ضرب الزوجة في النشوز
وأما الضرب في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ فإن ضرب النساء يشترط فيه ما يلي: أولاً: ألَّا يكون ضرب قتل.
ثانياً: ألَّا يكون ضرب إدماء.
ثالثاً: ألَّا يكون ضرباً مزمناً.
رابعاً: ألَّا يكون ضرباً مشيناً.
فهذه أربعة أنواع من الضرب ينبغي اتقاؤها.
أولاً: أن لا يكون الضرب قاتلاً، وضرب القتل: هو أن يضربها في مقتل، أو يضربها بآلة قاتلة، فلا يأتي أحد ويأخذ آلة قاتلة، مستدلاً بقوله تعالى: (وَاضْرِبُوهُنَّ)، بل هذا قتل، ويضمن بهذا بإجماع العلماء رحمة الله عليهم، ولا يضرب في مقتل وهي الأماكن التي لو ضرب فيها أدت إلى القتل، كأن يضربها على كبدها، أو يضربها على أماكن قاتلة، فهذا يوجب الضمان، أي: يوجب العقوبة، فهذا ضرب القتل.
ثانياً: ألًَّا يكون ضرباً مدمياً، وهو الضرب الذي يجرح، كأن يضربها بشيء كالسلك أو نحوه، مما يجرح الجسم ويدميه، والآلات الحادة، كأن يجرحها بسكين، أو يجرحها بشيء له نفوذ في البدن، فهذا لا يجوز بإجماع العلماء رحمة الله عليهم.
ثالثاً: ألَّا يكون الضرب مزمناً، والضرب المزمن هو الذي يعيق بعض الأعضاء، كأن يضربها على يدها فتصاب يدها بالشلل، أو تجلس فترة لا تستطيع أن ترفع يدها، فهذا ضرب يزمن اليد، أي: يبقى أثره زمناً؛ لأنه ضرب مبرح، فهذا بالنسبة للمزمن.
فإذاً: يشترط ألا يكون قاتلاً، وألَّا يكون جارحاً، وألَّا يكون مزمناً.
رابعاً: ألَّا يكون مشيناً، والضرب المشين هو الذي يبقى أثره في البدن، ولا يقتل ولا يجرح؛ لكن يضربها -مثلاً- بقوة على بدنها حتى يحمر البدن، فإذا احمرَّ فهو الضرب المشين، وحينئذٍ لا يجوز له هذا النوع من الضرب، وإنما يضرب الضرب من لكز ونحوه، الذي لا يكون فيه قتل، ولا جرح، ولا زمانة، ولا يشين، وهكذا لَطْم الوجه، فإنه لا يجوز لطم الوجه، فقد نُهِي عن لطم الوجه، وهكذا لو كان الضرب شديداً، فإذا ضربها بقوة بحيث بقيت آثار ضربه على وجهها، فهو ضرب مزمن.
خير الناس من يحتمل زوجته ويصبر عليها
فالضرب إذا وقع من الزوج لزوجته، وظهرت آثاره على جلدها، فإن هذا خارج عَمَّا أمر الله به وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالضرب على هذا الوجه، إنما المقصود ضرب الأدب، والمرأة تعي هذا الأمر، فليس المراد من هذا استعلاء الرجال على النساء، وإنما المراد حملها على الخير؛ خيرِ دينها ودنياها، بإصلاح أمرها بالقوة، ولا شك أن هذا الضرب إذا كان ضرباً شرعياً يكون له أثره، والصحابة رضوان الله عليهم ضربوا، ووقع الضرب منهم لنسائهم، ولكن إذا كَمُل الرجل وفَضُل، ورزقه الله عز وجل الألفة والمحبة والعقل والبصيرة، فإنه لن يصل إلى مثل هذه الأمور، ويعيش مع زوجته دون أن يرفع يده يوماً عليها، وهذا صنيع الكرام وهم خيار الأمة، فخيارنا من وُفِّق لحسن الخلق حتى أصبح يملك زوجته بالمشاعر، ولذلك لما أكد النبي صلى الله عليه وسلم على الأخلاق، وأتى في الأخلاق بباب عام تحتاجه الأمة، قدم الأخلاق مع الأهل أولاً، فقال صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).
فالرجل الذي يوفق للإحسان إلى زوجته مع التعقل في ذلك الإحسان، بحيث لا يكون سبباً في إفراطها في الدلال والضياع، ويكون إحساناً متعقلاً، فإن الله سبحانه وتعالى يرزقه المحبة التي معها الهيبة، وشتان بين هيبة بالقوة وبين هيبة بالمحبة.
كما قال القائل: أهابك إجلالاً وما بك قدرةٌ عليَّ ولكن ملء عينٍ حبيبها فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يضرب الناس، ولا ضرب إلا في الجهاد في سبيل الله عز وجل؛ ولكن كان إذا سخط الشيء عُرِف في وجه، فلم يكن صخاباً، ولا سباباً، ولا لعاناً، صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يعامل الناس بالمشاعر.
فالرجل الكريم الإلف المحبوب الذي يعاشر زوجته بالمعاشرة الطيبة الحميدة الكريمة إذا لوى وجهه عنها أحست بمرارة الحياة، حتى إن بعض النساء تقول لزوجها: اقتلني ولا تعرض عني، من كمال محبتها له؛ لأنه ملَكَ مشاعرها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن بأخلاقكم) فالخلق يملك القلوب.
فإذا كان الرجل يريد أن يقيم بيته فليعلم أن البيوت ليست ميادين القوة والشدة والعنف، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه)، فالرفق خير للأمور، وصلاح لها، إذا كان موضوعاً في موضعه، وعلى الإنسان أن يجتهد.
والعلماء يقولون: إن أكثر ما يحفظ الله به الإنسان عن أذية الأهل، وأذية الأهل له: كثرةُ الطاعة، فإن العبد الصالح المتقي لله عز وجل يُحْفَظ من أذية أهله، ولو آذاه أهلُه يعصمُه الله عز وجل من الزلة والأذية والإضرار، فيبقى صابراًَ حتى يأتيه الفرج، ولذلك ذكروا عن زكريا عليه السلام أنه كانت امرأته تسبه وتشتمه وتؤذيه وتضره، وهو نبي من أنبياء الله، كما قال تعالى عنه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء:90]، فأصلح الله له زوجه في آخر عمره، وحين تقرأ في تراجم العلماء والفضلاء تجد من أخلاقهم مع أهلهم وصبرهم عليهم شيئاً كثيراً، حتى قالوا: ليس من حكيم إلا ووراءه امرأة تؤذيه؛ من كثرة ما رأوا؛ لأنه إذا أوذي واضطهد من امرأته أصبح حكيماً، وهذا من المبالغة، وليس بحقيقة، ولكن مما جرب وشوهد وعلم أنك تجد العلماء والفضلاء والكرماء والعظماء تغلبهم النساء، فما للمسلم إلا الصبر واحتساب الأجر عند الله سبحانه وتعالى، فإذا استرجع وفوض الأمر إلى الله، فإن الله يتولى أمره.
من نزلت به فاقة، وألمت به حاجة، وضاقت عليه الأمور، فتوكل على الله، وفوضها إلى الله، وتضرع إلى الله، فلن يمضي عليه فترة إلا وقد أراه الله بهجة سرور في أهله وزوجه، ومن يصبر يصبره الله، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وجدنا ألذ عيشنا بالصبر.
فالمرأة من ينظر إلى حالها في بيتها وشؤونها، وتشتت فكرها في هذه الأمور، وفي أولادها، وفي شؤونها، يتنازل عن كثير، ويصبر على كثير، وهذا هو الذي عناه عمر رضي الله عنه حينما جاءه عقيل يشتكي من زوجه، فلما وقف على الباب سمع امرأة عمر تسب عمر، وهو إنما جاء ليشكو أهله إلى عمر، فوقف في الباب فوجد أن أمير المؤمنين يُسب من زوجه فرجع؛ لأنه رأى عظة له وسلوة عن الشكوى، فرآه عمر رضي الله عنه فدعاه، فلما جاء قال: ما حاجتك؟ قال: خيراً يا أمير المؤمنين، قال: عزمت عليك إلا أخبرتني، فقال له: يا أمير المؤمنين! إن أم فلان آذتني، فلما وقفت في الباب سمعت زوجتك تسبك! فقال عمر رضي الله عنه: يا عقيل! إنها أم أطفالي، تغسل ثوبي، وترضع صغيري، فأنا أمسكها لأجل ذلك، أي: كن حكيماً عاقلاً بعيد النظر، فإن الدنيا ليس فيها شيء كامل من سرورها إلا ما كان من ذكر الله عز وجل.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه) فليس هناك شيء كامل في هذه الدنيا، فما يرى الإنسان من بهجة الدنيا شيئاً أو سروراً إلا جعل الله فيه نغصاً.
فانظر إلى أحوال الدنيا كلها، فإنك تكون -مثلاً- في البر، فتجد طيب الهواء، وأجمل ما تكون المناظر في طبيعتها، وتلتذ بأنسك وانبساطك، فتخرج لك حية من الأرض، أو تخرج لك العقرب، فتعاف البر بما فيه، وترى أن المدن أحسن، فإذا ذهبت إلى المدن، وتنعمت براحتها وسرورها جاءك نكدها ونغصها، وذلك حتى لا يركن المؤمن إلى الدنيا.
مسرة الدنيا إلى تنغيص وربما أعيت يد الحريص لأنها لو كانت كلها سروراً فلربما -والعياذ بالله- اطمأن إليها العبد فهلك، لكن الله لطف بعباده فجعل مسراتها إلى تنغيص، ومهما وجد من زوجته وأولاده سروراً فلابد أن يرى يوماً يبكي فيه بمرارة؛ حتى يبقى سروره بالله وحده لا شريك له، فيجد أن المحبة الكاملة ينبغي أن تكون لله، وأن السرور الكامل كله لا يكون إلا لله.
وهكذا الزوجة، فإن المرأة تسر بزوجها وتفرح، حتى إذا جاءها يوم من الأيام تغير ذلك السرور، وذهبت تلك البهجة، وقد يكون سرور الزوج لحاجة ومتعة، لكن المؤمنة إذا تسلت بالله، وقامت بذلك الزوج، وحملته ودبرت -بتوفيق الله ومعونته- شؤونه وأحواله وأموره وأولاده وأطفاله، وحملت الهموم والغموم، وهي لا تنتظر منه شكراً، ولا تنتظر منه ثناءً، إنما تنتظر من الله جل جلاله، فاليوم الذي ينقلب لها فيه ظهر المجن لا يتغير عندها شيء، فتجدها راضية مطمئنة فرحة حتى بالبلاء؛ لأن الإنسان إذا سر بسرور الدنيا أبكاه الله، فلا ينبغي للإنسان أن يكون سروره سرور المطمئن الغافل، وإنما إذا رأى بهجة الدنيا قال: الحمد لله، فذكرته بهجتها بما عند الله عز وجل.
ولذلك يقولون: إن يعقوب عليه السلام أحب ابنه يوسف عليه السلام، فعذبه الله بحبه، وفارقه حتى فقد بصره من البكاء عليه، فالإنسان إذا أحب شيئاً من هذه الدنيا، وركن إليها، بمعنى أنها عظمت محبتها في قلبه، فإنه لابد أن يرى يوماً يبكي فيه من تلك المحبة، فنسأل الله العظيم أن يجعل قلوبنا مملوءة بمحبته، وأن يجعل لنا من حبه وبره وشكره والرضا به أعظم حظٍ ونصيب.
حالات المعالجة بالوعظ والهجر
قال رحمه الله تعالى: [فإذا ظهر منها من أماراته، بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع، أو تجيبه متبرمة أو متكرهة، وعظها، فإن أصرت هجرها في المضجع ما شاء، وفي الكلام ثلاثة أيام، فإن أصرت ضربها غير مبرح] قوله رحمه الله تعالى: [فإن ظهر منها] أي: من الزوجة.
[من أماراته] جمع أمارة، وهي العلامة، والضمير في (أماراته) عائد إلى النشوز.
[بأن لا تجيبه] أي: إذا دعاها إلى فراشه، أو كانت تجيبه من أول نداء، فأصبحت تجيبه من الثاني، أو الثالث، وربما تأخرت إلى الرابع، وإن شاءت إلى الخامس، فهذه كلها أمارات على النشوز؛ لأنها كانت تجيبه من أول نداء فأصبحت لا تجيبه إلا بعد رأي يدل بوضوح على أنها تنوي نية النشوز، وأنها تسترسل من هذا إلى ما وراءه، فينطبق عليها قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء:34] فيشرع الوعظ.
وقوله: [أو تجيبه متبرمة] أي: تفعل ما يدل على عدم الطاعة ويظهر ذلك من وجهها وفعلها، كأن يقول لها: ائتيني بالكتاب أو ائتيني بالصحن، أو ائتيني بالطعام، فتأتي وتضع الطعام بقوة بين يديه، أو تضع الشيء بين يديه بقوة، فهذا واضح -جداً- على أنها لا تريد طاعة.
وقوله: [أو متكرهة] بمعنى: أن تظهر عليها أمارت الكره، مثل ما ذكرنا من عبوس الوجه، وكذلك أيضاً التأفف، والتأوه، والتضجر.
ويذكر العلماء هذه الأمثلة، لأنك تحتاج إلى ذلك في الفتوى، وتحتاجه في القضاء، فالشخص إذا جاءك وقال: إنه يحصل كذا وكذا، فإنك تبحث عن الأمارات، وتسأل عما يكون من المرأة، حتى تستطيع أن تعطي كل حالة حكمها، وهذا -كما ذكرنا- لأن المتون الفقهية يعتني فيها العلماء رحمهم الله بهذه المسائل إعانة على الفتوى وإعانة على القضاء.
وقوله: [وعظها] من الموعظة، وهي الكلمات المؤثرة، والموعظة تكون بالقرآن، كأن يتلو عليها آيات من كتاب الله عز وجل، أو أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك فرق في مقاصد الوعظ، فإذا وعظت لله فإنها موعظة ومؤثرة، وإذا وعظت لحظ نفسك فإنها موعظة لكنها لا تؤثر؛ لأنها موعظة الظاهر، وأنت في الباطن لا تريد إلا حظ نفسك، ولذلك تجد الرجل يرى أخاه، أو قريبه على المنكر فيقول له: يا أخي! اتقِ الله، إني أخاف عليك النار، ويتذكر أنه أخوه، ويخشى أن يُفرَّق بينهما في الآخرة، وكأنه يراه في عرصات يوم القيامة وقد افترقا، فيخاف عليه خوفاً شديداً، فتجده يدعوه إلى الله تعالى بصدق فتقع الكلمات في قلبه فيهتدي.
وتجد آخر يأتي ويقول له: يا أخي فضحتنا، وشهرت بنا، وفعلت وفعلت، فقد فضحت بيتنا وفضحت أسرتنا فانتقل من الوعظ إلى حظ نفسه وأهله وبيته، فلا يبارك الله في قوله، فنصحه لأخيه ليس من باب الهداية، وإنما من باب أنه فُضح وأنه اشتهر، فتكون عاطفة الدنيا أكثر من عاطفة الدين، فالذي يعظ المرأة لا ينبغي له أن يعظها لحظ نفسه، إنما يعظها خوفاً عليها من النار؛ لأن الله أمره أن يقي نفسه وأهله وزوجه من النار، فيقول لها: اتقي الله، فإني أخاف عليكِ من النار، وأخاف عليكِ من عقوبة الله، وأخاف أن ينزل الله بكِ بلاءً، وهذا لا يجوز، أما حقي فأنا أصبر عليه، فإذا شعرت أنه يذكرها بالله، أو علم الله من قرارة قلبه الإخلاص فإن وعظه يؤثر بإذن الله تبارك وتعالى.
قوله: [فإن أصرت هجرها في المضجع ما شاء] أي: بما فيه المصلحة.
وقوله: [وفي الكلام ثلاثة أيام] أي: إذا هجرها في الكلام فلا يزد على ثلاثة أيام، ففرق بين القول والفعل، فلا يجوز في هجر القول أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)، فلا يجوز الهجر فوق ثلاثة أيام.
وقوله: [فإن أصرت ضربها غير مبرح] فإن أصرت على النشوز ضربها غير مبرح، أي: ضرباً غسير مبرح كما ذكرنا.
شرح زاد المستقنع -
باب الخلع [1]
من رحمة الشريعة ومراعاتها لحقوق المرأة أن جعلت للمرأة الحق أن تنفصل عن زوجها إذا لم تستطع الحياة معه، فترد له ما دفعه لها وتخالعه، فلم يقع الظلم لا على الرجل ولا على المرأة، لأن الطلب جاء من المرأة، وأما إذا كان هناك إضرار بالمرأة فهنا يلزم الزوج بالطلاق لأن التعدي جاء منه، وهذا كله من كمال التشريع.
القول في الخلع وما يتعلق به
تعريفه ومناسبته لباب الطلاق تقديماً وتأخيراً
قال رحمه الله تعالى: [باب الخلع] هذا الباب سمي بالخلع أخذاً من خلع الثوب، فالمرأة لباس الرجل، والرجل لباس المرأة، وإذا وقع الخلع والفراق خلع هذا اللباس، وفرق بينهما، فحُلَّت العصمة، ووقع الفراق.
وباب الخلع يذكره بعض العلماء بعد الطلاق، فيؤخر الخلع إلى ما بعد الطلاق، فيذكر مسائل الطلاق والعدد، والإيلاء، والخلع، وبعضهم يذكر الطلاق والإيلاء، ثم الخلع، ثم العدد، وعلى العموم فمنهم من يقدمه على الطلاق، ومنهم من يؤخره، والمصنف -رحمه الله تعالى- قدمه على الطلاق.
ومناسبة تقديمه: أن الخلع رابط بين هذا الباب وبين باب الطلاق، وذلك لأن الخلع إنما ينبني من جهة الحقوق، فالمرأة في الأصل مطالبة بالقيام بحق زوجها، والزوج مطالب بحق زوجته، فإذا وقع بينهما النشوز والنفرة -كما ذكرنا- فإن هذا النشوز قد يكون سبباً في الخلع، فإذا نشز الرجل فأضر بالمرأة أو كان منه أمر يضيق عليها فيه، فإنها تخالعه، وتفتك من أذيته وإضراره بالخلع؛ لأنه لن يطلقها، فأصبح الخلع وسيلة لدفع الضرر؛ لأن الخلع شرع من أجل دفع الضرر والضرر يكون بالنشوز، والنشوز قد يكون بحق وقد يكون بغير حق، وأياً ما كان فالخلع مناسبته للنشوز من جهة وجود الضرر، فإذا كان الخلع مشروعاً لدفع الضرر فالرابط بينهما واضح.
وأما مناسبة تأخيره بعد الطلاق، فلكون الخلع مرتبطاً بالطلاق، والحنابلة لا يرون الخلع مرتبطاً بالطلاق، ولذلك لا يرونه طلاقاً إلا إذا نواه، والجمهور يرونه طلاقاً، فاختلف المنهجان، ولذلك نقول: علم مناسبة الأبواب في المتون الفقهية مهم؛ لأنه ينبني على النظر إلى الباب نفسه، فلما رأى الجمهور أن الخلع نوع من أنواع الطلاق جعلوه بعد الطلاق، والحنابلة لما رأوه باباً مستقلاً، ويوجب الفرقة، ويوجب الفسخ، أعطوه حكماً مستقلاً، وأدخلوه بين الطلاق وبين العشرة الزوجية؛ لأن الخلع يأتي من جهة سوء العشرة الزوجية، فالمرأة تمل زوجها من جهة العشرة، إما لدمامة خُلُقٍ، أو خِلْقِةٍ، ثم تطلب الخلع دفعاً لهذا الضرر الموجود من نشوز، أو من سوء خلقة، أو خلق، فهذا كله يعتبر بمثابة الرابط والوسط بين البابين.
أدلة مشروعية الخلع
قال رحمه الله: [من صح تبرعه من زوجة وأجنبي صح بذله لعوضه] الخلع مشروع بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، أما الكتاب: فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:229]، فأحل للمرأة أن تدفع الفدية، وهي فدية الخلع، فترد للرجل مهره وتخالعه، ونفى الحرج فقال: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة:229]، وقد تقرر في علم الأصول أن صيغة (لا جناح) و (لا بأس) و (لا حرج) من صيغ الإباحة، فلما قال تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:229]، دل على أنه لا حرج في ذلك وأنه من المباحات.
وأما دليل السنة: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اشتكت إليه امرأة ثابت بن قيس بن شماس، وقالت له عن ثابت: (والله ما أعيبه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر بعد الإسلام)، قال عليه الصلاة والسلام: (أتردين عليه حديقته؟ -أي: مهره الذي أمهركِ إياه- قالت: نعم، فقال صلى الله عليه وسلم لـ ثابت: اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة)، فدل على مشروعية الخلع، وأنه لا بأس به إذا اشتكت المرأة وأرادت أن تخرج من عصمة الرجل، وأجمع المسلمون من حيث الجملة على مشروعيته.
بذل العوض في الخلع ومن الذي يصح منه بذله
قال رحمه الله تعالى: (من صح تبرعه من زوجة) مما ينبغي أن يعلم أن ميزة الفقه وميزة المتون الفقهية أنها تربط المادة الفقهية بعضها ببعض، فإذا جئت إلى باب الخلع تجد أن الخلع صورته: أن المرأة تدفع المال في مقابل فراق الزوج لها، فإن قلت: الخلع فسخ، فمعناه أنها تطلب أن ينفسخ النكاح بينهما، فيذهب هذا لسبيله وهذه لسبيلها وتتزوج من تشاء، وإن قلت: الخلع طلاق، فمعناه أنها تعطيه المال ليطلقها مقابل هذا المال، والمال الذي تعطيه هو مهرها الذي أمهرها إياه على تفصيل سنذكره -إن شاء الله- من جهة ما تخالع به، فإذا كانت الصورة قائمة على أن المرأة تفتدي، والله تعالى يقول: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:229]، فكأنها تدفع المال من أجل أن تنفك من عصمة الزوجية، وهنا تجد الترابط بين الكتاب والسنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول في النساء: (إنما هن عوان عندكم)، والعواني: الأسيرات، فكأنها بالزواج أسيرة، والله تعالى يقول: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:229]، والفدية تدفع لفك الأسير.
فانظر إلى تعبير النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من الأدب مع الكتاب فتتأدب مع الوحي حتى في الكلمات التي تقولها، وتحاول أن يكون هناك محبة لكتاب الله عز وجل حتى في عباراتك إذا كنت فقيهاً أو عالماً.
وتجد هذا جلياً في كتاب الإمام البخاري رحمه الله، وأئمة الحديث رحمة الله عليهم في تراجم الأبواب، فكتبهم في غاية الأدب مع الوحي، فتجد أئمة الصحاح والسنن إذا ترجم الواحد منهم للباب يذكر لفظ الحديث، وهذا والله عين الأدب مع الكتاب والسنة، فالفقه والعلم إذا كان مربوطاً بالوحي فهو الفقه الصافي، الفقه الذي انبنى على أصل، وعلى حق، وعلى نور من الوحي، ومن الكتاب والسنة، وهذا ما ينبغي على العالم.
فالخلع فيه فدية وفيه مال، فإذا وصفت الخلع بكونه افتداءً، فمعنى ذلك أن هناك مالاً يُدفع، فهو يقوم على كون المرأة تدفع المال، فإذا كانت تدفع المال فإنه ينبغي أن ننظر في هذه المرأة، فإن كانت من جنس من يصح تعامله وتبرعه بالمال صح خلعها، وإن كانت ممن لا يصح بذله للمال فإنه لا يصح خلعها.
فانظر كيفية الارتباط في الأبواب الفقهية، ففي الخلع ارتباط مع باب التبرعات، وباب المعاوضات المالية، وباب الحجر.
فلو كانت محجوراً عليها لسفه فلا يصح خلعها؛ لأنها ممنوعة من التصرف المالي، والخلع يقوم على التصرف المالي، فكما لا يصح بيعها معاوضة لا يصح خلعها معاوضة، فإذاً هذا وجه قول المصنف.
ففقه المسألة: أن الخلع في الأصل قائم على دفع المال من أجل أن تفتدي المرأة من زوجها، ففقهه يقوم على أهلية دفع المال.
وقوله رحمه الله تعالى: (من صح تبرعه من زوجة) (مِنْ) في قوله: (من زوجة) بيانية والأصل أن الخلع يكون من الزوجة لزوجها.
وقوله: (وأجنبي) أي: إذا كان الأجنبي مخالعاً عنها، كولي المجنونة وولي السفيهة.
وقوله: (صح بذله لعوضه) الضمير في (بذله) عائد للشخص المفتدي، والضمير في (لعوضه) عائد إلى الخلع، أي: صح بذله لعوض الخلع، وإذا صح بذله صح خلعه، وإذا لم يصح بذله لم يصح خلعه، فاللفظ له منطوق ومفهوم، فمنطوق العبارة دال على أنه إذا كان الشخص أهلاً للمعاوضة ومثله تصح معاوضته فإنه يصح خلعه، ومفهوم العبارة: أنه إن كان شخصاً لا يصح بذله، ولا يصح تعامله بالمال، كالسفيه والمحجور فإنه لا يصح خلعه.
أسباب الخلع
الأسباب التي تباح للمرأة بها الخلع
قال رحمه الله تعالى: [فإذا كرهت خُلق زوجها، أو خَلْقه، أو نقص دينه، أو خافت إثماً بترك حقه أبيح الخلع] قوله: (فإذا كرهت خلق زوجها) المرأة لها حق في زوجها كما ذكرنا، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (البكر تستأذن وأذنها صماتها، والثيب تستأمر -وفي رواية: أحق بنفسها من وليها-)، فالمرأة لا تستطيع أن تعاشر زوجاً لا تريده، أو زوجاً لا ترغبه، أو زوجاً تنفر منه، فإذا تزوجت الزوج، ودخلت عليه، فالشريعة جعلت للزوج الطلاق، ولو كان بيد الزوجة الطلاق لاستعجلت، وأنت ترى هذا واضحاً، فإن الزوجة تأتي تشتكي من زوجها، فإذا نصحت بكلمة تصبر بها فإنها ترجع مرة ثانية محبة لزوجها، وتأتي في أول النهار ساخطة على زوجها، فإذا جاء ولاطفها، وقال لها الكلمة والكلمتين رجعت عن رأيها، فهذه طبيعتها، والضعف الذي في المرأة نعمة من الله عز وجل عليها وعلى غيرها، ولا يعتبر منقصة ولا مذمة لها؛ لأنَّ هذه خلقة الله سبحانه وتعالى، فالله يخلق وله الحكمة التامة في خلقه سبحانه وتعالى.
فهذا الضعف الموجود في المرأة لا تستطيع أن تملك به الطلاق فأعطي الرجل الطلاق؛ لأن فيه من القوة والصبر ما ليس في المرأة.
وأما المرأة فقد تتسرع في الطلاق، فأصبح إعطاء الطلاق للزوج رحمة بالمرأة، فمن إكرام المرأة أن وضع الطلاق بيد الرجل؛ لأن الإنسان حين يكون عنده شيء يخافه، أو شيء يخشى منه الضرر، فإنه يعطيه من هو أقدر على حفظه كسكين تخشى منها الضرر، وهناك من هو أقدر على حفظها، فبطبيعة الحال لا تتركها عندك، وإنما تذهب بها إلى من يحفظها؛ لأنك تخشى ضرراً منها على نفسك، أو على من معك، فالحكمة والعقل يقتضيان أن تصرفها إلى من هو أقدر.
وبعض المجتمعات لما خرجت عن فطرة الله عز وجل وجعلت الطلاق بيد المرأة دمرت، فالمرأة بمجرد أن يأتي خب لئيم، فيفسدها على زوجها تنجر وراءه، ويخدعها بالكلمة والكلمتين، فتنهدم البيوت، وتتشتت الأسر، ثم المرأة في خلقتها العاطفة، فإذا استغلت بعاطفتها طلقت زوجها وتسرعت في الطلاق.
جواز الخلع بسبب ليس فيه إضرار بالمرأة
لأجل ما سبق قلنا: جعل الطلاق عند الرجل رحمة بالمرأة هذا أول شيء، فلو اعترض معترض وقال: ألا تظلم المرأة؟ ألا ترى شيئاً في زوجها تكرهه؟ قلنا: بلى، فهذا الشيء الذي تكرهه كعيب خَلْقي في زوجها، أو خُلُقي، فإن كان عيباً خلقياً مؤثراً فلها حق الفسخ كما تقدم معنا في الماضي، فالشريعة عدلت وأعطت كل ذي حقٍ حقه، فإن كان عيباً في خلقته لا تستطيع معه جماعه لها كعيب جنونٍ، أو برصٍ، أو جذامٍ، أو غيرها من الأمراض المعدية، فمن حقها أن تطلب الفسخ كما ذكرنا في خيار العيب الذي يوجب الفسخ، فحين يقال لنا: هي لا تحب هذا الزوج، بعد أن عاشرته، ورأت عشرته، وطريقة عشرته، وقلبها أعرض عنه فلا تستطيع أن تتحمل هذا الرجل، فهل نكرهها ونبقيها بالقوة والغصب عند هذا الرجل؟ ف
الجواب
لا؛ لأنه لا يكره عشير على عشيره، وإذا أكره عليه مله، وازداد كراهية له، وعندها تحصل أمور لا تحمد عقباها، حتى تقع أذية الرجل لها؛ لأنه يراها معرضة فيستغل هذا الإعراض لإضرارها، وإذا ثبت هذا فما هو المخرج؟ إن الشريعة جاءت بمخرجٍ عدل، فالرجل إذا كرهت المرأة نكاحه، ولم ترده، فمعنى ذلك أنه سيتضرر الرجل، وإن بقيت المرأة عند زوجها ستتضرر، فقيل لها: الذي أعطاكِ إياه تردينه عليه، فإن قالت: قد استمتع بي! يقال لها: وقد استمتعتِ به كما استمتع بكِ، والأمر من هنا منكِ، فأنت التي ترغبين في الفراق، وهو الذي دفع المهر، وهو الذي تحمل، فحينئذٍ تردين عليه الذي أمهرك إياه، كما قال صلى قال الله عليه وسلم لامرأة ثابت: (تردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة)، لأنها خافت على نفسها الكفر بعد الإيمان؛ لأن المرأة تخشى على نفسها الفتنة، وإذا كان الزوج لا ترتاح له في عشرتها فإنها قد تقع في الحرام، نسأل الله السلامة والعافية.
وعلى هذا جعل الله الخلع عدلاً بين الطرفين، فيجوز لها إذا كرهت خُلُقه، وكان هذا الخلق مثله يضر، كأن يضربها، ويظلمها فترفع أمرها إلى القاضي، فإذا استمر بهذه الطريقة فيمكن أن القاضي في بعض الأحيان يطلقها عليه، هذا إذا كان خلقاً فيه أذيه وإضرار، لكن إذا كان خلقاً تكرهه كرجل ليست فيه صفات الرجولة الكاملة، أو ترى فيه البخل وهي لا تحب البخيل، أو ترى فيه الفضول فيخوض في فضول الكلام وهي لا تحب أن تعاشر رجلاً بهذه الصفة، فهذه أمور كمالية، وفي هذه الأمور الكمالية تأثير على عاطفة المرأة، فمن حقها أن تخالعه.
فإذاً: عيب الخلق إن كان من جنس ما يوجب تدخل القاضي وتطليقها عليه طلقها، مثل الرجل الذي يضربها ويؤذيها ويضر بها فهذا لا تخالعه؛ لأنه لو خالعته لكان لكل زوج يريد أذية امرأته أن يضربها ويضرها ثم يعود المال إليه، ولكن إذا اشتكت المرأة من خلقه فقلنا: ما الذي فيه؟ قالت: عيب الخلق، فما دام العيب خلق فإنه يوجب الخلع.
وإذا كان عيب الخلق فيه أذية وإضرار، فيضربها ويؤذيها، وأمكن رفع هذا الظلم عنها فليرفع، ولها أن تشتكي أمرها إلى القاضي أو إلى أوليائها ليكفوه، ولا يجوز للأولياء أن يسكتوا عن زوج يضرب أختهم أو لبنتهم.
ومن الأمور التي ينبغي التنبه لها وأيضاً تنبيه الناس عليها: أن الأخ عليه حقوق، والوالد عليه حقوق فلا يرضى لابنته، ولا يرضى الأخ لأخته أن تكون عند زوج ظالم، فإذا رآه ظالماً لها فليأت وليقف على بابه، ويقف في وجهه ويقول له: اتقِ الله في أختي واتقِ الله في ابنتي، وليس له أن يقول: لن أتدخل بين زوج وزوجته، فليس من حقك أن تقول هذا، وإذا سكت الوالد وهو قادر على زجره في هذه الحالة يكون شريكاً له في الإثم؛ لأنه أعانه، وهكذا الأخ وهكذا الابن، وكل قادر على كف الظالم عن ظلمه وهو مستطيع ذلك، ويمتنع من ذلك فإنه يأثم كإثمه؛ لأنه معين.
ففي هذه الحالة إذا كان عيب الخُلُق مضراً بالمرأة، ويوجب تدخل القاضي تَدَخَلَ القاضي، أو طلبت حكماً من أهله وحكماً من أهلها -كما هو معروف في باب النشوز- وإن كان عيب الخُلُق ليس من جنس ما يوجب تدخل القاضي فحينئذٍ يجوز لها أن تطلب الفسخ، فتقدم المهر الذي دفعه وتفتدي وتخالع البعل.
المخالعة بسبب خلقة الزوجة
قوله: (أو خَلْقه) أي: خِلْقَتُه؛ لأن الإنسان مجبول على محبة الخِلقَه بصورة معينة، والنساء يختلفن في هذا، ولذلك جاءت امرأة ثابت بن قيس تشتكي من ثابت رضي الله عنه لعيب في خلقته، وذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وأجازها.
المخالفة بسبب ضعف تدين الزوج
قوله: (أو نقص دينه): وذلك كرجل مستخف بالمحرمات، فعنده محرمات يفعلها، وهي تكره هذه المحرمات، وتكره من يفعل هذه المحرمات، فسألته الطلاق فلم يطلقها فقالت له: أخالعك، فتخالعه.
المخالعة بسبب خوف المرأة من التقصير في حق الزوج
قوله: (أو خافت إثماً بترك حقه) كأن ترى أنه رجل شديد الشهوة، وهي لا تستطيع أن تصبر معه على هذه العشرة، وتخشى أنها إن قصرت معه أنه يقع في الحرام، وأنها هي أيضاً تأثم بالتقصير، فقالت: لا أريد أن أستمر في هذه الحياة أو أن أبقى مع هذا الزوج فأخالعه، فلها ذلك.
قوله: (أبيح الخلع) (أبيح) يعني: استوى في الطرفين، إن شاءت تخالع وإن شاءت لا تخالع، وليس من حق أحد أن يحرم عليها ما أحل، الله، وعلى القاضي إذا رفعت أمرها بهذه الصورة أن يجيبها إلى ذلك ما دام عندها عذر، فإذا ذكرت عذراً فليجبها إلى ذلك وعليه أن يبادر، وأما تأخيرها ومضي الشهور، بل لربما في بعض القضايا تصل إلى سنة والمرأة تتذمر وتتأذى، والقاضي يردها المرة بعد المرة، فهذا من الظلم ولا يجوز هذا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم -والسنة واضحة لا إشكال فيها- جاءته المرأة، واشتكت من زوجها، وقالت: إنها تعيب عليه في خلقته، فقال صلى الله عليه وسلم: (أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة)، فما أخرها، وما قال لها: شاوري نفسكِ، ارجعي إلى أهلكِ لا تستعجلي، فالقاضي بجب أن يكون موقفه حيادياً، وإذا مال إلى أحد الخصمين دون الآخر فقد ظلم الخصم الآخر.
فالمرأة لم تأت من فراغ، ولم تأت من عبث، لكي تشهر بنفسها، فلم تتقدم إلى القاضي وتطلب الخلع إلا وقد بلغ الأمر مبلغه، فينصفها ويعطيها حقها الذي في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يؤخرها، وإنما ينظر، فإذا كان الذي ذكرته صحيحاً، وبينت أنها لا تستطيع الصبر على هذا الشيء، وكانت المرأة معروفة بالعقل والدين، فإنه يبادر ويخلعها، حتى لا تقع فيما حرم الله عليها.
قال رحمه الله تعالى: [وإلا كُرِه وَوَقَع] أي: إذا لم يكن هناك سبب كُرِه للمرأة أن تخالع، لما فيه من هدم البيت وخاصة إذا كان لها عيال فإنهم يتضررون بهذا الفراق ووقعه، ومع أنه مكروه لكنه يقع، يعني: فيتم الخلع ويحكم به وينفذ.
حكم تضييق الزوج على زوجته لتخالعه
قال رحمه الله تعالى: [فإن عضلها ظلماً للافتداء، ولم يكن لزناها، أو نشوزها، أو تركها فرضاً ففعلت، أو خالعت الصغيرة والمجنونة، أو الأمة بغير إذن سيدها لم يصح الخلع] قوله: (فإن عضلها ظلماً للافتداء): عَضْلُها ظلماً استغلال للخلع، فالرجل يضيق على المرأة حتى تدفع له المهر ويتزوج بثانية، وهذا من أسوأ ما يكون من اللئام -أعاذنا الله وإياكم منهم- فإنهم أقوام يتذوقون النساء، فيصيبون شهوتهم -نسأل الله السلامة والعافية- كما ذكر بعض العلماء، وهذا موجود عند بعض الناس ممن لا يخاف الله ولا يتقيه، فيصيب المرأة، وبعد أن يعاشرها السنة والسنتين، أو يذهب ما يجد عندها من الحظوة والجمال، يضيق عليها لتفتدي، فإذا افتدت طالبها بالمال، وأخذ المال وتزوج ثانية، وصنع بها كصنيعه بالأولى، ومثل هذا إذا اطلع عليه القاضي يعزره، ويبطل خلعه إن كان ظالماً.
وتضييقه عليها أن يقتر عليها في الرزق، ويضيق عليها في خروجها، وفي أمورها وفي شؤونها، ويقطعها عن أهلها وقرابتها، ويصل الأمر إلى درجة أنهم لو جاءوا يزورونها -نسأل الله السلامة والعافية- منعها من ذلك، حتى تكره عشرته، فإذا كرهت عشرته وضاق بها الحال طلبت الخلع.
وهذا من أعظم ما يكون من الظلم والإضرار، قال تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:231]، فالله حذر من هذا الفعل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إني أحرج في حق الضعيفين المرأة واليتيم)، فجعل المرأة في حقها كاليتيم، واليتيم ظلمه من أسوأ ما يكون، ولذلك يقولون: عقوبته معجلة غالباً، فظلم اليتيم عقوبته قريبة من ظالمه، والمرأة كذلك لا تبعد عنه، وهذا المشاهد والمجرب؛ لأنها ضعيفة وغالباً ما تسكت عن كثير من المظالم، فإذا أضرّ بها على هذا الوجه فإن الله سبحانه وتعالى ينتقم منه إن عاجلاً أو آجلاً.
فمثل هذه الأفعال التي تفعل من الأزواج لاستغلال الخلع حكم بعض العلماء -كما اختاره المصنف- أن الخلع في هذه الحالة لا يصح، وفي هذه الحالة إذا اطلع القاضي على أنه ظالم، وضيق عليها وأضر بها، والأمور التي فعلها أمور مضرة يوجب مثلها أن من المصلحة أن يفرق بينهما حكم بالفرقة، ورد المهر للمرأة؛ لأن مثله أهل أن يفرق بينه وبين زوجته، فيتحمل هو مسؤولية الفراق، ويرد المال إلى المرأة؛ لأن أخذ مال الخلع على هذا الوجه ظلم، فأبطل العلماء رحمهم الله هذا، ويلزم منه إبطال أخذ المال، فعلى هذا لا يجوز الخلع على هذا الوجه وهو من الإضرار.
والأمر مركب على مذهب الحنابلة؛ لأن الخلع عندهم فرقة، لكن من يحكم بكونه طلاقاً تطلق عليه امرأته، ويرد المال إلى المرأة، إذا ثبت عند القاضي.
قوله: (ولم يكن لزناها): لأن الله تعالى قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء:19]، فإذا كانت المرأة -والعياذ بالله- زانية فإنه يجوز لزوجها أن يضيق عليها حتى ترد عليه مهره، فترد عليه جميع ما أخذت، وتطالب برد المهر فقط، ولا تطالب بكلفة الزواج، ولا بمئونة الزواج، فمطالبتها بكلفة الزواج ومئونته لا يشك أنه من الظلم، وهذا لا نعرفه لا في كتاب الله، ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن امرأة ثابت لما جاءت تخالع لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لـ ثابت كم هي كلفة زواجك؟ ومن المعلوم والمشاهد والمجرب أن الرجل يعقد على المرأة، وينشئ وليمة النكاح، فيأتيه الناس ويساعدونه بمال أضعاف ما دفع في الوليمة، فيأخذ من الناس المال، ثم يأتي ويأخذ من المرأة مئونة النكاح!! فهذا من أغرب ما يكون من الأقضية.
إن بعض هؤلاء يقضي بأن المرأة تطالب برد قيمة النكاح ومئونة النكاح، ويصرخ الرجل ويقول: خسرت في نكاحي مائة ألف، أو مائتين! ومن الذي قال لك: اخسر؟ فإن الشرع أمرك أن تولم بشاة، وأن تولم على قدر ما يتحقق به الإعلان، وكونك توسعت لجاهك ولمكانتك، فلا تتحمل المرأة ما كان من وليمة أخذت سمعتها، وأخذت حظها من الدنيا؛ لأن هذا شيء الزيادة فيه لأمر الدنيا، وإن كان للآخرة ثبت لك أجره، فبأي حق يستحق المعاوضة على هذا؟ فالشاهد: أن مطالبة النساء بمئونة النكاح لا شك أنه مخالف لكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يشك أنه من ظلم النساء، وهو يعيق عن الخلع، فإن المرأة إذا قيل لها: ادفعي مائة ألف، أو ادفعي أربعين ألفاً، أو خمسين ألفاً، فقد تكون امرأة لا دخل لها، وقد تكون بحالة في فقر، وزوجها ليس بذاك، فلا هي بلغت مقصود الشرع من دفع الضرر عنها، ولا تستطيع أن تدفع هذا المال، فهذا كله مما لا يحفظ له دليل في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى من اعتبر الخلع أن يتقي الله عز وجل، وألَّا يحكم بالخلع إلا على وفق ما ثبت في الكتاب والسنة، فالقاعدة عند العلماء: (ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّل منزلة العموم في المقال).
فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لـ ثابت بن قيس: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) ما استفصل منه: هل تكلفت في زواجك أو لم تتكلف؟ هل دعوت الناس؟ هل تحملت أو لم تتحمل؟ فهذا كله مما ليس في الكتاب، ولا في السنة أن تُلْزَم المرأة بمئونة النكاح.
قوله: (أو نشوزها): أي: إذا نشزت يجوز له أن يطالبها بالخلع.
قوله: (أو تركها فرضاً): أي: تركها فرضاً فرضه الله عليها، أن تترك الأمور الواجبة عليها في الشرع، وتتساهل في الواجبات، فيجوز له أن يضيِّق عليها فتخالعه.
(ففعلت) أي: خالعته.
فالتضييق إذا لم يكن لزناها، ولم يكن لنشوزها، ولم يكن لتركها فرضاً، فحينئذٍ يكون الزوج ظالماً، أما لو كان لزناها، أو لنشوزها، أو لتركها فرضاً، فإن التضييق من الزوج واقعٌ في موقعه، فيكون مشروعاً.
فالشاهد: أن المصنف فرَّق في التضييق إن صَدَر من الزوج من أجل الخُلْع، فإن ضيَّق على زوجته لأنها زانية أو أنها ناشزة أو أنها تترك فرائض الله جاز له ذلك التضييق، والعكس بالعكس.
خلع الصغيرة والمجنونة والأمة
قوله: (أو خالعت الصغيرة والمجنونة) إذا خالعت الصغيرة لم يصح خلعها؛ لأن الصغيرة لا تملك مالها، قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:6] فأمرنا الله أن ندفع المال لليتيم إذا بلغ رشيداً؛ لأن من أنواع مفاهيم المخالفة: الشرط، فمفهوم الشرط في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ [النساء:6] يدل على أنه إذا لم تأنسوا منهم رشداً فلا تدفعوا إليهم أموالهم، ومفهومه في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:6] يدل على أنهم قبل بلوغ النكاح لا يُدْفع إليهم المال.
فلا يُدْفع المال إلى الصغير، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:5] قالوا: والصغير من السفهاء، فإذا كان لا يملك المال، أو لا يملك التصرف، أو ليس له حق التصرف في المال فإنه لا يصح خلعه، وكذلك المرأة الصغيرة فإنه لا يصح خلعها.
قوله: (والمجنونة): أي: والمجنونة كذلك لا يصح خلعها؛ لأنه لا حق لها في التصرف في مالها.
قوله: (أو الأمة بغير إذن سيدها لم يصح الخلع (: أي: إذا خالعت الأمة بدون إذن سيدها لم يصح الخلع؛ لأن الأمة وما ملكت ملكٌ لسيدها؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين: (من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) فأخلى يد العبد عن الملكية.
هل الخلع طلاق أم فسخ، ومتى يكون طلاقاً عند القائل بأنه فسخ؟
قال رحمه الله تعالى: [ووقع الطلاق رجعياً إن كان بلفظ الطلاق أو نيته]: أي: إن أخذ الخلع، وقال لها: طلقتكِ، صار خلعاً بطلاق، ويكون طلاقاً رجعياً؛ لأنهم يرون أن الخلع ليس بطلاق، هذا مذهب الحنابلة، فأصبح الخلع عندهم على حالات: الحالة الأولى: أن يكون بدون طلاق: فلا ينوي الطلاق، ولا يتلفظ به، قالوا: فيفرق بينهما، ولا يحتسب من الطلاق، فلو أنه بعد سنوات رجع إليها يرجع بثلاث تطليقات على قول الحنابلة.
وأما على قول غيرهم وهم الجمهور فإنهم يقولون: الخلع طلاق، فيخالعها ويطلق، لقوله عليه الصلاة والسلام: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة)، واستدل الحنابلة بأثر ابن عباس رضي الله عنهما في آية البقرة، فإن الله ذكر الخلع بين الطلقة الثانية والثالثة، فقال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.
﴾ [البقرة:229] إلى أن قال تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:229]، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة:230].
فلو كان الخلع طلاقاً لكان ذكر الخلع هي الطلقة الثالثة! وأجيب بضَعف الاستدلال بهذا؛ لأنه حكاية تصوير، وليس بحكاية ترتيب؛ لأنه لو كان حكاية ترتيب لدل على أن الطلقة الثالثة لا تكون إلا خلعاً، ولفُهِم من الآية أن طلاق الثلاث الذي أعطيه المسلم في كل زواج، الثالثةُ منه خلع، لكنه حكاية تصوير الحكم بذكر صورة من صور الفراق بين الرجل وامرأته، وجاءت السنة تقول: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة)، فلو لم يكن طلاقاً لما ألزمه النبي صلى الله عليه وسلم به، ولا يعقل أن النبي صلى الله عليه وسلم يلزم الصحابي بالتطليق الذي يُحْتَسَب عليه ويستضر به لو لم يكن ذلك في أصل الخلع، وهذا هو الصحيح وهو مذهب الجمهور.
قوله: (أو نيته): أي: إن نوى الطلاق، وهذا -طبعاً- عند الحنابلة، فإذا كان الخلع ليس بطلاق فمعناه: إما أن يقع الخلع خلعاً مجرداً عن الطلاق، أو يخالعها وفي نيته أنه طلقها فيقع طلاقاً، أو يخالعها ويتلفظ بالطلاق، فيكون طلاقاً.
فهذه ثلاثة أحوال: إما أن يخالعها فيكون فراقاً لا يُحْتَسب في الطلاق.
وإما أن يخالعها ناوياً الطلاق فهو طلاق.
أو يخالعها مصرِّحاً بالطلاق متلفظاً به، فهو طلاق على حسب ما تلفظ به.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما تعلمناه وعلَّمناه خالصاً لوجهه الكريم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.
شرح زاد المستقنع -
باب الخلع [2]
الخلع صورة من صور الفراق بين الزوجين، وهو عند الأكثر طلاق، ولهذا فإنه تترتب عليه أحكام يجتمع ويفترق فيها عن الطلاق، وهذه الأحكام يبحثها العلماء عند الكلام عن الخلع.
حكم الخلع إذا كان بلفظ صريح الطلاق أو كنايته
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: فمن عادة العلماء رحمهم الله أنهم إذا بيَّنوا مسائل الخُلع يتعرضون لما يتعلق بلفظ الخُلع.
وقد تقدم معنا أن الزوج إذا خالع زوجته لم يخل من حالتين: الحالة الأولى: أن يُخالعها بلفظ الخلع دون أن ينص على الطلاق.
والحالة الثانية: أن يخالعها ويطلق؛ فأما في الحالة الأولى وهي أن يخالعها بلفظ الخلع دون أن يذكر طلاقاً، فقد اختلف السلف رحمهم الله في هذه المسألة وتبعهم في ذلك الخلاف الأئمة الأربعة، فقال طائفةٌ من أهل العلم، وهو مذهب الجمهور: إنه إذا خالعها وقع طلاقاً، فلو قال لها: خالعتك أو فارقتك، وكان على سبيل الخلع دون أن ينص على لفظ الطلاق، فإنه يُعتبر طلاقاً، وذكرنا دليل هذا القول، ووجهه وسبب رجحانه، وقلنا: إن الذين قالوا بأنه لا يقع طلاقاً استندوا على ما أُثِر عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكذلك عن طائفةٍ من التابعين ك عكرمة وطاووس رحمةُ الله عليهما أنهم قالوا: إن الخلع ليس بطلاق، واحتجوا بآية البقرة، وذكرنا وجه دلالتها والجواب عن هذا الدليل.
أما بالنسبة لقوله: [والخلع بلفظ صريح الطلاق] فإن كان الخلع بلفظ الخلع، فقلنا: إنه يقع، ويكون طلاقاً على الصحيح، إلا أن لفظ الخلع عند من يقول بأن الطلاق لا يقع بالخلع، ينقسم إلى صريح وغير صريح، فالصريح: خالَعْتُكِ وفاديتكِ وفاسختكِ، قالوا: هذه الثلاث كلها تعتبر لفظاً صريحاً في الخلع.
أما لفظ الْخُلع فقالوا: لأنه عُرْفٌ شرعي، وقد جرى العرف أن الرجل يُخالِع امرأته، فإذا قال لها: خالَعتُكِ بألفٍ، فهو خُلع، وبناءً عليه لا يقع الطلاق عندهم، كما هو المذهب، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمةُ الله عليه.
وكذلك إذا قال: فاسَخْتُك، أو فَسَخْتُ نكاحك؛ فإنه مثل قوله: خالعتك، فلا طلاق، ويعتبر من صريح ألفاظ الخلع.
أما لفظ الفدية فإنه يعتبر من ألفاظ الخلع؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:229]، وهناك من العلماء من يقول: هناك فرقٌ بين الخلع والفدية.
فالخُلع يكون ببذل المرأة للمهر وأكثر، يقال: خَالَعَت المرأة زوجها إذا بَذَلَت المهر أو أكثر من المهر، والفدية قالوا: إذا بَذَلَت بعض المهر، وبعض ما دفع الزوج لها، فيجعلون الفدية للبعض، ويجعلون الخلع للكل أو أكثر من المهر.
وقوله رحمه الله: (والخلع بلفظ صريح الطلاق) هذا النوع الثاني من الخلع عند الحنابلة، وهو أن يتلفظ بلفظ الطلاق، فقال رحمه الله: (والخلع بلفظ صريح الطلاق) ولفظ الطلاق فيه الصريح وفيه الكناية.
واللفظ الصريح: هو الذي لا يحتمل معنىً غيره؛ فالرجل إذا قال لامرأته: أنتِ طالقٌ؛ فإن هذه الكلمة صريحة في الطلاق، ولا تحتمل معنىً غيره إلا في أحوال نادرة، سنذكرها إن شاء الله عند بيان ألفاظ الطلاق؛ فإذا قال لامرأته: خالعيني، قالت: أدفع لك ألفاً وتخالعني وتطلقني، فأخذ الألف فقال: أنت طالقٍ؛ فحينئذٍ يكون خُلعاً؛ لأنه بِعوض، وإن كان طلاقاً، لكنه بعوض، فيكون من النوع الثاني من الخلع، وهو الخلع بعوض مع لفظ الطلاق.
وصريح لفظ الطلاق اختلف العلماء رحمهم الله فيه، وسيأتي إن شاء الله بيانه في مسألة الطلاق؛ لكن من باب الاختصار والإجمال، هناك من يقول: صريح الطلاق هو لفظ الطلاق، وما تَصَرَّف منه، غير المضارع وغير الأمر كما سيأتي إن شاء الله، فيجعلون لفظ الطلاق الصريح خاصاً بمادة (طَلَقَ) أنتِ طالِقٌ، طَلَّقْتُكِ، أنتِ مُطَلَّقَةٌ ونحو ذلك، هذا صريح الطلاق.
أما غير هذا اللفظ فقالوا: لا يقع طلاقاً إلا إذا نوى، فيعتبرونه من غير الصريح، وقال طائفة من العلماء: صريح الطلاق ثلاثة ألفاظ عندهم: الطلاق والسراح والفِراق.
فإذا قال: طلَّقتكِ، فارقتكِ، سرَّحْتُكِ، فإنه صريحٌ في الطلاق، وفائدةُ معرفة الصريح من غير الصريح: أن الرجل إذا خاطب امرأته بالصريح طلُقَت عليه إلا إن يقيم دليلاً على أنه لا يريد الطلاق، فلو أن رجلاً كان جالساً مع امرأته، فقال لها: سرَّحْتُك؛ فعند من يقول: إنه من صريح الطلاق يُطَلِّقُها عليه، ولكن عند من يقول: إنها كناية وليست من الصريح؛ فإنه حينئذٍ يسأله عن قوله: (سرَّحْتُكِ) ماذا نوى به، وعلى هذا، فقوله: من صريح الطلاق، يعني: من الألفاظ الصريحة، وهي عند الحنابلة تختص بلفظ الطلاق، وما اشتُقَّ منه، وعند غيرهم الثلاثة الألفاظ التي وردت في القرآن: الطلاق والفِراق والسَّراح بلفظ صريح الطلاق.
قوله: (أو كنايته وقصده طلاق بائن) الكناية: من كَنَّ الشيء إذا استتر، فاللفظ المحتمل للطلاق وغير الطلاق يعتبر من الكنايات، وسيأتي إن شاء الله الكلام على كنايات الطلاق، وقد كَنَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل الكناية طلاقاً، كما في قصة ابنة الجون من حديث أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه، فإنه لما نكحها عليه الصلاة والسلام ودخل بها في حائط الشوط وأراد أن يُلِمّ بها، فقال: (هبي نفسك لي، فامتنعت، فمد يده إليها، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: لقد عُذتِ بعظيم، الحقي بأهلكِ)، فقال: (الحقي بأهلك)، واعتد به طلاقاً.
ومن هنا قال العلماء: الطلاق يقع بالصريح وبالكناية، فإذا قال الزوج لزوجته -بعد قولها له: خالعني وطلقني- فارقتك -إذا قلنا: إن الفراق من ألفاظ الكناية- فإنه يُعتبر طلاقاً بِنِيَّتِه، ومن كنايات الطلاق: أنت بتَّةٌ، أنت بتلةٌ، أنت برية، أنت الحرج، أنت حرّة، الحقي بأهلك، اعتدي، استبرئي، ونحوها من ألفاظ الكنايات.
حكم الخلع إذا كان بألفاظ الخلع الصريحة ولم ينو الطلاق
قال رحمه الله: [وإن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء ولم ينوه طلاقاً] هذه الثلاث هي صريح ألفاظ الخلع عند الحنابلة رحمهم الله كما نص على ذلك الإمام ابن قدامة وغيره.
وهذه الثلاثة الألفاظ إن وقع الخلع بها كان النوع الثاني من الخلع، وهو الذي يُوجِب الفِراق وفسخ النكاح؛ لكنه لا يُعتَد به طلاقاً ولا يُحتسب من الطلاق، فلو كان طلقها قبل الخلع طلقتين، ثم خَالَعَتْه بدون أن يَتَلفَّظ بالطلاق؛ فإنه لا يُعَد هذا الخلع طلاقاً، وتبقى له منها طلقة، فلو أنه أراد أن يَنْكِحها بعقدٍ جديدٍ قبل أن تنكح زوجاً غيره، حَلَّ له ذلك؛ لأنه بقيت له طلقة.
أما على مذهب الجمهور، فإنه إذا خالعها وكان قد طلقها طلقتين؛ فإنها حينئذٍ تُعتبر حراماً عليه، لا تَحِل له حتى تَنْكِح زوجاً غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر الخلع طلاقاً، وقال لـ ثابت رضي الله عنه، لما خَالَعَتْه امرأته جميلة بنت أُبي بن سلول: (اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة)، فألزمه بالطلاق وأمره به، فلو كان الخلع لا يقع طلاقاً لم يُلزِم به النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجعله مطلقاً بحيث يفوت عليه ثلث طلاقه، ومن هنا أخذ الجمهور أن الخلع طلاق.
لكن ذهب ابن عباس ويحكى عن عبد الله بن الزبير، وجملة من التابعين - طاووس وعكرمة - والحنابلة رحمهم الله أنه ليس بطلاق.
ولذلك فإن الخلع والفسخ والفدية، هذه الثلاثة الألفاظ تُعتبر في المذهب من صريح ألفاظ الخُلْع كما اختاره الإمام ابن قدامة وغيره.
قال المصنف رحمه الله: [كان فسخاً لا ينقص عدد الطلاق] فقوله: (كان فسخاً) هذا الحكم.
قوله: (لا ينقص عدد الطلاق) هذا الأثر.
فمن فوائد الخلاف في مسألة الفسخ ومسألة الطلاق: أن مَن قال: إن الخُلْع يُعتبر طلاقاً فإنه يَحتسبه طَلْقَة، فإن كانت الأخيرة حَرُمت عليه، وإن كانت الأُولَى اعتُد بها، فتُحسب في الطلاق في المستقبل إذا نكحها؛ وأما إذا قلنا: إنه مجرد فِراق، فحينئذٍ لا يُحتسب طلاقاً، ولكن يُفرَّق بينهما.
وفي الترمذي ورد عنه عليه الصلاة والسلام في حديث الربيِّع أنه -عليه الصلاة والسلام- جعل عِدَّة المُخْتَلِعَة حيضة، وهذا حديث مضطربٌ ومُتكلَّم في إسناده، وسيأتي -إن شاء الله- الإشارة إليه، وهذا الحديث يُحتج به على أن الخُلع فِراق، والصحيح: أن الخلع طلاق كما ذكرنا؛ لأن آية البقرة والحديث لا يَقْوَيَان على معارضة الصحيح الصريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر بالطلاق في الخلع.
وهنا مسألة: إذا قلنا: إن الخلع طلاق، فلو كانت المرأة حائضاً؛ هل يجوز له أن يُخالِعها وهي حائض؟ اختار بعض العلماء كالإمام ابن قدامة رحمةُ الله عليه وغيره من العلماء أن الخُلع يجوز حال الحيض، فيجوز حتى على القول بأنه طلاق؛ والسبب في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال ل ثابت: (اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة) لم يستفسر، أهي حائضٌ أو غير حائض.
قالوا: (وتَرْك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّل منزلة العموم في المقال).
أي: طَلِّقْها تطليقة سواءً كانت حائضاً أو غير حائض.
وعلى هذا -حتى عند الحنابلة رحمةُ الله عليهم الذين يقولون: إن الخلع يكون طلاقاً إذا تَلَفَّظ بالطلاق- قالوا: يجوز أن يُتَلَفَّظ بالطلاق وهي حائضٌ في حال الخُلع؛ لأن الطلاق وقع تَبَعاً ولم يقع قَصْداً، وفرقٌ بين التابع وبين القَصْد، وقد بيّنَّا دليل هذه القاعدة من السنة في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين.
فقالوا: يجوز أن يُخالِعها بلفظ الطلاق، ولو كانت حائضاً، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل من المرأة المختَلِعَة، وقالوا: إن الخلع وقع الطلاق فيه تَبَعاً ولم يقع أصلاً.
الطلاق أثناء عدة المرأة من الخلع
قال رحمه الله: [ولا يقع بمعتدةٍ من خلع طلاق ولو واجهها به] المرأة إذا خالَعها زوجها، واعتَدَّت من هذا الخلع -لأنه فراق على مذهب الحنابلة- فهل يلحقها بها الطلاق أو لا؟ ذكرنا أن الخلع فَسْخ، وإذا كان فَسْخَاً للنكاح؛ فإنه لا يَلتَحِق الطلاق به، فلو كان طلَّقَها طلقتين قبل الخلع، ثم خالعها، وأثناء عدتها في الخلع طلَّقها فإنه لا يعتد بهذه الطلقة، ولا تحرُم عليه، وتبقى الطلقة الثالثةُ كما هي؛ لأن هذا الطلاق وقع في غير موقعه؛ لأن المرأة مفسوخٌ نكاحها ومُفَرَّقٌ بينه وبينها، وحينئذٍ لا يتبعها طلاقه، وعلى هذا فلا يُحتسب الطلاق ولا يعتد به.
حكم اشتراط الرجعة في الخلع
قال المصنف رحمه الله: [ولا يصح شرط الرجعة فيه] فإذا قال: أُخَالِعُك بشرط أن لي الرجعة، فأُرْجِعُك متى شِئتُ أو إن شِئتُ، يعني: في مدة العدة، فهذا لا يصح، والسبب في هذا: أن الخُلع شُرِع لدفع الضرر عن المرأة، فإذا أجزنا للرجل أن يُراجِع المرأة، فمعنى ذلك أنه سيخالعها ثم يقول: راجُعْتُكِ؛ فيَفُوْت المقصود.
ولذلك أجمع العلماء رحمهم الله إلا من شذ على أن الرجل لا يمتلك ارتجاع امرأته في الخلع، وأن المقصود من الخلع خروج المرأة من الأذية والإضرار، وأنه إذا أضرّ بها وسأَلَتْه أن يُخَالِعَها؛ فإنه في هذه الحالة قصد الشرع أن يدفع ضرره عنها، فإذا كان من حقه أن يُراجِع فإنه يَفُوْت مقصود الشرع بهذه المراجعة، فلا يمتلك الرجل رَجْعَة امرأته إذا طلَّقها أو فارقها بخلع.
حكم المخالعة بغير عوض أو بمحرم
قال رحمه الله: [وإن خالعها بغير عوض أو بمحرَّم لم يصح] قوله: (بغير عوض) كأن يقول: خالَعْتُكِ، ولا يأخذ منها شيئاً من مهرها أو فديةً لذلك الخُلع فإنه لا يصح؛ لأن الخلع مبنيٌ على المعاوضة، وقالوا: إنه خارجٌ عن الأصل، فيتقيد جوازه بصورة الأصل؛ لأن الأصل بقاء العقد واستدامته، ولا يرفع إلا بالطلاق، وإذا كان هذا الأصل فقد جاء بالخُلع على صورةٍ معينة وهي: وجود الفدية والعوض؛ فإن خالَعها بدون عوض فقد خرج عن المشروع، وأصبح الخُلع غير صحيح من هذا الوجه، فلا بد من وجود العوض.
قوله: (أو بمحرم) قلنا: إن العلماء من عادتهم في المتون أنَّهم يذكرون الشبيه والنظير بعد نظيره وشبيهه؛ فإن خالعها بغير عوضٍ لا يقع الخلع، كذلك إن خالعها بشيءٍ محرم؛ فإن الشيء المحرَّم وجوده وعدمه في حكم الشرع سواء، فلو خالَعها بخمرٍ أو ميتةٍ أو خنزيرٍ أو أصنامٍ؛ فإنه لا يصح الخلع إلا بعوضٍ مباح.
والحنابلة عندهم أن الخلع يكون بلفظ الخلع، ويكون بلفظ الطلاق، فلو قالت له: خالِعني بدون عوضٍ، وقبل ذلك وطلَّقها وقع طلاقاً ولم يقع خُلعاً؛ لأنه طلَّق ومضى عليه طلاقه، وقد رضي فراق امرأته بدون عِوض، فانتقل الحكم من الخلع إلى الطلاق وأخذ حكم الطلاق.
قال رحمه الله: [ويقع الطلاق رجعياً إن كان بلفظ الطلاق أو نيته] أي: إن كان الخلع بلفظ الطلاق، أو خالعها وهو ينوي طلاقها؛ كما لو قال لها: خالَعْتُك، ناوياً الطلاق، فحينئذٍ ينتقل لفظ (خَالعْتُك) إلى كناية الطلاق؛ لأن الطلاق له صريحٌ وله كناية، ولفظ الخلع يُعتبر من كناية الطلاق؛ لأنه يدل على حل العصمة ورفع قيد النكاح؛ لأن أصل قيد النكاح وعُقدة النكاح وعِصمة النكاح تُوجِب أن يكون الرجل لباساً للمرأة والمرأة لباساً للرجل، فإذا قال: خالعْتُك، كأنه يقول: فسخت نكاحكِ، وكأنه يقول: خَلَعْتُ لباس الزوجية، فحينئذٍ يكون فيه وجهٌ لدخوله في كناية الطلاق، فهو إذا قال لها: خالعتُك، ناوياً الطلاق ولم يأخذ العوض؛ لم يَصح خلعاً، لأن الخلع لا يَصِح إلا بِعوض، لكن يقع طلاقاً؛ لأنه كنايةٌ يقع بها الطلاق بالنية.
ما يصح به الخلع
قال المصنف رحمه الله: [وما صح مهراً صح الخلع به] بعد أن بيَّن رحمه الله ألفاظ الخلع وأحكامها، شرع فيما يكون به الخلع وهو المُخَالَع به من مالٍ أو فدية، وفدية الخلع تُعتَبر متصلة بماهية الخلع، فلا بد من بيان أحكامها، فأنت إذا قلت: لا يصح الخلع إلا بعوض؛ يرد
السؤال
ما هو العوض الذي يجوز، والعوض الذي لا يجوز، والعوض الذي يُعتَد به في الخلع والعوض الذي لا يعتد به؟ وقد تقدم في المسائل الماضية أنه إذا خَالَعَها بدون عوض لم يصح، وإذا خالعها بعوضٍ فإن هذا العوض فيه تفصيل، فالقاعدة فيه عندهم أنّ كل ما صَحّ مهراً صَحّ أن يكون عوضاً في الخلع؛ لأن الخلع في الأصل يكون عوضاً عن المهر، وعما دفعه الرجل إليها.
وللعلماء في هذا الخلع وجهان: الوجه الأول: أن المُخَالَع به لا بد وأن يكون مرتبطاً بما دفعه إليها، فلا يجوز أن يُخَالِعَهَا بشيءٍ غير الذي دفعه إليها، وهو الأكثر والأزيد على حقه الذي دفعه في النكاح، وسيأتي -إن شاء الله- ذكر هذه المسألة.
الوجه الثاني: يجوز الخُلع بكل ما يصح أن يكون عوضاً ومهراً في النكاح، وعليه درج المصنف رحمه الله، فلو أنه قال: خالَعْتُكِ بذهبٍ وذكر ذلك الذهب، كمائة غرامٍ، أو خالعْتُكِ بهذا العقد من الذهب أو بهذا العقد من الفضة، فقالت: قبلت.
صَحّ ولَزِمَه.
حكم مخالعة الرجل لزوجته بأكثر من المهر
قال رحمه الله: [ويكره بأكثر مما أعطاها] أي: ويكره أن يُخالِع الرجل امرأته بأكثر مما أعطاها.
وقد اختلف علماء السلف رحمهم الله فيمن خالع امرأته بأكثر، وصورة المسألة: أن يدفع للمرأة صَدَاقاً عشرة آلاف، فيسألها عند الخلع أن تدفع له خمسة عشر ألفاً، أو يُخالعها بعشرين ألفاً، وكان قد دفع أقل منها، فهل يجوز ذلك أو لا يجوز؟ فذهب طائفةٌ من العلماء رحمهم الله إلى أنه لا يجوز أن يُخالع بأكثر مما دفع إليها، وهذا هو مذهب الجمهور رحمهم الله، واحتجوا بما ثبت في حديث جميلة رضي الله عنها أنها اشتكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها لا تحب ثابتاً، وأنها أبغضته حينما رأت فيه دمامة الخِلقَة، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُخرِجها من عصمته، فقال صلى الله عليه وسلم: (أتردين عليه حديقته التي أصدقك؟ قالت: نعم وزيادة، قال: أما الزيادة فلا)، ولهذا الحديث شواهد منها المرسل الصحيح، وكذلك أيضاً جاء ما يعضده عند ابن ماجة رحمه الله في السنن، وفيه عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أن يزداد أي: نهاه أن يأخذ الزيادة على الفِدية.
قالوا: فهذا يدل على أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ أكثر مما أعطى في مهر المرأة؛ ولأن الخلع عوضٌ عن حق الزوج الذي دفعه، فتكون الفدية بقدر ذلك لا زيادة عليه.
وقال طائفةٌ من العلماء رحمهم الله: تجوز الزيادة ويجوز أن يُخالع بأكثر، واحتجوا بأن الأصل جواز المعاوضة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:229]، قالوا: فهذا يدل على أنها إذا افتدت بالقليل أو بالكثير فالأمر في ذلك سواء، ولا حرج عليها أن تفتدي بأكثر مما أعطاها.
والذين قالوا بالجواز -كما ذكرنا- مع قولهم بالجواز نَصُّوا على الكراهة.
ولذلك قال بعض أئمة السلف رحمهم الله: (هذا صنيع اللئام وليس بصنيع الكرام)، أي: اللئيم هو الذي يأخذ أكثر مما أعطى في مهر المرأة؛ لأنه نسِي المعروف ونسِي الفضل بينه وبين المرأة فيأخذ أكثر مما أعطاها، وليس بصنيع أهل الفضل ولا أهل الكرم، فليس هذا من شيمة الفضلاء.
والذي يظهر -والله أعلم- النهي عن الزيادة؛ لأن قوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:229]، هو من جهة جواز الخُلع وإن كان مطلقاً لكن قيَّدته السنة بقوله عليه الصلاة والسلام: (أما الزيادة فلا).
وبناءً على ذلك فالذي تطمئن إليه النفس عدم جواز الزيادة على المدفوع، وأنه يتقيد الجواز بالقدر الذي دفعه ولا يزيد عليه، لأن في ذلك ظلماً للمرأة وتضييقاً عليها؛ فإنه لو فُتِح هذا الباب لتشارط الرجل ولربما سأل أكثر، مما يعجز المرأة وحينئذٍ يفوت مقصود الشرع من دفع الضرر عن المرأة، إذ لو أبحنا أن يأخذ الزيادة لقال لها: لا أُخالعك إلا على مائة ألف أو مائتين، ويكون قد دفع القليل، وتكون المرأة ضيقة الحال، ويعلم أنها لا تستطيع ذلك، وحينئذٍ يَفُوْت مقصود الشرع من جعل الخُلع على قدر المدفوع في مهر المرأة.
حكم خلع الحامل بنفقة حملها
قال رحمه الله: [وإن خالعت حامل بنفقة عدتها صح] أي: وإن خالعت الحامل بنفقة عدتها، يعني: حال حملها؛ صَحَّ ذلك، وهذا قول جماهير العلماء رحمهم الله؛ لأن الحامل لها نفقة على الزوج، فلو أنها قالت: أُخالِعك بنفقة حَمْلي قال: قبلت.
وعند الحنابلة أنه يجوز الخلع بكل ما يجوز أن يكون مهراً، ونفقة الحامل مال، فلو فرضنا أن نفقتها ثلاثة آلاف ريال، فكأنها خالعته بثلاثة آلاف ريال؛ لأنها لو مكثت وهي حامل ستة أشهر أو سبعة أشهر استحقت ثلاثة آلاف ريال أو أربعة آلاف ريال، ففي الحقيقة كأنها خالعته على الثلاثة أو الأربعة آلاف.
حكم المخالعة على مجهول
قال رحمه الله: [ويصح بالمجهول] ويصح الخُلع بالمجهول، ولكنه يتعين بما ذكرناه، فيكون مجهولاً في العقد ثم بعد ذلك تُعَيِّنُه، حتى ولو قالت له: أخالِعُكَ على دراهم، قال: قبلت؛ فإنه يَلزَمُها أن تدفع له ثلاثة دراهم؛ لأن أَقلَّ الجمع ثلاثة، ولو قالت: أخَالِعُك على دنانير؛ لَزِمَها أن تدفع له ثلاثة دنانير؛ لأنها أَقل الجمع، ولو قالت: أُخَالِعُك على ريالات، فهي مجهولة القدر؛ فإنه حينئذٍ يُنظَر إلى أقل الجمع، وهكذا لو قالت: أُخَالِعُك على مالٍ وسكتت، فإنه يَصِحُّ وتُلزَم بأقل ما يصدق عليه أنه مال؛ فهذا كله يُعتبر في حكم المجهول، سواءً مجهول القدر أو مجهول الوصف.
قال المصنف رحمه الله: [فإن خالعته على حمل شجرتها أو أمتها أو ما في يدها أو بيتها من درهمٍ أو متاع أو على عبدٍ صح، وله مع عدم الحمل والمتاع والعبد أقل مسماه، ومع عدم الدراهم ثلاثة] قوله: (فإن خالعته على حمل شجرتها) امرأة عندها بستان وأرادت أن تُخالِع زوجها وقالت له: أُعطيك ثمرة بستاني هذا العام أو السنة القادمة، فقال: قبلت.
فحينئذٍ يَصح؛ لأنهم يصحِّحُون الخلع على المجهول.
قوله: (أو أَمَتها) قالت له: أخالعك على ما في بطن أَمَتِي، قال: قبلت.
وهذا بطبيعة الحال يكون أقل من المهر غالباً، فولدت أَمَتُها جارية أو صبية، فحينئذٍ تكون ملكاً له؛ لأنها عاوضته بهذه الأمة، كأنها باعت عليه هذه الأمة الأنثى، أو يكون حملها ذكراً؛ فحينئذٍ كأنها عاوضته بعبدٍ ذكر.
قال رحمه الله: [أو ما في يدها] قالت له: خالِعني على ما في يدي، فقال: قبلت.
ففتحت يدها، فلم يجد شيئاً، في لو قالت: خالعني بما في يدي.
فبطبيعة الحال الذي في اليد مجهول لا يُعرف، ولما كان الحنابلة رحمهم الله ذكروا جواز الخُلع بالمجهول، يرد
السؤال
إذا كان المجهول لا قيمة له، أو ظن أنه له قيمة وبان له كذلك، فلو قالت له: خالعني بما في يدي، فمعناه: أنه خالَعَها بعوض، وإذا قالت: بما في يدي، معناه: أن يدها فيها شيء، وعلى هذا يقع بأقل ما يصدق عليه أنه مال، ويلزمها أن تدفعه له؛ لأنه معلوم بدلالة الحال، فلمّا قالت له: بما في يدي، معناه: أن في يدها شيئاً له قيمة وثمن، وأما لو قالت له: على دراهم أو دنانير، فحينئذٍ أقل الجمع ثلاثة، فتعطيه ثلاثة دراهم أو ثلاثة دنانير، وهكذا لو قالت على ريالات.
قال رحمه الله: (أو بيتها من دراهم أو متاع) (أو بيتها) أُخَالِعُك على ما في بيتي من متاع، فالذي في البيت من المتاع يأخذه؛ لأن له قيمة، فيكون عوضاً عن خلعها.
قوله: (أو على عبد صح) فإن أعطته عبداً أو دراهم أو متاعاً على أنه يُخالِعها صَحَّ؛ لأنها أشياء لها قيمة، فإن عُدِمَت ولم يوجد شيء يُنظر إلى أقل ما يصدق عليه المسمى كما ذكر.
قوله: (وله مع عدم الحمل والمتاع والعبد أقل مسماه) يأخذ أقل المسمى في الحمل والمتاع، فيُنْظَر إلى أقل شيء يمكن أن يصدق عليه أنه متاع، فمثلاً: لو قالت له: أُخالِعك على ما في بطن أمتي، فطبعاً سيظن أن في بطنها حملاً، ولكن تبين أن ما في بطنها هو ورم، وانتفاخ، ولم يكن شيئاً؛ حينئذٍ يكون على أقل ما يصدق عليه وصف الحمل، فيُعَاوَض ويُنْقَل إلى المثل، وكذلك أيضاً لو قالت له: أخالعك على ما في بيتي من متاع، وجاء إلى البيت ولم يجد متاعاً، فنقول: أقل ما يُسمَّى متاعاً ما هو؟ فقالوا -مثلاً-: فراش من نوع كذا، سواء كان من فرش الأرض أو فرش الأسرة، نقول له: هذا الذي لك، ويُرجَع في هذا إلى أهل الخبرة ويقدِّرونه.
كل هذه الأمثلة -كما ذكرنا- العلماء يقصدون منها إذا وقعت الحِيلة من الزوجة على زوجها، أو خالعت على شيء تظنه مالاً وبان أنه غير مال، سواء كان متاعاً أو غيره كما ذكرنا، المهم هو القاعدة فإذا خالعته على شيءٍ ظن أنه موجود وتبيَّن أنه غير موجود نُلزِمُها بلفظها، فلفظها متاع، نقول: يلزمها أقل ما يصدق عليه أنه متاع، وإن قالت: الحمل؛ فأقل ما يصدق عليه الحمل، وإن قالت: ثمرة بستاني؛ نفس الحُكم.
فإذاً نؤاخذها باللفظ الذي اتفق عليه الطرفان، وهما اتفقا على خُلعٍ بِعوض، فإن لم يكن العوض موجوداً نُظِر إلى أقل المسمى، أي أقل ما يصدق عليه أنه متاعٌ وأنه حَمْلٌ إلى آخر ما ذكروه.
قوله: (ومع عدم الدراهم) لو قالت: أخالِعك على دراهم، أو على الدراهم التي في يدي ففتحت يدها ولم يوجد شيء؛ لأنه بطبيعة الحال، إذا قالت: على دراهم، فقد ذكرت في اللفظ الجَمْع، فمعناه أن الرجل لما قال: خَالَعْتُك، كأنه يقول: رضيت بالدراهم، وأقل شيء يصدق عليه أنه دراهم معناه أنه راضٍ به، فالعرب تسمي الثلاثة فأكثر جَمعاً، وتقول: دراهم، فإذا قال: رضيت، وخَالَع، فمعنى ذلك أنه رضي بثلاثة دراهم فأكثر، فإن لم يوجد الأكثر، قلنا: ليس لك إلا أقل ما يصدق عليه هذا الجَمْع الذي رضيت به بالخطاب، فيأخذ الثلاثة الدراهم ولا يزداد.
أحكام الخلع المعلق
قال رحمه الله تعالى: [فصلٌ: وإذا قال: متى أو إذا أو إن أعطيتِني ألفاً فأنت طالق؛ طلُقت بعطيته وإن تراخى] في الحقيقة قبل أن ندخل في التفصيلات -وستأتينا أكثر في الطلاق، وستأتي الجُمل المعلَّقة وألفاظ التعليق وألفاظ الشرط-.
قد يَمَل طالب العلم أحياناً، لكن ثقوا يا إخوان أنه حينما تأتي مشاكل الناس وأسئلتهم ستبحث في هذه المسائل بدقة، وتحتاج إلى دراستها بدقة أكثر، وكنا نقرؤها على مشايخنا رحمةُ الله عليهم، قد يحدث شيء من الطول والتعب، لكن لن تجد قيمة هذه المسائل وحلاوتها إلا بأسئلة الناس.
فسيأتيك الشخص الذي يتلفظ بهذه الألفاظ فلا تحس أنك في شيءٍ غريب، خاصة إذا كنت طالب علم تدرس مادة علمية ستُسْأل عنها، فالسائل لا مذهب له، ولا يأتيك بكتاب معين ولا بسؤال محدود، بل يأتيك بما وقع له وبما قال.
فهنا بعد أن فرغ رحمه الله من الخُلع المنجَّز؛ شَرَع في الخلع المعلَّق، والخُلع المعلَّق: أن يأتي بشرط، فيقول: إن فعلت، أو إذا، أو متى، فيكون مُعلَّقاً على شيء، فنحتاج إلى دراسة المعلَّق كما درسنا المنجَّز.
وهناك ألفاظ يقع بها الخلع بصيغة الشرط، فيحتاج طالب العلم أن يعرف ما هو الحكم لو قال لها هذا القول.
وأول مشكلة في الخلع المعلَّق من حيث اللفظ، فما هي الألفاظ التي يكون بها التعليق؟ وثانياً: أنه قد يُعَلِّق ويفعل، أو يقع الشيء الذي اشتُرِط بعد فترة فهل يُشْتَرَط في المعلَّق أن يكون مُنَجَّزَاً أو يمكن أن يقع على التراخي؟ فلو قال لها: متى أعطيتيني ألفاً أو متى فعلت كذا وكذا -من الشرط المطلق الذي لا قيد فيه- وبعد سنة أو سنتين أو خمس سنوات أو سبع سنوات جاءت بهذا الشيء الذي علَّق الخلع عليه، فهل التعليق مقيد أو مطلق؟ كذلك أيضاً لو أنه قال: متى، أو إذا، أو إن، ثم طلَّق المرأة ولم تفعل شيئاً مما اشترط، وبعد أن طلقها وبانَت منه فعلت الشيء الذي قاله وعلَّق الخلع عليه؛ ثم تزوجها بعد ذلك، فهل يقع الخلع أو لا؟ ولو أنه قال لها ذلك، ثم طلَّقها، ولم تفعله أثناء البينونة، ولكن خرجت من عدتها، ونكَحَها بعقدٍ جديد، ثم فعلته في العقد الثاني! فكلها مسائل تحتاج إلى بحث.
وحتى في الطلاق أيضاً ربما يقول لها -على القول بالتعليق في الطلاق-: إن دخلتِ الدار فأنت طالق.
فما دخلت اليوم، وإنما دخَلَت بعد سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات إن زُرْتِ فلانة فأنت طالق، وزَارَتها بعد سنة أو سنتين.
أو أنه قال لها: إن زرت فلانةً فأنتِ طالق، ثم طلقها غير الطلاق الذي عَلَّق عليه، ثم لما طلَّقها وبانَت منه زَارَت هذه المرأة، ثم رجعت له بعقدٍ بعد ذلك؛ فهل يَبْقَى التعليق كما هو أم أن فعلها للمُعَلَّق أثناء خروجها عن عِصمته يُؤَثِّر ويُسقِط ذلك المعلَّق بفعله ولو مرة؟ ثم بعد ذلك لما رجعت له بالعقد الجديد ذهَبَت وزارَتها؛ فهل يقع الطلاق ويبقى التعليق الأول كما هو أم ماذا؟ هذه أمور لا بد من بحثها، ولذلك نقول: قراءة الفقه منفصلاً عن ثمرته وحال الناس في سؤالهم، لا يستطيع طالب العلم أن يتَّصل بمسائله بالشكل المطلوب، فقد يَمَل طالب العلم: متى وإذا وإن، فيدخل في تفصيلات الشروط وألفاظ الشروط ويَمَل، لكن أقولها لما وقع لنا: في البداية قد تجد مللاً، لكن سيأتي اليوم الذي تجد من يقول هذا القول لامرأته، ويسألك عن حكمه.
أو تجد مسألةً مُفَرَّعةً على هذا الأصل، وهل النكاح يهدم أو لا يهدم؟ وكلها مسائل ذكرها العلماء واعتنوا بها.
وإنما أراد المصنف رحمه الله بذكرها هنا اكتمال مادة الخلع.
لزوم الوفاء بشرط الخلع عند حصول المخالفة
قوله رحمه الله: [وإذا قال: متى أو إذا أو إن أعطيتِني ألفاً فأنت طالق] إذا قال: متى أعطيتني ألفاً، أو إذا أعطيتني ألفاً، أو إن أعطيتني ألفاً، فقد اشترط، وبينه وبين الله عز وجل أنها إن فعلت هذا الشرط أنها تطلُق، والله عز وجل أعطاه الطلاق منَجَّزَاً ومعلقاً، فقال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة:231] ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [البقرة:237]، ولم يفرق بين المعلَّق وبين المنجَّز، فهو كما أنه يُطلِّق ويقع طلاقه منجَّزاً، فإنه إن علَّقه على شيء يقع عليه الطلاق إذا وقع ذلك الشيء؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إن لكِ على ربك ما اشترطت).
فكما أن الإنسان يستحق بالشرط، وله أخذ ما شرط، كذلك أيضاً يُلزَم بالشرط ويؤاخذ به.
فقال رحمه الله: (إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق) فهنا عِوض، وهذه المعاوضة عن تطليق.
وعلى هذا؛ فإنها لو أعطته الألف في نفس اليوم، أي: بعد حديثه مباشرةً أو فصل بينه وبين حديثه فاصل، تَركتْه ساعة أو ساعتين أو ذهبت وأحضرت الألف وجاءت فقال: لا، أنا قُلتُ: إن أعطيتني ألفاً وأَقصِد في المجلس، نقول: ما قلت في المجلس ولم تَشْتَرِط المجلس، فحينئذٍ إن أعطتك الألف في المجلس أو خارج المجلس أو بعد المجلس فهذا شرطٌ ليس فيه قيد، فلو أنها جاءت بالألف في اليوم الثاني، أو جاءت بالألف بعد سنةً، متى أعطته الألف فإنه حينئذٍ كأنها خالعته بهذه الألف، فأدخلوا هذه المسألة تبعاً للخلع؛ لوجود المعاوضة.
قوله: (طلقت المرأة بعطيته) إن أعطته الألف، وقوله: (وإن تراخى) تراخت العطية وتأخرت؛ لأن العبرة أنه متى ما وَقَع الشَّرط وَقَعَ المشروط، فهو اشتَرَط فيما بينه وبين الله عز وجل أن عصمة امرأته تنحل وتُرفَع بهذا الشرط إن وقع، وقد وقع الشرط فيؤاخذ به.
قال المصنف رحمه الله: [وإن قالت: اخلعني على ألف أو بألف أو لك ألف ففعل؛ بانت واستحقها].
قوله: (اخلعني على ألفٍ) ففعل، فحينئذٍ تُخْلَع منه، وتَطْلُق على قول الجمهور.
فهي اشترطت عليه، قالت: اخلعني بألف، فقال: خالعتكِ، فلما قال: خالعتكِ، معناه: خالعتُكِ بألف، وهكذا لو قالت: اخلعني بألفين، قال: خالعتكِ، فحينئذٍ إذا فعل ذلك فإنه يستحق ذلك المبلغ عليها ويلزمها دفعُه.
كما أنها تستحق عليه المخالعة والطلاق، كذلك هو يستحق العوض إن اشترطَتْ عِوضاً على الطلاق والخلع، فالحق بينهما متقابل، كما أنك تُلزِم الرجل كذلك تُلزِم أيضاً المرأة.
قوله: [أو بألفٍ أو لك ألف] كل هذه حروف: على ألفٍ أو بألف.
قوله: (ففعل بانت واستحقها) استحق الألف، فحينئذٍ لا تَبِيْن هكذا، لأنها رُتِّبَت على اشتراط والتزام، فهي إذا قالت له: خالعني بألفٍ، -لا بد أن تعرف مضمون اللفظ حتى تؤاخذ به- أي: لك عليّ ألفٌ وفي ذمتي لك ألفٌ إن وقع منك الخُلع، وهذا عقد واتفاق بين الطرفين، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1]، فهو إذا تَلفَّظ بالخُلع استحَقّ الألف، وإذا تلفظ بالخلع ألزمناها الألف، فهي التي التزمت واشترطت على نفسها أنه إذا خالعها وأنه إذا وقع هذا الشرط الذي ذَكَرَتْه من كونه مخالِعاً أعطته ألفاً، فإذا قال: خالعتُك؛ وكان منه لفظ الخلع، فقال: خالعتُكِ؛ فحينئذٍ عليها ما التزمَت به.
حكم الزيادة على ما اشترط في الخلع
قال رحمه الله: [وطلقني واحدة بألف فطلقها ثلاثا استحقها] القاعدة في مسألة الاشتراط: أن الإنسان إذا التزم شيئاً بالشرط يُوفِّي بذلك، والحقوق بين المسلمين تُضْمَن بالشروط، كما قال عمر رضي الله عنه: (مقاطع الحقوق عند الشروط)، وهي مأخوذة من النصوص الصحيحة في قوله عليه الصلاة والسلام: (المسلمون على شروطهم)، فقوله: (مقاطع الحقوق عند الشروط)، يعني: لما تأتي تقطع القطع التي يُعرف فيها حق كل ذي حق، ويُفصَل فيها في الحقوق، فإنك تفصل الخصومة والنزاع، وتُعطِي كلَّ ذي حقٍ حقه بالشرط.
فهو إذا اشترط وهي إذا اشترطت ألزمناه بشرطها، وألزمناها بشرطه، فهو يقول: خالعتُكِ، وهي قد قالت: إن وقع منك هذا القول؛ أُعطِيك ألفاً.
بعد أن قرَّرنا هذه القاعدة -وهي تأثير الشرط- يبقى
السؤال
ذكر المصنف متى أو إذا أو إن، وعلى ألفٍ أو بألفٍ.
هذه كلها يستوي فيها المطلوب فِعله، ويُرتَّب المال أو المدفوع على وجود هذا المطلوب، فإذا قالت له: إن طلقتني فلك ألفٌ، خالِعني ولك ألفٌ، فليس في هذا إشكال، لكن الإشكال إن طلبت منه شيئاً ففعل أكثر منه، أو طلبت منه شيئاً ففعل أقل منه.
فالقسمة العقلية تقتضي ثلاث حالات ينبغي أن يَنتبه لها طالب العلم، الحالة الأولى: أن يكون الفعل الصادر أو القول الصادر على حسب المطلوب، قالت: خالعني وأعطيك ألفاً، قال: خالعتُكِ، بطبيعة الحال إذا قَضَيت في هذا تقول: الشرط الذي التزمَت به المرأة أن تعطيه الألف إن تَلَفَّظ بالْخُلع، وقد تَلَفَّظ بنفس الشيء الذي طُلِب منه، وهنا المساواة واضحة، لم يقل شيئاً زائداً عما طُلِب منه ولا أقلّ مما طُلِب منه، فمن ناحية فقهية بعد أن تُبَيِّن المساواة تنتقل إلى الزيادة أو إلى النقص، لكي تعرف الأصول وتحفظ وتُلِم بطريقة الفقهاء رحمهم الله.
فبعد أن بين حَال المساواة شرَع في الحالة التي يزيد فيها الرجل عن الشرط، والحالة التي يُنقص فيها عن الشرط.
الحالة الثانية: إذا قالت له: إن طلقتني واحدةً أعطيك ألفاً، فقال: أنت طالقٌ بالثلاث، فليست واحدة بل ثلاثاً، والشرط طلقة واحدة، وأعطاها ثلاثاً، فإنه قد زاد على الذي وقع الشرط عليه، فهل نقول: إنه أساء إليها بالثلاث وهي طلبت الواحدة، والثلاث غير الواحدة، وحينئذٍ لا يستحق؟ وهذا مذهبٌ ضعيف، أو نقول: إن الشرط بينه وبينها إن وَقَع طلاقٌ بواحدةٍ أنها تُلزَم بدفع ما اشترطت على نفسها، والزيادة -وهي الطلقتان- كانت من نفسه، كما لو طلقها واحدةً ثم أردفها طلقتين بعد؟ وهذا هو الصحيح على ما اختاره المصنف، فحينئذٍ إن زاد فإنه يستحق الألف.
امرأةٌ قالت لزوجها: إن طلقتني واحدةً أُعطيك ألفاً، فقال لها: أنت طالق بالثلاث، قالت: لا أُعطِيك شيئاً؛ لأنني أريد أن أَرجع إليك، فامتنعت من الإعطاء، فاختصما إلى القاضي، فالقاضي يعلم أنه شرطٌ زاد فيه الزوج، فنقول: إنه إذا وقع الشرط وزيادة فإنه يستحق؛ لأن الطلقة التي وقع الشرط عليها قد وقعت.
قال رحمه الله: [وعكسه بعكسه إلا في واحدةٍ بقيت]، وهذه هي الحالة الثالثة، إذا قالت له: طلقني ثلاثاً، فطلقها واحدةً فإنه لا يستحق الألف؛ لأنها اشترطت الثلاث، والواحدة جزءٌ من الثلاث، والجزءُ ليس كالكل، ولا يأخذ حُكْم الكل، كما لو قلت لرجلٍ: إن جِئتني بخمسة رجال أعطيك كذا، فجاءك برجل فلا يستحق، إنما يستحق إذا جاءك بالخمسة، فهم يرون هذا من باب الجُعل، ومندرج تحت أحكام الجعل.
وباب الجعل -كما سيأتينا إن شاء الله- أنك إذا رتَّبْت ثمناً أو مبلغاً أو مالاً أو شيئاً على شيءٍ معين، وجاء ببعضه فإنه لا يستحق الجعل حتى يأتي بذلك الشيء كاملاً، فلو قلت: من جاءني بسيارتَيَّ الضائعتين أُعطِيه عشرة آلاف ريال، فجاء بسيارةٍ منهما لم يستحقه، حتى يأتي بكلا السيارتين، فلا يتجزأ المقابل والعوض بتجزّؤ العمل.
كذلك هنا لا يتجزأ الاستحقاق الذي هو الألف بتجزّؤ الطلقات، إنما يستحق الألف إذا وقعت الثلاث، فإن وقعت واحدةً لم يستحق، لكن لو أنه طلَّقها قبل ذلك طلقتين ولم يُخبِرها بالطلقتين، فقالت له: طلقني ثلاثاً أُعطِك ألفاً، فقال لها: أنت طالق، فهذه الطلقة مكملةٌ للثلاث، فحينئذٍ وقع الشرط، فإن هذه الواحدة وإن كانت واحدةً لكنها في الحقيقة متممة للثلاث ومحققةٌ لمقصود المرأة من البينونة فحينئذٍ يستحق؛ لأن المقصود حَصَل.
حكم مخالعة الأب لابنه الصغير أو ابنته بشيء من مالها
قال المصنف رحمه الله: [وليس للأب خُلع زوجة ابنه الصغير ولا طلاقها ولا خُلع ابنته بشيء من مالها] قوله رحمه الله: (وليس للأب خُلع زوجة ابنه الصغير) فيقول: خالعتُكِ، يُخاطب زوجة ابنه؛ فإن زوجة ابنه إذا سأل وليها الخُلع وقال: أُعطِيك ألفاً وتُخالِعها، ليس له ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق)، فجعل الفراق وحل العصمة في النكاح لِمَن ملك، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا طلاق فيما لا يملك، فإذا ثبت أن حَلَّ العِصمة والفِراق يكون لمَن بيده تلك العِصمة وذلك الفِراق وهو الزوج؛ فإنه يَسْرِي ذلك على الخلع، ويلتحق الخلع بالطلاق، ومن هنا قالوا: لا يُطَلِّق، وعلى هذا لا يُخالِع، فليس له أن يُخَالِع، لا خلع طلاق ولا خلعاً مجرداً.
قوله: (ولا طلاقها) كذلك.
قوله: (ولا خلع ابنته بشيء من مالها) كذلك أيضاً، لو أنه خالع ابنته بشيءٍ من مالها، ففرقوا بين البنت وبين الابن، فقالوا في البنت: له أن يُخَالِع لأنه يرى الضرر، ومِن حقه أن يُخالع عن ابنته إذا كان من ماله، لا من مالها، وجعلوا المنع هنا من جهة أن الأب يكون قائماً على مال ابنته الصغيرة، وهذا معلوم في باب الحَجْر: أن الصغير والصغيرة لا يملكان التصرف في ماليهما، فإذا جاء الأب يُخالِع من مالها فإنها محجورٌ عليها فلا تستطيع، وقد بينا في أول الخلع أن الخلع لا يصح من صغيرة ولا من مجنونة ولا من محجورٍ عليها؛ لوجود المعاوضة فيه، ومثلها ممنوعٌ من التصرف، وفي هذه الحالة قالوا: ليس له الحق أن يُخالِع من مالها؛ لكن له الحق أن يُخالِع من ماله، وهذا مفهوم قوله: (من مالها).
إسقاط الخلع لغيره من الحقوق
قال رحمه الله: (ولا يسقط الخلع غيره من الحقوق)، كالنفقات.
هنا بيان أثر الخُلع، فلو أن رجلاً خالع امرأته وله منها أولاد، فإنه إذا خالعها وتم الخلع يُلزَم بنفقة الأولاد، ولا يقول: إن الخلع مسقط للنفقة، فالخلع لا يُسقط الحقوق، فيبقى حق النفقة ونحوه من الحقوق التي تترتب على عقد النكاح باقيةً ويُلزَم بها.
الطلاق المعلق على صفة إذا وجدت بعد إبانة المرأة ثم مراجعتها
قال المصنف رحمه الله: [وإن علَّق طلاقها بصفة ثم أبانها فوُجِدت ثم نكحها فوجدت بعده طلقت كعتق وإلا فلا] هذه المسألة تكلَّم عليها أئمة السلف رحمهم الله، وهي مسألة قديمة، وقول جماهير العلماء رحمهم الله حتى حُكي الإجماع: أن الرجل إذا علق الْخُلع أو الطلاق على صفة، وقال: إذا دخلتِ الدار أو إن فعلتِ كذا وكذا، وذكر شيئاً معيناً إن وُجِد فالطلاق حاصل، أو الخُلع واقع.
فهذا التعليق على وجود الصفة إن كان النكاح باقياً ذكرناه في حكم الشرط، وسيأتي -إن شاء الله- بيانه وبيان كلام العلماء عليه -إن شاء الله- في تعليق الطلاق بالشرط.
لكن هنا مسألتنا أنه يعلق ثم يطلقها وتخرج من عدتها فتَبِيْن منه، وتفعل هذا الشيء أو تُوجَد هذه الصفة حال بينونتها، أي: لمّا بَانَت وانحلَّت من العصمة وفُرِّقَ بينهما وفارقته وقع هذا الشيء الذي علَّق الطلاق عليه، وطبعاً هي أجنبية، فلا يقع حال كونها أجنبية، فبعد أن وَقَع أو وُجِدت الصفة نَكَحَها مرةً ثانيةً؛ فهل يَبْقَى المعلَّق في النكاح الأول كما هو أو يلغى؟ هذه مسألة واقعة في الطلاق، وفي العتاق (في عتق العبيد) يقول لعبده: إن جاء أبي من السفر فأنت حرٌ، فعلق العتق على مجيء أبيه، فقبل مجيء أبيه باع العبد، واشتراه زيد من الناس؛ ثم جلس عند زيد -مثلاً- نصف سنة، ثم اشتراه من زيد، فإن رجع الأب وهو عند زيد أو رجع بعد رجوعه إلى صاحبه الأول؛ فهل يسري الحكم في كلتا الصورتين؟ ففي الحالة الأولى يقول: إن جاء أبي فأنت حرٌ، ثم باعه قبل مجيء أبيه فاشتراه زيدٌ فجاء أبوه وهو ملكٌ لزيد، ثم اشتراه بعد ذلك من زيد فهل يعتق؟ قال جماهير العلماء: إنه يَعتِق؛ لأنه فيما بينه وبين الله عز وجل جَعَل عِتْق عبده إذا كان مملوكاً له بمجيء والده، فإذا جاء والده، سواءً كان مجيئه والعبد في ملكه أو قبل أن يملكه فإنه يقول: متى جاء والدي فسأعتقك، فلما امتنع لوجود الملكية المخالفة وهي ملكية زيد حينئذٍ يُمنَع ما دام ملكاً لزيد، فإن رجع إليه رجع بشرطه فيما بينه وبين الله، فيلزَمُه عتقه ويعتق عليه، هذا في العتاق.
ويوجد تداخل بين كل من العتاق والطلاق والنذور، خاصة في مسائل الشروط والتعليق والحقائق.
هذه نص عليها جماهير العلماء رحمهم الله، وحكى ابن المنذر أن الكافة يقولون: إنه يَعْتِق عليه.
ففي الطلاق نفس الحُكْم، فإن علق طلاقها على صفة ووُجِدت الصفة حال كونها في عصمة غيره أو بعد مجيئها في عقدٍ ثانٍ أخذ نفس الحكم.
مثلاً: قال لها: إن جاء والدي من السفر فأنت طالق، فطلقها قبل أن يجيء والده، وبَانَت منه قبل أن يجيء والده، أو خالعَتْه قبل أن يجيء والده، فأصبحت بائناً منه، ثم جاء والده وهي بائن، سواء كانت مزوجة بغيره أو في حال كونها أَيِّماً لا زوج لها، ثم نكحها مرةً ثانية بعد مجيء والده؛ فحينئذٍ تأخذ نفس الحكم، فهذا الذي قصده المصنف رحمه الله، وتدخل هذه المسألة في مسائل الشروط تبعاً.
قوله: [فوجدت ثم نكحها فوجدت بعده طلقت كعتق وإلا فلا] قوله: (فوُجِدت بعده) بعضهم يقول: تَطْلُق ويَعتِق العبد برجوعه إلى الملكية؛ لوجود الصفة كما ذكرنا، وبعضهم يقول: لا تَطْلُق إلا إذا كانت الصفة موجودة أثناء الرجوع، فلو أن والده سافر مرةً ثانية وتُوفِّي في هذا السفر ولم يعد، فلا تطلق عليه، فيجعلونه باقياً بالسريان الذي ذكرناه، بحيث إنها عندما ترجع إلى عصمته يكون الوالد قد جاء من السفر، أما إذا بَقِي على سفره وعلى وصف السفر، فإنه لا يصدق عليه أنه رجع.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
شرح زاد المستقنع -