اتحاد الصنعة واختلافها في شركة الأبدان
وعند العلماء تفصيل: هل جواز هذا النوع من الشركة يتوقف على اتحاد الصنعة واتحاد الحرفة؟ أم أنه يمكن للشريكين مع اختلاف صنعتهما أن يتفقا؟ مثال ذلك: إذا كان هناك حدادان أو نجاران فاتفق الحدادان على أن يتقبلا من الناس العمل ويقوما بالعمل سوياً مثل صناعة الأبواب وصناعة الشبابيك من الحديد ونحوها من أعمال الحدادين، فاتفقا على أنه يتقبل كل واحد منهما من الناس، ثم يُدخلان هذه المواد الخام من الحديد ويُصَنِّعانها في محلهما وأن ما يكون من النتاج والربح مقسوم بينهما بالمناصفة، فاتفقا على ذلك، فحينئذٍ تقول: هذه شركة أبدان، قائمة على اتحاد الصنعة؛ لأن كلاً منهما حداد، وإذا كانا متفقين في الصنعة، فجماهير العلماء على أن شركة الأبدان تجوز.
كذلك في النجارة، لو أن اثنين يحسنان عمل النجارة، واتفقا في ورشتيهما على أن يتقبلا من الناس الطلبات، ويقوما مع بعضهما بصناعة الأبواب ونجارة الأبواب والشبابيك أو ما يُطلب منهما، أو ما يكون من عمل الديكورات الموجودة الآن من خشب، فكل هذا إذا اتفق فيه الطرفان فأكثر مع اتحاد الصنعة، فكل منهما يحسن النجارة، وكل منهما يحسن الحدادة فلا إشكال، ومن يقول بجواز شركة الأبدان يصحح هذا النوع من الشركات؛ لكن الإشكال إذا كان أحدهما يتقن صنعة غير صنعة الآخر، كأن يكون أحدهما حداداً والآخر نجاراً، فيتفقان على أن هذا يعمل في الحدادة، وهذا يعمل في النجارة، والربح بينهما.
فللعلماء في هذه المسألة قولان: بعض العلماء يجيز، وهو مذهب الحنابلة، ووافقهم الحنفية.
وبعضهم يمنع، كما هو مذهب المالكية.
يعني: نفس الجمهور الذين يقولون بجواز شركة الأبدان يختلفون إذا اختلفت الصنعة، وهذا مثل ما يقع في المجمعات الصناعية، إذا كان هناك محلان، ويختلف المحلان في الصنعة، فتارةً تكون من شركة الأبدان المختلفة، كحدَّاد ونجَّار، وتارةً تكون من شركة الأبدان المتفقة، كالحدادين والنجارين، فإنه يجوز أن يشتركا على هذا الوجه.
وتطبيق هذه الشركة في زماننا لها مجالات عديدة: منها: ما ذكرنا في الحدادة، فالآن -مثلاً- محلات الخراطة (خراطة الحديد) لو أن صاحبا محلين في خراطة الحديد اتفقا فيما بينهما، على أن يتقبلا من الناس الطلبات، ثم يقوم كل منهما مقام الآخر في التقبل وفي العمل، فلا بأس، وتقع شركة الأبدان على هذه الصورة.
والآن في زماننا يأتي المقاول فيأخذ بناء العمارة، ويأتي النجار ويأخذ -مثلاً- أبوابها الخشبية، ويأتي الحداد ويأخذ السلالم من الحديد أو نحوها، وينبغي مع شركة الأبدان اتحاد الصنعة تقول: يمكن لمقاولَين أن يتفقا فيما بينهما على أن يقوما بالمقاولات، ويتقبلا الأعمال المطلوبة منهما ويعملان سوياً، فيمكن أن يتفقا مع بعضهما بهذه الشركة ويقوما ببناء العمارة مع بعضهما، أو يقوما ببناء الفيلا أو نحو ذلك مع بعضهما، حينئذٍ تكون شركة أبدان مع اتحاد الصنعة.
كذلك لو أنهما اتفقا مع بعضهما على الحدادة، فأخذا عمارةً كاملةً على أن يقوما بصنع سلالمها أو نحو ذلك مما يستلزمه عمل الحدادة، فحينئذٍ نقول: هذه شركة أبدان؛ لكن كيف تكون شركة الأبدان على الصورة الثانية؟! أن يتفقا فيما بينهما مع اختلاف الصنعة، فمن الممكن أن يأخذا عمارة واحدة، أحدهما مقاول يبني، والثاني حداد للحديد الذي يُبنى به ويُصب عليه، وثالث: نجار لأعمال النجارة، فيتفقون جميعاً وتكون شركة، وتُبنى العمارة على هذا الأساس من الشركة، ويُقسم مال ونتاج العمارة بينهم، هذا إذا قلنا بجوازها مع اختلاف الصنعة.
ولا يمكن أن نحكم بالجواز إلا إذا كانا في عمل واحد.
وفي الحقيقة: القول الذي يقول بأنها تكون مع اتحاد الصنعة من القوة بمكان؛ لأنه -في الحقيقة- في حال اختلاف الصنعة الغرر قوي، وقد تحدث الفتنة في كثير من الصور وكثير من الأحوال لاختلاف الصنعتين؛ لكن إذا اتحدت الصنعتان وكان كل منهما يمكن أن يقوم مقام الآخر، فهو يعمل كعمله، ويمكن أن يقسم العمل بينهما، ويمكن ألَّا يضر أحدهما الآخر؛ لكن في حالة اختلاف الصنعة، أحدهما نجار والثاني حداد فيكون هناك نوع من الغرر ونوع من الغبن، ولربما تيسرت أعمال الحدادة أكثر من النجارة، أو النجارة أكثر من الحدادة، فيحدث شيء من الشحناء وتغير القلوب.
ولذلك النفس تطمئن إلى جوازها في حال اتحاد الصنعة، أما في حال اختلاف الصنعة فالشبهة قائمة.
فنقول إجمالاً: شركة الأبدان تكون مع اتحاد الصنعة، وتكون مع اختلاف الصنعة، وهي في اتحاد الصنعة أولى بالجواز منها عند الاختلاف؛ لكن بقيت مسألة، إذا كنا نقول: إن شركة الأبدان تكون مع اتحاد الصنعة، فعند اتحاد الصنعة تكون الأعمال متفقة بحيث يُبنى بعضُها على بعض، فهي لا تتفق من كل وجه؛ لكن ينبني بعضها على بعض.
مثال ذلك: نحن ذكرنا أنه إذا اختلفت الصنعة، فكان أحدهما حداداً والآخر نجاراً لا يجوز، ولو أن حداداً اتفق مع نجار فالأشبه عدم الجواز، والغرر موجود في هذا؛ لكن لو قلنا: لابد أن يكونا حدادَين أو نجارَين، فلو فرضنا أن العمل اتحد من حيث الأثر والنتاج واختلف في الوصف والمهمة التي يقوم بها، مثل: الغزل من أحدهما والخياطة من الآخر، فإذا كان أحد العملين مبنياً على الآخر، فالأمر أخف؛ لأن المقاولة تكون في هذه الحالة على عمل واحد، وحينئذٍ إذا كان أحد العملين مبنياً على الآخر فالأمر أخف.
مثلاً: محلات الخياطة، قد يوجد خياطان يكون أحدهما ماهراً في قص القماش وتهيئته للخياطة، والآخر ماهر في خياطة القماش، يمكن أن نقول: إنهما يشتركان وإن كان العمل مختلفاً، فأحدهما يفصِّل والثاني يخيط، نقول: لا بأس بذلك والغرر هنا يسير؛ لأن العمل المتقبل واحد، وشبهة الضرر في هذا النوع من اتفاق الصنعة خفيفة إن شاء الله.
وهكذا في اتفاقهما في الزراعة، إذا كانا مزارعين، أو كانا نجارين أو حدادين، وكان عمل أحدهما قائماً على الآخر، فلا بأس.
مثلاً: في الحدادة وفي النجارة تقطيع الأشياء التي يُراد لحامها في الحديد أو تسميرها في الخشب، فلو كان أحدهما متكفلاً بأخذ الأطوال ونحوها وهو يجيد ذلك، وماهر فيه، وقال للآخر: عليك التسمير، أو عليك اللحام، أو نحو ذلك، فلا بأس به، كما نص على ذلك طائفة من العلماء رحمة الله عليهم.
وهذا النوع من الشركات لا شك أن فيه تيسيراً للأمة وخيراً كثيراً، فإن أصحاب الحرف إذا اجتمعوا واشتركوا ائتلفت القلوب وحصل نوع من التعاون والتلاحم والتكاتف والتعاطف، وشعر كل منهما أن عمله لأخيه، وأن عمل أخيه له؛ لكن إذا كان هذا له محل حدادة، وهذا له محل حدادة، ربما وقع التنافس وربما وقع التباغض وربما وقع التحاسد، فحينئذٍ حينما يكون محلهما واحداً وأعمالهما واحدةً ونشاطهما واحداً، فإن هذا لا شك أنه يعين على تحقيق الأخوة وقوة أواصر المحبة بين أفراد المجتمع.
فمن الحكم التي تستفاد من جواز هذا النوع من الشركات: أنه يعين على الأخوة، ويحقق مقاصد الشريعة بالجمع بين المسلمين.
الشراكة في المال والعمل
قال رحمه الله: [أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما]: إذا اتفق الطرفان على أن يشتركا فيما يكتسبانه، يعني: في كل كسب ينشأ من عمل البدن منهما، فخرجت الشركة المال في المفاوضة والعنان بهذا القيد؛ لأنها تقوم على الاشتراك في المال والعمل وليس في العمل المحض.
قال: [يكتسبان بأبدانهما]: يعني: إذا اتفقا على ذلك، وقالا: إننا نتقبل، أو أحدنا يتقبل والآخر يعمل، أو نعمل سوياً، أو نتقبل سوياً ونعمل سوياً، فالأمر في ذلك كله سواء، ويكون حينئذٍ كل واحد منهما قائماً مقام أخيه في هذه الشركة.
فمثلاً: إذا جئت تطلب نجارة طن من الخشب على أن يُصَنَّع أو يُفْعَل فجاء أحدهما واتفق معك والشركة قائمة، فقال: أنا أصنع هذا الطن من الخشب شبابيك أو أبواباً بمائة ألف، على أن يفصل -مثلاً- مائة باب أو مائتي باب، فاتفقتما على تفصيل الخشب أو المادة الخام من الخشب، وتفصل أبواباً أو شبابيك، فإذا أبرم العقد معك ففي الحقيقة يكون قد أبرمه عن نفسه أصالةً وعن شريكه وكالةً، فهو عن نفسه أصيل، وعن شريكه وكيل، فيمكن أن يتقبلا معاً، ويمكن أن يتقبل أحدهما على ذمة الآخر معه، ويستوي الحكم، فإذا جاء الزبون أو العميل لأحدهما واتفق معه فلا نقول: إنه اتفق مع أحدهما، وإنما نقول: ما دامت الشركة قائمة فالاتفاق عليهما والالتزام عليهما معاً، ولو أن المادة الخام من الخشب دخلت ثم حصل ضرر من الشركة يوجب الضمان عليهما معاً على سنن الشركة والأصول التي تقدم بيانها في مسائل ضمان الشريكين.
صور التقبل في شركة الأبدان
قال رحمه الله: [فما تقبله أحدهما من عمل يلزمهما فعله]: قوله: (من عمل) نكرة؛ تشمل أي عمل؛ لكن في حدود الشركة، وليس مراده (من عمل)؛ لأنه من الممكن أن يتقبل عملاً خارجاً عن الشركة.
مثلاً: إذا كانا نجارين وتقبل أحدهما عمل حدادة، نقول: هذا خارج عن الشركة.
لكن مراد المصنف بقوله: (فما تقبله أحدهما من عمل) هنا عام أريد به الخصوص، يعني: من عمل متعلق باتفاق الشركة، أما لو تقبل عملاً لا علاقة له بالشركة، فإنه لا تقع الشركة عليه ولا يلزم الشريك الآخر به.
والتقبل يكون على صورتين: - الصورة الأولى: أن يتقبلا مع بعضهما أي: أن يكونا جالسين في الدكان أو في المحل ويأتي العميل ويقول: أريد هذا القماش يُخَيَّط، أو أريد هذا الخشب يُفَصَّل أو أريد هذا الحديد يُفَصَّل، فيقومان مع بعضهما ويتفقان ويبرمان العقد بينهما وبين ذلك العميل، فحينئذٍ لا إشكال.
- أو يتقبل أحدهما في حال غيبة الآخر، فإنه في هذه الحالة -كما ذكرنا- أصيل عن نفسه وكيل عن شريكه.
جواز شركة الأبدان في الاحتطاب وما شابهه
قال رحمه الله: [وتصح في الاحتشاش والاحتطاب وسائر المباحات]: شركة الأبدان تقوم على الصناعات والحرف اليدوية وما في حكمها.
ويمكن أن يتفقا حتى في الغزو والغنائم، وما كان في أيام الجهاد في سبيل الله، الذي هو التلصص على دار المشركين إذا كانوا غير مسالمين، فيجوز حينئذٍ أن يتفقا مع بعضهما على أخذ الغنيمة، كأن يغزوا مع بعضهما، فإذا غنم أحدهما غنيمة قُسمت بين الطرفين على ما اتفقا عليه؛ لأنها وردت في قصة عبد الله بن مسعود، والحديث فيه انقطاع؛ لأن أبا عبيدة وهو ابن عبد الله بن مسعود قيل: لم يسمع من أبيه لصغر سنه؛ لكن -في الحقيقة- متن الحديث قوي وتشهد الأصول بصحته واعتباره.
هذه المسألة التي ذكرها المصنف: الاحتشاش والاحتطاب، وكلٌّ من الحشيش والحطب مما يُباح ويُملك بالأخذ، يعني: لو خرج إنسان معه آله الحش، فوجد حشيشاً في أرض غير محرمة -التي هي الحمى ونحوها- وحش حشيشها، فيكون قد مَلَك الحشيش بحشه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلمون شركاء في الماء والكلأ والنار)، فأثبت أنهم شركاء في الكلأ، وأنه لا حِمى إلا ما حَمى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
فإذا ثبت أن الحشيش مباح، وأنه يجوز للمسلم أن يأخذ الحشيش متى وجده، فحينئذٍ يَرِد
السؤال
هل يجوز أن يشترك الطرفان فأكثر على الاحتشاش؟ أخذ الحشيش في بعض الأحيان يكون فيه مصلحة؛ لأنه إذا جُزَّ الحشيش يمكن أن يباع علفاً للدواب، فيُشترى من الطرفين، فلو أنهما اتفقا أن يخرجا إلى البر في أيام الربيع ونحوه على أن يحشا الحشيش ويجمعانه ويبيعانه جاز ذلك.
في زماننا: الطرف الذي يستخدم في (المساند) ونحوها، لو أنهما اتفقا على أنهما يخرجان إلى البر، ويجمعان هذا الطرف ثم يجعلانه في أكياس ويبيعانه، فهذا أيضاً تجوز عليه شركة الأبدان.
كذلك الحطب لو أن كلاً منهما يعرف طريقة الحطب والاحتطاب، فاتفقا على أن يخرجا إلى البر ويحتطبا الخشب والشجر (والسمر) ثم بعد ذلك يقطعانه ويفصلانه، أو يحرقانه فيجعلانه فحماً كل ذلك جائز.
لكن شدد في هذه المسألة الحنفية رحمهم الله ومنعوا من الاشتراك في المباحات، فلا تجوز شركة الأبدان عندهم في الاحتطاب، ولا تجوز في الاحتشاش، وكذلك في جلب الماء، فإن جلب الماء واستخراجه من الآبار يعتبر من المباحات؛ لأن مَن نزح ماءً من بئر فقد مَلَك هذا الماء.
وفي زماننا -مثلاً- لو اتفق صاحبا نقل المياه على أنهما يعملان مع بعضهما في نقل الماء، وكل منهما عنده سيارة لنقل الماء، قال أحدهما: يا فلان! أنا وأنت نتقبل من الناس الطلبات وكل منا يقوم مقام الآخر في تلبية ذلك، واتفقا على ذلك، وأخذا يعملان شهراً كاملاً، واجتمعت -مثلاً- مائة ألف ريال من هذه الوايتات -أو نحوها- التي تم بها جلب الماء، واتفقا على قسمة المال بينهما، فيُقسم المال بينهما بالسوية، أو على الاتفاق الذي اتفقا عليه.
وكذلك مثلما تكون الشركة على الاحتطاب -كما ذكرنا- أو الاحتشاش، وهذا على أصح قولي العلماء، كما هو مذهب المالكية والحنابلة، وطائفة من أهل الرأي، خلافاً للإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه الذي خالف الجمهور مع أنه رحمه الله يقول بجواز شركة الأبدان؛ لكنه ينازع في هذا النوع من الشركة ولا يجيزه، والسبب في هذا يقول: إن الحشيش والحطب يُملك بمجرد الأخذ، ومن أخذه ملكه، وحينئذٍ لا تقع عليه الشركة، على ما اختاره رحمه الله.
ولكن أجيب عن ذلك بأن هذا الاحتشاش والاحتطاب يمكن أن تدخله الملكية بدليل الإجارة عليه.
ولذلك رد أصحاب القول الأول الذي ذكرناه على ما اختاره المصنف رحمه الله بأنه يُملك بالأخذ على أصل السنة، ويملك بالاتفاق عليه إجارةً، فلو أعطيت رجلاً مائة ريال على أن يحش لك أرضاً محددةً وقلت له: حُشَّ هذا الحوض ولك مائة ريال، صحت الإجارة، وصار تابعاً لك، فإذا كان بالإجارة بموجب عقد الإجارة والاتفاق، كذلك أيضاً تصح بموجب عقد الشركة؛ لأن الشركة فيها وجه معاوضة، فكأن عمل أحدهما صار في مقابل عمل الآخر، وعلى السنن الذي ذكرناه في أول باب الشركة.
حكم الأمور الطارئة على عقد الشركة
قال رحمه الله: [وإن مرض أحدهما فالكسب بينهما]: من عادة العلماء بعد تقرير الأصل أن يتكلموا على شيء يسمى في مصطلح العلماء بآثار العقود الصحيحة: - أولاً: يثبتون لك العقد، وأنه مشروع.
- ثم يبينون أركانه وشرائط صحته.
- وبعدما يبينون أركانه وشرائط صحته يبينون ما يخالف الشرائط والصحة، وهي شرائط الفساد أو موجبات الفساد، كما يسميها بعض العلماء.
- وبعدما يبين لنا متى تكون شركة الأبدان صحيحة؟ ومتى تكون فاسدة؟ يرد السؤال على الأمور الطارئة، فالمرض من طوارئ عقد الشركة، ومن طوارئ العقود، فلو أن اثنين اتفقا، وكلاهما حداد أو نجار أو نحو ذلك من أصحاب الحرف والصنائع، اتفقا على أن يعملا بأبدانهما، ومرض أحد الشريكين، فبطبيعة الحال سيقوم الآخر مقامه وسينصبُّ العمل على أحدهما دون الآخر، وحينئذٍ اتفقا إذا كانا صحيحين؛ لكن إذا مرض أحدهما أو أصابه الضرر تعطلت المصلحة في الشركة بمقابل النصف، يعني: نصف الشركة سيتعطل، فهل مرضه يؤثر في عقد الشركة؟ نحن بين أمرين: - إما أن نقول: يفسخ عقد الشركة بهذا المرض، كما يفسخ بجنون أو موت أحدهما.
- أو نقول: يبقى عقدُ الشركة، ويُلْزَم الطرف الثاني.
وهذا باطل.
فالأول لا يمكن: لأن الجنون والموت ليسا كالمرض، فإن الجنون والموت يخالفان، لأن الأهلية تزول بالكلية؛ لكن المريض أهليته موجودة، وصفة الأهلية للعقد وموجبات أهلية العقد موجودة فيه، فهو عاقل بالغ؛ لكن أصابه المرض في يده التي يعمل بها، أو في رجله التي يمشي بها، أو حُمَّى، أو إصابته نحو ذلك من الأمراض التي تعطله عن القيام بالمصلحة.
فنقول: العقد صحيح: يعني: تبقى الشركة صحيحة كما هي.
ولكن نقول للشريك الثاني: أنت بالخيار بين أمرين: إما أن تفسخ الشركة -إن أحببت- فإذا قال: أريد أن أفسخ الشركة انفسخت الشركة؛ لأن الشركة عقد جائز، والعقد الجائز أثبتنا في أول باب الشركة أحد الشريكين يملك فسخه بدون رضا الآخر، فإذا قال: ما دمتَ مريضاً -وقد يستغرق المرض شهوراً- فإني أريد أن أفسخ الشركة، وأسأل الله لك العافية، وأنا لا أستطيع أن أتحمل إحراج الناس، فأريد أن أفسخ الشركة.
ففسخ الشركة، فحينئذٍ نفسخ عقد الشركة، سواءً ذكر عذراً أو لم يذكر عذراً، فهو بالخيار، إن شاء فسخ العقد، وإن شاء قال: أنت شريكي في السراء والضراء، وأسأل الله لك العافية، وأنا أتحمل عنك، فهذا من أفضل ما يكون وهو من الوفاء، وغالباً أن الله تعالى يبارك له وييسر له، ولا يزال له من الله معين وظهير ما دام أنه في عون أخيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، فالله في عون المسلم متى رَفَقَ، وهذا من الرحمة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الر احمون يرحمهم الله)، فإذا رحم أخاه ونظر إلى ما فيه من ضُرٍّ وقال: لا مانع، اجلس وأنا أتحمل عنك وأقوم عنك، فهذا لا شك أنه يُثاب عليه. - الصورة الثالثة: أن يقول الشريك الثاني الذي مرض: يا فلان! إني مريض ولكن سأقيم عاملاً يقوم مقامي، يعني: أحْضِرُ شخصاً يقوم مقامي، فأحْضَرَ شخصاً يقوم مقامه، فلا بأس، وتمضي الشركة وتستمر على الاتفاق الذي بينهما.
إذاً: إن مرض أحدهما وأراد أن يفسخ الآخر، فله ذلك، أو أراد أن يتحمل وحده، فله ذلك، أو أراد أو طلب منه أن يقيم شخصاً آخر مقامه فأقامه، فإن له ذلك، أو طالبه به، فإنه يلزم الثاني أن يقيم مقامه شخصاً آخر.
قال رحمه الله: [وإن طالبه الصحيحُ أن يقيم مقامه، لزمه]: أي: أن يقيم شخصاً.
(مقامه): أي: مكانه.
(لزمه): أي: لزم المريضَ أن يقيم مقامه شخصاً آخر؛ لأن مقتضى العقد يستلزم ذلك، والعقد والاتفاق بين الطرفين على أنه -أي: المريض- يقوم بهذه الأعمال مع شريكه، حدادةً ونجارةً إلى آخره، فإذا مرض فالعقد لا يزال يطالبه أن يقوم بهذه الحدادة، أو يقوم بهذه النجارة؛ فإذا تعذرت منه وأقام غيره مقامه فحينئذٍ هو وكيل عنه، ويقوم مقامه، ولا بأس بذلك؛ لأن مقتضيات العقد تستلزم هذا.
النوع الخامس: شركة المفاوضة
قال رحمه الله تعالى: [الخامس: شركة المفاوضة].
النوع الخامس من أنواع الشركات: شركة المفاوضة، والمفاوضة قيل: من التفويض، كما قال تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:44]، ومن فوض أمره إلى الله فقد وَكَلَه إلى الله عزَّ وجلَّ.
قالوا: فكأن الشريكين كل واحد منهما قد خول صاحبه وفوضه أن يكون مكانه ويقوم مقامه في أمور الشركة، وهذا النوع من الشركات بعض العلماء يعمِّمه، وبعضهم يخصِّصه.
والذين يعممونه إما أن يعمموه من كل وجه، وإما أن يعمموه في حدود معينة من أنواع الشركات.
فالذين يعممون شركة المفاوضة هم: الحنفية والحنابلة، وهذان المذهبان من أوسع المذاهب في مسألة شركة المفاوضة على تفصيلٍ يأتي.
والذين يخصصون شركة المفاوضة: المالكية، ويجعلونها شبه متفقة مع العنان.
والذين يمنعونها ولا يجيزونها بالكلية: الشافعية رحمة الله عليهم، فلا يجيزون عقد المفاوضة، وهم لا يجيزون أيضاً شركة الأبدان، وهذان النوعان منع منهما الشافعية للغرر.
أما بالنسبة للحنفية: فهم يقولون: يشترك الطرفان برأس مالٍ بينهما، وتكون يد الشريكين مطلقة على المالَين، فيكون مالي كمالِكَ، بمعنى: ما يكون هناك مالٌ خارجٌ عن مال الشركة.
فاختلفت عندهم شركة المفاوضة عن شركة العنان: فشركة العنان: أن يشتركان في مائة ألف أو خمسين ألفاً، وقد يكون عندك مليون، فأنت تشارك بمائة، وتبقَى تسعمائة ألف.
لكن شركة المفاوضة تشارك بجميع مالك، وأصل اللفظ: الشيوع، وفاض الوادي إذا سال بكثرة وشاع، وفاض الخبر إذا شاع.
فهم يقولون -وهذا الوجه الثاني في شركة المفاوضة-: أنها من الشيوع، فشاع التصرف، وكل منا شريكٌ للآخر في ماله، فيُطلِقان أيديهما على المالَين ولا يُستثنى شيء من ماله، فيصبح شريكاً له في السيولة، أي: في النقدين، ويصبح شريكاً له في تجاراته وأعماله الموجودة يعني: من محلات تجارية وأسواق تجارية، فيكونان شريكين تامي الشراكة، وهذا يقع في بعض الأحوال، خاصة مع القرابة، كبني العم والإخوان مع بعضهم، فقد يجمعان المال كل منهما على يد الآخر، يعني: يتصرف في مال الآخر كما يتصرف الآخر في ماله، ولا يمكن أن يُمَيَّز مال أحدهما من الآخر؛ لكن الذي يعرفانه: أن لهذا نصف المال، ولهذا نصف المال، وتنطلق تصرفاتهما في النقدين في الدواب في المزارع في العقارات من الدور والأراضي ونحوها بحيث يكونان كالرجل الواحد، وهذا كان يقع إلى عهد قريب في بعض الأماكن، يشتركان شراكة تامة كاملة، ولا شك أن هذا النوع من الشركة صعب تحقيقه، وصعب أن يوجد في كل الأحوال، ولذلك قالوا: إن مذهب الحنفية رحمهم الله في هذا الباب مذهب فيه نوع من الشدة والتشدد، حيث إن شركة المفاوضة لا تقع عندهم إلا على هذا الوجه، أما الحنابلة رحمهم الله ومن وافقهم الذين أجازوا شركة المفاوضة أجازوها على أساس أنها جمع لشركة العنان وشركة الأبدان وشركة الوجوه، فشركة المفاوضة عندهم أن تجمع الثلاث شركات في شركة واحدة، فمثلاً: عندنا رجلان، أحدهما حداد، أو عنده مصنع للحديد، والآخر عنده مصنع للحديد، فاتفقا فيما بينهما على رأس مال، وعلى أن يكون المصنعان متقبلَين لما يكون من الطلبات ونحوها، واتفقا فيما بينهما أيضاً أن يتقبلا من الناس أو يأخذا من الناس أموالاً أو تجارات ويبيعانها مع بعضهما، فتجدهما شريكين شراكة عنان في النقدين، أي: مائة ألف من كل واحد منهما، وشركة أبدان بالنسبة لعمل المصانع الموجودة عندهما، وشركة وجوه بالنسبة لتقبل البضائع التي تأتي من الخارج، مثلاً: لو كان عندهما محلات للقماش أو للطعام أو للسيارات أو للورش، فتستطيع أن تقول في الورش: شركة أبدان، وفي الأكسية والأغذية والسيارات تكون شركة وجوه من جهة جلب الأرزاق ديناً وبيعها وتخليص أصحاب الحقوق، فتكون شركة وجوه، ويمكن أن تعتبرها شركة أبدان بالنسبة لتصريف البضائع ونحوها.
إذاً: لا مانع على هذا الوجه أن تجتمع الشركات وكأنها شركة أم للشركات الماضية: العنان والأبدان والوجوه، وهذا في الحقيقة يدفع كثيراً من الغرر، يعني: الحنابلة كأنهم يقولون: هذه الشركات جائزة منفردة فتجوز مجتمعة، ولا مانع يمنع الشريكين أن يتفقا على هذا الوجه، وهذا يقع حتى في زماننا الآن تجد شريكين يتفقان فيما بينهما على الدخول في الأعمال التجارية، ويتقبلان البضائع من الخارج توريداً على الذمة، فتكون شركة وجوه، ويكون عندهما سيولة ونقد لبناء المحلات التي يتم فيها عرض هذه البضائع وتصريفها، وتكون عندهما سيولة لشراء السيارات التي تصرف البضائع، وتكون عندهما سيولة لاستئجار العمال، فتكون شركة عنان، وكأنهما دخلا برأس مال النقدين -النقد من كل منهما- على أن يستغلاه في هذا العمل التجاري، وتكون شركة أبدان بالنسبة للتصريف إذا كانت هناك مصانع أو محلات.
مثلاً: لو كان هناك شركةٌ تورِّد السيارات، وعند توريد هذه السيارات تقتصر فقط على التوريد والبيع، فهذه الشركة تستطيع أن تقول: إنها شركة وجوه وشركة عنان؛ لكن ليس فيها تصليح للسيارات، فليست بشركة أبدان.
لكن في بعض الأحيان تجد مورداً يورد السيارات، ويفتح محلاً لتصليح السيارات وبيع قطع الغيار، فتستطيع أن تقول: إن الشريكين إذا اشتركا في هذا النوع من الشركة، تصير شركة عنان بالسيولة التي دخلا بها، وشركة وجوه بالنسبة لتقبل السيارات القادمة من الخارج كونهما موردين أو وكيلين لهذا النوع من السيارات.
ويعتبران فيه متقبلين على الوجه، والشركة شركة وجوه، وشركة أبدان بالنسبة لتصليح السيارات، وتقبل السيارات التي تحتاج إلى تصليح.
المحلات الميكانيكية ونحوها الموجودة في زماننا يمكن أن نقول: لو اشترك مهندسان أو أكثر في هذه الأعمال الميكانيكية فقد نحكم أنها شركة أبدان، ولا مانع أن يتقبلا مع بعضهما، وأن يقوما بالعمل مع بعضهما، ويتفقا على الربح مقسوماً بينهما.
هذا بالنسبة لتطبيقات شركة المفاوضة على ما ذكره المصنف رحمه الله من مذهب الحنابلة.
أما الشيوع والإطلاق من كل وجه، واشتراط المساواة، واشتراط اتحاد رأس المالين أو نحو ذلك من الشروط التي ذكرها الحنفية وغيرهم، فهذا قول مرجوح، والصحيح أنه لا بأس من جمع شركات العنان والوجوه والأبدان مع بعضها على أنها شركة مفاوضة.
قال رحمه الله: [أن يفوض كل منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي وبدني من أنواع الشركة]: فيتصرفان بيعاً وشراءً، ودَيناً ورهناً ونحو ذلك من التصرفات كلها.
أي: لو أن أحد الشريكين اشترى بضاعة من الخارج، والاتفاق بينهما على توريد البضائع من الخارج، واتفقا فيما بينهما على هذا النوع من الشركة، فورَّد أحدهما بضاعة بمليون، والشركة مناصفة، فاتفقا على هذا الوجه.
نقول: إن الشريكين يعتبران مطالبَين بهذا المبلغ وذمتهما واحدة.
صحيحٌ أن أحدهما هو الذي سافر وأبرم العقد؛ لكن الطرف الثاني بموجب العقد والاتفاق ملزم بدفع هذا المبلغ.
إذاً: ذمتهما واحدة.
هذا في حال توريد البضائع.
ومثل ما يقع من بعض المهندسين: يتفقون مع بعضهم، فيدخل -مثلاً- رجلان لهما خبرة بتصليح السيارات، ويتفقان ويدفعان مائة ألف، فيشتريان أرضاً لمكان الشركة أو التصليح، ثم يقومان على تصليح هذه الأرض وبنائها ووضع مواضع الآلات ومواضع التصليح، وشراء الآلات التي يصلح بها، فهذا الاتفاق والتعاقد بين الطرفين يعتبر من حيث الأصل شركة أبدان، ولو أنهما أضافا إلى ذلك موجب العقد من كونهما يقومان بالأعمال مع بعضهما، ويلتزمان في ذمتهما بشراء قطع الغيار على أن ذمة أحدهما كذمة الآخر فتكون حينئذٍ شركة وجوه.
ففي بعض الأحيان تجد شريكين ومهندسين يتفقان على التصليح فقط، يقول له: يا فلان! نحن فقط نصلح.
نقول: هذه شركة أبدان.
لكن لو قال له: نصلح السيارات ونشتري قطع غيار، وكل واحد منا يشتري قطعة غيار فالآخر شريك له فيها.
ويمكن أن تجزأ، سيقول له: أي قطعة غيار تشتريها فإني ألتزم بثلث قيمتها وعليك الثلثان، أو ألتزم بنصف قيمتها وعليك النصف، مثل ما تقدم معنا في شركة الوجوه، ويتم العقد على ما اتفقا عليه، والربح بينهما على رأس المال.
إذاً: يمكن أن يتفقا في الورشة الواحدة شركة أبدان من وجه، وشركة وجوه من وجه آخر.
ويمكن أن يضيفا إلى ذلك شركة العنان فيما لو إذا كان في المحل بيع لقطع الغيار، وبيع قطع الغيار يحتاج إلى شراء قطع الغيار ثم بيعها.
فإذا اشتريا اتفقا على أن يدفعا مائة ألف، فالمائة ألف شركة عنان بينهما في هذا النوع من العروض، فتكون شركة عنان من وجه، وأبدان من وجه آخر، ووجوه من وجه ثالث.
الربح والخسارة في شركة المفاوضة
قال رحمه الله: [والربح على ما شرطاه]: الربح بينهما على ما اتفقا عليه.
قال: [والوضيعة بقدر المال]: (والوضيعة): يعني: الخسارة.
(بقدر المال): فإذا اتفقا مناصفة فالخسارة بينهما بالنصف.
مثلاً: لو أن شريكين دخلا في شركة بثلاثة ملايين، وتمت الشركة -شركة مفاوضة- ودخل فيها التزام بالذمم، وعمل بالأبدان، واستغلال للسيولة الموجودة من الشريكين، التي هي ثلاثة ملايين، فنعتبرها في هذه الحالة شركة مفاوضة، لو دخلت الشركة وانكسرت وخسرت، وكانت الخسارة على النصف فأخرج من الثلاثة ملايين مليوناً ونصفاً بعد تصفية الحقوق ورد الديون ونحو ذلك، بقي المليون والنصف، يُقسم المليون والنصف بينهما على قدر حصتهما من رأس المال.
وبناءً على ذلك يكون الربح والخسارة بين الشريكين، ولا يجوز أن ينفرد أحدهما بالربح أو ينفرد أحدهما بالخسارة، كما تقدم معنا في قوله عليه الصلاة والسلام: (الخراج بالضمان).
حكم الغرر في شركة المفاوضة
قال رحمه الله: [فإن أدخلا فيها كسباً أو غرامة نادِرَين أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو نحوه فسدت]: (فإن أدخلا فيها كسباً أو غرامة نادِرَين) أي: فإن أدخلا في شركة المفاوضة.
هناك نوعان: النوع الأول: أن تجري شركة المفاوضة على الثمن الذي تقدم معنا في الشركات الماضية: الوجوه، والأبدان، والعنان، فحينئذٍ لا إشكال في جوازه، وتخرج الجواز على قاعدة وأصل شرعي: وهو أن هذه الشركات كما جازت منفردة تجوز مجتمعة، ولا بأس بذلك.
لكن هناك نوع من شركة المفاوضة محرم ولا يجوز، وهو ما ينبني على الغرر، يقول له: أفاوضك على أن أي كسب نادر مثل اللقطة ومثل الركاز، أو أي شيء أجده فهو بيني وبينك مناصفةً، وأي شيء تجده فهو بيني وبينك مناصفةً، وأي إرث تستحقه فهو بيني وبينك مناصفةً، أو أي إرث أستحقه فهو بيني وبينك مناصفةً، وأي وصية تكون لك من مال أو متاع فبيني وبينك مناصفةً، فهذا لا يجوز، وهذا النوع من الشركات لا يجوز، والأصل عدم جوازه حتى يدل الدليل على جوازه، ولا دليل؛ لأن الغرر فيه واضح وبيِّن، وليس هناك عمل من أحدهما لقاء الآخر، وليس هناك التزام من أحدهما للآخر كالتزامه، وإنما هو نوع من الدخول على حقوق الناس على وجه غير شرعي، ولذلك حُكم ببطلان المفاوضة على هذا النوع.
قال: [أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو نحوه فسدت] الشركة كسب وخسارة، وربح ووضيعة، وغُرْم وغُنْم، فهو يقول له: أي كسب بيني وبينك مناصفةً، يمكن أن يقول له: أي خسارة عليَّ تكون بيني وبينك، وأي خسارة عليك تكون بيني وبينك، فهذا نوع من المخاطرة، يعني: شخص يقول لآخر: أنا وأنت أخوان، ونريد أن نتفق اتفاقاً يدل على محبتنا ومودتنا وموالاة كل واحد منا للآخر، فأي كسب يأتيك فبيني وبينك، وأي كسب يأتيني فبيني وبينك، وأي خسارة أو مصيبة أو بلاء يحل عليَّ أو عليك فبيني وبينك، فهذا لا يجوز؛ لأنه يخاطر كل منهما بالآخر.
يعني: لو أنه ذهب وصدم بسيارته شخصاً وقتله، فوجبت عليه الدية، يصبح بمقتضى هذا النوع من الشركة يدفع نفس الدية، مع أن الذي جنى ليس هو، وهذا الخلل ليس منه وإنما من شريكه.
فهذا النوع من الشركات فيه مخاطرة وفيه غرر، ولا يجوز ولا يصح.
الأسئلة
الشراكة في حمل الأمتعة
السؤال
إن اشتركا على أن يحملا على دابتيهما والأجرة بينهما، صحت؛ ولكن إن أجراهما بأعيانهما على حمل شيء بأجرة معلومة واشتركا على ذلك، لم تصح الشركة.
فما الفرق بينهما؟
الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه.
أما بعد: بالنسبة لما ورد في السؤال، فالسائل حكم بالصحة وعدم الصحة، وفي الحقيقة نحن لم نتعرض لهذه المسألة بالتفصيل، فكلتا المسألتين لم نفصل فيهما: وقد ذكر مسألتين: المسألة الأولى: إذا اتفقا على أن يحملا الأمتعة، ويكون الربح بينهما، كما لو كانا حمالين في السوق فقالا: نشترك، وأي ربح أو مال يأتينا من الحِمالة فهو بيننا مناصفة، فهذا يصح.
الصورة الثانية: إن أجراهما بأعيانهما مثل ما ذكرنا.
والحمَّالان إذا اشتركا على أن يحملا على دابتيهما والأجرة بينهما صح، وإن اتفقا على أن يعملا ببدنيهما والمال بينهما لم يصح.
وبعض العلماء قال: الصحة في الاثنين، يعني: هذا صحيح وهذا صحيح، وكما صح هذا يصح هذا؛ لكن هناك فرق بالنسبة لدخول شركتي الوجوه والأبدان مع بعضهما في الصورة الثانية التي حُكم فيها بعدم الصحة عند من لا يرى صحتها؛ لكن القول بجوازها إما أبداناً أو وجوهاً، وكلها جائزة، والذي يظهر أنه لا فرق بينهما، والجواز في هذا كهذا.
أما الفرق بأن يقال: أحدهما حرام، والثاني جائز، فهذا قد يكون فيه نظر، والله تعالى أعلم.
شركة الأبدان
السؤال
لو أن الشركة قامت بين رجل وصاحب صنعة على أن عليه إدارة العمل، وعلى الآخر الصنعة، مع العلم أن الإدارة تتحمل أعمالاً كثيرة من تجهيز أعمال وعمال، فهل هذه من شركة الأبدان؟!
الجواب
إذا كان كل منهما يتقن العمل واتفقا على أن أحدهما يتقبل، والثاني يعمل، فلا بأس، إذا اتفقا على ذلك.
لكن أن يكون أحدهما هو الذي يعمل ويتقن العمل كالمهندس والنجار والحداد، والآخر يقول له: أنا أفتح المكتب وأدير المكتب وأجري الاتصالات أو أحضِّر الزبائن ونحو ذلك فلا يجوز؛ لأن الصنعة اختلفت، وإن كان بعض مشايخنا رحمة الله عليهم يقول: عندي فيه نظر؛ لاحتمال أن تجوز من باب ترتب أحدهما على الآخر، وهذا لا يخلو من نظر؛ لأن مسألة ترتُّبِ أحدهما على الآخر لا يكون إلا عندما يكون العمل من أصل الصنعة، كما ذكرنا في الغزل، وكما ذكرنا في قص القماش مع الخياطة، فالعمل يتركب منهما معاً، والمال مركب عليهما؛ لكن إحضار الزبون ليس له علاقة بذات العمل، فقد يُحْضِر زبوناً ولا يوافق، ولذلك من جهة عمله فإحضارُ الزبون لا ينبني عليه العمل من كل وجه، وليس هو العمل بعينه؛ لأن إحضار الزبون للعقد والتعاقد؛ لكن التعب والعناء والمشقة ستنصب على العامل.
ولذلك تكون الشبهة في هذه الحالة قوية، والقول بالمنع هو أحوط وأشبه، والله تعالى أعلم.
حكم أجرة العامل إذا تركها ولم يرجع
السؤال
إذا ترك العامل جزءاً من أجرته ومضت فترة ولم يرجع، فماذا يُعمل بهذا المال، خصوصاً إذا كان مما ينمو؟
الجواب
إذا اتفقت مع العامل على أن يقوم بعمله، وأعطيته أجرة؛ فإن هذه الأجرة حق من حقوقه، ولا يجوز لك أن تتسبب في ضياع هذا الحق، فتكتب وصيتك وتُشْهِد على هذا المال أو تنبِّه ورثتك على أن هذا المال لفلان العامل، ثم تتعاطى جميع الأسباب الممكنة لك في الاتصال به والبحث عنه، وتوصية من يمكن أن يوصلك إليه، ونحو ذلك من الأسباب.
فإذا استنفذت جميع الوسائل وجميع الأسباب فحينئذٍ تحفظ له حقه وتنبه عليه.
والأجرة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن تكون على الذمة، كأن تقول له -مثلاً-: ابنِ لي هذه الغرفة بصفة كذا وكذا، وأعطيك خمسة آلاف ريال، فقام ببناء الغرفة وأخذ منك ألفين مقدمةً، وبقيت له ثلاثة آلاف، ثم غاب الرجل وفُقد، ففي هذه الحالة الأجرة غير معينة، يعني: تبقى في ذمتك ثلاثة آلاف غير معينة، وسننبِّه على معنى التعيين، بحيث أنك تلتزم بدفع ثلاثة آلاف فقط، وليس هناك نماء للثلاثة آلاف، ولا يتصل بها ربح، وفي أي وقت يأتيك -ولو بعد عشرين سنة ولو بعد مائة سنة- يكون مستحقاً للمبلغ الذي بقي له في ذمتك.
الحالة الثانية -وهي أصعب الحالات-: أن تقول له -مثلاً-: افعل -مثلاً- شيئاً وأعطيك هذين الرأسين من الغنم أو إذا بنيت هذه الغرفة فهاتان الشاتان أو هذا البعير أو هذه الناقة لك، فهذا يسمى التعيين والأجرة العينية المعينة، والأجرة المعينة يستحق العامل فيها عين ما سُمي له، وفي هذه الحالة لو أنه مَلَك رأسين من الغنم، وهذان الرأسان تكاثرا، وحصل منهما النسل والدَّر، فإنه مالُه، ويستحقه بنمائه ولو أصبحت ألفاً من الغنم؛ لأنه ماله بعينه، وقد سميتَ الأجرة، وهذا هو الفرق، وانظروا إلى حكمة هذا الشرع ودقة هذه الشريعة! فلن تجدوا على وجه الأرض أدق من هذا الحكم الإلهي الذي أعطى كل ذي حق حقه.
فأنت إذا قلت له: أعطيك هذين الرأسين من الغنم، فقد عيَّنت.
وإذا جئت إلى أي محل تجاري وقلت له: بكم هذه العلبة؟ فأخذت هذه العلبة بعشرة ريالات، ثم ذهبت إلى البيت فوجدت في العلبة عيباً، فمن حقك أن تقول له: اردد لي العشرة ريالات.
ولو قال لك: أعطيك علبة بديلةً لها فليس من حقه؛ لأن البيع انصب على عين، وهذا شيء يجهله كثير من الناس؛ لكن الشريعة تقول: إذا انصب العقد على شيء معين، فلا يمكن أن ينصب على غيره.
لكن لو قلت له: أعطني علبة، أعطني كذا -يعني: يكون الكلام على موصوف في الذمة- فحينئذٍ إذا رددت علبة من حقه أن يقول: لا أعطيك العشرة، ولكن أعطيك بدلاً عنها بالصفة المتفق عليها.
إذاً: العامل إذا كانت أجرته معينة فيستحقها بعينها، وما نتج منها من نتاجها منفصلاً ومتصلاً.
وأما إذا كانت أجرته من دون تعيين، فحينئذٍ الحكم على ما ذكرناه، من أنك تكتب الوصية وتثبت له الحق وتستنفد جميع الأسباب والوسائل، فإذا جاء في أي يوم أعطيته حقه، وهذا من حق المسلم على المسلم.
فإذا لم يجئ فقال بعض العلماء: إذا طال العهد وغلب على الظن عدم تيسر الرجوع فلك أن تتصدق بالمال على ذمته، وهذا أفضل وأكمل، وإن أكلت ذلك المال فإنه أصلاً مبني على اللقطة، والله تعالى أعلم.
تلقي الركبان
السؤال
هل يعتبر ما يصنعه بعض الناس من الحضور إلى المنزل بشراء الأثاث ونحوه من تلقي الركبان؟
الجواب
تلقي الركبان يكون في السلعة التي تُجلب إلى السوق، وكان أهل البادية في القديم يأتون بسلعهم من البادية مثل الأرزاق كالسمن والدواب واللبن ونحو ذلك، فإذا قدموا بهذه السلع تلقاهم التجار قبل دخولهم السوق، مستغلين عدم معرفتهم لحقيقة أسعار السلع، فيشترون منهم السلع بأرخص مما في السوق.
فهذا ظلم للبادي -حينما يجلب السلعة- لما فيه من المخادعة والله عزَّ وجلَّ حرَّم هذا النوع من التلقي؛ لأن شيمة المسلم لا تقبل أن يضر أو يتسبب في الضرر لأخيه المسلم، وهو في نفسه لا يرضى أن أحداً يشتري منه سلعةً يمكنه أن يبيعها بأكثر.
فأصبح التجار الذين يخرجون من السوق ويتلقون الركبان يضرون بالركبان.
ومن هنا قال بعض العلماء: إن النهي هنا لمصلحة الجالبين للأرزاق.
وقال بعض العلماء: لمصلحة الجالبين ومصلحة السوق.
ومما يدل على أنه لمصلحة الجالبين: رواية ابن عمر في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للركبان الخيار إذا هبطوا إلى السوق بين المطالبة بأصل القيمة وبين إمضاء البيع)، وهذا يقوي أن العلة دفع الضرر عن البادي بختله؛ ولكن لا يدخل في هذا أن يذهب ويشتري المتاع في البيت؛ لأن صاحب البيت قد رضي بذلك، وقد رضي بالسعر، ولا بأس في ذلك، وإذا رضي بالقيمة التي تعرض بها، فإنه قد أسقط حقه، وحينئذٍ يجوز مثل هذا، إلا إذا كان فيه ختل، أو صور يُقصد منها الختل والغش، فيتقيد الحكم بتحريم تلك الصور بعينها دون غيرها، والله تعالى أعلم.
كفارة اليمين
السؤال
علي كفارات كثيرة من كفارات اليمين، فهل يصح أن أكفر عنها مرة واحدة؟ أثابكم الله.
الجواب
من كانت عليه أكثر من كفارة في اليمين، فإنه يجب عليه أن يبادر لإبراء ذمته، ويجوز له أن يخرجها مجتمعة إذا تحقق مقصود الشرع من وجود العدد، فلو كانت عليه عشر كفارات وأطعم مائة مسكين، فإنه يجزئه، ولو أخرجها في ساعة واحدة، ولو كانت عليه عشر كفارات، فكسا مائة مسكين فكذلك الحكم، بل ينبغي عليه أن يبادر، والتأخير في الكفارات شغل للذمة بالدين، ولذلك كان بعض العلماء يقول في قوله عليه الصلاة والسلام: (نفس المؤمن مرهونة بدَينه).
أما الدَّين فيضر بالإنسان، وتتعلق به نفسه حتى في الحياة، ولذلك قد يكون سبباً في حصول بعض الضرر عليه، فإذا تعلقت ذمته بالدين وخاصةً الديون التي هي لله عزَّ وجلَّ، فالواجب عليه أن يبادر بقضائها بسرعة.
فمثلاً: إذا كانت عليه كفارات في الأيمان وانتظر سنوات مع إمكانه أن يكفر مباشرة، فإنه لا يأمن من حصول الضرر عليه، قال صلى الله عليه وسلم: (دين الله أحق أن يُقضى).
فيبادر بإبراء ذمته وسداد حق الله عزَّ وجلَّ الواجب عليه، والله تعالى أعلم.
دور الأم في تربية أولادها
السؤال
في عصرنا الحاضر شُغلت بعض الأمهات عن تربية أولادهن فتركنهم عند المربيات والخادمات، وهذا مما يسبب الخلل في الأسرة، فما توجيهكم للأم المسلمة؟
الجواب
الولد نعمة من الله سبحانه وتعالى، والله تعالى جعل في الأولاد قرة العين، ولا يكون الولد قرة عين لوالده ووالدته إلا إذا حرص كل منهما على القيام بحقوقه، ورعاية ما أمر الله عزَّ وجلَّ برعايته من واجباته، والله سائل الأب كما هو سائل الأم عن حق ولدها: أحفظ كل منهما أو ضيَّع، ولن تزول أقدامهما بين يدي الله عزَّ وجلَّ حتى يُسألا عن حقوق الولد، حتى تسأل الأم عن بكاء صبيها.
فالأمر جِدُّ عظيم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته).
وعلى الأم أن تعلم أن الله تعالى أسكن في قلبها الرحمة لولدها، وإذا أرادت أن يبارك الله لها في هذا الولد، وأن يقر عينها به في حال الكبر فلتحسن إليه في الصغر، فإن الله تعالى جعل جزاء الإحسانِ الإحسانَ، ولتنظر إلى هذه الذرية الضعيفة، كيف لو كانت مكان هذه البنت، أو مكان هذا الولد، وقد استَلَمَتْه يدٌ غريبة، لا تحن إليه، ولا تعطف ولا تشفق عليه كشفقة أمه، ولربما كانت الخادمة تريد التخلص من الولد بأي وسيلة، فهو إذا بكى تريده أن يسكت بأي وسيلة ولو بضربه، وإذا اشتكى تريد سكوته ولو بقمعه، وكل ذلك تسأل عنه الأم بين يدي الله عزَّ وجلَّ.
فكونها تدع الولد عند الخادمة لا يبرئها من المسئولية، إذ الواجب في هذه الخادمة إذا وكلتها لحفظ الولد أن تكون كمثلها من كل الوجوه رعايةً وقياماً على حقوق الولد، وهي لا تستطيع أن تزكي خادمتها على هذا الوجه.
وعلى ذلك: فعلى كل أم أن تعلم أن الواجب الأصلي أن تكون هي المرضعة لولدها، وأن الواجب الأصلي أن تكون هي الحاضنة المتكفلة بالولد، وأنه لا يجوز لها أن تتهرب عن هذه المسئولية بكثرة الخروج من المنزل خاصةً للزيارات والمناسبات واللقاءات دون شعور بما أوجب الله عليها وفرض من حق هذا الولد، فعليها أن تحسن تربية الولد وألَّا تخرج إلا من ضرورة وحاجة، وإذا أرادت الخروج وَوَكَلَتْه إلى غيرها أن تتقي الله عزَّ وجلَّ فيه، وأن تضعه في يد أمينة، تحفظه ولا تضيعه، وتكرمه ولا تهينه، وتحسن إليه ولا تسيء إليه، يدٌ تستطيع أن تلقى الله سبحانه وتعالى وتقف بين يديه وهي شاهدة لها وحجة لها لا عليها، وعلى كل أم أن تستشعر المسئولية، وأن تعلم أن الأمور لن تمر هكذا، فما خُلق الإنسان سُدى، ولا أوجد الله هذه النعمة عبثاً.
فكم من أبناء دُمِّروا وبنات ضُيِّعْنَ بسبب تقاعس الأمهات عن القيام بالواجبات! وكم من أم صالحة ضحت بأمور الدنيا وبفضائل الدنيا لقاء إحسانها إلى ولدها، فما ماتت حتى أقر الله عينها بصلاح ولدها! إن الأم الصالحة التي تعرف حقوق ولدها وواجبات أبنائها وبناتها، وتنظر إلى هذه الذرية أنها ستضيع إن وَكَلَتها إلى خادم أو خادمة، تغار على هذه الذرية، وبينها وبين الله أنها تريد أن تحسن إلى هذه الذرية، وبينها وبين الله أنها تريد شكر نعمة الله وإحسانه إليها، فتحفظ ولدها وتضمه إلى صدرها، وتفيض عليه من حنانها ورحمتها لعل الله أن يرحمها كما رحمته، وأن يحسن إليها كما أحسنت، فهي بخير، ولن تموت حتى ترى من ولدها ما يقر الله به عينها، وإن ماتت قبل ذلك فسيُتبعها الله بالرحمات وصالح الدعوات ما يكون لها خيراً في قبرها ولحدها، وحشرها ونشرها ووقوفها بين يدي الله عزَّ وجلَّ.
على الأمهات أن يتقين الله عزَّ وجلَّ في حقوق الأبناء والبنات، وأن يتذكرن أن الله سائلهن، وعليهن أن يعلمن علم اليقين أن الدنيا فانية زائلة حائلة، وأن الله سبحانه وتعالى سيحاسب العبد حساباً إما عسيراً وإما يسيراً، وحقوق الناس تحاسب على الحساب العسير؛ لأنها حقوق بالقصاص، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:47]، إي والله! كفى بالله حسيباً، وكفى بالله شهيداً، فهو المطلع على التضييع وعلى التفريط واللامبالاة والإهمال، وكل ذلك ستلقاه الأم بين يدي ذي العزة والجلال، وولدُها خصمٌ لها بين يديه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:34 - 37]، فالولد ينسى عاطفة والديه فيقول: يا رب! سل أمي عن تضييعها لحقوقي، فيحاسبها عن كل صغيرة وكبيرة، ويرى أمام عينيه كل ما كان من إساءة والدته إليه، وكل ذلك يؤخذ من الحسنات أو يؤجب السيئات، نسأل الله السلامة والعافية.
فعلى الأمهات أن يتقين الله عزَّ وجلَّ، وأن ينظرن كيف تفككت الأسر، إن المجتمعات تُدَمَّر إذا فقدت العاطفة، وإذا تقطعت أواصر الرحمة بين أفراد المجتمع يُدَمَّر المجتمع تماماً، ولذلك نجد في بلاد الكفر أن الرجل ربما غاب عن أمه السنوات ولا يسأل عنها، نسأل السلامة والعافية.
وحدثني من أثق به أن رجلاً من أهل الكفر كان يعلم أموراً دنيوية، جاء إلى طلابه يوماً من الأيام يفتخر ويقول: أرسلت له أمه -البعيد- رسالةً تسأل عن حاله، فمزق الرسالة ولم يجبها.
فعجب طلابه من ذلك -وانظروا كيف ينقلون السموم إلى أبناء المسلمين- فلما سأله طلابه وقالوا: كيف يكون هذا، وهذه أمك؟! قال: هذه تضيع وقتي.
الوقت عنده غال وعزيز إلى درجة أنه لم يلقِ نظرة على كلمات من أمه.
نعم.
لأن الواحد منهم يتربى على أسلوب ليس فيه حنان ولا رعاية، فالمرأة خَرَّاجَةٌ وَلَّاجَةٌ، ذاهِبَةٌ آتِيَةٌ، لا تبالي بولدها ضاع أو حُفِظ، أُكْرِم أو أُهِين، فلما كَبر عامَلَها كما عامَلَته، وضَيَّعها كما ضَيَّعَته، وأهانَها كما أهانَته، فكما كانت مُضَيِّعَةً له في الصغر ضَيَّعَها الله به في الكبر.
فهكذا الأمهات وهكذا الآباء، فعلى كل أب أن يكون قريباً من أهله وولده، ووالله! إن سهرك خارج البيت قد يدمر البيت، فكثرة السهر وإضاعة الأبناء والبنات، من الآباء والأمهات قد يضيع الأسر ويشتتها، ولو كان الإنسان في بعض الأحيان يعتذر بالأعذار؛ لكن غَلَبَةَ السهر إلى درجةٍ يَفْقِدُ فيها الولد رؤية الوالد قد تدمر البيت، فرؤية الوالد في البيت لها آثار نفسية من ناحية الرحمة، والود، والعطف، والحنان.
والبيوت التي تجد الآباء محافظين فيها على الحضور وتجد شخصية الأب متواجدة أكثر اليوم أو أغلب اليوم تجد وشائج الرحمة والصلة، وهيبة الوالد ومكانته محفوظة.
والبيوت التي يغيب فيها الآباء بالساعات ويسهرون ولا يبالون بحقوق الأبناء والبنات تجدها على العكس تماماً.
فعلى كل والد ووالدة أن يتقي الله عزَّ وجلَّ وأن يعلم أن الله سائله ومحاسبه.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يسلمنا ويسلم منا.
اللهم تب علينا وتجاوز عنا، ونسأل الله العظيم أن يجعل ما وهب لنا قرة عين في الدنيا والآخرة، وأن يرزقنا صلاح أبنائنا وبناتنا، وأهلينا وزوجاتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد.
شرح زاد المستقنع -
باب المساقاة [1]
من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده أن يسر لهم أموراً مشروعة، وأباحها لهم لكي ينتفع بعضهم من بعض، ومن ذلك المساقاة على كل شجر له ثمر كالنخيل والعنب والزروع، وذلك بضوابط شرعية يحفظ بها حق المالك والعامل في نفس الوقت.
وقد اختلف العلماء فيما تجوز عليه المساقاة، وقد وضح الشيخ سبب اختلافهم، ودلل لأقوالهم، وبين أن عقد المساقاة من العقود الجائزة، ثم ذكر بعض ما يترتب على ذلك من أحكام.
مشروعية المساقاة والحكمة من ذلك
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب المساقاة] الْمُسَاقَاة: مفاعلةٌ من السقي، والمراد بالسقي ريٌ الأرض.
وإنما سميت الْمُسَاقَاة بهذا الاسم؛ لأنهم كانوا بالمدينة وبالحجاز يحتاجون إلى سقي المزروعات؛ لأن الماء يكون في الآبار غالباً، ومن هنا كان أهم ما يُحتاج إليه في هذا العقد سقي النخل والقيام عليه، ومن هنا سميت مساقاة، وإلا ففي الأصل أنها تشمل سقي النخيل والقيام عليه وغرسَه ورعايته، وبذل كل ما يمكن أن يكون من أجل صلاح الثمرة وخروجها.
وهذا النوع من العقود عرَّفه بعض العلماء بقوله: المساقاة أن يدفع إنسانٌ شجرَهُ إلى آخر لكي يقوم بسقيه وما يحتاج إليه على جزءٍ من الثمرة.
أدلة مشروعية المساقاة
وهذا النوع من العقود مشروع بدليل السنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم: أما دليل السنة فقد روى الشيخان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها)، والمراد بهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما فتح خيبر وأذعنت له يهود، قالوا: يا محمد! دعنا في هذه الأرض نقوم عليها ونصلحها ولنا جزءٌ من ثمرتها.
فنَظَر عليه الصلاة والسلام فوجد أن المصلحة تقتضي بقاءهم في خيبر، وقيامهم على النخل بالسقي؛ لأن الأنصار والمهاجرين سيرجعون معه إلى المدينة، ومن هنا رأى عليه الصلاة والسلام أن المصلحة في إبقاء النخل، يقومون على سقيه ورعايته فتخرج الثمرة ويبقى الأصل، ثم يأخذون جزءاً من الثمرة، وحينئذٍ تكون مصلحة الإسلام في المعاملة بهذا النوع من العقود، فأقرَّهم عليه الصلاة والسلام، ولما سألوه أن يبقوا في الأرض بقاءً مستديماً قال عليه الصلاة والسلام: (نقركم فيها ما أقركم الله)، أي: أننا نبقيكم وليس العقد مؤبداً، وإنما هو مؤقت إلى وقت أن يشاء الله عز وجل فنخرجكم منها، ولذلك نفذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأنجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبقاهم صدراً من خلافته، ثم أخرجهم عن خيبر وأجلاهم منها.
فالشاهد أن ثمر خيبر ونخلها كان يُحتاج إلى صيانته ورعايته، فأقرهم عليه الصلاة والسلام.
أركان عقد المساقاة بين النبي ويهود خيبر
فأصبح عقد المساقاة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود على النحو الآتي: الْمُساقِي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الركن الأول في عقد المساقاة؛ لأنها تستلزم مساقياً، ومُسَاقَى، ومُسَاقَى عليه وهو المحل، وصيغة يتم بها العقد، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو صاحب الأرض لأنه ولي المؤمنين والقائم على مصالحهم.
والمساقَى هم اليهود، وهم العمال الذي يقيمون باستصلاح الأرض.
ثم المُسَاقَى عليه وهو نخل خيبر وما كان فيها من زروع.
وأما الصيغة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم فيها وقال: (نقركم ما شاء الله).
فعاملهم، وكان الاتفاق بينه وبينهم على أنهم دائماً يوفون بعقد المساقاة الذي يستلزم جانبين: الجانب الأول: أن يقوم العامل بالعمل.
والجانب الثاني: أن يلتزم رب النخل بإعطاء الأجرة والمقابل له بعد تمام عمله.
فإذاً عندنا عمل العامل وهو رعايته للنخل وسقيه لها، وسنبين ما الذي يُطَالب به من القيام على مصالح النخيل.
إذا قام العامل بسقي النخل ورعى المزرعة رعايةً تامة كاملة على الوجه المعتبر استحق الأُجرة التي اتُّفِق عليها، وهي نصف الثمرة أو ربعها الثمرة أو ثلثها أو غيره، فإذا جُذَّ النخل وأُخْرِجت منه ثمرته وحُصِد فإنه يأخذ الثمرة المتفق عليه.
وبناءً على ذلك عقد عليه الصلاة والسلام هذا العقد على هذا الوجه، فدلَّت السنة على مشروعيته.
ولذلك أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على جواز هذا النوع من العقود، وقد حكى إجماعهم غير واحدٍ من أهل العلم، ونقل الإمام ابن قدامة رحمه الله عن أبي جعفر الإمام محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر ثم أبو بكر ثم عمر ثم المسلمون من بعدهم) دل على أنه كان أمراً معروفاً وشائعاً ذائعاً بين المسلمين.
فتبين أن جماهير السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على جوازه، لكن خالف في هذه المسألة الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه، وعَدَّ عقد المساقاة من العقود التي فيها غرر، ووافقه على ذلك صاحبه زفر بن الهذيل رحمه الله، فقال بعدم مشروعية المساقاة، والصحيح ما قاله جماهير السلف والخلف وأئمة الصحابة والتابعين رحمة الله عليهم أجمعين؛ أن عقد المساقاة عقدٌ مشروع.
وأما ما قاله من الغرر فإن الشريعة قد أذِنت بهذا النوع على سبيل الرخصة، والأصل يقتضي أنها إجارةٌ بمجهول جهالة الزمان وجهالة العمل؛ لأننا لا ندري متى تخرج الثمرة؟ ولا ندري هل تخرج كاملةً أو ناقصة؟ ولا ندري هل تسلَم من الآفات أو لا تسلم؟ فهو عقد فيه مخاطرة ولكن الشريعة الإسلامية أجازته.
وبناءً على ذلك فالقول المعتبر قول من قال بجوازه، لدلالة السنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم على ذلك.
ومن الحِكم التي تُستفاد من جواز عقد المساقاة عظيم الرفق الذي جعله الله في هذا العقد، فإنك ربما ملكت مزرعةً لا تستطيع القيام بها، وقد لا تستطيع دفع النقود وسيولة المال للعامل، وأنت تريد أن تبقى هذه المزرعة، كأن يكون عندك مائة من النخل، فإن النخل يحتاج إلى جهدٍ عظيم، ومشقة وعناية، وخبرة ودراية، فليس كل إنسانٍ يُحسِن القيام على مزارع النخيل كما لا يخفى.
فإذا كان هذا النوع من المال عندك فإنه لو قيل لك: استأجر عاملاً.
ربما لا توجد عندك السيولة التي تستأجره بها، ولا تجد من يتبرع، ولا تستطيع بنفسك، فجاءت الشريعة بالسماحة واليسر، وقالت للعامل: اعمل وخذ جزءاً من الثمرة، فأصبحت هناك مصلحة لرب البستان ومصلحةٌ للعامل، وهذا النوع لا شك أنه يقضي على البطالة؛ لأنه ربما وظفت عاملاً لم يجد عملاً، وأيضاً فيه نوعٌ من التكافل واستغلال الأموال وتنميتها دون أن تبقى معطَّلة.
وعلى هذا فلا شك أن القول بمشروعيته تتضمن الخير للأفراد والجماعات، ثم بقاء هذا البستان وخروج ثمرته وحصول منفعته؛ منفعةٍ للمجتمع، فإن المجتمعات تنتفع بالنخيل وبالثمار التي تكون من المزروعات.
إذا ثبت القول بمشروعية عقد المساقاة، وأن فيه حكماً عظيمة، فعقد المساقاة يستلزم الأركان التي ذكرناها، ومنها المُسَاقِي، وهو صاحب المزرعة، وقد تكون المزرعة لأكثر من شخص، كرجلين اشتريا مزرعة واستأجرا عاملاً ليقوم بسقيها على أن يعطيه جزءاً من الثمرة، فيكون الْمُسَاقِي أكثر من شخص.
وقد تكون المزرعة عند شخص ثم يموت ويتركها لورثته، والورثة يحبون بقاء المزرعة، أو لا يرغبون في بيعها، فحينئذٍ يكون الْمُسَاقِي أكثر من شخص وهم الورثة، ويوكلون من يقوم عنهم لإبرام العقد مع العامل.
والركن الثاني: المسَاقَى، وهو العامل، وقد يكون عاملاً واحداً وقد يكون أكثر من شخص، كأن تساقي شخصين أو ثلاثة وتقول لهم: اعملوا في هذه المزرعة واسقوها وقوموا برعايتها، ولكم نصف ما يخرج منها، فحينئذٍ يكون الطرف الثاني في العقد وهو المُسَاقَى أكثر من شخص، ويتفق هؤلاء الثلاثة أو الأربعة على القيام بالمزرعة، خاصةً إذا كانت كبيرةً لا يستطيع شخص واحد أن يقوم بها وإنما يقوم بها أكثر من شخص.
من شروط المساقاة أن تكون على جزء معين من الثمر
كذلك تستلزم المساقاة محلاً، وهو مورد العقد، ويشمل ذلك جانبين؛ فالاتفاق بينك وبين العامل يستلزم جانبين: جانبٌ لك وجانبٌ عليك، والعامل جانبٌ له وجانبٌ عليه.
فأما الذي لك أنت صاحب النخل، فحقك عند العامل أن يقوم بتنظيف النخل وإصلاحه ورعايته وسقيه على الوجه الذي تحصل به الثمرة على أتم الوجوه وأحسنها، هذا بالنسبة للحق الذي لك على العامل.
والحق الذي للعامل عليك أن تدفع له ما اتفقتما عليه من نصف الثمرة أو ربعها أو جزء منها، ولا بد من أن يكون هذا الحق الذي للعامل معلوماً، فلا يصح أن تقول له مثلاً: اسق المزرعة وأعطيك جزءاً منها، أو أعطيك شيئاً منها، أو أُرضيك بثمرةٍ منها أو نحو ذلك.
وبناءً على ذلك تتمحض المساقاة في كونها على جزءٍ مما يخرج من النخل.
قد يكون الاتفاق على نخلٍ ليس له ثمرة في الحال، وإنما في المستقبل، كما يقع في النخل الصغير، وهو ما يسمى بفسائل النخل، فإنها قد تتأخر في الطلع وتحتاج إلى سنتين أو ثلاث، وذلك يختلف باختلاف جودة الصنف والفسيلة، ووجود الرزق فيها من كونها تُطْلِع بعد سنة أو سنتين، فتقول له: قم على هذا النوع من الفسائل وإذا خرجت ثمرته فإني أُعطيك نصفها، فقد يجلس أربع سنوات وهو يعمل ثم تخرج الثمرة بعد أربع سنوات، ويستحق نصف الخارج أو ربعه كما سيأتي إن شاء الله.
فمحل العقد من حيث الأصل لك فيه حقٌ من حيث إصلاح ثمرتك ورعايتها بالسقي وما يلزم.
وسنبين ذلك.
وللعامل حق أن تدفع له جزءاً من الثمرة متفقاً عليه، لكن لا يجوز أن تجمع له بين النقد وبين الجزء الخارج، فتقول له مثلاً: اسق المزرعة وأُعطيك ألف ريالٍ في الشهر ولك نصف الخارج.
وبناءً على ذلك فالإجارة هنا تتمحض في جزءٍ من الخارج ولا يكون معه مالٌ خارجٌ عن هذا العقد؛ لأنها من العقود المستثناة ووردت على سبيل الرخصة، ولأنها إجارةٌ في مجهول وهذا مسلك طائفة من العلماء كما هو مذهب الحنفية والمالكية، وهو أصح القولين في هذه المسألة.
قال رحمه الله تعالى: [تصح على كل شجرٍ له ثمرٌ يؤكل، وعلى ثمرةٍ موجودة، وعلى شجرٍ يغرسه، ويعمل عليه حتى يثمر، بجزءٍ من الثمرة] قوله رحمه الله: [تصح] أي: المساقاة.
وعندما قال: (تصح) أفادنا أن عقدها من العقود الجائزة والمشروعة، وهذا كما قلنا قول جماهير العلماء، ودليل هذه الصحة حديث ابن عمر: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها) فدل على الجواز والمشروعية.
وقوله: (على كل شجر) هذا عموم.
إذا قلنا: يجوز للمسلم أن يُساقي على أرضه، فتصوير المسألة: إذا كان عندك مزرعة وفيها نخل فإنك قد تختار في بعض الأحيان أن تأتي بعامل وتعطيه مبلغاً شهرياً أو أسبوعياً أو سنوياً وتقول له: قم على هذه المزرعة ولك في كل يومٍ خمسون ريالاً، أو كل أسبوع مائة ريال، أو كل شهر ألف ريال، أو كل سنة اثنا عشر ألف ريالاً مثلاً، هذا النوع من العقد يسمى عقد إجارة؛ لأن العمل فيه بالمياومة أو بالمشاهرة -بالشهر- أو بالمسانهة -بالسنة- وسيأتي إن شاء الله بيان أحكام الإجارة.
أما بالنسبة للمساقاة فإنها تختلف، فإنه يكون المقابل للعامل جزءاً من الثمرة، وبناءً على ذلك تقوم على السقي؛ لأنه الأغلب كما ذكرنا وإن كان عقدها لا ينحصر عليه؛ لأنه يستلزم التأبير والقيام على الثمرة بمصالحها، أما من حيث الأصل فإن المساقاة لا تكون بالنقود وإنما تكون بجزءٍ مما يخرج من الثمرة.
الثمار التي تجوز فيها المساقاة وشروط المساقاة فيها
واختلف العلماء رحمهم الله في عقد المساقاة على أقوال: من أهل العلم من يقول: كل نخلٍ وكل شجرٍ له ثمر تجوز المساقاة عليه، وهذا المذهب يوصف بمذهب العموم، أي: أن أصحاب هذا القول يرون مشروعية المساقاة على جميع المزارع التي تشتمل على مزروعاتٍ فيها ثمار، فيصح أن تساقي على مزرعة النخيل ومزرعة العنب، ومزرعة الليمون، ومزرعة التفاح والبرتقال والتين والمشمش، ونحوها مما له ثمر.
وبناءً على هذا القول يصبح العموم في جنس ما له ثمر؛ لأن المزروعات يكون لها ثمر، منه ما يؤكل ومنه ما لا يؤكل.
ثم إن هناك مزروعات لا ثمر لها مثل أشجار الزينة، فينحصر عند أصحاب هذا القول الاتفاق في المساقاة على المزارع التي تشتمل على ما له ثمر، وهذا القول هو اختيار الحنابلة رحمهم الله، واختاره بعض أئمة الحديث، أعني أنه يجوز أن تُساقي على كل مزرعةٍ فيها مزروعاتٌ لها أثمارٌ تؤكل، فيشمل النخيل والعنب والحمضيات بسائر أنواعها.
فهذا قول الحنابلة وهو الذي درج عليه المصنف رحمه الله.
وقال بعض العلماء: لا تصح المساقاة إلا على النخيل فقط، وهذا مذهب الظاهرية قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على النخيل فقط، فلا تصح المساقاة إلا على النخيل دون بقية المزروعات، وهذا القول لا شك أنه مرجوح.
وقولٌ ثالث عند من يجيز المساقاة في الثمار أنها تصح على نوعين: النخيل والأعناب (الكَرْم) وقالوا: إن النخيل والأعناب يجوز أن يساقى عليها؛ لأن العِنب يأخذ حكم النخيل في أكثر الأحكام كما في الزكاة ونحوها، وأشبه المزروعات بالنخيل العنب.
وبناءً على ذلك قالوا: لا يصح أن يقع عقد المساقاة إلا على مزرعة تشتمل على نخيل أو على عنب أو عليهما معاً، فلو سأل سائل وعنده أشجار حمضيات كبرتقال أو ليمون، وأراد أن يُساقي عليها ويقوم على رعايتها، فعلى هذا القول لا يجوز، وهو مذهب الشافعية.
فالظاهرية يخصُّون المساقاة بالنخيل لظاهر الحديث.
والشافعية يخصونه بالنخيل، والعنب عندهم ملحق بالنخيل قياساً.
والحنابلة نظروا إلى نص الحديث ومعناه، ومذهبهم أقوى وأرجح إن شاء الله، وهو أن المساقاة تُشرَع وتجوز على كل المزروعات التي لها ثمرة تُؤْكَل، فإن كانت المزروعات لها أثمارٌ لا تُؤْكَل مثل القطن، فإنه لا يصح أن يساقى عليها.
وهذا شبه إجماع على أن المزروعات التي لا ثمرة لها أو لها ثمرة لا تؤكل لا تجوز المساقاة عليها.
وهذا يؤكد أن عقد المساقاة ليس عقداً قائماً برأسه، إذ لو كان عقداً قائماً برأسه لانصبّ على كل ما فيه منفعة، ولكن قولهم: إذا لم يكن له ثمرة لا يساقى، يدل على أنه مستثنىً من الأصول، ولذلك انحصر في النخيل وما في حكمها من جهة الثمر.
وإذا أردت أن تُجري السبر والتقسيم في الأوصاف المعتبرة في النص فإنك تقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على سقي النخل، ولا شك أن العنب كان موجوداً؛ فيكاد يحصل الجزم على أن أرض خيبر كان فيها العنب، وهذا أمر لا يمكن لأحد أن ينكره، ولذلك فالغالب أنه ساقاهم على النخل وغيره، وذُكِر النخل فقط؛ لأنه أغلب، وإلا فقد كانت المزروعات موجودة، وكل ذلك كان معروفاً، حتى إن اليهود لما قدِموا من الشام كانوا يعرفون الحمضيات، وكانت أرض الشام فيها الحمضيات، بل إنه يقوم أكثرها على زراعة الحمضيات، وعلى هذا فإن الصحيح أنه يجوز أن يساقى على كل شجرٍ له ثمرٌ يؤكل.
فاستفدنا من هذا صحة المساقاة، ودليلها ما ذكرناه.
ثانياً: أن المساقاة تصح على كل شجرٍ بشرط أن تكون له ثمرة تؤكل، فلا تصح على كل شجرٍ لا ثمرة له، أو على كل شجرٍ له ثمرة لا تؤكل، ولا تنحصر في نوعٍ من المأكولات والثمار أو من الأشجار التي لها ثمارٌ تؤكل دون غيرها.
وقوله رحمه الله [تصح على كل شجرٍ له ثمرٌ يؤكل] بنص الحديث في النخل، وفي حكم النخل سائر الأشجار التي تؤكل، وذلك من جهة المعنى.
توضيح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ضمن حق العاملين بالمساقاة بجزء مما يخرج، فإذا قلنا: إن هذا خاص بالنخل فإن هذا ضعيف؛ لأنه إذا عامل على التين والعنب والليمون والبرتقال فإن حق العامل محفوظ، كما لو عامل على النخل، وبناءً على ذلك فالقول بكونها خاصة بالنخل جمودٌ على الظاهر، والشريعة تعتبر الظاهر والمعنى، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).
فنحن نفقه ونفهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قَصَد من المساقاة أمرين: بقاء النخل عند مصلحة النخل لمن يملكه ويعجز عن القيام به، وضمان حق العامل، وهذا يقع في الحمضيات وأشجار الثمار التي لها ثمرة تؤكل كما يقع لغيرها من بقية المزروعات.
حكم وجود الثمرة في عقد المساقاة
قال رحمه الله: [وعلى ثمرةٍ موجودة] وهذه مسألة خلافية.
وأريد أن أنبه على أن الأفضل لطلاب العلم والذي ينبغي عليهم -هذا أمر كان يفعله السلف والأئمة رحمة الله عليهم- إذا درسوا أن يرجعوا إلى أهل الخبرة، فإذا كان الدرس يتعلق بالزروع رجعت إلى أهل الخبرة في الزرع وسألت عن حقيقة هذا الشيء؛ حتى تستطيع أن تعرف أحكامه.
فأنت إذا قرأت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من باع نخلاً قد أُبِّرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع) لا تستطيع أن تفهم هذا الحديث حتى تفهم ما هو النخل؟ ومتى تكون مرحلة التأبير؟ وتعرف ما يترتب على ذلك.
وكذلك: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها)، كما في حديث أنس وابن عمر في الصحيحين، فلا تستطيع أن تعرف هذا المحرم من المبيعات حتى تعرف متى يبدو صلاح الثمرة؟ وتعرف مراحل بدوها، فكنّا ننبه على الإلمام بهذه الأشياء، وإذا قرأت في كتب العلماء والفقهاء رحمهم الله عجبت من عنايتهم بمثل هذه الأبواب لإلمامهم بها.
فلما أتقنوا تصور المحكوم عليه والجزئية التى يراد الحكم عليها جاءت أحكامهم واضحة، وجاءت تفريعاتهم من أجمل وأكمل ما تكون.
كذلك أيضاً عندما تقرأ في قتل الصيد للمحرم، وما الذي يصاد وما الذي لا يصاد، بل حتى في شروط جواز الصيد أكرمكم الله بالكلاب والطيور، فالقرآن قال: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة:4]، وأطلق ولم يبين ذلك، فأنت تسأل حتى تعرف كيف يعلم الصقر الصيد؟ وكيف يعلم النسر والباشق والشواهين من الطيور الجارحة وأنواع الطيور التي يمكن استغلالها؟ وما هي الطيور الجارحة والسباع التي يمكن تعليمها للصيد، وكيفية تعليمها؛ فتستطيع أن تعرف حكم الله عز وجل وتتفهم هذه الأحكام بصورة واضحة جلية وتفهم كلام العلماء رحمهم الله.
فالمساقاة تحتاج من طالب العلم أن يفهم ويعرف كيف يُسَاقى على النخل، ومن هنا مسألة المساقاة على نخلٍ بدا ثمره والمساقاة على نخل لم يَبْدُ ثمره.
أولاً: إذا كان عندك مزرعة فيها مائة نخلة وأردت أن يقوم العامل عليها، فإن هذا يكون على صورتين: الصورة الأولى: أن تتفق معه والثمرة لم تخرج بعد؛ لأن النخيل يكون له ثلاثة أشهر تقريباً تسمى أشهر الكن، وقد بينَّا هذا في بيع النخيل قبل بدو الصلاح، وقلنا: هناك ما يقرب من ثلاثة أشهر تستكين فيها الثمرة، وهي المرحلة التي ما بين الجذاذ -قطف ثمرة العام الماضي- وانتظار ثمرة العام القادم، ثم بعد ذلك تبدأ تطلع شيئاً فشيئاً حتى يكتمل خروجها، ثم تتشقق وتُؤبَّر كما فصلنا ذلك في باب البيوع، وبعد تأبيرها تبدو الثمرة، فتأخذ تقريباً فترة ثلاثة أشهر، ثم يبدو صلاحها فتزهو وتحمار أو تصفار، ثم تصير رطباً، ثم تصير تمراً، ثم تُجَذ.
فإذاً: إذا وقع عقد المساقاة، إما أن يقع قبل خروج الثمرة التي هي مرحلة الكن، الثلاثة الأشهر التي تستكين فيها الثمرة، وإما أن يقع بعد بدو الثمرة.
فإن وقع قبل بدو الثمرة فهذا هو الذي وقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين يهود خيبر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عاملهم على ثمرة غير موجودة أثناء العقد، وبناءً على ذلك فإنهم يحتاجون إلى سقيها ورعايتها والقيام عليها حتى تخرج، فهذا هو الأصل.
ولذلك فجماهير العلماء على أن رب المال إذا تعاقد مع العامل على النخيل قبل بدو الثمرة فإنه جائزٌ ومشروع.
الصورة الثانية: إذا بدت الثمرة؛ فبعض العلماء يقول: إذا بدت الثمرة فليس ثمّ جهد سيقوم به العامل؛ لأن الثمرة قد خرجت، وبناءً على ذلك يبقى الأصل من حرمة العقد لوجود نوعٍ من الجهالة.
وقال بعض العلماء -وهو الصحيح كما اختاره المصنف واختاره بعض أئمة الشافعية، وهو قول للإمام الشافعي رحمه الله-: يجوز أن يساقيه بعد بدو الثمرة، بل حتى بعد بدو صلاحها، فلو ظهر البلح وأَزهت فاصفرَّت واحمرَّت، وغلب على الظن سلامتها، فاستدعى العامل -وكان الشهر شهر رمضان مثلاً- وقال له: اسق لي هذا النخل، وقم عليه حتى نجده ولك نصف الثمرة، فقال: قبلت.
صح ذلك.
واستدل أصحاب هذا القول بالآتي: أن النص ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في المساقاة على ثمرة غير موجودة، فمن باب أولى وأحرى أن يصح العقد على ثمرة موجودة؛ لأن الخطر في غير الموجود أعظم، فإذا جاز والثمرة غير موجودة فمن باب أولى أن يجوز بعد وجود الثمرة، وهذا ما يسميه العلماء بقياس الأولى.
فإذا كنت تقول بهذا القول كما اختاره المصنف رحمه الله وطائفة من أهل العلم وهو الصحيح، فدليلك أن الشريعة أو السنة دلت على الأدنى ونبهت به على الأعلى أي: أجازت في حال عدم وجود الثمرة وكأنها تقول: إذا وجدت الثمرة فالحكم بالجواز أولى وأحرى.
حكم المغارسة
قال رحمه الله: [وعلى شجرٍ يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر، بجزءٍ من الثمرة] تصِحّ على كل شجرٍ له ثمر، وقد بينّا الحكم فيما إذا لم توجد الثمرة، وفيما لو ظهرت الثمرة.
يبقى
السؤال
الضورتان الماضيتان إذا نظرت إليهما وجدت أن النخل سيطلع، فمعناه: أن الغالب خروج الثمرة.
لكن النخل الصغير وهو ما يُسمى بالفسائل وولائد النخل، وتسمى في عرف العامة اليوم (الصنو)، وبعضهم يقول إنها عربية من (أصنية النخل).
ومن باب العلم فإن هذه الأصنية تؤخذ وتُقَص من أمها بطريقة معينة، ولا تقص إلا بعد بدو العرق فيها، وذلك كما أن الجنين لا يولد إلا بعد اكتمال خلقته، فالصنو لا يُقص إلا بعد تكون العرق، فإذا خرج العرق من أسفل الصنو صلح قصه، وإلا مات.
ومن باب المعرفة والعلم فإن النخل الذي يؤخذ من تحت أمه يُقص ويقلع ثم يُوضَع في فِقَر، وقد جاء في حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذهب يا سلمان، فإذا فرغت فآذني أكون معك حتى أضعها بيدي، قال سلمان: ففقرت لها)، يعني الفسائل.
فالنخل إذا أُخِذ من الأم، ووضعته في هذه الفقر يبس، إلا إذا كان قد أطلق العروق واخضر، فحينئذٍ يكون بقيلاً، وإنما يسمى بالبقيل إذا نجا أو كان الغالب نجاته.
لكن إذا كان عالياً عن الأرض أو قريباً من الأرض والعروق فيه صغيرة فيحتمل موته بعد نقله من أمه؛ لأنه فقد التغذية من أمه ولم يُطلق عروقاً.
فإذا أخذ من أمه ووضع في الفقرة، فيحتمل أن ينجو وأن يموت، فأخذها عليه الصلاة والسلام وفُقِّرَت الثلاثمائة صنو، فما مات منها صنوٌ واحد، وهذا من معجزاته عليه الصلاة والسلام، وقد تأخذ ألف صنو فتموت جميع الأصنية ولا ينجو منها واحد؛ لأن الله لم يكتب لك فيها رزقاً.
فإذاً: مسألة الصنو تحتاج إلى مخاطرة، فقد تأتي بالصنو وتقول لرجل: اغرس لي الأصنية، فإن أطلعت قم عليها، وثمرتها بيني وبينك، وهذا يسمى بالمغارسة.
فالصورتان اللتان ذكرناهما مساقاة، وهما: إذا كان النخل موجوداً والثمرة غير موجودة، أو كان النخل موجوداً والثمرة موجودة.
لكن الصورة التي معنا: يكون النخل فيها بين السلامة والهلاك، ثم إنها سيأخذ فترة، وقد يُطلِع السنة القادمة أو بعد سنوات، فيقول له: اغرس لي الأصنية ثم إذا أَطلَعَت فالثمرة بيني وبينك، وهذا يقع غالباً في المزارع الجديدة.
فاختلف العلماء هل تصح المغارسة أم لا؟ فمذهب جمهرة العلماء القائلين بجواز المساقاة يجيزون المغارسة وهي: أن يغرس النخل على أن يكون له جزءٌ من ثمرته إذا أطلَع.
فقال رحمه الله: [وعلى شجرٍ يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر] وهذا يقع على صورتين: فمثلاً عندك مزرعة، وهذه المزرعة فرضنا أن طولها مائتا متر، مائة متر منها مزروعة وفيها نخل كبير، فأنت تريد أن تحيي الأرض بكاملها، فتحتاج إلى أن تضع بعد النخل المزروع النخيل الجديد فتأخذ بنات القديم وتضعها في الأرض الجديدة، فتقول له: عاملتك على أن تأخذ هذه الفسائل وتقلعها من الأمهات ثم تغرسها في هذه الأرض البكر -ويُفَقِّر لها ويغرسها ويقوم عليها- والثمرة بيني وبينك مناصفة، فهذه تسمى بالمغارسة، أي: على أن يغرس ويكون له جزء من الثمر.
فإذا كنا نقول: الحكم لا يختص بالنخل فالمسألة تشمل أيضاً العنب، فالعنب يؤخذ من عقده، ويقص بطريقة معينة، ثم تؤخذ هذه الأغصان، وتُقَص في موسم معين ثم تُزْرَع وبقدرة الله عز وجل تنمو.
وبعض الأحيان يأخذون غصن العنب ينزلونه إلى الأرض، ثم يحفرون له في الأرض ويدفنوه في موسم معين، فيطلق هذا الغصن عروقاً فيُقَص فيما بينه وبين أمه القديمة، ثم يُنقل هذا الجديد إلى موضعٍ آخر، هذا بالنسبة للعنب.
كذلك شجرة الليمون تأخذ منها غصناً وتدلِّيه إلى الأرض، أي: تعكس الغصن إلى الأرض إذا كان يحتمل ذلك، وتحفر له بطريقة معينة، ثم تضعه على الأرض في نفس الحفرة هذه فيخرج طرفه من المكان الثاني ويكون جزؤه متصلاً بالأم يرتوي منها، ثم الجزء الآخر خارجاً من بعد الفقرة التي حفرتها، ثم تدفنه وتضع عليه طوبة أو حجراً، ثم يمكث ما شاء الله عز وجل، فإذا رأيت أن الغصن أصبح أمتن من الغصن الخارج من الأم، علمت أنه قد تهيأ وتمكن من الأرض فتقطعه من أمه ولا يضره؛ لأنه قد اعتمد على نفسه.
وهذا عجائب قدرة الله! فسبحان من خلق كل شيء فقدره تقديراً! ولا يمكن أن تضع هذا الغصن إلا في زمان معين وبطريقة معينة، وممكن أن تلقح شجرة الليمون لكي تصير برتقالاً، والمشمش ممكن أن تلحقه بالمشمش؛ فهذه أشياء تحار فيها العقول! ونسأل الله العظيم أن يزيدنا من الإيمان؛ فإن هذا كله مما يزيد من الإيمان، والواجب على كل مسلمٍ أن ينظُر في مثل هذه الأشياء في المقصود منها، وهو الإيمان بالله وزيادة التوحيد إلى درجة اليقين؛ حينما يرى عظمة الله سبحانه وتعالى في خلقه.
فالمقصود: أنه إذا كان عنده مزرعة نخيل يقول له: عاملتك على أن تأخذ بنات النخيل وتفقِّر لها، وتزرع لي هذه الأرض، وإذا اتفق معه على هذا يُحدِّد عدد الفسائل فيقول له: مائة فسيلة أو مائتان أو حسب العدد الذي يريده.
ثانياً: يُحدد له الأرض التي يريد أن يغارسه عليها؛ حتى يكون ذلك أبعد عن الجهالة الموجبة للغرر، كذلك في الليمون والبرتقال والحمضيات ممكن أن يُفَقِّر لها ويزرعها وتكون الثمرة بينه وبين رب الأرض والمزرعة.
المساقاة من العقود الجائزة لا اللازمة
قال رحمه الله: [وهي عقدٌ جائز] أي: المساقاة عقدٌ جائز، وقد تقدم في مقدمات البيوع أن العقود منها ما هو عقدٌ لازم، ومنها ما هو عقدٌ جائز، وبينّا أن العقد اللازم هو العقد الذي لا يملك أحد الطرفين فسخه إلا برضا الآخر، فلا يستطيع أحد أن يتخلى عن هذا العقد من طرفٍ واحد، بل لا بد وأن يستأذن الطرف الثاني، ويوافق على فسخه.
فمثلاً: إذا بعت سيارة واشتراها منك الغير لا تستطيع أن ترجع عن بيعك بعد حصول الافتراق حتى يرضى ذلك الغير؛ لأن العقد يلزمك.
وهناك عقود جائزة ممكن أن تفسخها في أي وقت، وسواء عندك عذر أو لا عذر لك، مثل المضاربة ومثل الشركة، وهي العقود التي يملك فيها كل واحد من الطرفين الفسخ دون رضا الآخر.
يبقى
السؤال
هل عقد المساقاة عقدٌ لازم أم جائز؟ وجهان للعلماء رحمهم الله، والأكثرون على أن عقد المساقاة عقدٌ لازم، وذهب طائفةٌ من العلماء واختاره الإمام ابن قدامة رحمه الله وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أن عقد المساقاة عقدٌ جائز، والحقيقة أن القول بالجواز فيه قوة، لكن قد يئول إلى اللزوم.
ولذلك قد يجمع بين القولين كما اختاره بعض أصحاب الشافعية؛ أنه في بدايته جائز ولكنه يئول إلى اللزوم بالشروع والدخول، فإذا دخل العامل، وتمكن من العمل -أي: قام عليه- فلو قلنا من حق رب المال أن يفسخ العقد فإنه سيضر بالعامل، وهذا هو الذي دعا جمهور العلماء إلى أن يقولوا: عقد المساقاة عقدٌ لازم، فلو كان جائزاً لضر بالعامل، لأنه يمكن أن يأتي رب المال فجأة قبل طلوع الثمرة وبعد أن يعمل العامل شهراً أو شهرين أو ثلاثة ثم يقول له: فسخت العقد بيني وبينك، فهذا فيه ضرر على العامل، ولكن إذا قيل بالجواز إلى اللزوم فإنه أشبه وأقوى.
وأجاب الإمام ابن قدامة رحمه الله عن هذا الإشكال بأنه ليس من حق رب المال أن يُخرِج العامل في هذه المسألة، وبيَّن أن ذلك مثل المضاربة، فهي عقدٍ جائز، ولكن إذا اشتمل فسخها على ضررٍ أحد الطرفين كان من حقه أن يعترض على الفسخ، وهذا القول الذي اختاره الإمام ابن قدامة فيه قوة، أعني: القول بالجواز كما ذكرنا، وإن كان يئول إلى اللزوم فهو أشبه وأقوى.
إذا فسخ المالك أو العامل عقد المساقاة قبل ظهور الثمرة
قال رحمه الله: [فإن فسخ المالك قبل ظهور الثمرة فللعامل الأجرة] الفاء للتفريع، والمعنى أنها عقدٌ جائز.
فلو أن شخصاً قال لعامل: اسق لي المزرعةَ والثمرةُ بيني وبينك فسقى ثلاثة أشهر، وكادَت الثمرة أن تخرُج قال له: انتهى العقد بيني وبينك.
وفسخ المساقاة.
فإذا فسخ رب المال المساقاة -على القول بالجواز- طولب بأجرة العامل ثلاثة أشهر، ويُعطى أجرة المثل.
وبناءً على ذلك لو أن العامل اشتغل ثلاثة أشهر، وعند أهل الخبرة والمعرفة كانت أجرة مثله في كل شهر ألف ريال، فنقول لرب المزرعة: أنت بالخيار بين أمرين: إما أن تُبقِي العقد كما هو صيانةً لحق العامل، وإما أن تعطيه أجرته تامةً كاملة خلال الثلاثة الأشهر.
فنقدِّر ما الذي عمله؟ وما الذي يستحقه؟ فأحياناً تكون أجرة العامل كل شهر ألفاً، ولكن في بعض الأحيان تكون ألفاً وخمسمائة، فمثلاً: المواسم التي يكون فيها النخل ساكناً لا يحتاج إلى عمل كثير، وقد يحتاج إلى حراثة الأرض وتسميدها ونحو ذلك، لكن يكون الجهد أكثر في تأبير النخل، وبرش النخل الذي هو إزالة الشوك، وإصلاح الأقنية وتعديلها إلى غير ذلك، فتكون أجرة العامل في مثل هذه الشهور ألفين ريال ولكن في بداية العقد أيام الكن قد تكون ألفاً.
وبناءً على ذلك لا بد أن نقدِّر له أجرته بالمثل، ونقول لرب المال: أنت بالخيار: إما أن تبقي العامل على عقده وحقه، وإما أن تعطيه أجرته تامةً كاملة من اليوم الذي عمل فيه إلى يوم فسخ العقد، هذا إذا فسخ رب المال.
قال المصنف: (وهي عقدٌ جائز)، ومن عادة العلماء والأئمة رحمة الله عليهم أنهم إذا قرروا حكماً -وهذه ميزة الفقه عند المتقدمين- فإنهم يبحثون جميع الجوانب والآثار المترتبة على هذه الفتوى والأصل، لكن ربما في بعض الأحيان يعطيك الفتوى بأنه يجوز، وقد تتفرع على القول بالجواز عشر مسائل، وهل يَنْتَظر حتى يشتكي الناس من العشر المسائل ويأتي ليبحث مرة ثانية المسألة الثانية والمسألة الثالثة والرابعة؟ كان الأولون من دقتهم وضبطهم يقررون الأصل وما ينبني عليه.
فالمصنف رحمه الله قال: (هي عقدٌ جائز)، فإذا كانت عقداً جائزاً فإن ذلك يُحدث ضرراً بين المتعاقدين؛ لأنه ممكن لرب المال أن يقول للعامل: اسق ولك النصف، فلمَّا سقى مدة ثلاثة أشهر إذا به يقول له: اخرج من مزرعتي، فإذا قال له: لماذا؟ قال: لأنها عقد ليس بلازم، ومن حقي أن أخرجك في أي وقت! ففي هذه الحالة لن يرضى العامل وسيطالِب بحقه، فتقع الفتنة وتقع الخصومة.
فقال العلماء: إذا كان عقداً جائزاً وأراد أحدهما الفسخ ففيه تفصيل، إن فسخ رب الأرض فحينئذٍ نقول له: اضمن للعامل حقه، ولا يجوز أن تضيع أجرته خلال الأشهر الماضية، وإن فسخ العامل فقال: لا أريد أن أُتِم العقد، أو حدثت له ظروف يريد أن يسافر وقال: لا أستطيع أن أُتِم العقد، فهل نعطيه أجرته أو لا نعطيه؟ قالوا: إن رب المال التزم له بجزءٍ من الثمرة، فإذا أدخل الضرر على نفسه فإنه لا يلزم رب المال بأجرته، وبذلك نضمن لكل واحد حقه.
فإذا قال العلماء: من حق العامل أن يخرج ويذهب ضاع حق رب المال، وإذا قالوا: من حق رب المال أن يفسخ ولا يعطيه الأجرة ضاع حق العامل، فكما ضمنا حق العامل في حال الفسخ ينبغي أن نضمن حق رب المال، فيُقال لهذا العامل: إن خرجت فلا شيء لك، فأنت الذي رضيت بالضرر على نفسك.
لكن يمكن العامل أن يُقيم غيره مقامه في اختيار بعض العلماء إذا كان عنده ظروف حالت دون القيام، بشرط أن يكون ذلك الغير في المهارة والخبرة والضبط والعلم مثله أو أفضل منه، فإذا أقام غيره مقامه نقول له: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فنحن لا نكلف رب المال فوق طاقته فلا نقول له: ادفع أجرة الأشهر؛ لأنه لم يتفق معك بالأشهر، وإنما أعطيناك حقك من الأشهر لأن رب المال سيضرك، أما الآن فلم يضرك أحد ورب المال ملتزمٌ بعقده وشرطه، فإما أن تمضي معه على الشرط، وإما أن تقيم غيرك مقامك على أن يكون مثلك في الأداء والكفاءة، وحينئذٍ تضمن حق رب المال، وتضمن أيضاً حقك، وإلا انصرفت راشداً ليس لك أي شيء.
قال رحمه الله: [وإن فسخ هو فلا شيء له] أي: إن فسخ العامل المساقاة؛ لأن الجملة قبلها تعود على العامل أنه يعطى أجرة المثل، فإن فسخها هو فلا شيء له.
وهنا مسألة: في حكم إضاعة العامل لحقه في أن يُساقِي على شجرٍ لا ثمرة لها، فقال له رب الأرض: خذ هذا الكافور واسقه وأعطيك ما يرضيك، فإذا دخل في هذه المساقاة فللعلماء وجهان: أولاً: العقد باطل؛ لأنه ليس بعقد مساقاة؛ لأنها شجرة لا ثمرة لها، لكن يبقى
السؤال
لو أننا أفسدنا هذا العقد، والعامل اشتغل ثلاثة أشهر وهو يسقي هذا الكافور، فهل نعطيه أجرة الثلاثة الأشهر إذا أبطلنا العقد؟ قال بعض العلماء: لا يُعطى لأنه حينما عقد هذا العقد على شجرٍ لا ثمر له رضي بسقوط حقه، مثل العامل إذا انسحب، فألحقوا هذه المسألة بهذه المسألة وقالوا: إذا عامل العامل على شجرٍ أو زرعٍ لا ثمرة له فقد أسقط حقه فلا شيء له.
وقال بعض العلماء: يُضمن له أجرة المثل.
الأسئلة
من آداب طالب العلم
السؤال
في ضابط العقد اللازم والعقد الجائز، هل يمكننا أن نقول: إن العقد اللازم لا يصح إلا على مدة معلومة بخلاف الجائز؟
الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالمدة المعلومة قد تكون واردة في كثير من العقود، لأن عقد البيع لازم، وعقد الإجارة لازم ويحتاج إلى مدة معلومة، ونحوه من العقود المبنية على الآجال، لكن هذا الضابط ضعيف، لأنه غير جامع، والسبب في ذلك أنه حينما تقول: إن العقود اللازمة هي العقود التي تحتاج إلى مدة معينة أو تؤقت بمدة معينة، فهذا يصدق على جزء من العقود؛ لأنه ليس كل العقود تقوم على الْمُدد، والعقود التي تقوم على المدد هي الإجارات مثل السكن ونحو ذلك، والعارية تقوم على مدة لكنها ليست بلازمة، وأيضاً الإجارات جزء منها يقوم على المدة، وإلا قد تتأقت بالعمل مثل بناء البيوت وتشييدها، وبناء الجدران ونحو ذلك، فهذه لا ترجع إلى مدد، وهي لازمة.
فإذاً: لو ضبطت العقد اللازم بكون مدّته معلومة فهذا ضابط فيه قصور، ويسعُك ما يسع علماءك وأئمتك.
وفي الحقيقة أُنبِّه على مسألة: من الخبرة الضعيفة في الفقه، ومما قرأناه على مشايخنا وعلمائنا، والذي أدركنا عليه أهل العلم، أن الأفضل للإنسان في مسائل طُرِقت وضُبِطت للعلماء أن يأخذ عمن تقدَّم، وأن يأخذ عن الأئمة، وأن يعلم أنهم قد كَفَوه المئونة فيما بُحِث ومُحِّص، لأن هؤلاء العلماء قل أن يتركوا جزئية متصلة بالأمر إلا وقد بيَّنوها.
فكون الإنسان يأتي في القرن الرابع عشر لكي يضع ضابطاً أو قاعدة -وما أكثر القواعد اليوم- فيه نظر، يأتينا طالب علم يقول: القاعدة كذا، بل حتى تجد بعض طلاب العلم أو بعض المعاصرين من طلاب العلم ونحوهم يأتي ويستدرك في تعاريف دقيقة جداً مضت عليها قرون، وعقول العلماء مضت على هذا التعريف أو الضابط، ويأتي يُضِيف قيداً من أوضح الواضحات.
ففي العبادات يأتي يقول: وهذا التعريف قاصر يحتاج زيادة (بنية التقرُّب إلى الله)، العبادة أصلاً ما سميت عبادة إلا للتقرب بها إلى الله، فالعلماء الأولون تركوا مثل هذه الضوابط للعلم بها بداهة.
ثقوا ثقة تامة أنه قلَّ أن توجد لهم ثغرة، نحن لا نقول إنهم معصومون، لكن مر أكثر من عشرة قرون وأذهان الأئمة الذين توفَّر لهم من الإتقان والضبط ما لم يتوفر لغيرهم، أولاً: صفاء ذلك الزمان، ثانياً: إتقان العلم وتحصيله على الأئمة الكبار الذين وضع الله لهم القبول حتى جاء سواد الأمة الأعظم تبعاً لهم، ثم هذه المؤلفات تُدرَّس في المساجد والمدارس والبيوت، وتُدرَّس من الأشخاص والجماعات، ويُؤلَّف عليها المؤلفات من الشروح والحواشي، والتقريرات أكثر من عشرة قرون وأذهان العلماء تُعصَر في العبارة، الآن في درس الفقه نحن نجلس بين المغرب والعشاء، سلفنا رحمة الله عليهم كانوا يجلسون من بعد الفجر إلى أذان الظهر، وهم في شرح سطرٍ واحد.
أولاً: شرح الغريب، يُسأل كل طالب عما ضبط من هذا الغريب، ثم يُفرَّع هذا الشرح ويُبيَّن معناه، ثم تُذكر الأدلة للأحكام، ثم يُبيَّن وجه دلالتها، ثم يُبيَّن هل المسألة خلافية أو إجماعية، ثم ثم حتى يؤذن الظهر، ونحن ما شاء الله ندرس بين المغرب والعشاء، ونصبح أئمة.
هذا هو واقعنا، ووالله أقولها محبة للخير لكم، نحن لا نقول: إن العلماء معصومون، صحيح إذا خالف العالم النص أو الحجة، فالحجة لكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكن لا ينبغي لأحد أن يستهين بعلم العلماء، ولا يتزبب طالب العلم قبل أن يتحصرم، كما يقال في المثل: (تزبب قبل أن يتحصرم)، وهو مثل لمَن يضع نفسه في الشيء قبل أن يكمُل فهمه وضبطه، فمن كَمُل فهمه وعلمه عرف قدر العلماء، وكنت أعرف دقة العالم من تحفظه في نقد غيره، وأعرِف تهوُّر من يكتب أو يؤلف في جُرأَته على تخطئة الغير: وكم من عائبٍ قولاً سليماً وآفته من الفهم السقيم ووالله إنك لترى الثغرات في مثل هذا النقد بسبب عدم وعي كلام العلماء المتقدمين، وعدم الضبط والتمحيص، ولذلك نقول: وضع القواعد ليس بالأمر السهل، فالقواعد كليات، وغالباً ما توضع القاعدة تحت أصول عديدة من الكتاب والسنة.
ثم ينبغي في القاعدة أول شيء أن تفهم الأصل الذي تريد أن تُقعِّد له، فمثلاً: اللزوم، ما معنى لازم؟ وما ضده؟ الذي هو الجواز، وهل هناك قسيمٌ بينهما؟ أي: ما يجمع بين الجواز واللزوم، فبعد ما تفهم النظائر الثلاث تنظُر في حقيقة اللزوم، وأصله، ودليله، حتى تفهم مقصود الشرع فتضع الشيء على أساس: تعرف حقيقته وتتصوره، وتتصوَّر أضداده، وتعرِف دليله الشرعي، ومستنده الذي أُخذ منه، هل هذا اللزوم يجعله الشرعُ خاصاً أو عاماً؟ أعني: هل اللزوم خاص بعقد معين أم أنه يشمل عقوداً؟ ثم إذا كان عاماً هل هو عام في جنس معين مثل العقود المالية أو عام في العقود المالية وغيرها؟ فالنكاح عقد لازم، وعليه فاللزوم لا يختص بالعقود المالية، بل يشمل الأنكحة مثلاً، فتنظر إلى لزومه من جهة الأصل العام.
بعد ما تفهم هذا كلِّه تأتي وتنظر كيفية وضع الضابط، فيحتاج أولاً إلى عبارة دقيقة جداً، يمكن من خلال هذه العبارة بإضافتها إلى غيرها أن تكون جامعة لهذا اللزوم مانعة من دخول غيره.
في الحقيقة يا إخوان! القاعدة شيء، والضابط شيء؛ القاعدة قضيةٌ كلِّية لا تختص بباب، كأن تقول: (المشقة تجلب التيسير).
فتستخدمها في الطهارة، فتقول: تيمّم إذا كنت عاجزاً عن الغُسل.
وتستخدمها في الصلاة نفسها، فتصلي قاعداً إذا لم تستطع القيام، وتستخدمها في كثير من العقود والمعاملات.
فهذه قاعدة؛ لأنها كلية لا تختص بباب، ولا تختص بمسألة، لكن الضابط يختص بباب أو يختص بمسألة.
فتقول مثلاً: الكفارة عند الحنابلة والشافعية في الجماع تختص برمضان، وفي حال القتل العمد على تفصيل، هذا الضابط تستفيد منه لو سألك سائل وقال: جامع الرجل في قضاء رمضان ما كفارته؟ فتقول: الضابط عندي أن الكفارة لا تجب إلا في الجماع في نهار رمضان، فلا يأخذ القضاء حكم الأداء في هذه المسألة، فهذا ضابط، لكنه خاص، ولذلك فالضوابط تحتاج إلى نوع من الدقة في نفس الباب.
فتدرُس الباب مثلاً وتقول: الحنفية والمالكية يقولون: الكفّارة وجبت عندنا في نهار رمضان لحرمة الشهر، ولانتهاك الواجب.
وإذا نظرت إلى وجود الانتهاك تجد أن الحنابلة يشترطون الجماع في نهار رمضان، فلو جامع في غير نهار رمضان في صيام واجب مثل صيام الكفارات أو قضاء رمضان، أو نذر جامع فيه فتقول: لا كفارة، لأن الكفارة عندهم لا يُقاس عليها وتختص بنهار رمضان.
لكن الحنفية والمالكية عندهم الأصل أن الذي جامع في رمضان قد انتهك حرمة صوم واجب، فكل من جامع في صيامٍ واجب فعليه كفارة، فصار الضابط عندهم الصيام الواجب، فلم يختص برمضان ولم يَتقيَّد به، وإنما شمِل كل صيامٍ لأن هذا ضابط لهم يضبِطون به الحكم.
فإذاً الضوابط لها منهج، والقواعد لها منهج.
ولذلك يا طلاب العلم! افقهوا نصوص الكتاب والسنة، وافهموا ما قاله العلماء في هذه المتون دون تعصُّبٍ إذا صحّ الدليل بخلاف هذا القول، وافهموا كلام العلماء واضبطوه، وسيفتح الله عليكم من واسع فضله، وستجدون إن شاء الله من أبواب الخير التي يمكن أن يبرُز بها طالب العلم الشيء الكثير، فيفتح الله لك من أبواب رحمته، ونشهد لله من واسع فضله وكرمه أنه لا يخذل من أراد وجهه في هذا العلم أبداً.
مثلما فتح الله على الأولين رحمة الله عليهم في التأصيل والتقعيد سيفتح الله على من بعدهم، ومن بعدهم إلى قيام الساعة، كما قال ابن المنيِّر رحمه الله: وفضل الله عظيم، ومن ظن أنه محصورٌ في بعض العصور فقد حجَّر واسعاً، والليالي حبالى يلدن كل غريب.
فالله عز وجل فضله عظيم، فقد يكون الأولون يقعِّدون كذا، ثم يفتح الله عليك في الفهم والتحصيل، ولكن بالإخلاص وإرادة وجه الله عز وجل والبعد عن الغرور، وإياك أن تضع نفسك في موضع تستدرك فيه على العلماء حتى تنظُر فيما أنت فيه من الأهلية، وتنظر إلى شهادة أهل العلم أنك أهلٌ أن تقعِّد أو تنظِّر، أما اليوم فاقرأ وتعلَّم، ومثلما قالوا: يتعلم الإنسان ثم يتكلَّم أول شيء يأخذ الإنسان ويتلقَّى، ولا يكتب ولا يؤلِّف، فإذا حرِص على ذلك فإن الله يبارك له.
وبالمناسبة أن التقعيد والتفريع ينبغي لطالب العلم أن لا يستعجل فيه، كذلك التدريس والفتوى والحرص على الظهور قبل الضبط، وكنا نرى من بعض الأقران والزملاء من يحرص على أن يفتي بمجرد ما يقرأ مسألة ليبرز، فكان بعض مشايخنا رحمة الله عليهم يقول له: لا تستعجل، واترك الفتوى في زمانك لمن هو أهل لها، فحريٌ بك إن شاء الله إن وضع الله لك قبولاً في الفتوى أن يرجع الناس إليك، وأن لا يزاحمك الغير كما لم تزاحم من هو أهلٌ للفتوى وأحق بها منك، انتظر وأتقن واضبط، ثم بعد ذلك تفرَّغ للتدريس والتعليم.
وهذا مما أحببت أن أنبه إليه بمناسبة هذا السؤال، فبعض طلاب العلم -أصلحهم الله- بمجرد ما يقرأ كتاب الطهارة أو كتاب الصلاة أخرج المذكرة وعلَّق عليها، وأضاف ونقَّح، وزاد! فهذا كله من الآفات التي ينبغي لطالب العلم أن يتجنبها، وأن يحفظ حقوق أهل العلم، لا يختص هذا بعالم، إنما يشمل كل أهل العلم المتقدمين والمتأخرين.
وينبغي للإنسان أن يكون حريصاً على إرادة وجه الله؛ لأن العلم فيه فتنة، والشيطان حريص، ومما ذكره العلماء أن الدِّين يُفسِده نصف فقيه وعابد جاهل.
فنصف العالم عنده علم، لكنه لم يكتمل علمه، فيُلفِّق، فهو ما بين الهلاك والنجاة، فتارةً يأخذ قولاً صحيحاً فيُعجب الناس من صحته وصوابه، ثم يوردهم المهالك، فإذا قال لهم أحد: إنه أخطأ في هذه المسألة، قالوا: لا، قد أصاب في غيرها فهو من أهل العلم.
ولذلك ينبغي لطالب العلم أن لا يستعجل، ونصف العالم ونصف الفقيه يقع في أثناء الطلب، ولذلك كان من الحِكم المشهورة: (أول العلم طفرةٌ وهزة، وآخره خشية وانكسار).
أول العلم فيه غرور، فإذا ثبَّت الله قدم صاحبه ومشى فيه حتى أتمَّه، وحرص على أنه لا يخرج ولا يكتب ولا يتصدَّر للناس إلا على أرضٍ ثابتة، وبيِّنة من ربه، فإ
حكم الضمان إذا تلفت الثمرة بتفريط أو آفة سماوية
السؤال
إذا فرّطَ العامل وتلِفت الثمرة، أو تلِفت بآفة سماوية، فما الحكم أثابكم الله؟
الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: فإن العامل كما نص العلماء في المساقاة أمين، وبناءً على ذلك لا يضمن إلا إذا فرَّط، فإذا فرَّط في الثمرة فإنه يضمن.
مثال ذلك إذا تشقق النخل أَطْلَع وبدا الطّلْع فيه، هناك نخل يحتاج إلى أن تبكير في تأبيره، ونخل يحتاج إلى تأخير، فهناك أنواع بمجرد ما يخرج الكوز على النخلة حتى ولو لم يتشقق تأتي وتشقه وتؤبره، وهذا ما يُسمى بالشرِه من النخل، وإذا لم تفعل ذلك فانتظرت إلى أن تتشقق تخرج الثمرة صغيرة، ولربما لا تخرج الثمرة.
والعكس فهناك نوع آخر ينتظر حتى يتشقق، ثم ينقسم إلى أنواع، فمنه نوع بمجرد ما يتشقق تؤبره، ومنه ما تنتظره يومين، ومنه ما تنتظره ثلاثة أيام، ومنه ما تنتظره أربعة أيام، ومنه ما لا يقبل التأبير أصلاً، بل تؤبره الريح بقدرة الله عز وجل.
وكل هذا يدل على الوحدانية، ولذلك يقولون: إن من أعظم الأدلة التي تدمغ الطبيعيين الذين يقولون إن الحياة طبيعية، ولا إله، وكل شيء وُجِد هكذا طبيعةً، هو هذا الاختلاف، فاختلاف الأشياء يدل على وجود من وضعها بهذا الترتيب، إذ لو كانت النخل تثمر من نفسها، والثمرة تخرج من نفسها لكانت على وتيرة واحدة، ولكن كون بعضها يحتاج إلى تبريد وبعضها إلى استعجال وبعضها يحتاج إلى وبَار كثير وبعضها يحتاج إلى وبارٍ قليل وبعضها يحتاج إلى وبارٍ بين بين، فإنه يدل على أن هناك قدرة إلهية، فخلق كل شيء وأتقنه، ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:88]، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنه أحسن الخالقين، وتبارك الله رب العالمين.
ولذلك عند التساهل والتفريط يضمن العامل، فلو كان يعلم أن هذا النوع -مثلاً- يحتاج إلى تبكير في التأبير، فمثلاً الروثانة تحتاج إلى تبريد ثلاثة أيام، فأخّرها إلى سبعة أيام، فهذا قد يفسد الثمرة، فيضمَن.
كذلك أيضاً هناك انواع كالخشيمي يحتاج إلى مبادرة، فهذا النوع لو تأخر وتركه يوماً أو يومين أو ثلاثة فإنه يفسُد.
فالشاهد أن كل نوع له حاله وحكمه، فإذا قصَّر العامل ضمن، ولا يمكن أن نحكم بتقصير العامل إلا بشهادة أهل الخبرة، فإذا قال أهل الخبرة بأن هذا النخل يُبَكَّر وما بكَّر، وهذا يحتاج إلى تأخير ولكن العامل عجّل ونحو ذلك؛ فإنه يضمن ويتحمل المسئولية، هذا إذا كان عمل العامل بتفريط.
أما لو تلِفت بآفة سماوية فمذهب بعض العلماء أنها تنفسخ وليس له شيء، والله تعالى أعلم.
وصية في التفكر في آيات الله الكونية
السؤال
إن التفكر في الآيات المنثورة في الكون والفلوات مما يزيد من إيمان العبد، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام من الليل تلا أواخر آل عمران، فهل من وصيَّة حول هذا الأمر؟
الجواب
سعادة الدنيا وبهجتها وسرورها وأنسها بذكر الله جل جلاله، وأسعد الناس في هذه الدنيا من عمر الله قلبه بذكره، ولا حلاوة ولا لذة لهذه الدنيا إلا إذا عرَف العبد ربه، وبمعرفة الله جل جلاله بأسمائه وصفاته، ودلائل وحدانيته، وشواهد قدرته وعظمته، تُحِبه صدق المحبّة، وتخافه كمال الخوف، ومن عرَف الله أحبَّه وهابه ومن أحب الله وهابه تكفَّل الله له بسعادة لا يشقى بعدها أبداً.
ولذلك أمر الله بذكره، وندب كل مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُكثِر من ذكره سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:41] ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:42] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب:43].
فهذا الإله العظيم، من عظمته جل جلاله، بل من عظيم كرمه وجوده علينا، أن جعل هذا الكون كله يذكِّر به سبحانه وتعالى، فإذا نظرت أمامك أو نظرت خلفك، أو عن يمينك أو عن شمالك أو من فوقك أو من تحتك؛ وجدت شواهد عظمته ودلائل ألوهيته ووحدانيته سبحانه وتعالى.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد وفي كل شيءٍ له دليل وشاهد على أنه المتفرِّد بالملكوت والجبروت سبحانه وتعالى، فإذا نظرت إلى السماء وهي مظلمة في الليل تتلألأ كواكبها ونجومها، وكيف قُدِّرت ونُظِّمت ورُتِّبت السماء ليس فيها فطور، تتعاقب عليها الليل والنهار، وتتابعت عليها الدهور والعصور، وما اختلفت، ولا تغيّرت ولا تبدّلت، ولا أصبحت ضعيفة بمرور الأزمان: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل:88] سبحانه وتعالى؛ لأن الله خلقها وقال لها: كوني، أي: كوني على أتم الوجوه وأكملها، فكانت وما زالت على أتم الوجوه التي صنعها الله وقدرها عليها.
وإذا نظرت إليها وقد أشرقت شمسها، واستبان ضوؤها، وكيف أصبح الإنسان في وضح النهار يرى عظمة الله سبحانه وتعالى في كل شيءٍ يراه بعينه، أو يسمعه بأذنه، أو يحسه في جسده، كل ذلك يدل على عظمة الله ووحدانيته وقدرته.
سعادة المؤمن أن لا يغفل عن الله جل جلاله، والله سبحانه وتعالى جعل الآيات حتى في النفس.
وقف الأطباء حائرين أمام عظمة إله الأولين والآخرين، وقفوا أمام العين وهي جزء من البدن، تجدهم يبحثون ويتعبون ويكدحون دهوراً وقروناً وأزمنة تلو الأزمنة، ومع ذلك يقفون على طرف البحر ولم يخوضوه.
في كل زمان جديد، وفي كل زمان مُكتَشَف، ومع ذلك قلّ أن تجد من يقول: لا إله إلا الله! وقل أن تجد من يقول: آمنا بالله، فإذا نظرت إلى العين فقط ودلائل عظمة الله سبحانه وتعالى فيها كيف أنها تميِّز بين الألوان! وكيف أنها تفرِّق بين الأشكال والأحجام، تتصوّر الأشياء ثم تُنقَل هذه الصورة إلى دِماغ الإنسان في أقل من طرفة عين.
يقفون أمام الكمبيوترات والمصنوعات التي خلقها المخلوق الضعيف، والذي إذا أخطأ وقف كل شيء، ولا يقفون أمام عظمة الله جل جلاله، ولا يسبحون الله ولا يمجدونه سبحانه وتعالى، بل أكثر الناس عن آيات ربهم غافلون.
ولذلك فسعادة المسلم أن ينظر إلى عظمة الله.
وقف الأطباء أمام العين وهي مريضة سقيمة، فعجِبوا من أمراضها المتعددة، وأسقامها المختلفة، وما تُصاب به على اختلاف الإصابات، وإذا بكل مرض له حدود، وله قدْر، وله مكان، لأن الله قدّرَه وحدّده، لا يزيد ولا يمكن أن يُجاوز هذا الحد بعينه.
علّمهم سبحانه ودلّهم، فإذا بهم يَحارون من هذه العين وهي سليمة، ويحارون منها وهي سقيمة، ثم بعد ذلك كله تفضَّل وتكرّم فأعطاهم الدواء، ودلّهم على عظمته ووحدانيته وقدرته، أنها إذا تعطّلت فهو قادرٌ على أن يعيدها، وقادرٌ على أن يجعلها كأحسن مما كانت عليه، فيقفون في طب القديم أو طب الحديث أمام عروقها وأعصابها فيعالجونها بدوائها، فإذا بها قد تفتّحت وأبصرت، وإذا بالمواعيد التي تُحدد للعمليات الجراحية وللعلاجات محددة، مقدّرة يُقال: ضع هذا الدواء ثلاثة أيام افعل كذا ثلاثة أيام، ولا تفعل كذا، واحجبها عن النور، وافعل وافعل، وإذا بها بعد ثلاثة أيام تشفى.
إن الله هو الشافي، ووالله لا طبيب ولا مداوٍ يستطيع أن يجاوز قيد شعرة من عظمة الله جل جلاله.
ثم لما تفضل عليهم بذلك اغتروا فقالوا: علِمنا طب العيون، فقال لهم: خذوا من عظمتي ودلائل وحدانيتي، فأوقفهم حائرين أمام كفيفٍ لا يُبصر، فقال لهم: أعيدوا له البصر، فإذا بهم يقفون أمامه، ويصفقون الأيدي، فقالوا: خلقك الله أعمى فلا نستطيع أن نرد لك البصر، فجاءهم بصحيح كان يُبصر بالأمس، وفجأة طُفئ نوره فأصبح لا يرى، وانفصلت شبكيته فقال لهم: ردوا البصر إن كنتم قادرين، فقالوا: آمنا بالله رب العالمين.
هذا حدود الطب.
فتجد أقوى طبيب يقف أمامه ويقول له: لا أملك لك شيئاً، فعلنا المستحيل ولا نستطيع أن نجاوز عظمة الله الجليل، وقفوا حائرين أمام عظمة الله جل جلاله في كل شيء.
لو قرأت عن عالم الطب في الأعصاب، وما جعل الله في هذا الجسم من الأعصاب الدقيقة في جميع أجزاء الجسم، تنقُل الأحاسيس الحار والبارد يُنقل إلى دماغ الإنسان في أقل من طرفة عين، وتقف أمام أي موقف فتُنقَل أحاسيسك إلى الدماغ، فلو كنت أمام نار فإن ما تراه العين يُنقَل إلى الدماغ: أنني أمام نار، وإذا بالدماغ يفهم أن النار مُحرِقة، فيأتيك الأمر من الدماغ: ارجع فِرّ ابتعد، خذ الماء، وذلك في طرفة عين.
هذا الجهاز -جهاز العصَب- في دراستي لبحث الدكتوراة، جلست مع طبيب متخصص في مسألة التخدير الجراحي، كان متخصصاً فقط في مسألة الأعصاب وكيفية تخديرها، والله حار العقل من عظمة الله جل جلاله، فيقف ويقول: سبحان الله رب العالمين، ما أغفلنا عن الله! ووالله إن التفكر في عظمة الله ودلائل وحدانية الله هو لذة الدنيا وسرورها، ينتقل المؤمن من فكرة إلى فكرة، ومن عبرة إلى عبرة، ولا يزال يتفكَّر في ملكوت الله حتى يملأ الله قلبه بالمعرفة بالله، وعندها يطمئن ويرضى بالله، إن أصابته ضراء صبر، وأحسَّ أن الكون كون الله، فلم يجزع ولم يتسخط، لأنه يحس بعظمة الله جل جلاله، ويفر من الله إلى الله، وإن أصابته سراء ذلّ لله جل جلاله، فإذا بك تراه غنياً في ثوب فقير، وإذا بك تراه عزيزاً في ثوب ذليل، فيقول: الله أعطاني والله أغناني والله أولاني فيُثنِي على الله بما هو أهله، فإذا هي كلمات تُفتّح لها أبواب السماوات، يراها أمام عينيه في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
إن التفكر في عظمة الله وملكوته، أمرٌ ينبغي للمسلم أن لا يغفل عنه في جميع الشئون والأحوال، فإذا وفّّق الله العبد لذلك فقد أعطاه سعادة الدنيا والآخرة.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تملأ قلوبنا بالإيمان بك، اللهم إنا نسألك حلاوة الإيمان ولذة اليقين، ونسألك بعزتك وأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجعل لنا من ذكرك وشكرك وحسن عبادتك أوفر الحظ والنصيب، حتى تتوفانا وأنت راضٍ عنا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه.
شرح زاد المستقنع -
باب المساقاة [2]
من حكم الله سبحانه وتعالى أن جعل الناس يتعايشون، وقد شرع الله المساقاة لمصلحة المالك والعامل، وهو عقد يلتزم فيه كل من الطرفين بأعمال وأمور تضمن حق الطرف الآخر، وتساعد على تحقق النفع للطرفين، وعلى صلاح الثمرة والشجرة.
وقد فصل الشيخ في بيان ما يجب على العامل والمالك حتى يتحقق مقصود هذا العقد الشرعي.
الأحكام المترتبة على عقد المساقاة من جهة العامل
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد شرع المصنف رحمه الله في هذه الجملة في بيان بعض الأحكام المترتبة على عقد المساقاة، وقد ذكرنا غير مرة أن العلماء والفقهاء رحمهم الله إذا بينوا العقود الشرعية من حيث اللزوم وعدم اللزوم فإنهم يشرعون بعد ذلك في بيان الآثار المترتبة على هذه العقود، فإذا اتفق طرفان: المالك للأرض والنخيل أو الأعناب مع العامل على سقي العنب والنخيل، وتمت المساقاة بالصورة الشرعية؛ فإن هناك التزامات على العامل، وهناك التزامات على رب الأرض، فيرد
السؤال
ما هو الواجب على العامل أن يقوم به بناء على هذا العقد؟ وما هو الواجب على رب الأرض صاحب النخل بناء على هذا العقد؟ فعقد المساقاة عقد مقابلة ومعاوضة، فكل واحد من الطرفين يعطي للآخر شيئاً ويأخذ مقابل ذلك شيئاً آخر، فالعامل عليه التزامات، وضبط بعض العلماء هذه الالتزامات بأنه يجب عليه القيام بكل ما يتكرر في العام مثل تأبير النخل وتصليحه، وتصليح العراجين التي فيها ثمرة النخل، ومثل تقليم العنب، وغير ذلك من الأمور التي سنبينها ونفصلها إن شاء الله تعالى، فهذه الأمور تتجدد.
وعلى رب الأرض ومالكها أيضاً التزامات ينبغي أن يقوم بها، فالآن سيشرع المصنف رحمه الله في بيان هذه الالتزامات حتى لا يدخل العامل على حق رب المال، ولا يدخل رب المال على حق العامل، ولا يلزم العامل بشيء لا يلزمه بالعقل، فلا بد من معرفة ما الذي على العامل وما الذي على رب الأرض.
فيلزم العامل كل شيء فيه مصلحة الثمرة وهذا يشمل أموراً منها ما يتعلق بالنخلة ذاتها أو شجرة العنب نفسها، حيث يقوم بأشياء معينة هي من مصلحة الثمرة، بحيث إذا أخل بها أضر بالثمرة.
فعندنا مثلاً تأبير النخل، لو أنه لم يحسن تأبير النخل أضر بالثمرة، فهو ملزم بناء على حق المساقاة أن يقوم بالتأبير وتصليح النخل بالطريقة المعروفة والمتبعة، والتي يسير عليها الناس في العرف.
كذلك هو ملزم في تقليمه للعنب وقيامه على مصالح الثمرة بجميع ما جرى به عرف المزارعين، وأصحاب الأعناب في إصلاح هذه الثمرة، هذا بالنسبة لنفس الشجرة، فيشمل هذا إزالة الشوك الذي يسمى في عرف العامة اليوم (البرش) برش النخيل، ويشمل إصلاح الأقنية، والذي يعرف في عرف العامة اليوم (تعديل الأقنية)، ويلزم بالتأبير.
أما بالنسبة لما يتعلق بأرض النخلة فيلزمه حرث الأرض، والمراد بذلك ضربها بمسحاة وقلب ظهرها وإخراج بطنها حتى يشمس، ووضع السماد، وإزالة الحشيش، وهذا سنبين أسبابه؛ لأن هذه الأشياء كلها إذا قام بها العامل انتفعت الثمرة.
فالأرض إذا سقيت وكانت أرضاً زراعية فيها غذاء، وفيها القوة، فإن الثمرة تكون قوية، والقوة التي تعين الأرض بقدرة الله عز وجل وتساعد على صلاح ثمرة المزروع فيها لا بد من تعاطي أسبابها، فعندما تحرث الأرض ويقلب بطنها ظاهراً وتأتي الشمس عليه تنتفع الأرض أكثر وتتفكك، وحينئذ تقوى عروق النخل على امتصاص الماء، كذلك يضع السماد فيها، فإن السماد إذا وضع في الأرض اغتذت الأرض، بحيث إذا امتصت جذور النخيل امتصت غذاء فانتفعت الثمرة، فيكبر حجمها ويجود طعمها، ولربما كثرت الغلة، فبدل أن تخرج النخلة عذقاً أو عذقين أو ثلاثة قد تخرج عشرة، وهذا كله يعرفه أهل الخبرة بالنخيل.
فإذاً: مادام أن حرث الأرض يصلح الثمرة فإنه يلزم العامل، لكن نلزمه بالعرف عند أهل النخل، مثلاً أنها تحرث مرة في السنة فنلزمه بمرة في السنة، وإذا جرى العرف في المزارع التي حصلت فيها مساقاة أنها تحرث مرتين فحينئذ نقول: احرثها مرتين، وهذا الحرث يكون على صورتين: تارة بنفسه يضرب بالمسحاة، وهذا أشق ما يكون من عناء، خاصة إذا كان في مزرعة كبيرة، وتارة (يعزق) بالآلة، آلة الحرث من بقر أو ما يوجد في زماننا من الآلات التي يستعان بها بعد الله عز وجل في (عزق) الأرض وقلب بطنها إلى ظهر.
إذاً حوض النخلة يحتاج إلى إصلاحه بالسماد وإصلاحه بالمسحاة بعزقه، وربما أيضاً تحتاج النخلة إلى إصلاح الحوض لحفظ الماء، وهو ما يسمى بالعقوم، فيقوم بعقم الأحواض، وكل نخلة لها عقم، فتارة يكون صغيراً، وتارة يكون كبيراً، فلو أن هذا العقم تساقط مع مرور الشهر والشهرين خاصة مع الرياح إذا كانت الأرض جافة، فينزل العقم وإذا نزل كانت نسبة الماء قليلة ولا ترتوي بها النخلة، وإذا قل الماء قلت الثمرة فنقول: أنت مطالب برفع هذه العقوم، وإذا كانت العقوم تحيط بالنخلة فعليه أن يرفعها رفعاً يعين على إصلاح الثمرة ويتحقق به النتاج على أتم الوجه وأكملها، هذا بالنسبة للأمور التي نطالب بها العامل في حوض النخلة والأرض.
وهناك أمور نطالبه بها في جريان الماء ووصوله من البئر إلى النخيل أو الأعناب، فإذا كان هناك جداول فإنه يطالب بإصلاح الجداول، والتي تعرف في زماننا (القمطرة)، وقمطرة الماء تحتاج إلى كتفين يجري بينهما الماء وهو الذي يسمى بـ (المقمطرة) ويسمى في القديم الجدول، فكل هذا يطالب به، فنقول له: هذه المزرعة ما دمت قد التزمت بسقيها فأنت مطالب بكل ما يعين على سقيها ووصول الماء إلى النخيل، فيطالب بإقامة هذه العقوم، ويطالب بتقسيمها بين النخيل من أجل أن يجعل لكل نخلة حوضاً، ويجعل لكل مجموعة من الأعناب حوضاً أيضاً، فإذا طالبناه بذلك طالبنا بمصلحة الثمرة، ولا يقول العامل: إن الجدول يُطالَب به رب الأرض؛ لأن الجدول سيبقى في الأرض بعد خروج العامل وانتهاء المساقاة، فقد يقول العامل: رب الأرض هو المطالب بالجدول، نقول له: لا؛ لأن العقد تم على السقي، والقاعدة تقول: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، فلما كان التزامك في العقد بينك وبين رب الأرض أن تسقي النخيل وسقي النخيل مفتقر إلى إقامة هذه الجداول، فأنت مطالب بها.
كذلك بالنسبة لهذا الماء فيه مسألتان: المسألة الأولى: تتعلق باستخراجه من البئر، فالعامل مطالب باستخراج الماء من البئر، ومطالب أيضاً بجريانه من الموضع الذي استخرج منه كالبركة أو نحوها، ووصوله إلى النخيل، وإلى الأعناب، فنطالبه أولاً باستخراج الماء فما يكون من الآلات التي تحتاج إلى إدارة مثل ما هو موجود في زماننا من المكائن الزراعية فإنه يطالب بتشغيلها والقيام عليها من أجل إدارتها حتى تدار ويخرج الماء، وإذا كانت تسقى بالنضح والدلو والرشاء، فنطالبه بالجلب إن كانت تسقى بالسواني، ونطالبه بإدارة السواني، فهو يطالب فقط بتحصيل أو بإدارة ما يمكن من خلاله وصول الماء، لكن بالنسبة للآلة نفسها التي هي السانية أو المكينة الزراعية فهي على رب الأرض، ولكن إدارتها وتشغيلها يطالب به العامل.
فنقول: رب الأرض يحضر المكينة ويلزم بإصلاحها إذا تعطلت ويلزم بوقودها وبكل ما يعين على إدارتها وتشغيلها، فلو تعطلت وكان عطلها بدون تفريط من العامل طولب رب الأرض بإصلاحها، هذا بالنسبة لمسألة إخراج الماء من البئر.
قال بعض العلماء: في القديم كان هناك ما يسمى بالعيون، وكانت الآبار تنقسم إلى قسمين: هناك آبار التي تعرف في زماننا بالآبار الارتوازية، فهذه بقدرة الله عز وجل الماء يكون فيها بإصابة العين؛ لأن الماء يجري تحت الأرض بعيون ولربما يكون مثل البحر على حسب كثرته وقلته، قال الله عن الماء: ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:18] فالله أسكن الماء في الأرض وأجراه عيوناً، ثم هذه العيون والآبار الارتوازية الموجودة في زماننا ليست كالقديمة.
وأنا أقول هذا الكلام حتى يتصور طالب العلم ويعرف كلام العلماء فيما سيأتي؛ لأنه ليس المراد أن نحفظ القديم، إنما المراد أن نفهم كيف نخرج المسائل المعاصرة على المسائل القديمة؛ لأننا إذا قرأنا الفقه بالطريقة القديمة فليست موجودة الآن، وإذا قرأنا بالطريقة الجديدة دون أن نخرج على القديم أصبحنا لا نحسن فهم هذه المسائل وتخريجها، فلا بد من الربط بين القديم والجديد وهذا ما يقوله العلماء، نبدأ من حيث انتهاء السلف رحمهم الله، أي: هم قعدوا لنا فنفهم تقعيدهم وتأصيلهم، ثم نخرج الموجود في زماننا على ما ذكروه.
نقول: المياه إذا جرت في الأرض تجري في عيون، فإذا حفر البئر في زمان فإنه يحفر بقدر معين ونسبة معينة، فإذا أصاب العين جاء الماء، وإذا لم يصب العين فلا ماء، فيمكن أن تجري العين وبينها وبين البئر الذي حُفر شبر واحد وهم لا يدرون، وقد يخسر مائة ألف أو مائتين ولا يجد الماء؛ لأن الله لم يوفقه على المجرى نفسه، فهذه العيون التي تجري في الأرض أشار الله تعالى إليها بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان:53].
ومن قدرة الله عز وجل أنه في بعض الأحيان تجري العينان متساوية مع بعضها، فتجري عين مالحة وعين عذبة في مجرى واحد أجراه الله جل جلاله، لا تستطيع أن تجد ملوحة الماء المالح الأجاج في الماء العذب الذي كالسكر، ولا تستطيع أن تجد عذوبة الماء العذب في الماء الأجاج فبينهما برزخ، لا يوجد بينهما حاجز ولا حائل لكن الله بقدرته وضع هذا البرزخ، وقد ذكر لي من رأى ذلك بعينه من المشايخ حينما كان صغيراً يقول: والله شربت فكان من جانب ماء عذب ومن ألذ وأعذب ما يكون، وجانب ملح أجاج لا تستطيع أن تدخله في فمك، وهذا من قدرة الله، ففي العصر الحديث هذه الآبار الارتوازية لا يستطيع العامل أن يدخل في البئر ويصلح شيئاً فتخريج الماء من الآبار الارتوازية على اصطلاح معين ما هو موجود في القديم.
النوع الثاني: الآبار القديمة وهي التي تحفر بقطر معين على حسب كثرة الماء في الأرض وقلته، ففي بعض الأحيان يكون الماء سطحياً، فقد يحفر مسافة الأربعة أمتار ويصبح بئراً يخرج منه الماء، ويسقى منه الزرع، ثم بعد ثلاث ساعات أو أربع ساعات يعود مرة ثانية ويمتلئ؛ لأن الماء كثير، فهذا البئر الذي هو ثلاثة أمتار أو أربعة أمتار يكفي لسقي المزرعة، لكن قد يكون السقي عن طريق السواني وهو الدلو، فهذا النوع من الآبار لا يمكن أن ينتفع
ما يلزم به العامل في المساقاة
وقال رحمه الله: [ويلزم العامل كل ما فيه صلاح الثمرة من حرث وسقي ودباغ].
حرث الأرض
(من حرث) "من" بيانية، والقاعدة تقول: (يلزم العامل كل ما فيه صلاح الثمرة)، أي: بعمل أي شيء فيه مصلحة للثمرة، مما جرى العرف أن العمال يقومون به من حرث وغيره، والحرث يسمى في زماننا وفي عرف الناس (العزق)، وصورته: أن تضرب الأرض بالمسحاة وتحفر، من أجل قلب بطنها إلى ظهرها، فالأرض إذا مضت عليها سنة أو سنتان أو أكثر من سنة وهي لم تقلب أصبحت صلبة، وحينئذ الجذور الموجودة في النخلة تمتص الماء بصعوبة، وإذا أصبحت صلبة قل نزول الماء إلى أسفل، وإذا قل نزول الماء إلى أسفل بقي الماء على وجه الحوض أكثر مدة فتبخر مع الشمس، ونزلت نسبة ضئيلة إلى عروق النخلة، فإذاً تحتاج الأرض إلى (العزق) والضرب بالمسحاة لأمرين: الأمر الأول: تفكيك هذه التربة حتى تستطيع جذور النخلة أن تمتص الماء أكثر، ولذلك إذا ضربت بالمسحاة وأصبحت الأرض هشة بمجرد ما تسقيها يذهب الماء تماماً؛ لأن الأرض أصبحت مهيأة للسقي، فتشرب جذور النخلة بكثرة ويكون هذا فيه مصلحة للثمرة؛ لأنها إذا شربت بكثرة جادت ثمرتها وكثرت، يعني: كان من مصلحتها فيطالب بحرث الأرض.
الأمر الثاني: أن هذا الحرث يقتل الأعشاب الذي يسمى بـ (النجيب)، فهذا (النجيب) إذا انتشر في الأرض فإنه يشرب الماء على النخلة، وهذا يضر بكثرة الثمرة وجودتها لأن نسبة الماء التي تصل إليها قليلة، وتزاحم جذور العشب لجذور النخلة فلا يصل للنخلة إلا القليل، فنقول له: أنت مطالب بعزق الأرض، ثم تخرج هذا العشب أو (النجيب) من الأرض وتحرقه بالطريقة المعروفة المتبعة، ثم إذا حرث يقوم بالتسميد، والسماد يطالب به رب الأرض، ووضع السماد في الأرض يطالب به العامل، فإحضار السماد (الزبل) وكلفته وشراؤه إذا كان طاهراً على المالك، ونحن بينا في مسألة بيع السماد أنه إذا كان طاهراً فإنه يجوز بيعه، وإذا كان نجساً لا يجوز بيعه، فلو كان السماد فضلة إبل أو بقر أو غنم فهو طاهر؛ لكن لو كان من فضلة الحمير ونحوها مما هو نجس فلا يجوز شراؤه، فإذا وضع هذا السماد الطاهر في الأرض فإنه يجب حينئذ أن تكون مئونة إحضاره إلى الأرض وشراؤه على رب الأرض، وأما مئونة وضعه وتقسيمه على أحواض النخل فهذا على العامل.
سقي المزرعة
قال رحمه الله: [وسقي].
وذلك على الصورة التي ذكرناها، فيطالب أول شيء بأمور في البئر نفسه، ويطالب بوصول الماء من البئر إلى النخل، وتصليح أحواض النخل، في زماننا، فتوجد جداول الإسمنت الموجودة في زماننا، لكن يطالب العامل بتقسيمها ورعاية الماء أثناء جريانه فيها، وسقي الأحواض مرتبة حتى يستطيع أن يعطي كل نخلة حقها من السقي.
زبار الأشجار
[وزبار] وهو تقليم أطراف العنب، فإن العنب يقلم في كل سنة مرة، وهذا التقليم في فصول معينة من السنة تؤخذ أطراف العنب وتقص، فإذا قصت الأغصان اليابسة أنتجت وخرجت ونشط انتشار العنب وأصبح المحصول إذا انتشر العنب وامتد أكثر، وهذا من مصلحة الثمرة، لكن إذا بقيت أطراف العنب ولم تقلم ولم تزبر فإنها لا تزداد ثمرتها، فتبقى ثمرتها أقل مما إذا استصلحت، وهذا الزبار يسمى في زماننا تقليم العنب، وهو: أخذ الأطراف اليابسة الميتة ونحو ذلك حتى يكون ذلك أدعى لانتشاره.
وذكرنا في المجلس الماضي أنه إذا استنبت العنب أرخى غصناً من أغصان العنب في الأرض، ثم حفر له ودفن طرفه وأخرج طرفه الآخر وقمله، فإذا قامت ما زالت تشتد، وهي تحتاج أن تترك حتى تزحف على الأرض مسافة متر مثلاً، حتى يكون ساقها قوياً ثم ترفع، وهي الجنة المعروشة، فهذا من خلق الله عز وجل.
فالعنب من الزروع التي لا بد لها من العريش، والعريش يحتاج مثلاً إلى أغصان الأثل أو ما يسمى بالطرفة الموجود في زماننا، ولذلك تجد في المزارع أنه لا بد من وجود الطرفة، فالطرف -الذي هو الأثل- يقص أغصانه ثم تقطع على طول متر أو مترين، ثم تقام في الأرض وتشجر فإذا رفعت الأغصان على العروش فذلك من أجل أمرين: الأمر الأول: أنك تستطيع جني محصولها؛ لأنه لا يمكن لمحصول العنب أن يكون على الأرض، وإذا كان على الأرض فإنه يفسد، فيفسد بالماء أو يفسد بالآفات ونحوها، فيحتاج العنب إلى رفع، فنطالب العامل بعمل هذه العروش؛ لأنه من مصلحة الثمرة ثم نطالبه بتسقيفها، ثم توضع هذه العروش عليها بالصفة المعروفة عند أهل الخبرة، فالزبار في العنب يشمل التقليم وأيضاً مما يحتاجه العنب، فيطالب بتهيئة العروش وحمل هذه الأغصان من العنب على هذه العروش.
تلقيح النخيل
قال رحمه الله: [وتلقيح] التلقيح، من اللقاح، والنخل بقدرة الله عز وجل لا بد أن يلقح، وبينا هذا في مسائل بيع النخلة إذا أبرت، وبينا صفة التأبير، فنقول للعامل: أنت مطالب بتأبير النخل ويسمى تغبير النخل وتلقيح النخل والتغبير؛ لأن العبرة بغبار الذكر، فالله بقدرته جعل النخيل على زوجين ذكر وأنثى، فالذكر يسمى بالفحول، ويخرج منه ما يسمى بالكيزان المغلقة والتي فيها مثل ماء الرجل وماء المرأة الذي هو اللقاح، كذلك هذا الغبار بالنسبة لأنثى النخيل مثل الماء الذي يكون بين الذكرين في الآدميين، فلا بد من هذا اللقاح.
وهذا اللقاح له عدة طرق، تارة يؤخذ من الفحول وينشر على الشمس حتى يتماسك؛ لأنه إذا كان طرياً تساقط غباره وذهب، فيقوم الفلاح بأخذ هذا العرجون الذي فيه أكثر من مائة مشجر من أشجاره، ثم تقطع واحدة واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً على حسب صغر حجمها وكبره، وبعد أن تقطع تنشر في الشمس حتى تضرب، فإذا ضربت بالشمس انكمشت، وإذا انكمشت حفظت الغبار الموجود فيها، وبعضهم يأخذه طرياً ويلقح به طرياً.
هذا الغبار يؤخذ من الفحول ويوضع في الإناث، وبعض الأحيان يكون الغبار من العام الماضي يحتاط به الفلاح؛ لأنه ربما خرجت العراجين من الإناث قبل أن يتيسر لها اللقاح فيحتاط بوضعه من العام الماضي لقاحاً.
فإذا أخرجت الفحول هذا اللقاح طولب العامل بترتيب هذا اللقاح وتصليحه وتهيئته لكي يلقح به، ثم إذا تشققت الإناث لقح كل نخلة بالعرف، إن كانت النخلة تحتاج إلى تعجيل عجل، وإن كانت تحتاج إلى تأخير أخر فهو مسئول عن أمرين: الأمر الأول: لقاح النخلة.
والثاني: أن يلقح بالعدد والكمية والوقت والزمان المعروف عند أهل الخبرة.
فقد تحتاج النخلة إلى يومين أو ثلاثة وهو ما يسمى بالتبريد فلا تلقح مباشرة، وإنما تؤخر يوماً أو يومين أو ثلاثة أو أربعة وهذا من مصلحة الثمرة، فلا يجوز أن يبكر ويلقح مباشرة بل ينتظر، فإذاً يفعل في اللقاح ما هو مقتفى ومعروف عند أهل الخبرة، فلو أن لرب المال بستاناً ليس فيه لقاح أي: ليس فيه ذكر وجاء العامل وقال: أنا مستعد أُلقح لكن لا يوجد لقاح ذكر؟ نقول لرب البستان: أنت مطالب بإحضار اللقاح، والعامل مطالب بوضع هذا اللقاح في النخل، فإذاً من حيث الأصل العامل ليس مطالباً بتأمين اللقاح، إنما هو مطالب بوضع اللقاح وتهيئته إن كان موجوداً في البستان.
تشميس الأرض والثمرة
[وتشميس] "والتشميس" يشمل تشميس الأرض وتشميس الثمرة في بعض الأحيان إذا جذت، وقلنا إن المراد بتشميس الأرض يحتاج أن تعزق وتترك اليومين أو الثلاثة أو الأربعة من أجل أن تضربها الشمس وإذا ضربتها الشمس فهذا يقتل جراثيمها والأوساخ الموجودة فيها، ويهيئ بقدرة الله عز وجل صلاحها أكثر، وتغتذي بقدرة الله بهذه الشمس، وكم في هذه الشمس من أسرار، وفي أشعتها من حكم تحار فيها العقول، وأهل الأبحاث والدراسات -ولا يصح أن نقول علماء الشمس؛ لأن العلم وصف شرف مختص بالدين والشرع، وهذا هو المنبغي، فينبغي على أهل الشريعة إذا ذكروا العلم أن يخصوا به أهل العلم الشرعي، أما غيرهم فيقال: باحثين دارسين، وأما العلم فوصف شرف ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:11] هذا وصف شرف لا يقال إلا لمن علم العلم الذي أوصله إلى رضوان الله والجنة.
أما إنسان عنده خبرة ومعرفة بالدنيا فيقولون: علماء كذا، حتى أصبحنا لا نعرف شرف أهل العلم في الدين من أهل الدنيا، وأصبح وصف العلم مستوياً وكان إلى عهد قريب لا يعرف العلم إلا عند أهله، وإذا قيل: العالم خشعت القلوب من ذكره؛ لأن المراد به عالم الآخرة، فهذا ينبغي أن يُفهم.
فنقول: دارسين، باحثين في أشعة الشمس، فهم يقولون: إن هناك من الفوائد ما تغتذي به الأرض وتنتفع به من شعاع الشمس، ويكون سبباً في صلاح الثمرة سواء كانت للنخيل أو المزروعات الأخرى.
فالتشميس مطالب به، وقد ذكره المصنف رحمه الله ودرج أهل الفلاحة والزراعة على أنهم يشمسون الأراضي من أجل استصلاحها، وفي بعض الأحيان يكون التشميس للثمرة، فالثمرة إذا جذت وقطعت تكون مستوية، ولكن فيها الطري وهذا الطري يحتاج إلى تشميس، فبقدرة الله تقوم أشعة الشمس بسحب الطراوة وتبقى الثمرة يابسة نوعاً ما، وهذا التماسك واليبس الذي يكون فيها بقدرة الله عز وجل بقوة الشمس، وفي بعض الأحيان أشعة الشمس تجعل اليابس مائعاً وليناً.
وهذه قدرة تحار فيها العقول فيمكن أن تضع ثمرة فتصبح بعد يبسها لينة بالشمس، وممكن أن تضع ثمرة وهي لينة فتصبح بأشعة الشمس يابسة، وكل من تعاطى الفلاحة يعرف ذلك، وهذا كله يدل على عظمة الله سبحانه وتعالى، وأن الله حينما وضع هذه الشمس وضعها بقدرة وبترتيب عجيب بديع، حتى إن تشميس الثمرة يحتاج إلى طريقة معينة وأيام معينة حتى يتحقق جفافها.
فالتشميس يطالب به العامل، والسبب في مطالبته مصلحة الثمرة، فإن كان التشميس للأرض فهذا يكون في الحراثة، يعزق الأرض ويتركها أسبوعاً، أو يتركها ثلاثة أيام، أو أربعة أيام، على حسب الفصول؛ لأنه يحتاج إلى سقي، وأما بالنسبة لتشميس الثمرة، فتشميس الثمرة على الصفة التي ذكرناها إذا كانت الثمرة تحتاج إلى تيبيس وفيها طراوة؛ لأنه لا يمكن بيع التمر إلا بعد يبسه، ولا يمكن إخراج الزكاة من التمر إلى بعد يبسه واكتمال نضجه، وهذا يستلزم أن توضع في الشمس خاصة إذا جذت الثمرة قبل تمام النضج.
ومعلوم أن النخل بقدرة الله عز وجل إذا استوت تكون بلحاً، ثم تكون رطباً، تبدأ تذبل من أسفلها ويسري فيها الرطب من الأسفل، وهناك بلح يسري فيه الرطب من أعلى، وهناك بلح يسري فيه الرطب من النصف، حارت عقول الباحثين في هذا حتى يعلمهم الله أن هناك قدرة وأن هناك إلهاً؛ لأنه لو كانت الأمور تجري بالطبيعة مثلما يقولون -الأمور طبيعية والحياة طبيعية- لأتت الرطب إما من أسفل وإما من أعلى وإما من الوسط، لكن تحار! تأتي إلى الروثان فتجده يأتيه الرطب من أسفل، وتأتي مثلاً إلى الربيعة فيأتيها الرطب من أسفل ومن فوق، ومن على جنب ومن جميع الجوانب، وقد تأتي في الربيعة لذعة يسيرة مثل حبة الذُرة، ثم لا يأتي آخر النهار إلا وهي مستوية، وتأتي إلى الروثانة تمكث يومين كاملين وقد رطب أسفلها، لا يمكن أن يزيد شعرة واحدة، كل هذه دلائل وحدانية الله عز وجل وقدرته! والشاهد أن الرطب إذا سرى في الثمرة واكتمل نضجها فإنها تصير تمراً، وهي المرحلة الأخيرة عند صيرورتها تمراً، وهناك مراحل: المرحلة الأولى: أن يثمر العرش من النخلة فيصبح مستوياً، وإذا استوى واكتمل استواؤه وهو أخضر، فالفلاح الجيد الذي عنده خبرة لا يبادر بمجرد رؤيته أسود -يعني تمراً- إلى قطعه، بل ينتظر إلى أن ييبس العرش، فإذا يبس العرش تماماً وأصبح العرجون يابساً فتلك جودة تمره؛ لكن قد يستعجل الشخص بأن يكون مثلاً قرب زمن الأمطار فيخشى على التمر فيبادر بقصه، فإذا بادر بقصه فحينئذ يكون بقي ربع العرجون طرياً لم يكتمل يبسه، فإذا جئنا نكيل في الصاع أو نخرج الزكاة أو نقسم لم نستطع؛ لأن هذا القدر لا يمكن وضعه في الصاع؛ لأنه لم ييبس، فهذا القدر يحتاج إلى تيبيس، فنقول للفلاح: أنت مطالب بتشميسه حتى يكتمل، وعندئذ يمكن الانتفاع به، فمسألة التشميس إن كانت للثمرة فالغالب أن المراد بها ما بعد الجذاذ، فإذا قال له: جذ النخلة وبكر، واتفقا على أن يجذا مبكرين، فحينئذ يطالب بالتشميس حتى يكون ذلك أدعى ليبس الثمرة وكمال الانتفاع بها.
إصلاح موضع الشجر
قال رحمه الله: [وإصلاح موضعه] أي: وإصلاح مواضع النخيل، فيطالب بإصلاحها مثل ما ذكرنا بالعزق ورفع العقوم وغير ذلك.
إصلاح جداول الماء وطرقها
قال رحمه الله: [وطرق الماء] التي هي الجداول والماذيانات ونحو ذلك، يطالب بتنظيفها من العشب، ويطالب بتنظيفها من الأشياء التي تعيق وصول الماء، ويطالب بسد الحفر، ويطالب باستصلاح فتحات الماء على الأحواض ونحو ذلك.
فيفضل لطالب العلم -وأنا أوصي بذلك كثيراً- أن يخرج ويتعرف على هذه الفلاحة من باب معرفة الأحكام، فتخرج وتنظر وتسأل الفلاح، فإنك حينما تنظر إلى الأئمة ومشايخ الإسلام رحمة الله عليهم عندما يتكلمون عن هذه الأشياء تجد أنهم كانوا يعرفون كل شيء، فانظر المصنف يقول: (زبار وحرث وتشميس) كيف عرف هذا؟ ما عرفوه إلا بسؤال أهل الخبرة، وإذا كان قد تعاطى بعضهم الفلاحة، فممكن في بعض الأحيان أن يكون الإنسان عنده خبرة إذا تعاطى الأشياء، لكن كون طالب العلم يتكلم عن شيء يفهمه ويعرفه فهذا شيء طيب جداً، وهذا أدعى إلى معرفة الحكم الشرعي، وبه يستطيع أن يتصور كلام العلماء رحمة الله عليهم.
الحصاد
قال رحمه الله: [وحصاد ونحوه] والحصاد حصاد الثمر الذي هو مثلاً جذاذ النخل، فلو أن العامل مكث ما يقرب من أحد عشر شهراً وهو يسقي النخيل ويقوم عليه، ثم اكتمل نضج النخيل، فجاء لرب البستان وقال له: إني قد سقيت والعقد بيني وبينك عقد مساقاة، فالآن قص الثمرة عليك، وليس بيني وبينك أي شرط، فبعض العلماء يقول: الجذاذ نصفه على العامل، ونصفه على رب المال مناصفة، فكل واحد منهما يجذ حقه، هذا مذهب بعض العلماء، وأن العامل ليس مطالباً بالجذاذ.
وقال بعض العلماء: العامل مطالب بالجذاذ، ثم يقسم الحق على ما اتفقا عليه، وإن كان الأقوى في الحقيقة أن العامل مطالب بالجذاذ، وبناء على ذلك نقول للعامل: أنت الذي تطالب بجذ النخيل، ثم بعد جذه يفعل ما في مصلحته من التشميس أو نحوه من التفصيل الذي ذكرناه.
فالعنب يحتاج إلى قص، تعرفون أن العنب الذي تروه في السوق وتشاهدونه يكون على أطراف أغصان، وهذه الأغصان تحمل ثمرة العنب، وتتصل ثمرة العنب بالأغصان بواسطة الخيط المعروف ما بين الثمرة وما بين الغصن، وهذا الخيط يقص ويقلم ويقطع، ثم تؤخذ ثمرة العنب وتزبب ويكون هذا أشبه بجذ ثمرة النخيل، فيطالب العامل فقط بقص هذا القدر من المحصول ولا يطالب بتفريقه، إنما يطالب فقط بالقص، ثم صيرورة العنب زبيباً هذه تحتاج إلى نظر، من حيث الأصل فالجذاذ يكون للعنب، لكن إذا أرادوا أن يقسموا العنب فلا يمكن تقسيمه إلا إذا كان زبيباً، أما لو قسم عنباً وهو موجود على حاله ووضعه لا يمكن إلا عن طريق الخرص وهذا يحتاج إلى أهل الخبرة فيقولون مثلاً: هذه العشرة العروش من العنب ثلاثة منها محصولها يعادل السبعة الباقية، فيعطى كل منهما حقه بالقسم، أو تقص ثم يقسم بينهما بالطريقة التي تقوم بتنشيفه وصيرورته زبيباً، أو ينتظر حتى ييبس فإذا صار زبيباً فقسمه سهل لأن الزبيب يمكن كيله وقسمته بين العامل وبين رب المال.