنية أن يحلل المرأة للأول فلا، سواءً صرح بذلك عن طريق العقد أو لم يصرح بأن خبأ تلك النية وكانت في مكنونه، وأثر عن بعض الصحابة والسلف رضوان الله عليهم كـ الحسن وغيره أنهم خففوا في ذلك، وخفف فيه بعض التابعين إذا غيب النية في قلبه، وأن نكاح المحلل المراد به أن يضع ذلك شرطاً أو يتمالأ عليه فيأتي ولي المرأة ويقول: يا فلان! تزوج ابنتي وحللها لفلان، أو يأتي الزوج لصديقه ويقول: حلل لي فلانة، فهذا ملعون -نسأل الله السلامة والعافية- وملعون من أمره بذلك ورغبه أو دعاه إلى ذلك سواءً كان ولياً أو كان زوجاً.

النكاح المعلق

قال رحمه الله: [أو قال: زوجتك إذا جاء رأس الشهر] هذا النكاح المضاف إلى المستقبل، واختلف فيه العلماء، فمنهم من أجازه ومنهم من أبطله، فبعض العلماء يقول: يجوز أن يقول له: زوجتك إذا جاء رأس الشهر وهو نكاح معلق كالطلاق المعلق، فكما أن العصمة تبين تعليقاً وتنفصل تعليقاً كذلك النكاح يثبت تعليقاً، وقالوا: أياً ما كان إذا قال له: إذا جاء رأس الشهر فقد زوجتك فإنه قد تم الإيجاب والقبول معلقاً فيبقى معلقاً حتى يأتي أول الشهر، ورد قوم -وهو اختيار المصنف وطائفة من أصحاب الإمام أحمد - بأن النكاح إنما هو على البت، وإذا قال: إلى غد أو بعد غد أو بعد وقت فإنه يغرر به فلا ندري هل يبقى الزوجان أو لا يبقيان وهل يحدث شيء كأن يتغير حال الزوج، أو يتغير حال الزوجة، فقالوا: إنه لا يصح من أجل هذا الوجه، وكلا القولين له وجهه.
قال: [أو إن رضيت أمها] كذلك إذا قال: (إن رضيت أمها) مجهول؛ لأننا لا ندري أترضى أو لا ترضى، فأثناء العقد ليس هناك بت، وعندهم أنه إذا أسند العقد أو أضيف إلى شيء مجهول صار من عقود النكاح المشتملة على الغرر، هذا وجهه، فيغرر به ويقول له: زوجتك إن رضيت أمها، وما ندري أمها ترضى أو لا ترضى، فهو زواج وليس بزواج، زواج إن رضيت وليس بزواج إن لم ترضَ فيقولون: هذه الإضافة تؤدي للتردد الموجب للغرر فلا يصح العقد إلا بالبت، فيرون أن النكاح على البت وليس فيه تعليق.

نكاح المتعة

قال رحمه الله: [أو إذا جاء غد فطلقها أو وقته بمدة بطل الكل] هذا نكاح المتعة، أن يقول له: أزوجك إلى غدٍ فإن جاء غد فطلقها، أو يقول: أزوجك إلى شهرٍ فإن جاءت نهاية الشهر فطلقها، أو يقول: أزوجك مدة إقامتك معنا فإن رجعت إلى بلدك فطلق ابنتي أو طلق أختي، كل ذلك من نكاح المتعة، فنكاح المتعة هو تحديد النكاح بأمد، وكان مباحاً في أول الإسلام وذلك لوجود الحاجة، فقد تمتع الصحابة رضوان الله عليهم متعة النساء؛ لأنهم كانوا يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستضرون بعدم وجود النساء معهم؛ لأنهم كانوا في القتال والجهاد يخافون السبي فإذا غزوا ومعهم النساء وخسروا فإن النساء يؤخذن وهذا معروف في عادة العرب أنهم يخشون من الغزو بالنساء خشية الاسترقاق؛ لأنهم إذا انكسروا وهزموا أُخذ النساء أسارى وحينئذٍ يكن من السبي وتسترق المرأة.
ففي بعض الأحيان -كهذه الحالة- تأتي ظروف لا يستطيع الإنسان أن يسافر بامرأته، كالمرأة الحامل أو نحو ذلك، فأجيز في أول الأمر نكاح المتعة، ثم حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم نكاح المتعة، والتحريم ثابت في الأحاديث الصحيحة في عام خيبر، كذلك أيضاً ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع أنه خطب الناس وحرم نكاح المتعة، وقد كانت خطبة حجة الوداع قبل وفاته بزمن يسير، وهذا يدل على أن إباحته من الأمر الأول، ولذلك قال أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه كما في الصحيح: (متعتان لا تصلح لنا إلا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: متعة الحج، ومتعة النساء) ومراده بمتعة الحج وجوب فسخ الحج بعمرة، وقد بينا هذا في كتاب مناسك الحج، وأن متعة النساء كان مما اختص به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم نسخت الإباحة.

حكم الزواج بنية الطلاق

لكن يبقى

السؤال

لو تزوج المرأة وفي نيته أن يطلقها، كرجل يسافر إلى بلد ومكث فيه الشهور لعمل أو وظيفة أو نحو ذلك، فمذهب طائفة من السلف والعلماء رحمهم الله جواز ذلك وأن الرجل يجوز له أن يتزوج المرأة وفي نيته ألا تستمر معه وذلك لخوف الضرر والوقوع في الزنا، والأصل في هذا أنهم قالوا: إن الرجل وإن نوى الطلاق فالعقد في ظاهره صحيح، ونيته في باطنه مترددة؛ وربما أعجبته المرأة فبقيت معه، وهذا موجود، ولذلك لو كان هذا محرماً أو من المتعة كان بمجرد مضي المدة وجب عليه التطليق، وبالإجماع أنه لا يجب عليه أن يطلقها، فلو تزوجها وفي نيته أن يطلقها بعد شهر فبالإجماع أنه لا يجب عليه تطليقها بعد شهر، ولو غير نيته جاز بالإجماع، وعلى هذا قالوا: إنه ليس من نكاح المتعة في شيء.
ونص طائفة من أهل العلم ومن أئمة المذاهب الأربعة على جواز ذلك ومشروعيته، وهو مشروع، خاصة في زماننا؛ فإن الرجل تكون زوجته مع الأطفال وترتبط بمدينتها أو بلدتها، والرجل يسافر إلى بلد محتم عليه السفر إليه، أو تقتضي ظروف عمله أن يسافر إلى هذا البلد، فإن قلنا له: لا تتزوج، فإنه سيقع في الحرام، وربما وقع في الزنا، خاصة إذا كان في أماكن فيها فتن ومغريات، فلو قيل له: لا تتزوج، لما استطاع ولربما وقع في الحرام، ولو قلنا له: تزوج، مطلقاً، فإنه بإمكانه أن يتزوج ويأتي بها، لكن إذا كانت المرأة لا يمكن أن تأتي معه وفي نيته أنه إذا انتهى منها تركها لأهلها وهي راضية بذلك فإنه لا بأس.
ومن تأمل أحوال السلف والأئمة والناس في عصور الإسلام السابقة يجد أن الرجل كان يسافر للتجارة وينزل في البلد الشهر والشهرين، ولا يمكث اليوم واليومين حتى يتزوج وينجب ثم يسافر ويترك امرأته ويطلقها ويسافر، وكان هذا معروفاً بين المسلمين؛ لأن الرجل -خاصة التاجر- تجده يوماً هنا ويوماً هناك، وإذا أراد السفر فغالباً أنه لا يستطيع أن ينقل امرأته معه، خاصة في القديم حيث كانت الأضرار والخوف، بل حتى المرأة لا ترضى أن تسافر معه.
فزواج المرأة بنية التطليق، أولاً: نصوص الشرع من حيث العموم دالة على جوازه، فإنه نكاح مستوفٍ للشروط مستوفٍ للأركان، وخذها قاعدة: أن أي مسألة من مسائل النكاح إذا اختلف فيها في صحة النكاح وفساده فانظر إلى أركانه وشروطه، فإن توفرت الأركان والشروط فقل: الأصل صحته وحله حتى يدل الدليل على فساده، فإن اعترض بأن هذا الزواج تم بنية الطلاق، فيجاب بأنه قد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس وأن أكل سرائرهم إلى الله) فإن قال قائل: إن المحلل في نيته أن يحلل، قلنا: إن هذه نية غير شرعية؛ لأنه نوى مضادة الشرع ولذلك قال ابن عباس: إن الله لا يخادع، ففرق بين شيء في أصله محظور وبين شيء في أصله مباح، فإن نكاح المرأة وتخليتها مباح، لكن أن ينكح المرأة من أجل أن تنكح لزيد ولا ينكحها من أجل أصل النكاح -وهو الاستمتاع- كما هو الحال في المحلل فلا، فافترقت تلك الصورة عن صورة المحلل، وقياسها على المحلل ضعيف، فإنه إذا تؤمل الأصل والفرع وجد الفارق بينهما جلياً، فنكاح المحلل واضح فيه أنه ما نكح للنكاح ولا نكح للعفة ولا نكح للاستمتاع لنفسه ولا نكح من أجل أن يعف المرأة، ونحوها من مقاصد الشرع المعروفة الشرعية، ولكنه نكح من أجل أن يحلل، والشريعة كأنها حرمت نكاح هذه المرأة حتى تنكح زوجاً غيره فتعيش معه، فترى مره وحلاوته فتحن للأول، فإذا جاء المحلل ينكحها اليوم واليومين ويطلقها فإنه لا يحصل مقصود الشرع، فكأنه يهدم مقصود الشرع بالتطليق المباشر، لكن من تزوج وفي نيته أن يطلق تزوج من أجل أن يعف نفسه عن الحرام، بل إنه ما وقت النكاح لحاجته والوقت الذي هو فيه إلا من أجل أن يعف نفسه عن الحرام، فهو يخاف على نفسه الزنا، فقال في نفسه: إنه في مدة إقامته يفعل ذلك، وهذه النية ليست بقطع، ويحتمل أن يلغي هذه النية ويغير نيته.
فإن قال قائل: إن المرأة تستضر، قلنا: إن المرأة إذا ضحت وبذلت وتحببت إلى زوجها وقامت كما ينبغي أن تقوم الزوجة لا يمكن أن يفرط فيها، بل إن الرجل يضحي بأهله وبلده من أجل المرأة -وهذا معروف- إذا ملكته المرأة بإحسانها وفضلها فأياً ما كان فالفرق بينهما واضح، وأصول الشريعة تقوي صحة ما ذكرناه، وعلى هذا فإنه يجوز أن يتزوجها مؤقتاً.

الشروط الفاسدة مع بقاء صحة العقد

قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وإن شرط أن لا مهر لها أو لا نفقة أو أن يقسم لها أقل من ضرتها أو أكثر أو شرط فيه خياراً أو إن جاء بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما بطل الشرط وصح النكاح] هذا النوع الثالث من الشروط -وهو النوع الثاني من الحالة الثانية-: أن يصح العقد ويبطل الشرط، فتصحح العقد وتقول: هذا الشرط باطل.

اشتراط عدم المهر

قال رحمه الله: [وإن شرط أن لا مهر لها] فهذا شرط لاغٍ؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:24] وأمر بإعطاء المهر إلى النساء فريضة، وعلى هذا فإنه إذا شرط أن لا مهر يكون قد خالف شرع الله، فألغي هذا الشرط وصحح العقد، ويصحح العقد بمهر المثل، وهذا مما يرجع فيه إلى القاعدة المعروفة: العادة محكمة، وهي إحدى القواعد الخمس المشهورة في الفقه الإسلامي وهي: الأمور بمقاصدها، والمشقة تجلب التيسير، والضرر يزال، واليقين لا يزال بالشك، والعادة محكمة، أي: العرف، فنحن إذا أبطلنا هذا الشرط وقلنا: إنه لابد في النكاح من المهر فيرد

السؤال

كم نعطيها من المهر؟ نقول: نرجع إلى مهر مثلها، فينظر إلى المرأة من حيث نسبها ووضعها في بيئتها، فلو كان مهر أرفع النساء الأبكار ثلاثين ألفاً، وكان مهر الوسطى عشرين ألفاً، وكان مهر عامة الناس ومن لا ميزة له عشرة آلاف، فإنها إن كانت من الأعلى فثلاثون، وإن كانت من الأسفل فعشرة، وإن كانت بينهما فعشرون، وهكذا يكون لها مهر المثل.

اشتراط عدم النفقة على الزوجة

قال رحمه الله: [أو لا نفقة] لو قال: أتزوجكِ بشرط أن لا أنفق عليكِ، قالت: قبلت، فإن تزوجها ودخل بها فإن الشرع يلزمه بالنفقة عليها، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) وهذا يتضمن شرط الضرر والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا ضرر ولا ضرار) فهذا شرط فيه مضرة ومخالفة لشرع الله عز وجل؛ فإن الرجال عليهم نفقة النساء والقيام بحقوقهن.

اشتراط عدم المساواة بين النساء في القسم

قال رحمه الله: [أو أن يقسم لها أقل من ضرتها أو أكثر] كذلك إذا شرط أن تكون لها ليلة من أربع ليالٍ وليس عنده إلا ضرة، فيجعل ثلاث ليالٍ لتلك وليلة لهذه، فهذا ليس في كتاب الله، والذي في كتاب الله العدل بين الزوجات في القسم والمبيت.

اشتراط الخيار في المهر والنفقة

قال رحمه الله: [أو شرط فيه خياراً] علق ما سبق على خيار، بأن قال لها مثلاً: أنا بالخيار إن شئت وطئتكِ وإن شئت لم أطأ، أو إن شئت أنفقت عليكِ وإن شئت لم أنفق عليكِ، فجعل الخيار له، كل ذلك ليس من حقه والشرط باطل؛ لأنه يهدم ما أمر الله به، ويناقض شرع الله فلا يعتد به.

اشتراط الولي على الزوج الإتيان بالمهر في وقت معين وإلا فسخ العقد

قال رحمه الله: [أو إن جاء بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما] إذا قال له: زوجتك، وقال: قبلت فقد تم العقد، فإن قال له: إن جئت بالمهر قبل الشهر فالنكاح صحيح، وإن تم الشهر ولم تأتني به فلا نكاح بيننا، فإنه يلغى هذا الشرط ويترك الأمر بالمهر على سنن الشرع كما سيأتي في باب المهر، من أنه لا يدخل حتى يقدم شيئاً منه، ويكون ذلك موجباً لفساد الشرط دون العقد فالعقد باقٍ.
قال: [بطل الشرط وصح النكاح] قوله: (بطل الشرط) لأنه ليس في كتاب الله، والسنة دالة على بطلانه، وكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم لا تتفق نصوصهما مع هذه الشروط فتبطل، ويصح النكاح؛ لأن الأصل صحته، وقد قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1] وهناك قاعدة قررها العلماء على هذه الآية تقول: تصحيح العقود ما أمكن، وفرع أيضاً عليها قاعدة تقول: الإعمال أولى من الإهمال، فإعمال العقود وإمضاؤها أولى من إلغائها وإهمالها وإبطالها، فمثلاً عندنا رجل قال لآخر: زوجتك ابنتي وتم النكاح بشروطه المعتبرة وأركانه المعتبرة، ثم قال الرجل: لا أنفق عليها، فنقول: العقد الذي وقع وهو قوله: زوجتك ابنتي، وقوله: قبلت، صحيح والشرع يلزم بالوفاء به، وهذا الشرط شيء ممنوع دخيل على شيء مشروع، فنلغي الممنوع ونبقي المشروع، وهذا معنى: تصحيح العقود ما أمكن والإعمال أولى من الإلغاء وأولى من الإهمال.

شروط الكمال في النكاح

اشتراط الإسلام في الزوجة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن شرطها مسلمة فبانت كتابية] هنا يدخل في مسألة شروط الكمال، وهي شروط شرعية يشترطها غالباً الرجل على المرأة، كأن يشترط جمالاً، أو يشترط مالاً، أو يشترط حسباً، أو يشترط نسباً، أو يشترط ديناً، أو يشترط صفات من كتابة وتعلم أو وظيفة أو نحو ذلك فهذه تسمى شروط الكمال.
قال: [وإن شرطها مسلمة فبانت كتابية].
هنا الخيار للرجل قال له: زوجتك ابنتي، قال: بشرط أن تكون مسلمة، فبانت كافرة فإنه لا يصح حينئذٍ أن يلزم بهذا، لكن لو بانت كتابية فإنه يجوز نكاح نساء الكتابيات، لكن هو اشترطها مسلمة ففي هذه الحالة نقول: لك الفسخ، يعني: أنت بالخيار إن شئت أمضيت العقد ورضيت بهذا النقص فلا إشكال، وإن شئت ألغيت العقد فمن حقك الفسخ.

اشتراط البكارة والجمال والنسب في المرأة

قال رحمه الله: [أو شرطها بكراً] أو شرطها بكراً فبانت ثيباً، قال: زوجتك ابنتي أو أختي قال: أشترط أن تكون بكراً قال: هي بكر، ثم تبين أنها ثيب، أو قال له: أشترط أن تكون لم تتزوج وتبين أنها قد سبق وأن تزوجت أو قال: أشترط أن تكون دون العشرين، فبان أن سنها عشرون فأكثر، فالمهم أن يشترط شرطاً معيناً لمصلحته يريده هو، ويسمونها شروط الكمال.
قال: [أو جميلة] فبانت غير جميلة، فإنه في هذه الحالة من حقه الفسخ.
قال: [أو نسيبة] أي: لها نسب فبانت غير نسيبة، فله الفسخ.

اشتراط نفي العيب الغير مؤثر في النكاح

قال رحمه الله: [أو نفي عيب لا ينفسخ به النكاح فبانت بخلافه فله الفسخ] لأن العيوب نوعان: نوع منها يفسخ النكاح، كالجنون والجذام والبرص -نسأل الله العافية- وهذه هي العيوب المؤثرة وسيأتي بيانها، والمرأة إذا كان بها عيب ولم يتبين للرجل إلا بعد الدخول بها وبعد العقد فله الفسخ، وهذا يسمونه خيار العيب.
وأما هنا فالخيار من جهة الشرط، لأن عندنا خيار عيب وخيار شرط، فخيار الشرط مثل أن يشترط شرطاً أو تشترط المرأة شرطاً، ويثبت الخيار إذا لم يتحقق الشرط، وأما خيار العيب فإذا وجد العيب فإننا ننظر فيه، فإذا كان مؤثراً ثبت الخيار فيفسخ النكاح إن شاء أو يبقيه إن شاء كما سيأتي.
فهناك فرق بين كونه له خيار العيب وبين كونه له خيار الشرط، فهنا من خيار الشرط أن يشترط سلامتها من عيب لا يوجب مثله الفسخ، مثلاً: الجهل، كأن تكون المرأة أمية لا تكتب ولا تقرأ فهذا عيب مثلاً في عرفه أو عرف جماعته فقال: أشترط أن لا تكون أمية، بمعنى: أن تكون متعلمة، ثم تبين أنها أمية فله الفسخ، وهذا معنى قوله: (عيب لا يوجب الفسخ)، أما لو كان عيباً يوجب الفسخ فسواء اشترط أو لم يشترط؛ لأنه لو قال: (عيب يوجب الفسخ) لفُهم أن العيوب التي توجب الفسخ ما توجب الفسخ إلا بالشرط، ومن هنا من دقة المصنف قال: (عيب لا ينفسخ به النكاح) (فله الفسخ) [فله أي: يملك خيار الفسخ.

ثبوت خيار الفسخ للمعتقة تحت عبد

قال رحمه الله: [وإن عتقت تحت حر فلا خيار لها بل تحت عبد] هذه الكتب ما كانت تؤلف وهذه المتون أصلاً ما كان يعترف لأحد من أهل العلم أن يضعها إلا إذا كان له شخصيته الفقهية والعلمية، وحتى المتن لا يشتهر ولا يشرح إلا إذا كان مثله أهلاً، وكذلك كتابنا رحمة الله على مؤلفه.
الآن عندنا خيار الشرط وخيار العيب، والمصنف قال: باب الشروط و

العيوب في النكاح

، لكن مسألة عتق المرأة ليس لها علاقة لا بالشروط ولا بالعيوب، إلا أن بعض العلماء يقول: خيار العتق دخل في العيب من جهة أنه إذا كانت أمة عند عبد فعتقت الأمة فإنه من النقص لها والعيب أن تكون تحت عبد، هذا من حيث نظرتهم، لكن الواقع أن المصنف قصد إدخالها من جهة التبعية، مثلما يدخلون أحكام السواك في الوضوء من جهة أن الوضوء طهارة لأعضاء البدن والسواك مطهرة للفم، فناسب ذكر الطهارة الخاصة مع الطهارة العامة، وهنا نقول: ذكر الخيار الخاص مع الخيار العام.
ونقول: إن الخيار في النكاح يأتي من جهة العيب، ويأتي من جهة الشرط، ويأتي من جهة العتق، فعندنا ثلاثة أشياء: خيار الشرط إذا لم يتحقق الشرط، وخيار العيب: إذا وجد في الرجل عيب فمن حق المرأة أن تفسخ وكذلك العكس بالنسبة للمرأة مع الرجل، وخيار العتق: فإذا كانت مملوكة ثم عتقت تحت عبد فإنه يكون لها الخيار؛ لثبوت السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فإنه لما عتقت بريرة -وكانت تحت مغيث مولى بني مخزوم- طلبت الفسخ، وكان مغيث يحبها حباً جماً فتعلق بها وكان مشغفاً بها، وسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترجع إليه فقالت: (يا رسول الله! أتأمرني أو تشفع؟) أي: هل تأمرني فأعود أو أنت شافع؟ قال: (إنما أنا شافع) فلم تعد إليه؛ لأنه ما دام شافعاً فلا تلزم طاعته، ولا شك أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أحرى أن تقبل، لكنه عليه الصلاة والسلام لا يلزم الناس ولا يكرههم.
الشاهد: دليلنا على إثبات الخيار بالعتق هذا الحديث الصحيح، فيكون للمرأة الخيار إذا عتقت بشرط أن يكون زوجها رقيقاً، فإن كان زوجها غير رقيق أي: كان حراً، وعتقت وهي تحته فلا خيار في هذه الحالة، وهذا النوع من الخيار فيه عدل، فالله سبحانه وتعالى جعل هذا الخيار للمرأة؛ لأنها وهي أمة ليست كحالها وهي حرة، فإن الرق سببه الكفر ولذلك فيه نقص؛ لأنه لا رق إلا بسبب الكفر، ونظراً لوجود هذا النقص، فإن عتقت أعطيت حقها، فإن شاءت بقيت وإن شاءت فسخت النكاح.

شرح زاد المستقنع -

العيوب في النكاح

من الأمور المقصودة للنكاح تحصيل الاستمتاع وإعفاف النفس، ووجود العيوب في أحد الزوجين مما يؤثر في هذا، فمتى كان العيب مؤثراً أوجب الخيار وإلا فلا، وهذه العيوب منها المشترك بين الرجل والمرأة ومنها الخاص بأحدهما.

العيوب في النكاح

قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ومن وجدت زوجها مجبوباً أو بقي له ما لا يطأ به فلها الفسخ] هذا فصل في بيان العيوب، وعيوب الزوجين في النكاح تنقسم إلى قسمين: عيوب عامة، وعيوب خاصة، فالعيوب العامة هي التي تكون في الرجل وتكون في المرأة، أي: ما تختص بالرجال ولا تختص بالنساء، ومن أشهرها مما يوجب الفسخ ثلاثة عيوب -أعاذنا الله وإياكم منها ومن غيرها مما فيه ضرر-: الجنون والجذام والبرص، هذه الثلاثة العيوب مؤثرة وتوجب الخيار، وهي تكون في الرجال وتكون في النساء، فالجنون لا يختص بالرجال دون النساء ولا العكس وكذلك الجذام وكذلك البرص، وسيأتي بيانها إن شاء الله.
وهناك عيوب خاصة بالرجال كالمجبوب -مقطوع الذكر- والعنين -الذي لا ينتشر عضوه- فهذه خاصة بالرجال، والخصي ونحو ذلك، والخاصة بالنساء القرن، والعتل، والرتق، والفتق فهذه كلها خاصة بالنساء، ثم ما يختص بالرجال وما يختص بالنساء ينقسم إلى قسمين: منها ما هو مؤثر ويوجب الخيار، ومنها ما ليس بمؤثر ولا يوجب الخيار، وسيأتي بيان كل هذا إن شاء الله.

تخيير المرأة في الرجل المجبوب

قال رحمه الله: [ومن وجدت زوجها مجبوباً] يعني: مقطوع الذكر، فإن هذا عيب لا يمكن معه حصول المقصود من النكاح من إعفاف المرأة وإحصانها، ولذلك أجمع العلماء رحمهم الله -كما نقل الأئمة- على أنه عيب يوجب الخيار للمرأة في أن تفسخ، وإذا رضيت المرأة بالبقاء فإنها تبقى، وإذا لم ترضَ فإن لها الفسخ؛ لأن هذا ضرر عظيم، وقد تتعرض للحرام، فيكون من حقها أن تفسخ، إذا كان الرجل مجبوباً مقطوع العضو بالكلية، أو لم يبقَ منه ما يمكنه به إعفافها، فإن كان في الحالة الثانية بقي منه ما يمكنه به إعفافها فلا خيار.
قال: [أو بقي له ما لا يطأ به فلها الفسخ] كما ذكرنا؛ لأن هذا يفوت مقصود الشرع من الإعفاف، لكن لو أن المرأة رضيت فلها ذلك، كما لو تزوجت كبير سن لا يجامع، والنساء تختلف رغباتهن في الزواج، فقد تتزوج المرأة وليس مرادها قضية الفراش وليست هي كل شيء عندها، وقد تتزوج لمعانٍ أسمى وأعلى من هذا كله، لكن حكم الشريعة اعتبر الجبلة والفطرة، واعتبر مقصود الشرع من حصول الإعفاف، خاصة وأن المرأة من حقها ذلك.

حكم العنين

قال رحمه الله: [وإن ثبتت عنته بإقراره أو بينة على إقراره أُجل سنة منذ تحاكمه] العيب الأول: الجب، والعيب الثاني: العنة، وكلاهما متعلق بالرجال، فالعنة أن لا ينتشر العضو، فما يستطيع الرجل أن يجامع المرأة، فإذا اشتكت المرأة وقالت: إن زوجها عنين، فسأله القاضي فقال: نعم إنه عنين ولا ينتشر عضوه، فحينئذٍ يؤجله القاضي سنة، وهذا قضاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، ومذهب جماهير السلف رحمهم الله أنه يؤجل العنين سنة، وحكى بعض العلماء الإجماع ومضى قضاء المسلمين على أن العنين يؤجل سنة ويترك سنة؛ لأنه ربما كانت العنة في فصل دون فصل، وربما كانت بأسباب من خوف أو رهبة أو طروء النكاح عليه أو نحو ذلك من الأمور فيؤجل سنة؛ لأن السنة فيها اختلاف الفصول الأربعة، فإذا مرت عليه الفصول الأربعة وثبت أنه لا يستطيع الجماع كان من حقها الفسخ، ويكون ابتداء ذلك من حين إقراره، والإقرار أقوى الحجج.
قوله: (أو بينة على إقراره) البينة على إقراره كأن يجلس في مجلس وفيه شهود عدول فيسمعونه يقول: إنه عنين، فحينئذٍ لو اشتكته المرأة فأنكر وقال: لست بعنين، فجاءت بهذين الشاهدين على عنته ثبتت، وهذه شهادة على دليل وهي مقبولة؛ لأن العنة من الأمور الخفية التي لا يمكن أن تعرف إلا من الشخص نفسه أو من زوجه، ولو فتح الباب لكل زوجة أن تدعي أن زوجها عنين لادعت النساء وكذبن في ذلك؛ لأن النساء لسن على حد سواء، ففيهن من تكون جريئة على حدود الله فتكذب، وقد ترغب في الطلاق، وقد ترغب في إضرار زوجها، وقد تريد أن تنتقم من زوجها فتدعي أنه عنين، فإذا ادعت عليه فإننا لا نستطيع الحكم؛ لأن عندنا زوجاً يثبت أنه رجل وأنه ليس فيه هذا العيب، وعندنا امرأة تدعي هذا العيب، فهل نصدق الرجل أو نصدق المرأة؟ فحينئذٍ غالباً ما يثبت هذا بالإقرار، فإذا أقر الرجل أو شهد عدلان على أنه أقر أنه عنين فيؤاخذ بإقراره.
قوله: (أُجل سنة منذ تحاكمه) (أُجل) أي ضرب له أجل، وهو سنة هلالية كاملة (منذ تحاكمه) يعني: منذ أن حاكمته المرأة ورفعته إلى القاضي لا من ابتداء النكاح؛ لأنه في حينها لم تكن ثبتت عنته بعد، فالعبرة بمجلس القاضي، والتأجيل يتعلق بحكم الحاكم، فلما كان التأجيل متعلقاً بحكم الحاكم وبمجلس القضاء كانت العبرة بالترافع، فإذا تأخرت المرأة في رفع قضيتها فهي التي أدخلت الضرر على نفسها، فحينئذٍ يكون تأجيله سنة من حين أن رفعته إلى القاضي، وهذا معنى: (منذ تحاكمه) يعني: إذا حاكمته ورفعته إلى القاضي، وإذا تأخرت فإنها تتحمل مسئولية تأخيرها من قبل، كالرضا بالعيب.
قال رحمه الله: [فإن وطئ فيها وإلا فلها الفسخ] يعني: وطئ خلال السنة فحينئذٍ تكذب المرأة في قولها: إنه عنين؛ لأنه ثبت أنه قادر، ويتبين بهذا أنه مرض عارض، أو أن هذا بسبب النفرة من الزوجة، وإذا وطئ خلال السنة فحينئذٍ يبطل الاعتداد بهذا العيب.
قال: [وإن اعترفت أنه وطئها فليس بعنين] وإن اعترفت هذه المرأة أنه وطئها من قبل فليس بعنين، أو اعترفت بأنه وطئها خلال السنة فليس بعنين.
قال: [ولو قالت في وقت: رضيت به عنيناً سقط خيارها أبداً] من دقة المصنف رحمه الله أن ذكر لك العيب وهو العنة، ثم ذكر لك دليل إثبات العيب وهو الإقرار والشهادة على الإقرار، ثم ذكر لك الحكم وهو التأجيل سنة، ثم ذكر متى يبتدأ بالتأجيل ومتى يحسب وهو من حين الترافع، وشرع بعد ذلك رحمه الله في مسألة الرضا بالعيب؛ لأن الرضا يكون بعد وجود العيب، فإذا ثبت عند القاضي أنها رضيت بعد أن علمت بعنته سقط حقها، مثلاً: رجل أراد أن ينكح امرأة فجاء إلى وليها وقال: إنه عنين، فعلمت المرأة أنه عنين وعقد النكاح فلا خيار لها إجماعاً؛ لأنها رضيت بالعيب، وإذا رضيت بالعيب حال العقد، أو بعد العقد؛ فرضيت وسكتت فحينئذٍ سقط حقها، أما لو علمت بعد العقد ورفعت مباشرة فإنه لا يسقط حقها.

عيوب النساء التي يكون للرجل الخيار بسببها

قال رحمه الله تعالى: [فصل: والرتق والقرن والعفل والفتق واستطلاق بول ونجو وقروح سيالة في فرج وباسور وناسور وخصي وسل ووجاء وكون أحدهما خنثى واضحاً، وجنون ولو ساعة وبرص وجذام يثبت لكل واحد منهما الفسخ].
يقول رحمه الله: (والرتق) هنا شرع المصنف في ذكر العيوب التي تتعلق بالنساء، وإذا تأملت العيوب السابقة في الرجل تجدها عيوباً تمنع حصول الوطء، وكما أن هذا يقع في الرجل كذلك أيضاً يقع في المرأة، فتكون فيها عيوب خلقية تؤثر في الوطء مثل: الرتق وهو انسداد الفرج، والقرن: وهو العظم في موضع الجماع يعيق الجماع، والعفل: وهو الورم من اللحم يكون في موضع الجماع ويعيق الجماع ولا يمكن من المتعة، كذلك الفتق وهو اختلاط المسلكين عند المرأة كل ذلك مما يؤثر في المتعة وفي الجماع فيمنعه كلية أو يمنعه لحد مؤثر، فهذه العيوب كلها مختصة بالنساء لكنها تؤثر وتوجب الخيار للرجل، لكن بنفس الضابط السابق، فإن علم بالعيب أثناء العقد سقط خياره، وإن علم بعد العقد ورضي وسكت سقط كذلك، وإن علم به بعد العقد وطالب مباشرة فالحكم أن له الخيار، فنقول له إذا طالب: إن شئت رضيت هذا العيب في المرأة، وإلا إن شئت فافسخ النكاح.

عيوب الخيار المشتركة بين الرجال والنساء

قال رحمه الله: [واستطلاق بول] لأنه يؤذي في الجماع، فعندنا ما يمنع الجماع مثل: الرتق، وكذلك أيضاً القرن، وعندنا ما يؤذي ولكنه لا يمنع من الجماع كاستطلاق البول، وكذلك استطلاق النجو، وعندما يقرأ طالب العلم المتون الفقهية يجد أن العلماء رحمهم الله يقررون هذه المسائل للوصول للضوابط وهذه المسائل ما هي إلا أمثلة؛ لأن الضابط يدور حول المنع من الوطء، ومتى يكون للزوج الحق في فسخ النكاح؟ ومتى يكون هذا العيب مؤثراً؟ قال: [واستطلاق بول ونجو] استطلاق البول والغائط يكون مرضاً مزمناً، لكن إذا كان في حال دون حال فهذا لا يؤثر، إنما المراد أن يكون عيباً ثابتاً ويشهد أهل الخبرة أو قرينات المرأة أو أهلها بأن يقولوا: نعم، نعرف فلانة أن معها استطلاق البول، أو نعرف أن معها استطلاق الغائط الذي هو استطلاق النجو، فهذا كله من العيوب المؤثرة التي توجب الخيار للرجل والفسخ.
قال: [وقروح سيالة في فرج] القروح السيالة مثل السيلان وهي نوع من أنواع أمراض الزهري -أعاذنا الله وإياكم منها- ونحو ذلك من الأمراض المعدية الخطيرة، فإذا ثبت أن المرأة بها هذا المرض وموجود فيها فإنه حينئذٍ من حق الرجل أن يطالب بالفسخ؛ لأنه يستضر إذا جامعها، فهناك ضرر بجماعها أثناء الجماع وضرر إذا انتهى من جماعها؛ لأنه تنتقل إليه العدوى، وعلى هذا فإنه يعتبر من العيوب المؤثرة.
قال: [وباسور وناسور] الباسور: يكون في المقعدة، والباسور والناسور واستطلاق البول واستطلاق النجو والقروح السيالة تكون في الرجل والمرأة وليس خاصاً بالنساء، فمن الممكن أن يكون السيلان في الرجل وممكن أن يكون -أعاذنا الله وإياكم- في المرأة، وممكن أن يكون الباسور والناسور في الرجل وممكن أن يكون في المرأة، فهذه من العيوب المشتركة التي لا تختص لا بالرجال ولا بالنساء.
قال: [وخصي] فإن هذا يضر الرجل في حال جماعه وكذلك في ذريته.
قال: [وسل] قطع الخصية وسل الخصية: إخراجها مع وجود اللحم، ورض الخصية: الوجاء، وضرب العروق، هذا كله من العيوب المؤثرة؛ لأن هذا يؤثر في جماع الرجل ويؤثر في رغبته في المرأة، ولذلك تتضرر المرأة بهذا فإنها تكون منكوحة لبعض الرجل لا لكل الرجل وهذا يضرها، ويضر حتى ذريتها.
قال: [وكون أحدهما خنثى واضحاً] فإنه حينئذٍ لا يجوز؛ لأن الخنثى لا يجوز نكاحها، فلو أنه تزوج امرأة على أنها امرأة فتبين أنها خنثى فإنه حينئذٍ يكون من حقه الفسخ، فلو كانت امرأة أصلها خنثى، يعني: كانت خنثى ثم تبين أنها امرأة، بمثل: ظهور الثدي وظهور علامات النساء فيه، وظهر أنه امرأة وثبت كلياً أنه امرأة فلما جاء الرجل يتزوج تزوجه على أنه امرأة ثم تبين أنه خنثى، فحينئذٍ من حقه الفسخ؛ لأن هذا عيب ونقص في الخلقة ولو أنه كمال في الصورة، يعني: زيادة في الصورة لكنه نقص في الخلقة، وعيب مؤثر في الخلقة وعلى هذا يكون له حق الفسخ.
وهكذا لو تزوجت المرأة رجلاً على أنه رجل ثم ظهر أنه خنثى فإن هذا يعتبر موجباً للفسخ؛ لأن جماع الرجل الخنثى ليس كجماع الرجل المحض، وكذلك جماع المرأة الخنثى ليس كجماع المرأة المحض، وهذا من العيوب المؤثرة.
قال: [وجنون ولو ساعة] الجنون: من جن الشيء إذا استتر، وسمي البستان جنة؛ لأنه يستر من بداخله، والجنون استتار العقل وذهابه كلية إما لكل الوقت أو لبعضه، فإن كان لكله فهو جنون مطبق، وإن كان لبعضه فهو جنون متقطع، فالجنون -أعاذنا الله وإياكم- في الرجل أو المرأة إذا ثبت أنه مجنون سواءً كان جنونه متقطعاً أو كان جنونه مستديماً مطبقاً فإن من حق المرأة أن تطلب الفسخ، وكذلك الرجل من حقه أن يطلب الفسخ إذا تبين أن زوجته مجنونة، سواءً كان جنون أحدهما متقطعاً أو مستديماً فكله عيب.
قال: [وبرص] الله سبحانه وتعالى إذا ابتلى الإنسان بالبرص قد يكون في هذا علو درجة له، ولا شك أنه إذا كان مؤمناً فهو علو درجة له في الدنيا والآخرة، والله يعلي قدره بهذا البلاء ويعظم أجره، فلا شك أنه بلاء في ظاهره ولكنه رحمة في باطنه، وإذا نقصت خلقة الإنسان فكل نقصٍ في خِلقته يعوضه الله عز وجل عنه من الأجر والمثوبة، وقد تكون له درجة في الجنة لا ينالها بكثير صلاة ولا صيام فيجعل الله له هذا البلاء سبيلاً إليها، وأما كون البرص عيباً في النكاح فهو من وجهين: الوجه الأول: أن البرص في الجبلة والفطرة يؤثر على المرأة في جماعها وعلى الرجل في جماعه، فهو مؤثر في الجماع، فكما أن العيوب الحسية تؤثر في الجماع فكذلك العيوب المعنوية تؤثر في الجماع، فالبرص يؤثر من ناحية معنوية ويؤثر من ناحية النسل والذرية، فهو يؤثر من الوجهين، ولذلك فيه ضرر قاصر وضرر متعدٍ، وعلى هذا يعتبر مؤثراً، ويستوي أن يكون البرص مطبقاً عليه كله أو يكون في بعض أعضائه ولو كان في بعض الأعضاء الخفية، بخلاف البهق فإن البهاق ليس بعيبٍ موجبٍ للفسخ، لأنه لا يعتبر من البرص ولا يأخذ حكم البرص من حيث العيوب، ولكنه يعتبر عيباً إذا كان برصاً محضاً سواءً كان في كل الأعضاء أو بعض الأعضاء.
قال: [وجذام] كذلك الجذام نوع من الأمراض -نسأل الله العافية- تساقط فيه الأعضاء، فهذا من الأمراض المعدية وفيه ضرر معنوي وضرر حسي، ويتعدى ضرره إلى المرأة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) فالمرأة تتأثر بهذا النوع من المرض وكذلك الرجل.

الفسخ بالعيب

قال رحمه الهل: [يثبت لكل واحد منهما الفسخ] أي للرجل وللمرأة.
قال: [ولو حدث بعد العقد أو كان بالآخر عيب مثله] قال: (ولو حدث بعد) ولو: إشارة إلى الخلاف، فلو فرضنا أن الجنون عيب، وأنه عيب إذا كان قبل العقد، فكذلك لو أن الجنون طرأ عليه بعد العقد، فإنه إذا جن الزوج ثبت للمرأة الخيار، ونقول لها: إن شئتِ بقيتِ وتحملتِ وصبرتِ والله يأجركِ على ذلك وأنتِ مثابة وهذا صنيع الصالحات، وإن شئتِ طالبتِ بالفسخ؛ لأن المرأة لا تحمل ما لا تطيق، والعكس بالنسبة للرجل، لو أن امرأته أصابها جنون، فإن أراد أن يصبر فكريم يؤجر وهو مثاب على ذلك والله سبحانه وتعالى سيعوض صبره ويعظم أجره ويحسن الذخر له، وإن قال: لا أستطيع أو لا أتحمل ذلك فمن حقه، فيفسخ النكاح.
قال: (أو كان بالآخر عيب مثله) تزوج المرأة وبها مرض، مثلاً: قروح سيالة، ورضي بها، ثم لما وطئها تبين أن فيه عيباً مثلها، وأن فيه قروحاً انفجرت وسالت، فلما عرفت قالت له: ما أريدك، فقال: بكِ مثل ما بي، يعني: الحال واحد هنا وليس هناك فرق وما ظلمتكِ، فقال طائفة من العلماء: إن كان به من العيب مثلها فلا خيار؛ لأنه ليس فيه ظلم واضح؛ لأن هذا عيب بعيب، كما قالوا: بئر بغطاه، فهم يقولون: هذا العيب لقاء هذا العيب، فإذا قالت: هذا نقص لي، فهو بها، فليس فيه نقص، ولو قالت: ضرر بي، فهو استضر على ضررها والعكس، وقال بعض العلماء: بل إنه يثبت فيه الخيار لمن لم يتنازل عن حقه منهما.
والأول أشبه بالمعنى والثاني أشبه بالنظر، ولذلك يقوى الثاني أكثر من الأول؛ لأنه لما علم بها وسكت عن عيبها سقط حقه، فيكون الحكم مستأنفاً بالنسبة لها، فكونه أعطي الحق أولاً ورضي لا يجعلنا نلزمها برضاه؛ لأن لكل واحد رضاً مستقلاً، فالعيب إذا طرأ عليه فإنه يثبت لها الخيار؛ لأنها إنما رضيت به كاملاً، فإذا تبين به العيب كان لها الخيار مستأنفاً، وهذا أفقه وأقوى أي: القول بأن له الخيار ولو كان بالثاني عيب كما قال المصنف: (ولو كان به مثله) فلو كان بالآخر مثله حق له الفسخ، وذلك لأن الأول قد رضي بإسقاط حقه ولكن الثاني لم يرض بإسقاط حقه، فمن حيث الفقه هذا القول أقوى وهو اختيار المصنف.

ما يسقط الفسخ بالعيب

قال رحمه الله: [ومن رضي بالعيب أو وجدت منه دلالته مع علمه فلا خيار له] بعد أن بين العيوب المؤثرة شرع في بيان ما يسقط الفسخ العيوب، (من رضي بالعيب) رضي به بعد أن علم أنه معيب فهذا: لا خيار له، أو وجدت منه دلالة الرضا، مثلاً: امرأة اطلعت على زوجها أنه معيب وبه عيب مؤثر فسكتت شهوراً، ثم بعد ذلك اختصمت معه فقالت: به عيب، فنقول: سكوتكِ هذه المدة دليل على الرضا، فتؤاخذ بهذا السكوت ويعتبر دليلاً؛ لأنها علمت ورضيت، وكونها تسكت هذه المدة ولا تتكلم إلا عند الغضب فهذا نوع من الانتقام؛ لأنها صارت تبحث عن أي عيب لتفسخ النكاح، فلابد أن يوجد عيب مؤثر، وأن يوجد من صريح قول صاحب الحق ما يدل على الفسخ، يعني: أنه لا يرضى بالعيب.
فإن وجد العيب ووجد الرضا سقط الفسخ، فليس من حقه أن يفسخ، وإذا وجد منه ما يدل على الرضا فنقول: إن ما يدل على الرضا ينزل منزلة الرضا الصريح، فحينئذٍ إذا رضي ووجد منه ما يدل على الرضا فإننا نحكم به ويحكم بإسقاط الخيار له.

لا يتم الفسخ إلا بحاكم

قال رحمه الله: [ولا يتم فسخ أحدهما إلا بحاكم] ولا يتم الفسخ إلا بحاكم، ولا يرتفع العقد إلا عن طريق الحاكم، فترفع أمرها إلى القاضي ويرفع أمره إلى القاضي ويحكم القاضي بما يتفق مع أصول الشريعة.

حكم المهر في حال الفسخ بالعيب

قال رحمه الله: [فإن كان قبل الدخول فلا مهر] مثلاً: رجل عقد على فاطمة وحدث العيب قبل الدخول فلا مهر؛ لأنه قبل الدخول؛ والمهر مركب على الاستمتاع، فإن حصل الفسخ قبل الدخول فإنهما يتفرقان ويغني الله كلاً من سعته، هذا بالنسبة للحكم الشرعي إذا وقع الفسخ، فينظر في العيب الذي هو موجب الفسخ ومتى يحكم بخيار الفسخ، وإذا ثبت أنه يحكم به فيرد

السؤال

إن حُكِم به قبل الدخول فهل يثبت المهر؟ وإن حُكِم به بعد الدخول وثبت المهر فما الحكم؟ فالمصنف رتب الأفكار بعضها على بعض فقال رحمه الله: (فإن كان قبل الدخول) أي: إن كان حكم القاضي بالفسخ واعتداده به قبل الدخول فلا مهر؛ لأن المهر مركب على الاستمتاع: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:24] فترد المرأة المهر كاملاً للرجل.
قال: [وبعده لها المسمى ويرجع به على الغار إن وجد] (وبعده) أي: بعد الدخول (لها) أي: للمرأة (المسمى) الذي هو المهر الذي سماه لها، فإذا جعل لها عشرين ألفاً فإنه يكون حقاً لها بما استحل من فرجها بعد أن يدخل بها، قال صلى الله عليه وسلم: (فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها) وقال لـ عويمر العجلاني رضي الله عنه لما سأله المهر بعد أن وقع اللعان بينه وبين زوجته: (إن كنت صادقاً فبما استحللت من فرجها) فجعل المهر لقاء الاستمتاع والاستحلال، لكن يبقى السؤال: هذا الرجل غرر به ودفع المهر على امرأة كاملة وتبين أنها ناقصة فهذا فيه ظلم للرجل؟ قالوا: المرأة تأخذ حقها وهو المهر كاملاً، لكن الرجل حقه ممن يأخذه؟ يأخذه ممن غره وممن غشه وخدعه حتى نكح المرأة وقال له: إنها ليست بمعيبة، فإن كان وليها يأخذه من وليها وحينئذٍ يضمنه له، فيقيم دعوى ثانية: أن فلاناً زوجه موليته المعيبة بعشرين ألفاً أو بثلاثين ألفاً، وفوت هذا المهر بغشه، فإذا ثبت عند القاضي هذا وحكم به فحينئذٍ يوجب له الرد بموجب ما ثبت من ظلمه له بالتغرير.

حكم تزويج القاصرة مع العلم بالعيب

قال رحمه الله: [والصغيرة والمجنونة والأمة لا تزوج واحدة منهن بمعيب] هنا انتهت أحكام العيب، لكن هنا مسألة وهي مسألة التزويج مع العلم بالعيب، فإذا كان عندنا امرأة صغيرة أو مجنونة أو أمة أراد وليها أن يزوجها من مجنون أو من معيب فليس من حقه ذلك، فقال رحمه الله: (والصغيرة والمجنونة والأمة لا تزوج واحدة منهن بمعيب) لا تزوج واحدة منهن بمعيب، وذلك لأن الصغيرة ينتظر إلى أن تبلغ وتنظر ما فيه مصلحتها، أما أن يؤتى بها وهي صغيرة ويزج بها إلى مجنون أو يزج بها إلى إنسان به عيب حتى ولو قالت: أرضاه، فمذهب طائفة من العلماء أنها ليست بكاملة العقل وليست بكاملة الإدراك فهي تخاطر بنفسها، فربما ندمت بعد بلوغها وربما تحدث أمراً لا تحمد عقباه، ونص المصنف على هؤلاء لأن الصغيرة والمجنونة والأمة تحت ملك غيرهم، فالصغيرة لوالدها أن يمنعها حتى ولو رضيت، والمجنونة كذلك لوليها، والأمة لسيدها.

تزويج الكبيرة مع العلم بالعيب

قال رحمه الله: [فإن رضيت الكبيرة مجبوباً أو عنيناً لم تمنع بل من مجنون ومجذوم وأبرص] قوله: [فإن رضيت الكبيرة مجبوباً] لأنه ليس النكاح فقط للجماع، كما ذكرنا أن من النساء من تنظر في النكاح إلى شيء غير الجماع، فإذا رضيت مجبوباً فإن لها ذلك، ويزوجها وليها مادام أنها رضيت به، كما لو تزوجت كبير سن لا يجامع فإن هذا يرجع إليها، فإنها قد تريد خدمته، وقد تريد الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى، وقد تريد رجلاً يحميها من الاعتداء عليها، فهناك مقاصد كثيرة، فليس النكاح فقط موقوفاً على الجماع، ومن عموم الشريعة أنها ليست مقصورة على جوانب معينة، فميزة الحكم الشرعي أنه تنزيل من حكيم عليم، والتشريع عندما يكون من عليم يحيط بالأمور كلها ما كان وما يكون وما لم يكن فإن حكمه سيكون لما كان ولما يكون ولما لم يكن، فيأتي الحكم شمولياً، بينما القوانين الوضعية إنما وضعت لأحوال، ثم إذا جدت أحوال صار هذا الحكم لا يصلح لهذه الحالة، فتحتاج أن تجدد شيئاً جديداً فتضطرب مع الأزمنة وتختلف مع الأزمنة والأمكنة، لكن الشريعة لا.
ولما كان فقه العلماء مبنياً على فقه الكتاب والسنة صار عندهم شيء من الشمول في النظرة والشمول في الاستيعاب، ومثل ما ذكرنا أنه ما ينظر فقط إلا أن المرأة تريد نكاحاً وجماعاً وأن الرجل يريد فقط جماعاً ونكاحاً، فنقف عند العيوب فقط ونقول: إذا كان ليس هناك جماع فليس هناك مصلحة وعليه فليس هناك نكاح، لا.
بل هناك مقاصد عظيمة وهناك مقاصد شرعية، وهناك مقاصد تتبع النكاح، فالمرأة قد تتزوج الرجل وهي في بيئة لا تجد أحداً يخطبها لكن تريد رجلاً يحميها من الذئاب، ويحميها ممن يعتدي عليها فتقول: أنا أرضى فلاناً وإن كان مجبوباً؛ لأنه شجاع.
وقد تكون المرأة مثلاً بها عيب، فقد يكون الرجل مجبوباً وتكون هي رتقاء فترضى بهذا، فأياً ما كان ليس هناك إلزام للمرأة أنها لا تتزوج من كان معيباً، بل كل منهما يتزوج ولا بأس بذلك ولا حرج إذا حصل الرضا.
قال: [أو عنيناً] إذا كان عنيناً وقالت: أرضى به، فإنها إذا كانت كبيرة عاقلة تنظر مصلحتها وهي أعلم بحالها، فلا يجوز لوليها أن يمنعها.
قال: [بل من مجنونٍ] لخوف الضرر عليها؛ لأن المجنون يضرها.
قال: [ومجذومٍ] لأن هذا سينقل إليها العدوى.
قال: [وأبرص] لأن الحق لذريتها وأولادها، فإذا امتنع أولياؤها من تزويجها كان من حقهم، لكن لو أنها هي برصاء وجاء أبرص ينكحها وخاف وليها أنه ما أحد يتزوجها ورضيت فإنه لا بأس ولا حرج.

استدامة نكاح الكبيرة بعد العلم بالعيب

قال رحمه الله: [ومتى علمت العيب أو حدث به لم يجبرها وليها على الفسخ] الفقهاء يذكرون الابتداء والاستدامة حتى تحفظ الصور فتقدم أنها لا تجبر ابتداء على النكاح من شخص معيب، فلو علمت بالعيب من زوجها بعد الدخول فما حكم الاستدامة؟ وهذا الفقهاء يضعونه في المتون رياضة للذهن حتى يصبح عند الفقيه والقاضي والمفتي والمعلم شيء من الشمولية في الفتوى والتعليم والقضاء فيتنبه لما يترتب على المسائل من أحكام وآثار، فهنا لو قال لك قائل: هي لا تجبر ابتداء، فلو أنها علمت بالعيب بعد دخول الرجل عليها فهل يجبرها وليها على الفسخ؟ ف

الجواب

أن وليها يكون له حق المنع ابتداء، لكن لو أنه طرأ العيب بعد ذلك قال: لا يجبرها لو رضيت بالاستدامة، ولا تجبر على الفسخ، وليس من حق أحد أن يجبرها على الفسخ.

شرح زاد المستقنع -

باب

نكاح الكفار

للكفار الذين يعيشون بين ظهراني المسلمين أحكام فيما يتعلق بأحوالهم الدينية والدنيوية، ومن هذه الأحكام ما تكون مشابهة لما عند المسلمين، ومنها ما يستقلون عن أحكام شريعتنا في تناوله وتطبيقه، ونكاح الكفار هو من الأحكام المستقلة التي يقرهم عليها الإسلام ولا يتدخل فيها إلا إذا طرأ طارئ الإسلام على الزوجين أو أحدهما فعندها يكون التفصيل.

نكاح الكفار

يقول المصنف رحمه الله: [باب نكاح الكفار] أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من المسائل والأحكام المتعلقة بنكاح الكفار، وهذا الباب من الأبواب المهمة المتعلقة بكتاب النكاح وهو الزواج من الكافرات، وحكم طريان الكفر على الزوج -والعياذ بالله إذا ارتد-، وحكم الكفار باختلاف أديانهم ومللهم، وقد اعتنى الفقهاء رحمهم الله بهذا النوع من الأبواب وذكروه في مسائل النكاح.

حكم نكاح الكفار

قال المصنف رحمه الله: [حكمه كنكاح المسلمين] حكم نكاح الكفار كحكم نكاح المسلمين فهو يُقر ويثبت، لكن على تفصيل في هذه الأنكحة؛ فلو أن شخصاً كافراً جاء يريد حكم الشريعة في النكاح فإنه يلزم بنكاح المسلمين، ويكون نكاحهم كنكاح المسلمين، لكن من حيث التفصيل والأحكام هناك أحكام ومستثنيات ينبغي تفصيلها فقال رحمه الله: (حكمه كنكاح المسلمين) فنقرهم، وينبني على هذه القاعدة أننا نقرهم على أنكحتهم، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ما تدخل في أنكحة الكفار ممن كان تحته من أهل الذمة ومن المعاهدين كبني قريظة ونحوهم وما قال لهم: انكحوا بهذه الطريقة وافعلوا هذه الطريقة، إنما تركهم على نكاحهم.
فكل أهل ملة ودين يفعلون النكاح على ملتهم ودينهم، والكفار على قسمين: أهل الملل الذين لهم أديان سماوية كالكتابيين من اليهود والنصارى، فهؤلاء يفعلون الأنكحة على وفق دينهم ويُقرون على دينهم، أما بالنسبة للذي لا دين له كالحربي الوثني، أو المجوسي الذي ليس له دين سماوي على القول بأن المجوس ليسوا في حكم الكتابيين، وكذلك أيضاً الذي لا دين له كالشيوعي والملحد فما حكم نكاحه وهو ليس له دين؟ ف

الجواب

أن نكاحه كنكاح المسلم، فلو أن من لا دين له كملحدٍ تزوج ملحدة، مع أنهم في بعض الأحيان ما عندهم ولي وشاهدان ومهر، بل يلقى الرجل المرأة -والعياذ بالله- في الطريق ويطؤها على أنه زوج لها ويتعارفون على هذا، وهم ما عندهم دين، فإننا نقرهم على هذا إذا أسلما الاثنان؛ لأن أهل الجاهلية في جاهليتهم كانوا لا دين لهم، فلما أسلموا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم صحابياً أن يجدد نكاحه، مع أنهم في الجاهلية كانوا يوقعون الأنكحة على غير السنن الشرعية، ولذلك قالوا: يفرق بين الابتداء والاستدامة، وأنكحة الكفار يختلف فيها الحكم الابتدائي والاستدامي الذي يستدام به العقد، وسيبين المصنف رحمه الله جمل المسائل وأحكامها كما سيأتي.
فقال: (حكمه كنكاح المسلمين) من حيث الأصل، فإذا أسلم الكافران الزوج والزوجة ما نأتي نبحث عنه، وهذه فائدة حكمه كحكم نكاح المسلم، ولذلك أبقى النبي صلى الله عليه وسلم هذا النكاح.
النكاح يعتبر من العقود التي أبقتها الشريعة على حالها من الجاهلية، وهذه العقود منها قسمة المواريث وقسم الحقوق، فإذا قسم الكفار حقوقهم في حال الكفر ثم أسلموا فإنه يبقى قسم الجاهلية على ما هو عليه لقوله عليه الصلاة والسلام: (ما كان من قسم الجاهلية فهو على ما هو عليه) ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وهل أبقى لنا عقيل من رباع) لأن عقيل بن أبي طالب بقي على الكفر إلى قرب الفتح فورث جميع بني هاشم الذين كانوا كفاراً، ولم يتوارث بنو هاشم الذين أسلموا فأصبح الإرث كله لـ عقيل، ثم لما أسلم عقيل ما قال له: تعال نقسم، فجعل هذه العقود: النكاح والقسم والمواريث تبقى على حكم الجاهلية، فإن أسلموا فإنه يستأنف الحكم فيما لم يمضِ ولم يتم، أما ما تم وبت فيه فيبقى على ما هو عليه، فلو أنه عاشرها لحظة على أنها زوجة له وعرفهم جارٍ بهذا -والعياذ بالله- ودخلوا في الإسلام مباشرة فهما زوجان، وهذا أصل عند العلماء، ويكاد أن يكون إجماعاً بين أهل العلم؛ لأن فيه نصوصاً واضحة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة، فلم يسأل صحابياً أن يجدد نكاحه على زوجته.

متى يقر الكفار على النكاح الفاسد؟

قال رحمه الله: [ويقرون على فاسده إذا اعتقدوا صحته في شرعهم ولم يرتفعوا إلينا] قال: [ويقرون على فاسده] بشرطين: إذا اعتقدوا صحته في دينهم، مثلاً: يهودي تزوج يهودية بخمر أو خنزير، فديننا لا يصحح هذا؛ لأن الخمر والخنزير ليس بمهر، بينما الخمر والخنزير يعد مالاً في دينهم ومذهبهم، لكنه في حكم الإسلام لا، لكن نقرهم عليه ما دام أن دينهم يقرهم على ذلك، وبشرط: أن لا يترافعوا إلينا، فإن جاءونا حكمنا بحكم الإسلام، وهذا يقع في أهل الذمة عندما يكونون تحت حكم المسلمين، فإذا فتحت بلادهم فقالوا: ندفع الجزية ونبقى على ديننا، فدفع الجزية يبقيهم على دينهم، فإذا تناكحوا بطريقتهم وبدينهم، فليس للمسلمين أن يتدخلوا في ذلك؛ لأن هذا أصل عقد الجزية الذي أبرمه عمر بن الخطاب وأبو بكر رضي الله عنهم، فـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مصالحتهم أبقاهم على ما هم عليه من دينهم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان مع يهود بني قريظة ويهود خيبر ويهود بني النضير كلهم على هذا الحكم، وهو أنه يتركهم على دينهم وعلى شرعهم، فأما إذا ترافعوا إلينا وجاءوا إلينا وسألونا أن نحكم بينهم فإننا نحكم بحكم الإسلام.
فإذاً الشرط: أن يكون دينهم يقرهم على ذلك -إذا كان لهم دين سماوي- وأن لا يترافعوا إلينا، فإن ترافعوا إلينا أو فعلوا أمراً لا يقرهم عليه دينهم ألغي هذا العقد، فمثلاً: يهودي تزوج أخته وهو ذمي تحت المسلمين، وبلغ المسلمين ذلك فإنهم يلغون هذا النكاح؛ لأنه تحت حكمهم، ومثل هذا النكاح لا يقره دينه ولا يقره ديننا، فلا يبقون على مثل هذه الأنكحة كنكاح المحارم، لكن لو كان دينهم وشرعهم يقرهم على ذلك أقررناهم على ما أقرهم عليه دينهم بشرط ألا يترافعوا إلينا.
فلو أن يهودياً ويهودية جاءا إلينا وقالا: نريد أن تعقدوا لنا عقد النكاح بدينكم ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة:42] فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بحكم الإسلام، وأنزل القرآن مهيمناً على الكتب السماوية من قبل، فحينئذٍ يحكم ويبت بينهم، ولذلك رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين الزانيين المحصنين بحكم الإسلام، وإن كانت التوراة كذلك فيها الرجم كما وضع أحدهم يده على آية الرجم لكن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بينهم لقوله: (فدعا بالشهود) فأجرى القضية على أنها قضية قضائية إسلامية، فإذا ترافعوا إلينا حكمنا بينهم بشرعنا.
قال: [فإن أتونا قبل عقده عقدناه على حكمنا] وإن أتونا بعد عقده أبقيناه على حكمهم.
قال: [وإن أتونا بعده أو أسلم الزوجان والمرأة تباح إذاً أقرا] قوله: (أو أسلم الزوجان والمرأة تباح إذاً) يعني: أسلم اليهودي واليهودية فصارا مسلمين والمرأة مباحة صح، لكن لو أنه تزوج أم زوجته فليست تباح إذاً، فإذاً الشرط: أن يسلما والمرأة مباحة، يعني: ممن يحل نكاحها، فإذا تزوج أجنبية منه وبعد ذلك أسلم الزوج والزوجة أبقيناهما على عقدهما في حال الكفر، لكن لو كانت المرأة لا يقر نكاح جنسها فحينئذٍ يفسخ النكاح، كأن يكون قد تزوج أم زوجته أو ربيبته فإنه لا يحكم بصحته؛ لأن الشريعة لا تقر هذا، (والمرأة تباح إذاً أقرا) أي: تباح بحكم الشرع فإنه حينئذٍ يُقر.

متى يفرق بين الكفار في النكاح الفاسد؟

قال رحمه الله: [وإن كانت ممن لا يجوز ابتداء نكاحها فرق بينهما] مثلما ذكرنا كأم زوجته وربيبته.
أو أسلم كافر مثلاً وعنده ست نسوة فلا يباح له الست إنما يباح منهن أربع، كما قال عليه الصلاة والسلام لـ غيلان رضي الله عنه وأرضاه: (انكح أربعاً وفارق سائرهن) يعني: سائر من سوى الأربع، وهذا الحديث يدل على أنه لابد أن يستأنف الحكم إذا كان هناك ما يعارض الشرع، كما لو أسلم بنكاح فيه نظر للشرع من جهة المرأة التي تحل، أما من جهة الصداق وكيفية العقد فهذا لا يتدخل فيه الشرع، فلو أنه أسلم وعنده ست نسوة أو ثمان نسوة فنقول: انكح أربعاً وفارق الباقي.
قال: [وإن وطئ حربي حربية فأسلما وقد اعتقداه نكاحاً أقرا وإلا فسخ] الحربي: هو الكافر الذي بينه وبين المسلمين حرب، وطبعاً إذا كان من الوثنيين الذين لا دين لهم فأسلم وعنده زوجة تزوجها مثلما يقع من الكفار، يعاشر المرأة ويتفقان فيما بينهما على أنهما زوجان بدون عقد ولا صفات معينة معتبرة، فإنهما إذا أسلما يقران على حالهما بشرط أن تكون المرأة من جنس ما أذن الشرع بنكاحها.
قال: [وإلا فسخ] (وإلا فسخ) لو أنه عاشرها كعشيقة -والعياذ بالله- أو كما يسمونها صديقة قال تعالى: ﴿وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء:25] والخدن الصديق، فكانوا في الجاهلية المرأة يكون لها زوج ويكون لها صديق، فالصديق يستمتع بالقبلة أو نحو ذلك مما دون الفرج، والزوج يستمتع بالفرج، فحرم الله هذا، فلو أنه عاشرها كصديقة ثم أسلما فلم يسلما كزوجين وإنما أسلما كعشيقين، وهذا ليس من جنس ما يحكم فيه بالنكاح، فإذاً لابد أن يعتقداه نكاحاً، وهذا هو الذي جعل المصنف يقول: (وقد اعتقداه نكاحاً) فلابد أن يكون في اعتقادهما أنه نكاح، فحينئذٍ نصححه ونبقيه نكاحاً.

حكم المهر المقبوض والمؤجل

قال رحمه الله: [ومتى كان المهر صحيحاً أخذته] إذا تزوجها في الجاهلية وأخذت مهرها ما عندنا إشكال، ولا نحتاج أن نبحث فيما مضى، لكن المشكلة إذا تزوجها وأخر مهرها، فالزواج سنبقيه صحيحاً على ما هو عليه لكن يبقى النظر في المهر حيث إنه لم يقبض، فيستأنف فيه حكم الإسلام، بخلاف لو أنه تزوجها في الجاهلية وأعطاها مهراً لا يصح مثل الخمر والخنزير والأصنام ونحو ذلك من المحرمات وقبلته فإنه يصح، لكن لو أنه أخر المهر فكان المهر خمراً ثم بقيت هذه المرأة في عصمته ودخلا في الإسلام، فحينئذٍ يرد

السؤال

هل الحكم مبتدأ أو مستدام؟ الحكم مستأنف ومبتدأ، فننظر في هذا المهر فإن كان شرعياً ألزمناه به؛ لأن الشرع يلزم به، وإن كان غير شرعي فإنه لا يحكم به ويكون لها مهر المثل.
قال: [وإن كان فاسداً وقبضته استقر] تأخذه كما ذكرنا؛ لأن المهر يملك بالقبض.
قال: [وإن لم تقبضه ولم يسم فرض لها مهر المثل] حينئذٍ يكون لها مهر مثلها.

حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين

قال رحمه الله تعالى: [فصل: وإن أسلم الزوجان معاً أو زوج كتابية فعلى نكاحهما] عرفنا الأنكحة التي تبقى والأنكحة التي لا تبقى، والسؤال الآن: مسألة تجديد النكاح إذا أسلم الزوجان، وإذا أسلم أحدهما دون الآخر، فقال رحمه الله: (إذا أسلم الزوجان) إذا أسلما معاً فنبقي النكاح على ما هو عليه، وهذا بالإجماع وليس عندنا فيه إشكال، لكن إذا أسلم أحدهما دون الآخر فإما أن يكون زوجاً وإما أن يكون زوجة، فإن أسلم الزوج قبل الزوجة وكانت الزوجة وثنية فلا إشكال؛ لأن المسلم لا ينكح الوثنية ولا يستدام نكاحه لها إذا بقيت هي على الكفر.
لكن إذا كانت كتابية فيجوز نكاح المسلم للكتابية، ففرق المصنف في إسلام الزوج بين أن تكون زوجته كتابية أو تكون غير كتابية وهذا مرده إلى النص الشرعي، ومن هنا تلاحظ أن المتون الفقهية تتركب من الأحكام المنصوص عليها، فهي تأتي بصورة الأمثلة لكنها تحكي الأحكام الشرعية، فهو يقول: (إذا أسلم الزوجان) لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهما في حال كفرهما فمن باب أولى أن يقرا بعد إسلامهما ما عندنا إشكال، لكن لو أسلم أحدهما ففيه تفصيل: إن كان الزوج هو الذي أسلم فحينئذٍ ننظر في زوجته، فإن كانت من جنس ما تحل زوجة للمسلم -وحينئذٍ تكون كتابية؛ لأن غير الكتابية وهي الوثنية ما يحل نكاحها ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:221] أما الكتابية فيجوز- فإنه يبقى على نكاحه ولا يفسخ النكاح، فهنا لو سئُلت: متى يبقى نكاح الكافر على ما هو عليه؟ فتقول: إذا أسلما أو أسلم زوج كتابية، فإن أسلم زوج وثنية فإنه في هذه الحالة ينفسخ النكاح؛ لأنه لا نكاح بينهما على التفصيل الذي نذكره من الاستبقاء والإمهال للعدة.
قال: [فإن أسلمت هي أو أحد الزوجين] انتهى المصنف الآن من الرجل، وعرفنا أنهما إذا أسلما أقرا، وإن أسلم الرجل فصل فيه، فإن كانت زوجته وثنية فلا إشكال وإن كانت كتابية بقي الحكم وأقرا، فإن أسلمت هي فحينئذٍ يرد الإشكال؛ لأنه لا يحل للكافر أن ينكح المسلمة سواءً كان كتابياً أو غير كتابي: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:10] فالكافر ليس له على المسلمة سبيل، فإسلام المرأة غير إسلام الرجل.
قال: [فإن أسلمت هي أو أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول بطل] فإذا أسلمت المرأة فالنكاح منفسخ، لكن ينبغي أن ننتبه لقضية وهي: أن المرأة المدخول بها إذا فسخنا نكاحها فهناك مهلة وهي العدة، فاختلف حكم النساء إذا أسلمن بين أن يكون قبل الدخول أو يكون بعد الدخول؛ لأن الفسخ قبل الدخول لا عدة فيه، والفسخ بعد الدخول فيه عدة، وإذا كان الفسخ بعد الدخول فيه عدة فالعدة مهلة، يعني: نعطيه مهلة أن يسلم إلى أن تخرج من عدتها، فإن أسلم قبل خروجها من العدة عادت إليه، وإن أسلم بعد خروجها من العدة لم تعد إليه، هذا إذا كان بعد الدخول، أما لو كان قبل الدخول فإنه ينفسخ النكاح مباشرة لأن فسخه يتم بدون عدة.

حكم المهر في حال الفسخ

قال رحمه الله: [فإن سبقته فلا مهر وإن سبقها فلها نصفه] عرفنا إذا وقع إسلامها قبل الدخول وبعد الدخول، وأنه قبل الدخول يوجب الفسخ وبعد الدخول يوجب الفسخ، لكن تبقى له مهلة إلى نهاية مدة العدة أن يرجع إليها، فإن أسلم رجع إليها مثلما وقع لـ صفوان رضي الله عنه وأرضاه في قصته المشهورة، فـ صفوان بقي بعد فتح مكة على الكفر، وشهد حنيناً وهو على الكفر ثم أسلم رضي الله عنه فرد النبي صلى الله عليه وسلم له زوجته، وهذا باستمهال العدة، وهو حديث مشهور كما قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: شهرته أغنت عن إسناده، وحسنه طائفة من العلماء.
الشاهد: أن المرأة إذا كانت مدخولاً بها أعطي زوجها الكافر مهلة إلى نهاية مدة العدة، لكن يبقى النظر في المهر، فإن كان الذي أسلم الزوج فله حكم، وإن كان الذي أسلم الزوجة فله حكم؛ لأنه إذا أسلم الزوج كان الطلاق والفسخ من ناحيته، وإن أسلمت المرأة كان الطلاق والفسخ من ناحيتها وهي التي تسببت فيه، فقال رحمه الله: (فإن سبقته فلا مهر) (فإن سبقته) في حال تطليقها قبل الدخول (فلا مهر) ليس لها مهر؛ لأن هذا حكم الشرع، أنه إذا فسخ النكاح قبل الدخول فلا مهر.
(وإن سبقها فلها نصفه) وإن سبقها للإسلام ثم أسلمت فحينئذٍ لها نصف المهر إذا كان قد فرض لها فريضة؛ لأنه طلاق قبل الدخول، مثل الحكم في الإسلام.

التفريق بين الزوجين بعد إسلام أحدهما

قال رحمه الله: [وإن أسلم أحدهما بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء العدة] يعني: نحكم بالفسخ، لكن ما يثبت الفسخ ويفرق بينهما إلا إذا مضت العدة ولم يسلم الآخر.
قال: [فإن أسلم الآخر فيها دام النكاح وإلا بان فسخه منذ أسلم الأول] إذا لم يسلم الآخر قبل انتهاء العدة حكمنا بفسخه منذ إسلام الأول، يعني: من حين الإسلام تبين لنا الفسخ.
قال: [وإن كفرا أو أحدهما بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء العدة وقبله بطل] هذه الردة -والعياذ بالله- (إن كفرا أو أحدهما بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء العدة) يفرق بينهما، ثم يعطى مهلة إلى انقضاء العدة، فإن تاب ورجع قبل انتهاء العدة فلا إشكال، وإن كان بعد انقضاء العدة فرق بينهما.

شرح زاد المستقنع -

باب الصداق [1]

من الأمور المشروعة في النكاح فرض الصداق، وهو حق للمرأة يدلها على صدق الرجل في نكاحها، ويسن عدم المغالاة فيه، فإن كان الصداق مما لا يصح وجب لها مهر مثلها، وهكذا إذا لم تأذن لغير أبيها، وقد يعجل الصداق أو يؤجل بحسب ما يتفقون عليه، لكنه يدخل في ضمان المرأة وملكها من حين العقد.

أحكام الصداق

قال رحمه الله تعالى: [باب الصداق] الصداق: قيل: هو المهر، وسمي بذلك؛ لأن الرجل يظهر به صدق الرغبة في المرأة، ويسمى: الصداق والمهر والفريضة والحباء والمتعة، وهذه كلها من أسماء الصداق، وهذا الباب من الأبواب المهمة المتعلقة بالنكاح؛ لأن الله سبحانه وتعالى فرض على الأزواج أن يعطوا الزوجات حقوقهن في المهر، والعلماء من المحدثين والفقهاء رحمهم الله يعتنون بهذا الباب، ويذكرون النصوص الشرعية وما اشتملت عليه من الأحكام في بابه: باب الصداق والمهر.
يقول رحمه الله: (باب الصداق) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بمهور النساء وصداقهن، والأصل في مشروعيته قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:4]، وثبتت السنة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول والفعل، فقال عليه الصلاة والسلام: (فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها) وكذلك أصدق عليه الصلاة والسلام نساءه، وجعل عتق صفية صداقاً لها ومهراً، وكذلك سأل عبد الرحمن بن عوف (ما أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب) كل هذا ثابت، السنة القولية كقوله صلى الله عليه وسلم: (فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها) والفعلية: أنه أعتق صفية، والتقريرية: في حديث عبد الرحمن بن عوف، فهذه ثلاثة أنواع من السنة: القولية، والفعلية، والتقريرية، وأجمع العلماء رحمهم الله على مشروعية الصداق وأنه مما يشرع في النكاح.

مشروعية تخفيف الصداق

[يسن تخفيفه] يسن تخفيف الصداق وعدم المغالاة فيه؛ لما فيها من الأضرار والمفاسد العظيمة؛ فالمغالاة في المهور تؤخر الزواج وتعطله، وتكثر من العوانس بين الناس الأمر الذي يفضي للفتنة والشر المستطير، فالسنة تخفيفه تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك خفف في مهور نسائه، فدل هذا على أن المهر ليس بمحل للمزايدة والمغالاة، وأجمع العلماء رحمهم الله على كراهية المغالاة في المهور، ونص بعض العلماء على أنه يوجب الإثم إذا وصل إلى حد الإضرار بحيث يقول: لا أزوج ابنتي إلا بمائة ألف، وهو يعلم أن هذه المائة ألف قد تكون سبباً في عدم زواج ابنته، ولربما عنست وكبرت ولم تتزوج فإنه يبوء بإثمها والعياذ بالله.
فالمغالاة في المهور مجمع على كراهتها، وقال المصنف: [يسن تخفيفه] لأن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التخفيف؛ ولأن الحكمة تقتضي هذا، فإن الرجل إذا دفع مهراً كثيراً في المرأة، فإن هذا سيضر بالمرأة أثناء عشرتها، فهو يظن كأنه اشتراها، فإذا رأى منها أقل خطأ، عظم هذا الخطأ، ورأى أنه كبيرة لا تغتفر، وحينئذٍ تحدث المشاكل، وينتقم منها ويضر بها، وربما أجحف بها حتى تخالعه وترد له المال الذي دفعه، إضافة إلى أنه إذا غالى الناس في المهور، فإنه سيتحمل الزوج أعباء هذه المهور المبالغ فيها، فلربما وقع في وطأة الدين، فيدخل إلى بيت الزوجية مهموماً مغموماً، فتنعكس الآثار على نفسيته وعلى زوجته حتى لربما عاش عيشة منغصة مليئة بالمشاكل والأضرار بسبب المغالاة في المهور.
فلا خير في المغالاة في المهور، والسنة التخفيف تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا جاء حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (خير النساء -وفي رواية: أبرك النساء- أيسرهن مئونة) فالتيسير في مئونة النكاح والتخفيف هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والسلف الصالح والتابعين لهم بإحسان رحمة الله على الجميع.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
نكاح التحليلالنكاح المعلقنكاح المتعةحكم الزواج بنية الطلاقالسؤالالشروط الفاسدة مع بقاء صحة العقداشتراط عدم المهرالسؤالاشتراط عدم النفقة على الزوجةاشتراط عدم المساواة بين النساء في القسماشتراط الخيار في المهر والنفقةاشتراط الولي على الزوج الإتيان بالمهر في وقت معين وإلا فسخ العقدشروط الكمال في النكاحاشتراط الإسلام في الزوجةاشتراط البكارة والجمال والنسب في المرأةاشتراط نفي العيب الغير مؤثر في النكاحثبوت خيار الفسخ للمعتقة تحت عبدالعيوب في النكاحالعيوب في النكاحالعيوب في النكاحتخيير المرأة في الرجل المجبوبحكم العنينعيوب النساء التي يكون للرجل الخيار بسببهاعيوب الخيار المشتركة بين الرجال والنساءالفسخ بالعيبما يسقط الفسخ بالعيبلا يتم الفسخ إلا بحاكمحكم المهر في حال الفسخ بالعيبالسؤالحكم تزويج القاصرة مع العلم بالعيبتزويج الكبيرة مع العلم بالعيباستدامة نكاح الكبيرة بعد العلم بالعيبالجوابنكاح الكفارحكم نكاح الكفارالجوابمتى يقر الكفار على النكاح الفاسد؟متى يفرق بين الكفار في النكاح الفاسد؟حكم المهر المقبوض والمؤجلالسؤالحكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجينحكم المهر في حال الفسخالتفريق بين الزوجين بعد إسلام أحدهماباب الصداق [1]أحكام الصداقمشروعية تخفيف الصداق
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل