شرح زاد المستقنع للشنقيطيكتاب القاضي إلى القاضي
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب كتاب القاضي إلى القاضي].
كتاب القاضي إلى القاضي، ثبتت السنة به كما في حديث ضحاك بن سفيان رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه: (أن ورث امرأة أشيم من ميراثه)، فهذا أصل عند العلماء رحمهم الله في صحة كتاب القاضي إلى القاضي، وبعضهم يحتج بكتاب سليمان، وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، ولكن هذا أعم من موضع النزاع، لكن هذا الحديث أصل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كتب بما ثبت عنده؛ لأن المرأة ادعت الميراث من زوجها، وثبت عنده فكتب إلى قاضيه، الذي هو الضحاك بن سفيان رضي الله عنه وأرضاه، وكان كما في رواية أبي داود والحديث صححه الترمذي وغيره: أن يورث امرأة أشيم الضبابي رضي الله عنها وعنه من ميراثه، فحكم بأن لها ميراثاً وأنه ينفذ بالتوريث لإعطائها ذلك الحق.
فهذا مما يكتب به القاضي إلى القاضي، أو أن يكتب له بالشهود أنهم شهدوا بالقضية ويذكرهم ببينة دون عدالة أو جرح فيكتب إليه حتى ينظر في عدالته وجرحه، وإما أن يكتب له بعد شهادة الشهود وتزكيتهم مثبتاً شهادتهم ويوكل إليه النظر بالحكم، وإما أن يكتب إليه بعد شهادة الشهود وثبوت تزكيتهم والحكم عليهم لكي ينفذ حكمه، وهذه كلها أحوال على حسب الحاجة يكتب فيها.
[يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل حق حتى القذف].
والأئمة الأربعة رحمهم الله كلهم على العمل بكتاب القاضي إلى القاضي، وأنها سنة متبعة معروفة عند العلماء رحمهم الله، وأنه لا بأس بذلك ولا حرج.
[لا في حدود الله]، الحدود يتولى النظر فيها بنفسه ولا يعتمد كتاب قاضٍ إليه صيانة للدماء وعظم أمرها؛ ولذلك لا يحكم فيها بكتاب القاضي، ولا ينفذ فيها كتاب القاضي إلى القاضي حتى يقرأ القاضي الثاني ويطلع ويقوم على القضية بنفسه، هذا فقط في الحدود، وهذا مما يستثنى في حكم القاضي على القاضي، إلا القذف؛ لوجود حق المخلوق والخالق، فإنه من الحقوق المشتركة، وقد تقدم معنا في باب القضاء.
[كحد الزنا ونحوه].
والقتل كذلك، لا يعمل بكتاب القاضي إلى القاضي، وهذا لعظم أمر الحدود.
[ويقبل فيما حكم به لينفذه].
ويقبل فيما حكم به لينفذه، الخصم في مكة فكتب القاضي من المدينة إلى مكة أنه ثبت عندي بشهادة الشهود فلان وفلان أن فلاناً له في ذمة فلان كذا وكذا ويحرر له القضية ثم يختم الكتاب ويقرؤه على الشاهدين ثم يقوم الشاهدان بالذهاب بالكتاب إلى القاضي، فينفذ ما فيه.
[وإن كانا في بلد واحد].
بعض الأحيان يكون هو القاضي الكبير والآخر تحت ولايته، قالوا: إن كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الضحاك من هذا المعنى، فقد كان الضحاك والياً على قضاء الأعراب كما في رواية الترمذي، وحينئذٍ هو تحت ولاية النبي صلى الله عليه وسلم العامة، فيستفاد منها أنه لو كان في نفس البلد فله أن يكتب ذلك.
[ولا يقبل فيما ثبت عنده ليحكم به إلا أن يكون بينهما مسافة قصر].
هذا بالنسبة السفر، اشترطوا أن يكون فيه السفر وهو من مسألة مبنية على وجود الحاجة، أما إذا لم توجد فإنه يتولى القضية بنفسه وينفذها بنفسه.
[ويجوز أن يكتب إلى قاض معين وإلى كل من يصل إليه كتابه من قضاة المسلمين].
أي: يجوز أن يكتب إلى قاض معين: إلى فلان ابن فلان قاضي المدينة أو قاضي مكة، أو أن يكتب إلى عموم قضاة المسلمين، وهذا يختلف باختلاف القضايا والحقوق أنه تارة يجعل كتابه عاما وتارة يجعله خاصاً.
[ولا يقبل إلا أن يشهد به القاضي الكاتب شاهدين يحضرهما فيقرأه عليهما ثم يقول: اشهدا أن هذا كتابي إلى فلان بن فلان ثم يدفعه إليهما].
حجية الكتابة للعلماء فيها وجهان: منهم من يقوي حجيتها بخط القاضي إلى القاضي، وجماهير السلف على أن وجود شهادة الشهود تقوي العمل بالكتاب، ذلك بأن يقرأ الكتاب على الشهود أو يطلعهما على ما في الكتاب ثم يشهدان بما فيه، وأن هذا هو كتاب القاضي فلان ابن فلان في قضية كذا وكذا ويشهدان بما فيه، فحينئذٍ يكون الكتاب موثقاً، ويقبله القاضي الثاني، أما إذا لم يشهدا عليه فإنه لا يقبله.

شرح زاد المستقنع -

باب القسمة

ألحق العلماء باب القسمة بكتاب القضاء؛ لأن كثيراً من القضايا تكون ناتجة عن اختلاف الشركاء في القسمة، وعلى هذا فالقسمة قد تكون يشترط فيها رضا الشركاء، أو قسمة إجبار لا يشترط فيها ذلك.

القسمة تعريفها ومشروعيتها وأنواعها

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب القسمة].
القسمة مأخوذة من قولهم: قسمت الشيء أقسمه أقساماً وقسمة.
وأصل القسم: النصيب والحظ من الشيء، وغالباً ما يكون في الأشياء التي لها شركة، أو يجتمع فيها شخص فأكثر.
وقوله: [باب القسمة].
أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالقسمة، سواء كانت قسمة تنبني على التراضي أو كانت قسمة إجبار، هذان هما نوعا القسمة.
والأصل في القسمة كتاب الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى﴾ [النساء:8]، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وتفرفت الطرق فلا شفعة)، وهذا يدل على مشروعية قسم الأشياء من المنقولات والعقارات، فالآية في المنقولات وشاملة أيضاً للعقار من جهة التبع، وبالنسبة للحديث فإنه في العقارات.

النوع الأول: قسمة التراضي

قال رحمه الله: [لا تجوز قمسة الأملاك التي لا تنقسم إلا بضرر أو إلا برد عوض].
هذا هو النوع الأول من القسمة، وهو قسمة التراضي، ولا يمكن فيها أن نجبر أحد الشركاء على القسمة، بل إذا رضي بالقسمة قسمنا وإلا فلا؛ والسبب في ذلك وجود الضرر؛ لأن القسمة شرعت لدفع الضرر، والقاعدة تقول: (الضرر لا يزال بالضرر)، إلا في مسائل مستثناة، منها مسألة: (درء المفسدة العليا بارتكاب أخف الضررين وأهون الشرين) ونحو ذلك، لكن الأصل الشرعي: أن الضرر لا يدفع بالضرر.
ومثال: إذا كان هناك مزرعة وفيها بئر واحد لا يمكن قسمته، أو كان هناك عقار لا يمكن أبداً أن يؤجر إلا مجتمعاً، فإذا قسم تعطلت منافعه، ونحو ذلك من المسائل كما ذكر المصنف في الأشياء الصغيرة كالحمام والغرف الصغيرة التي لا يمكن قسمتها.
فهذا النوع يسمى (قسمة التراضي) بمعنى: أننا لا نحكم بالقسمة إلا إذا رضي الطرف الثاني -وهو المتضرر- فإذا رضي بذلك قسمنا، وهذا الحكم عام، فيدخل فيه استواء الأنصبة واختلاف الأنصبة.
استواء الأنصبة: أن يكون لأحدهما نصف الأرض وللآخر النصف الآخر، أو تكون الأرض منقسمة أثلاثاً لكل واحد منهم ثلث الأرض، فالنصيب متساوٍ.
أو يكون الضرر بسبب اختلاف في النصيب، كأن يكون لأحدهم ثلاثة الأرباع، والآخر له الربع، فلو قُسمت فلا شك أنه ستتحسن المنافع باجتماع الثلاثة الأرباع ولكنها لا تتحسن لمن له الربع، وقد يكون هناك عقار بين اثنين، لأحدهما فيه العشر وللآخر تسعة أعشار، فالذي له العشر لا يمكنه بحال أن ينتفع من العقار، وهذا كله مبني على أن الأصل في مشروعية القسمة هو دفع الضرر، ولذلك يعتبرون هذا الباب -وهو باب القسمة- مبنياً على القاعدة الشرعية: (الضرر يزال) وهي إحدى القواعد الخمس المشهورة التي أشرنا غير مرة أنه انبنى عليها الفقه الإسلامي.
وقوله: [إلا برضا الشركاء].
إلا برضا الشريك أو الشركاء، فإن كان العقار بين اثنين وطالب أحدهما بالقسمة سألنا الطرف الآخر أن يرضى، وإذا كانوا أكثر من واحد فإنه يُطْلَبْ رضا الأطراف الأخرى الذين لم يطالبوا بالقسمة، فلو اتفقوا كلهم على القسمة فلا إشكال، إنما الإشكال إذا كان أحدهما يطالب بالقسمة، والآخر يقول: أنا أتضرر بالقسمة ولا أريد القسمة.
ويحصل هذا في الميراث، كأن يتوفى الرجل ويترك وارثين، فيرثا أرضاً، ومزرعة، وداراً، فالقسمة تضر بهما أو بأحدهما؛ فحينئذ لا نحكم بإجبار الطرف الآخر على القسمة.
قال رحمه الله: [كالدور الصغار، والحمام والطاحون الصغيرين].
الحمام والطاحون الصغيران لا يمكن قسمتهما؛ لأن منافع الحمام ومنافع الطاحون لا يمكن قسمتها، والحمام في القديم هو مكان الاغتسال، وليس الحمام الذي هو دورة المياة -كما يعرف في زماننا- فكان عبارة عن بناء يوقد تحته النار من أجل تسخين المياه وهو معروف إلى زماننا، فهذا الحمام لا يمكن قسم منافعه، ولا يمكن أبداً أن نعطي شخصاً تسعة أعشار الحمام، أو نعطي شخصاً ثلث الحمام، أو نعطي شخصاً ربع الحمام، إلا إذا كان كبير المساحة يمكن قسمته والفصل بين الأنصبة والأجزاء.
فلو كان الورثة لهذا الحمام خمسة أبناء ذكور، فإن الحمام يقسم بينهم أخماساً، فإذا وجد في القسمة ضرر على أحد الشركاء فهذه يسمونها (قسمة التراضي) بمعنى أنه لا يجبر القاضي الطرف الآخر على أن يقسم لتحصيل مصلحة الطرف الأول.
قال رحمه الله: [والأرض التي لا تتعدل بأجزاء].
مثل أن يكون عنده أرض بعضها على الشارع وبعضها بعيد عن الشارع، أو بعضها يمكن الانتفاع به وبعضها لا يمكن الانتفاع به، أو بعضها جبل وبعضها غير صالح للزراعة، بعضها سبخة وبعضها صحراء ونحو ذلك، فإذا تفاوتت أجزاء الأرض ولا يمكن قسمتها لوجودالضرر، أو لا تمكن القسمة إلا برد العوض -ولذلك يضبطون هذا النوع وهو (قسمة التراضي) بأنها التي لا يمكن إعمالها إلا بوجود الضرر أو بتعديل الأجزاء بالمال- فإذا حصل ذلك وهو رد العوض فإنه يعتبر من قسمة التراضي.
[ولا قيمةٍ كبناءٍ أو بئر في بعضها].
ففي هذه الحال لا يمكن قسمتها إلا بضرر أو بقيمة.
[فهذه القسمة في حكم البيع] أي: تأخذ أحكام البيع، فإذا رضيا فحينئذ تجري عليهما أحكام البيع، مثلاً: يثبت فيها خيار المجلس، فلو أنه رضي ثم ندم على الرضا وهما جالسان، كان من حقه أن يقول: رجعت عن رضاي أو لا أريد القسمة؛ لأنها آخذة حكم البيع، والبيع يجوز فيه خيار المجلس، وهو ثابت بالسنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أصح قولي العلماء.
ومن فوائده: أننا لو قسمنا أشياء من الربويات كحبوب وكان فيها ضرر ثم تراضوا وقسموا كأن يكون على النخل، فحينئذ لابد من التقابض؛ لأن كل قسم في مقابل القسم الآخر، فلابد أن يحصل التقابض، كما يشترط في البيع، فتجري عليه أحكام البيع.
[ولا يجبر من امتنع من قسمتها].
وهذا من أحكامها التي تأخذ أحكام البيع، فمثلاً: ورثة ورثوا شيئاً واشتركوا فيه، فاشتكى أحد الورثة، وقال: أريد أن أقسم مع إخواني، ولما نظر القاضي فإذا بالعين التي يراد قسمتها لا يمكن قسمتها إلا بضرر على الأطراف الأخرى أو بعضهم، فامتنعوا، وقالوا: لا نريد، فحينئذ ليس من حق القاضي أن يجبرهم على القسمة.
إذاً: قسمة التراضي لا يحصل فيها إجبار، وإذا تراضوا وتمت القسمة بينهم جرت أحكام البيع على ذلك.

النوع الثاني: قسمة الإجبار

قال رحمه الله: [أما ما لا ضرر ولا رد عوض في قسمته، كالقرية والبستان والدار الكبيرة والأرض والدكاكين الواسعة، والمكيل والموزون من جنسٍ واحدٍ كالأدهان والألبان ونحوها، إذا طلب الشريك قسمتها أجبر الآخر عليها].
هذا هو النوع الثاني من القسمة: وهو قسمة ما لا يحصل الضرر بقسمته، فلو كانت أرضاً والأرض كلها على الشارع ويمكن قسمها إلى أجزاء على حسب الحصص، فمثلاً: أخوان وارثان كل منهما له النصف، ورثا ميتاً عصبة، فقسمت الأرض بينهم مناصفة، قالوا: نريد القسمة، فتقسم بينهم مناصفة، وبما أن كلا النصفين على الشارع وكلا المميزات الموجودة في هذا النصف موجودة في النصف الآخر؛ فحينئذ يجوز قسمتها، ولا إشكال في هذا، وهذا معنى (لا ضرر فيه).
كذلك المكيلات يمكن تحديد الأجزاء فيها بالكيل، فمثلاً: لو ترك المورث خمسين صاعاً من بر، وقال أحد الوارثين: أريد أن أقسم حتى أتصرف في قسمي، وقال الآخر: لا نقسم، بل نبيعها كلها، فحينئذ يجبر القاضي الطرف الآخر على القسمة؛ لأن قسمة الخمسين صاعاً لا ضرر فيها، ويمكن العدل فيها بين الطرفين، فيجبر الرافض للقسمة منهما على هذا، وهو أكثر ما يقع في مسائل الميراث وفي الشركات بين الشركاء، ولذلك أدخله العلماء رحمهم الله -والمصنف رحمه الله- في باب القضاء؛ لحصول التنازع فيه.
[وهذه القسمة إفراز لا بيع].
إفراز النصيب لكل منهما.
وقد تكون القسمة في المنافع، وهي التي سميناها قسمة المهايأة، وهي أن يهيئ كل منهما للآخر نصيبه الذي يرتزق به، كما لو اتفق وارثان، أحدهما قال: أنا أسكن في الدور العلوي، والثاني قال: أنا أسكن في الدور السفلي، والدار بينهما، فحينئذ تهيأا للانتفاع من الدار، وهذه هي قسمة المهايأة.

من يقسم بين الشركاء وعلى من تكون أجرته

[ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم، وبقاسم ينصبونه].
(ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم) إذا حصلت القسمة بينهم برضا الأطراف، فحينئذ لا إشكال، ولا يجب عليهم أن يترافعوا إلى القاضي، ولا يجب عليهم أن يُنصبوا قاسماً يقسم بينهم، ما دام أنهم تراضوا، ورضي كل منهم بحصته.
(وبقاسم ينصبونه) (يَنْصِبُوْنَه أو يُنَصِّبُوْنَه) أي: يأتون بشخص، فمثلاً: إذا كانت أرضاً وجاءوا بمهندس -كما في زماننا- ينظر إلى الأرض ويعدّلها ورضوا بقسمته، فإذا كان متبرعاً فلا إشكال، لكن لو قال: أريد أجرة على ما عملت، فحينئذ تنقسم الأجرة على قدر نصيب كل واحد منهم، فإذا كانت الأرض بين الاثنين مناصفةً، وجب على كل واحد منهما أن يدفع نصف الأجرة، وإذا كانت الأرض أرباعاً لكل واحد من الأربعة الربع، وجب على كل واحد أن يدفع ربع أجرة القاسم.
فإذا قال: أجرة مثلي في هذه القسمة لهذا العقار أو هذه الأرض أو هذه المزرعة أربعمائة ريال، فإذا كانوا أربعة فحينئذٍ يدفع كل شخص مائة ريال؛ لأن هذه الأرض غنمها وغرمها على الجميع بقدر النصيب، كما أنها لو خسرت ونقصت قيمتها دخل النقص والخسارة على الجميع، كذلك لو ربحت وزاد نماؤها كان نماؤها على الجميع، وأصول الشريعة تقتضي هذا، ولذلك القاعدة الشرعية تقول: الخراج بالضمان، وتقول: الغنم بالغرم،، وبعضهم يقول: الغرم بالغنم، والمعنى واحد، وعلى كل حال الربح لمن يضمن الخسارة، وقد تقدم تقرير هذا في غير ما موضع، وأشرنا إلى حديث عائشة رضي الله عنها عند أبي داود وغيره في تقرير هذا الأصل.
قال رحمه الله: [أو يسألوا الحاكم نصبه، وأجرته على قدر الأملاك].
قوله: (أو يسألوا الحاكم نصبه) إذا وجد عند الحاكم لجنة، أو لدى القاضي أناس من أهل الخبرة؛ لأن القضاة ينبغي عليهم أن يكون عندهم أناس لهم خبرة في شؤون الناس ومشاكل الناس وأحوالهم يرجع إليهم القاضي عند الحاجة، تارةً يكونون منصبين من قبل القاضي ويكون لهم رزق من بيت المال على خلاف بين العلماء رحمهم الله في مسألة إعطائهم أرزاقاً من بيت المال.
فإذا سألوا القاضي أن ينصبه، فمذهب طائفة من العلماء أن هذه القسمة الحظ فيها للشركاء، وإذا كان الحظ للشركاء فلا تُدخل على بيت المال ضرراً، بمعنى أن بيت المال لا يتحمل أجرة القسمة، بل يتحملها الشركاء؛ لأنه لا علاقة لبيت المال في قطع خصومة ما، بحيث تحمل على بيت مال المسلمين.
[وأجرته على قدر الأملاك] كما ذكرنا، من كان له النصف فيدفع نصف أجرته، ومن كان له الربع فيدفع الربع، وهكذا.
قال رحمه الله: [فإذا اقتسموا أو اقترعوا لزمت القسمة].
قوله: (فإذا اقتسموا) النصيب، وجرت القسمة لزمتهم، بالأطراف، والأصل يقتضي هذا، وإلا فما هو المراد من قسمتها.

القرعة في القسمة

قال رحمه الله: [وكيف اقترعوا جاز].
وكذلك القرعة، فمثلاً: لو قسموها قسمين، وهما شريكان، قال أحدهم: أنا آخذ اليمنى، وقال الآخر: أنا آخذ اليسرى، فلا إشكال، وكذلك لو شُق شارع وقسم الأرض قسمين، فقال أحدهما: أنا آخذ الشمالية.
والآخر قال: أنا آخذ الجنوبية.
أو قال أحدهما: الشرقية، وقال الآخر: الغربية.
واصطلحوا على هذا؛ فلا إشكال، لكن لو قال أحدهما: أنا آخذ اليمنى، وقال الآخر: أنا آخذ اليمنى.
وليس هناك تميز في إحداهما؛ لأن القسمة لا تمكن إلا بالتعديل، فإذا استوت أجزاؤها، لكن أحدهما قال: أنا أريد الشمالية، وقال الآخر: وأنا أريد الشمالية؛ فحينئذ لابد من القرعة.
والقرعة لها أصل يدل على المشروعية، وهو قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:141]، والحديث الذي في قصة سليمان عليه السلام، والأصل يقتضي مشروعية القرعة وجريانها، ولها عدة صور؛ كيفما اقترعوا جاز، فمثلاً: لو أنهم وضعوا الشمالية في ورقة والجنوبية في ورقة، ثم تخلط الأوراق، وكل واحد منهما يأخذ ورقة أو يؤتى بشخص جاهل أو طفل لا يعلم -كما ذكر بعض العلماء- حتى يكون أبعد عن التهمة والريبة، وبعد خلطه للورقتين يقول أحدهما: أنا آخذ الورقة الأولى، والآخر يقول: أنا آخذ الورقة الثانية.
وهكذا.
وعلى كل حال أنهم: كيفما اقترعوا جاز، ما دام أنه أمر خفي، ولا تحصل فيه التهمة ولا الريبة، وليس فيه تنبيه لأحدهما على ما يريد وما يطلب، فإنه جائز.

شرح زاد المستقنع -

باب الدعاوى والبينات

يختصم الناس إلى القضاء في كثير من المشاكل التي تقع بينهم، وفي هذه الخصومات يقوم كل خصم بتقديم البينات والحجج لإثبات صحة دعاواهم، وقد درج كثير من المصنفين على إلحاق باب مختص بالدعاوى والبينات بكتاب القضاء؛ لما لهذا الباب من أهمية في بيان المدعي من المدعى عليه، وما هي البينة المقبولة من المردودة، وغير ذلك من المسائل.

باب الدعاوى والبينات

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الدعاوى والبينات].
الدعاوى: جمع دعوى، ويقال: دعا إذا طلب، ودعا إذا تمنى في لغة العرب.
والمراد بها إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره أو في ذمته، هذا بالنسبة لحقيقتها في اصطلاح العلماء رحمهم الله، وهذه الإضافة توسّع بعض العلماء فيها، فقالوا: إنها من حيث الأصل تأتي على سبيل الإثبات وعلى سبيل النفي.
وقوله رحمه الله: (والبينات) جمع بينة، وقد تقدم تعريفها.
يقول رحمه الله: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من أحكام المسائل التي تتعلق بأحكام الدعاوى في القضاء وأحكام البينات والحجج التي يرفعها الخصوم لكي يثبت كل واحد منهم صحة ما يدعيه، والبينات تتعدد وتختلف، ولذلك يفرد العلماء رحمهم الله باباً يختص بالدعاوى وبالبينات ويلحقونه بكتاب القضاء.

الفرق بين المدعي والمدعى عليه

قال رحمه الله: [المدعي من إذا سكت تُرك].
والمدعى عليه من إذا سكت لم يترك هذه المسألة تعرف بمسألة تمييز المدعي من المدعى عليه، ولا يمكن لقاضٍ أن يقضي في قضية حتى يستطيع أن يعرف أصول الدعوى والمرافعات في القضاء، ومن أصول الدعوى والمرافعات في القضاء، أن يميز بين المدعي والمدعى عليه، إذ لا يمكن لأحد أن يفصل في قضية، حتى ولو لم تكن قضائية، حتى في العلم في مسائل العلم؛ لأن الإنسان إذا علم من هو المدعي، قال له: عليك الحجة وعليك البينة، وطالبه بالحجة والبينة، وإذا علم المدعى عليه بقي على قوله حتى يدل الدليل على خلافه، ولذلك تجد طلاب العلم الذين لا يحسنون هذا الباب، يجلس بعضهم مع بعض، ويقول كل واحد منهم: أعطني دليلاً، والآخر يقول: أعطني دليلاً، فهم لم يعرفوا الأصول ولم يثبتوا الأصول، حتى يميزوا من الذي يطالب بالدليل والحجة، ومن استطاع أن يضبط الأصول ويعرف القواعد والأسس في ضبطها، فإنه لا يشكل عليه أمرها.
ومن هنا قال الإمام الجليل سعيد بن المسيب رحمه الله: من عرف المدعي من المدعى عليه، لم يلتبس عليه حكم في القضاء.
إذاً لابد من معرفة حال المدعي والمدعى عليه، حتى قال بعض العلماء في نظمه: تمييز حال المدعي والمدعى عليه جملة القضاء وقعا عليه جملة القضاء وقعا: كل القضايا لا يمكن أن يبت فيها حتى يُعرف من المدعي ومن المدعى عليه.
وهذه الضابط الذي ذكره المصنف رحمه الله ارتضاه كثير من أهل العلم رحمهم الله.
وصححوه، وقال به فقهاء الحنفية، وقال به بعض الشافعية، ورجحه الإمام الشوكاني وغيره، وانتصر له الإمام الماوردي رحمة الله على الجميع في الحاوي: أن المدعي من إذا سكت تُرك؛ لأن الحق حقه، فلو أنه لا يريد أن يدعي لا نأتي ونقول له: طالب، ويجب عليك أن ترافع، والمدعى عليه إذا أقيمت عليه الدعوى، فإنه إذا سكت، نقول له: أجب، ولا يترك، ويطالب بالرد، لكن المدعي لا يطالب؛ لأن له الحق في أن يطالب، وإذا سكت ولم يطالب لم يفرض عليه أحد أن يتكلم، ولم يفرض عليه أحد أن يخاصم، ولكن المدعى عليه -ولا تقل: هذا مدعى عليه؛ إلا إذا ثبتت دعوى- لا يمكن أن يترك؛ بل يقال له: أجب، وقد تقدم معنا أنه يجبر على الجواب حتى ولو سكت: ومن أبى إقرار أو إنكارا لخصمه كلفه إجبارا ولذلك يطالب وإذا سكت لم يترك، أما المدعي فهو الذي إذا سكت ترك، هذا هو الضابط الذي اختاره المصنف رحمه الله.
وهناك ضابط آخر -وهو صحيح وقوي جداً- وهو أن المدعي من كان قوله موافقاً للأصل، والمدعى عليه من كان قوله خلاف الأصل، فمثلاً: شخص جاء وقال: فلان زنى.
فالأصل أنه غير زانٍ، فحينئذ الذي قال: فلان زنى، هذا مدعٍ، والطرف الآخر الأصل -وهو المدعى عليه- فيه البراءة من التهم، حتى يثبت أنه متهم، فإذا قال شخص: فلان ضرب فلاناً.
الأصل أنه لم يضرب، فحينئذ الذي يقول: فلان ضرب فلاناً؛ مدعٍ.
ويكون الطرف الآخر مدعىً عليه، هذا ضابط.
وهناك ضابط آخر يضبط القضايا بألفاظها.
فقال بعضهم: المدعي من يقول: حصل كذا، كان كذا، يعبرون بقولهم: كان كذا، أي: بعت، اشتريت، أجَّرْت، أخذ مني سيارةً، أخذ داري، اعتدى عليَّ، شتمني، ضربني، والمدعى عليه: هو الذي يقول: ما ضربته، ما شتمته، لم يكن كذا.
فقالوا: المدعي هو الذي يقول: كان، والمدعى عليه: هو الذي يقول: لم يكن.
وكذلك أيضاً يعرف المدعي إذا كان قوله خلاف الظاهر، والمدعى عليه من هو على الظاهر ويكون بالعرف، فمثلاً: عندنا بالعرف أنه إذا كان شخص يسكن في بيت، وجاء شخص وقال: البيت بيتي، أو العمارة عمارتي، أو الأرض أرضي، فحينئذ الظاهر أن الأرض لمن يعمل فيها، والبيت لمن هو ساكن فيه، فظاهر العرف يشهد بأن الإنسان ما يتصرف إلا في ماله، كذلك لو وجدنا شخصاً راكباً على بعير، والآخر غير راكب، فقال الراجل: هذا بعيري، فالظاهر يشهد وكذا العرف يشهد بأن هذا مدعٍ، والراكب مدعىً عليه، ونعود في ذلك إلى التعريف الذي ينص على أن الذي خلا قوله عن الأصل وعن العرف أو الظاهر الذي يشهد بصدق قوله فإنه حينئذ يكون مدعياً.
وأما إذا اقترن قوله بالأصل واقترن قوله بالظاهر؛ فإننا نقول: إنه مدعىً عليه، وحينئذ لا نطالبه بالحجة، ونبقى على قوله حتى يدل الدليل على خلاف قوله، والبعض صاروا إلى هذا كما يقول الناظم رحمه الله: فالمدعي من قوله مجرد من أصل أو عرف بصدق يشهد (من أصل) فمثلاً قال: فلان زنى، الأصل أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
فقوله مجرد من الأصل، فنقول له: ائتِ بالبينة، وأنت مدعٍ أو (عرف بصدق يشهد) أي: عرف يشهد بصدق قوله، وقد قلنا: إن العرف يحكم بأن راكب الدابة هو صاحبها، وكذلك لو كان اثنان على دابة، فالعرف يقضي أن الذي في المقدمة مالكها، أي: لو قال كل منهما: هذه دابتي، فالذي في المقدمة مدعىً عليه والذي في الخلف مدعٍ.
ولو كانا في سيارة وأحدهما يقود والآخر راكب، فإن العرف يشهد بأن الذي يقود السيارة مالكها -والآن أوراق التملك تحل القضية- فمن حيث الأصل أن المدعي من تجرد قوله من الظاهر ومن الأصل ومن العرف الذي يشهد بصدق قوله: وقيل من يقول (قد كان) ادعى و (لم يكن) لمن عليه يُدعى (وقيل) أي: من جملة الأقوال في ضابط المدعي والمدعى عليه، (من يقول: قد كان؛ ادعى أي: أنه مدعٍ، كان كذا، حصل كذا، وقع كذا، فلان ضرب، فلان شتم، فلان أخذ، فلان سرق، فلان كذا.
فهذا مدعٍ.
والذي قال: ما فعلت، أو ما سرقت، أو ما أخذت، أو ما تكلمت، أو ما آذيت.
هذا مدعىً عليه.

عدم صحة الدعوى إلا من جائز التصرف

قال رحمه الله: [ولا تصح الدعوى والإنكار إلا من جائز التصرف].
وهو المكلف البالغ العاقل الحر الرشيد، وقد تقدم هذا معنا في عقود المعاملات المالية، وبينا أنه لا يصح التصرف من رجل مجنون.
ولا من صبي إلا في مسائل مخصوصة، مثل الصبي المميز إذا أذن له وليه بالتجارة، ولا يصح التصرف من العبد كما أخبر الله عز وجل ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل:75]، وبينا هذا وبينا الأصول والأدلة التي تدل عليه، وجائز التصرف يشترط أن يكون رشيداً، فالسفيه لا يصح تصرفه، فلو أقام الدعوى -في المال- من هو محجور عليه لم تقبل دعواه؛ لأنه ليس له حق في ذلك.

القول قول صاحب اليد مع يمينه إلا إذا وجدت بينة

قال رحمه الله: [وإن تداعيا عيناً بيد أحدهما فهي له مع يمينه إلا أن تكون له بينة فلا يحلف].
مثلاً: محمد وعبد الله اختصما على أرض، أو كتاب أو ثوب، وهذه الشيء بيد أحدهما، وليس المراد بقوله: (بيده) القبض باليد، لكن بالمعنى الشمولي العام، فتقول: (في يده) أي: تحت تصرفه أو تحت عمله أو تحت ولايته ونظره، وهو الذي يقوم عليها، وهو الذي يتصرف بها، فحينئذ فالسيارة (في يده) أي: يقودها، ومعه مفاتيحها، والبيت إذا كان ساكناً فيه، والأرض يحرثها ويزرعها، ويقوم على مصالحها، فجاء محمد ادعى عيناً بيد عبد الله، وقال: الأرض أرضي، أو السيارة سيارتي، أو القلم قلمي الثوب ثوبي الكتاب كتابي، فنظرنا فوجدنا أن الكتاب بيد عبد الله، فحينئذ نقول لمحمد: أنت مدعٍ، وحينئذ لا يمكن أن تقبل دعواك إلا إذا أقمت البينة وإلا حلف خصمك وانتهت القضية.
فمن ادعى عيناً في يد آخر فحينئذ يطالب الخارج بالبينة والداخل لا يطالب إلا باليمين في حال الإنكار إذا سأل خصمه أن يحلف اليمين وإلا لم يلزمه شيء.

تعارض البينات

قال رحمه الله: [وإن أقام كل واحد بينة أنها له، قضى للخارج ببينته ورفض بينة الداخل] هذه المسألة مشهورة عند العلماء، وهي مسألة تعارض البينات، فلو اختلفا في بيت أو في كتاب أو في أرض -أي: سواء كان عقاراً أو منقولاً- وعرفنا من المدعى عليه أحدهما القائم على مصالح هذا الشيء، كساكن في البيت في الداخل، وجاء الخارج وأقام بينة، ثم الداخل أقام بينة، هذا عنده شاهدان يشهدان أن البيت بيته، وأنه لن ينتقل منه إلى الآخر إلا بعوض؛ لأن البيت بيته وأنه ملك له، والآخران أيضاً شهدا بأن البيت بيت فلان وملك لفلان، فهذان شاهدان وهذان شاهدان، والشريعة اعتبرت الشهادة حجة، فماذا يفعل في هذه الحالة؟ طبعاً من العلماء من قال: تسقط البينتان، يعني بينة الداخل وبينة الخارج، أي: إذا تعارضتا سقطت هذه وسقطت هذه فألغيتا؛ لأننا لو عملنا بهذه بناء على أن الشرع يعتبرها حجة، فكذلك يجب علينا أن نعمل بالأخرى؛ لأن الشرع يعتبرها شهادة وحجة ليس عليها أي غبار ولا فيها أي مطعن، فلا يمكننا أن نفضل حجة على حجة، وإن فهم القضاء بالحياد لأحد الخصمين لكن إن وجد المجرم قال سقطت البينتان.
لكن هناك أحوال بعض العلماء يستثنيها، يقول: لو كانت إحدى البينتين شهودها معروفون بالضبط وبالإتقان وبالعدالة، وهذا تغليب ظن قوة الحجتين، قالوا: فترجح، لكن هذا ضعيف؛ لأن العلم المستفاد من حيث الأصل حجية، والحجية موجودة في الاثنين، فحينئذ مثلاً إذا كان الشاهد مرضياً فلا إشكال إذا قامت الحجتان.
ومن أهل العلم من قال: نقدم بينة الخارج على بينة الداخل، وهذا هو الذي رجحه المصنف رحمه الله، بمعنى أنه يقول: إذا كنت ساكناً في الدار وعندك حجة وبينة، والآخر خارج الدار وادعى عليك وجاء بحجة وبينة؛ قدمنا حجة الخارج، قال: لأن هذا الذي في داخل البيت لما أثبت لنفسه فالظاهر شاهد على حاله، وبالنسبة للخارج جاء بشيء يحتمله العرف، وهو أنه باع أو تصرف، أي أن الساكن في البيت قد باع للخارج، ومن هنا تقوى بينة الخارج وترجح على بينة الداخل، هذا تعليل بعض العلماء في ترجيح القول الذي اختاره المصنف.
ولكن في الحقيقة من أقوى القرائن: زيادة العلم، وهي أن بعض العلماء قال: إن بينة الداخل -الذي هو داخل الدار- جارية على الأصل، وبينة الخارج ناقلة من الأصل، والناقل عن الأصل جاء بزيادة، وحينئذ يقدم، وهذه المسألة مثل ما ذكروا إذا تعارض الحاضر والمبيح، قالوا: يقدم الحاضر على المبيح؛ لأن المبيح جارٍ على الأصل؛ لأن الأصل في الأشياء حلها وإباحتها، فإذا جاء المحرم فمعنى ذلك أننا نقلنا عن الأصل فصارت استفادة وزيادة علم هذا وجه.
فالذي يظهر -والله أعلم- أنه لا تقدم حجة الخارج، وأن بينة الخارج ساقطة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، لأن هذا التعليل في كلتا الحالتين ضعيف، وأن الأقوى والمعتبر من جهة النص، وهو كون النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)، فنحن نقول: هذان شخصان اختلفا في البيت، فإذا جئنا نقدم بينة الداخل على بينة الخارج خالفنا النص؛ لأن الذي في الداخل مدعى عليه، والذي في الخارج مدعٍ، فحينئذ الأصل الشرعي يقتضي أن ينظر في بينة الخارج لا في بينة الداخل؛ لأن الذي في الداخل مطالب باليمين -إذا لم توجد بينة- ولا يطالب ببينة، إنما الذي يطالب بالبينة هو الخارج، ومن هنا نرجح أن هذا القول قوي من جهة النقل لا من جهة العقل والتعليل؛ لأن الذي ذكرناه في الأول تعليلات، فنرجح هذا القول الذي نص عليه المصنف رحمه الله وهو تقديم بينة الخارج على بينة الداخل، ويكون الترجيح مستفاداً من جهة أن بينة الخارج مبنية على النص، حيث إن المدعي مطالب بالبينة والمدعى عليه لا يطالب بالبينة، فحينئذ نقول: لما جاءتنا بينة الخارج لزمنا بحكم النص أن نعمل بها، ومعارضة بينة الداخل، ومثله ليس له أن يأتي بالحجة، فتُقدم حجة الخارج على الداخل، هذا بالنسبة للمسألة إجمالاً ووجه ترجيحها، وعلى كل حال لا يخلو الفقهاء من بعض المخارج، كان بعض مشايخنا يقول: فليخرج، ثم إذا خرج يقيم دعوى جديدة، ويأتي ببينة حتى يصبح الأمر على الدور، ومن هنا قالوا: إن هذا لا إشكال فيه، فإنما أسقطنا البينة الثانية؛ لأنها تؤدي إلى الدور، (وما أدى إلى باطل فهو باطل)، والفقيه يجد له مخرجاً.

شرح زاد المستقنع -

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل