حكم الإجارة بجزء من العمل
السؤال
من أراد أن يبيع أرضاً بمائة فقال له آخر: أبيعها لك بمائة وعشرين، وسأخبر المشتري أن صاحب الأرض يريد مائة وعشرين، وتم البيع فأعطى البائع مائة، وأخذ هو العشرين إلى جانب نسبته من المشتري، فهل هذا يصح، أثابكم الله؟
الجواب
هذه المسألة فيها أكثر من سؤال: أولاً: بالنسبة للمالك الحقيقي للأرض إذا قال لك: بعها بمائة، فإنك تراعي حقوق إخوانك المسلمين، خاصة إذا وجدت أنهم يحتاجون إلى هذه الأراضي، أو أن الأشخاص الذين سيشترون منك أشخاص يعوزهم المال، فعليك أن تتقي الله، فهذا من النصيحة لعامة المسلمين.
ولا ينبغي للإنسان أن يكون كثير الجشع كثير الطمع دون أن ينظر إلى حقوق إخوانه وحوائجهم، ولو فعل غيره به ذلك لما رضي بهذا، والمسلم يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، ويكره لإخوانه ما يكره لنفسه، فلا ينبغي له أن يبالغ بالأرباح مع إمكان البيع بالأقل.
ثانياً: إذا قال له: أنا أبيع لك هذه الأرض بمائة وعشرين، وآخذ عشرين من المائة، فهذه المسألة تعرف عند العلماء بمسألة (قفيز الطحان) وضابطها الاستئجار بجزء من العمل، فإن العشرين سيأخذها من عمله، والإجارة يمنع بعض العلماء أن يستأجر الأجير بجزء من عمله؛ لكن الصحيح أن فيها تفصيلاً، فإن قوي وكثر الغرر حرم هذا النوع من الإيجارات، وإن قل الغرر وكان يسيراً، فإنه يجوز.
من أمثلة ما كان فيها غرر كثير أن يقول له: اذبح لي هذه الشاة وخذ جلدها، فإن هذا الغرر فيه كبير، لأننا لا ندري هل الجلد ثخين، أو رقيق؟ ولا ندري هل يخرج سالماً أو معيباً؟ لأنه ربما قده أثناء سلخ الشاة، فإذا استأجره بجزء من عمله مع جهالة أو غرر أكبر فلا يجوز، لكن لو كان مثل أن يحدد له قيمة، يقول له: بعها بمائة وعشرين ولك عشرون جاز.
إذا قلنا بجوازها صح له حينئذٍ أن يبيعها بمائة وعشرين، والأفضل أن يتقي الله في إخوانه، وألا يجعل أرباحه الخاصة على وجه الإضرار بالسوق.
تبقى مسألة نسبة السمسرة، ونسبة السمسرة أن يقول له: أبيع لك هذه العمارة أو أبيع لك هذه الأرض، وآخذ (6%)، أو (7%)، أو (2%)، أو (2.
5%) أو (5%) وهذه المسألة لها صور، ففي بعض الأحيان لا يصح أن يقول له: أبيعها وآخذ نسبة كذا منها، لأننا لا ندري بكم يبيع، فتصبح النسبة فيها جهالة، فلو قال له: بع هذه العمارة وخذ ثمن دلالتك (السمسرة) (10%)، فلا ندري هل يبيعها بمائة ألف، أو بمائتين، فإذا باعها بمائة كانت الـ (10%) عشرة آلاف، وإذا باعها بمائتين، تكون الـ (10%) عشرين، فأصبحت الإجارة مجهولة والأجرة مجهولة، ولا تصح الإجارة بمجهول بالإجماع.
الحالة الثانية: أن يحدد له القيمة ويقول له: بعها بمائة ألف، ولك (5%) و (10%) فهذا جائز؛ لأن النسبة معلومة والقدر معلوم، والغرر مندفع بما ذكرناه، من أنه آيل إلى العلم، ولا إشكال في جواز هذه الصورة إن شاء الله.
المسألة الثالثة: أن تصبح السمسرة فريضة على كل من جاء إلى المكتب، بحيث يكون ملزماً بدفع هذا المبلغ سمسرة ودلالة بناءً على الورق الذي يدفعه، فهذا لا يجوز، وهذا من أكل المال بالباطل؛ لأن السمسرة دلالة المشتري وهي من باب الجعل، وليس من حقه أن يطالبه بالسمسرة ولم يقم بشيء، كأن تأتي بالزبون الذي يريد أن يشتري فيقول لك: ما دمت أنك وضعته عندي في المكتب فعليك تدفع كذا وكذا، فهذا ليس من حقه؛ لأنك إنما وضعته في المكتب حتى يأتي بالمشتري، لكن إذا جئت بالمشتري بنفسك فإنه ليس من حقه أن يأخذ من المشتري ولا من حقه أن يأخذ من البائع؛ لأن هذا مالي، أبيعه إلى من شئت بما شئت، وكيف شئت، فإذا جاء وقال في هذه الحالة: يجب عليك أن تدفع هذه النسبة أو تدفع هذا القدر، فإنه يكون من أكل أموال الناس بالباطل.
وآخر دعوانا أَن الحَمد لله رب العالمينَ.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
شرح زاد المستقنع -
باب الخيار [7]
من أنواع الخيار: خيار لاختلاف المتبايعين.
والخلاف إما أن يقع في قدر الثمن، أو في صفة المبيع، أو في صفة عقد البيع، وإذا وقع الخلاف فإما أن يعتبر قول البائع وإما أن يعتبر قول المشتري أو يسقط القولان أو يتحالفا، وإذا تحالفا فحينئذٍ يكون الفسخ.
ولهذا الخيار مسائل مهمة، وله أحوال وصور ينبغي معرفتها والاطلاع عليها.
الخيار لأجل اختلاف المتبايعين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [السابع: خيار لاختلاف المتبايعين] أي: النوع السابع من أنواع الخيار خيار يقع لعلة اختلاف المتبايعين.
والسبب في ذلك: أن المتبايعين إذا وقع بينهما خلاف إما في قدر الثمن، أو في صفة المبيع، أو في صفة عقد البيع، فإنه في هذه الحالة لا بد من الفصل بينهما، فإما أن يعتبر قول البائع وإما أن يعتبر قول المشتري، وإما أن يسقط القولان، أو يتحالفا فيكون لكل واحد منهما فسخ البيع.
ونظراً لوجود التخيير في حال الحلف أو في حال سقوط القولين، فإنه من المناسب أن يذكر هذا في باب الخيار، ومن المعلوم أن البيع يفتقر للإلزام به إلى رضا الطرفين، فإذا تراضى الطرفان على بيع السلعة وشرائها بثمن معين، فقد لزم البيع للباذل وهو البائع، ولزم البيع للمشتري وهو الآخذ.
وعلى ذلك لا يكون لأحدهما خيار بناءً على الأصل، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1]، فالأصل أنه إذا بيعت السلعة فأوجب البائع وقبل المشتري، أننا نلزم البائع بالبيع ونلزم المشتري بدفع الثمن، لكن إذا حصل الخلاف بينهما فإن الخلاف يمنع الرضا الذي على أساسه حكم بصحة البيع، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:29] فأحل الله لنا البيع والتجارة بشرط وجود الرضا، فإذا اختلفا انعدم الرضا، فهذا يقول: بعت السلعة بعشرة، والثاني يقول: اشتريتها بثمانية، وهذا يقول: بعت العمارة بعشرة آلاف، والآخر يقول: بل اشتريتها بتسعة آلاف، فمعناه: أن البائع قد بذل هذه الصفقة -العمارة مثلاً- بعشرة آلاف، ورضي أن يأخذ العشرة في مقابل سلعته، فإذا قال المشتري: بل بثمانية، فمعنى ذلك أن الذي حصل الرضا عليه ليس بموجود، ومن هنا يكون الخيار في البيع على تفصيل سيذكره المصنف رحمه الله.
وإذا وقع الخلاف بين المتعاقدين فهناك أحوال: الحالة الأولى: أن يوجد الدليل الذي يرجح قول البائع أو قول المشتري، بأن قال البائع مثلاً: بعتك سيارتي هذه بعشرة آلاف، وقال المشتري: اشتريتها بثمانية آلاف، فوقع الخلاف بينهما، فقال المشتري: عندي شاهدان عدلان يشهدان أنك بعتها لي بثمانية آلاف، فأقام البينة بالشاهدين العدلين، فحينئذٍ الحكم سيكون لقول المشتري، والبيع تام بثمانية آلاف ويلزم البائع بدفع السلعة بثمانية آلاف، ولا خيار؛ لأنه قد قام الدليل على ترجيح قول المشتري، والحق حقه.
والعكس: فلو أن البائع قال: بعتها بعشرة آلاف، فقال المشتري: بل بثمانية آلاف، قال البائع: عندي شهود يشهدون أنك قد رضيت شراءها بعشرة آلاف، فأقام شاهدين عدلين، على أنه اشترى منه بعشرة آلاف، فحينئذٍ يكون القول قول البائع، ويلزم المشتري بدفع عشرة آلاف، وهكذا لو أقام أحدهما شاهداً وحلف اليمين معه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد مع اليمين.
فهذه الحالة الأولى: أن توجد البينة التي ترجح أحد القولين على الآخر.
الحالة الثانية: أن يحصل الصلح والتراضي فيرضى البائع بقول المشتري، أو يرضى المشتري بقول البائع، فمثلاً: قال البائع: بعتك سيارتي بعشرة آلاف، قال المشتري: بل اشتريتها بثمانية آلاف، قال البائع: أنا متأكد أنني بعتها بعشرة آلاف، فقال المشتري: أنت ثقة عندي وقد رجعت إلى قولك بعشرة آلاف.
فرضي المشتري بقول البائع.
أو العكس: قال البائع: بعتك السيارة بعشرة آلاف، فقال المشتري: بل اشتريتها بثمانية آلاف، فقال البائع للمشتري: أنت عندي ثقة وقد رضيت بثمانية آلاف، فإذا رضي أحد الطرفين بقول الآخر، نقول: يحكم بالبيع بما تراضيا عليه؛ لأن حقيقة البيع قائمة على الرضا، فإذا تراضيا واصطلحا بعد الخلاف فلا إشكال؛ لكن الإشكال إذا وقع الخلاف بينهما ولم توجد بينة، ولم يوجد الصلح والتراضي بينهما.
وفي بعض الأحيان قد توجد البينة من الطرفين، هذا عنده بينة، وهذا عنده بينة وإذا تعارضت البينتان سقطتا على تفصيل سيأتي إن شاء الله في باب القضاء والبينات، لكن الذي يهم هنا أنه يقع الخلاف بينهما على وجه لا يمكن الترجيح، أي: أن نرجح أحد القولين على الآخر.
فقال رحمه الله: [خيار لاختلاف المتبايعين] أي: النوع السابع من أنواع الخيار أن يقع الخلاف بين البائع والمشتري، في قدر الثمن أو جنس أو نوع الثمن، أو صفة البيع أو صفقة المبيع، هل هو عاجل أو آجل، بالتقسيط أو بالنقد إلخ.
فيقع الخيار على تفصيل سيذكره المصنف رحمه الله.
اختلاف المتبايعين في قدر الثمن
قال رحمه الله: [فإذا اختلفا في قدر الثمن تحالفا، فيحلف البائع أولاً: ما بعته بكذا، وإنما بعته بكذا، ثم يحلف المشتري: ما اشتريته بكذا، وإنما اشتريته بكذا، ولكلٍ الفسخ إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر]: قوله رحمه الله: [فإذا اختلفا في قدر الثمن تحالفا]: هذا النوع الأول من الخلاف، وهو أن يقع الخلاف في قدر الثمن، فأنت تقول: اشتريت هذه العمارة بعشرة آلاف ريال، والبائع يقول: بعتها لك باثني عشر ألفاً، أو بعتها لك بعشرين ألفاً، والغالب إذا وقع الخلاف بين البائع والمشتري بقدر الثمن أن يدعي البائع الأكثر، والمشتري الأقل؛ لأن الأحظ للبائع الأكثر، والأحظ للمشتري الأقل، وتقع الكثرة والقلة إما من جهة القدر، وإما من جهة النوع، فمن جهة القدر أن يقول البائع: بعتها بعشرين، يقول المشتري: اشتريت بعشرة.
ومن جهة نوع الثمن، مثلاً: لو كان هناك عملتان: الريالات، والدولارات، فلو قال له: بعتك بعشرة آلاف فيتفقان على القدر، ويختلفان في النوع، يقول: بعتنيها بعشرة آلاف، قال: نعم بعتك بعشرة آلاف، لكن دولارات، قال الآخر: بل ريالات، فالذي يدعي الأكثر: وهي الدولارات هو البائع، والذي يدعي الأقل هو المشتري.
ففي هذا النوع وهو خلاف الثمن، يتحالفان، والأصل في ذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اختلف المتبايعان تحالفا) وهذا الحديث اختلف العلماء في سنده، ورجح غير واحد من مجموع الطرق أنه حسن قابل للاحتجاج والعمل به عند أهل العلم رحمهم الله، وقد فعل ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كما روى سعيد بن منصور: أن عبد الله بن مسعود باع إلى الأشعث بن قيس رضي الله عنهما رقيقاً، فقال الأشعث: بعتني بعشرة، قال عبد الله بن مسعود: بل بعتك بعشرين، فلما اختصما ولم يفصلا رده عبد الله رضي الله عنه إلى هذه السنة، فالسنة إذا اختلفا في قدر الثمن أن يرجعا إلى التحالف، وإن أمكن الفصل عن طريق البينة فذاك، لكن الإشكال ألا توجد بينة لأحدهما، أو توجد بينتان متعارضتان، ولا يمكن ترجيح إحداهما على الأخرى، فحينئذٍ يتحالفان، يحلف البائع ويحلف المشتري، ثم بعد ذلك يفسخ البيع بينهما، وإذا أحبا أن يعقدا عقداً جديداً، أو صفقة جديدة فذلك لهما.
قوله: [فيحلف البائع أولاً: ما بعته بكذا، وإنما بعته بكذا] الحلف واليمين حجة في القضاء، وهذه الحجة تستعمل في مواضع، ولذلك جعلت أولاً لجانب المنكر، وفي الحديث: (فإن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر)، فلو ادعى رجل على رجل مالاً، ولم يكن للمدعي بينة، فإنه يطالب المدعى عليه بالحلف.
والمدعي مطالب بالبينه وحالة العموم فيه بينه والمدعى عليه باليمين في عجز مدعٍ عن التبيين فالمدعى عليه مطالب باليمين إذا عجز المدعي عن البينة، فاليمين حجة في حال الإنكار.
وكذلك أيضاً حجة في بعض المواضع التي خصها الشرع، مثل تقوية الشاهد، كقضائه صلى الله عليه وسلم بالشاهد مع اليمين، وهي حجة في دفع الحد عن الزوج والزوجة كما في اللعان فشهادة الرجل تكون أربعة أيمان بالله إنه لمن الصادقين، ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:7 - 8] ثم تشهد الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، هذا كله رجوع إلى اليمين، كذلك القسامة حينما يوجد اللوث والعداوة بين المقتول وبين جماعة، ثم يدعي أولياء المقتول أنه قتله فلان من أعدائه فيحددون الشخص الذي يتهمونه بالقتل، ثم يحلفون خمسين يميناً، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية خيبر، حينما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بحلف خمسين يميناً لإثبات دعوى قتل يهود للصحابي رضي الله عنه وأرضاه، فقال صلى الله عليه وسلم: (تحلفون خمسين يميناً، فتستحقون دم صاحبكم) فإذا كانت حجة في الدماء وحجة في الإنكارات وحجة في الحقوق المالية فإنها كذلك حجة هنا، فيحلف البائع أولاً أنه ما باع بكذا، أي: الذي ادعاه المشتري، وإنما باع بكذا، وهو الذي يدعي أنه أمضى البيع أو أوجب البيع عليه.
فمثلاً: إذا اختلفا في عمارة قال البائع: بعتها بعشرين، وقال المشتري: بل اشتريتها بعشرة، فيحلف البائع أنه والله ما باعها بعشرة -إذا قال المشتري: إنها عشرة- وإنما باعها بعشرين، هذا بالنسبة ليمين البائع.
قوله رحمه الله: [ثم يحلف المشتري: ما اشتريته بكذا، وإنما اشتريته بكذا]: أي: فإذا انتهى البائع من الحلف، طولب المشتري بالحلف، فلا يخلو المشتري من حالتين: إما أن يتورع فيقول: ما دام أنه حلف اليمين فأنا أقبل اليمين، فحينئذٍ يلزمه ما حلف عليه البائع.
ويسمى هذا (نكولاً)، أي: إذا نكل وامتنع من الحلف، أو رضي اليمين من البائع، ثم أمضى البيع وحينئذٍ يلزمه الثمن الذي حدده البائع.
مثال ذلك: قال البائع: والله ما بعتها بعشرة، وإنما بعتها بعشرين، قيل للمشتري: احلف أنك اشتريت بعشرة، ولم تشتر بعشرين، فقال: لا أحلف.
فهذا نكول، فيقضي عليه القاضي بالنكول.
أو يقول: ما دام أن فلاناً قد حلف فقد رضيت يمينه، وهذه اليمين أنا أقبلها وأصدق بها، فحينئذ تلزمه العشرون.
وجملة: [ثم يحلف المشتري] دلت على أن حلف البائع يسبق حلف المشتري، فيبدأ أولاً البائع ثم يتبعه المشتري.
واليمين في البائع والمشتري تتضمن جملتين، جملة للنفي، وجملة للإثبات، فالبائع يثبت ما يدعي وينفي ما يدعيه المشتري، والمشتري بعكسه، فإذا كان الخلاف بين العشرة والعشرين، فالبائع يحلف أنه ما باع بعشرة أولاً، وإنما باع بعشرين، والمشتري يحلف أنه ما اشترى بعشرين، وإنما اشترى بعشرة، فإذاً: كلا اليمينين قائمة على نفي وإثبات، وإنما يجعل الإثبات بعد النفي؛ لأنه ينفي أولاً، حتى يثبت بعد ذلك ما يدعي، فيكون نفيه لما يدعيه خصمه موجباً لإثباته لما يدعيه بعد ذلك.
قال رحمه الله: [ولكلٍ الفسخ إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر]: أي: لكل من البائع والمشتري حق فسخ البيع، إذا لم يرض بقول الآخر، فإذا حلف الاثنان ثم لما تحالفا لم يرض البائع بقول المشتري ولا المشتري بقول البائع، حينئذ يفسخان البيع.
اختلاف المتبايعين بعد تلف السلعة
قال رحمه الله: [فإن كانت السلعة تالفة رجعا إلى قيمة مثلها]: قوله: [فإن كانت السلعة تالفة] الفاء هنا للتفريع، إذا قلنا: إنهما يتحالفان فلا يخلو الحال أيضاً من صورتين: إما أن تكون السلعة موجودة.
مثال ذلك: لو أن رجلاً باع عمارة ثم اختلف مع المشتري في القيمة، والعمارة موجودة، فيحلف البائع ويحلف المشتري ونرد العمارة للبائع، والثمن المدفوع للمشتري.
لكن لو أن الخلاف وقع بعد التلف، وهذا كثيراً ما يقع في بيع الأطعمة، كأن يبيعه طعاماً ويكون الثمن إلى أجل، كأن يقول مثلاً: تدفع في نهاية الشهر أو بعد أسبوع أو أسبوعين، قال: رضيت، فذهب المشتري فأكل الطعام، أو تصرف فيه فتلف أو نفذ، ثم جاء يدفع العشرة التي في ظنه أن الاتفاق كان قائماً عليها، فلما أراد أن يدفع العشرة قال: ما بعتك بعشرة، وإنما بعتك بعشرين، فيختلفان، والسلعة مفقودة، وهو الذي عبر عنها المصنف بقوله: (تالفة) أي: إما استهلكت بالأكل، وإما تلفت حقيقة، وإما أنها لم تعد موجودة بأي وسيلة كانت.
فحينئذٍ يرد الإشكال: إذا حصل التحالف بين البائع والمشتري، والطعام قد أكل، كأن يكون علفاً للدواب أو طعاماً للناس، فهو لا يستطيع أن يرد الطعام ولا يستطيع أن يعيد العلف إلى حالته فيرده؛ والبيع قد فسخ، وإذا فسخ البيع وجب رد المبيع، والطعام لا يمكن رده في هذه الحالة، فحينئذٍ إن كانت السلعة تالفة، وجب ضمان قيمة السلعة، كما قال: [رجعا إلى قيمة مثلها] أي: لأن الضمان في المتلفات إما أن يكون بالعين إذا كانت موجودة، أو يكون بالمثل إذا كانت العين مفقودة، ثم بعد ذلك النظر إلى قيمة مثلها، فالطعام الذي استنفذ وأكلته البهائم أو أكله المشتري، ننظر إلى أوصافه، ثم نسأل في السوق عن قيمة المثل؛ لأن قيمة المثل يرجع فيها إلى السوق وأهل الخبرة، فيسأل أهل الخبرة هذا الطعام الذي صفته كذا وكذا، كم قيمته؟ فحينئذٍ يلزم بدفع قيمة المثل.
وعلى هذا: يكون المشتري مطالباً بدفع القيمة التي هي مثل الشيء المستهلك، سواء كان من الطعام أو من العلف أو غيره؛ لأنه إذا تلفت العين وجب ضمان قيمتها على الأصل الذي سبقت الإشارة إليه.
حكم الاختلاف في صفة السلعة
قال رحمه الله: [فإن اختلفا في صفتها فقول مشترٍ]: انظر كيف يرتب المصنف الأفكار: فعندما تكون السلعة قائمة يجب الرد، وإذا تلفت السلعة وجبت القيمة، لكن إذا اتفقا على صفات الطعام، ثم من عادة الفقهاء رحمهم الله أنهم إذا أعطوا حكماً ذكروا ما يترتب عليه، وهذا من فضل الله عز وجل عليهم، وهذه الكتب ألفها علماء، وهؤلاء العلماء منهم من يؤلف بعد أن يتعلم ويعلم ويقضي ويفتي ويدرس، فهي حصيلة خبرة ومعرفة طويلة، وفي الأزمنة القديمة كان التأليف حجراً على العلماء الذين هم أهل التأليف؛ لأنه لو ألف من ليس بأهل كشف عواره، فكان لا يستطيع أحد أن يكتب متناً، أو يؤلف إلا بعد أن يكون أهلاً لذلك، فهو يذكر لك الأمور مرتبة؛ لأن خبرة القضاء والفتوى تكسب المرء مهارة في الترتيب.
والقسمة العقلية للترتيب هنا: إما أن يكون المبيع موجوداً، أو غير موجود.
فإن كان موجوداً ترادا.
وإن كان غير موجود ينظر إلى القيمة، لكن لو نظرنا إلى القيمة فقال البائع: الطعام من النوع الجيد، وقال المشتري: هو من النوع الرديء، فما الحكم؟ لأنهما إذا اتفقا على صفة فلا إشكال فلو قال: اشتريت منه حليباً من نوع كذا، وهذا الحليب الذي اشتراه منه قيمته في السوق عشرون ريالاً، فيلزمه أن يدفع العشرين، لكن لو ادعى البائع حليباً جيداً والمشتري حليباً أردأ منه أو أقل جودة، فما الحكم؟ فقال رحمه الله: [فإن اختلفا في صفتها فقول مشترٍ].
أي: إذا اختلفا في صفة السلعة، فقول مشترٍ، فالخلاف بين البائع والمشتري، فإن كان المشتري هو المدعي طولب بالبينة، ويكون القول قول البائع، وإن كان البائع هو المدعي فالقول قول المشتري، ويطالب البائع بالبينة.
فالآن مثلاً: إذا جاء اثنان واختلفا في صفة السلعة، فقال البائع: بعتك سيارة جيدة من نوع كذا وكذا، وقال المشتري: بل رديئة من نوع كذا وكذا، فالقول قول المشتري؛ لأنهم متفقون على أن ذمة المشتري ملزمة بقيمة الرديئة.
فمثلاً: السيارة الرديئة قيمتها عشرة آلاف، والسيارة الجيدة قيمتها خمسة عشر آلفاً، فإذا قال له: بعتك سيارةً بقيمة خمسة عشر ألفاً، وقال المشتري: اشتريت سيارة بقيمة عشرة آلاف، فعندنا يقين أن المشتري في ذمته عشرة آلاف؛ لأن الخمسة عشر ألفاً تتضمن العشرة آلاف، فنحن على يقين من العشرة آلاف، لكننا نشك في الزائد على العشرة آلاف وهي الخمسة الزائدة المختلف عليها.
فالقول قول المشتري؛ لأن البائع يدعي عليه أمراً زائداً، فنحن على يقين بالعشرة آلاف، وهو القدر الأقل، فيطالب البائع بالبينة على الزائد، وإلا فالقول قول المشتري؛ لأن اليقين في الأقل، والشك في الزائد، فيكون القول قول من يدعي الأقل، ومن يدعي الأكثر والزائد يطالب بالبينة والدليل على أن الأمر زائد على ما اتفقا عليه.
وهذا ما اختاره المصنف رحمه الله؛ وهناك من يقول: القول قول البائع، وهناك من يسقط القولين، ويرجع إلى قيمة المثل.
وبعض العلماء يختار الرجوع إلى السوق، فيقول: إذا قال المشتري: بعشرة آلاف، وقال البائع: بخمسة عشر، وجئنا نبحث في السوق ووجدنا أن السلعة تباع بعشرة آلاف، يقول: فإننا نجد السوق يشهد بصدق قول المشتري، وهذه يسمى (شهادة العرف)، فإذا كان السوق يشهد بقول المشتري، فحينئذٍ يصبح البائع مدعياً.
وإن كان العرف يشهد بقول البائع يكون المشتري مدعياً، ولذلك يقولون: شهادة العرف تجعل من شهدت له مدعىً عليه، ولذلك قال: فالمدعي من قوله مجرد من أصل او عرف بصدق يشهد فقوله: (من أصل او عرف بصدق يشهد) أي: أنه إذا جرى العرف ببيع مثل هذه السلعة بعشرة آلاف والبائع قال: بعتك بعشرة، فإنه حينئذٍ يكون العرف شاهداً لقول البائع، لكن هذا الضابط الذي ذكروه قد يقوى في مسائل القضاء، وقد يضعف هنا؛ لأنه غالباً ما يكون التبايع بين الطرفين فيه شيء من الرضا، فمع المكاسرة يخرجان عن العرف، وكثيراً ما يخرج البائع والمشتري عن العرف بسبب المزايدة والمكاسرة، فقد يشهد العرف بخمسة عشر، لكن المشتري كاسر إلى عشرة، فحينئذٍ لو اعتبرنا العرف شاهداً على هذا الوجه لكان مشكلاً.
وإنما قالوا: القول قول المشتري؛ لأن البائع يدعي عليه غرماً، والغارم دائماً يكون مدعىً عليه؛ لأنه متهم، فإن شئت أن تخرجها على أن اليقين عشرة آلاف والزائد محل شك، فهذا وجه لكي تجعل المشتري مدعى عليه.
وإن شئت فخرجها على أن المشتري غارم؛ لأنه مطالب بالزيادة، والقول قول الغارم؛ لأن الأصل براءته من المطالبة.
وإن شئت أن تجعلها من جهة كون الأصل واليقين بالعشرة والزائد فيه شك فيلغى الشك ويبقى على اليقين، فإنه وجه صحيح.
معنى انفساخ العقد ظاهراً وباطناً
قال رحمه الله: [وإذا فسخ العقد انفسخ ظاهراً وباطناً]: أي: لو تحالفا وانفسخ العقد، هل ينفسخ ظاهراً وباطناً، أو ينفسخ ظاهراً لا باطناً؟ نحتاج إلى مقدمة لكي نفهم به قول العلماء رحمهم الله (الظاهر والباطن).
الخلاف الذي وقع بين البائع والمشتري يقع أمام القضاء، أو يقع في الفصل في الخصومة، وإذا وقعت الخصومة بين البائع والمشتري، فإنه إذا قضي بينهما فإنه يقضى على حسب الظاهر، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقطع له قطعةً من النار) أي: أن حكمي على الظاهر لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً.
وبناءً على ذلك: فإن الشهود إذا شهدوا عند القاضي أن هذه الأرض لفلان، وكانت شهادتهم شهادة زور، وقضى القاضي أن الأرض لفلان بهذه الشهادة المزورة التي لم يعلم القاضي بتزويرها، فإنه يحكم في الظاهر أنها لفلان، ولكن في الباطن ليست له.
وهكذا لو أن رجلاً قال لامرأته: أنتِ طالق، كان جالساً معها وكانت مقيدة، ثم قال لها: أنت طالق، يقصد أنها طالق من الحبل، هذا الذي في قرارة قلبه ونيته، فقالت له: أنت قلت: أنا طالق، فإذاً أطلق عليك، فرفعته إلى القضاء، فقال القاضي: هل قلت: أنت طالق؟ قال: نعم أنا قلت: أنت طالق وقصدت من حبل، فإن القاضي يقضي عليه بأنها طالق؛ لأنه لو فتح الباب لكل شخص يطلق امرأته يقول: أنا أقصد أنها طالق من حبل لوقع الفساد، فعلينا الظاهر والله يتولى السرائر، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس).
لكن لو أن المرأة صدقته فيما بينهما وهما جالسان أنه قال: أنت طالق أي: من حبل، فلها أن تصدق على أنها طالق من حبل، لكن لو رفع إلى القضاء فالقاضي لا يحكم إلا على الظاهر: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس، وأن أكِلَ سرائرهم إلى الله).
وهكذا المدهوش، لو أن رجلاً من شدة الفرح جاءته امرأته بخبر فقال لها: أنت طالق، ثم قال: والله ما قصدت ولم أكن أعلم من شدة الفرح؛ لأنه في بعض الأحيان قد يسبق لسانه بشيء من قوة الصدمة فأراد أن يقول لها: أنت مباركة، أنت فيك خير، فقال لها: أنت طالق، فقال بعض العلماء: إن المدهوش لا ينفذ طلاقه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي هريرة: (لله أشد فرحاً بتوبة أحدكم من رجل ضلت ناقته وعليها طعامه وشرابه، فلما يئس منها استظل بشجرة فنام تحتها، ثم استيقظ فإذا هي قائمة على رأسه، فأخذ بخطامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) فقوله: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) هذه كلمة كفر لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أخطأ من شدة الفرح) أي: بسببه فلو أن المدهوش أراد -مثلاً- أن يقول لامرأته: أنت طالعة، فقال: أنت طالقة، سبق لسانه، فكل هذه أمور ترجع إلى الظواهر، وهناك تفصيل: فالمرأة لو صدقت الرجل ووثقت به، فحينئذٍ لا إشكال، لكن لو رفعته إلى القضاء وسأله القاضي: هل قلت: أنت طالق؟ قال: نعم قلت: أنت طالق، لكني لم أقصد الطلاق، فالقاضي يمضي عليه الطلاق على الظاهر، ثم تبقى في حقيقة الأمر زوجته فيما بينه وبين الله، ولذلك يقولون: ينفذ الطلاق قضاءً ولا ينفذ ديانةً، أي: هي زوجته فيما بينه وبين الله، ولكنها في الظاهر مطلقة عليه، وسيأتينا إن شاء الله مزيد بيان في هذا في كتاب الطلاق، ونفصل في بعض هذه المسائل.
الشاهد: قضية الظاهر والباطن، فإذا حكم القاضي بحكم بناء على أدلة صحيحة، لا خطأ فيها ولا تزوير، فحينئذٍ ينفذ القضاء ظاهراً وباطناً، كرجل ملك داراً عن أبيه، ثم جاء رجل يخاصمه، فشهدت الشهود وهم عدول ثقات بأن الدار داره، وأثبت القاضي ذلك وحكم به، فإننا نقول: ينفذ قضاؤه ظاهراً وباطناً؛ لأن هذا الحكم موافق للحقيقة، وإذا كان الحكم موافقاً للحقيقة فإنه ينفذ ظاهراً وباطناً.
لكن المسألة التي معنا هنا: البائع والمشتري اختلفا، فإذا وقع الخلاف بين البائع والمشتري، فتارة يكونان بريئين من التهمة، فالبائع نسي بكم باع، لكن في غالب ظنه أنها عشرون، والمشتري في غالب ظنه أنها عشرة، فكل منهما لم يزور ولم يكذب، وهو في حقيقة نفسه مطمئن إلى أنه قال الحقيقة، ويجوز للمسلم أن يحلف على غالب ظنه، ولا يقال: كيف يحلف وهو لم يتحقق أنه باع بعشرين؟ نقول: يجوز إذا غلب على ظنك الشيء أن تحلف على غالب الظن، وهذا أصح أقوال العلماء.
واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز للأنصار أن يحلفوا أيمان القسامة بناء على غلبة الظن فقال: (أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟) وهذا لا يكون إلا بغلبة الظن أن فلاناً هو الذي فعل، فالحلف على غالب الظن مشروع، فإذا حلف البائع على غالب ظنه أنها بعشرين وحلف المشتري على غالب ظنه أنها بعشرة فلا إشكال.
لكن لو أن البائع علم أنه قد باع بعشرة، وكذب وفجر فحلف اليمين، وإذا كانت في القضاء فهي يمين غموس، وسميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في النار، ولو كان الشيء الذي يحلف عليه شيئاً يسيراً، -كما في الحديث- قال: (يا رسول الله! الرجل فاجر يحلف ولا يبالي، قال صلى الله عليه وسلم: ليس لك إلا يمينه، من حلف على يمين هو فيها كاذب ليقتطع مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان، قالوا: يا رسول الله! وإن كان شيئاً يسيراً، قال: وإن كان قضيباً من أراك) أي: ولو كان مسواكاً، نسأل الله السلامة والعافية! فهذه اليمين التي تسمى يمين الصبر، ويمين عند مقطع الخصوم فإذا حلف وهو يعلم أنه كاذب فيرد الإشكال: لو حلف أنه باع بعشرين ثم حلف خصمه بأنه سيفسخ البيع، فسيأخذ السلعة ويبيعها مرة ثانية، فهل ينفسخ البيع في حقه ظاهراً وباطناً، أو ينفسخ ظاهراً لا باطناً؟ بالنسبة للمظلوم ينفسخ ظاهراً وباطناً، وبالنسبة للظالم ينفسخ له ظاهراً ولا ينفسخ له باطناً وهو آثم، هذا وجه إدخال قوله: (انفسخ ظاهراً وباطناً).
فمثلاً إذا باعه عمارة بعشرين ألفاً، فتم البيع وانتقلت العمارة إلى ملك المشتري، فحكم الشرع حينئذٍ أن العمارة لزيد الذي اشترى، فلو جاء بعد مدة البائع وادعى أنه باع بثلاثين، وحلف عند القاضي أنه باع بثلاثين وحلف المشتري أنه اشترى بعشرين، فالحلف والأيمان من البائع وقعت على ملك الغير، وحينئذٍ إذا فسخ البيع فكأنه يسترد مالاً ليس من حقه، فحينئذٍ بالنسبة للظالم ينفسخ له ظاهراً ولا ينفسخ باطناً، ويبقى في ذمته، ويبقى آثماً غاصباً لا تبرأ ذمته إلا بتحلله من صاحب الحق.
فإذاً بالنسبة للمظلوم ينفسخ له ظاهراً وباطناً، وإذا طلب المشتري وقال: لا أريد وفسخ، فهذا لا إشكال، وحينئذٍ ينفسخ ظاهراً وباطناً، لكن إذا وقع بينهما التحالف ووقع الاحتيال فالذي اختاره جمع من العلماء، كما في "الشرح الكبير" أنه ينفسخ للظالم ظاهراً ولا ينفسخ له باطناً، وهو الصحيح.
حكم الاختلاف في الأجل والشرط
قال رحمه الله: [وإن اختلفا في أجل أو شرط فقول من ينفيه]: هذه الحالة الثانية من الخلاف: وهي أن يقع الخلاف في صفة العقد، يقول البائع: بعتك بعشرين ألفاً نقداً، ويقول المشتري: اشتريت منك بعشرين ألفاً ولكن إلى نهاية السنة، فيدعي المشتري أنها مؤجلة، والبائع يقول: نقداً، فاختلفا في تعجيل الثمن وتأجيله.
فهذا اختلاف في إثبات الأجل ونفيه.
وتارة يكون الاختلاف بطول الأجل وقصره، فيقول البائع: بعتك بعشرين ألفاً إلى نهاية هذه السنة، فيقول المشتري: بل اشتريت بعشرين ألفاً إلى نهاية السنة القادمة أو السنة التي بعدها، فحينئذ إما أن يقع الخلاف في التعجيل والتأجيل من حيث الأصل إثباتاً ونفياً، أو يتفقا على التأجيل ولكن يختلفان في أمد التأجيل، فحينئذٍ كيف يفصل بينهما؟ هل نقول: القول قول البائع؛ لأنه هو الذي باع السلعة وبذلها وهو أدرى بما بذل، ولا بد أن نجد الرضا منه حتى يصح البيع؟ أم نقول: القول قول المشتري؟ أم نفصل؟
و
الجواب
التفصيل: فإذا اختلفا في التعجيل والتأجيل فالقول قول من ينفي التأجيل؛ لأن الأصل في البيع التعجيل، والتأجيل خلاف الأصل فالقول قول من ينفيه.
ومعنى قول العلماء: القول قول فلان بمعنى أنه مدعىً عليه، فإذا عرفت أن هناك مدعياً ومدعى عليه، فالقول قول المدعى عليه، ويُطالب المدعي بالبينة.
فالعلماء حينما يذكرون الخلاف بين البائع والمشتري لا بد أن يقرروا أولاً من المظلوم فهو المدعى عليه، فيقولون: القول قول المشتري، أو قول البائع، أو قول من ينفيه، فإذا قال له: بعتك معجلاً، فقال: بل مؤجلاً، فالبائع ينفي الأجل، والمشتري يثبته، فنقول: القول قول البائع أنها معجلة، حتى يثبت المشتري أنها مؤجلة، وهذا بالنسبة للتأجيل والتعجيل.
كذلك أيضاً حينما يختلفان في شرط، فقال له: بعتك هذه العمارة بعشرين ألفاً، فقال: اشتريتها منك بعشرين ألفاً بشرط أن يكون فيها -مثلاً- الماء، أو بشرط أن يكون فيها الكهرباء، أو أن يكون فيها منافع معينة اشترطها، فقال البائع: لم تشترط عليّ هذا الشيء.
فالشرط يدعيه المشتري وينفيه البائع، فالقول قول البائع حتى يثبت المشتري بالبينة أنه قد اشترى على وجه متضمناً الشرط، هذا معنى قوله: (فالقول قول من ينفيه).
والقاعدة عندنا: وقيل من يقول قد كان ادعى ومن يكن لمن عليه يدعى فالذي يقول: حدث كذا، فإنه المعني بقول الناظم: (قد كان ادعى) فهو (مدعٍ)، والذي يقول: لم يكن (مدعى عليه) هذا الأصل.
لكن في هذه الحالة اختلفت صورة الأصل، فإنه في مسألتنا حينما يقول: بعتك مؤجلاً، فالأصل المعجل، وقبلنا قول من يقول بالتعجيل؛ لأن الأصل يشهد به، والأصل أن يبيع البائع نقداً، ودعوى الأجل خلاف الأصل، فحينئذٍ نطالب من يدعي الأجل بالدليل والبينة.
فمن يقول -مثلاً-: هذا العبد اشترطت أن يكون كاتباً، نقول: هذه صفة زائدة فائت بالبينة؛ لأن الأصل أن البيع وقع على هذه الحالة الموجودة عليها الصفقة، فإذا ادعيت أمراً زائداً فعليك البينة وعليك الدليل
الأسئلة
الكفارة في الحلف على غالب الظن
السؤال
من حلف على غالب ظنه ثم تبين له خطؤه، فهل عليه كفارة، أثابكم الله؟
الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: من حلف على غالب ظنه ثم تبين له خلاف ما حلف عليه، فإنه ينبغي عليه أن يرد الحق إلى صاحبه.
وأما لتكفير هذه اليمين فمذهب طائفة من العلماء أن الحلف على غالب الظن لا يوجب الكفارة وأنه يكون في حكم لغو اليمين، ومن أمثلة ذلك قالوا: أن يرى رجلاً من بعيد، يظنه فلاناً من الناس، فيقول: والله إنه لفلان، ثم يتبين أنه ليس بفلان قالوا: لا كفارة عليه، ويعتبر هذا من لغو اليمين، والله تعالى أعلم.
حكم رد السلعة بعد بيعها إذا انتهت صلاحيتها
السؤال
أنا صاحب متجر ويأتيني تجار بعض السلع، فإذا انتهت صلاحيتها استبدلوها بغيرها، فهل هذا من بيع التصريف، أثابكم الله؟
الجواب
إذا اشترى أحد منك سلعة، وتم البيع وانقطع خيار المجلس، فإن البيع يلزمه ويلزمك، بعد هذا لو رد إليك السلعة بعد انتهاء الصلاحية ولم يكن هذا بشرط بينكما، فجاء وقال: انتهت صلاحية السلعة، فأرجوك أن تردها لي، والتمس منك أن تردها له، فإن رضيت وكان بطيب نفس منك أن توسع عليه، وأن تقيله من البيع، فإنك تؤجر، وهذا جائز ويعتبر في حكم الإقالة، وهي مستحبة عند العلماء رحمهم الله، ويثاب البائع إذا أقال المشتري لما فيه من تنفيس كربة المسلم.
وأما لو رفضت وقلت له: لا أردها فإنه من حقك.
والسبب في هذا: أن الله عز وجل عدل بين البائع والمشتري، فإذا اشترى منك السلعة فإنه يتحمل المسئولية، فلو أن هذه السلعة بعد أن اشتراها منك أصبحت قيمتها ثلاثة أضعاف لم يأتِ إليك ولم يردها، ومن حقه أن يتمتع بهذه المنفعة وبهذا الربح والزيادة، فكما أنه يغنم فإنه يغرم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (الخراج بالضمان) فكما أنه يأخذ الربح ولا تستطيع أن تنتزع منه الربح بعد مضي العقد، كذلك ليس من حقه أن يسقط عليك الكسر، إلا إذا رضيت؛ لأنه لا يعقل أن يأخذ الربح ويجعل الخسارة على البائع فهذا ظلم، لكن لو طابت نفس البائع بذلك فإنه لا بأس به، وهو من إقالة النادم.
لكن لو وقع ذلك بالشرط فإنه من بيع التصريف المحرم، والله تعالى أعلم.
النكول في اليمين وما يترتب عليه
السؤال
ما هو النكول؟ وماذا يترتب عليه، أثابكم الله؟
الجواب
النكول: الرجوع، نكل عن اليمين إذا رجع عنها أو امتنع منها، فمثلاً: لو جاء رجل وقال: فلان استدان مني ألف ريال، فقال القاضي للخصم: هل استدنت منه ألف ريال؟ أو ماذا تقول فيما يدعيه عليك؟ قال: لم أستدن منه ألف ريال، فحينئذٍ يقول القاضي للمدعي: هل لك بينة؟ هل لك دليل على أنك أعطيته الألف؟ عندك شهود قال: ليس عندي شهود، وليس عندي بينة، يقول القاضي: ليس لك إلا يمينه، فإذا قال: ليس لك إلا يمينه، يحلف الخصم، أنه والله ما أخذ ألفاً، فإذا قيل له: احلف أنك ما أخذت ألفاً، فإما أن يحلف فيبرأ ولا إشكال، وإما أن يمتنع، ويقول: لا، لا أحلف.
فإذا قال: لا أحلف فحينئذٍ يكون قد نكل، ويقع النكول في الأيمان المخصوصة كأيمان اللعان، فلو أن رجلاً أدعى أنه رأى امرأته تزني وليس عنده شهود فإنه يرفعها إلى القاضي، بناءً على مسألة اللعان، كما حدث لـ عويمر رضي الله عنه وأرضاه، قال: (يا رسول الله! إني أتيت أهلي عشاء فوجدت رجلاً) وفي حديث أيضاً هلال بن أمية حينما قذف امرأته بـ شريك بن سحماء، قال: (يا رسول الله! إني أتيت أهلي عشاء فوجدت عندهم رجلاً والله لقد سمعت بأذني ورأيت بعيني، فقال صلى الله عليه وسلم: إنه قد أنزل فيك وفي صاحبتك القرآن فاذهب فأتِ بها، فجاء بها، فأمر بالحلف، فحلف الأيمان، ثم حلفت هي أيضاً الأيمان)، والسنة في اللعان أن يبدأ الرجل، فيحلف أربع شهادات بالله، فإما أن يحلف أنها زانية -والعياذ بالله- أو يحلف على أن هذا الولد ليس بولده، يقولون: نفي الحمل، ويشير إليه أن هذا الولد الذي في بطنها ليس بولده، أو ليس مني، أو يحلف على مجموع الأمرين: أنها زانية، وأن هذا الولد ليس مني، فإذا حلف وبلغ عند الخامسة يوقفه القاضي.
إذاً يحلف أربع أيمان، يقول: والله أنها زنت، فإذا حلف أربع أيمان وجاء عند الخامسة، يوقفه القاضي، ويقول له: اتق الله، إنها الموجبة، ومعنى الموجبة أي: أنها توجب لعنة الله عليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:7] فإذا وصل إلى الخامسة هدده القاضي وذكره بالله، وخوفه فإذا نكل حينئذٍ يجلد حد القذف.
فالنكول -أي: أثره- ينبني عليه جلد حد القذف في اللعان، ولو أن الرجل حلف الأيمان وأتمها ثم ثني بالمرأة قيل لها: احلفي، قالت: ما أحلف، فحينئذٍ ترجم؛ لأنها نكلت عن اليمين وكأن كل يمين من الرجل مقام شاهد،: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:8] حتى تدفع الأربع التي شهد، فإذا نكلت عن اليمين وامتنعت فحينئذٍ يقضى برجمها، فإذا جاءت عند الخامسة التي هي -نسأل الله العافية- الموجبة، يوقفها القاضي ويقول لها: اتقي الله إنها الموجبة، أي: أنها توجب غضب الله عليكِ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة) أي: أن تنال الحد في الدنيا أهون من عذاب الآخرة -نسأل الله السلامة والعافية- وأن تفضحي في الدنيا أهون من فضيحة الآخرة، (فكادت تعترف المرأة -كما في حديث هلال بن أمية - ثم قالت -نسأل الله السلامة والعافية-: لا أفضح قومي سائر اليوم، فحلفت)، الذي هي الخامسة والأخيرة).
فالنكول عن اليمين يوجب الحكم، والقضاء على ذلك، وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالنكول، وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان في هذه المسألة، وذكر خلاف العلماء فيها في كتاب القضاء، والله تعالى أعلم.
قبول أيمان الكفار وكيفيتها
السؤال
عند التبايع مع الكفار، هل يطلب منهم الحلف وذلك عند الخلاف، أثابكم الله؟
الجواب
اليمين من الكافر تقبل؛ لكن الكفار يكون لهم ضوابط في يمينهم، لذلك تعتبر اليمين من حيث الأصل مقبولة من المسلم والكافر، والكفار يعظمون الله عز وجل بالنسبة لمن لهم دين سماوي، فيحلفون كما في قضية شهادة الوصية على السفر، فإنها تقبل شهادتهم فيها، والشهادة أعظم من اليمين، ولذلك يُحَلّف إذا كان ممن له دين سماوي يعظم الله عز وجل، ولا يحلف بغير الله عز وجل، فلا يجوز تحليف النصراني بعيسى، ولا يجوز تحليف اليهودي بموسى، إنما يحلَّف بالله، وقد قضى بذلك أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه، في القصة المشهورة حينما كان بالشام، والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
شرح زاد المستقنع -
باب الخيار [8]
شرع الله عز وجل الخيار لما فيه من دفع الضرر عن المسلمين، ومن ذلك أنه إذا اختلف العاقدان في عين المبيع، فإنهما يتحالفان ويترادان، ولكن قد يأبى كل من الخصمين أن يرد ما بيده، أو يكون الثمن غير حاضر في المجلس، أو يكون غائماً عن البلد، وغير ذلك.
والفقهاء رحمهم الله قد فصلوا أحكام ذلك، وافترضوا خصومات وخلافات بين المتعاقدين، فاستخرجوا لها أحكاماً شرعية تحفظ الحقوق، وتنصف المظلوم.
وهذه الأحكام ينبغي على المسلم أن يتعلمها حتى يعرف ما له من حقوق وما عليه من واجبات، وكيف يتعامل المعاملة الصحيحة المطابقة للشرع.
الاختلاف في المبيع وصوره
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
الاختلاف في عين المبيع
فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وإن اختلفا في عين المبيع تحالفا وبطل البيع]: كان حديثنا في المجالس الماضية عن الأحكام المتعلقة بالخيار، وهذه الجملة التي بين فيها المصنف رحمه الله اختلافَ كل من البائع والمشتري، في عين المبيع، تعتبر من مسائل الخيار.
ووجه دخولها في الخيار: أنك إذا قلت: اشتريتُ منك سلعة كذا، وقال البائع: بل اشتريتَ مني سلعة كذا؛ فإنه إذا اختلف المتبايعان في عين المبيع، فلا وجه لأن نُلْزِم البائع بأن يبذل شيئاً لم يقصده، ولا وجه أن نُلْزِم المشتري بأخذ شيءٍ لم يقصده.
وحينئذٍ يكون الحكم كالآتي: أولاً: عندنا اختلاف في عين المبيع.
ثانيا: ً عندنا التحالف.
ثالثاً: عندنا الحكم بالفسخ، والتراد.
فأما مسألة الاختلاف في عين المبيع كأن يقول البائع: بعتُك شيئاً وتقول: بل اشتريتُ شيئاً آخر، فلا تخلو هذه المسألة من صور: الصورة الأولى: أن يتفقا على الجنس ويختلفا في النوع.
الصورة الثانية: أن يتفقا على النوع ويختلفا في العين.
الصورة الثالثة: أن يختلفا في الجنس.
مثال الصورة التي يختلف فيها الجنس: أن يقول البائع: بعتك سيارة، فهذا من المنقولات والمعدودات، ويقول المشتري: بل اشتريت طعاماً.
ومن المعلوم أن جنس السيارات غير جنس الطعام، فاختلفا في جنسين غير متفقين.
كذلك أيضاً ربما قال: بعتك عقاراً، وتقول: بل بعتني منقولاً، كأن يقول: بعتك أرضاً، وتقول: بل اشتريت سيارة، فهذا من الاختلاف في جنس المبيع.
مثال الصورة التي يتفقا على الجنس ويختلفا في النوع، يكون -مثلاً- جنس البهائم، يختلفا في نوعه، فالبهيمة عندنا الإبل والبقر والغنم، فيقول: بعتني ناقة، ويقول: بل بعتك شاة، أو يقول: بعتني بقرة، فيقول: بل بعتك شاة، فيختلفا في نوع الجنس.
وتارةً يتفقا على الجنس والنوع، فالجنس بهيمة، والنوع من الشياه، ويختلفا في تعيين الفرد من أفراد هذا النوع، فيقول: بعتني هذه الشاة، فيقول: بل بعتك تلك الشاة، فالجنس واحد، والنوع واحد، ولكن الخلاف في تحديد المراد أو عين المبيع.
وربما يقع في العقار، فيتفقان في جنس العقارات يقول: بعتني الأرض التي رقمها مائة، ويقول: بل بعتك الأرض التي رقمها مائتان أو رقمها مائة وعشرة في المخطط، فهذا كله من الأمثلة القديمة والحديثة في ألا يتفقا على عين المبيع.
وصورة المسألة تعود على أنهما لا يتفقان على شيء معين أنهما تبايعا عليه.
أيضاً: إذا اختلفا إما أن يختلفا في ثمن المنقود المدفوع، فيستلم مثلاً البائع المال، ثم يأتي بالسلعة فيقول المشتري: هذه السلعة لم أتفق عليها معك.
فقد حصل القبض بالثمن، وتعين الثمن.
وتارة يقول له: هذه أرض في المخطط الفلاني في المكان الفلاني بمائة ألف، قال: قبلت، وتم البيع وأوجبا، ثم اختلفا، هل هي الرقم هذا، أو الرقم ذاك؟ فإذاً: عندنا اختلاف في عين المبيع مع اتحاد الأجناس، وعندنا اختلاف الأنواع مع اختلاف الأجناس وعندنا اتحاد الأجناس والأنواع مع الاختلاف في تحديد العين والذات.
هذه كلها تدخل في مسألة اختلاف المتبايعين، فإذا عرفنا صورة الخلاف، فنقول: ثانياً: ما الحكم؟
الجواب
إن رضي أحدهما بقول الآخر، فلا إشكال، مثل: قال له: بعتك أرضاً، قال: بل بعتني سيارة، أو قال: بعتك مزرعتي قال: بل دفعت لك مائة ألف لقاء سيارتك هذه، قال: إذاً خذ السيارة بمائة ألف، أي: فما دمت لا تريد الأرض فخذ السيارة بمائة ألف، إذاً: فلا خلاف، وإذا اتفقا وارتفع الخلاف، فالحكم أنه يثبت البيع على ما اتفقا عليه.
وأما إذا لم يتفقا، فيقول: اشتريت منك السيارة، فيقول: بل بعتك المزرعة، قال: إما أن تعطيني سيارتك على ما اتفقنا عليه، وأدين الله أنك تبايعت معي عليه، وإلا فأعطني مالي.
فيصر المشتري على قوله، ويصر البائع على قوله، فحينئذٍ يلجأ إلى القاضي، ويلجأ إلى المفتي الفقيه، ويلجأ إلى الحكم الذي ينصب بين الطرفين لحل الاختلافات.
الحكم المترتب على الاختلاف في عين المبيع
قال رحمه الله: (تحالفا) أي: حلف البائع: والله ما بعتك أرضي أو مزرعتي الفلانية، وإنما بعتك سيارتي الفلانية، فيحلف على النفي والإثبات؛ لأن الطرفين متفقان على وجود بيع، ولكن الخلاف في تحديد المبيع.
فإذاً: لا بد أن يحلف على إثبات شيء ونفي ما أثبته خصمه، والخصم يحلف على نفي ما أثبته البائع، وإثبات ما يدعيه هو.
فيبدأ البائع ثم المشتري، على خلاف بين العلماء رحمهم الله.
وبعد التحالف يقع عندنا الآتي: إذا حلف البائع وحلف المشتري، كل منهما حلف على النفي والإثبات تعارضت البينتان، فلا تستطيع أن تلزمني أنا المشتري، بما حلفت عليه، ولا أستطيع أن ألزمك بما حلفت، فإذاً يمينك تسقط يميني، ويميني تسقط يمينك، ودعواك تسقط دعواي، وكلا القولين يسقط، فنرجع إلى الأصل فنرد لكل ذي حق حقه، هذا بالنسبة لصورة المسألة.
إذاً: حينما حصل عندنا ثلاثة أمور: أولاً: أن يقع الخلاف بين الطرفين فلا يتفقان، بجميع الصور التي ذكرناها.
ثانياً: الحكم أنهما يتحالفان بالنفي والإثبات على الترتيب الذي ذكرناه، يحلف البائع لأنه يلزم المشتري، ثم بعد ذلك المشتري يحلف بالنفي والإثبات.
فإذا حلف البائع والمشتري جاءت المرحلة الثالثة وهي الحكم بفسخ البيع، ثم يترتب على ذلك الأمر الرابع، وهو رد المبيع ثمناً ومثمناً.
إذاً: عندنا الشيء الأول: وقوع الخلاف وهو أن يختلفا في عين المبيع، وقد يختلفا في قدر الثمن وصنفه، فهذا نوع ذكرناه وبيناه؛ لكن الخلاف هنا في عين المبيع، فكأن المسألة هنا أصعب؛ لأنك تثبت بيعاً، لا يسلم خصمك به، فأولاً: يقع الخلاف.
ثانياً: يتحالفان.
ثالثاً: إذا حلف البائع أو حلف المشتري حكمنا بانفساخ البيع، فلا يثبت بيع هذا، ولا يثبت بيع هذا.
رابعاً: يترادان، فهذه أربعة أمور لا بد من ضبطها.
فإذاً: وقوع الاختلاف بصوره التي ذكرناها، ثم يتحالفان إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر، وهذا الحلف -كما سبق وأن بيناه- يسمى يمين التهم، ثم يحكم بفسخ البيع، ثم يترادان.
وهذا من عدل الله بين عباده، فإن فسخ البيع بينهما عدل بين قول البائع والمشتري، ثم لماذا نحكم بفسخ البيع؟ لأنك إذا قلت: إن البيع منفسخ يترتب عليه آثار، فالسلعة بنتاجها وما عليها تعود إلى البائع، والثمن يعود بكامله إلى المشتري، فلا يثبت بيع على هذا لقول هذا، ولا العكس.
قال رحمه الله: [تحالفا، وبطل البيع]: أي: تحالف الطرفان، وهذا سبق وسماه العلماء يمين التهم، ويمين التهم لها أصل في آية الشهادة على الوصية في السفر.
[وبطل البيع]: هذا هو الحكم الثالث.
إذا اختلفا في عين المبيع ورفضا تسليم ما في أيديهما والثمن عين
قال رحمه الله: [وإن أبى كل منهما تسليم ما بيده حتى يقبض العوض، والثمن عين، نصب عدل يقبض منهما ويسلم المبيع ثم الثمن]: قوله: (وإن أبى كل منهما تسليم ما بيده) أي: إذا اختلفا في عين المبيع تحالفا، وحكمنا بفسخ البيع، وبقي وجوب رد الثمن والمثمن، وإذا حكمت بوجوب رد الثمن والمثمن، لا يخلو المتعاقدان من حالتين: الحالة الأولى: أن يتفقا وتكون مسألة رد الثمن والمثمن سهلة ويسيرة ويتراضيان ويرد كل منهما للآخر، بأن يثق كل منهما بالآخر، يقول: يا فلان أعطني مالي، وقال الآخر: إذاً أعطني ساعتي أو قلمي.
إلخ، فيترادان، فلا إشكال في هذا.
لكن المشكلة في بعض الأشياء المبيعة التي يقع عليها التنازع، ولا يثق أحد الطرفين بالآخر، وقد يثق لكن يخشى جريان الحكم بالفلس، فلا يتصور الطالب أن مسائل الفقه تقف عند الريال والريالين، بل قد تصل إلى ملايين، فالشريعة كما أنها تحتاط للملايين تحتاط للريال الواحد.
فهي تريد أن تعطي كل ذي حق حقه، فلو جئنا إلى مسألة رد الثمن والمثمن، فالثمن قد يكون مبالغ طائلة، قد يتفقان على بيع أرض في مخطط، قيمتها مليون ريال، فيستلم البائع المليون، ثم ينقله إلى أرض أخرى، ويدعي أنه باعه أرضاً أخرى، فإذاً المبلغ ليس باليسير.
ففي هذه الحالة، لو تأخرت يوماً واحداً ربما حكم بالحجر على صاحبك الذي تتعامل معه، فتكون أسوة الغرماء.
فالأمر ليس بالسهل، في مسألة رد الحقوق، وخاصة في القديم لما كان الناس يتشددون في الأحكام، وكانوا يسألون عن كل مسألة صغيرة وكبيرة في المعاملات، يقف الأمر على رد الحقوق لأصحابها في الأعيان، وفي الذمم.
ونحن سبق وأن ذكرنا أن المبيعات إما أن تكون عيناً، وإما أن تكون في الذمة، وقلنا: العين أن تقول: بعتك هذا القلم، بهذه المائة، فهذا باع عيناً بعين.
فإذا قلت: بعتك هذا القلم بمائة، صار البيع عيناً بذمة.
وإذا قال له: بقلم من نوع كذا، فمعناه أنه موصوف في الذمة، والتزم في ذمته أن يدفع قلماً موصوفاً بهذه الصفات.
وهكذا لو قال: بعتك هذا القلم بعشرة، فإذا قال: بعشرة، فهو موصوف في الذمة، لكن إذا قال: بهذه العشرة صارت معينة.
أي أنه إذا قال لك: بعتك هذا القلم بهذه العشرة، فمعناه أن الحق تعلق بالعشرة بعينها.
وانظر إلى عدل الشريعة، ودقة الفقهاء رحمهم الله، حتى في الثمن الذي دفعه، إذا كان عيناً لا بد أن ترد نفس العشرة، إن كانت برأسها برأسها وإن كانت كما يقول العلماء: (تفاريق) رد (التفاريق) وإن كانت جملة ردها جملة، فهنا -مثلاً- لو أنه قال له: بعتك، واختلفا في عين المبيع، فأردنا أن نعطي البائع المثمن، ونعطي المشتري الثمن، فلا يخلو المتعاقدان من حالتين: الحالة الأولى: أن يتفقا ويرد كل منهما للآخر وقلنا: لا إشكال في هذه المسألة وهي أن يرد لكل منهما حقه.
الحالة الثانية: أن يصر أحدهم فيقول: ادفع أولاً، فيقول الآخر: بل أنت ادفع لي أولاً، أو قال: أنا لا أعطيه ولا أثق في فلان بعد أن دلس عليّ في بيعي، فيتهمه بالخيانة، والآخر أيضاً يتهم المشتري بالخيانة فلا يثق كل منهما بالآخر.
فمن دقة الفقهاء أن ذكروا هذه المسألة، فقالوا: ينصب عدل، وتنصيب العدل أن يختار القاضي أو يختاران رجلاً عدلاً؛ فهذا الرجل يقف بينهما وينصف كلاً منهما من الآخر، فيأخذ من البائع ويأخذ من المشتري.
لكن هنا مسألة مهمة وهي مسألة الثمن، قال المصنف: [والثمن عين] أي: فهناك فرق بين كون الثمن عيناً وبين كون الثمن موصوفاً في الذمة.
فمثال كون الثمن عيناً: قوله: بهذه المائة، بهذه العشرة، بهذه الألف، بهذه الخمسمائة، فالثمن عيناً هنا عين، فيجب رده بعينه.
فحينئذٍ عندنا مسألة دقيقة وهي مسألة الاستحقاق في العين والذمة، وهي مسألة تحتاج إلى مدخل لكي يتصور طالب العلم، لماذا نص المصنف على مسألة (عين)؛ لأن هذه الكلمة من ورائها مغزى فقهي، وهو أن الحقوق التي في الذمة أخف من الحقوق المعينة، بدليل أنك لو جئت بمثال للقلم أو ببديل عن القلم في الحقوق المعينة، لم يجز حتى تعلم القلم بعينه، لو قال: أبيعك هذا القلم، وتفاسختما وجب عليك أن ترد عين القلم، ولا ترد مثله.
ولو باعك كتاباً بعينه وجب رد عين الكتاب.
وقد ذكرنا هذه المسألة حينما ذكرنا صور البيع: العين بالعين، والذمة بالذمة، والعين بالذمة.
لكن الذي نحب أن ننبه عليه هنا مسألة الاستحقاق في العين والذمة، وعندنا حديث يحتاج أن نتأمله وننظر إلى معانيه والأحكام والمسائل الموجودة فيه، والحديث ثابت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره) نريد أن نصور هذا الحديث حتى نعرف لماذا استنبط العلماء هذا الحكم الدقيق، وهو أن الحقوق العينية مقدمة على الحقوق في الذمم.
الحديث يقول: (من وجد متاعه بعينه) مثاله: عندنا رجل تاجر دخل في تجارته بمليون، ثم انتكست تجارته، وخسر، فأصبحت التجارة الموجودة عنده بنصف مليون، فمعناه أن ديونه أكثر من رأس ماله، وإذا زادت الديون على رأس مال التاجر واشتكاه غرماؤه وهم أصحاب الحقوق، حكم القاضي بالحجر عليه، وهذا ما يسمى بالحجر على المفلس.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قضى بالحجر على المفلس كما في حديث معاذ رضي الله عنه، الذي أصله من حيث الإجمال متفق عليه.
فلو فرضنا أن النصف المليون الموجودة عنده تقوم على شيئين اثنين: عمارة قيمتها مائتان وخمسون ألفاً، وسيولة أو تجارات أخرى قيمتها مائتان وخمسون ألفاً، لكن العمارة أخذها منك، والعمارة اشتراها منك، فهذا المفلس إذا كان دينه مليوناً، والذين يسألون الدين أربعة أشخاص لكل شخص ربع مليون، فالأربعة الأشخاص يستحقون النصف مليون الموجودة، فمن حيث القسمة الشرعية تقسم النصف مليون الموجودة على أربعة أقسام، ويعطى كل غريم قدر حصته من الدين الأساسي، فالذي له نصف الدين يأخذ ربع المليون، والذي له الثمن يأخذ الثمن، والذي له الثمن الآخر يأخذ الثمن الباقي.
إذاً: إذا عرفنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالحجر على المفلس، وأنه يجب عليه رد الحقوق إلى الغرماء، وبين أن من كان له عين المتاع، كصاحب العمارة فإنه يأخذ العمارة بعينها، ويلاحظ أنه إذا أخذ العمارة كان أفضل له من أن يدخل شريكاً للغرماء الباقين، فانظر كيف فضل النبي صلى الله عليه وسلم من كان له حق عيني على من له حق في الذمة.
ومن هنا نص العلماء على هذا، وذكروا أن مسألة الحقوق العينية مقدمة على الحقوق في الذمة، فعرفنا لماذا قال المصنف: [والثمن عين]؛ لأنه إذا كان الثمن عيناً، قابل المعين من المبيعات، وحينئذٍ لا بد أن يقبض العيني حتى يقبض ما يقابله من المبيع ويدفع لكل حقه.
وبهذا تقرر أن الحقوق العينية مستحقة ومقدمة على التي في الذمة، فإذا كان الثمن عيناً، والمثمن المبيع مختصاً فيه ولم يتعين، هذا يقول كذا، وهذا يقول كذا.
فإذا حكمنا بالرد؛ فإنه يرد
السؤال
أننا لو نصبنا رجلاً عدلاً يأخذ من الطرفين، فكيف يكون العدل بين الخصمين؟ بحث العلماء مسألة كيف يأخذ العدل؟ قالوا: يأخذ من الطرفين معاً؛ لأن الحقوق متساوية، وهذا اختاره غير واحد من أصحاب الإمام أحمد كـ ابن حمدان، كما أشار إليه البعلي رحمه الله في المبدع، أنه يأخذ منهما معاً من باب العدل بين الطرفين.
قوله: [نصب عدل يقبض منهما، ويسلم المبيع ثم الثمن]: فالعدل ينصبه القاضي؛ لأنهما إذا اختلفا في عين المبيع، وأردنا أن نحكم بالفسخ، فلا بد أن نرد لكل ذي حق حقه، فإذا اختلفا، فقال كل منهما: لا أرد فلا بد للقاضي أن يفصل، والقاضي لو جاء بنفسه يستلم من هذا ويعطي هذا، نكون قد أشغلنا القاضي عن قضاياه وأشغلناه عما هو أهم، وأشغلناه عن أمر يمكن للغير أن يقوم به، فينصب القاضي العدل؛ لأن هناك أشياء لا يمكن إحضارها إلى مجلس القضاء، فإنهم إذا اختلفوا في ثمن في بيوع المقايظة فدفع أحدهما للآخر -مثلاً- طناً من نحاس والآخر دفع له طناً من حديد، فيصعب أن يحضرونها إلى مجلس القاضي، أو يذهب القاضي ويخرج معهما لكي يسلم لهذا حقه وهذا حقه.
فلذلك قال العلماء: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) فالواجب العدل بين الخصمين، ولا يتأتى للقاضي أن يخرج بنفسه في غالب الأحوال لانشغاله بما هو أهم، فحينئذٍ ينصب العدل، فهذا وجه ما نص عليه العلماء رحمهم الله من تنصيب العدل، فهو من القاعدة المعروفة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فلما وجب العدل بينهما، بالقبض منهما معا، ً وتسليمهما إبراءً للذمة، وجب تنصيب العدل من هذا الوجه.
إذا اختلف المتبايعان والثمن موجود في المجلس
قال رحمه الله: [وإن كان ديناً حالاً أجبر بائع ثم مشتر إن كان الثمن في المجلس]: [وإن كان ديناً حالاً، أجبر بائع ثم مشتر إن كان الثمن في المجلس] في بعض الأحيان يتعامل الطرفان بالدين الحال الذي هو الموصوف في الذمة، يقول: أشتريها منك بمائة ألف، فهذا بيع ذمة.
فإذا كان الثمن موصوفاً في الذمة، فهل تساوى الطرفان من حيث الحق والعين أو تفاوتا؟
الجواب
تفاوتا، فبعض العلماء يرى أن الدنانير والدراهم والنقود تتعين بالتعيين، وهذه مسألة قد تأتي في الصرف إن شاء الله.
فعلى هذا الوجه لو قلنا إن الدين حال، بمعنى أنه أعطاه في المجلس، فهو موجود عند البائع في المجلس [أجبر بائع ثم أجبر مشترٍ] أي: على التسليم، بخلاف الصورة الأولى، لتفاوت الحقين؛ لأنه هنا حق عيني وذمي، وفي الصورة الأولى تساويا معاً.
إذا اختلفا والثمن غائب
قال رحمه الله: [وإن كان غائباً في البلد حجر عليه في المبيع، وبقية ماله حتى يحضره] هذه المسألة كثيراً ما تقع في حال ما إذا أعطاه مثلاً مليون ريال.
لو فرضنا أنه باعه بمائة ألف ريال، فقال له: بعتك سيارة من نوع كذا وكذا بمائة ألف، أو سيارتي هذه بمائة ألف، فقال: قبلت، فهذا الثمن في الذمة، فإذا أعطاه إياه، فأخذ البائع المائة ألف، ثم بعد ذلك اختلفا، هل هذه هي السيارة التي تعاقدا عليها أو غيرها، وحكمنا بالفسخ بين الطرفين، يصبح الثمن في هذه الحالة موصوفاً في الذمة، فيحتاج البائع الذي باع السيارة إلى أن يحضر الثمن من خارج البلد؛ لأن الثمن ليس موجوداً عنده حتى يتم فسخ البيع بصورته الكاملة، فيحتاج أن يسافر، ونحن لا نضمن أنه سيعود، أو لربما يحجر عليه أثناء السفر أو يأتيه عارض، أو يسرق منه المال، فإنه يحجر عليه أولاً في المبيع، فلا يتصرف فيه؛ لأنه هو المالك الحقيقي؛ فلا يتصرف في المبيع.
فيحجر عليه في المبيع ويحجر عليه في أمواله، والسبب في هذا ما ذكرناه: أنه يخشى أن يدخل عليه الحكم بالفلس، والحجر بالفلس سيتضرر به صاحب الحق لتأخر حقه عنه، فهذا وجه ما نص عليه العلماء رحمهم الله من مسألة الحجر؛ ليتبين أنه ليس من باب الظلم، إنما من باب رد الحقوق لأهلها، فإن هذا الرجل لو سافر ربما غاب عنك غيبة طويلة، وهذا يضر بك، فنقول: كما أضر بك في حقوقك فجزاؤه أن يتضرر فيحجر عليه في ماله.
والتلاعب قد يوجد بين التجار، فحينما تحجر عليه في جميع ماله، فإنه في اليوم الثاني سيضع المال عند القاضي، وقد حدث في بعض القضايا أنه امتنع رجل غني ثري من إعطاء عامل حقه، وجلس عنده ثلاث سنوات يكدح بعرق جبينه حتى أصبح ماله ثلاثين ألفاً، فادعى أنه مفلس، فأصبح يشتغل بثمانمائة ريال كذباً من باب الغش، ورفعت القضية إلى أحد القضاة الموفقين وهو الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمة الله عليه، وتبين له الأمر جلياً، وأن الرجل كذاب ومخادع.
وكان هذا الرجل الضعيف العامل الذي تضرر ليس عنده بينة ولا شهود، فقال له القاضي: إن شئت أن تحلف اليمين فإني أقبلها منك، ولكن ليس لك في ذلك خير، قال: أحلف اليمين، قال: إذاً: لا تحلف اليمين، وكتب إلى المسئول: أن هذا الرجل كذاب مماطل، وثبت عندي بالتحري أنه كذاب مماطل، والذي أرى أن يحجر عليه في جميع ماله، حتى يؤدي لهذا الرجل حقه، فقد عمل عنده ثلاث سنوات وهو غريب عن أهله، وهو الآن في أشد ما يكون من العناء.
وذكر الشيخ عنه أنه كان يغمس كسرة الخبز اليابسة في (الشاهي) حتى لا ينفق من ماله الذي يكتنزه عند الرجل مؤتمناً عليه.
فشاء الله أنه حجر عليه في يوم الأربعاء، ثم كتب إلى المسئول أن هذا الرجل يمنع حتى من زيارة الغير له، فكما آذى الناس يؤذى، فما جاء يوم السبت إلا والثلاثون ألفاً موضوعة على طاولة الشيخ كاملة، فمثل هذه الأمور لابد من الحجر فيها، والقضاء ما نصب إلا من أجل الفصل بين الناس.
فحينما ينص الفقهاء رحمهم الله على الحجر فهو مما رأوا من خلال تجاربهم في القضاء والفتاوى، فهذه المتون خرجت من تجربة وخرجت من معاناة؛ لأنه ممكن أن يأتي شخص ويتعامل معك في قطعة أرض يبيعها لك بمليونين، ثم بعد أن يستلم منك المبلغ، يقول: ما بعتك هذه الأرض وإنما بعتك أرضاً أخرى، فتختصما إلى القاضي، فيقوم القاضي بطلب كل منكما أن يدفع، فيماطلك ويؤخرك ويستفيد منها شهوراً وربما دهوراً ثم يدفعها لك بعد ذلك، فأنت تستضر بهذا، لكن حينما يحجر عليه في ماله، ويحجر عليه في مبيعه، كما أضر بغيره أو أراد الإضرار بغيره، فإنه يسلم الحق ويندفع الضرر عن غيره.
ولذلك لم يكن نص العلماء على الحجر من فراغ، وإنما نصوا عليه لوجود الاستحقاق، وهو استحقاق الأذى بالتضرر بالتأخر، وعلى هذا يشرع أن يحجر عليه كما يحجر على غيره.
والحجر في اللغة: المنع، يقال: حجر عليه إذا منعه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:22] حينما كانوا يجعلون بينهم وبين القرآن مانعاً من أن يستجيبوا له، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:53] أي: حائلاً يحول بينهما، ويمنع من دخول أحدهما على الآخر، فالمقصود أن الحجر المنع.
وأما في الاصطلاح: فهو منع نفوذ تصرف قولي لا فعلي في المال، وبعض العلماء يعرفه بتعريف أدق، ويقول: الحجر في الاصطلاح: المنع من التصرفات المالية، وهذا أنسب.
قال رحمه الله: [وإن كان غائباً بعيداً عنها، والمشتري معسر، فللبائع الفسخ]: هذه كما ذكرنا يقال له: لك الفسخ، أي: أنت بالخيار إن شئت انتظرت وإن شئت فسخت البيع، فإن قال: أريد الفسخ، فحينئذٍ يفسخ، وإن قال: أنتظره فذلك به.
فوجه إدخال هذه المسألة في باب الخيار، أنه يترك له الخيار إن شاء أن يمضي الصفقة وإن شاء ألغاها، والأمر إليه.
خيار الصفة
قال رحمه الله: [ويثبت الخيار للخلف في الصفة، ولتغير ما تقدمت رؤيته]: هذه المسألة يقصد منها إثبات خيار الصفة، فيثبت الخيار لاختلاف الصفة، وهذا النوع الأخير يسمى خيار الاختلاف في الصفة، وبعض العلماء يسميه خيار الصفة، وهو أنسب.
وخيار الصفة يقع في نوع خاص من البيوع، وهو الذي يسمى ببيع الغائب.
وبيع الغائب: كأن تأتي إلى رجل ويقول لك: عندي أرض، أو عندي سيارة، أو عندي طعام، وهذه الأشياء غير موجودة في مجلس العقد، ومعنى ذلك أن البيع سيقوم بينك وبينه على الصفة، وأصح أقوال العلماء: أنه يصح بيع الغائب، وهو مذهب الجمهور من حيث الجملة.
فإنه قد وقع بين عثمان وطلحة رضي الله عن الجميع، ولم ينكر عليهما أحد من الصحابة.
فإذا باعك رجل شيئاً غائباً -كما يقع الآن في بيع المخططات- ووصفه لك بوصف معين، فيكون لك الخيار عند الرؤية فتنظر في هذا المبيع، فإن طابقت الصفة المبيع، لزمك البيع وإن اختلفت فأنت بالخيار بين الإمضاء وبين الإلغاء.
إذاً: صورة المسألة تقع في بيع الغائب عند من يقول بصحة بيع الغائب، ولذلك فالذين لا يرون صحة بيع الغائب لا يقع عندهم خيار بيع الصفة، وهم الشافعية رحمهم الله ومن وافقهم.
ويخالف الحنفية فيقولون: لك الخيار مطلقاً سواء اتفقت الصفة أو لم تتفق، وهذا ضعيف، والصحيح مذهب المالكية والحنابلة، أنه يلزمك البيع إن طابقت الصفة المبيع، ولا خيار لك.
لكن لو جئت فوجدت الصفة مختلفة، فلك الخيار، إن شئت رضيت بالموجود، وإن شئت أبطلت البيع ورددت الثمن.
شرح زاد المستقنع -
باب الخيار [9]
ضبطت الشريعة العقود التي تقع بين الناس بضوابط دقيقة، تضمن دفع الضرر عن المتعاقدين، وتتلاءم مع مصلحة الطرفين.
ومن ذلك ما حددته الشريعة من كون الضمان في عهدة البائع أو المشتري في عقد البيع، وذلك يختلف بحسب اختلاف المبيع واختلاف الحال، وفيه تفصيلات ذكرها غفر الله له موضحة ميسرة، كما ذكر حكم الإقالة وفضلها.
الأشياء التي يحرم التصرف فيها قبل قبضها ومتى يحكم بصحة البيع ولزومه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصل: ومن اشترى مكيلاً ونحوه صح ولزم بالعقد] والأصل في هذا حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه)، وهذا النهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل القبض، مبني على علل وأسباب دعت إليه، فإنك إذا اشتريت الأرز على أنه مائة صاع، وأخذته قبل أن تكتاله، ربما بان ناقصاً، فبعته للغير على أنه مائة وإذا به دون المائة، هذا وجه.
وعند ابن عباس رضي الله عنهما: أن بيع الطعام قبل القبض فيه ذريعة إلى الربا؛ لأنه إذا لم يقبض الطعام فمعناه أنه قد باع ثمناً بثمن متفاضل، فمثلاً: لو أن رجلاً اشترى الطعام بألف ريال، على أنه مائة صاع، ولم يكتل ولم يقبضه، ثم بعد ذلك باعه إلى رجل آخر، فمعناه أنه يبيع النقد الألف بألف ومائتين، أو يبيع الذي اشترى به وهو مائة ريال بمائة وخمسين، فيصير كأنه يبيع النقد بالنقد، فأصبحت عندنا علتان، العلة الأولى: ربما باعه فاختلفت صفته عن حقيقته.
الثانية: أنه ذريعة إلى الربا، ثم هناك وجه ثان مبني على أصل شرعي، وهي قاعدة الضمان، حيث إن الضمان يفتقر إلى القبض، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخراج بالضمان) فجعل الربح على من يضمن الخسارة، ولا يمكن أن يضمن الإنسان إلا إذا دخل الشيء في حوزته وملكه، ومن هنا سنبحث في هذا الفصل مسألة: متى يجوز لك أن تبيع السلعة وتتصرف فيها؟ والمسألة التي معنا الآن: مسألة بيع الطعام قبل القبض، يقول رحمه الله: [ومن اشترى مكيلاً ونحوه صح ولزم بالعقد].
فعندنا أولاً: مسألة صحة البيع.
ثانياً: لزوم البيع.
ثالثاً: التصرف في المبيع.
فهي ثلاث مسائل: فلو باع رجل داراً، أو باع طعاما، ً فإننا نحكم أولاً: أن البيع صحيح، ثم إذا حكمنا بصحته، نقول: يلزمك أن تدفع الطعام إلى الرجل أو تدفع الدار إلى الرجل، ونقول للمشتري: يلزمك أن تدفع الثمن للبائع، هذا بالنسبة للزوم.
ثالثاً: متى يتصرف البائع في الثمن ومتى يتصرف المشتري متى يتصرف في المثمن؟ هذه هي المسألة التي يريد المصنف أن يقررها هنا.
فأول ما تبحث في المسائل الفقهية إذا جاءك عقد بيوع، في القضاء أو في الفتوى أن تنظر أول ما تنظر هل البيع صحيح أم لا؟ وهذا يفتقر إلى أن تدرس شروط البيع، وقد بينا هذه الشروط وهي شروط الصحة.
ثم إذا صح البيع، فهناك شيء يسمى اللزوم، واللازم: هو الذي لا ينفك عن الشيء، وقد يطلق لمعانٍ أخرى، مثل (لزاماً) بمعنى العذاب، وقيل: إنه عذاباً ملازماً: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان:77] أي: عذاباً لا يفارقكم ولا ينقطع عنكم، فأصل الملازمة عدم المفارقة، وملازمة الشيء بالشيء، مصاحبته له على وجه لا يفارقه.
وأنت تجد العلماء يقولون في العقود المالية، كالبيوع والإجارات والشركات: عقود صحيحة، وعقود لازمة، وعقود نافذة، وعقود موقوفة، وعقود باطلة.
فإذا قالوا: عقد صحيح، فضده الفاسد والباطل، على تفصيل بين الجمهور والحنفية، فالصحيح هو الذي تترتب عليه الآثار المعتبرة شرعاً، فإن قلت: بيع صحيح فمعناه أنه تترتب عليه الآثار الشرعية المترتبة على كل بيع صحيح.
وإن قلت: إجارة صحيحة، فمعناه أنها تترتب عليها جميع الآثار المترتبة على الإجارات الصحيحة، والصحيح لا يمكن أن تصححه إلا إذا وافق الشرع.
وضد الصحيح: الباطل والفاسد، فيقال: هذا باطل أو فاسد، أي: لا يترتب عليه أثر، ويحكم بانفساخه، بمعنى أنك لا تملك العوض، فلو بعت سيارة بيعاً فاسداً بعشرة آلاف ريال، وقبضت العشرة آلاف ريال، فليس من حقك أن تتصرف في العشرة آلاف، وليس من حق المشتري الذي أخذ السيارة أن يتصرف في السيارة، بل يجب رد الثمن والمثمن، فلا تترتب الآثار الشرعية، إذا كان فاسداً.
وهناك ما يسمى باللزوم، والإلزام، والعقد اللازم: هو الذي لا يملك أحد الطرفين فسخه دون الآخر، والبيع عقد لازم.
والدليل على أن البيع عقد لازم: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1] دلت هذه الآية الكريمة على أنه إذا وقع العقد وهو الإيجاب والقبول، يجب الوفاء به، والبيع عقد.
فـ (من باع مكيلاً ونحوه صح) أي: من باع شيئاً مكيلاً من الحلال الذي يباح بيعه كأرز وبر ودخن، وعدس.
ونحو ذلك مما يكال.
ونحو المكيل: الموزون والمعدود والمذروع.
والموزون هو الذي يكون بالجرامات، أو بالأطنان، مثل البرتقال والتفاح والموز، فهذا موزون بالجرام، فلو باع مثل هذه الموزونات صح.
والمعدود مثل القطع التي تباع بأعدادها، كقطع (الأبلكاش)، والدواب، والسيارات، فهذه كلها معدودات تباع بالعدد، فتقول: أعطني سيارة سيارتين بعيراً بعيرين شاة شاتين، فهذه كلها مبيعات بالعدد، ولا تباع الشاة بالوزن، ولا يصح بيع الشياه بالوزن.
وكذلك أيضاً إذا باعه بطيخاً فيمكن أن يباع عدداً، وممكن أن يباع وزنا، ً فيجتمع فيه الوصفان، وكذلك أيضاً: يكون البيع بالذرع، مثل القماش، فالقماش يباع بالعدد ويباع بالذرع، وإن كان الأصل فيه الذرع، فيقول: أبيعك متراً مترين يارداً ياردتي، ن أو مائة ياردة، فهذا كله بالذرع.
وكذلك المخططات من الأراضي والعقارات، بالذرع، تقول: أبيعك (20×20) (30×30) ونحو ذلك، فهذا كله يباع بالذرع.
إذاً: عندنا مبيع بكيل ووزن وذرع وعدد.
فقال رحمه الله: [من باع مكيلاً ونحوه صح] لأن الشرع أذن بهذا كله، فقال الله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:275] ولم يفرق بين بيع المكيل والموزون والمعدود والمذروع، فيصح بيع الكل؛ ولأنه ثبتت الأدلة بجوازها دون تفصيل وتفريق بينها.
وقوله: (صح) هذا الحكم الأول، أي: إذا كان مستوفياً لشروط الصحة، بأن يكون عين المبيع مباحاً، ولا يكون عين المبيع محرماً كميتة وخنزير ودم ونحو ذلك.
(ولزم بالعقد) أي: لزم الطرفين، واللازم -كما قلنا- هو الذي لا يملك أحد الطرفين فسخه دون الآخر.
فعندنا إلزام، وعندنا تصرف.
فإلزام الطرف يكون بالعقد، وهو الإيجاب والقبول، فلو قلت لك: بعتك بيتي الفلاني في المكان الفلاني بعشرة آلاف، فقلت: قبلت، فالإيجاب والقبول وقع، لكن الصيغة التي هي الإيجاب والقبول لا تكفي وحدها في البيع كما ذكرنا، بل يتوقف الأمر على الافتراق عن المجلس، فإذاً: صح العقد بشرطه، وهو الافتراق عن المجلس.
فإذا قلت لك: بعتك بيتي بعشرة آلاف، وقلت: قبلت، فحينئذٍ يلزمك أن تدفع العشرة آلاف، ويلزمني أن أدفع البيت.
وعلى هذا: (صح ولزم بالعقد)، فـ (الباء) سببية، أي: بسبب العقد، أو مصاحبة أي: لزم بمجرد انتهاء العقد، وهو الإيجاب والقبول.
فإن الباء لها معانٍ منها: المصاحبة.
ومنها السببية.
فتقول: أتيت بمحمد، بمعنى: مصاحب له.
تعدّ لصوقاً واستعن بتسبب وبدل صحاباً قابلوك بالاستعلا وزد بعضهم ظرفاً يميناً تحز معانيها كلها للباء اثنا عشر معنى، منها المصاحبة، فهنا لما قال: (صح ولزم بالعقد)، فالباء هنا للمصاحبة، أي: أن الإلزام مصاحب للعقد الصحيح في البيع فإذا صح عقد البيع، فإننا نقول: بالإلزام للطرفين.
والالتزام هو المبني من الصيغة، فهناك فرق بين الإلزام والالتزام، فالإلزام يكون أثراً عن الإيجاب والقبول، والالتزام ينشأ أثناء الإيجاب والقبول.
فالالتزام ينشأ من الطرفين، تقول: بعتك سيارتي بعشرة آلاف، أي: التزمت لك إن دفعت العشرة أن أعطيك السيارة، وأنت أيضاً تقول: قبلت، أي: التزمت أن أعطيك العشرة آلاف إن أعطيتني السيارة، فهذا يسمى التزاماً.
وفرق بين الإلزام وبين الالتزام، فالإلزام يكون من الشرع، والالتزام يكون من الطرفين المكلفين، فهذه جهة المكلف وهذه جهة المشرع سبحانه وتعالى.
قال رحمه الله: [ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه]: عرفنا أن العقد صحيح، وبعد أن تثبت أن العقد صحيح تبني عليه أنه لزم الطرفين، فإذا لزم الطرفين، فهل حق المشتري أن يتصرف؟ فمثلاً: جاءني رجل وقال: عندي عمارة في موقع كذا وكذا، ووصفها لي وصفاً تاماً، وأعطيته الثمن، وذهبت ورأيت العمارة فأعجبتني، لكنه لم يعطني مفتاحها، ولم يسلمها لي تسليماً كاملاً، فحينئذٍ تم الإيجاب والقبول، واستلم مني المائة ألف أو المليون، ولكني لم أقبض العمارة إلى الآن، فهنا شيء يسمى القبض والاستيفاء، فالشريعة لا بد أن تبت في مسألة انتقال الملكية ومتى يحكم بانتقال الشيء إلى ذمتك وملكيتك؟ صحيح أنه بالعقد التزمت والتزم، وصار بينكما الإلزام، فقد يتوهم متوهم إنه بمجرد العقد يحصل التملك وتترتب على ذلك آثاره.
وهذا غير صحيح.
فلو أن رجلاً دخل البقالة، فرأى علبة من طعام (مربى) أو غيرها، فقال: بكم هذه؟ قال: بخمسة، قال: اشتريت، فأعطاه الخمسة، فلما أراد الرجل أن يأتي بالعلبة، وضع السُّلم فتحرك الرف فسقطت الزجاجة وانكسرت، فقال له: خذ زجاجتك المكسورة، قال: يا أخي! أنا لم أستلم، قال: لكنك قد اشتريت ودفعت الخمسة، والإيجاب والقبول يقتضي الملكية لك، فأنت الذي تملكها وأنا لا أملكها.
فهنا مسألة وهي مسألة الاستيفاء ومتى نحكم بانتقال الشيء إلى ذمتك وعهدك، بحيث تتحمل المسئولية عنه، سواء كان في الأطعمة أو كان في العقارات أو المنقولات أو غيرها، وذلك ما يسمى بالقبض.
فلا يحكم بتحملك للمسئولية في الشيء إلا بعد قبضه، كما أنه لا يجوز لك بيعه والتصرف فيه إلا بعد القبض، فهذه العمارة إذا أردت أن تبيعها لا بد أن تقبضها أولاً، لماذا؟ لأنك إذا قبضتها فقد صارت إلى ذمتك، فلك غنمها وعليك غرمها، أما أن تدع العمارة عند غيرك، بحيث لو جاء عليها ضرر كان هو الذي يتحمل ذلك، ثم تبيعها أنت بأرباح، فهذا فيه ظلم.
ففي بعض الأحيان، تبيع الشيء ويتركه المشتري عندك، كأن يبقى في مستودع عندك، فيحملك أعباء حفظه، والقيام عليه، ورعايته، فيحتاج إلى حراسة، وتخشى عليه السرقة والآفات، فحي
أحكام المبيعات التي تلفت قبل قبضها
قال رحمه الله: [وإن تلف قبل قبضه، فمن ضمان البائع]: أي: وإن تلف الطعام أو الكساء والقماش ونحوه قبل قبضه، فمن ضمان البائع.
فمثلاً: أنت اشتريت من تاجر مائة طاقة قماش من نوع معين، وقال لك: هذه المائة بألف ريال، أو بألفين، أو بثلاثة، فقلت له: هذه الألف أو الألفان، فمتى أقبضها؟ قال: ائت غداً، فتلفت في الليل، أو عَدَتْ عليها أرضة فأتلفت شيئاً منها، أو تضررت، فجئت في الصباح فإذا بهذا المال الذي اشتريته بالأمس قد ذهب ثلثه، أو ذهب نصفه، أو ثلاثة أرباعه، فعلى من الضمان؟ سيقول البائع: بعتك، وهذا المال باسمك وليس باسمي، فتقول: صحيح أنني قد تعاقدت معك والعقد صحيح؛ لكن لا يدخل في ضماني حتى أقبض، وأنا لم أقبض.
إذاً: مسألة الضمان متوقفة على القبض.
فعلى هذا لا نحكم بانتقال الضمان من البائع إلى المشتري إلا بعد القبض.
فهذه الزجاجة التي انكسرت سواءً انكسرت من الرف، أو سقطت بآفة سماوية مثل الرعد، أو بفعل المكلف، كعامل دفع الرف فسقطت هذه الزجاجة، فنقول: هذه الزجاجة من ضمان البائع، حتى يمكَّن المشتري من أخذها واستيفائها.
لكن إذا قال له: هذا القماش جاهز، تعال فخذه، ومكَّنه من قبضه واستيفائه، فماطل المشتري وتأخر حتى جاءت الآفة السماوية وأتلفته، فإنه يكون مِن ضمان المشتري؛ لأنه قصَّر، فيُلزم بعاقبة تقصيره.
ومن هنا: المرأة إذا مكَّنت الرجل من الدخول، ومكَّنه أولياؤها من الدخول، وجبت عليه النفقة؛ لأنها في حكم المدخول بها، والتقصير واقع مِن الزوج.
فهذا أصل شرعي، وهو أنه متى مُكِّن ولكنه قصر فإنه يلزم بعاقبة تقصيره، ومن هنا حكموا بوجوب القضاء على من أكل يظن أن الفجر لم يطلع، ثم تبين أنه طلع، أو أن الشمس قد ظهرت؛ لأنه قصر ومن قصر يلزم بعاقبة تقصيره؛ لأنه لو احتاط لنفسه، لما وقع الذي وقع.
قال رحمه الله: [وإن تلف بآفة سماوية بطل البيع]: معناه أنه لا يضمن المشتري، ومعنى (بطل البيع)، أي: صار في ضمان البائع، سواء قلت: بطل البيع، أو قلت: في ضمان البائع، فالمعنى واحد.
قال رحمه الله: [وإن أتلفه آدمي خُيِّر مشتر بين فسخ وإمضاء ومطالبة متلفه ببدله]: قوله (وإن أتلفه آدمي) أي: قصداً أو بدون قصد.
أتلفه آدمي قصداً، كإنسان اعتدى على بقالة فكسر ما فيها، أو اختصم صاحب البقالة مع رجل فكسر له ما ببقالته، وكان من ضمنها المبيع، فتلف بفعل آدمي.
وأتلفه بغير قصد مثلاً: العامل يريد أن ينزل الزجاجة فتنزلق من يده فتنكسر، أو يأتي ليضع السلم فتسقط الأشياء الموجودة على الرف ومنها المبيع، فهذا بغير قصد، فسواء أتلفه الآدمي بقصد أو بغير قصد، فالقصد وعدمه واحد في باب الضمانات.
لأن باب الضمان لا يلتفت فيه إلى القصد، فمثلاً: شخص جاء وصدم سيارتك وقال: لم أقصد، نقول: الحقوق لا يلتفت فيها إلى مسألة قصدت أو لم تقصد، فهذا في الإثم وهو بينك وبين الله، فتأثم إن قصدتني، ولا تأثم إن لم تقصد، لكن حقي في السيارة تضمنه كاملاً.
ولذلك لو رأى أي فريسة وأطلق عليها فأصابت الرمية آدمياً فقتلته وجب عليه أن يدفع الدية، ولا يقول: إني أخطأت، قال تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء:92].
فتحرير رقبة هنا: ليس من باب المؤاخذة بالإثم، وإنما من باب أنه قصر، ولذلك ما من مخطئ إلا وهو مقصر، ومن هنا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء:92] قيل في قوله: (إِلَّا خَطَأً): ولا خطأ، بمعنى: ألا يتعاطى أسباب التقصير.
فالشاهد: أنه إذا أتلف الآدمي السلعة بقصد أو بدون قصد، وقد عقد عليها، فالمشتري مخير، إما أن يقول: أريد مالي، ويفسخ البيع، أو يقول: أنا أطالب هذا الرجل الذي أتلف، ويكون توجهه على المتلف دون البائع، وهذا يختلف باختلاف الأحوال.
ففي بعض الأحيان يكون بين تاجر مع تاجر، ولا يريد أن يحرج التاجر، فيتوجه على الذي أساء وأضر، فهذه أمور تختلف باختلاف الأشخاص، إن شاء أخذ حقه من هذا أو من ذاك، فالكل يراد به إيصال الحق إلى صاحبه.
فإذاً يرد التقرير: إن قلنا: إنه يفسخ البيع، فلفوات المبيع، فإنه إذا فات المبيع على وجه لا يمكن تداركه، فحينئذٍ ينفسخ البيع.
وإن قلنا: إنه قال: أريد أن أطالب الذي أتلف، فهذا مبني على أن البائع قد مكن من القبض، أو يكون في حكم التمكين من القبض، ولم يكن عنده مانع ويكون حينئذٍ خارجاً عن يده، وإذا أراد أن يطالب هذا الذي أتلف فإنه يطالبه.
فقوله: (خير مشتر بين فسخ) أي: فلا يطالب المتلف، وإنما يطالب البائع، (وإمضاء ومطالبة متلفه ببدله) وهذه المسألة لها مغزى -كما ذكرنا- لأنه في بعض الأحيان يكون الأفضل له أن يطالب بالفسخ، وفي بعض الأحيان يكون الأفضل له أن يطالب بالبدل، مثلاً: لو أن هذا الشيء الذي اشتراه أتلفه متلف، وفي آخر النهار أصبحت قيمته غالية جداً، فيريد البدل، فوجود البدل أحظ له؛ لكن إذا فسخ البيع رد له البائع ثمناً أقل، فينظر الأحظ لأن له الحق في هذا، وله أن يأخذ حقه كاملا، ً كما ذكرنا فيمن وجد العيب في السلعة، إن شاء تنازل عن حقه، وإن شاء أخذ أرش النقص في المبيع، وإن شاء رد السلعة وأخذ الثمن.
ما يجوز التصرف فيه قبل قبضه وضمان تلفه
قال رحمه الله: [وما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه]: (وما عداه) أي: ما عدا المكيل ونحوه، (يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه).
أولاً: إذا كان المبيع مكيلاً، أو موزوناً، أو مذروعاً، أو معدودا، ً فلا يجوز التصرف فيه، وتحريم الأول بالنص، والباقي بالقياس والإلحاق؛ لأن الشرع ينبه بالشيء على مثله، على تفصيل عند العلماء، وقد تكلمت على هذه المسألة وبينتها، وفصلت فيها كلام العلماء في شرح البلوغ.
لكن نقول: على ما درج عليه المصنف رحمه الله: الكيل والوزن والعدد والذرع، إذا باع المكيل، فلا يجوز للمشتري أن يتصرف فيه قبل قبضه، فلا يبيعه ولا يحيل عليه، حتى يقبضه، وذلك بأن يكتاله أو يستوفيه، إذا كان كيلاً فالكيل، وإذا كان وزناً فبالوزن، وإن كان عدداً فبالعدد، وإن كان ذرعاً فبالذرع، وإن كان على طريقة الموزون ينتقل إلى الكيل.
فالأصح أنه فإذا كان يجمع بين الوزن والكيل، فإنه ينظر إلى أصله، أو غالب عرف البلد، على تفصيل عند العلماء رحمهم الله فيه.
بناءً على هذا: لو كان المبيع مكيلاً، وأردت أن تتصرف فيه فلا تتصرف إلا بعد القبض والحيازة، ولو باعه قبل أن يكتاله، فالبيع باطل، ولو وهبه فلا تصح هبته، ولو أحال عليه لم لا تصح حوالته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع الطعام قبل قبضه)، فدل على أنه لا يصح أن يبيعه حتى يقبضه ويستوفيه، فأخلى يد المشتري عن التصرف في المبيع إلا بعد القبض، فدل على أنه فرق معتبر لصحة التصرف وأنه لا بد من القبض.
ثم يرد
السؤال
إذا كان من الأشياء الأخرى التي تباع جزافا، ً ولا يجري فيها كيل ولا عد، ولا ذرع ولا وزن؟ فهذه في قول جماهير العلماء رحمهم الله -خلافاً لـ ابن عباس رضي الله عنهما- أنه يجوز بيعها قبل قبضها؛ لكن الاستيفاء يختلف عن المعدودات والمذروعات والمكيلات والموزونات، على حسب عرف القبض فيها.
فمثلاً: عندنا الغنم والإبل والبقر، هذه معدودات، فلا يجوز لك إذا اشتريت شاة أن تبيعها إلا إذا قبضتها، ولكن: كيف يكون قبض هذا النوع وهو المعدود؟ لأنه قد يسألك تجار الغنم، ويقولون: نحن نشتري مائة رأس من الغنم من التاجر الفلاني، ونتركها عنده ثم نبيعها إلى تجار آخرين أو إلى أفراد مقطعة ونحيل عليه، هل يجوز هذا؟ تقول: لا يجوز حتى تقبضوها، فكيف القبض؟ الجاري في العرف أنه يخرجها من زريبة هذا إلى زريبته، وقد نص العلماء رحمهم الله، في بيع الغنم وبهيمة الأنعام، أن الزريبة معتبرة، وهكذا لو كانوا في البادية، والبادية معروف عندهم (المراح)، ومراح الإبل المكان الذي تمرح فيه الإبل، فيخرجها عن مراحها؛ لأنه بمجرد ما أخرجها من المراح يكون قد قبض، فيجوز له وهو يسوقها بعد أن أخرجها من مراحها أن يتصرف فيها، لكن ما دامت في الزريبة، فلا يجوز له أن يبيعها، وكذلك ما دامت في مراحها لا يجوز أن يبيعها.
إذاً: في المعدودات من بهيمة الأنعام لا بد من القبض بهذه الصفة.
كذلك أيضاً في أعرافنا اليوم، مثلاً: بيع الأشياء المغلفة، كالثلاجات والغسالات، فإذا جاء يبيعها فينبغي على المشتري أن يقبضها.
أما كيف دخلت الثلاجة والغسالة في مسألتنا فقد جاءت من باب العدد، على أن المعدود حكمه حكم المكيل، ويدخل في النهي، على القياس الصحيح والنظر الصحيح، من باب إلحاق الشيء بمثله، ففي هذه الحالة لو اشترى ثلاجة لم يبعها حتى يقبضها، والقبض يكون بالحيازة، وعلى هذا لو غلفها له، وأخرجها من مستودع البائع، فقد قبض، لكن لو تلفت وهي في المستودع، أو تلفت قبل إخراجها من المستودع، أو أن العمال أرادوا حملها، فتلفت بأيديهم، أو سقطت فحصل لها ضرر، أو سقط منها شيء وتلفت، فما الحكم؟ الحكم أنها تكون في ضمان البائع.
وكذلك أيضاً في بعض الأجهزة الموجودة، مثل: بعض الأشياء التي تباع في المختبرات وهي حساسة جداً، فلو أنها حركت أقل حركة ربما تسقط، وربما يحصل ضرر، فإذا جاء وأراد أن يقبضها وحصل هذا الشيء الذي أضر بها قبل إخراجها من المستودعات فالحكم أنها في ضمان البائع، إلا بعد خروجها من أماكنها على الصورة التي ذكرناها.
فمثلاً: السيارة جرى العرف في المعارض أنه إذا دخل إلى السيارة وحركها وأدار السيارة، ثم مشى بها قليلاً على قول بعض العلماء من مشايخنا رحمة الله عليهم، أنه قد قبض، ويجوز له أن يبيع ولو لم يخرج من المعرض، ويقول بعضهم: بل لا بد أن يخرج من المعرض، ثم له بيعها سواء رجع إلى نفس المعرض أو باعها في معرض آخر، وذلك حتى تتحقق الحيازة الكاملة.
ولكن أقوى أنه إذا ركب فيها وأدارها، ثم مشى ولو خطوة صح له البيع؛ لأنه في هذه الحالة قد قبض قبضاً كاملاً، ومسألة المعرض وعدمه غير مؤثر؛ لأن المعرض تكون فيه سيارات الأجانب، أي: ليس البائع الذي باعه السيارة هو الذي يملك المعرض.
فإذاً: مسألة المحل بالمعرض لا يحتكم إليها خاصة في المزاد، فيقوى أنه إذا أدارها ومشى وقفل بابها قد قبض.
قال رحمه الله: [وإن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه، فمن ضمانه ما لم يمنعه بائع من قبضه]: أي: إن تلف ما عدا المكيل ونحوه، فمن ضمان المشتري؛ لأنه لا يشترط فيه قبض.
بناءً على هذا لو سألك سائل: إلى كم تنقسم المبيعات من حيث الضمان بالقبض؟ فعليك أن تقول: تنقسم إلى قسمين: - إما أن تكون مكيلة وما في حكمها، فهذه لا ينتقل ضمانها من البائع إلى المشتري إلا بعد القبض بضابطه، على حسب أنواع المبيعات.
- وإما أن تكون من غير المكيل، وما في حكمه، مما لا يشترط فيه القبض، فهذا النوع ينتقل فيه الضمان إلى المشتري بمجرد العقد الصحيح، وعلى هذا لا يشترط في مثلها القبض.
قال رحمه الله: [ويحصل قبض ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع بذلك] أي: بالكيل كيلاً وبالوزن وزناً وبالعد عداً، وبالذرع ذرعاً فمثلاً: الآن في المحل: باعك طاقة القماش، فأخذتها وذرعتها، أو ذرعها أمامك، ثم قلت: طبقها لي وضعها في الكيس، فوضعها في الكيس،، ثم أعطاك إياها، فحينئذٍ قد قبضتها، وعندما ذرعها أمامك فقد برئت ذمته، وإذا ذرعها أمامك جاز لك أن تبيعها، ويبقى القبض والاستيفاء الذي هو الصوري.
قال رحمه الله: [وفي صبرة، وما ينقل بنقله، وما يتناول بتناوله، وغيره بتخليته]: أي: يحصل القبض في صبرة بالتخلية، بأن يخلي بينها وبينك، وما كان بالنقل ينقل، مثل الدواب -كما ذكرنا- تنقل من زريبة إلى زريبة، وهكذا إذا تعامل التجار في بيع الثلاجات والغسالات أنها تنقل لا بد من نقلها حتى يتم القبض كاملاً، هذه صورة الاستيفاء.
الإقالة وأحكامها
قال رحمه الله: [والإقالة فسخ تجوز قبل قبض المبيع بمثل الثمن]: (والإقالة) الإقالة أصلها الفسخ، أقال عثرة النادم، إذا لم يؤاخذه، بما جنى بعد ندمه.
وأما في الاصطلاح فهي: فسخ العقد بين الطرفين برضاهما.
وبعضهم يزيد: مع عدم ترتب الآثار، وهذا متكلف لأنه إذا فسخ لا تترتب عليه الآثار، وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى التنبيه عليه.
وقلنا: "برضا الطرفين" لأن الإقالة تكون برضا الطرفين، ولا يمكن أن نقيل أحدهما حتى يرضى الآخر؛ لأن البيع عقد لازم، والعقود اللازمة كما أنها تلزم الطرفين، فلا بد أن يكون فسخها من الطرفين، أي: كما أنها لا تثبت إلا من الطرفين فينبغي ألا يكون فسخها إلا من الطرفين، وهذا من العدل الذي حكم الله عز وجل به وجعله بين عباده.
قوله: (تجوز) أي: تشرع، وعليه جماهير السلف والخلف.
والمراد بالإقالة أن يشتري منك شيئاً ثم يأتيك ويقول: لا أريد هذا الشيء، أو طرأت علي أمور، أو أرجوك أقلني، ويلتمس منك الإقالة، فأنت بالخيار بين أمرين: إما أن تلزمه، وتقول له: لا أقيلك وهذا من حقك؛ لأنه قد يكون فيه ضرر عليك، أو قد لا تقتنع بالكلام الذي يقوله، أو ترى من المصلحة أن تمضي البيع له، فإذا رأيت ذلك فهو لك، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فإذا كان هذا الأمر يدخل عليك ضرراً عظيماً، أو كنت متحملاً للمسئولية تجاه أناس، أو هذه الصفقة قد تترتب عليها حقوق لأناس، فتقول: لا أستطيع، فهذا لك: أن تلزمه بالعقد.
وإن شئت قبلت إقالته، وهذا أفضل بإجماع العلماء، لما فيه من الترغيب الشرعي، لقوله عليه الصلاة والسلام: (من أقال نادماً، أقال الله عثرته، يوم القيامة) وهو حديث صححه الحاكم وأقره الذهبي وفيه كلام، لكن متنه صحيح؛ لأن الله سبحانه وتعالى ثبت عنه في الحديث القدسي: (أن رجلاً كان يدين الناس ويقول لعامله: إذا وجدت معسراً فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، قال صلى الله عليه وسلم: فلقي الله عز وجل فقال الله: يا ملائكتي نحن أحق بالتجاوز عن عبدي، تجاوزوا عن عبدي) فهذا يدل على أن الجزاء من جنس العمل، ولذلك يقول العلماء: من شدد على الناس شدد الله عليه، ومن خفف عنهم خفف الله عنه.
فمن كان يعامل الناس بالتيسير يسر الله عليه، وانظر إلى التاجر تجد أنه إن كان سمحاً ميسراً وجدت أموره على السماحة واليسر، حتى أن الله يلطف به في النكبات والفجائع، وتجد من لطف الله عز وجل به ما لم يخطر على بال.
والعكس بالعكس، حتى ولو كان أميناً، لكنه يأخذ حقه كاملاً ويعطيه كاملاً، والرجل يريد أن يضع كل شيء في نصابه، لكن ترى الله سبحانه وتعالى يأخذه فكما يشدد على الناس يشدد الله عليه، فما يأتي الناس يأتيه.
فالذي يعامل الناس بالسماحة واليسر يدفع الله عنه، وهذا أمر جرت عليه الشواهد والأدلة، وسنن الله عز وجل ظاهرة عليه.
وعليه: قالوا: إنه يستحب أن يقيل النادم، لما فيه من تفريج كربة المسلم، وخاصة إذا كانت عنده ظروف وكان فيه مشقة عظيمة عليه، فالإيثار محمود، خذ حتى ولو كان فيه ضرر عليك، فإن هذا البلاء الذي دخل عليك بهذا المسلم، لعل الله أن يدفع عنك به أبواب البلاء؛ لأنه ربما دفع الإنسان عن أخيه المسلم بلاء فيدفع الله عن ماله البلايا، فأجمع العلماء على استحباب الإقالة.
قوله: (تجوز قبل قبض المبيع) أي: تجوز الإقالة قبل قبض المبيع وبعد قبض المبيع، بمثل الثمن، فإذا اشترى منه داراً بمائة ألف، ثم جاءه وقال: أقلني بيعتي، فقال: أقلتك؛ رد له المائة ألف، ورد المشتري الدار إلى البائع، فهذا جائز ومشروع.
وهكذا بالنسبة لغير العقارات، كأن يشتري منه طعاماً بمائة ثم يأتي ويقول له: أقلني، فيقيله، فهذا جائز ومشروع.
وقوله: (بمثل الثمن) أي: فلا يجوز أن يستقيله بما هو أكثر، على أصح قولي العلماء وهو أن الإقالة فسخ.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في الإقالة على قولين.
وهناك قول ثالث وهو التفصيل، لكن المشهور قولان: القول الأول: أن الإقالة فسخ.
القول الثاني: أن الإقالة بيع جديد.
نمثل بمثال واحد حتى تتضح الصورة: لو اشتريت سيارة من رجل بعشرة آلاف ريال، ثم بدا لك أن ظروفك لا تساعدك في شراء هذه السيارة، وأن المصلحة أن ترد هذه السيارة، فجئت إليه، وقلت له: يا فلان! خذ سيارتك وأعطني العشرة آلاف، فإذا رددتها بنفس الثمن فحينئذٍ لا إشكال أنه فسخ بالمثل، وهذا إذا قلنا: إنها فسخ، فحينئذٍ تكون رددت له نفس المال الذي له.
وإن قلنا إنها بيع، فمعناه أنكما أنشأتما بيعاً جديدا، ً فيشترط فيه ما يشترط في البيع، من الافتراق عن المجلس فلو قال له: أقلتك، ثم قبل أن يفارقه قال: لا أريد أن أقيلك ورجع عن إقالته كان ذلك من حقه.
وأما إذا كانت فسخاً فإنه لا يجوز له ذلك.
وكذلك أيضاً لو قلنا: إن الإقالة بيع، فجاء وقال: أقلني هذه السيارة بعشرة آلاف، فقال: بل أقيلك بتسعة آلاف ريال، فمعناه أنه بيع جديد، فيجوز أن تقيل بالثمن، وبأقل من الثمن، ولا بأس بذلك ولا حرج على القول بأنها بيع.
والصحيح أنها فسخ، وإذا كانت فسخاً فلا تجوز إلا بنفس الثمن، وحينئذٍ يخير البائع بين أن يمضي الصفقة وبين أن يرد نفس الثمن إلى صاحبه؛ لأن الحق الذي عنده إما أن يمضي فيه الصفقة على ما هو مقرر بالنص الشرعي في العقد من الإيجاب والقبول المركب منهما، وإما أن يرد عليه المال كاملا، ً ولا ينقص منه شيئاً.
قال رحمه الله: [ولا خيار فيها ولا شفعة]: أي: أنها ليست ببيع وإنما هي فسخ.
وإن كانت بيعاً ففيها شفعة، فمثلاً: بعت أرضاً في مخطط، وهذه الأرض لك فيها النصف، حيث كنت أنت وصديق لك قد اشتركتما في الأرض له نصفها ولك نصفها، فباع صديقك الأرض على طرف ثان بمال، فهذا الطرف اشترى منه، فأصبح حينئذٍ شريكاً لك، فإذا استقال من صديقك فأقاله لم يصح لك أن تشفع؛ لأنها ليست بيعاً وإنما هي فسخ، وحينئذٍ يرجع الأمر إلى ما كان، وليس من حقك أن تقول: هذا بيع وأنا شريك، ومن حقي أن أشفع؛ وإذا قلنا: إنها بيع، كان من حقك أن تشفع، وحينئذٍ بدل أن تكون شريكاً بالنصف، فإنك تدخل شفيعاً بمثل المبلغ الذي باعه إياه وتخرج صديقك من الأرض كلية.
مثال: الأرض قيمتها مائة ألف، فعرضت للبيع، فاشترى محمد من شريكك بخمسين، فأصبح محمد شريكاً لك وأنت ساكت، ورضيت من محمد أن يكون شريكك، فاستقال محمد من البائع الذي هو الشريك الأول، فإن قلنا: إنها بيع، فمعنى ذلك أن محمداً الشريك الجديد سيبيع بيعة ثانية، والشريك من حقه أن يشفع في كل بيعة جديدة، حينما وقع البيع الأول ربما كان المشتري قريباً له فسكت، أو لم يكن آنذاك مال، لكن لما وقعت الإقالة كان عنده سيولة ومال، فقال: ما دام أنك أقلته، فهذا بيع وأريد أن آخذ حصة شريكي بثمنه وعليك تخرج من الأرض، فتبين أن فيها ضرراً، ومن هنا نقول: إن الإقالة في بعض الأحيان تدخل الضرر على الإنسان فلا يرضى بها.
وعليه يقول العلماء: إنه يجوز للشريك أن يشفع إن قلنا: إنها بيع، ولا يجوز له أن يشفع إن قلنا: إنها فسخ، والصحيح أنها فسخ.
شرح زاد المستقنع -
باب الربا والصرف [1]
الربا محرم بالكتاب والسنة وإجماع العلماء، وقليله وكثيره في التحريم سواء، إلا أن هناك من لبس عليهم الشيطان فاستجازوا لأنفسهم بعض صور الربا بشبه واهية ضعيفة رادين بذلك نصوص الكتاب والسنة الواضحة.
والربا يجري في الأصناف التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، وهي: الذهب والفضة والبر والتمر والشعير والملح، ويقاس غيرها عليها بجامع الثمنية في الذهب والفضة، والطعم مع الكيل أو الوزن في المطعومات.
تعريف الربا وأدلة تحريمه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الربا والصرف].
الربا في اللغة: الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل:92] أي: أزيد وأكثر عدداً.
وأما في الاصطلاح فهو: زيادة مخصوصة في أشياء مخصوصة.
والربا ينقسم إلى قسمين: 1 - ربا النسيئة.
2 - ربا الفضل.
فأما ربا الفضل: فإنه يكون في الأصناف المنصوص عليها، والملحقة بالمنصوص عليها.
وأما ربا النسيئة: فإنه يكون بزيادة الأجل فيما يجب فيه التقابض.
وهذا الباب عظيم؛ لأنه يشتمل على محظور شرعي عظم الله أمره ونهى عباده عنه، وزجرهم عنه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:278 - 279]، فنهى سبحانه وتعالى عن الربا وحرمه، وتوعد صاحبه بالحرب، ومن حاربه الله عز وجل فلا يسأل عن حاله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافينا من ذلك، وأن يعيذنا منه؛ لأن الله إذا حارب العبد ابتلاه في نفسه وعذبه في دنياه، فأشقاه في نفسه وماله وأهله وولده، فلم تقر له عين في دنياه، ثم ما ينتظره في الآخرة أشد وأعظم.
لقد توعد الله تعالى على هذا الأمر بهذا الوعيد الشديد، ولذلك أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى حينما جعله من كبائر الذنوب، وكما نهى الله عز وجل في هذه الآيات من سورة البقرة.
شبهة وجوابها
كذلك نهى الله عنه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:130]، وهذه الآية فيها شبهة يحتاج طالب العلم إلى أن ينتبه لها K وهذه الشبهة هي: أن الله تعالى حرم الربا إذا كان أضعافاً مضاعفة، أما إذا كان يسيراً فلا بأس، وهذا هو المدخل الذي أجاز به بعض المعاصرين في فتواه حل شهادات الاستثمار من فئة (ج)، وهي الدرجة الثالثة من استحقاق الربوي، يقولون: لأن نسبتها ضعيفة، ولأن مالها يسير، وليس من الأضعاف المضاعفة، ويتذرعون بهذه الشبهة؛ بل تذرع بعضهم إلى أن الربا المحرم: أن يأخذ أجلين، أما لو أخذ زيادة على أجل واحد فلا بأس، وزين لهم الشيطان هذا كله، نسأل الله السلامة والعافية: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:25].
فإذا انطمست البصيرة ينقاد صاحبها إلى الهوى، وإذا انقاد إلى الهوى أحل ما حرم الله، وحرم ما أحل الله، واستحل حدود الله بأدنى الحيل، ولذلك لعن الله بني إسرائيل وطبع على قلوبهم، حينما استحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل.
وشهادات الاستثمار من فئة (ج) يدور عليها الكلام في بعض الأحيان كثيراً، وحاصلها: أن يتقدم المستثمر فتحدد أولاً النسبة المدفوعة للاستثمار في هذه الفئة، مثلا: ً من ريال إلى مائة ريال، أو من مائة ريال إلى خمسمائة، وغالباً في هذا النوع من الربا تكون المبالغ بسيطة جداً، لأجل أن تجلب العوام ويكون الاستثمار منها أكبر، والمشاركون فيها أكثر، فتجعل المبلغ الذي يدفع زهيدا، ً على فترة ثلاثة أشهر، أو ستة أشهر، فيقولون له: ادفع كل شهر مائة، ثم إذا تمت ثلاثة أشهر ودفعت مائة مائة، فأدخل اسم هذا المستثمر في القرعة، ثم إذا خرج اسمه فإنه حينئذٍ يعطى جوائز معينة لعدد معين، فهم يقولون: هذا ليس بربا؛ لأنه ليس ربحاً محضاً، مثل الاستثمار الذي يكون بالفوائد والعوائد الربوية المعروفة، فيقولون: هذا أشبه ما يكون بالمضاربة.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: أن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:130]، فللآية منطوق ومفهوم، فمنطوق الآية: تحريم أكل الربا أضعافاً مضاعفة، والاستدلال الذي ذكروه من باب المفهوم وليس من باب المنطوق، ففهموا منه أنه يحل أكل الربا إذا كان بغير أضعاف، فنقول: هذا من المنطوق الذي لا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون:117]، فإنه ليس معناه أن هناك من يدعو مع الله إلهاً آخر له برهان، وفي القرآن آيات لها منطوق ومفهوم، وآيات لها منطوق وليس لها مفهوم، وهذه الآية من ذلك؛ بدليل تصريحه سبحانه وتعالى بتحريم الربا عموماً.
الوجه الثاني: لو سلمنا فرضاً أن الآية الكريمة لها منطوق ومفهوم، وأنه يحتج بالمفهوم على الجواز، فنقول: إن هذا المفهوم قد عارضه المنطوق من العموم في آية البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة:278]، ولم يفرق بين الأضعاف وغير الأضعاف، فإذا تعارض المنطوق والمفهوم، قدم المنطوق على المفهوم.
الوجه الثالث: نقول: آية البقرة حاظرة، وآية آل عمران مبيحة، وهذا على قولهم بالمفهوم، والقاعدة: أنه إذا تعارض الحاظر والمبيح، قدم الحاظر على المبيح.
وبناءً على ذلك نقول: إنه لا يحل الاستدلال بهذه الآية على هذا الوجه، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الربا، حتى عده من السبع الموبقات، فقال: (اجتنبوا السبع الموبقات -وذكر منها-: أكل الربا)، والعياذ بالله! وقد أجمع العلماء رحمهم الله على تحريم الربا، وأنه من كبائر الذنوب، وأن صاحبه موعود بالنار إذا لم يتب، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:275]، قال طائفة من المفسرين: إنهم يقومون يوم القيامة ولهم بطون كالبيوت الضخمة، كلما وقف صاحبهم تكفأ على وجهه، والله على كل شيء قدير، فإن الله لا يعجزه شيء، إن شاء خلقهم على هذه الصورة، وإن شاء خلقهم على غيرها؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (الذي خلقه يمشي على رجليه يخلقه يوم القيامة يمشي على وجهه)، فالله على كل شيء قدير، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [الإسراء:97]، فالله على كل شيء قدير، والمقصود: أنه محرم بهذا.
الفرق بين القراض المشروع والربا الممنوع
وهنا مسألة: إذا كان الربا محرماً فنريد أن نتعرض لمسألة شبهات جواز الربا، وهي مسألة مهمة، حيث إن هناك شبهة تعتبر من أدق الشبهات التي يحتاج طالب الفقه إلى دراستها، ومعرفة جوابها، وهي باختصار أنهم قالوا: فوائد الربا كفوائد القراض، فتجوز فائدة الربا كما تجوز فائدة القراض وهذا يحتاج إلى شرح وتوضيح.
وحاصله: أنهم يقولون: هناك عقد شرعي وهو المضاربة أو القراض، وهو جائز شرعاً، والفوائد المصرفية والبنكية والعوائد الربوية بمنزلة العوائد من المضاربة.
وهذا يحتاج أولاً إلى أن نعرف ما هي المضاربة، ثم كيف قيست الأسهم والفوائد والعوائد الربوية على المضاربة.
قالوا في المضاربة: حقيقتها أن يدفع رب المال مائة ألف مثلاً لعامل، ويقول له: اذهب واضرب بها، فإن ربحت فالربح بيني وبينك مناصفة، فإذا ربح خمسين ألفاً، فيأخذ خمسة وعشرين ألفاً، ويعطي صاحب المال مائة وخمسة وعشرين ألفاً، قالوا: فكما أن رب المال أخذ مائة وخمسة وعشرين ألفاً، فإنه يجوز لمن أودع مائة ألف أن يأخذ فائدة عليها عشرة آلاف، أو عشرين ألفاً، على حسب المتفق، فالبنك والمصرف بمثابة العامل الذي عمل بالمضاربة، والعميل بمثابة رب المال في المضاربة.
وما الفرق بين الاثنين؟! واعجب فما تنفك من عجائب! حينما يأتي بعض من لا يحسن النظر في الفقه، ويتسمى بأنه فقيه، أو عنده إلمام بالفقه، ويقول: إن المضاربة عقد ليس فيه نص من الكتاب ولا من السنة، فيختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة! وحينئذٍ نقول: هذه العوائد البنكية هي مضاربة عصرية؛ لأننا اجتهدنا فيها باجتهاد العصر الملائم، وهذا كما قال تعالى: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال:48]، انظر كيف يزين الشيطان لهم، وحينئذٍ نحتاج إلى أن ندرس هذه الشبهة باختصار.
وحاصل ذلك أن نقول: إن المضاربة ثبتت بدليل السنة، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة، فقال: إن بعض الفقهاء يقول: المضاربة ليس فيها نص من الكتاب والسنة، وقد أخطأ في ذلك، فإن المضاربة كانت معروفة في الجاهلية، وأقرها الإسلام، فبسكوت النبي صلى الله عليه وسلم عليها كانت مشروعة بدليل أنه ضارب بمال خديجة، وهذا ثابت ولا إشكال فيه، وكان في القديم رحلة الشتاء والصيف، قال تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش:1 - 2]، فكانوا يتاجرون بالمضاربة، ويعطون من يقوم على هذه التجارة والعير، من وجهاء قريش كـ أبي سفيان ونحوه، فقد يخرج بها ويضارب ثم يأخذ نسبة من الأرباح على التجارة، وعلى هذا قال: إنها ثابتة بالسنة، فمن قال: إنه لا نص فيها بالكتاب والسنة، فهذا جاهل، هذه المسألة الأولى.
المسألة الثانية: أن فيها إجماع الصحابة، وحاصلها قصة عمر المشهورة مع ابنيه عبد الله وعبيد الله، فإن عبد الله وعبيد الله خرجا إلى أبي موسى الأشعري في الكوفة، وكان أبو موسى والياً عليها، فقال لهما: ليس عندي من شيء، ولكن خذا هذه الإبل، واضربا بها، وأديا إلى أمير المؤمنين رأس المال، وخذا الربح، فمضيا وتاجرا في الطريق حتى قدما على عمر، فلما قدما على عمر، قال عمر رضي الله عنه: ما هذا؟ قالا: يا أمير المؤمنين! هذا لك وهذا لنا، فقال: سبحان الله! وكيف ذلك؟ قالا: إن أبا موسى فعل كذا وكذا، فقال: وهل أعطى كل المسلمين مثلما أعطاكما؟ قالا: لا، فقال: أديا المال إن كنتما ابني أمير المؤمنين، أما عبد الله فاستحى منه، وسكت ولم يعترض، وأما عبيد الله فقال: يا أمير المؤمنين! أرأيت هذا المال لو أنه تلف أكنت تغرمنا إياه؟ قال: إي ورب الكعبة، قال: إذن ليس من حقك؛ لأن الخراج بالضمان، فما دمنا نحن الذين نضمن، فالسنة ثابتة عن أن من يخسر يضمن، فقال الصحابة: اجعله يا أمير المؤمنين قراضاً، فقسم الربح بينهما وبين بيت مال المسلمين.
فهذا قراض، وهو إجماع من الصحابة.
إذا عرفنا مشروعية المضاربة، فإنه يرد
السؤال
هل أخذ الفائدة والعائدة منزل منزلة القراض؟ أولاً: لماذا شرع الله المضاربة؟
الجواب
شرع الله المضاربة؛ لأن عندك مثلاً مائة ألف، وأنت مشغول بطلب علم، أو مشغول بعمل آخر، وغير متفرغ لضربه، أو ليست عندك خبرة في التجارة، وهناك عامل عنده خبرة، فالشريعة رفقت بالمجتمع من هذا الباب، فهذا العاطل الذي ليس عنده عمل اتفق مع هذا الغني، فأخذ المال، فاستفاد الناس من عمله، وخبرته، وتجارته، واستفاد هو من النماء، واستفاد رب المال من الربح، فحصل الرفق للمجتمع بوجود التجارة، والرفق لرب المال بوجود جزء الربح، والرفق للعامل بوجود الكسب الذي يكون من جزء الربح، فشرعت من أجل هذه المقاصد العظيمة، واليسر والرحمة والتخفيف على الأمة.
أما بالنسبة للمال الذي يدفع للبنك والمصرف إذا وردت عليك شبهة، وقيست على شيء، فقرر الأصل وادرسه من كل جوانبه، ثم انظر فيما قيس عليه، هل الشبه كامل أو ناقص؟ فنقول: أولا: ً بالنسبة للمضاربة يقول العلماء: أن يدفع رب المال للعامل المال على أن يتجر به، والربح بينهما على ما شرطا، فعندما يدفع العميل للبنك أو المصرف هل يقوم البنك بالعمل والتجارة؟ الجواب: لا.
وليس هناك أي مادة تخول لهم أن يدخلوا إلى الساحة ويتعاملوا مع الناس؛ لأن أصل تجارة البنك تقوم على حفظ الأمانة، وإنما رخص لهم بالحفظ، ولا يؤذن لهم بأن يقوموا أنفسهم بالتجارة أو منافسة التجار، هذا معلوم وثابت، نتاجهم إنما يكون بأن يأخذوا منك مليوناً، ومن الثاني مليونين، ومن الثالث مائة ألف، ثم تؤخذ هذه وتعطى لأشخاص ديناً على أن يردوها بعوائدها، فأصبح لا حقيقة للعمل، أما المضاربة ففيها ضرب، وتجارة، ولكن الإيداع ليس فيه ضرب ولا تجارة، فأصبح قياساً مع الفارق.
ثانيا: ً في المضاربة الشرعية يدفع رب المال للعامل المال على أن يتجر به، والذي يضمن الخسارة هو رب المال، لكن البنك إذا تاجر بمال العميل، فإنه يلتزم برده كاملاً، ولذلك فإن جميع المواد تنص على أن الوديعة المصرفية دين على البنك وليست بمجال للاستثمار، حتى في القانون ينصون على أنها تأخذ حكم القرض، وهذا موجود، ومن رجع إلى المواد يجد هذا جلياً واضحاً.
إذاً: ليست بيد تجارة، وإنما هي يد ضمان، ويد العامل في المضاربة يد أمانة، وبالإجماع: لا يضمن العامل إلا إذا فرط، فلو أعطيت عاملاً مائة ألف وذهب وتاجر، ثم احترق المال بدون تفريط منه، فلا يضمن، كأن كسد السوق بدون تفريط منه، ونحو ذلك.
لكن لو قصر، كما لو اشترى التجارة من أرض بعيدة، وبإمكانه أن يحضرها عن طريق البر وعن طريق البحر، وفي طريق البحر الموج هائج، وفي زمان شديد البرد، وكثير الرياح، فجاء وخاطر وأدخل السفينة في البحر فغرقت، فإنه يضمن؛ لأنه قصر.
إذاً: العامل لا يضمن في المضاربة؛ لكن إذا دفع العميل المال للمصرف، فإن المصرف يلتزم برد المبلغ كاملاً إن خسر، إذاً: هناك شبه وفارق مؤثر.
ثالثاً: حينما يعطي رب المال للعامل مائة ألف على أن يتجر بها، فإنه يدخل والربح محتمل؛ لكن بالنسبة للعقود المصرفية يلتزم المصرف بإعطاء هذا الاستحقاق الذي هو (5 %) أو (10 %)؛ حتى إن العميل إذا لم يأخذ الاستحقاق قاضاهم قضاءً وقانوناً في قانونهم، وطالبهم بهذا الذي تم الاتفاق عليه.
إذاً: هناك اختلاف بين هذا وذاك.
رابعاً: المضاربة يكون نتاجها من معاملة شرعية، فلو ضارب بحرام لحرمت الأرباح، وأما بالنسبة للمصرف فإنه يأخذ هذه العوائد من الديونات بالفوائد المركبة، فلو كانت مضاربةً فإنها ناشئة من معاملة محرمة، كما لو أخذ المضارب المال وتاجر به في الميتات، أو في المحرمات؛ لحرمت تجارة المضاربة.
كذلك أيضاً لو سلمنا فرضاً أنها مضاربة، أو في حكم المضاربة كما يقولون: إن المضاربة تختلف باختلاف الحال؛ فلو قال: إن هذه الأحكام كلها اجتهادية، وليس فيها نص، فنقول: إذا كانت اجتهادية فأنت بالخيار بين أمرين: - إما أن تبقى على الأصل المجمع عليه بالمضاربة.
- وإما أن تلغي المضاربة من أصلها.
فإن بقيت على المُجْمَع عليه فلا يتفق مع ما ذكرت، وإن ألغيتها من أصلها فهو عقد تقيس عليه، وما قيس على باطل فهو باطل حقيقةً.
وعلى هذا: فإن هذه الشبهة غير واردة؛ لأنه لا يصح لا من جهة تركيب أركان المضاربة وشروطها الشرعية، ولا من جهة النتاج، وما يؤخذ أو يركب على العوائد.
الأصناف التي يجري فيها الربا
لقد قامت مسائل الربا على أحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك أحاديث يعتبرها العلماء رحمهم الله أصولاً لهذا الباب، من ضبطها وألم بمسائلها فإنه يستجمع كثيراً من الأحكام المتعلقة بالربا.
ومن أشهر هذه الأحاديث؛ بل هو أشهرها وأوسعها، ويعتبره العلماء رحمهم الله قاعدة هذا الباب، حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، والتمر بالتمر، مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يداً بيد).
وفي رواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فمن زاد أو استزاد فقد أربى)، وهذا الحديث يعتبر قاعدة لباب الربا.
ونحتاج إلى مقدمة لابد من ضبطها حتى تسهل المسائل التي سنتكلم عليها إن شاء الله فنقول: هناك أصناف حرم الله عز وجل على المسلم أن يبيعها إلا إذا تماثلت، فإذا بعت هذا الصنف بمثله فلابد أن يكونا متماثلين، إما بالوزن إن كانا موزونين، وإما بالكيل إن كانا مكيلين، وهذه الأصناف يسميها العلماء بالأصناف الربوية.
وهناك أصناف وسع الله على عباده، فيجوز أن تأخذ الشيء بأكثر منه، فتأخذ الواحد بالاثنين، وتأخذ الشيء بأضعافه، ولا بأس في ذلك ولا حرج.
فإذا حرم الله عليك أن تبيع هذا الصنف بأكثر منه وزناً أو كيلاً فهذا يسمى بالصنف الربوي، وإذا أباح الله لك أن تأخذ هذا الشيء بأكثر منه وزناً أو كيلاً فهذا صنف غير ربوي، فانقسمت الأشياء التي يتبايع بها الناس إلى قسمين: 1 - أصناف ربوية.
2 - أصناف غير ربوية.
والأصناف الربوية: هي التي لابد فيها من أمرين: 1 - التماثل.
2 - التقابض.
فإذا بعت هذا الشيء بهذا الشيء من الأصناف الربوية فإن الشرع يوجب عليك أن تستلمه يداً بيد، فتأخذ بيد وتعطي بأخرى، وهذا ما يسمى بالتقابض.
إذاً: كل ما يشترط فيه التماثل والتقابض يوصف بكونه صنفاً ربوياً، فإن أسقط الشرع المؤاخذة وأجاز لك أن تبيع الشيء بأكثر منه، وأجاز لك أن تؤخر أحد المبيعين، فهذا صنف غير ربوي.
إذا عرفنا أن الأصناف منها الربوي ومنها غير الربوي، فإن الأصناف الربوية التي سنبينها لا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن تكون أصنافاً منصوصاً عليها.
الحالة الثانية: أن تكون أصنافاً مقيساً عليها، أو ملحقة بالمنصوص عليه.
وتوضيح ذلك: أن الأصناف التي يحكم العالِم بعدم جواز بيع بعضها ببعض متفاضلة: إما أن يكون فيها نص عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سمى ذلك الشيء بعينه، فحينئذٍ يسميه العلماء صنف منصوص، أي: أنه من الأصناف الربوية المنصوص عليها.
وهناك صنف ثانٍ ربوي لكنه قيس على هذا ولم ينص عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ألحق به.
أما الأصناف المنصوص عليها فإنها قد جاءت مجتمعة في حديث عبادة السابق، ولذلك يسميه العلماء: حديث الأصناف الربوية، أو حديث الأصناف الستة، وهذا الحديث قاعدة باب الربا، فتفرعت عليه مسائل ربا النسيئة والفضل.
وهذه الأصناف الستة هي كالآتي: الذهب، والفضة، والبر، والتمر، والشعير، والملح، وإذا جئنا نبحث مسائلها سنبحثها على مرحلتين: المرحلة الأولى: أن تباع مع اتحاد الجنس والصنف؛ كبيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح.
المرحلة الثانية: نبحث في بيعها مختلفة الجنس أو مختلفة الصنف.
وهذه الأصناف الستة سنقسمها إلى قسمين: القسم الأول: غير المطعوم، وهو جنس الأثمان
الذهب والفضة
. القسم الثاني: جنس المطعوم، وهو الأربعة الباقية.
الذهب والفضة
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب)، والذهب: هو المعدن المعروف، ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أن جعله قيماً وثمناً للأشياء، وهذا المعدن إذا بيع بمثله -كذهب بذهب- فلابد فيه من التماثل والتقابض، والذهب كما هو معلوم له حالات: الحالة الأولى: أن يكون على أصل خلقته، ويسمونه: الخام، وهو الذي استخرج من معدنه، والخام سواء صفي، وهو الذي يسمى بالسبائك، أو بقي فيه الشوب تابع لأصل خلقته.
الحالة الثانية: أن يصنع فيضرب دنانير، فيعتبر نقداً مثلما هو موجود في الدنانير، أو يضرب جنيهات من الذهب، فتكون عملة.
الحالة الثالثة: أن يكون حلياً، كالأسورة والقلائد ونحوها مما تتحلى به النساء، وفي جميع هذه الأحوال بيّن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لا يجوز بيع الذهب إلا مثلاً بمثل، يداً بيد.
إذاً: هذا الصنف الأول من الأصناف الستة الربوية إذا بيع بمثله فلابد فيه من أمرين: الأمر الأول: التماثل.
الأمر الثاني: التقابض.
فإذا بعت الذهب بالذهب، سواءً كان خاماً أو مضروباً كالدنانير، أو كان حلياً، أو مصنعاً من حلي أو غيره؛ فلابد من التماثل والتقابض، فمثلاً: امرأة جاءت بحلي قديم وتريد أن تستبدله بحلي جديد، فنقول: لابد أن يكون مثلاً بمثل، ويداً بيد، فلا يجوز أن يبيعها غرامات أقل بغرامات أكثر، فيقول لها مثلاً: هذا الذي عندك قديم فأشتري المائة غرام منك بتسعين من الجديد الذي عندي، فلو استفضل غراماً واحداً آخذاً أو معطياً فهو ربا الفضل.
كذلك لابد من التقابض، فلو قلت: سوف أعطيك الذهب الآن، فقال: وأنا سوف أحضر الذهب الذي عندي بعد ساعة، أو بعد خمس دقائق سأذهب وأحضره، فإنه ربا، ويسمى: ربا النسيئة.
إذاً: لابد من الأمرين: الأمر الأول: التماثل: وهو يتحقق بالوزن، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (مثلاً بمثل)، وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (وزناً بوزن (، وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض).
الأمر الثاني: التقابض: وذلك بأن تعطيه وتأخذ، فلا يفترقا عن بعض إلا وقد أخذ كل منهما السلعة من الآخر، أو المدفوع من الآخر.
لكن هنا مسألة: وهي أن الذهب من حيث هو هناك عيار ثمانية عشر، وهناك عيار واحد وعشرون، وهناك عيار أربعة وعشرون، ففيه الأجود، وفيه الجيد، وفيه الرديء، وقد جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب)، وهذا اللفظ عام يشمل جميع أنواع الذهب إذا بودلت، فينبغي فيها التماثل.
فلو قال قائل: إن هذا الذهب من عيار ثمانية عشر، وهذا الذهب من عيار أربعة وعشرين، فأنا سأدفع الفرق بين عيار أربعة وعشرين وعيار ثمانية عشر، فنقول: لا يجوز بيع الذهب بالذهب ولو اختلفا في الجودة إلا مثلاً بمثل، بدليل: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه عامله على خيبر ومعه تمر، فلما وضعه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أعجبه، فقال صلى الله عليه وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله، إنا نبيع الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال صلى الله عليه وسلم: أوه -وهي كلمة التوجع- عين الربا، عين الربا، لا تفعل، ولكن بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً).
ووجه الدلالة: أن التمر صنف ربوي، فنظر إلى التفاضل في الجودة والرداءة في التمر، فباع الرجل الجيد بالرديء متفاضلاً لقاء الجودة، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (عين الربا، لا تفعل)، ثم ذكر له الحيل الشرعية؛ لأن الحيل منها ما هو شرعي جائز، ومنها ما هو محرم، فأعطاه البديل، وقال له: (بع الجمع -أي: الرديء- بالدراهم، ثم اتبع بالدراهم جنيباً) أي: الجيد والصنف المطلوب.
فهذا يدل على أنه إذا أراد أن يبادل صنفاً من الأصناف الربوية مطعوماً أو مثموناً، فلابد أن يكون مثلاً بمثل، ولو اختلفا في الجودة أو الصنعة أو العيار، فلابد من التماثل والتقابض؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم عتب على عامله أن فاضل من أجل الجودة، فدل على أنه لابد من التماثل بين الطرفين.
والقول في الفضة كالقول في الذهب، فالفضة صنف من الأصناف الستة المنصوص عليها في الحديث، فإذا باعها بفضة مثلها فلابد من التماثل والتقابض، سواءً كانت الفضة خاماً، أو مضروبة دراهم، أو كانت مصنّعة حلياً أو غيره، فلابد من التماثل في جميع ذلك، ولا يجوز أن يستفضل فيبادل بعضها ببعض متفاضلاً.
فيستوي في ذلك أن تكون الفضة معدناً، أو حلياً، أو نقداً يتعامل به كالدراهم، وفي زماننا الريال، فإن ريال الفضة القديم وجد بدله الريال الورق، فينزل منزلة أصله، ولذلك سمي باسمه، وأعطي مستنداً لأصله؛ بغض النظر عن المنتزع الذي يذكر من كونه يتوصل إلى رصيده أو لا يتوصل، فالعبرة بالأصل، فأصله دين، فيرد النظر عن القدرة على استيفائه أو عدم القدرة على ذلك.
وبناءً على هذا: لو سأل سائل عن مبادلة الفضة بعضها ببعض؛ كامرأة عندها حلي من الفضة قديم، وتريد أن تستبدله بحلي من الفضة جديد، فنقول: لابد أن يكون مثلاً بمثل، يداً بيد.
هذا بالنسبة للذهب والفضة، وبناءً على ذلك نكون قد انتهينا من جنس الأثمان.
المطعومات
أما جنس المطعومات، فهناك أربعة أصناف نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي: البر، والتمر، والشعير، والملح.
- فالبر والشعير جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً للحبوب.
- والتمر جعله أصلاً للحلويات؛ كالعسل والزبيب ونحوه.
- والملح جعله أصلاً لما يستصلح به الطعام؛ كما يقع في الأدقة ونحوها.
فهذه الأصناف تسمى بالأصناف المطعومة، فلو أخذنا البر، بأن يبيع البر بالبر، فينبغي أن يكون مثلاً بمثل، يداً بيد، سواءً كان كلا البرين جيداً، أو كان أحدهما جيداً والآخر رديئاً، أو كان أحدهما جيداً والآخر أجود منه، فلابد أن يبيع مثلاً بمثل.
ولو قيل: كيف أبيع الجيد بما هو أردأ منه مثلاً بمثل؟ فيقال: إذاً بعه بالنقد، ثم اشتر بذلك النقد بديله وما تريد مقامه.
فإذا قيل: هذا تعب وتكليف للناس، فيقال: هكذا جاءت السنة، ولا يسعك إلا أن تسلم، قال صلى الله عليه وسلم: (بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً)، فدل على أنه يعدل إلى الحيلة الشرعية التي نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكما قلنا في الذهب والفضة: يستوي الجيد والرديء، ولابد من التماثل والتقابض، فلو قال له: خذ البر الآن وأنا آخذ منك غداً، أو آتيك بعد ساعة، فإنه يعتبر ربا نسيئة، ولا يجوز إلا إذا كان يداً بيد مثلاً بمثل، كما قال صلى الله عليه وسلم: (مثلاً بمثل، يداً بيد).
وكذلك التمر: فإذا بادل التمر بالتمر فلابد أن يكون مثلاً بمثل بالكيل.
والفرق بين التمر والذهب والفضة: أن الذهب والفضة تتحقق المماثلة فيهما بالوزن، وأما بالنسبة للتمر والبر والشعير والملح، ففي الأعراف المشهورة في العهد القريب تتحقق المماثلة فيها بالكيل، فلابد إذا باع طعاماً من تمر أن يماثله بصاعٍ مثله، فلو باعه الصاع بالصاعين أو الصاع بالصاع والنصف، فهذا هو الربا الذي حرم الله، وهو ربا الفضل.
اشتراط التماثل والتقابض في بيع الربوي بمثله
إذا علمنا هذا، وهو أن الأصناف الستة إذا بيع الصنف بمثله اشترط التماثل في الكيل كيلاً كصاع بر بصاع بر، أو صاع تمر بصاع تمر، وفي الوزن وزناً، كأن تقول: مائة غرام من الذهب بمائة غرام من الذهب، ولا يفاضل بينهما، سواءً اتفقت الصنعة أو الجودة أو اختلفت، فالحكم في الجميع واحد، فنقول: إن هذه الأصناف يشترط فيها التماثل والتقابض، ودليل ذلك ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (مثلاً بمثل، يداً بيد)؛ لأنه قال: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح) أي: بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح.
فجعلها مقابلة لبعضها، فقال: (مثلاًَ بمثل) أي: بيعوها مثلاً بمثل، فدل على أنه لا يجوز بيعها عند فقد التماثل، كذلك أيضاً قال: (يداً بيد)، فلما قال صلى الله عليه وسلم: (مثلاً بمثل)، وقال: (يداً بيد)، أشار إلى نوعين من الربا: النوع الأول: ربا الفضل.
النوع الثاني: ربا النسيئة.
وقوع ربا الفضل والنسيئة في الأصناف الربوية
فأما ربا الفضل: فالفضل أصله الزيادة، وإذا قلت: فلان له فضل، أي: فيه زيادة من خير وطاعة وبر، فربا الفضل ربا زيادة، والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام: (مثلاً بمثل)، وقوله في معنى العكس: (ولا تشفوا بعضها على بعض)، أي: لا تزيدوا بعضها على بعض.
وعلى هذا يتحقق ربا الفضل إذا كان الصنف واحداً من الأصناف الستة، سواءً بودل بمثله، أو بيع بمثله مع الزيادة في وزن أو كيل؛ كصاع بصاعين، وصاع بصاع ونصف، ومُدان بمُد، ونحو ذلك، والوزن مثل: مائة غرام بخمسين غراماً، أو مائة غرام بخمسة وسبعين، أو مائة بتسع وتسعين غراماً، كل هذا يعتبر من الربا، فلو نقص غرام واحد فإنه ربا.
أما ربا النسيئة: فالنسيئة من النسأ، وأصله التأخير، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:37]؛ لأنهم كانوا ينسئون ويؤخرون الأشهر الحرم عن مواقيتها، وسمي هذا النوع من الربا بربا النسيئة؛ لأنه يقوم على التأخير، فانظر إلى حكمة الشريعة وما جاءت به من العدل بين المتعاملين، فإنك إذا بعت الذهب بالذهب، فمن العدل إذا أعطاك مائة غرام أن تعطيه مائة غرام في مقابلها، ولا تؤخره كما لم يؤخرك، فالعدل يقتضي أن تنجز له وينجز لك.
وبناءً على ذلك: لو بذل أحد الطرفين فقدم وأخر الثاني فإنه يقع ربا النسيئة، لكن بضوابط، فلو تأخر في الدفع فيقع ربا النسيئة بافتراق أحدهما عن الآخر قبل التقابض، فلو أنه قال له في مجلس العقد: عندي مائة غرام من السبائك، وأريدك أن تبادلني أو تبيعني بها مائة غرام من القلائد، فقال: قبلت، فهو لم يعطه شيئاً بعد، وتم الإيجاب والقبول، فمد له الحلي فتأخر الرجل يخرجها من بيته، أو يخرجها من شنطته، أو من كيسه، فلا يؤثر ما داما في مجلس العقد، على أصح قولي العلماء.
وهناك قول آخر: وهو أنه لابد أن يعطي بيده ويستلم بالأخرى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث عمر في الصحيح: (الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء)، أي: عندما تعطيه تقول: هه، وهو أيضاً يقول لك: هه، فمعناه: أنك تعطيه ويعطيك منابذة وحالاً، قالوا: فلو تأخر حتى ليدخل يده في جيبه لإخراج السلعة فإنه لم يتحقق قوله: (هاء وهاء)، فلابد أن يمد بيد ويعطيه بأخرى، وهذه المسألة يسمونها: مسألة صندوق التاجر، حيث كانوا في القديم يأتي ويكلم التاجر ومعه الحلي، فينزل التاجر إلى الصندوق ويخرج منه، كما هو موجود الآن في (البترينة) أو نحوها حين يقفلها ويفتحها حتى يستخرج منها المبيع، فقالوا: لا يجوز له أن يتعاقد معه إلا إذا نجز، وهذا المذهب فيه تشدد، لكن فيه رحمة.
الحكمة من تحريم الربا
والناس قد ينظرون للحكم هكذا ويظنون أن فيه شدة وعسراً، لكن للشريعة حكم عظيمة؛ فإن هذا الاشتراط للتقابض يدفع عن الناس من الشر ما الله به عليم.
وكثير من المظالم تقع بسبب عدم التقابض، حتى إن أحد خبراء الاقتصاد من الكفار المعاصرين لما قرأ شرط الشريعة في التقابض، قال: لو أن العالم طبق شرط الشريعة الإسلامية في التقابض في النقدين، فإن ثلاثة أرباع مشاكل الاقتصاد سوف تنتهي؛ لأن التعامل كله بالكلام، والنكسات التي تقع حينما يحدث السحب بالسيولة غير موجودة، فتحدث بسبب ذلك الديونات والإحراجات، ويحصل بسبب ذلك الظلم.
ومن هنا اشترطت الشريعة التقابض؛ لأنه يدفع باب الاحتيال، فلو قال لك: أبيعك مائة دولار مثلاً من الذهب، وأعطيته النقد ولم يعطك إياها، فربما قال لك: أبيعها لك، وسجلها دون أن تكون موجودة في رصيده، بزعمه أنك إذا جئت تطلبها في أي وقت فإنه سوف ينجزها لك، فربما جئت تطلبها في أحرج الأوقات، فتصيبه النكسة، فيضر بنفسه.
وأيضاً أضر بغيره؛ لأنه ربما وقف العاجز الذي لا يستطيع أن يسدد ديونه لقاء السحوبات، كما يقع في بعض المصارف نكسات بسبب عدم وجود السيولة، فالشريعة لم تشترط هذا من فراغ، ولنمثل لذلك بمثال في مسألة دفع الضرر على هذا النطاق العام وهو ضرر أخف، فمثلاً: إذا جئت إلى رجل وأعطيته خمسمائة ريال وأنت تريد صرفها، أو اشتريت مثلاً بعشرة ريالات وأعطيته خمسمائة ريال، فإنه يأخذها مباشرة ويرميها في الصندوق ثم يقول: كم أعطيتني؟ فتقول: خمسمائة، فيقول: لا، بل أعطيتني مائة.
فتقول: أعطيتك مائة.
فيقول: لا، بل أعطيتني خمسين.
فتقول: خمسين.
فيقول: بل عشرة، هذا إذا لم يقل لك: لم تعطني شيئاً؛ لأنه ينسى.
فالشريعة تريد العدل، فإذا أخذ منك الذهب أعطاك مقابله باليد الأخرى؛ لأنك رضيت أن تبذل ذهبك لأجل العوض، فهذا كله مبني على حكمٍ عظيمة، فإن اشتراط التقابض وتحريم النسأ فيه دفع للضرر عن العامة والخاصة.
التفصيل في بيع الربويات بعضها ببعض
وبناءً على ذلك فالأصناف الستة يشترط فيها التماثل والتقابض، وهذا كله إذا وقع التبايع بالصنف بمثله، كذهب بذهب، وفضة بفضة، وبر ببر، وتمر بتمر، وشعير بشعير، وملح بملح، لكن لو وقع التعامل مع الاختلاف، فإن الحكم يختلف، فإذا حصل الاختلاف اليسير اختلف الحكم يسيراً، وإذا وقع الاختلاف الكلي اختلف الحكم كلياً، وحكم بجواز التفاضل وجواز النسأ والتأخير.
وتوضيح ذلك: أن الأصناف الستة إذا بعتها مختلفة، فإما أن تبيعها مع اتحاد الجنس واختلاف النوع، وإما مع اختلاف الجنسين، فنقسم الستة إلى أثمانٍ ومطعومات، فالأثمان الذهب والفضة، والمطعومات الأربعة الباقية، فالذهب والفضة إذا بيعا مختلفين فإن جنسهما واحد، أي: جنس أثمان، فإذا بعت مع اتحاد الجنس واختلاف الصنف فيشترط التقابض فقط، فيجوز أن تبيع الكيلو من الذهب بالكيلوين من الفضة، لكن بشرط أن يكون يداً بيد، ولا يجوز أن يؤخر أحد المتعاقدين، فإذا اتفق جنس الثمن واختلف الصنف، كذهب بفضة، قلنا: يجوز التفاضل ولا يشترط التماثل، ويجب التقابض، فلا يفترقان عن مجلس العقد إلا وقد أعطى كل منهما للآخر ما له عليه.
مثال ذلك: لو جئت تشتري بالريالات الموجودة -ورصيدها فضة- ذهباً، وقال لك: الجرام بأربعين ريالاً، فاشتريت عشرة جرامات بأربعمائة ريال، أو مائة جرام بأربعة آلاف ريال، فيجب عليك أن تعطيه الثمن ويعطي لك الجرامات يداً بيد، فلا تفترقا عن مجلس العقد إلا وقد قبض كل منكما سلعة الآخر، أو ما عند الآخر.
فلو أن أحدكما أخر وافترقتما، فقد وقع ربا النسيئة من وجه واحد، وعند الانسحاب من الوجهين يجري الربا من وجهين، وعند اتحادهما من وجه واحد يجري الربا من وجه واحد، فيجري النسأ فقط ويجوز التفاضل.
أما لو اختلف الجنسان؛ كذهب بواحد من الأصناف الأربعة المطعومة، أو فضة بواحد من الأصناف الأربعة المطعومة، فيجوز التفاضل ويجوز النسأ، فيجوز أن تبيع الكيلو من الذهب بألف كيلو من التمر؛ لأنه لا يشترط التماثل، كذلك أيضاً يجوز أن تعطيه النقد الآن وتستلم منه التمر بعد يوم، أو بعد شهر، أو بعد سنة، ولا بأس بذلك؛ لأنه لا يوجد الربا لا من جهة التفاضل ولا من جهة التقابض.
وعليه قال العلماء: إن الأصناف الستة يجري فيها الربا من وجهين بشرط اتحاد الجنس والصنف، كذهب بذهب، وفضة بفضة، وبقية الأصناف الأربعة على ذلك، ويجري الربا من وجه واحد وهو ربا النسيئة، إن باع مع اختلاف الصنف واتحاد الجنس، كأن يتحد جنسهما كالأثمان، فيبادل الذهب بالفضة، فيجوز التفاضل بأن يبيعه الكيلو بالكيلوين، ولا يجوز النسأ وهو التأخير.
وكذلك لو باع البر بالتمر، فيجوز الصاع بالصاعين وبالثلاثة، ولكن يجب أن يكون يداً بيد، أما لو اختلف الجنسان كذهب ببر، أو تمر أو شعير أو ملح أو فضة بتمر أو شعير أو ملح، فإنه يجوز التفاضل ويجوز النسأ، ولا ربا في هذا النوع من البيع.
الربا في غير الأصناف الستة المنصوص عليها
أما الأصناف التي سكت عنها الشرع، فجماهير السلف رحمة الله عليهم ومنهم الأئمة الأربعة على أنه يجري فيها الربا ولكن بشروط، وخالف في ذلك الظاهرية رحمهم الله، فقالوا: لا يجري الربا إلا في الأصناف الستة.
ومذهب الجمهور هو الصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما ذكر هذه الأشياء ذكرها أصولاً لغيرها، فذكر البر والشعير أصلاً للحبوب، فتقيس الأرز الموجود في زماننا والدخن والعدس والفاصوليا واللوبيا وغيرها من الحبوب ونحوها على البر والشعير.
كذلك أيضاً ذكر التمر لكي يقاس عليه الزبيب، والعسل، والحلوى، مما يباع كيلاً أو وزناً من جنس المطعومات، فجعلها أصلاً لغيرها.
وجعل ذكر الملح لكي يقاس عليه ما يستصلح به الطعام؛ كالأدقة ونحوها مما يوجد من البهارات الموجودة في زماننا.
إذاً: ليس من فراغ جاء قوله عليه الصلاة والسلام: البر والتمر والشعير والملح، إنما جاء تنبيهاً على المثل، ولذلك صح عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال: (وكذلك ما يكال ويوزن)، وهو صحابي جليل فجعل ما يكال ملحقاً بالأصناف الأربعة المنصوص عليها كيلاً، وجعل ما يوزن ملحقاً بالمنصوص عليه من الذهب والفضة؛ لأنه كان يباع وزناً.
إذا علمنا أن الأصح أن الربا يجري في غير هذه الأصناف الستة، فلو سأل رجل عن الأرز الموجود في زماننا، أو سأل عن البرتقال أو التفاح أو الموز، وهذا من جنس المطعومات، أو سأل عن غير الطعام كالحديد أو النحاس أو الألمنيوم أو غيرها من المعادن، هل يجري فيها الربا أم لا؟ بمعنى: لو باع الرجل حديداً متفاضلاً؛ كطن من الحديد الصلب -وهو أجود أنواع الحديد- بنصف طن من الحديد الزهر، وهو رديء، فقال: أردت أن أبادل الحديد بالحديد متفاضلاً، فهل يجوز أم لا يجوز؟ كذلك يسأل الناس في زماننا هذا -ونحب أن نمثل بأمثلة موجودة الآن حتى يكون التطبيق واضحاً- فلو سأل عن ثلاجة بثلاجتين، أو سيارة بسيارتين، هل هذا من الربا؟ والسؤال عن الربا إنما يكون عند الزيادة؛ بل ربما يسأل: القلم بقلمين أو الدفتر بدفترين هل يجري فيه الربا أم لا؟ فكل واحد يسأل عما أشكل عليه أو وقع فيه، ومن هنا تسأل عن كل صغيرة وكبيرة موجودة في زمانك، فإن الموجود في زماننا أكثره غير منصوص عليه في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الذي لم ينص عليه النبي صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما كان من جنس المطعومات.
القسم الثاني: ما كان من غير جنس المطعومات.
مثال ذلك: لو أخذنا الحلوى الموجودة في زماننا وبعناها من جنس غير المطعومات، مثل الثلاجات أو الحديد أو النحاس، فهل يجوز بيع هذه الأشياء إذا اتحدت أصنافها متفاضلة؟ هذا يحتاج إلى تفصيل.
وتوضيح ذلك أن يقال: نأخذ أولاً غير المطعومات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بها، فقال: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة)، فذكر لنا الأصل في غير المطعوم، وهو الذهب والفضة، فإن الله حرم بيع الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل؛ لمكان العدل، فإنه إذا باع الذهب بالذهب متفاضلاً، فهنا يوجد ظلم.
ومن هنا قال طائفة من العلماء رحمهم الله، وهو رواية عن الإمام أحمد، وذكر المرداوي رحمه الله صاحب الإنصاف أن المذهب عليها، وهو مذهب الحنفية أيضاً: أن العلة في الذهب والفضة الوزن، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (الذهب بالذهب وزناً بوزن، والفضة بالفضة وزناً بوزن)، فكأن مقصود الشرع حصول التماثل بالوزن، فما كان يوزن من غير المطعومات فلابد فيه من التعادل والتكافؤ في الوزن.
ومن هنا إذا باع الموزون بالموزون مع اتحاد الصنف وقع الظلم، وقالوا: إن الموزونات من غير الذهب والفضة تقاس على الذهب والفضة، فلا يجوز بيعها متفاضلة مع اتحاد الصنف، فلو سأل رجل وقال: عندي عمارة وأريد أن أبنيها، فأخذ لها قطعة حديد من الرديء، وجاءه رجل وقال: هذا الطن الذي هو ألف كيلو عندك أريد أن أبادله بنصف طن من الصلب الذي هو أجود عندي، فهل يجوز أم لا يجوز؟ نقول: لا يجوز بيع هذا الحديد بمثله متفاضلاً؛ لأنه موزون، قياساً على الذهب والفضة.
كذلك لو سأل عن النحاس -وقد جرى العرف ببيعه وزناً- عن طن منه بنصف طن، أو طن بطن ونصف، فنقول: لا يجوز؛ لأنه موزون؛ كما لا يجوز بيع الذهب بالذهب متفاضلاً.
لكن لو أن غير المنصوص عليه -الذي قسناه على الذهب والفضة الذي هو الحديد والنحاس ونحوها من المعادن- لو دخلت فيه الصنعة فأخرجته عن كونه موزوناً إلى كونه معدوداً أو مذروعاً فما الحكم؟ من باب المناسبة حتى يكون الحكم واضحاً: الوزن مثل الغرامات، ومثل الكيلو والطن، ونحو ذلك، والكيل كالصاع واللتر، فإن اللترات تسمى كيلاً، فلا يفهم البعض أن الكيل هو الكيلو غرام؛ بل الكيل مثل الصاع والمد والرطل، ونحوها كاللترات الموجودة في زماننا.
فهناك ما يباع عدداً كالسيارة، فإن السيارة لا تباع وزناً ولا كيلاً ولا بالذرع، وإنما تباع بالعدد، فتقول: أريد سيارة بسيارتين، والإبل والبقر والغنم كلها تباع بالعدد، فعندنا أشياء تباع بالوزن، وأشياء تباع بالكيل، وأشياء تباع بالعدد، وأشياء تباع بالذرع.
والذرع مثل القماش فإنه يباع بالمتر، وكذلك المخططات في الأراضي تباع بالذرع، فالشيء الذي يباع بالوزن من غير المطعوم لابد أن يكون مثلاً بمثل، لكن لو دخلت فيه الصنعة فأخرجته عن كونه موزوناً إلى كونه معدوداً أو مزروعاً، مثال ذلك: لو أن رجلاً عنده طن من الحديد، ثم أخذ هذا الطن فقطعه قطعاً وأوصالاً بالأمتار، وأصبح يبيع مثلاً المتر بكذا، وحينئذٍ خرج عن كونه مباعاً بالوزن إلى كونه مباعاً بالذرع.
كذلك أيضاً قد يباع بالعدد، كأن يبيع بالواحدة أو بالاثنتين أو بالثلاث، وكما لو أخذ الحديد فصنعه سيارة، أو أخذ الحديد فصنعه ثلاجة أو غسالة أو نحو ذلك، فأخرجته الصنعة عن كونه موزوناً إلى كونه معدوداً أو مذروعاً، فما الحكم؟ قالوا: إذا أخرجته الصنعة عن كونه موزوناً إلى كونه معدوداً أو مذروعاً جاز التفاضل وحرم النسأ، فيجوز أن يبيع القطعة بالقطعتين، والسيارة بالسيارتين وبالثلاث وبالأربع؛ لأن المعدودات قد يحصل العدل فيها مع اختلاف العدد، فالبعير الواحد قد يعادل ثلاثة أبعرة، ومن هنا قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آخذ البعير بالبعيرين والفرس بالأفراس إلى إبل الصدقة)، وهي معدودات، فأجاز في المعدود التفاضل، وبناءً على ذلك قالوا: إذا أخرجته الصنعة عن كونه موزوناً إلى كونه معدوداً فإنه يجوز فيه التفاضل.
ولو سأل سائل فقال: هل يجوز بيع السيارة بالسيارتين؟ فنقول: نعم؛ لأنها ليست من جنس الربويات فتأخذ حكم الربوي، أعني: أن التفاضل فيها مغتفر، كالغسالة بالغسالتين، أو الثلاجة بالثلاجتين، فأي شيء من غير المطعوم إذا كان غير موزون جاز فيه التفاضل.
كذلك في الخشب: وهذا يقع حينما يشتري الخشب مثلاً بالوزن وهو خام لم يقطع ولم يفصل، فأراد أن يبادله بمثله، فهذا لا يجوز إلا مثلاً بمثل، لكن لو أن هذا الخشب يباع بالعدد، مثل ألواح الأبلكاش فإنها تباع بالأذرعة: المتر والمتر والنصف، وتباع بالعدد فيقول: اللوح واللوحان والثلاثة، وكل عشرة بكذا.
فخرجت عن كونها موزونة، فعندما تأتي وتشتري ألواح الخشب فلا تسأل: كم وزنها؟ إنما تقول: أريد لوحاً أو لوحين من صنف كذا وكذا، فإنه صار من جنس المبيعات بالعدد، فإذا أخرجت الصنعة الموزون إلى كونه معدوداً أو مذروعاً، جاز التفاضل، وحينئذٍ فلا يكون من جنس الربوي المنصوص عليه من كل وجه.
وهناك قول ثانٍ في ثبوت العلة في الذهب والفضة وهو أن العلة هي الثمنية، أي: كونهما رءوساً للأثمان، وقيماً للأشياء، والثمنية يسميها علماء الأصول: علة قاصرة، ولا يقاس عليها غيرها؛ لأن الله جعل في الذهب والفضة خصيصة، كما نبه على ذلك الإمام المقدسي رحمه الله في مختصر منهاج القاصدين.
وهذه العلة يقول بها الجمهور من المالكية والشافعية، وهي رواية عن الإمام أحمد: أن الذهب والفضة جرى فيهما الربا لكونهما ثمناً للأشياء وقيماً لها، وهذه العلة القاصرة مختلف فيها عند علماء الأصول، فبعضهم لا يرى التعليل بها، ولذلك يقول صاحب المراقي: وعللوا بما خلت عن تعدية ليعلم امتناعه والتقوية ومذهب الجمهور على أنه يجوز التعليل بالعلة القاصرة، لكن إذا قلنا: العلة في الذهب والفضة هي الثمنية، بناءً على القول الثاني، فإن الربا عندهم لا يجري في غير الطعام أياً كان ذلك، ولو كان موزوناً، إلا في الذهب والفضة.
فعلى مذهب الجمهور فبيع الطن بالطنين من الحديد يجوز، وبيع الطن بالطنين من النحاس يجوز؛ لأنهم لا يرون جريان الربا في غير المطعوم إلا في الذهب والفضة فقط.
وأما بالنسبة للمطعومات فقد اختلف العلماء رحمهم الله في علتها على أقوال: - فقيل: الكيل، كما هو مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد.
- وقيل: الطعم، كما هو مذهب الشافعية، ورواية أيضاً عن الإمام أحمد.
- وقيل: القوت والادخار، كما هو مذهب المالكية.
- وقيل: الطعم مع الكيل أو الوزن، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال بها بعض السلف، كما هو قول سعيد بن المسيب وطائفة، وهو أرجح الأقوال.
أما الطُعم فلنهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل، فهذا حديث معمر بن عبيد الله رضي الله عنه وأرضاه يدل على قوة قول القائل: إن العلة هي الطعم مع الكيل أو الوزن.
وبناءً على هذا القول -أن العلة هي الطعم مع الكيل أو الوزن- فكل طعام ينظر فيه: إن كان يباع كيلاً أو وزناً جرى فيه الربا من الوجهين عند اتحاد الصنف، وإن كان يباع عدداً لم يجر فيه الربا.
فمثلاً: الطعام مثل الأرز الموجود في زماننا، يباع وزناً وكيلاً بأن تضعه في الصاع، فتقول: صاع من الأرز أو صاعان، ونحو ذلك.
أيضاً يباع الطعام عدداً كالبطيخ، فتقول: أعطن
مسائل في الربا
ابتدأ المصنف رحمه الله بالقاعدة العامة، ثم ذكر تطبيقات لما يحرم فيه الربا من وجهين، ولما يحرم فيه الربا من وجه واحد، ثم بعد أن قرر أصول الربا انتقل إلى بيوع ذرائع الربا؛ لأن المحرمات الربوية تنقسم إلى: منصوص عليها، وملحقة بالمنصوص عليها، وهناك أشياء من البيوع في ظاهرها أو صورتها ليس فيها الربا، لكنها تئول إلى الربا، ويسمونها: بيوع الذرائع الربوية، كبيع ربوي مع الربوي وغير الربوي، وبيع العينة، ونحو ذلك مما سيبينه رحمه الله.
تحريم ربا الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [يحرم ربا الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه] إذا باع براً ببر، فيحرم ربا الفضل، وإذا حرم ربا الفضل فاعلم أن ربا النسيئة حرام، وإذا قلت: يحرم النسأ فقد يجوز التفاضل وقد يحرم، إذاً: تحريم النسأ لا يستلزم وجود ربا الفضل، وتحريم الفضل يستلزم وجود ربا النسيئة، وهذا هو الذي جعل ربا النسيئة أقوى من ربا الفضل.
وعليه حمل قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أسامة: (لا ربا إلا في النسيئة)؛ وذلك لأنه أغلب وأكثر نوعي الربا انتشاراً، فيكون قوله: (لا ربا إلا في النسيئة) ليس المراد به الحصر، وإنما المراد به التعظيم، كقوله: (الحج عرفة)، فلما كانت أكثر مقاصد الحج في عرفة جعل الحج كأنه الوقوف بعرفة، وكذلك لما كان أكثر الربا في النسيئة، كان هذا خارجاً مخرج التعظيم، وليس المراد به حصر الربا في النسيئة.
وقوله: (وموزون) الموزون سواءً كان مطعوماً أو غير مطعوم، إذا بيع بجنسه فلابد أولاً أن يكون من الأصناف الربوية، فإن كان من جنس المطعومات، قلنا: العلة الطعم مع الكيل أو الوزن، وإن كان من غير المطعومات فإن العلة فقط هي الوزن.
فجاء بالأصل العام الذي هو الكيل والوزن؛ لأن المصنف رحمه الله رجح أن المطعومات العلة فيها الكيل فقط، وهي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وقد بينّا أن الأقوى والأرجح أن العلة هي الطعم مع الكيل أو الوزن.
وقوله: (بيع بجنسه) بناءً على ذلك فإن البر مع البر والتمر مع التمر والملح بالملح كله يجري فيه الربا من الوجهين، لكن لو خرجت عن المنصوص عليه فسُئلت عن الأرز أو الحلوى، أو غير ذلك من المكسرات الموجودة في زماننا؟ فتقول: فيها تفصيل: فإن كانت مكيلة أو موزونة فلا يجوز بيع الجنس الواحد بمثله إلا مثلاً بمثل، يداً بيد، وإن كانت تباع بالعدد جاز التفاضل، ولكن يجب أن يكون يداً بيد.