شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 1-10
أهل الأثرالأرشيف العلمي

من المسائل المتعلقة بالوصايا: أن من قبل الوصية ثم ردها لم يصح هذا الرد، ومنها أنه يجوز للموصي أن يتراجع عن وصيته، وتراجعه قد يكون باللفظ وقد يكون بالفعل، ومنها أنه يجب على الورثة إخراج الحقوق والواجبات التي في ذمة الميت قبل القسمة؛ لأن نفس الميت معلقة بتلك الحقوق، وينبغي على المسلم أن يبتعد عن الاستدانة قدر المستطاع؛ وذلك لأن أمر الدين عظيم، ومن استدان وهو يريد قضاء دينه أدى الله عنه.

حكم قبول الوصية ثم ردها

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ومن قبلها ثم ردها لم يصح الرد] بيّن المصنف رحمه الله في هذه الجملة أن من وقع منه قبول الوصية، وتم هذا القبول بعد وفاة الموصِي؛ فإنه حينئذٍ لا يصح رده لها، ولا رجوعه عن ذلك القبول، والسبب في ذلك: أنه إذا أَوصَى شخص إلى شخص آخر بوصية، فقبلها على الوجه المعتبر؛ فإن ملكيته تثبت لتلك الوصية.
فلو قال زيدٌ من الناس: أوصيت لعمرٍ بعشرة آلاف، ثم قال عمرو لما أُخبِر أن زيداً توفي وأوصَى له بعشرة آلاف: قبلت، فإذا قال: قبلتُ بعد وفاة الموصي، فقد ثبتت ملكية العشرة آلاف له، فإذا قال بعد ذلك: رجعت عن القبول؛ فقد رجع عما يملك، ورجوع الإنسان عما يملكه لا يُعتد به، فلو أن شخصاً يملك بيتاً فقال: هذا البيت لي، وليس المراد به على وجه الإقرار، وإنما المراد أنه يريد أن يخرج ملكيته عنه لا على وجه الهبة ولا على وجه الصدقة ولكن هكذا، فإنه لا يصح رجوع المالك عن الملكية بعد ثبوتها على الوجه المعتبر.
وحينئذٍ نقول: إن قبولك بعد وفاة الموصِي يُثبتُ ملكيّتك لهذا الشيء الذي وصِّي به إليك، وحينئذٍ إما أن تتصدق به، أو تهبه، أو تتصرف فيه، أما الرجوع فلا يُعتد به، وهذا كما ذكرنا شبه قول جماهير العلماء رحمهم الله، أن الرجوع بعد ثبوت الملكية ليس من حقه.
وهناك من العلماء من قال: له أن يرجع؛ لأن الإنسان حر في نفسه، فله أن يختار في وقتٍ يرى من المصلحة أن يقبل، وله أن يختار الرد في وقتٍ يرى من المصلحة أن يرده.

جواز رجوع الموصي في وصيته حال حياته

قال رحمه الله: [ويجوز الرجوع في الوصية].
يقول المصنف رحمه الله: (ويجوز) أي: يُباح للمسلم إذا وصّى بوصية أن يرجع عنها، وذلك لأن الإجماع منعقد على أن الوصية ليست بعقدٍ لازم في أول الحال، وقد تقدم معنا أن العقود منها ما هو لازم، ومنها ما هو جائز، والذي يُوصف باللزوم إما أن يكون لازماً للطرفين، إما أن يكون لازماً لأحد الطرفين، وقد بيّنا هذا وفصلناه في مقدمات البيوع، وعند الكلام على باب الخيار.
والوصية في الأصل أنها عقدٌ جائز في حق أحد الطرفين، لازم في حق الآخر؛ لأن الموصي من حقه أن يُغيِّر ويقدم ويؤخر ويبدل في وصيته ما لم يمت، وهذا حق من حقوقه، وعلى هذا شبه إجماع بين العلماء رحمهم الله، وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى؛ لأنه لو ضُيِّق على الإنسان في وصيته لما أمكنه أن يتدارك كثيراً من المصالح، ولما أمكنه أن يدرأ عن نفسه كثيراً من المفاسد، ولو أن الشريعة ضيَّقت على الموصي أن يرجع عن وصيته لتحاشى الناس الوصية؛ لأنهم يعلمون أن أي وصية يقومون بها سيُلزمون بها.
وحينئذٍ كان من رحمة الله تبارك وتعالى ولطفه بعباده كما قال العلماء: أن يسَّر على المسلم في رجوعه في وصيته، فيقدم ما حقه التقديم، ويؤخر ما حقه التأخير، على حسب اختلاف الأوقات والأزمنة والأحوال، فلربما كان في وقت يرى من المصلحة أن يوصي لغير الوارث، فيوصي بثلث ماله أو بربعه إلى قرابة له لا يرثون، ثم يشاء الله أن تكثر ذريته وتتغير الأحوال، وحينئذٍ تكون ذريته أحوج ما تكون إلى هذا المال، فيكون من المصلحة أن يلغي الوصية بالثلث، وأن يلغي الوصية بالربع، وأن يلغي الوصية لغير الوارث، وأن يُقدِّم ورثته الذين هم أحوج، وهذا لا شك أن فيه رحمة من الله وتوسعة على العباد.
وممن أشار إلى هذا القرافي في كتابه (الذخيرة)، فقد بيّن أن الله تعالى تدارك عباده برحمته حينما وسَّع عليهم في الرجوع عن الوصية، فلو لم يملك الإنسان الرجوع عن الوصية لصارت الوصية محل ضرر على الناس من جهة، ولتحاشي الناس الوصية من جهة أخرى.
قال: (يجوز) أي: يباح، فمن أوصى وصية ورأى من المصلحة أن يلغيها ويكتب غيرها، أو يُلغي بعضها ويثبت بعضها؛ فالأمر عائد إليه، وعلى هذا شبه إجماع بين العلماء رحمهم الله، وفيه أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رواه الإمام البيهقي في السنن، أثبت مشروعية الرجوع عن الوصية.

الرجوع عن الوصية بالقول

والرجوع يكون بالقول، ويكون بالفعل، والرجوع بالقول يكون صريحاً ويكون ضمنياً، فالرجوع القولي الصريح كقوله: رجعت عن وصيتي، وكذلك أيضاً ما يدل على إلغائها: أبطلت وصيتي، وألغيت وصيتي، ولا تنفِّذوا وصيتي، ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على أنه قد رجع عما وصَّى به، فإذا قال ذلك فإن الوصية تبطُل.
وأما الرجوع الضمني: فكأن يقول: يا محمد! أوصيت لك بهذه السيارة، ثم قال بعد ساعة، أو بعد يوم أو شهر: يا أولادي! السيارة بيعوها وسددوا بها ديني، فعلمنا أنه لا يريد تنفيذ الوصية الأولى، وإنما يريد أن يرجِع عنها حينما جعلها في سداد الحقوق، فعلى هذا: إذا رجع صراحة، أو رجع ضمناً، كما ذكرنا في التصرفات كالبيع أو الهبة، فمثلاً: كان قد وصى ببيت، وقال: هذا البيت يُعطى لابن عمي فلان، وابن عمه ليس من الورثة، فوصّى لغير وارث، ثم شاء الله عز وجل أن قال لهم بعد ذلك بزمان قصير أو طويل: هذا البيت بيعوه ثم افعلوا بثمنه كذا وكذا -خلافاً لما أوصى به أولاً- فنعلم أن هذا التصرف يدل على أنه قد رجع عن الوصية الأولى وألغاها.

الرجوع عن الوصية بالفعل

وأما الرجوع الفعلي فمثل أن يتصرف بالفعل، فبدلاً من أن يبيع بالقول يتصرف بالمعاطاة، فمثلاً يقول: يا محمد! هذا الكتاب وصية مني لك بعد موتي، ثم جاءه شخص بعد ذلك وقال له: يا فلان! بعني هذا الكتاب بهذه المائة، فأعطاه الكتاب مناولة وقبض المائة، فتصرفه ببيع المعاطاة يُوجب إلغاء الوصية.
وهكذا لو فعل فعلاً استنفَذ ما وَصَّى به، كأن يكون المُوصَى به طعاماً، ثم أكله أو أعطاه أولاده ليأكلوه، أو تصرف فيه بالفعل؛ فإن هذا الفعل يوجب إلغاء الوصية الأولى، واعتبار الفعل الثاني سواء كان وصية أو كان غير ذلك.
إذاً: بيّن المصنف رحمه الله أنه يجوز الرجوع، وقال: (يجوز)، فلا يجب ولا يحرم ولا يكره، فهذا الأمر إليك، فمتى ما رأيت المصلحة أن تُقدِّم في الوصية أو تؤخر فيها فإن ذلك راجع إليك، سواء وُجِد السبب للرجوع أو لم يوجد؛ فالإجماع قائم على أن من حقك أن تُغير في وصيتك، سواء وُجد سبب يقتضي هذا التغيير أو لم يوجد سبب.
لكن ينبغي لمن أراد أن يرجع عن وصيته أن يحتاط، فعندنا وصية منسوخة ووصية متأخرة ناسخة، فالوصية المنسوخة إذا كانت موثَّقة في القضاء، أو موثقة بحكم قاضٍ، أو موثقة بشهود، أو مكتوبة، فينبغي على من يرجع أن يحتاط في الرجوع فيشهد شاهدين عدلين، فيوثِّق هذا الرجوع كما وثَّق الوصية، وألا يعرِّض حقوق الورثة للضياع حينما لا يحتاط بتوثيق الرجوع، أو الدلالة عليه على وجه معتبر بحيث يُرجع إليه بعد وفاته.

الوصية المعلقة بشرط

قال رحمه الله: [وإن قال: إن قدم زيد فله ما أوصيت به لعمرو، فقدم في حياته فله، وبعدها لعمرو].
إن قال: (إن قدم زيد فله ما أوصيت به لعمرو) هذه وصية معلّقة، كأن يقول مثلاً: إن قدم زيدٌ إن ذهب عمرو إن حصل كذا وكذا إن افتقر فلان فأعطوه، وإلا أعطوا فلاناً، المهم أن هذه الوصية المعلقة مبنية على شرط، وينبغي علينا أن نتقيد بهذا الشرط.
فإذا قال: إن قدم زيد فله، أي: قد أوصيت له بما أوصّيت به لعمرو، كأن يكون عنده عشرة آلاف ريال، وزيد هو ابن عمه القريب، وعمرو ابن عمه البعيد، فأراد أن يوصي للأقرب ثم الأقرب، فقال: هذا المال لزيد بشرط أن يقدم قبل وفاته، فإذا لم يقدم قبل وفاته قال: فإنه لعمرو، وهذا هو معنى قوله: (إن قدم زيد فله) (له): بمعنى يملك، والوصية التي وصّيت بها لعمرو من عقار ومن منقول له، أي: لزيد، فزيد لا يملك هذا الموصى به إلا إذا تحقق الشرط وهو: قدومه قبل الوفاة، كما أخبر: إن قدم زيدٌ فله ما وصّيت به لعمرو، أياً كان هذا الشيء الذي وصَّى به.
فقوله: (إن قدم زيدٌ) أي: قبل وفاته؛ وهذا أمر واضح بأنه يُرتَّب القدوم على أساس أنه يَقْدم قبل وفاته، فإن توفي ولم يَقْدم زيد؛ سقط استحقاق زيد وبقيت الوصية على ما هي عليه.
وبناءً على ذلك: يفصل في هذه المسألة فنقول: إنه من حيث الأصل أراد المصنف بهذا التمثيل أن يبيِّن أن الوصية المعلقة ينبغي علينا أن نتقيد بشروطها وبالتعليق الوارد فيها، كأن يقول: إن قدم زيدٌ إن جاء الغد وقدم زيدٌ إن انتهى الشهر إن انتصف الشهر إن جاءت الجمعة إن غابت الشمس، فهذه كلها وصايا معلقة، فتعلق بالزمان، أو بالمكان، أو بالأفعال، فأي شيء اشترطه الموصِي، وكان شرطاً معتبراً خالياً من الغرر والإبهام والجهالة، فإنه محتكمٌ إليه؛ لأن من حق الموصِي أن يوصِي مطلقاً، ومن حقه أن يوصِي مقيداً، فمن حقه أن يقول: وصَّيت لعمرو بعشرة آلاف، ولا يعلِّق ولا يقيِّد ولا يشترط؛ ومن حقه أن يقول: وصَّيت لزيد بعشرة آلاف بشرط ألا يَقْدم عمرو قبل وفاتي، أو ألا يكون فلان محتاجاً؛ لأنه في بعض الأحيان تجده يقول: هذه عشرة آلاف ريال تُعطى لبني عمي من بني فلان إذا كانوا محتاجين وإلا فتعطى لبني فلان.
فمعنى ذلك: أننا نصرفها إلى الأول الموصَى إليه بشرط تحقق وجود الحاجة، ونصرفها إلى الثاني متى ما تخلف الشرط في الأول، وهذا أمر معتبر، أي: أنه يجب علينا أن نتقيد بشروط الموصِي.
ومناسبة هذه المسألة: أنه ذكرها بعد الرجوع، وهذا فيه نوع من اللطف، وهو أن الرجوع تارةً يكون رجوعاً مطلقاً، مثل أن يقول: وصّيت لعمرو، ثم يقول: ألغوا الوصية، فهذا رجوع مطلق، وتارةً يكون رجوعاً بقيد؛ لأنه حينما قال: إن قدم زيدٌ فله ما وصيت لعمرو؛ معناه: أنه رجع عن وصيته لعمرو بشرط قدوم زيد، فصار رجوعاً معلّقاً.
فبعد أن فرغ -وهذا من دقته رحمة الله عليه- من الرجوع المطلق، شرع في الرجوع المعلق، وإلا فالأصل أن مسائل الأشياء التي يُوصِي بها -المعلقات- سيأتي بيانها والإشارة إليها.

وجوب سداد الحقوق التي على الميت بعد موته

قال رحمه الله: [ويُخرج الواجب من دين وحج وغيره من كل ماله بعد موته وإن لم يوص به] قوله: (يخرج الواجب)، أي: يجب على ورثة الميت أن يتّقوا الله عز وجل في مورِّثهم، فيخرجوا من ماله الحقوق الواجبة، سواء كانت لله عز وجل، أو كانت للمخلوقين، فهم مسئولون أمام الله عز وجل عن إخراج هذا الحق، فالأصل يقتضي أننا نبدأ أولاً بمئونة التجهيز، فيجهز، ويغسل، ويكفن، ويُحمل، ويصلى عليه، ويدفن، وكل هذه الأمور إذا احتاجت إلى مئونة، فتكون من مئونة التجهيز.
ومن أهل العلم من قال: يُقضى الدين قبل مئونة التجهيز، وهذا لا شك -إِن تيسّر- أنه من أبر البر للوالدين، ومن أعظم الصلة للقريب، ومن أفضل ما يقدَّم للميت؛ أن تُبرأ ذمته وتقضى الحقوق عنه قبل أن يُغسّل وقبل أن يُفعل به شيء؛ حتى إذا ترحم الناس عليه وسألوا الله له المغفرة يكون خالصاً من حقوق الناس وبريئاً من عهدهم، فهذا لا شك أنه من أفضل ما يكون؛ أن يُقضى الدين، ويُبادر به مبادرة تامة.
فإذا قُضي ابتدئ بعد قضاء الدين بمئونة التجهيز على القول الذي ذكرناه، ثم بعد ذلك إذا لم يقض الدين وابتدئ بمئونة التجهيز، فينظر في أصحاب الحقوق وأصحاب الديون، وتُسدد هذه الديون كاملة، ولا يجوز للورثة أن يُؤخِّروا سداد الدين؛ لأن كل من مات حلّت ديونه حتى ولو كان الدين على أقساط لعدة سنوات؛ لأن القاعدة تقول: إن من مات حلّت ديونه، فلو أن شخصاً اقترض مائة ألف على أن يكون سدادها على عشر سنوات، ثم توفي في السنة الأولى، فهنا تصبح المائة ألف حالة عليه، أي: يجب أن تُسدد فوراً، والسبب في ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نفس المؤمن معلقة بدينة) أي: مرهونة به، نسأل الله السلامة والعافية، وكذلك بيّن نص الكتاب، فقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:12] ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:11] ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:12]، فقدم سبحانه وتعالى الدين والوصية على قسمة التركات وإعطاء الوارثين حقوقهم، فالواجب أن يُبدأ بسداد الدين؛ لأن أمر الدين عظيم، فإذا جُهز الميت نُظِر في ديونه العامة والخاصة، وديونه فيما بينه وبين الله عز وجل، وديونه التي بينه وبين العباد.
فدُيونه التي بينه وبين الله تبارك وتعالى مثل أن يكون عليه دم واجب لفوات واجب في حجه، أو عليه فدية أو كفارة ظهار، ونحو ذلك من الحقوق الواجبة على الميت لله سبحانه وتعالى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أرأيت لو كان على أمكِ دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم.
قال: فدين الله أحق أن يقضى).

حكم تأخير سداد ديون الميت لمصلحة الورثة

وبالنسبة للديون، قد يكون التعجيل بقضائها في بعض الأحيان يتضمن بعض الضرر على الورثة، مثل: كساد السوق، ورخص الأسعار، فمثلاً: لو أن الميت توفي وعنده (عمارة)، حتى ولو كان يسكنها أولاده، وليس عندهم سكن غيرها، فإنه يجب أن يُسدد دينه ولو أن تُباع (العمارة)؛ لأن هذا ماله، ونفسه معلقة ومرهونة بدينه، وهو قد قام بإسكان وستر ورثته ومن يعول مدة حياته، فإذا وفّى لهم فالواجب أن يُوفُّوا له بعد موته، فلا تُعطل ديونه وتبقى نفسه معلّقة مرهونة بالدين، وقد ترك وفاء لهذا الدين.
وأعجب من هذا وأعظم ظلماً للميت حينما يكون الميت قد ترك سداداً، مثل أن يكون عنده مزارع وأرضٍ وسيارات، ولكن الورثة يُؤخِّرون ذلك من أجل كساد السوق حتى يفضُل لهم فضل من الإرث! فهذا من الظلم للميت.
فيجب أن يُبادر بسداد دين الميت، ولا يجوز تأخير سداد الدين؛ لأن المال هو مال الميت، ولا يجوز أن يُحبس الحق عن صاحبه، والميت محتاج أن تُبرأ ذمته.
وقد اختلف العلماء في قوله عليه الصلاة والسلام: (نفس المؤمن معلقة بدينه)، فقال بعضهم: مرهونة: بمعنى: محبوسة؛ لأن الرّهن في أصل اللغة: الحبس، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:38]، فهي فَعِيلة بمعنى: مفعولة، ورهينة بمعنى: مرهونة محبوسة.
وقال بعض العلماء في تفسير هذا الحديث إن معنى ذلك: أنه لا يُنعَّم حتى يُقضى عنه الدين، فيحبس عن النعيم حتى يُقضى عنه الدين، وإلا فما معنى (نفس المؤمن مرهونة)؛ لأن الحبس إما حبس عن النعيم، أو حبسٌ فيه عذاب، وإذا كان الحبس فيه عذاب فهذا الأمر أعظم، نسأل الله السلامة والعافية.
فالأمر جد خطير، فلا ينبغي التساهل في حقوق الموتى من قضاء ديونهم، وهذا يُحتِّم على كل شخص أن يتدارك الحقوق الواجبة عليه، فيحتاط، فإذا علم من ورثته من يوثق بدينه وأمانته أَسند إليه وبيّن له الحقوق وكتبها، وأوصل الحقوق إلى أهلها، وخاصة إذا كان هناك أمرٌ يحتاج إلى أمين وثقة يقوم عليه.

السبب في وجوب سداد الحقوق التي على الميت

والسبب في تشديد الشريعة في هذا الأمر ونصّ العلماء رحمهم الله على أهمية قضاء الديون: لما فيها من حقوق العباد، فإن حقوق الناس والخلق مبنية على المشاحة والمقاصّة، وإن من الظلم أن يكون الإنسان قادراً على سداد ديونه، ويؤخر الناس في سدادها.
قال صلى الله عليه وسلم: (مطل الغني ظلم يبيح لومه وعرضه)، يعني: أن من امتنع عن سداد حقوق الناس فإنه ظالم، فإذا كان الميت قد ترك سداداً وامتنع ورثته من السداد، فقد أصبح الظلم من جهتين: ظلم لأصحاب الحقوق بتأخيرها، وظلمٌ للميت حينما تُرهن نفسه وتُعلق.
وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يغفر للشهيد كل شيء)، ثم نزل عليه الوحي فقال عليه الصلاة والسلام: (إلا الدين سارّني به جبريل آنفاً)، فالشهيد الذي له المنزلة والمكانة، وهو الذي يُغفر له عند أول قطرة من دمه، ويؤمَّن من الفتان، ويبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، ويزمّل في ثيابه حتى تشهد له دماؤه وجراحه كما قال صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد: (زمِّلوهم في ثيابهم، فإني شفيع لهم وشهيد بين يدي الله).
فهذه المنزلة العظيمة التي تبوأها الشهيد حتى أَُمِّن من عذاب القبر، لم يفك عنه حقوق الناس.
فالواجب أن يحتاط الإنسان، وألا يدخل في الدين إلا مِن حاجة ماسة، وإذا دخل في الدين سأل الله المعونة.

نصيحة لمن أراد أن يستدين

وإذا أراد الإنسان أن يقترض شيئاً فعليه بأمرين مهمين: الأمر الأول: ألا يقترض إلا من حاجة شديدة ماسة، فإن من نزلت به فاقة وحاجة فردها إلى الله عز وجل، أوشك الله له بالفرج العاجل، فجعل الله قليله كثيراً، ويسيره عظيماً، وبارك له، ومن يصبر يصبِّره الله.
وإذا ضاقت عليه الأمور لحاجة ماسة، مثل: طعام الأولاد والأهل، أو لشقة يستأجرها، أو يستدين لشراء سيارة من أجل نقلهم، وقد يكون عدم وجود هذه السيارة زيادة دين، فهذه حوائج يُضطر إليها الإنسان فتُبيح له الدين، وتبيح له المسألة، وإذا لم توجد حاجة ماسة فليتق الدين؛ فإن الدين في الحقيقة تبعة ومسئولية وبلاء على العبد، ولذلك قال بعض السلف في الدين: (هم الليل وذل النهار).
وهذا إبراهيم بن أدهم حينما ركب البحر، فهاج البحر، وجاءت أمواج عظيمة حتى كادوا أن يغرقوا، فقيل له: يا إبراهيم! ألم تر إلى هذه الشدة؟ فقال: إنما الشدة الحاجة إلى الناس.
نسأل الله العظيم بوجهه الكريم ألا يجعل لنا ولكم إلى لئيم حاجة، وأن يجعل لنا ولكم الغنى به سبحانه والفقر إليه.
فالمقصود: أن الإنسان يصبر قدر المستطاع، فإذا ضاقت عليه الأمور ووُجِدت الحاجة، فيطلب دينه ممن يعرف منه السماحة وحسن النفس وطيبها، ومن لا يُضيق بالاستدانة منه؛ لأن مثل هذا حرِيٌ به أن يُسامح، وحريٌ به أن يوسِّع عليه، فلا يُضيق على نفسه مع وجود السعة، فإذا وجد غنياً كريماً طيباً، وفيه الخير، ويحب معونة الناس؛ عرض عليه أمره، أما إذا كان الإنسان الذي يريد أن يسأله ويطلب منه -حتى لو كان قريباً- يعلم أنه سيضيق عليه، فالأفضل أن لا يُضيق عليه؛ لأن المال الذي في الدين يُبارك لصاحبه إذا أخذه على الوجه الحسن، ويضع الله فيه البركة، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم من كان سمحاً إذا قضى سمحاً إذا اقتضى، فلابد أن يكون الإنسان سمحاً، فلا يُضيق على الناس في الدين، ولا يُحرج أحداً بذلك ما أمكنه.
الأمر الثاني الذي ينبغي توفُّره: حسن النية، فينوي في قرارة قلبه أن يرد هذا المال عاجلاً أو آجلاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله).
فقوله عليه الصلاة والسلام: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها)، أي: في نيته وقرارة قلبه، والله يشهد ومطَّلع عليه أنه أخذها ليسدِّد عند وجود اليسر والسعة، ومن أخذها يريد إتلافها، أو أن يتلاعب بها، فكما أخذ ديناً وقضى ديناً جاء إلى دين آخر، ثم أخذ من فلان وفلان وأخذ يتلاعب، وهو يعلم أنه لن يستطيع السداد، ويعلم أنه يستطيع أن يُضيق على فلان مع أنه غني فيماطله ويؤخره حتى ييأس من حقه، ثم ينفلت من التبعة، لكنه لن ينفلت من عقوبة الله جل جلاله، ولو كان صاحب الحق غنياً، فالحق حق، ولذلك أمر الله بالشهادة العادلة ولو كانت على فقير: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء:135]، فلو كان الذي له الحق غنياً فلا تقل: إن هذا فقير، وقد استدان وهو ضعيف، وهذا غني، لا، فما دام أنه أخذ حقاً فليرده إلى صاحبه، سواء كان غنياً أو فقيراً، فلا يجوز أن يأخذ أموال الناس وهو يريد إتلافها.
فمن يأخذ الأموال تلو الأموال وهو يعلم من قرارة قلبه أنه لن يسدد، بل أصبحت عادةً له، فمن فعل ذلك فإن الله يفتح عليه باب الاستدراج حتى لا يُبالي به في أي أودية الدنيا هلك؛ ولذلك ينزع الله البركة من المال الذي يأخذه، ولربما جعل الله حتفه ونقمته عليه في الذي أخذ، فيبني (عمارة) فتكون سبباً في شقائه ومرضه، أو يأخذ سيارة فيكون فيها حتفه ونهايته والعياذ بالله، أو حتف ولد من أولاده، أو حتف عزيز عليه؛ لأنه كما يضر بالناس يضر الله به.
فالنية مهمة جداً، فلا يأخذ الإنسان الدين إلا من وجود حاجة وضرورة، ولا يأخذ إلا وفي نيته وفي قرارة قلبه أن يقضيه، ثم يستعين بالله عز وجل على قضاء دينه بأمرين أعظمهما وأجلهما: كثرة الدعاء، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من غلبة الدين وقهر الرجال، فيستعيذ بالله من غلبة الدين، ثم يُبادر بالسداد ولو كان عنده ريال واحد من عشرة آلاف، فكلما تيسر له السداد قليلاً كان أو كثيراً فليسدد، فإن هذا من أفضل وأبرك ما يكون في سداد الديون؛ لأن مثل هذا حري أن يُعينه الله عز وجل، ويفتح له أبواب الفرج من حيث لا يحتسب.
وعلى كل حال: الدين أمره عظيم، حتى إنهم قالوا: إن الإنسان قد يُؤذى في عبادته وخشوعه وصلاته وطاعته بسبب حقوق الناس، فتجد الرجل أخشع ما يكون قلباً، فإذا وقع في الدين تغير حاله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه) أي: مرهونة بدينه، ولم يفرق بين الحياة والموت، وهذا الذي جعل بعض العلماء يتحاشى الدين ولا يُحبه ولا يرضاه، حتى إنه يخشى أن يُؤثر على صلاحه واستقامته؛ لأن صاحب الحق إذا طلب حقه أَجحف بالإنسان، وشوّش عليه في عبادته، وآذاه وأضره.

تيسير الله قضاء دين المحسنين

وأياً ما كان فالدين جائز ومشروع، فهذا رسول الأمة صلى الله عليه وسلم قد استدان، وإن كان بعض العلماء قد اعتذر فقال: رسول الأمة صلى الله عليه وسلم نِيطت به حقوق، والناس كلهم يعوِّلون عليه صلى الله عليه وسلم، وذلك مثلما يوجد في الفضلاء والكبراء، كشيخ القبيلة أو أميرها، فغالباً أنه يدخل في الشفاعات، ويواسي المعدومين والمحتاجين، فمثل هؤلاء غالباً يقعون في الدين؛ لكن لهم من الله عز وجل المعونة؛ لأنهم أخذوا الدنيا معونة على الدِّيْن، فما دام أنهم لا يريدون بها جاهاً ولا سمعة ولا فخراً، وإنما يفعلون ذلك رحمة بالناس، فمن رحِم حريٌ أن يرحمه الله عز وجل، وأن يبارك له في رزقه، وأن ييسر له من أمره.
ولقد جعل الله عز وجل للغارمين الذين يتحملون الديون، وهم رؤساء العشائر من الكبار الذين لهم مكانة، وأهل العلم وأهل الفضل الذين تأتيهم حوائج الناس دائماً، وكذلك أهل الكرم، فهؤلاء لا يستطيعون أن يعتذروا، والكريم في بعض الأحيان يفضل أن يموت ولا أن يعتذر لصاحب الحاجة، وهذا شيء وضعه الله في القلوب، وقد كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: (ثلاثة لهم علي فضل، وذكر منهم: رجل نزلت به حاجة فاختارني من بين الناس)، أي: جاء إليّ من بين الناس ووقف عليّ وسألني هذه الحاجة.
فلا شك أنه لم يوجد ولن يوجد رجل عُرف برحمة الناس -وكان ذلك بحسن نية- فضاق عليه الأمر إلا ووسعه الله عز وجل، وهذا شيء لا يُخطر على بال، وقد رأينا من العلماء والفضلاء وأهل الفضل العجب في هذا.
ولذلك فلن تجد إنساناً كريم النفس يستدين إلا تكفّل الله عز وجل برزقه، فنحن حينما ذكرنا مسألة الدين، قد يكون بعض الناس فيه رحمة، وأفضل ما يكون الكرم والإحسان في رجل عطوفٍ شفوق رحيمٍ بذوي رحمه، فتجده دائماً ينظر إلى أخواته المحتاجات وإخوانه وقرابته المحتاجين، وينظر إلى العجزة وكبار السن من قرابته؛ فيستدين لهم ويتحمل عنهم؛ فإن الله سبحانه وتعالى يجعل لمثل هذا من الفرج ما لم يخطر له على بال.
وهذا رجل ضاقت عليه الأرض بما رحبت في دين أهمه وأغمه -وكان من أفضل الناس في جماعته إحساناً وكرماً، وكان من حفاظ كتاب الله عز وجل، ومن الصالحين الأخيار رحمه الله، نحسبه ولا نزكي على الله أحداً- يقول: إنه ضاق عليه الأمر في مبلغ كبير، حتى وقف عليه صاحب المبلغ وآذاه وسبّه وشتمه؛ لأنه تأخر عليه، وقد وعده أكثر من مرة أن يفي فلم يستطع، يقول: فنزلت إلى بيت الله، فطفت فيه -وقد كان رجلاً معروفاً بمواساة المحتاجين، وهذا شيء أدركته عليه، وقد كان من أعجب ما رأيت من الرجال، تجد بيته بيت الأيتام والأرامل والمحتاجين، لا يبالي بالدنيا أقبلت أو أدبرت من صلاحه رحمه الله- يقول: وأنزلت حاجتي بالله سبحانه وتعالى، فوالله إني عند المقام أصلِّي ركعتي الطواف، وإذا برجل ثري غني موفَّق جاء وصلى بجواري، قال: فسلّم عليّ وتبسم في وجهي وناولني كيساً، فإذا فيه ثلاثة أضعاف المبلغ الذي أردته!! فمن أنزل حاجته بالله عز وجل فإن الله لا يُخيِّبه، وما من أحد أحسن إلى الناس وضيّع الله إحسانه أبداً، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
ومن غريب ما رأيت في هذا: أن الوالد رحمه الله كان لا يمسك المال، ولا يبالي بالدنيا أقبلت أو أدبرت، وهذا شيء شهدته ورأيته فيه رحمه الله، وأشهد أمام الله أني رأيت فيه من الكرم والإحسان إلى الضعفة والمساكين ما الله به عليم، فمما حدث: أنه جاء في مرض موته رحمه الله، وكان عندنا عمال قد احتاجوا إلى مبلغ من المال، وقد كان رحمه الله يعطي الأجير أجره قبل نهاية الشهر، وقد كانت وفاته رحمه الله في آخر شهر جمادى -أي: قرابة الرابع والعشرين- فاحتاج العمال إلى المال، فجئت إليه وقلت له: إنهم يحتاجون إلى مبلغ كذا وكذا، وكان هذا بعد صلاة العصر في اليوم الذي سبق وفاته، فتألم وتغيّر وجهه، وقال: ليس عندي الآن شيء، لكني أرجو من الله ألا يُضيق عليّ أمراً إلا وسّعه.
والله ما زاد على هذه الكلمة، وأشهد بالله العظيم أنه ما إن انتهى من الكلمة إلا والباب يُقرع، فإذا بأحد أبناء العم من القرابة جاء لزيارة الوالد، وقد كان عليه دين لوالدي -وقد توفي والدي وله على الناس ما لا يقل عن ثلاثة ملايين، وما وقفنا على أحد نسأله ديناً للوالد، ولا نعلم ذلك أبداً من قبل، وفي آخر حياته كان يقول له بعض الناس: ألك حقوق على الناس؟ فيقول: حياتي كلها ما وقفت على رجل أقول له: أدِّ ديني، أبعد أن شابت لحيتي وابيض شعري أَفْعَل ذلك؟ فالشاهد: أنه جاء هذا القريب -انظر إلى تقدير الله عز وجل- ولو واجه الوالد لما قبل منه المال، لكن الوالد كان مريضاً، فأدخلته في غرفة الضيوف، فجاء وقال لي: أُريد أن أسلم على الوالد -وكان مريضاً جداً إذ كانت عليه الحمى رحمه الله، وذلك في اليوم الذي سَبق وفاته- فقلت له: لا يستطيع الآن أن يقابلك، ولو أنك عدت بعد العشاء أو في وقت آخر، فقال لي: سلم عليه وأعطه هذه الرسالة، وكنت لا أدري ما الذي بداخلها -انظر إلى تقدير الله عز وجل- فلو أنه جاء إلى الوالد وأعطاه المبلغ لغضب عليه ورفض قبوله، وأنا أعرف أنه إذا أعان أحداً فلا يأخذ منه بعد ذلك ما أعطاه إياه، ولو وسَّع الله عليه، رحمة الله عليه- فالشاهد: أنه أَعطاني هذا الظرف، وأُقسم بالله العظيم أَن المبلغ الذي فيه هو راتب العمال الثلاثة، لا يزيد ولا ينقص، فجلست مع الوالد وقلت له: فلان يسلِّم عليك، ويقول: هذه الأمانة التي أخذها منك، فتغير وجهه وقال: أمانة ماذا؟ ففتحتها فإذا فيها المبلغ الذي يعادل ألفين وأربع مائة، وهي تُعادل حقوق الثلاثة العمال.
وهذا من أعجب ما رأيت؛ لأن كلمته لما قال: أرجو من الله ألا يضيق عليَّ شيئاً إلا وسّعه، فالدين إذا لم يَسد به حوائج المحتاجين، ويواسي به المكروبين، ويقف به مع الضعفة والمحتاجين، فلاشك أن الأولى الابتعاد عنه ما لم يضطر الإنسان إلى ذلك.
وأما في هذا الزمان فلا شك أن الأمر أضيق، فقد كان أهل الفضل وأهل الكرم وأهل المال -من قبل- يحبون أهل العلم وطلاب العلم، ويواسونهم، لكن اليوم قلَّ أن تجد من يُكرم أهل العلم، وقل أن تجد من يقف عليه طالب العلم في حاجة لأحد إلا أذله وأهانه، ولاشك أن الله يأجُر طالب العلم على هذا، لكن قد تكون النفس عزيزة، فتربأ بالإنسان أن يقف هذا الموقف مخافة أن يكون في ذلك تبعة عليه أمام الله سبحانه وتعالى.
فقد تغير الزمان وفسد، إلا من رحم ربي، وإن كان -والحمد لله- لا يزال هناك بعض أهل الخير، لكن الأمور قد تغيرت، وقد كان أهل العلم معروفين بهذا، وقصة الأوزاعي في ذلك مشهورة، كل هذا تحملوا فيه حقوق الناس، وأياً ما كان فالإنسان عليه أن يبتعد عن الدين ما لم يحتج إليه.
وقد كانت أم المؤمنين ميمونة رضي الله تتدين وتستدين كثيراً، فقيل لها في ذلك، فقالت: ما أترك الدين منذ أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله)، فكانت تعول على أن الله لا يخيبها، ولم يخيبها ربها سبحانه، فقد قُضيت ديونها، وكُفيت حاجتها، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يغنينا من فضله، وأن يكفينا بحلاله عن حرامه.
ولقد بيّن المصنف رحمه الله أنه يُبدأ بالدين وبالحقوق الواجبة، وينبغي على طالب العلم أن ينتبه إلى أن المسألة التي ذكرناها حينما قلنا: أن يكون الذي وصَّى به من الواجبات، أو يكون من المستحبّات، بمعنى: أن يكون الدين ضمن الوصية، فيجعل في وصيته من الثلث، كأن يقول: اقضوا ديني من الثلث، وحجوا عني من الثلث، وتصدقوا بكذا وكذا من الثلث، فلما جئنا نقضي الدين وجدناه سبعة آلاف ريال، ووجدنا -مثلاً- أن الحج عنه بألف ريال، ووجدنا الذي وصى به أربعة آلاف ريال، فأصبح المجموع اثني عشر ألفاً، وكان ثلث ماله عشرة آلاف ريال، وهذه مسألة التقديم، فنقدم الدين، ونقدم الحج، ثم نتصدق بنصف الأربعة آلاف تتمةً للعشرة آلاف ريال، فمسألة التقديم هذه لا تُشكل على طالب العلم؛ لأن الحقوق الواجبة يجب سدادها سواء وصّى أو لم يوص، وإنما أدخلناها في الثلث أولاً إذا نص على أنها تكون ضمن الثلث، فيقول: اقضوا الدين من الثلث، وحجوا عني من الثلث، واعتمروا عني من الثلث، وأدوا ثلاث فديات من الثلث، فيجعلها حقوقاً واجبة.
فحينئذٍ يُنظر فيها على التفصيل الذي ذكرناه في مسألة الثلث، وأما من حيث الأصل فلا إشكال أن الذي يجب هو المبادرة بسداد الدين، سواء وصَّى أو لم يوصِّ.

إخراج الواجب من مال الميت وإن لم يوص به

قال رحمه الله: [ويُخرَج الواجب كله من دين وحج وغيره].
(من): بيانية، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة:1]، فـ (من) هنا بيانية، وقد بين المصنف رحمه الله أن من الواجب الدين، وأن من الواجب الحج، فمثّل للدين بحقوق العباد، ومثّل للحج بحق الله عز وجل، ومن مات ولم يحج حج عنه وليه.
ويجب أن يُستأجر عنه إذا كان الولي لا يريد أن يحج، أو لا يتيسر له الحج، فيُستأجر من يحج عنه، وتدفع له مئونة الحج، ونفقة الحج ذهاباً وإياباً.
ثم إما أن يُحدد موضعاً، فيقول له: حج عني من المدينة، فعند ذلك يجب أن يلتزم بوصيته، وإما أن يكون قد توفي أثناء الحج ولم يكن قد فعل الواجبات، فيوصي أن يكمل عنه، فيُكمل من الموضع، ويكون إحرامه من الموضع الذي توفي فيه، وإما أن يُطلق، فإذا أطلق قال بعض العلماء: إذا وجب عليه الحج وقصّر حتى توفي فيجب الإحرام من الموضع الذي هو فيه؛ لأن الوكيل منزّّل منزلة الأصيل، فلو كان من أهل المدينة فلا يصح أن نقول لرجل من أهل جدة: حج عنه، فيحرم من جدة؛ لأنه وجب عليه وتعين عليه أن يحرم من المدينة، وهو الميقات الأبعد، فلا يحرم من ميقات أدنى إذا وجب عليه من الأبعد، وهذه مسألة صحيحة تشهد الأصول الشرعية بصحتها؛ لأن النائب عن الإنسان في الحج قائم مقامه، وعلى هذا يجب أن يحج عنه من الموضع الذي وجب عليه الحج وقصّر فيه؛ لأن ذمته مشغولة بالحج على هذا الوجه.
وعلى كل حال: يجب أداء الحج عن الميت إذا ترك، سواء وصّى أو لم يوص، وعلم وارثه بذلك.
قال رحمه الله: [من كل ماله بعد موته وإن لم يوص به].
أي: الواجب، فإذا كان الحج حج نافلة، فيُحج من الثلث، ولا يُحج من أصل المال، وينبغي أن تفرَّق بين أمرين: فالحقوق والواجبات والديون تُقضى قبل قسمة المال، أو التركة عموماً، فهي في رأس المال، لكن بالنسبة للوصايا والصدقات، وما خصص شيئاً داخل الثلث، فهذه يتقيد فيها بالثلث، فيُنظر فيها بعد الانتهاء من الوجبات، وهذا هو الفرق بين الأمرين، فبيّن رحمه الله أنه يُقضى الواجب من كل تركته، ويُبدأ به؛ لورود النص في كتاب الله عز وجل بالأمر بكتابة الوصية والدين على قسمة المواريث.
قال رحمه الله: [فإن قال: أدوا الواجب من ثلثي؛ بُدئ به].
وذلك لأن الثلث في الحقيقة يُؤخَّر من حيث الأصل، أي: يؤخر على الدين الواجب، فإذا أدخل الواجب في الثلث بُدئ به، وكونه واجباً ثم جعله في الثلث لا يُسقط ذلك مرتبته؛ بل يبدأ به، وهذا هو مراد المصنف.
فمثلاً: الميت عليه دين عشرة آلاف ريال، فقال: لصالح عليّ عشرة آلاف ريال، أدُّوها من الثلث، فيُبدأ بها، ولا يقال: إنها وصية في الثلث فتوفر، بل يُبدأ بها؛ لأن الدين الواجب يُبدأ به قبل قسمة المواريث، وعلى ذلك فتقدم، وكونها واجبة، وكونه يجعلها في الثلث، لا يقتضي تأخيرها عن مرتبة الوجوب كما ذكرنا.

تزاحم الحقوق الواجبة مع المستحبة في الوصية

قال رحمه الله: [فإن بقي شيء أخذه صاحب التبرع وإلا سقط] قوله: (فإن بقي شيء) بمعنى: إذا كان قد وصَّى بقضاء الدين من الثلث، ووصى بأشياء من الثلث، فإنه سيحدث ازدحام بين الدين وبين الصدقات والهبات، فلو قال: اقضوا ديني من الثلث، ووصيت لمحمد ابن عمي بعشرة آلاف ريال، ثم وجدنا الثلث عشرين ألفاً، والدين الذي عليه خمسة عشر ألف ريال، فمعنى ذلك: أننا سنعطي ابن عمه خمسة آلاف، فسقط ما زاد على الثلث، ونعتبر الدين مقدماً، فهذا أول شيء نقوم به؛ لأنه واجب، ثم بعد ذلك تعطى الوصية؛ لأن الاحتمال الذي جعل أهل العلم ينصّون على هذه المسألة: أنه قد يقول قائل: فلننقل الحقوق الواجبة إلى أصل التركة، ونبقي الثلث حتى ننفذ الوصايا، فنقول: هذا لا يصح، فما دام أنه أدخل الدين ضمن وصيته بالثلث فيجب التقيد بذلك، ثم يُعطى المستحب والنوافل بعد الواجب، فصارت المسألة راجعة إلى المسألة التي ذكرناها، وهو أنه لا يُعطى المستحب مع وجود ما هو أوجب وآكد منه، فرجعت إلى الأصل وهو: البداءة بالواجبات قبل المستحبات والصدقات.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل ما تعلمناه وعلمناه خالصاً لوجهه الكريم، نافعاً يوم لقائه العظيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

شرح زاد المستقنع -

باب الموصى له

يشرع لمن ترك ذرية ضعفاء وخشي عليهم بعد موته، أن يختار شخصاً مسلماً عاقلاً بالغاً حراً عدلاً، ويوصي إليه ليقوم بأمرهم، وبتفريق الأموال حسب الوصية، ويجوز للمرأة أن تكون وصية على اليتامى وعلى الأموال.
كما أن الوصية تصح لكل من يصح أن يملك، حتى وإن كان حملاً تحقق وجوده، ولا تصح الوصية لملك من الملائكة أو لحيوان أو لميت؛ لأنه لا يصح تملكهم.

مشروعية الوصية بالذرية إلى من يقوم عليهم ويرعاهم

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه وعلى أفضل رسله، سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الموصى له].
شرع المصنف رحمه الله في هذا الباب في بيان ركن من أركان الوصية، وهو الشخص الذي يوصى له ويُعهد إليه، والوصية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: يتعلق بالوصية بالأموال.
القسم الثاني: يتعلق بالوصية بالأيتام والضعفة الذين يخلفهم الإنسان من وراء ظهره، كقرابته الذين يحتاجون إلى رعاية وعناية.
فأما بالنسبة للأموال، فيُوصَى للشخص أن يأخذ ذلك المال، ويُوصَى للشخص أن يقوم بتفريق الأموال، ولابد في هذا الوَصِي -الذي أُقيم لتفريق الأموال أو لرعاية اليتامى والقيام على حقوقهم والإحسان إليهم من بعد أبيهم- أن تتوفر فيه أمور، ومن خلال هذه الأمور يمكن أن تتحقق المصالح التي من أجلها شرع الله الوصية، وكذلك تندرئ المفاسد والشرور التي شرع الله الوصية لدرئها ودفعها، والله سبحانه وتعالى ما ترك خيراً إلا ودل عباده عليه، وما ترك شراً إلا وحذرهم منه.
والأصل في الوصية للأشخاص الذين يقومون برعاية اليتامى وبتفريق الأموال ممن يوثق بدينه وأمانته قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِين لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:9]، فبينت هذه الآية الكريمة أن على كل مسلم حضره الموت، أو كان في عافية ولكنه يخشى أن يدهم عليه الأجل -وليس هناك أحد يضمن عمره- أن يتقي الله في هؤلاء اليتامى.
والإنسان لا يضمن -ولو كان في عز شبابه واكتمال صحته وعافيته- أن ينزل به أمر الله في ليل أو نهار، ولذلك من وُلِد له فليتق الله في مولوده ولو كان صغيراً؛ لأنه لا يضمن أن يعيش له، فأمر الله تبارك وتعالى من خشي على ذريته من بعده: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِين لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:9]، فوصف الذرية بأنها ضعيفة، ووصف الشخص بأنه يخاف، إذاً: تكون الذرية ضعيفة إذا كانت من اليتامى، سواء كانوا ذكوراً أو كانوا إناثاً، واليتم في الأنثى أشد منه في الذكر، فلذلك قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِين لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّة ضِعَافًاً﴾ [النساء:9] أي: أولاداً ضعافاً، بخلاف ما إذا كان هؤلاء الأولاد عندهم إخوة كبار، وهم بالغون وفيهم أمانة، فيمكنهم أن يقوموا مقام الآباء، ويسدوا مسده في رعاية إخوانهم القصّار واليتامى.
فأولاً: أن تكون الذرية ضعيفة لا تملك لنفسها حولاً ولا قوة.
ثانياً: أن يخشى هذا الرجل على هذه الذرية، وفي بعض الأحيان تكون الخشية بسبب عدم وجود قريب يقوم عليهم، فيخشى على أموالهم أن تُؤكل، ويخشى على حقوقهم أن تَضيع؛ بل ربما خشي على أعراضهم أن تنتهك، وهذا لاشك أنه يتأكد خاصة عند فساد الزمان وتغيُّر الناس.
بل قد يخشى الإنسان من أقرب الناس منه، فكم من عم وكم من أخ أكل أموال قرابته! وكم من أيتام ضاعوا بسبب اعتداء أعمامهم على أموالهم! وكم من أيتام ضاعوا بسبب اعتداء إخوانهم على تلك الأموال! فإذا كان الأب يعلم أن ابنه الأكبر أو أن أبناءه الكبار فيهم قسوة، وفيهم جُرأة على حدود الله عز وجل، أو كراهية لإخوانهم القصار؛ فعليه أن ينتقل حتى ولو لشخص أجنبي غريب يأمنه.

شروط يجب توافرها في الوصي

ولا بد أن تتوفر في هذا الشخص الأمور التي ينبغي مراعاتها في كل من يقوم بهذه الولايات؛ من جهة الدين ومن جهة الدنيا، فهناك أمور من جهة دينية، وهناك أمور من جهة دنيوية.
أما من أوصي إليه بالقيام على اليتامى ونحوهم، فمن الأمور التي تشترط فيه من ناحية دينية: أولاً: الإسلام، فلو أنه لم يجد في أبنائه الكبار من يحسن النظر لليتامى من أولاده، ووجد أخاه، ولكن أخاه كافر، فلا يجوز أن يقيم الكافر وصياً على الأيتام المسلمين، بأي حال من الأحوال؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِين عَلَى الْمُؤْمِنين سَبِيلًا﴾ [النساء:141]، والذي يوصي إلى الكفار قد جعل السبيل للكافر على المسلم بالولاية عليه، وقال سبحانه وتعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانةً مِن دُونكُمْ لا يَأْلُونكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِن أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:118]، وما عرّف أحدٌ بعدوٍ مثل تعريف الله جل جلاله لعباده المؤمنين بأعدائهم، ولذلك يقول في كتابه: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ [النساء:45].
فبيّن سبحانه وتعالى أن الكافر لا يراعي مصلحة المسلم مهما كان الأمر، إلا إذا كان هناك ضرر أكبر، أو كان هناك خديعة أو مكر، والله عز وجل ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِين﴾ [الأنعام:57].
فلن تجد أصدق منه حديثاً، ولا أصدق منه قيلاً، ولا أصدق منه حكماً، ولذلك قال تعالى: ﴿لا يَرْقُبُون فِي مُؤْمِن إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:10]، والإل: هو القرابة، والذمة: هي العهد، فالكافر لا يرقب في المؤمن إلاً ولا ذمة، إلا إذا كانت له مصالح، فعندها يخاف من المصلحة أن تفوت، لا مراعاة للإل ولا للذمة، فليس عندهم عهد ولا ذمة، فالمقصود: أن الله تعالى لم يجعل للكافر على المؤمن ولاية لهذه النصوص.
ولما ولى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه كاتباً له نصرانياً -وكان بالشام- لأنه لم يجد في المسلمين من يحسن له الكتابة وتنظيم الكتابة، فعهد بذلك إلى نصراني من أهل الشام، فبلغ عمر ما فعله، فكتب إليه بهذه الآية: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانةً مِن دُونكُمْ لا يَأْلُونكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنتُّمْ﴾ [آل عمران:118]، فقوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنتُّمْ﴾ [آل عمران:118] أي: ودوا عنَتَكم، وهذا يدل على أنه لا خير فيهم، فلا يجوز أن يكون الكافر وصياً على الأيتام، ولا قائماً على شئونهم؛ لهذه النصوص.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الإسلام يعلو ولا يُعلا عليه)، واليتيم المسلم كالمسلم؛ لأن هذا عند العلماء مُقعَّد على القاعدة المشهورة التي ذكرها الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله في كتابه: قواعد الأحكام، التي هي: (تنزيل المعدوم منزلة الموجود)، فأيتام المسلمين محكوم بإسلامهم تبعاً لوالديهم.
الشرط الثاني: العقل، فلا يعهد لأولاده وأيتامه وذريته من بعده ولا يُوصِي لشخص مجنون؛ لأن المجنون لا يُحسن النظر لنفسه فضلاً على أن ينظر في مصلحة غيره؛ ولأن الشريعة الإسلامية إنما جعلت الوصية على اليتامى من أجل طلب مصالحهم ودرء الشرور -بإذن الله- عنهم، وهذا لا يمكن أن يتحقق بمن فقد العقل، حتى لو كان جنونه متقطعاً فإنه لا يقام وصياً؛ لأنه لا يؤمن منه الضرر.
الشرط الثالث: أن يكون بالغاً؛ لأن الصبي لا يُحسن النظر، وفيه كذلك قصور، قال تعالى في كتابه: ﴿َالَّذِين لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ [النور:58]، فبيّن أن الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم دون العقل والتمييز والإدراك للأمور، فلو أُقيم صبي وصياً على يتامى، أو وصياً على أموال في تفريقها؛ فإنه لا يُحسن النظر، ولربما خُدع وضحك عليه لنقص عقله.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رفع القلم عن ثلاثة -وذكر منهم-: الصبي حتى يحتلم) أي: حتى يكتمل عقله ويُحسن النظر بفضل الله عز وجل، ثم بهذا العقل الذي يميز فيه بين الأمور صالحها وضارها.
الشرط الرابع: أن يكون حراً؛ لأن العبد المملوك بيّن الله تعالى أنه مشغولٌ بخدمة سيده؛ ولأنه لا ولاية له على نفسه، فكيف يلي على غيره؟ الشرط الخامس -في الوصي الذي يوصَى إليه بالقيام على أمور اليتامى-: أن يكون من أهل العدالة، والعدل هو الذي يجتنب الكبائر ويتقي في أغلب أحواله الصغائر، قال الناظم.
العدل من يجتنب الكبائرَ ويتقي في الأغلب الصغائرَ فالعدل هو الذي استقام على طاعة الله تبارك وتعالى، والتزم شرائعه، وفعل ما أمره الله به، وترك ما حرّم الله عليه، والفاسق هو من يرتكب الكبائر -ولو كبيرة واحدة- أو يصر على صغيرة حتى تصل إلى مقام الكبيرة، فمثل هذا يقولون: كما أنه ضيع حق الله بفسقه؛ فإنه سيضيع حقوق اليتامى؛ لأن أصل الفسق: الخروج عن الشيء، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت قشرتها، والفاسق سُمِّي فاسقاً لأنه قد خرج عن طاعة الله عز وجل، فإن خرج خروجاً كلياً -والعياذ بالله- بالكفر فهذا فسق الكفر، وإن خرج خروجاً لا يخرجه عن الملة، فهذا فسق العصيان الذي لا يوصل الإنسان إلى حد الكفر.
فمثل هذا الذي يفعل الكبائر وفيه فسق لا يؤمن أن يضيع حقوق اليتامى ويتلاعب بها، فربما قبل الرشوة، فباع أموال اليتامى بثمن بخس، أو باعها حين يكون البيع ضرراً على اليتامى، أو يشتري حيث يكون الشراء ضرراً على اليتامى.
فالمقصود: أنه بفسقه فيه تهتك وفيه تساهل، فلا يؤمن منه أن يضيع حقوق هؤلاء اليتامى، وحينئذٍ يكون مقصود الشرع تحقيق المصالح، فتكون ولايته مضيِّعة لمقصود الشرع.
هذا من جهة الأمور التي ينبغي توفرها في الشخص الذي يُوصَى إليه.

أمور يستحب توافرها في الموصي

وهناك أمور تُستحب في الموصي، وينبغي لمن يُوصِي أن ينظر إلى الأكمل والأفضل؛ ومن هذه الشروط المستحبة: أولاً: ألا يخرج عن القرابة، فإذا أراد أن يوصي لأيتامه فيبدأ بأقرب الناس إليه، ممن يُحسن النظر؛ لأن القريب في الغالب فيه شفقة القرابة، ويخاف من الله جل وعلا أكثر؛ لأن القرابة تدعو إلى الشفقة وإلى الرحمة، فإذا كان هناك من أقربائه من يمكن أن يقوم بالنظر في عياله وأولاده وأيتامه من بعده، فلا يعدل إلى الغريب، ولا ينتقل إلى الأجنبي، ولأنه ربما احتاج الوصي أن يخاطب أمهم، ولربما احتاج أن يختلط باليتامى، فعندما يكون من الأقربين يكون ذلك أخف على أولاده وأيتامه وأجبر لقلوبهم، بخلاف ما إذا كان أجنبياً فإنه يكون أدعى إلى التُّهَم، ويكون في ذلك من التضييق والعنت ما الله به عليم، فيبدأ بالأقرباء قبل الغرباء.
ثانياً: من أهم ما ينبغي أن ينتبه له بعد هذه الشروط الدينية هو مراعاة الأمور الدنيوية المهمة التي من أهمها: حُسن النظر في الأمور؛ فإن الله عز وجل فضل الناس بالعقول، وفضّلهم بحسن النظر، فهذا العقل هو الذي ارتقى الإنسان به من مستوى البهيمية إلى مستوى الآدمية والتكريم من الله جل وعلا، وهو نور من الله سبحانه وتعالى تنكشف به حقائق الأمور، فيميِّز الإنسان بهذا العقل بين الصالح وبين الضار، ولذلك تجد من فقد عقله بسكر أو جنون -والعياذ بالله- يكون حاله في بعض الأحيان أردأ من حال الطفل، ولربما ذهب ورمى بنفسه في النار، مع أن البهيمة إذا رأت النار فرت منها، ولكنه ربما جاء في حال سكره وحال ذهاب عقله -والعياذ بالله- فيرمي بنفسه، ولربما قتل نفسه والعياذ بالله، فالعقل من أتم النعم التي أنعم الله عز وجل بها على العبد بعد نعمة الدين، ولذلك وصف الله الدين مع العقل بأنه نور على نور.
فإذا جاء الإنسان يوصِي بقرابته وأوليائه إلى شخص فعليه أن ينتبه لهذه الجوانب المهمة من اكتمال العقل، فقد يكون عاقلاً ولكنه غير مكتمل العقل، فينظُر إلى الشخص الذي عُرف بسداد الرأي، فمثلاً: إذا كان الذي يريد أن يوصي غنياً ثرياً، فينبغي أن يتنبه إلى جانب حفظ المال وتنميته، فإذا وُجد الشخص المعروف بحسن النظر في تنمية الأموال واستثمارها عهد إليه بالقيام على أمواله؛ لأن مال اليتيم يحتاج إلى ذلك، وهذا أكمل وأفضل، فيُحفظ المال وينمو، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (اتّجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة).
فندب إلى أن يكون الولي ممن يُحسن النظر في استثمار الأموال وحسن رعايتها، وهذه المرتبة مرتبة الأحسن والأكمل، أما إذا لم يجد الموصي من يُحسن تنمية أموال أيتامه؛ فليبحث عن الشخص الذي عُرف بالحيطة والحذر والخوف في حفظ الأشياء، وله أن يختبره حتى يعلم أمانته وحفظه، حتى إذا لقِي الله جل جلاله ووقف بين يدي الله وأبناؤه خصومه فيمن ولاّهم عليه يقول: رضيت لهم ما أرضاه لنفسي.
فعليه أن يَنْظُر وكأنه يتيم من هؤلاء اليتامى، فينظر الذي يُرضَى في حفظه ورعايته لهذه الأموال، سواء كان من القرابة أو من غيرهم.
فالإنسان عندما لا يجد من يُحسن الاستثمار، أو وجد رجلاً يستثمر الأموال ولكنه يخاطر في استثماراته، ووجد شخصاً غيره لا يستثمر، لكنه إذا أمسك شيئاً حفظه حتى يؤديه على أتم وجوه؛ فحينئذٍ تجتنب جانب المخاطرة، وتعهد بأبنائك إلى من عُرف بالحفظ، فالحفظ حسن والاستثمار أحسن، لكن حينما كان الاستثمار فيه مخاطرة وصاحبه لا يُعرف بالحذر، فتعدل إلى من يعرف بالحفظ؛ لأن المسلم لا يخاطر لنفسه، فكذلك لأيتامه الذين أُمر بالنظر في مصالحهم.
كذلك أيضاً عليه أن يبحث في الأمور الدنيوية من ناحية أخلاق الرجل في دينه وحسن معاملته؛ لأن أيتامه من بعده ربما احتاجوا أن يدخلوا على هذا الرجل المرة بعد المرة، وقد يكون الرجل فظاً غليظاً، فقد تجده يحسن حفظ الأموال أو استثمارها، لكن أخلاقه شرسة ومعاملته سيئة؛ فيعيش اليتيم تحت القهر، فلا يستطيع أن يبث حاجته وأن يبث حزنه، ولا يستطيع أن يسأل حاجته، أو أن يصل إلى ماله ومالُه بين يديه، فلا ينبغي أن يولي عليهم من عُرف بالشدة والأذية والتضييق، وإنما يُراعي فيه الأخلاق الطيبة، والتواضع والإلف والحلم والرحمة، ويوصيه بتقوى الله عز وجل، وحسن النظر في أيتامه وأولاده من بعده، وقد كان السلف الصالح رحمهم الله يحتاطون في هذا الأمر كثيراً.

حكم وصية الرجل إلى المرأة بالقيام على الأيتام والأموال

ويجوز أن تُولّى المرأة، فإذا كانت زوجة الإنسان معروفة بالصلاح والأمانة، ومعروفة بالرعاية والضبط التام لأموال اليتامى، وكذلك برعايتها؛ عهد إليها؛ لأن المرأة -على أصح أقوال العلماء- يجوز أن تلي وأن يُوصَى إليها برعاية الأيتام، وكذلك بحفظ المال وتفريقه، والدليل على ذلك فعل السلف، فإن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تولت أمور أيتام أخيها عبد الرحمن رضي الله عنه وأرضاه؛ لأنه توفي قبلها، فوَلِيت أمور أيتامه من بعده؛ فكانت هي التي تقوم على شئونهم وترعى أحوالهم.
وكذلك صح عن عمر رضي الله عنه -كما في الصحيحين- أنه عهِد بالوقف الذي أوقفه بخيبر -وقد تقدم معنا- وأوصَى أن تكون بنته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها هي التي تليه على الوقف.
فدل ذلك على أنه يجوز أن يُوصَى بتفريق الأموال إلى المرأة، قياساً على فعل عمر في الوقف، وبرعاية الأيتام نصاً في خبر أم المؤمنين عائشة، حيث وقع فعل هذا بحضور الصحابة وبعلمهم رضي الله عنهم ولم يُنكر عليها ذلك، وهي من فقهاء الصحابة رضي الله عنها وأرضاها.
وقد شدد في هذا بعض السلف، فكان عطاء بن أبي رباح رحمه الله لا يرى أن يُوصَى للمرأة، والصحيح: أنه يجوز ويصح أن يُوصِي للمرأة، وخاصة إذا عُرفت بالأمانة والحفظ وحسن الرعاية والتدبير لأموال أيتامه من بعده.

اشتراط كون الموصى له يصح تملكه

يقول رحمه الله: [باب الموصى له] أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بالشخص الذي يُوصَى له، فيُعهد إليه برعاية أيتامٍ أو تفريق مال، أو يُوصَى له مباشرة بأن يقال: أعطوا محمداً عشرة آلاف، أو أعطوه الثلث، أو نحو ذلك، فإنه يشمل هذا ويشمل هذا، فهناك يكون موصَىً له، وأيضاً يعتبر وصِياً من جهة كونه قائماً بالرعاية للمال والأيتام.
قال رحمه الله: [تصح لمن يصح تملكه].
إذا وصَّى بمال فلابد أن يكون الشخص الذي يُوصَى له ممن يصح تملكه للمال، فإن كان ممن لا يصح تملكه للمال؛ كالمعدوم، كأن يقول: أعطوا ابن فلان، ولم يولد له بعد، وليس هناك حمل تحقق وجوده، فهذا غير موجود.
وكذلك أيضاً بيّن أنه لا بد أن يكون ممن يصح تملكه، فيُوصَى للشخص الذي يكون أهلاً للولاية على المال، وكذلك استحقاقه.
فأما إذا كان لا يصح تملكه للمال؛ مثل الحربي، فلو وصى بماله لحربي فلا يصح تملكه للمال، ولا تجوز الوصية له؛ لأن أموال الكفار ملكٌ للمسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: (فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم).
فدلّ هذا على أن الحربي -أي: المحارب للمسلمين من الكفار إذا لم يفعل ذلك، فمعناه أنه لم يسلم، وأنه باقٍ على محاربته للمسلمين؛ وحينئذ لا استحقاق له في المال، فلو قال: وصّيت لأخي فلان بعشرة آلاف، وكان أخوه حربياً كافراً، لم يصح؛ لأنه ليس له يد على ذلك المال؛ لأن الشريعة رفعت يد الكافر عن ماله إذا كان محارباً.
وقوله: (تصح) أي: الوصية (لِمَن) أي: للشخص الذي (يصح تملكه)، فلو قال مثلاً: وصَّيت لبهيمة، فإنه لا يصح تملكها، وكذلك أيضاً لو قال: وصّيت لملك من الملائكة، فلا يصح تملك هؤلاء؛ لكن إذا وصَّى لشخصٍ معين يصح تملكه صحّت الوصية؛ لأن الوصية يراد منها إيصال الحق إلى شخص، سواء كان ذلك على سبيل الصلة والبر، أو على سبيل المحاباة وكسب المودة، وهذا المعنى لا يتحقق فيمن لا يصح تملكه، كالبيهمة، والملك، والحربي، ونحوهم.
وظاهره العموم كما ذكر المصنف، فيشمل الذكر والأنثى، ويشمل الصغير والكبير، فيصح أن يوصي بماله لصغير فيقول مثلاً: ثلث مالي وصية لذلك الولد، ولو كان دون البلوغ، وهكذا لو وصَّى لحملٍ تحقق وجوده فإنه يصح تملكه.
فعلى هذا لا بد أن يكون الشخص الذي يُوصَى له ممن يصح تملكه، ويشمل ذلك الرجال والنساء كما ذكرنا.

حكم الوصية بالمال للعبد

قال رحمه الله: [ولعبده بمشاع كثلث].
أي: وتصح الوصية لعبده بمشاع كثلث، كأن يقول: ثلث مالي لعبدي فلان، وذكر العبد هنا؛ لأن الإشكال في العبد أنه بعد وفاة سيده يكون ملكاً للورثة، فإذا وصّى له فإن جميع ما يوصَى به لهذا الرقيق سيكون إلى الورثة، فصارت الوصية في ظاهرها لغير وارث وفي حقيقتها أنها لوارث، ومن هنا يذكر العلماء مسألة الرقيق من هذا الوجه، ومرادهم التمثيل على وصية في ظاهرها للغير ولكنها في حقيقتها آيلة إلى الورثة.
لكن إذا قال: وصّيت بثلث مالي لفلان، من أرقائه وعبيده، أو قال: أوصيت أن يُعتق فلان من ثلثي ونحو ذلك، فحينئذٍ يُنظر، فإذا استغرق الثلث الذي وصِّى به قيمة العبد فهو حر، فلو كانت قيمته تسعة آلاف ريال، وكان قد ترك سبعة وعشرين ألفاً، فالثلث تسعة آلاف، فحينئذٍ يعتق من هذا الثلث، وأما إذا كان زائداً فحينئذٍ يعتق ويملك ما زاد، فلو قال: وصيت بثلثي لمحمد -وهو من عبيده- والثلث تسعة آلاف، وقيمة الرقيق ثلاثة آلاف؛ عتق بالثلاثة وملك ستة آلاف؛ لأنه تكون له يد على المال، وحينئذٍ يعتق ويملك.
قال رحمه الله: [ويعتق منه بقدره ويأخذ الفاضل].
قوله: (ويأخذ الفاضل) الفاضل هو الزائد، يقال: فضل الشيء إذا زاد، ومنه فضلُ الإنسان، إذا كان محافظاً على الطاعة؛ لأن الطاعة والبر إذا كانت غير واجبة فهي فضل وزيادة على الواجب.
قال رحمه الله: [وبمائة أو معين لا تصح له].
فإن عيّن وقال: بمائة درهم، أو أوصيت له بألفٍ، فهذه المائة أو الألف ستعود إلى الرقيق وليست في رقبته، وإنما تعود ملكاً له، وبمجرد ما تقع يده على ذلك المال سينتقل إلى ورثة الموصِي، فكأنه يوصي إلى ورثته؛ لأن الرقيق لا يملك، والدليل على أنه لا يملك قوله تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل:75]، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع)، فأخلى يد الرقيق عن الملكية، وجعل ماله إما للبائع وإما للمشتري، فدل على أنه لا يملك.
وعلى هذا فلو وصّى له بمعيّن -كمائة أو ألف أو ألفين- فهذا المعين بمجرد أن تحكم بصحة الوصية سيدخل إلى ملكية العبد، والعبد وما ملك سيكون لسيده، فهو في الحقيقة سيؤول إلى وصية لوارث، بخلاف ما ذكرناه في مسألة المشاع والثلث.

صحة الوصية بحملٍ أو لحملٍ تحقق وجوده

قال رحمه الله تعالى: [وتصح بحمل ولحمل تحقق وجوده].
قوله: (وتصح بحمل)، أي: إذا وصّى بحمل جاريته؛ لأن الحمل يكون من الرقيق تبعاً لأمه.
أو يكون الحمل حمل ناقة أو حمل شاة، فقال: ما في بطن هذه الشاة -والحمل موجود- يُعطى لمحمد أو يُعطى لعلي، فهذه وصية منه بهذا الحمل، فتصح الوصية بحمل.
وقوله: (ولحمل تحقق وجوده قبلها)، أي: قبل الوصية، فالضمير عائد للوصية، إذاً: يُشترط أن يُتحقق من وجود الحمل قبل الوصية حتى تصح الوصية؛ لأنه إذا لم يُتحقق من وجود الحمل قبل الوصية كانت لمعدوم، ولا تصح حينئذٍ الوصية من هذا الوجه، فإذا وصى لحمل كأن يكون -مثلاً- ولد أخيه، أو أخته، فيقول مثلاً: وصيت بألف ريال تُعطى لحمل فلانة، فيشترط في هذا الحمل أن يُتحقق من وجوده حتى تصح الوصية، وقد يوصي للحمل لأنه سيكون يتيماً، كأن توفي أخوه وزوجته حامل، فأحب أن يصل أولاد إخوانه من اليتامى، فقال: أُوصِي بثلث مالي لحمل فلانة، يقصد زوجة أخيه.

إذا أوصى أن يحج عنه بمال يكفي لأكثر من حجة

قال رحمه الله: [وإذا أوصى من لا حج عليه أن يحج عنه بألف؛ صرف من ثلثه مئونة حجة بعد أخرى حتى ينفد].
الإنسان إذا وصى بالحج أو بالعمرة، فإما أن يكونا واجبين عليه، وإما أن يكونا غير واجبين، فإن كانا واجبين فلا إشكال، فإنها ستُخرج سواء وصى أو لم يوص؛ لأن دين الله أحق أن يُقضى؛ ولكن إذا وصّى وقال: حجوا عني، فإن حدد مالاً فقال: هذه العشرة آلاف يُحج بها عني، أو ثلث مالي يحج به عني، فحينئذٍ نأخذ هذا الثلث كاملاً نُحجج عنه، فإذا حججنا عنه لم يخلُ من حالتين: فإما أن يكفي الثلث، وإما أن لا يكفي.
فإن كان الثلث كافياً فعلى ضربين: إما أن يكفي ويزيد، وإما أن يكفي ولا يزيد.
فإن كان يكفي ولا يزيد فلا إشكال، مثال ذلك: لو أنه قال: خذوا من مالي ألف ريال وحجوا بها عني، ثم جئنا لشخص وقلنا له: أتحج عن فلان؟ قال: نعم، فنظرنا في مئونة الحج وكلفته فإذا هي ألف ريال؛ فحينئذٍ وصّى بمال يكفي للحج ولا يزيد، فحينئذٍ لا إشكال.
الحالة الثانية: أن يكفي ويزيد، فإذا كفى المال وزيادة؛ حُج عنه بالأصل، ثم كُرِّر الحج سنوات حتى ينفُد المال كله؛ لأن هذا المال شبه الموقوف على هذه الطاعة، فيحجَّج بهذا المال عنه.
لكن الإشكال إذا كان المال يكفي لأربع حجج، فهل تكون هذه الأربع الحجج متتابعة، بحيث نحج عنه في أربع سنوات، أو يُمكن أن يُستأجر أربعة أشخاص في حجة واحدة؟ هذا فيه تفصيل عند بعض العلماء، فبعض العلماء يقول: لا يُحج عن الميت إلا حجة واحدة؛ لأن البدل آخذ حكم مبدَله، كما أنه لا يمكن أن يأتي بحجتين في عام واحد؛ فكذلك لا يصح أن يُحجّج عنه حجتين في عام واحد؛ ولأننا لو فتحنا هذا الباب في باب النوافل لصح أن يأتي هو بحج ويستأجر الغير معه ليحج أيضاً عنه، على القول بجواز التنفل عن الحي مع القدرة، وهذا من حيث النظر صحيح، ومن حيث الأصل أيضاً له وجهه.
وبعض العلماء يقول: بل يمكن أن يُحجّج عنه أربعاً أو خمساً في زمان واحد على حسبه، فمثلاً: لو ترك خمسة آلاف، وكل ألف ريال تكفي لحجة عنه، فبعض العلماء يقول: أستأجر خمسة أشخاص؛ وذلك لأنني لا أضمن في العام القادم أن تكون الحجة بألف، وقالوا: إنه يجوز في الأموات بعد موتهم ما لا يجوز للإنسان في حال حياته، فيخفف في هذا من هذا الوجه.
وأياً ما كان فكلا القولين له وجهه، وما ذكرناه من أنه لا يُجمع بين الحجتين في عام واحد له قوة.
هذا بالنسبة إذا كانت تكفي وزيادة، والحكم الذي يهمنا أنه ما دام قد قال: ثلث مالي يصرف في الحج، أو هذه الألف يُحج بها عني، فإن هذا المال كله يُنفق في الحج، ولا نقتصر على حجة واحدة إلا إذا قال: خذوا من ثلث مالي حجة واحدة؛ أو عمرة واحدة، فحينئذٍ يُقتصر على ما طلب وسأل، ويُصرف من المال بقدره.
أما إذا كان لا يكفي أن يُحج عنه، فبعض العلماء يقول: إنه يُنظر إلى أقرب الأماكن؛ لأنه لا يمكن أن يُحج عنه من بلده ومن مكانه، ويمكن أن ينظر إلى أقرب الأماكن، كأن يُستأجر شخص من أهل مكة ويَحج عنه، أو يُنظر ممن يرضى بالقليل ويقوم بالحج عنه، وأياً ما كان فإن المال الذي عين للحج مصروفٌ في ذلك الحج، إلا إذا تعذر الوجود وتعذّر من يحج عنه، فحينئذٍ يُنتظر حتى يُتمكن من صرف ذلك المال في الحج.
وقوله: (صرف من ثلثه مئونة حجة بعد أخرى حتى ينفد)، أي: حتى ينفذ الثلث؛ لأنه لم يخص حجة واحدة، ولا عمرة واحدة، لكنه لو خص وقال: يُحج عني حجة واحدة، أو يُحج عني السنة القادمة، أو يُحج عني حجتين، فحدد وعيّن، فيتعين الحكم ويختص الحكم بما عُيِّن من أجله، أما إذا كان قد أطلق فإننا نستنفد الثلث كاملاً، ولو شمل ذلك عشر حجج، لكن على التفصيل الذي ذكرناه.

حكم الوصية للملائكة أو للبهائم أو للميت

قال رحمه الله: [ولا تصح لملك وبهيمة وميت].
فلا تصح الوصية لمَلَك، كأن يقول مثلاً: هذه الألف لجبريل، فلا تصح الوصية، وهذا من الأمور المبتدعة التي يفعلها أهل الجهل، مثلما يقول بعضهم: وهبت ثواب قراءتي وصلاتي إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا يقال له: أنت وصلاتك وعبادتك كلها في ميزان حسنات النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى جعل له أجر الأمة كلها، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (من دعا إلى هدى كان له أجره)، فذلك تحصيل حاصل.
وقد قرر الأئمة رحمهم الله أن هذا من الأمور المستحدثة على المسلمين، فالثواب حاصل، ومقام النبي صلى الله عليه وسلم أعلى وأرفع من أن تتصدق عليه بحسنة ذكر أو طاعة، فمقامه بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه أجل وأكرم عليه الصلاة والسلام.
فالمقصود من هذا: أنه لا يوصَى لملك، ولا لبهيمة، فمثلها لا يملك؛ لأنه يتعذّر هذا الإيصال، وهكذا إذا كانت لمُبهم، كقوله: أوصي لرجل؛ قال طائفة من العلماء: لا تصح؛ لأنه لا يمكن الإيصال، فمن هو هذا الرجل؟ لا يمكن تعيينه، ففي هذه الحالة يتعذّر الإيصال إلى الملك، والمبهم يتعذر التعيين ما لم يعين هو، والأصل يقتضي أن تكون الوصية واضحة، وأن تكون بيّنة معلومة.
وقوله: (وبهيمة)، كقوله: أوصي لبهيمة، مثلما يقع عند أهل الكفر والعياذ بالله، فيترك ورثته عالة يتكففون الناس، ويوصي بملايينه لكلبه، نسأل الله السلامة والعافية! وصدق الله جل جلاله حيث يقول: ﴿إِن هُمْ إِلَّا كَالأَنعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:44]، فبمجرد ما يخرج الإنسان عن الدين ويترك شرع ربه؛ فإنه ينزل إلى مستوى أحط من البهيمة: ﴿إِن هُمْ إِلَّا كَالأَنعَامِ﴾ [الفرقان:44]، وليس هذا فقط: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:44]، فهم أضل سبيلاً وأضل فكراً، وهل من عنده عقل يوصي لبهيمة؟! فالكلب عندهم -أكرمكم الله- أحب وأكرم من صلة القرابة؛ لأنها مجتمعات مدمرة منحطة، ولو مُدحت وأُثني عليها ووضعت في السماء، لكن هذا كله خلاف الحقيقة، ولذلك من أراد الحقيقة والجوهر فلينظر إلى عظمة هذا الدين، وعظمة هذا الإسلام الذي بُعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فهو العز والكرامة.
فالوصية للكلاب وللبهائم لا يفعلها إلا إنسان ليس عنده عقل، ولو وصّى لبهيمة لم تصح، والوصية للكلاب ولدور الكلاب ولدور الحيوانات لا تصح.
لكن في بعض الأحيان يقول بعض العلماء: إذا جعل قدراً من بستان أو من طعام عنده صدقة على بهائم المسلمين، أو علفاً لدواب المسلمين، أو علفاً لدواب الجهاد في سبيل الله ونحو ذلك، فهذا اغتفره العلماء رحمهم الله، وله وجهه.
لكن أن نقول: هذه العشرة آلاف أعطوها الكلب الفلاني، أو ضعوها في رصيده -والعياذ بالله- في البنك، فهذا لا يصح في شريعة الله عز وجل، والشريعة قد أعطت كل ذي حق حقه.
ولذلك يُصرف المال في وجهه، لكن عند العلماء إشكال فيما إذا وصى مثل هذه الوصايا، فهل تبطل الوصية من أصلها، أم أنه ينظر إلى جهة يمكن أن تصحَّح بها الوصية، فتصرف لضعفة المسلمين ولفقرائهم؟ نقول: هذا فيه تفصيل عند أهل العلم رحمهم الله باختلاف أنواع الوصايا، ومن أمثلتها: الوصية إلى ما لا نفع فيه، أو الوصية إلى ما فيه ضرر، فلا تجوز الوصية إلى دور فيها محرمات، فهل تبطُل الوصية من أصلها أو تصرف، فبدلاً من أن تذهب إلى دور المحرمات تذهب إلى دور المساجد وإلى دور العلم؟ اختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه إِذا وُصِّي بها -مثلاً- إلى طوائف ضالة، أو إلى ملل أو نِحل، كأن: وصَّى بماله -والعياذ بالله- في المساهمة في بناء الكنائس، أو طبع التوراة أو الإنجيل، فلا تصح؛ لأنها وصية بضلال، فيقولون: إنه قد يكون جاهلاً ويظُن أن الطاعة في مثل هذا، فننظر إلى الطاعة الحقيقية فنصحح وصيته؛ لأن القاعدة: أن الإعمال أولى من الإهمال.
ومن أهل العلم من قال: تبطل الوصية من أصلها ولا تصحّح، فعند العلماء هذا التفصيل في هذه المسألة.
وهكذا لو وصَّى لميت فلا يصح؛ لأن الوصية يشترط فيها القبول، والميت يتعذر منه القبول.

حكم من وصى لحي وميت يعلم موته أو يجهله

قال رحمه الله: [فإن وصى لحي وميت يَعلم موته فالكل للحي].
إذا وصى الموصي فقال: هذه عشرة آلاف من ثلثي، تعطون زيداً خمسة آلاف وعمراً خمسة آلاف، وهو يعلم أن زيداً قد مات، فحينئذٍ لا تصح لزيد؛ لكن هل يأخذ عمرو الخمسة أم العشرة كاملة؟ قال بعض العلماء كما اختاره المصنف: تُصرف العشرة آلاف كلها لعمرو؛ لأنه لما كان يعلم أن زيداً قد مات فكأنه يقول: اصرفوها كلها لعمرو.
ولكن هذا فيه نظر، والأقوى ما ذكره بعض العلماء: أنه إذا كان يعلم موته، فنبقى على الأصل مادام ميتاً؛ لأنه ربما كان يعلم موته ونسي -ذهَل أو غفَل- فتكون كالوصية للميت الذي لا يعلم موته، ولأنه عيَّن وحدد، والمعيّن لا يُصرف إلى غيره؛ لأن فائدة التعيين الحصر والقصر بذلك الذي سَمّى، فلما كان الذي سماه وعينه ممن تبطل الوصية بالنسبة له، بطلت في حقه، وبقيت في حق غيره صحيحة.
قال رحمه الله: [وإن جهل فالنصف].
قوله: (وإن جَهل) أي: جهل موته، يعني فلا يدري هل هو حي أم ميت، فقال لهم: أعطوا زيداً خمسة آلاف وعمراً خمسة آلاف، ولا يدري هل زيد حي أو ميت، ثم تبيّن أن زيداً كان ميتاً؛ فحينئذٍ يصرف النصف لعمرو، فالمصنِّف يختار التفصيل.
والصحيح: أنه لا تفصيل، فالنصف لعمرو في كلتا المسألتين، أي: هو لعمرو في حال علمه بموت زيد لاحتمال أن يكون نسي، ولعمرو في حال عدم علمه أو جهله بالحال أو شكه في حياته؛ لأنه قد عيّن، وفائدة التعيين صرف الحق لمن عُيِّن له.

حكم من وصى بماله لابنيه وأجنبي

قال رحمه الله: [وإن وصى بماله لابنيه وأجنبي، فردَّا وصيته فله التسع].
من المعلوم أنه إذا وصّى بالمال كله فلا يصح إلا في حدود الثلث، فمعنى ذلك: أن الوصية باطلة في الثلثين وصحيحة في الثلث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له سعد: (أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا)، فدل على أن المال كله لا تصح الوصية به إلا في حدود الثلث، فإذا صحّت في حدود الثلث فهنا قد سَمّى المصنف ثلاث جهات، الجهتان الأوليان: ابناه زيد وعمرو مثلاً، والجهة الثالثة: الأجنبي، وليكن علياً، فزيد وعمرو يستحقان ثلثي الثلث، والأجنبي -الذي هو علي- يستحق ثلث الثلث؛ لأن الوصية بطلت في الثلثين وصحت في الثلث.
فمثلاً: لو كان عندك تسعة آلاف ريال، وأوصيت بجميع التسعة آلاف ريال لهؤلاء الثلاثة، فنقول: ليس من حقك أن تعتدي على حقوق الورثة وتوصي بالتسعة آلاف كاملة، بل تصح وصيتك في ثلاث آلاف، وتبطل في ستة آلاف، والستة آلاف تقسم ميراثاً شرعياً حكم الله سبحانه وتعالى به من فوق سبع سماوات، ويعطى كل ذي حق حقه.
وابناه من الوارثين، يعني: ابناه ذُكرا في الثلث الذي سنصحح الوصية به، فابناه زيد وعمرو لما كانا ابنين له فلا وصية لوارث؛ فبطلت أيضاً في الابنين، ولا يستحقان إلا أن يجيز الورثة، وتبقى الوصية لعلي الأجنبي، فيستحق ألف ريال، والألف ريال بالنسبة للتسعة آلاف ريال -التي هي أصل المال- هو التسع، فقال رحمه الله: (صحت في التسع) أي: أُعطي علي -الأجنبي- تُسع ماله؛ لأنها لم تصح في الثلثين؛ لأنها زيادة على القدر الذي أباحه الله في الوصية، ولم تصح في زيد وعمرو وهما ابناه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا وصية لوارث)، فبقيت ثلاثة آلاف قُسمت بين الابنين والأجنبي، فبطلت في حق الابنين، وذلك بألفين، وصحت في حق الأجنبي، وذلك بألف ريال، وهي تعادل تسع ماله.

الأسئلة

حكم الوصية بالدفن في مكان معين

السؤال

هل يُشرع أن يوصِي الشخص أن يدفن ببلد ما، أو مكان معين، وإذا شق ذلك على الورثة فهل لابد من إنفاذ الوصية؟

الجواب

لا بأس أن يُوصِي بدفنه في مكان معيّن أو في بلد معين، ما دام أنه في ذلك البلد، وفي هذا تفصيل.
فإذا كان -مثلاً- في نفس البلد، وليس هناك حرج ولا مشقة على الورثة في تنفيذ وصيته، فلا بأس، وقد أُثر عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أنهم وصَّوا في دفنهم، فتارة يُوصِي بأن يُدفن في مكان لا يعلم به أحد؛ كالرجل الصالح والعالم يخاف الفتنة، أو كان بين أُناس يعظمونه وهو يخاف الفتنة، فيأمر أن يُغَيّب في مكان لا يطّلع عليه أحد، كأن يخاف -نسأل الله السلامة والعافية- أن يغلوا فيه، كما أُثر عن علي رضي الله عنه أنه وصى أن يدفن في داره بالكوفة، فدُفِن ليلاً وغُيِّب قبره؛ لأنه كان هناك من يعتقد -والعياذ بالله- أنه إله، ويعظِّمونه، فخاف من عبادته وتعظيمه.
فإذا وُجدت مقاصد شرعية بالتعيين فلا بأس، ومثل أن يكون في موضع يعلم أن هذا الموضع عُرضة للسيل، وأن قبره قد يكشف، فقال: إذا أنا مت فادفنوني في موضع كذا، أو في المقبرة الفلانية.
أو يكون هناك مقبرة تدفن على السنة، ومقبرة لا تراعي السنة، فيقول: ادفنوني في المقبرة التي تراعي السنة، أو يكون هناك مقبرة فيها لحد ومقبرة فيها شق، فيختار ما اختار الله لنبيه عليه الصلاة والسلام من مقبرة اللحد، فيقول: إذا أنا مت فأُوصِي أن يكون دفني في القبور التي فيها لحد، ونحو ذلك من المقاصد الشرعية، وهذا من حق الإنسان، وهو من الوصية المشروعة.
لكن التكلف في الانتقال من بلد إلى بلد، هذا لا يجوز؛ لتعطيل الميت من أجله، ولذلك ثبت في حديث شداد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله).
فتعطيل الجنائز وتأخيرها من أجل نقلها ونحو ذلك لا ينبغي، وقد يصل إلى درجة الحرمة، خاصة إذا أدى إلى تعفُّن الميت وتفسخه وتضرر من يحمله، وتأذي المصلين عليه في المسجد، فهذه أمور لا بد أن توضع في البال، وأعظم من هذا أن يُشق، ثم بعد ذلك يُحنّط من أجل يظل فترة طويلة.
فكل هذه الأمور ينبغي اتقاؤها والبعد عنها؛ لأنها مخالفة لشرع الله؛ لما فيها من الاعتداء على حرمة المسلم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة عند ابن ماجة أنه قال: (كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حياً)، أي: في الإثم، فللميت حرمة، ولا يجوز تعطيل الجنائز حتى يحضر ولده، أو يحضر فلان أو فلان، مجاملة له أو عاطفة، فالميت إذا مات فإنه يُسرع بتجهيزه وتكفينه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: (أسرعوا بالجنازة)، فهذا أمر يقتضي المبادرة، لكن لو وُجدت حالات ضرورية تؤدي إلى تأخير دفنه، مثل أن يُراد أن يُعرف سبب وفاته، أو وُجدت أمور مهمة لابد من الاطلاع عليها في سبب وفاته، فهذه أحوال استثنائية تؤخَّر بقدر الضرورة والحاجة.
وعلى كل حال: التوسع في هذا الأمر وتأخير الجنائز من أجل نقلها إلى أماكن أُخَر بوصية أو غيرها لا تُشرع عند تأثُّر جثة الميت، وهذا -كما ذكرنا- مخالف للأصل الذي دلت عليه السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم.

حكم دفع صداق الزوجة المتبقي بعد موت الزوج

السؤال

هل بقية الصداق للزوجة يعتبر ديناً يجب سداده مباشرة؟

الجواب

هذا حق لازم يجب دفعه ويُعتبر ديناً، فإنه إذا مات الزوج فإنه وذمته مرهونة لزوجته حتى يؤدي مهرها كاملاً.
وهنا مسألة مهمة في السؤال وهي: أن من مات حلّت ديونه، وهذه قاعدة مهمة، فلو كان عليه أقساط من البنك مؤخرة، أو كان عليه أقساط لمن يديِّنه مؤجلة، فقد حلّت ديونه، أي: يجب سدادها فوراً؛ لأن روحه تبقى مرهونة، قال صلى الله عليه وسلم: (نفس المؤمن مرهونة بدينه)، والمرهون هو: المحبوس، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:38] أي: محبوسة، وقال بعض العلماء: محبوسة عن النعيم حتى يُؤَدى عنه الدين، ولذلك قال أبو قتادة رضي الله عنه لما توفي الأنصاري وعليه ديناران -كما في الصحيح- قال: (فلم يزل يلقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: هل أديت عنه؟ فأقول: لا بعد، لا بعد، حتى لقيني ذات يوم فقال: هل أديت عنه؟ فقلت: نعم.
فقال: الآن بردت جلدته)، مع أن أبا قتادة رضي الله عنه قد تحمل عنه الدين.
وبعض الورثة يقول: أنا أتحمل عن والدي، وكأنه يظن أنه قد انتقلت الذمة إليه، مع أنه لا تبرأ ذمة الميت حتى يؤدى دينه حقيقة؛ لأن أبا قتادة تحمل، وقال: هما علي يا رسول الله! ثم كان يسأله عن قضائه، فلما، قال: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: (الآن بردت جلدته)، وهذا يدل على عِظم أمر الدين، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين، سارّني به جبريل آنفاً).
فالمهر دين، ويجب على الزوج أن يسدده، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج)، فإذا قال لها: صداقك نصفه معجّل ونصفه بعد سنة أو بعد سنتين، أو إذا أنا مت، فهذا يجب الوفاء به عند أجله، ولا يجوز التأخير، خاصة إذا كان قادراً على السداد؛ لأنه ظلْم، وما دام أن المرأة قد أعطته حقه فينبغي عليه أن يعطيها حقها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)، فإذا كان هذا بين البهائم فكيف يكون بين الآدميين؟! وهذه حقوق لا يجوز التساهل فيها.
وكذلك ينبغي أن ينبه على الورثة أن كل شخص من القرابة له دين على الميت والقريب، فالأفضل والأكمل أن يأخذوا الدين ويعطوه للقريب، ولا يحرجوه بقولهم: أتسامح الميت أم لا؟ فكل إنسان قد يستحي، والمرأة قد تُجامل، لكن عليك أن تعطيها مالها في يدها، وتعطيها إرثها واستحقاقها كاملاً، ثم هي أدرى، فقد تسامح، وقد يكون فضلها في أخذ هذا المال والتصدق به على أقرباء أولى من زوجها، فهي أدرى بمالها، وهذا حق من حقوقها، فلا ينبغي التضييق على الزوجات في ذلك، ولا منعهن مما جعل الله لهن، والله تعالى أعلم.

حكم إحرام المقيم بمكة للعمرة من بيته

السؤال

إذا أحرم المقيم للعمرة من بيته ولم يخرج إلى الحل، فما حكم عمرته؟

الجواب

العمرة صحيحة إذا قام بها على وجهها، ولكن عليه دم؛ لأن ميقات المكي أن يخرج في العمرة إلى الحل، وأن يجمع بين الحل والحرم؛ لأنه في الحج يجمع بين الحل والحرم، ولذلك صح في الحج أن يُحرم من بيته، وأما بالنسبة للعمرة فلا يُحرم إلا من الحل، والدليل على ذلك: ما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة رضي الله عنها: (لما سألته صلى الله عليه وسلم أن تُحرم بعمرة، فأمر عبد الرحمن أن يُعمِرها من الحل)، وهذا واضح الدلالة؛ لأن عائشة رضي الله عنها أنشأت العمرة بمكة.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة).
أولاً: هذه الزيادة مختلف في كونها مرفوعة أو موقوفة؛ لكن حديث عائشة مرفوع، فيُقدّم المرفوع الذي لا شك في رفعه على المخْتَلف في رفعه.
ثانياً: قوله: (حتى أهل مكة يهلون من مكة) عام مخصص؛ لأن حديث عائشة في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث ابن عباس متقدم على حديث عائشة، ولذلك يؤخذ بآخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أشبه بتخصيص العموم في قوله إذا صح مرفوعاً: (حتى إن أهل مكة يهلون من مكة)، فـ عائشة لا نستطيع أن نقول بأنها آفاقية؛ لأن بعضهم يقول: إذا كان المكي آفاقياً فإنه يخرج إلى الحِل، وإذا كان من أهل مكة فلا يخرج، وفي الحقيقة: أن هذه التفصيلات لا نعرف لها أصلاً.
ولذلك أُوصي كل طالب -خاصة في هذا الزمان، وأُشدد عليه في الوصية- أنه إذا كان يريد أن يتقي الله ويأخذ علماً بحق على منهج السلف؛ فعليه أن يعرف كل قول يقال به الآن هل هو قول قال به أئمة العلم أم لا؟ ولا نريد من أحد ممن ينتسب إلى العلم -سواء في زماننا أو من المتأخرين- أن يأتينا بشيء من عنده، فالعلم هو الأثر والاتباع، وهذا هو السير على منهج السلف الصحيح، وإذا جاء أحد يتكلم في فهم حديث فنقول له: هل هذا الفهم فهم منك أنت باجتهادك ونظرك، والأمة منذ أربعة عشر قرناً لم تفهم؟ فحينئذٍ هذا لك، وتتولى تبعته أمام الله سبحانه وتعالى، وهو خروج عن سواد الأمة الأعظم.
ولذلك كان بعض العلماء يقول: إذا اختلف العلماء في فهم النص على قولين، ومضت على ذلك القرون المفضلة، فإنه لا يجوز استحداث فهم جديد خارج عن هذا الفهم؛ لأنه لا يعقل أن القرون المفضلة كلها تقول: إما كذا أو كذا، ويأتي هذا ويفهم فهماً آخر، ولا شك أن هذا هو سبيل المؤمنين، فإذا مضت القرون المفضلة كلها على هذا السبيل فقد استبان أن الحق إما في هذا أو في هذا، فإذا جاء يُحدث قولاً ثالثاً خرج به عن سواد الأمة، سواء كان من متأخري المتأخرين أو من متقدمي المتأخرين، ونحن أمة يرتبط أولها بآخرها، قديمها جديد، وجديدها قديم، بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نريد جديداً من عندنا.
والمشكلة: أنه ليس عندنا ضبط للأصول، ولا ضبط لقواعد الفهم؛ لأن أبسط ما ينبغي أن يكون في الإنسان الذي يجتهد -وهو ليس بالبصير بالقاعدة التي يدل عليها الشاهد- هو الورع.
فإذا كان الشخص ليس عنده ورع إلى درجة أن يأتي ويجتهد، فهذه مصيبة، فأساس الاجتهاد الحق هو الورع، ولذلك لا تجد أحداً من أئمة الاجتهاد ودواوين العلم السابقين الذين فُتح عليهم في فهم الاجتهاد إلا وقد قام علمه على الورع، وانظر إلى أئمة الإسلام، تجدهم أئمةً في الورع، وبهذا استقامت أمور الفهم لهم؛ لأن من تورّع فَتح الله عليه، ومن قال فيما لا علم له: الله أعلم؛ ورّثه علم ما لم يعلم، وفتح الله عليه ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:113]. فالإنسان الذي يأتي بالأفهام من عنده، ويأتي ويخترع في الأحاديث، ويجلس طلاب العلم يتناقشون في أحاديث ويأتون فيها بأفهام جديدة، وكل يوم يأتينا فهم جديد، فبعض طلاب العلم يقول كذا، وبعضهم يقول كذا يا أخي! من هذا الذي يقول؟ ومن هذا الذي نصّب نفسه ليتكلم في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم؟! كان بعض العلماء يقول: (حق على من يفسر كلام الله أو يؤول حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُقل نفسه بين الجنة والنار)، نريد الشيء الذي قاله العلماء، نريد شيئاً مبنياً على أصل صحيح وحجة ومحجَّة تلقى الله عز وجل بها راضياً مرضياً عنك، أما أن نأتي بأفهام وحجج جديدة لا أصل لها، فهذا لا ينبغي.
أما حديث عائشة فهو واضح، ودلالته واضحة، حيث إنها أنشأت عمرتها من مكة، ولا أعرف أحداً من أهل العلم من المتقدمين يقول: إن هذا خاص بـ عائشة.
وأقولها من الآن: على كل طالب -والطالب خاصة الذي يدرس في الفقه، والذي يريد أن يُعلِّم الناس- أن يتقي الله عز وجل ويعرف كل قول -حتى ولو كان مني- هل قال به أحد من أهل العلم ممن مضى وعنده دليل وحجة أم لا؟ وهذا هو العلم، وهذا الذي يُوصَى به طلبة العلم، وهذه هي النصيحة لله ولدينه وشرعه، من كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى تكون الأفهام واضحة، فلا يشوش على علم السلف بعلم الخلف الذي لا أصل له، ولا يشوش على هذه المحجة الواضحة التي ورثتها الأمة جيلاً بعد جيل، ورعيلاً بعد رعيل، واجتهادات العلماء تحتاج إلى من يَضبطها فضلاً عن أن نأتي أيضاً باجتهادات وآراء جديدة، واليوم يجتهد البعض في مسائل واضحة في الأحكام، وغداً -والعياذ بالله- قد يدخلون في العقيدة وفي صميم الدين، فيحدِثون ما لم يكن عليه أئمة الإسلام فيضلوا ويضلوا، نسأل الله السلامة والعافية، نسأل الله بعزته وجلاله أن يعصمنا من الزلل.

الضابط في الترويح يوم العيد

السؤال

ما هو الضابط في الترويح على الأهل والقرابة في أيام الأعياد والمناسبات؟

الجواب

إن الله تبارك وتعالى جعل يومي عيد الفطر والأضحى يومين من أيام الإسلام، وعيدين لأهل هذه الملّة، وجعلهما يوم فرحة وسرور، يوسِّع المسلم فيهما على نفسه وعلى أهله وولده، وعلى إخوانه المسلمين، حتى شرع الله زكاة الفطر من رمضان طهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين.
وقال عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس: (أغنوهم عن السؤال يوم العيد وليلته)، فهذا يدل على أن المقصود هو التوسعة؛ حتى يشهد الناس الفرح والسرور المأذون به شرعاً في هذا اليوم المبارك الذي أتموا فيه ركناً من أركان الدين، ووفقهم الله عز وجل لصيام هذا الشهر الذي فرض عليهم صيامه، وشكراً لله عز وجل على توفيقه لهم على قيام ما استطاعوا أن يقوموه من هذا الشهر المبارك، فالفرحة والسرور أول ما تنبغي أن تكون فرحة بنعمة الله، وأن تكون فرحة برحمة الله التي هي أحق أن يُفرح بها وأن يفرح فيها.
وهذه الفرحة تكون حينما يستشعر الإنسان كيف مضت عليه هذه الثلاثون يوماً؛ فيفرح أن الله وفقه لصيامه، ولو شاء الله جل جلاله لأصابه المرض فما استطاع أن يصوم، ولو شاء الله جل جلاله لأصابته فتنة في دينه فما استطاع أن يصوم، ولو شاء الله جل جلاله أن يبتليه في هذه العبادة بشيء يُفسد عليه أجره، ويُحبط عليه عمله، لما أعجز الله عن ذلك شيء.
إذاً: يُحس الإنسان أن الله وفقه لهذا الخير في ثلاثين يوم أو تسعة وعشرين يوماً؛ فيكون به في فرحة وغِبطة أن الله استكمل له شهره، فيسأل الله عز وجل ويحسن الظن بالله أن يكمل له أجره، والله لا يُضيع أجر من أحسن عملاً، فإذا به يصبح يوم العيد فرحاً مسروراً بنعمة الله؛ لأن الله يعطي الدنيا من أحب ومن كره، ولكن الدين والتوفيق للدين لا يُعطيه إلا لمن أحب، والله أعلم حيث يجعل هذه البركات والخير؛ لأن الإسلام كله بركة، ولذلك وصف الله القرآن بأنه مبارك، فمن التزم أوامره وسار على نهجه فقد أصاب بركة الإسلام وخيره وطُهره وعِفّته.
فإذا أصبح في يوم العيد، أصبح وقلبُه معلَّق بالله جل جلاله، مليء بالفرح والسرور، فهذا أول ما ينبغي، فإذا استقر هذا الفرح في القلب وجب عليه أن يشكر، فلهج لسانه بالذكر والشكر، فقال بملء قلبه ولسانه: الله أكبر ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:185]. هذه هي الفرحة الأولى التي دل عليها كتاب الله من فوق سبع سماوات، وهي أن يمتلئ قلبك بتوحيده والبراءة من الحول والقوة، وسؤال الله جل جلاله أن يجعل هذا الشهر في ميزان حسناتك فتلقاه أمامك، فإذا بالله جل جلاله يضاعف أجر الصوم، حتى قال الله جل جلاله في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).
فإذا شعر الإنسان أنه سيُثاب ويكافأ من الله؛ فرح فرحاً شديداً برحمة الله جل جلاله بعد فرحه بتوفيق الله، ولذلك شرع الله التكبير إكباراً له سبحانه، وشُرع التكبير بمجرد مغيب شمس آخر يوم من رمضان، فيقول المسلم: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد) شكراً لله وثناءً عليه وتمجيداً له وإعظاماً لنعمته.
فإذا شكر الله عز وجل وابتدأ بتوحيد الله؛ فتح الله عليه بركات ذلك اليوم وخيره وطُهره.
ومن أعظم الفرحة في يوم العيد: فرحة الاجتماع، فقد شرع الله عز وجل الاجتماع في هذا اليوم بصلاة العيد، حتى إن المرأة الحائض والمرأة ذات الخدر التي أُمر بسترها ولزومها لبيتها تُخرج إلى صلاة عيد الفطر، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تخرج العواتق وذوات الخدور والحيَّض، وقال: (أما الحيَّض فليعتزلن الصلاة وليشهدن الخير ودعوة المسلمين)، فيشهدن الخير في هذا اليوم المبارك.
فالضوابط كلها منحصرة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فيتذكر المسلم وهو خارج لصلاة عيد الفطر كيف خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإنه لم يخرج مختالاً ولا فخوراً، ولا أشراً ولا بطراً، ولا غروراً، إنما خرج لله وفي الله، خرج خاشعاً متخشِّعاً متذللاً لربه سبحانه وتعالى في ذلك اليوم، وخرج -كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها- حين بدا حاجب الشمس، فما وصل إلى المصلى إلا وقد ارتفعت الشمس، فابتدأ أولاً بالصلاة -عليه الصلاة والسلام- ثم بعد ذلك خطب فذكّر الناس ووعظهم، وأمر النساء بالصدقة، ثم أَذن للأمة بكل ما فيه توسعة وخير ما لم يكن من الحرام، أو فيه إسراف في المباح، وهذا هو شرع الله، فشرع الله هو الوسطية، ولما قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف:31] نقلنا من تعذيب النفوس بالجوع والعطش والرهبنة، وقال: ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:31]، ثم منعنا وحجزنا عن الغلو في ذلك، كما هو عمل أهل الترف.
فنحن نقول: افرحوا، فليس يوم العيد بيوم حزن ولا نكد ولا نحس؛ بل يفرح المسلم؛ ولكن يفرح برحمة الله عز وجل وبنعمته، ولا يغلو في فرحه إلى الوقوع في المحرمات.
لقد وسع عليه الصلاة والسلام، ومن دلائل توسيعه: أنه لما رأى أهل الحبشة وهم يلعبون بالسلاح في داخل المسجد فما أنكر عليهم ذلك، رغم أنه المسجد الذي شعَّت منه أنوار الرسالة، والذي تفجّرت فيه ينابيع الحكمة، وهو المسجد الذي دوَت في جنباته آيات التنزيل، وهو الذي كانت فيه مواقف الصدق -قولاً وعملاً واعتقاداً- من تلك الأمة المصطفاة المجتباة، هذا المسجد المطهّر المشرّف المكرّم الذي شرفه الله، وجعل الصلاة فيه بألف صلاة، وإذا بهم يلعبون فيه!! فانظر إلى عِزة الإسلام وإلى مرونته المنضبطة، وليست مرونة منفلتة، فيوم الفرحة يوم فرحة، ويوم الشدة يوم شدة، ويوم العبادة يوم عبادة.
أصبح عليه الصلاة والسلام يوم العيد والأحباش يعلبون بالحراب، وبالأمس كان البكاء والخشوع والخضوع والاستكانة والتهجد بين يدي الله جل جلاله يا لعظمة هذا الدين! دين مرن منضبط في مرونته، ليس بدين لعب، ولا دين عبادة برهبانية يجلس الإنسان فيها دهره كله وهو لازم معتكفه.
إنها أيام مضت، وعشر ليال انقضت، هي مدرسة لأولي العزائم الصادقة والنفوس الأبية المؤمنة المستجيبة لله جل جلاله، حتى إن قائدها وخيرها صلوات الله وسلامه عليه كان يدخل في المعتكف من أجل أن يتفرغ لعبادة ربه سبحانه وتعالى، ويُصبح يوم العيد وإذا بالناس يلعبون في المسجد: المسجد بالأمس مليء بالعبادة واليوم يلعبون فيه! فجاء عمر ليحصبهم، فنهاه وزجره، وقال: (هذا يوم عيدنا)، يوم عيدٍ للإسلام والمسلمين، ويوم فرحة لأولياء الله الذين ظمئت أحشاؤهم، وجاعت أمعاؤهم، وتفطّرت أقدامهم وهم منتصبون في جوف الليل بين يدي الله جل جلاله ركّعاً وسجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً.
فإذا بذلك المسجد يُصبح محلاً للفرح والسرور؛ لكنه فرح منضبط، فلا يستطيع أحد أن يتّهم هذا الدين بالتضييق، ولا يستطيع أحد أن يطعن في هذا الدين؛ وإذا برسول الأمة عندما رأى أهل الحبشة يأذن لهم، ولم ينقم عليهم ذلك.
ولا يقف الأمر عند هذا؛ بل عندما دخل بيته فإذا بحبه وزوجه عائشة رضي الله عنها وأرضاها تسأله أن تنظر إليهم، فما منعها من النظر، ولا قال لها: لا تنظري، فما منعها من شيء يدخل السرور عليها، وهذا بشرط أمن الفتنة؛ لأن الحبشة كانت الفتنة فيهم مأمونة، ولا ينبغي لأحد أن يقول: يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجال، ويستدل بهذا الحديث؛ لأن قوله ذلك يصبح غلواً في الفرح لتفرح المرأة ولكن بشرط ألا يكون هذا الفرح فتنة للأهل والولد؛ لأن في ذلك مخالفة لشرع الله، وهذه الحواجز والقيود يُقصد بها صلاح الدين والدنيا والآخرة.
فقامت تنظر، وما قال لها: أنا رسول الأمة، وانتظري حتى يأتي أخوك ويقف لك، لم يقل لها ذلك، بل وقف عليه الصلاة والسلام على قدميه رسول الأمة صلى الله عليه وسلم الذي وقف بين يدي الله جل جلاله راكعاً ساجداً يبتغي فضلاً من ربه ورضواناً، ويشتري رحمة ربه بإدخال السرور على أهله بالوقوف على قدميه الشريفتين، وقف عليه الصلاة والسلام، ووقفت من ورائه، تقول رضي الله عنها: (وأنا أنظر إليهم من ورائه)، وهذه هي الحشمة والعفاف، فقد كانت رضي الله عنها على حشمة وعفاف، فكانت تفرح أيضاً، ويدل هذا على أن المرأة تفرح لكن بشرط أن تكون محتشمة، عفيفة، رزاناً، حصاناً، متحفِّظة.
فقالت رضي الله عنها: (وأنا أنظر إليهم من خلفه)، وما قالت: أنظر من خلف الباب، بل من وراء النبي صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ فإن المرأة المؤمنة بدلاً من أن تذهب إلى الفرح بغيبة محرمها، عليها أن تبحث عن محرمها حتى يصونها ويحفظها، وهذه أم المؤمنين رضي الله عنها تحرِص على ذلك.
ثم تقول رضي الله عنها: (فيقول لي: هل فرغت؟ فأقول: لا بعد.
فيقول: هل فرغت؟ فأقول: لا بعد)، ثم تقول رضي الله عنها وأرضاها: (فاقدروا قدر الصبية الجهلاء)، ومعناه: أنها أخذت -كما يقولون- راحتها واستجمام قلبها، وفي هذا دليل على أمور: أولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لها في الفرحة، فدل هذا على أن من السنة في يوم العيد أن تُحدِث فرحة لأهلك، ومن الفرحة: أن تأخذهم إلى مكان تتسع وتنشرح فيه صدورهم، والمؤمن دائماً يكون عاقلاً، وقد كان من مشايخنا وأهل الفضل والعلماء في بعض الأحيان يدخلون السرور حتى بطريق غير مباشر، فالزوجة إذا كانت تستحي من زوجها وتألف ولدها، فيأمر ولدها أن يأخذها، فعليك دائماً أن تحرص على إدخال السرور عليهم؛ لأنك إذا وسعت على أهلك وسع الله عليك، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان، والنبي صلى الله عليه وسلم أذن بالتوسعة على بيوت المسلمين حينما وقف عليه الصلاة والسلام.
ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن بالتوسعة بفضول النظر؛ لأن اللعب من الفضول، والنظر إلى اللعب من الفضول فأذن بذلك؛ لكنه بشرط أمن الفتنة والمحافظة.
ثالثاً: وهذه وقفة تحتاج إلى أن نتأملها ف

شرح زاد المستقنع -

باب الموصى به

تجوز الوصية بما يعجز عن تسليمه؛ كالعبد الآبق ونحوه، وتجوز بالمعدوم والمجهول، كالصيد ونحوه مما فيه منفعة من جهة معينة، وتبطل الوصية بتلف الشيء الموصى به، ولا يعدل عنه إلى غيره.

أحكام ومسائل متعلقة بالشيء الموصى به

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الموصى به].
شرع المصنف رحمه الله في هذا الباب في بيان ما يتعلق بالشيء الموصَى به، ويعتبر هذا الشيء ركناً من أركان الوصية؛ لأن الإنسان يعهد بالشيء إلى غيره، وهذا الشيء منه ما تصح الوصية به، ومنه ما لا تصح الوصية به.
فنظراً لاختلاف حكم الشرع فيه؛ ناسب أن يعقد المصنف رحمه الله له باباً مستقلاً، فيبيّن ما هي الشروط التي ينبغي توفرها في الشيء الذي يُوصَى به، ومن عادة الشريعة أنّها تُفرِّق في محل العقود، فالموصَى به مَحَلٌ للوصية، كما أن الشيء المَبيع محل لعقد البيع، والشيء المؤجر محل للإجارة، والشيء الموهوب محل للهبة.
فتارة تُشدد الشريعة في الأشياء التي هي محل للعقود، وتشترط شروطاً لابد من توفرها للحكم بصحة عقودها، وهذا التشدد من الشريعة قَصَدت به حفظ الحقوق للناس، فلا تقصد به تضييقاً عليهم، ولا تعسيراً في تشريعاتها لهم، وإنما قصدت حفظ الحقوق، فالشيء المبيع له شروط، والشيء المؤجر له شروط، والشيء الموهوب، والشيء الموصَى به، كل ذلك له شروط معينة.
فتارة تكون الشروط قوية -كما ذكرنا- وتارة تكون خفيفة، والموصَى به أمره خفيف، والشرع يخفف في شروطه، والعلماء رحمهم الله يبينون جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بهذا الشيء الموصى به، ويظهر من خلال هذا البيان أن الشريعة قصدت التوسعة، والسبب في هذا: أن يعلم طالب العلم أن الشيء الموصَى به في الغالب أشبه بالهبة، والشخص إذا وهب الشيء فهو محسن متفضل، والله تعالى يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة:91].
فلك أن توصي بالقليل، ولك أن توصي بالكثير، ما دام أنه دون الحد الذي حده الشرع، ولك أن تزيد عن هذا الحد إذا سامح أصحاب الحق -وهم الورثة- فأجازوا وصيتك.
والمقصود: أن الشيء الذي يُوصَى به تارة يكون مأذوناً بالوصية به، وتارة يكون غير مأذونٍ به.
فهنا يتكلم العلماء رحمهم الله على الأشياء التي يكون من حق الإنسان أن يُوصِي بها، فإذا تضمنت الوصية بالشيء ما يقصده الشرع من حصول المحبة، وحصول البر والإحسان والصلة والرفق، أجازت الشريعة الوصية، وإذا تضمن الشيء الموصَى به ما يكون وسيلة لحرام، أو يكون وسيلة إلى غرض يهدم أصول الشريعة أو يعارضها؛ فحينئذٍ لا تجوز الوصية، فلو وصَّى بكتبٍ محرمة، ككتب السحر، وكتب الضلالات التي فيها الأمور التي تؤثر في العقيدة وتُضِل الناس، فلا تجوز الوصية؛ لأن هذا شيء مُوصَى به محرم.
كذلك لو وصَّى بآلات اللهو التي لم يأذن بها الشرع فإنه يتضمن معارضة الشرع؛ ولو قالت الشريعة: تجوز الوصية بذلك، لتناقضت، فكيف تقول: إنها آلات محرمة، ثم تجيز الوصية بها؟ فلابد من أن يكون المحل الذي ترد عليه الوصية مأذوناً به شرعاً، ولأجل التفريق بين ما يحل وما يحرم وما يُباح؛ فإنه لا بد من بيان المسائل والأحكام التي سيعرِّج المصنف رحمه الله في بيانها.
يقول رحمه الله: (باب الموصى به)، أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالشيء الذي يجوز أن يُوصَى به، والشيء لا يجوز أن يُوصَى به.

حكم الوصية بما يعجز عن تسليمه

قال رحمه الله: [تصح بما يعجز عن تسلميه؛ كآبق وطير في الهواء، وبالمعدوم، كما يحمل حيوانه وشجرته أبداً أو مدة معينة، فإن لم يحصل منه شيءٌ بطلت الوصية].
قوله: (تصح بما يُعجز عن تسليمه)، الشيء المعجوز عن تسليمه يصح في بعض الأحيان أن تتعامل وتتعاقد به، كما في الوصية هنا، ولا يصح في بعض الأحيان التعامل به، فلو كان الشيء المعجوز عن تسليمه مُباعاً؛ لم يصح البيع.
والمقصود بالمعجوز عن تسليمه: عجز عن الشيء إذا لم يستطع، ومعنى ذلك: أنك تُوصِي بشيءٍ أنت عاجزٌ عن دفعه وإيصاله للمُوصَى له، ويعجز من يقوم مقامك من الورثة عن إيصاله إلى الموصَى له.
وقوله: (كآبق) أي: مثل العبد إذا أبق وشرد عن سيده، ولم يستطع معرفة مكانه، أو لم يستطع أخذه؛ فحينئذٍ يكون معجوزاً عن تسليمه، فصاحبه المالك له يعجز عن تسليمه، وإذا وصَّى بعبدٍ آبق، أو بعيرٍ شارد، وهم يمثلون بهذه الأمثلة لأنها كانت في زمانهم، كما إذا شرد البعير، أو شردت البقرة، أو شردت الشاة؛ فحينئذٍ يصعُب أن يحصل الإنسان عليه في الغالب، فإذا لم يستطع أن يجده فإنه لن يستطع تسليمه للغير، فهو معجوزٌ عن تسليمه.
فكل شيء فُقد ولم يستطع صاحبه أن يعرف مكانه، أو عرف مكانه ولكنه لا يستطيع أخذه، مثل: المغصوب ونحوه؛ فإنه معجوزٌ عن تسليمه، فهذا النوع من الأشياء لا يجوز أن تتعامل به في عقود المعاوضات.
فلا تُجيز لك الشريعة أن تبيع شيئاً معجوزاً عن تسليمه، ولكن تجيز لك أن تُوصِي به وما الفرق بين الأمرين؟ لأنه في البيع إذا اشترى منك إنسان شيئاً ضائعاً منك؛ كساعة مفقودة، أو بعير شارد، أو دابة فرت منك، أو طير طار منك، كان عندك ثم طار؛ فإنه في هذه الحالة تُغرِّر به؛ لأنه يُحتمل أن يأخذ ذلك الشيء ويحتمل ألا يأخذه، والغالب أنه لا يأخذه، فأصبحت آخذاً لمال أخيك بدون حق.
وهذه العلة أشارت إليها السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أنس في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها)، ثم علل عليه الصلاة والسلام وقال كما تقدم معنا في البيع: (أرأيت إن منع الله الثمرة) أي: أخبرني، لو بعت هذا الشيء المعجوز عن تسليمه ولم يستطع من اشتراه منك أن يصل إليه، ثم قال عليه الصلاة والسلام (فبم تستحل مال أخيك؟) أي: بأي حق تأخذ الخمسمائة ريال التي دفعها لك أخوك المسلم لقاء ذلك البعير، فإذا أصبح غير مستطيع الوصول إلى البعير، كان أخذك لهذه الخمسمائة من أكل المال بالباطل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (فبم تستحل مال أخيك؟).
وهذا يدل على أن الشريعة في المعاوضات تريد إيصال كل عِوض إلى صاحبه، وهذا هو ما قرره الأئمة رحمهم الله، ولـ شيخ الإسلام رحمه الله في بيع المعدوم كلام نفيس في مجموع الفتاوى، بين أن العدل أَن يُعطى كل ذي حق حقه في المعاوضات.
فمن اشترى شيئاً لقاء شيء فإنه ينبغي أن يُمكّن من ذلك الشيء الذي اشتراه؛ فإذا لم يُمكَّن منه فقد ظُلِم؛ لأنه أعطى غيره ولم يأخذ منه، وهو إنما أعطى الغير ليأخذ؛ فالبائع أعطى السلعة من أجل أن يأخذ الثمن، والمشتري أعطى الثمن من أجل أن يأخذ السلعة؛ فإذا ظلم أحدهما الآخر فأخذ منه ولم يعط، فقد أكل ماله بالباطل، وهذا هو الذي جعل الأمر يختلف بين الوصية وبين البيع، وحينئذٍ في الوصية حينما يقول الشخص: أوصيت ببعيري الشارد لمحمد، فهذه الوصية ليس لها عوض يقابلها، أي: لم يدفع محمد مالاً إلى الميت الذي وصَّى، وإنما تفضل الميت وتبرع وأحسن وأفضل حينما قال: هذا البعير الشارد أَعطوه محمداً، فإن حصل محمد على البعير الشارد فقد تحقق المقصود والموصِي له أجره، وإن لم يحصل فلا ضرر عليه؛ لأنه لم يدفع شيئاً في مقابل هذا البعير.
ومن هنا صحت الوصية بالمجهول، وصحت بالمعدوم، وصحت بالمعجوز عن تسليمه؛ لأنه لا غرر في ذلك، فتصح الوصية بالبعير الشارد، والطير في الهواء، والسمك في الماء، فلو أن سمكة كان يملكها ثم سقطت في الماء فوهبها، صحّت؛ لأن هذا كله لا غرر فيه على الموصَى له.
وقوله: (وطير في الهواء) الطير في الهواء -طبعاً- يصعب الوصول إليه، ولكن أياً ما كان فالوصية تخالف البيع؛ لأن الوصية لا عوض فيها، والبيع فيه عوض.

حكم الوصية بالمعدوم

وقوله: [وبالمعدوم] كالذي تحمل أَمته، أو الذي تحمل نخله؛ فالذي تحمل أمته أو جاريته قد يكون أثناء الوصية غير موجود، لكنه يوجد بعد ذلك، فحينئذٍ يكون ملكاً للمُوصَى له، ولو قال: ثمرة بستاني السنة القادمة، فهنا ثمرة البستان معدومة الآن.
والمعدوم: هو غير الموجود والذي يُرجَّى حدوثه، وقد لا يحدث أصلاً؛ لكنه معدوم، فالنخل له زمان يكون الثمر موجوداً فيه، وزمان لا يوجد فيه الثمر، فلو جاء الموصِي في الزمان الذي ليس فيه ثمر -والذي يسمونه مرحلة السكون، وهي تقارب شهرين يسكن فيها النخل فلا طلع فيه ولا ثمر، والشهران هذان اللذان هما بين الجَدّاد جَد النخل وبين الطلع- فلو وصّى فيهما فقال: ثلث ثمر البستان السنة القادمة؛ فأثناء الوصية يكون معدوماً، أي: غير موجود؛ فحينئذٍ تَصِح، والذي يُخرجه البستان يعطى منه النصيب الذي وصى به.
وقوله: (كما يحمل حيوانه وشجرته أبداً).
أي: كالذي يحمل حيوانه، مثلما ذكرنا في الناقة والبقرة والشاة والشجر والنخيل، كأن يقول: نخل البستان، أو يكون عنده عنب؛ فيقول: ثم العنب للسنة القادمة أوصيت به لفلان، أو أوصيت به لأبناء عمومتي، أو نحو ذلك، يختص بها من سَمّى في وصيته؛ فإنه يصح.
وقوله: (أو مدة معينة).
سواء كان مطلقاً أو مقيداً أو مدة معينة، فيقول: أوصيت بثمرة بستاني هذه السنة، أو أوصيت بثمرة بستاني لمدة سنتين لمحمد، أو ثلاث سنوات لأرحامي أو قرابتي، أو نحو ذلك.
وقوله: (فإن لم يحصل منه شيء بطلت الوصية).
الفاء: للتفريع، وذلك من دقة العلماء رحمهم الله، وهم يذكرون الأمثلة من باب ترتيب الأفكار في الذهن، وهذا يُعين طالب العلم على فهم المسائل، ويعين المفتي على الإفتاء، ويعين القاضي على القضاء، فعند العلماء أصول، وعندهم فروع مترتبة على هذه الأصول، ولذلك قسمت المسائل في الأبواب والفصول حتى تُركِّز وتنتبه لها، فالأبواب الرئيسية تعتبر أصولاً، ثم الفصول مبنية على هذه الأصول، ثم قد يكون في داخل الفصل والباب أصل وفرع.
فأول ما تبحث في مشروعية الشيء، أي: في إذن الشرع به، فإذا ثبت هذا الشيء، فتقول: ما الذي ينبني أو يترتب على ثبوته؟ فإنه هنا عندما قال: ثمرة بستاني للسنة القادمة لمحمد، ويقتضي عقلاً إما أن يحمل البستان وإما ألا يحمل، فالفاء هنا للتفريع.
فيريد أن يبيِّن حالة عدم خروج الثمرة؛ لأن السؤال الذي يحتاجه من يستفتي ويقضى به في القضاء هو في حالة عدم وجود شيء، فقد يأتي الموصَى إليه ويطالب الورثة ببديل، ويقول: ما دام أن الوصية ثابتة، ولي عند الموصي هذا الشيء الذي وصَّى به؛ فإنني لم أجد شيئاً؛ لأن الثمرة لم تخرج، ولذلك أُطالبكم ببدل وعوض عنه من ماله.
فنقول في هذه الحالة كما يقول المصنف رحمه الله: (فإن لم يحصل منه شيء بطلت الوصية)، فلا شيء له، وهذا لا شك أنه عين العدل والإنصاف، حيث وصَّى بثمرة بستانه، فإذا لم يخرج من البستان شيء فلا شيء له؛ لأن هذا مترتب على وجود شيء من البستان، أما إذا لو يوجد شيء فلا شيء له.

حكم الوصية بكلب الصيد ونحوه

قال رحمه الله: [وتصح بكلب صيد ونحوه].
بيّن المصنف رحمه الله أنه يجوز ويصح للمسلم أن يُوصِي بشيء معدوم وبشيء معجوزٍ عن تسليمه، ولكن إذا كان الشيء الموصَى به فيه منفعة، وهذه المنفعة مأذون بها في أحوال ضيِّقة وخاصة؛ فإنه لا يصح إلا الذي أذِن به الشرع، مثال ذلك: الكلب، فإن الكلب -أكرمكم الله- منه ما حرم الشرع، ومنه ما أذن بمنافعه، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل نوع من الكلاب، وحرّم اتخاذ الكلاب مُطلقاً في الأصل، ثم خصَّص واستثنى عليه الصلاة والسلام ثلاثة أنواع من الكلاب: كلب الصيد، وكلب الحراسة في الماشية والزرع.
فهذا الذي استثناه عليه الصلاة والسلام هو الذي يجوز للمسلم أن يتخذه من الكلاب، فله أن يتخذ كلباً من أجل الصيد، أو يتخذ كلباً من أجل أن يحرس زرعه وحرثه وما يكون في بستانه، ويتخذ كلباً لحراسة الماشية من الذئب ونحوه، فهذا الذي أذن به الشّرع يجوز أن يوصي به إذا كانت فيه هذه المنفعة، وهي منفعة الصيد، ولذلك قال: (بكلب صيد)، حتى يفهم أن كلب الحرث والماشية كذلك؛ فإذا وصَّى بكلب الحرث والماشية صحت الوصية؛ فلا يفهم منه كلب الصيد فقط؛ لأن الحاجة في الحرث والماشية أشد من الصيد، وهذا من دقة المصنف حيث إنه ينبه بالأدنى على الأعلى.
فلما قال: (كلب صيد) شمل ذلك كلب الحرث وكلب الماشية، والإذن بكلب الصيد -من ناحية فقهية- أقوى من الإذن بكلب الحرث والماشية؛ لأن الإذن بكلب الصيد جاء نصاً في القرآن، حيث قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:4]، والإذن بكلب الماشية والزرع جاء بالسنة في الحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حديث صحيح: (من اتخذ كلباً إلا كلب صيد أو حرث أو ماشية).
فهذا نوع من التمثيل قصد به المصنف أن يُبيِّن أن كل شيء فيه منفعة وأصله محرم -أي: فيه أشياء محرمة ومنافع مباحة- فإنه تجوز الوصية به إذا كان للشيء المباح.
وقد ذكر هذه المسألة وفصّل فيها الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني، وذكر من ذلك: الوصية بالطبل وبالدُّف، وكذلك بآلات اللهو، وبيّن أن الأشياء المحرمة مطلقة التحريم لا تجوز الوصية بها مطلقاً، فلو وصَّى بآلات محرمة فلا تصح الوصية، وهي باطلة، ولو وصى بخمرٍ أو ميتةٍ أو خنزيرٍ فإنها لا تصح الوصية، لكن لو وصَّى بدفٍ حلت وصحت الوصية، وهي وصيَّة مأذون بها شرعاً، والدُّف حلال لمن وُصِّي له؛ لأن الشرع أذن به في النكاح.
فهذا عند العلماء رحمهم الله أصل في المنافع، فبعد أن وَصَّى بالذوات، شرع في بيان المنافع، فكل ما كانت فيه منفعة مباحة وَصَّى صاحبه قبل موته بمنافعه إلى شخص؛ أُعطي هذه المنافع ومُكِّن منها.
فمثلاً: البيت فيه منفعة السكن، والسيارة فيها منفعة الركوب، والفندق فيه منفعة السكن أيضاً، ونحو ذلك، فهذه الأشياء لو أُعطيت منافعها مدة معلومة لشخص معين، أو وُصِّي بها مدة معلومة؛ صحَّت الوصية تلك المدة، ومُكِّن من أخذ حقه منها، بناء على وصية الميت المالك لذلك الشيء.

حم الوصية بالزيت المتنجس

قال رحمه الله: [وبزيت متنجس].
هناك الزيت النجس والزيت المتنجس، فالزيت النجس: هو النجس بعينه، ولا يمكن بحال أن تطهره، فلو جئنا وأخذنا زيتاً مستخرجاً من شحوم الميتة ومن أدهانها، فإنه نجس، ونجاسته عينية، ولو صببت عليه ماء الدنيا كله لما طهره، ولو طبخته فإنه لا يطهُر أيضاً؛ لأنه نجسٌ بعينه.
والمتنجس: هو الشيء الذي يكون في أصله طاهراً ودخلت عليه النجاسة، فتقول: هذا ثوب متنجس، أي: دخلت عليه النجاسة ويقبل التطهير.
فهناك فرق بين النجس وبين المتنجس، فما كان من الأشياء المتنجسة ويمكن تطهيره فإنه يجوز بيعه، فمثلاً: لو كان الثوب متنجساً صح بيعه، لكن لو كان زيتاً نجساً لم يصح بيعه ولا شراؤه؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله: (إن الله ورسوله حرم بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام، قالوا: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة؟ -أي: أدهانها والزيوت المستخلصة منها والسمن ونحوه- فإنه يطلى بها السفن ويُستصبح بها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: قاتل الله اليهود! حرِّمت عليهم الميتة فجملوا شحومها ثم أذابوها فباعوها؛ فاستحلوا ما حرم الله عليهم بأدنى الحيل).
فهذا يدل على أن النجس بعينه لا يجوز بيعه، ولذلك جاءت الرواية الأخرى: (لا، هو حرام) أي: لا يجوز الانتفاع بالأدهان النجسة بأعيانها؛ لأنه لا يمكن تطهيرها، لكن لو كان عند إنسان زيت زيتون وقع فيه بول، أو اختلط بنجاسة، فعند العلماء خلاف: إذا تنجس الزيت فهل تكون نجاسته نجاسة ممازجة أم نجاسة مجاورة؟ وهذا قد سبق الكلام عليه في باب بيع الزيت.
فحينئذٍ: لو كان الزيت متنجساً لا نجساً بعينه؛ فقال -مثلاً-: زيت الزيتون هذا الذي وقعت فيه نجاسة وصّيت به لمحمد، أو وصيت به لزيد، صحت الوصية؛ لأنه يمكن تطهير هذا الزيت؛ إما بالطبخ وإما بالغسل، وقد قلنا: يُغسل الزيت بأن تزيد ماءً على النجاسة الواقعة فيه بما يخالط هذه النجاسة ويذهب عينها.
والدليل على ذلك: حديث الأعرابي، فإنه لما بال في المسجد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُصب عليه ذنوب من ماء، وهذا الذنوب أكثر من البول، فدل ذلك على أن النجاسة إذا ورد عليه الماء الطهور الأكثر منها طهرها، فالزيت المتنجس عندما يقع فيه البول فإنه لا يمازجه ممازجة تامة، وحينئذٍ يبقى منفصلاً عنه، وتجد طبقة البول منفصلة عن طبقة الزيت؛ لأن الزيت والسمن لا يقبلانها؛ ففي هذه الحالة يُصب عليه الماء، فيختلط الماء بالبول، ويُصبح بكثرته مكاثراً له، ويُحكم بطهارة ذلك النجس، وحينئذٍ يُحكم بطهارة الزيت، ويصح الانتفاع به أكلاً وشرباً ودهاناً، كما سبق بيانه في كتاب البيع.
وقوله: [وله ثلثهما ولو كثر المال إن لم تجز الورثة].
فإذا كان وصّى بالزيت، أو وصى بالكلب، أو وصى بالأشياء التي ذكرناها من المعدومات والمعجوز عن تسليمها، وكانت تعادل الثلث؛ فإنه يأخذها كاملة.
وإن كانت دون الثلث؛ فإنه يأخذ ما يعادل الثلث من المال كله من ذلك الشيء الذي وصّى به، فيكون له ثلثه.
وقال بعض العلماء: له ثلث المعين، فإذا قال: هذا المعين لفلان؛ فإنه حينئذٍ يشاركه الورثة في ثلثيه، ولكن العمل بما ذكرناه، أنه يستحقه كاملاً إن كان ذلك الشيء دون الثلث، وقد اختار المصنف رحمه الله ما ذكرناه من أنه يقتطع ثلث الموصَى به، وقد بيّنا أن الصحيح أنه يقتطعه كاملاً إذا كان يعادل الثلث فأقل.
وقوله: [ولو كثر المال إن لم تجز الورثة].
(ولو) إشارة إلى الخلاف، وإذا أجازت الورثة فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن ما زاد عن الثلث إذا أجازه الورثة فإنه نافذ، وقد تقدمت معنا هذه المسألة في حكم من وصى بما هو أكثر من الثلث، بأن وصيته تصح وتمضي إذا أجاز الورثة؛ لأن الحق لهم، وهل يكون ذلك تنفيذاً للوصية أو يكون عطية مستأنفة؟ بينا هذه المسألة وبينا أقوال العلماء رحمهم الله فيها.

حكم الوصية بالمجهول

قال رحمه الله: [وتصح بمجهول كعبد وشاة].
أي: وتصح الوصية بمجهول، فلو أن رجلاً عنده سيارات فقال: وصيت بسيارة من سياراتي لمحمد، أو وصيت بعبد من عبيدي، أو بشاة من غنمي، أو بناقة من إبلي ونحو ذلك، فإذا وصى بمجهول فهناك حالتان: الحالة الأولى: أن يقول: بعبد من عبيدي.
والحالة الثاني: أن يقول: بعبد.
ونمثل بما هو موجود الآن، فإن قال: وصيت بعمارة من عماراتي إلى خال أولادي، ولنفرض أن عنده ثلاث عمائر، وكل عمارة تعادل مليون ريال، فإنه: يعطى عمارة من هذه العمارات الثلاث، وهنا يختلف العلماء، فإذا كانت العمائر متفاوتة، ففيها العمائر الغالية الجيدة، وفيها العمائر التي هي دون ذلك؛ فعند ذلك يأخذ أقل ما يصدق عليه أنه عمارة منها، أي: أقلها ثمناً وأقلها قيمة مما يصدق عليه أنه عمارة؛ لأنه وصّى بعمارة من عماراته، واليقين أن الأصل أنها ملك للورثة، فلما قال: بعمارة من عماراتي، فأقل ما يصدق عليه أنها عمارة يعطاها، وهذا مذهب طائفة من العلماء، ومنهم أئمة الحنابلة رحمهم الله.
وخالف بعض الفقهاء كبعض أصحاب الإمام الشافعي فقالوا: يعطى أحسن العمائر، فيبحث عن أفضلها وأغلاها ثمناً وأجودها ثم يُعطى ذلك.
والصحيح: أنه يُنظر إلى أقل ما يصدق عليه أنه عمارة، كما اختاره المصنف رحمه الله؛ لأن الأصل أنها ملك للورثة، فلما قال: عمارة من عماراتي، فهذا الوصف يصدق على أقل عمارة، فهي عمارة من عماراته، فلو كان يريد الأجود للزمه أن يقول: أفضلها وأحسنها؛ لأنه وصف زائد عن الاستحقاق، فكان الواجب ذكره، فلما لم يذكره فهمنا أنه يريد أقل ما يصدق عليه أنه عمارة.
وهذا من جهة الألفاظ، ولذلك لو أن شخصاً قال: إذا نجح ولدي فلله عليّ أن أطعم مسكيناً، فإذا قال ذلك ولم يحدد، فنقول له: أطعم أقل ما يصدق عليه أنه إطعام، وهذا في الاستحقاقات، فعلى هذا نقول: إنه يعطى أقل هذه العمائر مما يصدق عليه الوصف الذي ذكره في الوصية.
وفي الحالة الثانية إذا قال: أوصيت بعمارة لفلان، فإذا لم يكن عنده عمائر، فلا إشكال أنه يؤخذ من ماله ما يكفي لشراء أقل ما يصدق عليه أنه عمارة في عرفنا، فمثلاً: لو وجدنا أن العمارة في عرفنا تصدق على دورين، أو على ثلاثة أدوار، فنشتريها بحسب العرف.
فننظر إذا كانت قيمة هذه العمارة مثلاً خمسمائة ألف، والذي ترك ثلاثة ملايين، فهي إذاً هي دون الثلث، فيشترى له عمارة بخمسمائة ألف ويُعطاها، لكن لو قال في هذه الحالة: أوصيت بعمارةٍ، وعنده عمائر، وعنده سيولة، فهل نعطي الموصى له من العمائر التي يملكها الشخص، أم أن الورثة يشترون له عمارة من الخارج؟ والسبب في هذا: أنه ربما تكون عنده ثلاث عمائر، وكل عمارة بمليون، مع أنه لو اشتُريت له عمارة من الخارج فستكون قيمتها مائة ألف، فمن مصلحة الورثة أن يشتروا له عمارة من الخارج، فقال بعض العلماء: ما دام أنه قال: أوصيت بعمارة، وسكت، ولم يبيِّن أنها من عمائره؛ فحينئذٍ من حق الورثة أن يشتروا له عمارة من الخارج، ويكون حينئذٍ قد برئت الذمة، ويستحق هذا الشيء الذي يصدق عليه أنه عمارة؛ لأنه لو كان يريد من عمائره لقال: بعمارة من عمائري.
وعلى هذا تدخل مسألة السيارة، ومسألة المزرعة، فإذا كان يملك مزارع فحينئذٍ من حق الورثة صرفه عن مزارعه بشراء مزرعة؛ لأن الوصية تصح بذلك.
قالوا: لأنه لو أراد مزرعته لقال بمزرعة من مزارعي، وبسيارة من سياراتي، وبعمارة من عمائري، فلما قال: بسيارةٍ، أو أرضٍ، أو بكتابٍ، أو بمزرعةٍ، فحينئذٍ أقل ما يصدق عليه هذا الوصف يشترى ويعطاه.

اعتبار العرف في الوصية بالمجهول

قال رحمه الله: [ويعطي ما يقع عليه الاسم العرفي].
هناك ثلاثة أنواع من الحقائق، يسميها العلماء: الحقائق: النوع الأول: الحقيقة اللغوية.
النوع الثاني: الحقيقة العرفية.
النوع الثالث: الحقيقة الشرعية.
فالحقيقة اللغوية: هي التي تعارف عليها واصطلح عليها أهل اللغة، واللسان العربي في الجاهلية وصدر الإسلام، على خلاف في مسألة الاحتجاج بصدر الإسلام في الشواهد والأشعار، وإن كان الصحيح أنه يُعتبر من الحقائق اللغوية ويُعمل بها.
وهذه الحقائق، والمسمّيات اللغوية، قد تكون في بعض الأحيان أعم من المسميات الشرعية، فمثلاً: الصلاة، فالصلاة في لسان العرب تشمل الدعاء، وتشمل الرحمة، وتشمل البركة، ثم جاءت الشريعة -وهذه هي حقيقة شرعية- وأطلقت الصلاة على عبادة مخصوصة، وإن كانت الشريعة تستعمل في بعض الأحيان الصلاة بالمعنى العام الذي هو الدعاء، كقول كعب بن عجرة رضي الله عنه: (كم أجعل لك من صلاتي؟) يعني: من دعائي.
وقد تأتي بمعنى الرحمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:56]؛ لأن الصلاة من الله على نبيه عليه الصلاة والسلام رحمته له عليه الصلاة والسلام.
فالشاهد: أنه إذا استعملت الصلاة بمعنى الرحمة، أو البركة، أو الدعاء، فهذه حقيقة لغوية وإطلاق لغوي، وإذا استعملت الصلاة بمعنى العبادة المعروفة ذات الركوع والسجود، المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم بنية التقرب إلى الله عز وجل؛ فهذا لا إشكال أنه حقيقة شرعية.
ومثلاً: الوضوء، فالوضوء في لغة العرب: غسل الشيء، تقول: توضأت؛ إذا غسلت يديك، وإذا أردت الحقيقة الشرعية تقول: توضأ، وقصدك: غسل ومسح الأعضاء التي أُمر المسلم بغسلها ومسحها، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الجنب لما سُئل هل ينام وهو جنب؟ فقال لـ عمر: (توضأ واغسل ذكرك ثم نم).
فهل نحمل قوله: (توضأ) على الحقيقة اللغوية ونقول: مراد النبي صلى الله عليه وسلم غسل مواضع الأذى وغسل الفرج؟ أم أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء المعروف الخاص بالأعضاء؟ وهذا من تعارض الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية.
أيضاً: يتعارض العرف مع الحقيقة اللغوية كما تتعارض الشرعية، فمثلاً: لو أن شخصاً قال: والله لا آكل اللحم -والفقيه وطالب العلم لا بد أن يفهم هذه الحقائق ومدلولاتها، وما الذي يُقدَّم منها- فهل معنى ذلك: أننا نحرم عليه لحم الإبل والبقر والغنم والطيور والأسماك والصيد وكل ما يصدق عليه أنه لحم في لغة العرب؟ أم أننا نخصص التحريم، ونقول له: يحرم عليك اللحم التي تأكله في عرفك وبيئتك؟ لأنه لو قال: نحن في بيئتنا لا نأكل إلا لحم الدجاج، وإذا قصد الدجاج فحينئذٍ لا إشكال، لكن لو قال: والله لا آكل اللحم، فهل نصرفه إلى ما يتعارف عليه، أو نصرفه إلى الحقيقة اللغوية؟ هذه كلها مباحث ومسائل يبحثها العلماء رحمهم الله ويتعرضون لها؛ لأنها تتصل بأحكام شرعية مهمة.
وكذلك هنا الذي وصى، فإن قال: أوصيت بمزرعة لمحمد، وقد يكون ثرياً، وهناك مزارع بمليون، ومزارع بنصف مليون، ومزارع بمائة ألف، فهل نقول: العبرة به هو أم العبرة بعرفه وبيئته وما يصدق عليه أنه مزرعة؟ نقول: العبرة بالعرف والبيئة، فنشتري له أقل ما يصدق عليه أنه مزرعة.
وكذلك لو قال: أوصيت لمحمد بسيارة، وهذا الغني الثري لو أراد أن يشتري سيارة لنفسه لاشترى بمائتي ألف، فهل معنى ذلك: أن الورثة يُطالَبون بشراء سيارة ذات القيمة الغالية بناءً على الشخص الموصي؟ نقول: لا، وهذا الذي قصده المصنف في عرفه.
مسألة ثانية: لما قال بالعُرف، فالعبرة بعرف الموصِي، لأنك تجد السيارات في بعض الدول تُشترى -مثلاً- بخمسة آلاف ريال، وفي بعض الدول تشترى بعشرة آلاف، وفي دول أخرى بمائة ألف، وفي بعضها بأكثر، فنقول: العبرة بعرف الموصي، أي: بيئته التي هو فيها، ومدينته التي هو فيها، فأقل ما يصدق عليه أنه سيارة، فتشترى له، وتتم الوصية على هذا الوجه.

إذا أوصى بثلث ماله ثم طرأ مال جديد

قال رحمه الله: [وإذا أوصى بثلثه فاستحدث مالاً ولو دية دخل في الوصية].
يقول رحمه الله: (وإذا أوصى بثلثه فاستحدث مالاً) أي: طرأ المال بعد الوصية، وهذا هو المراد بالاستحداث، وصورة المسألة ومثالها: شخصٌ وصى بمليون، وهو يملك مليونين، فالمليون يعادل النصف، فاستحدَث مالاً، أي: طرأ مالٌ بعد الوصية، فأصبح يملك ستة ملايين، فأصبح المليون دون الثلث، فإذا حدث شيء بعد الوصية وعند الموت، كان الذي أوصى به دون الثلث، ونفذت الوصية ومضت، وفائدة هذه المسألة أيضاً في النسب والتقديرات، فإنه لم يوص بمبلغ معين -وفي الصورة الأولى أوصى بمبلغ معين- فاستحدث مالاً في الأنصبة، وهذا مراد المصنف، كأن يقول: أوصيت بثلث مالي، وهو يملك ستة ملايين، فمعناه: أنه سيكون للموصَى له مليونان، والمليونان تعادلان ثلث الستة ملايين، وبعدما انتهت الوصية ملك -مثلاً- ستة ملايين أخرى، فحينئذٍ تنتقل الوصية من المليونين إلى أربعة ملايين، فالنسب تدخل في المستحدثات، فكلما حدث من زيادة فإن النسبة تدخل عليه؛ لأنه قال: بثلث مالي.
والعبرة بماله عند وفاته، والعكس بالعكس، فلو حدث نقص فإنه حينئذٍ يؤثر، فلو قال مثلاً: أوصيت بثلث مالي، وكان يملك ستة ملايين، فقلنا: الأصل أن الموصى له يأخذ مليونين، ثم حدث انكسار وعجز، فأصبح يملك ثلاثة ملايين؛ فإنه يعطى مليوناً واحداً، فيحتمل الغرم والغنم.

مسألة دخول الدية في الإرث والوصية

وقوله رحمه الله: (ولو دية) (لو): إشارة إلى خلاف مذهبي، فإن للعلماء في الدية خلاف، والصحيح: لو أن شخصاً وصّى وقال مثلاً: وصيت بثلث مالي لمحمد، ومحمد هذا من قرابته غير الوارثين، ثم قُتل خطأً -الذي هو الموصي- فمعنى ذلك: أنه سيرتفع نصيبه بالدية، فهل تدخل الدية في الإرث أو لا تدخل؟ الذي عليه العمل عند الأئمة والعلماء أن الدية موروثة وتدخل في الإرث، ولذلك قال الإمام أبو عبد الله إمام أهل السنة رحمه الله أحمد بن حنبل: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية في الإرث)، يعني: أنها تدخل في الميراث.
فالمرأة ترث من دية زوجها، ويرث الزوج من دية زوجته، فالدية تابعة للإرث، وهذا قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكره الإمام أحمد رحمه الله وغيره من أئمة الإسلام.
وعلى هذا فقوله: (ولو دية) إشارة إلى خلافٍ، فبعض العلماء يقول: إن الدية لا يُدخل فيها الوصية، ولا ترفع نصيب الموصَى له؛ لأن الدية -مثلاً- لو كانت مائة ألف لرفعت نصيب الموصَى له.
فلو قال مثلاً: وصيت بثلث مالي، وعنده عشرون ألف ريال؛ فثلث المال سيكون دون السبعة آلاف بكسر؛ لكن لو أدخلنا الدية، والدية مائة ألف، فسيكون ثلث ماله أربعين ألفاً، فيأخذ أربعين ألفاً؛ لأنه يصبح الذي تركه الموصي مائة وعشرين ألفاً، مائة من الدية، والعشرين من أصل المال، فيصبح تاركاً لمائة وعشرين، فيأخذ ثلثها وهو أربعون ألفاً، وعلى كل حال: فإن الوصية تدخل وتحتسب من الدية، والدية تورث.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
حكم قبول الوصية ثم ردهاجواز رجوع الموصي في وصيته حال حياتهالرجوع عن الوصية بالقولالرجوع عن الوصية بالفعلالوصية المعلقة بشرطوجوب سداد الحقوق التي على الميت بعد موتهحكم تأخير سداد ديون الميت لمصلحة الورثةالسبب في وجوب سداد الحقوق التي على الميتنصيحة لمن أراد أن يستدينتيسير الله قضاء دين المحسنينإخراج الواجب من مال الميت وإن لم يوص بهتزاحم الحقوق الواجبة مع المستحبة في الوصيةباب الموصى لهمشروعية الوصية بالذرية إلى من يقوم عليهم ويرعاهمشروط يجب توافرها في الوصيأمور يستحب توافرها في الموصيحكم وصية الرجل إلى المرأة بالقيام على الأيتام والأموالاشتراط كون الموصى له يصح تملكهحكم الوصية بالمال للعبدصحة الوصية بحملٍ أو لحملٍ تحقق وجودهإذا أوصى أن يحج عنه بمال يكفي لأكثر من حجةحكم الوصية للملائكة أو للبهائم أو للميتحكم من وصى لحي وميت يعلم موته أو يجهلهحكم من وصى بماله لابنيه وأجنبيالأسئلةحكم الوصية بالدفن في مكان معينالسؤالالجوابحكم دفع صداق الزوجة المتبقي بعد موت الزوجالسؤالالجوابحكم إحرام المقيم بمكة للعمرة من بيتهالسؤالالجوابالضابط في الترويح يوم العيدالسؤالالجوابباب الموصى بهأحكام ومسائل متعلقة بالشيء الموصى بهحكم الوصية بما يعجز عن تسليمهحكم الوصية بالمعدومحكم الوصية بكلب الصيد ونحوهحم الوصية بالزيت المتنجسحكم الوصية بالمجهولاعتبار العرف في الوصية بالمجهولإذا أوصى بثلث ماله ثم طرأ مال جديدمسألة دخول الدية في الإرث والوصية
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل