فجعل الله عز وجل فيه البركة؛ فشفي سيد القوم، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، وفي بعض الروايات أن أبا سعيد اشترط وقال: (لا نرقي حتى تجعلوا لنا جعلاً).
فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فلما جعلوا لهم الجعل قرأ ورقى فشفي سيد القوم.
ومثله قضية اللديغ حينما لدغ وقرءوا عليه بفاتحة الكتاب؛ فشفاه الله عز وجل.
قال أبو سعيد: (فلما رجعنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم سألناه -أي: سألناه عن أخذ العوض عن القرآن والرقية- فقال عليه الصلاة والسلام: إنكم أكلتم برقية حق، وإن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله، كلوا واضربوا لي معكم متاعاً) وفي رواية: (خذوا واضربوا لي معكم بسهم) فأحل لهم العوض، والعوض وقع لقاء الرقية، والرقية نوع من الطاعة والقربة؛ لأنها لا تقع القربة إلا إذا تلا القرآن معتقداً فيه التقرب لله عز وجل، كما لو أذن معتقداً وكما لو علم معتقداً، وهكذا.
فقال أصحاب هذا القول رحمة الله عليهم: إنه يجوز أخذ العوض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز لهؤلاء الصحابة أخذ الجعل، وعده غير قادح في كون العمل قربة، وقال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله).
كذلك أيضاً لهم دليل ثالث، وهو: النظر والعقل، قالوا: يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وعلى الأذان والإمامة والفتوى ونحو ذلك من القربات، كما يجوز أخذ الأجرة على بناء المسجد وكتابة العلم، والكل متفق على أنه لو استأجر شخص ليبني مسجداً فإنه يجوز بالإجماع، وبناء المسجد يقع قربة ويقع عادة من العادات، ولذلك قالوا: ممكن أن ينوي به القربة ويحصل أجر الدنيا وأجر الآخرة، قالوا: فيجوز أن يأخذ العوض عليه من هذا الوجه.
أدلة من يفصل في مسألة أخذ أجرة على تعليم القرآن
وأما القول الثالث: الذي قال بالفرق بين المشارطة وعدمها فإنهم يجمعون بين الأدلة، ويقولون: إن الآية التي حرمت نص فيها الله عز وجل على أن التحريم للمشارطة ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ﴾ [سبأ:47]، ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان:57]، ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء:109]، ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [يوسف:104] فالسؤال مشارطة، فجعل المشارطة مؤثرة في الحل، فالمنع جاء بصورة خاصة وهي أن يسأل، والمشترط سائل، فكأنه يقول: لا أصلي حتى تعطوني ألفاً.
يقولون له: صل بنا إماماً.
يقول: أقبل أن أصلي بكم الشهر بخمسمائة.
قيل للإمام أحمد رحمة الله عليه: إن رجلاً يقول: لا أصلي بكم التراويح حتى تعطوني كذا وكذا.
قال: أعوذ بالله! من يصلي وراء هذا؟! فما دام أنه يقول: لا أصلي بكم حتى تعطوني كذلك.
معناه: أنه لا يريد الصلاة ولا يريد العبادة إلا من أجل المال.
فإذاً قالوا: إنه إذا شارط كان سائلاً، والله نهى ومنع وحرم، وجعل السؤال للأجر لقاء الوحي محظوراً على المرء، وكما أنه محظور على نبي الأمة صلى الله عليه وسلم فمن بعده قائم مقامه في كونه ممنوعاً من هذا الأمر؛ لما فيه من الإخلال بحق الدعوة والتعليم.
وكذلك أيضاً قالوا: إن الجواز دلت عليه الأدلة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتحريم دلت عليه أدلة أخرى، فنجمع بين الدليلين ونقول: من اشترط منع، ومن لم يشترط لا يمنع.
واعترض على هذا المذهب باعتراض، قيل لهم: أنتم تقولون: إننا نجمع بين أدلة الجواز والتحريم، فما رأيكم بحديث أبي سعيد والرقية، فإن حديث الرقية فيه: (لا نرقي حتى تجعلوا لنا جعلاً) فجعلوا الشرط موجوداً.
فقالوا: نعم، حديث أبي سعيد نقره ولا ننكره، ونقبله ولا نرده، ولكنه بين مسلم وكافر؛ لأن هؤلاء كفار وليسوا مسلمين، وإنما حظر إذا كان بين مسلم ومسلم.
وأجابوا من وجه آخر فقالوا: إن حديث أبي سعيد رضي الله عنه خرج مخرج المداواة؛ لأن الرقية نوع من العلاج والتداوي، والعلاج والتداوي فيه شبهة الدنيا مع وجود القربة والطاعة، فصار مثل: داء المس، فيمكن أن يقع طاعة ويمكن أن يقع غير طاعة، فوسع فيه أكثر من غيره، فخففوا من حديث أبي سعيد رضي الله عنه من هذا الوجه.
الراجح في مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن ونحوه
وفي الحقيقة: إذا تأمل المتأمل فإنه سيجد أن دليل من قال بالجواز أصح وأقوى من حيث الإسناد والثبوت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك فالأشبه والأقوى القول بالجواز، وخاصة إذا كان من بيت المال.
وأما مسألة الأذان فيشكل على حديث الأذان حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) فإن هذا الحديث يعارض بحديث أبي محذورة رضي الله عنه وأرضاه، وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قفل من الطائف بعد قسمه لغنائم حنين بالجعرانة، وجاء أبو محذورة رضي الله عنه وأذن الأذان، قال: فألقى إلي صرة من فضة).
فألقى النبي صلى الله عليه وسلم له صرة من فضة، فأخذ على أذانه الأجر، فنقول: الأشبه في قوله (واتخذ مؤذناً لا يتخذ على أذانه أجراً) أي: لا يطلب على أذانه الأجر، أي: أنه يدخل تحت ما قلناه: عند المشارطة يقع الحظر والمنع، ولذلك القول بأنه يجوز هو الأصل، وفي النفس شيء إن كان الرجل يشارط، أعني إذا كان يقول: لا أفعل حتى تعطوني.
فهذا في النفس منه شيء.
وبناءً على ذلك: فالأشبه الجواز، وخاصة إذا كان من بيت مال المسلمين.
وقوى بعض العلماء في هذه المسألة جوانب، قالوا: الأقوى والأشبه الجواز، كأن يكون طالب العلم لا دخل له إلا هذا الذي يأخذه من بيت المال، أو يغلب على ظنه أنه إذا لم يتفرغ للتعليم على هذا الوجه فإنه سيتعرض لذل المسألة، أو يتعرض لأمانات الناس ويضيعها، ولذلك كان الإمام أحمد يفضل التعليم بالمال على نحوه من التكسب الذي فيه تحمل لأمانات الناس وحقوقهم، فلعله ألا يتمكن من ذلك فيضيع حقوقهم.
وقال بعض العلماء: ينبغي للإنسان أن يوطن نفسه إذا كان مؤذناً أو إماماً وأخذ الأجر، أن يحرص في الابتداء ألا يأخذ، ويحاول قدر استطاعته ألا يتقبل العطاء، فإذا فرض عليه نوى في قرارة قلبه أنه لو قطع عنه لاستمر في عمله وطاعته، وأن ذلك لا يقطعه عن الخير.
قالوا: فلو قيل له: نقطع عنك راتبك الذي تأخذه.
فينقطع؛ فحينئذٍ تكون الشبهة فيه قوية؛ لأنه يريد حظ الدنيا، نسأل الله السلامة والعافية.
وبناء على ذلك نقول: إن الآيات التي منعت ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان:57] ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ:47] إلى غير ذلك من الآيات محمولة على من اشترط وقصد المال وقدم الدنيا على الآخرة.
وأما حديث أبي وحديث عبادة بن الصامت فنقول: إنها أحاديث فيها ما فيها من حيث السند، وهي أضعف إسناداً، والقاعدة: أن الضعيف لا يقوى على معارضة ما هو أصح منه.
وهناك جواب يختاره بعض مشايخنا رحمة الله عليهم، فيقول: إن أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه ابتدأ تعليم الرجل لوجه الله، ثم جاءه بعد ذلك بقوس هدية، فحينئذٍ من ابتدأ التعليم قاصداً به وجه الله، فجاءته هدية أو جاءه شيء من الدنيا كأنه رغب عن ثواب الله إلى مثوبة العباد، وقال له: (إن أحببت أن يقلدك الله به قوساً من نار) بالانخراط فصرفه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأكمل والأحظ، وهو: إرادة ما عند الله عز وجل، فيفرق بين من ابتدأ وهو ينوي الآخرة، ونشأت عليه الدنيا، وبين من يكون في الأصل له حظ الدنيا.
وقالوا: النبي صلى الله عليه وسلم رغب في الجهاد مع كونه قربة وطاعة بحظ من الدنيا، وقال: (من قتل قتيلاً فله سلبه) فرغب في الطاعة، فقويت الحمية وقويت الشوكة في ذات الله بحظ من الدنيا، وهذا يدل على أنه إذا أراد حظ الدنيا لم يؤثر.
حالات من يعطى أجرة على تعليم القرآن وغيره
ومن هنا نقول: من طلب العلم وأعطي راتباً، أو ترتب على كونه يأخذ العلم منزلة أو مرتبة أو شهادة ينال بها شيئاً من الدنيا ففيه ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن تكون نيته الآخرة محضة، وحظ الدنيا لا يلتفت إليه بالكلية.
إن أعطي شيئاً وإلا لم يتلفت إليه.
الحالة الثانية: أن يكون قصده الآخرة، ويجعل حظ الدنيا تبعاً لا أساساً، بحيث لو قيل له: لا نعطيك هذه الدرجة ولا هذه الشهادة.
لاستمر واستدام، فحينئذٍ نية الآخرة راجحة ونية الدنيا مرجوحة.
الحالة الثالثة: أن يستويا.
الحالة الرابعة: أن يكون العكس والعياذ بالله، فتكون نيته هذه المنزلة من الدنيا.
فأما إذا كانت نيته الآخرة، وكان قصده من تعلمه أن يتعلم ما فرض الله عليه ويعلم أبناء المسلمين، ويعمل بما علم؛ فهو بخير المنازل؛ لأنه أراد وجه الله عز وجل، وقد نصت نصوص الكتاب والسنة على أن من أراد الله والدار الآخرة فإن الله عز وجل يعطيه أجره ولا يضيع عمله، هذا إذا كان أصله الآخرة.
الحالة الثانية: أن يكون أصله الآخرة وجاءت الدنيا تبعاً، بحيث يقول: أنا فعلاً أريد أن أتعلم، وأعمل بما علمت، وأعلم الناس بعد ذلك، وأحب أن تكون لي شهادة، وأن تكون لي وظيفة منها أنفع الناس، وأكف وجهي عن سؤال الناس، ومنها أسترزق حتى لا أتعرض لذل الدين وفاقته وأعرض أهلي وعيالي للذل.
فإذاً: عنده طلب للدنيا، لكنه أقل من طلب الآخرة، فإذا كانت نية الآخرة هي الأساس ووقعت نية الدنيا تبعاً لم يضر، والدليل على ذلك دليل الكتاب والسنة.
أما دليل الكتاب فإن الله عز وجل قال عن أهل بدر: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:7] والله سبحانه وتعالى المطلع على القلوب والضمائر يقول في أهل بدر: (وَتَوَدُّونَ) أي: (تتمنون) من باب قوله عليه الصلاة والسلام: قال: (إن الله وعدني إحدى الحسنيين: إما الجهاد وإما العير) فخرجوا رضوان الله عليهم وهم يتمنون أنها تكون العير.
وليس معنى ذلك أنهم يفضلون الدنيا على الآخرة، إنما كان شيئاً يريدون به كسر شوكة أعدائهم، وارتفاقهم بالدنيا لعزة وغلبة يرجونها لدين الله عز وجل، فقال: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:7] فكانوا يودون العير، ومع ذلك جعل الله لأهل بدر ما لم يجعله لغيرهم من أهل الغزوات، قال صلى الله عليه وسلم -في الصحيح-: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فهذا كله يدل على أن نية الدنيا إذا وقعت تبعاً لم تضر.
الدليل الثاني من السنة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل قتيلاً فله سلبه) وهذا في الجهاد، فجعل للإنسان إذا قتل رجلاً من الأعداء أنه يأخذ سلبه، وهو ما عليه من السلاح والعتاد كما قدمنا في كتاب الجهاد- فهذا السلب منفعة ومصلحة دنيوية، رغب في طاعة وقربة بمصلحة دنيوية، لكنها كانت تبعاً ولم تكن أساساً، وهذا من أدق ما قاله العلماء في هذه المسألة، وهو اختيار الأئمة كالإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري إمام المفسرين رحمة الله عليه، واختاره أئمة من المتأخرين كشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام الحافظ ابن عبد البر من المتقدمين، وكذلك الإمام الحافظ ابن حجر من المتأخرين.
ولذلك قد يأتي بعض طلاب العلم ويشوش عليك فيقول: كيف تطلب العلم وأنت تريد كذا؟ قل له: أطلب العلم لله وللدار الآخرة، وأجعل نية الدنيا تبعاً ولا أجعلها أساساً ومقصداً.
وهذا هو الفصل في هذه المسألة.
الحالة الثالثة: أن تستوي -والعياذ بالله- النيتان، وتصبح إرادته للدنيا كإرادته للآخرة، وحظ الدنيا عنده كحظ الآخرة لا فضل لأحدهما على الآخر، فهذا هو فاتحة الشر على الإنسان، وفاتحة شر المنازل أن يجعل مع الله نداً في محبته وطلب مرضاته، فيحب الدنيا كما يحب الآخرة، فهذا نيته مؤثرة، كما قال تعالى في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) فهذا يدل على أنه لا يجوز في الطاعات والقربات أن تشرك نية الدنيا مع الآخرة على سبيل الاستواء.
وأما بالنسبة للحالة الأخيرة، وهي أن تكون نيته الدنيا هي الأساس ونية الآخرة تبعاً، فهذا كما حكى الله عز وجل عن المنافقين وهو شأن أهل النفاق (أنهم لو يعلمون عظماً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد أحدهم العشاء) ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:142] فهذا في شر المنازل، نسأل الله السلامة والعافية.
تقديم الإخلاص في القربات والطاعات
ينبغي التنبيه على أمر مهم، وهو: أمر الإخلاص في القربات والطاعات، مع كون العلماء رحمهم الله يقررون الجواز ويبينونه، لكن ينبغي التنبيه على أن الأفضل والأكمل لطالب العلم ولمعلم الناس أن يعلم لله، وأن يؤذن المؤذن لله، وأن يصلي لله، وأن يحتسب ثوابه عند الله عز وجل، وأن يقوم بسائر القربات التي ذكرنا ولا يريد بها إلا وجه الله عز وجل، ومن استغنى بالله أغناه، ومن جعل الآخرة أكبر همه ومبلغ علمه وغاية رغبته وسؤله؛ جعل الله الدنيا تحت قدميه وجاءته ذليلة صاغرة، وملأ الله قلبه بالغنى، فلو عاش مرقع الثياب حافي القدمين لوجدته في عزة وكرامة لا يبلغها أغنى الأغنياء في الدنيا.
ولذلك لما دخل سليمان بن عبد الملك رحمه الله إلى مكة وطاف بها وأدى عمرته، كان معه عطاء بن أبي رباح، وهو عطاء، وكان ديواناً من دواوين العلم والعمل- فقال: يا عطاء! سلني حاجتك.
فقال: يا أمير المؤمنين! إني لأستحي أن أسأل مخلوقاً في بيت الله عز وجل.
هؤلاء العلماء الذين عرفوا كيف يعاملون الله سبحانه وتعالى، فقال: إني لأستحي أن أسأل مخلوقاً في بيت الله عز وجل.
ولا شك أن هذا من فضل سليمان، وكانوا يتفقدون أهل العلم ويحبون إكرامهم، وهي فضل لـ سليمان وفضل لـ عطاء، فكل على خير، ولكنها مواقف تكتب بماء الذهب لأئمة الإسلام، ولقلوب ملئت بمحبة الله عز وجل فنسيت ما سواه، وامتلأت بالغنى بالله عز وجل فلم تعرف للفقر سبيلاً؛ لأنها غنية بالله جل جلاله.
فلما خرج قال: يا عطاء! ها قد خرجنا فسلني حاجتك.
قال: يا أمير المؤمنين! إن حاجتي أن يغفر لي ربي ذنبي.
فقال: إن هذا ليس بيدي، إنما سألتك أن تسألني من أمور الدنيا لا من أمور الآخرة.
فقال له رحمه الله: يا أمير المؤمنين! ما سألت الدنيا ممن يملكها أفأسألها ممن لا يملكها؟! فرحمه الله برحمته الواسعة.
فضل الاستغناء بالله
ومن عرف الله عز وجل فإن الله يغنيه، ودائماً أمور الدنيا تأتي تبعاً، حتى في قضايا وأمور العوام، فمن أنزل حاجته بالله فإن الله عز وجل يتأذن له بالفرج العاجل والآجل، ومما ذكره الأئمة: قصة ذلك الرجل الذي دخل المسجد على عظيم من عظماء الدنيا، وكان من الأئمة والخلفاء، فانتظره حتى صلى الفجر ثم صلى بعدما طلعت الشمس، فوجد هذا الرجل الخليفة بعدما صلى رفع كفه يدعو ربه، فلما رآه يرفع يديه إلى الله عز وجل قال: سبحان الله! هذا يسأل ربه وأنا أسأله حاجتي! فلما رأى ذلك استغنى بالله، واعتقد في قرارة قلبه أنه ينبغي أن يكون فقره إلى الله لا إلى شيء سواه، فانصرف من المسجد وفي نيته ذلك، ولما خرج رجع إلى عياله وولده فأدركته الهاجرة والظهيرة في كهف، فدخل الكهف وهو في شدة الإعياء والتعب وفي حيرة من أمره كيف يقول لأهله وولده! فلما أراد أن يضع رأسه إذا به في مكان مشرف ومرتفع، فأراد أن يسوي حتى يضع عليه ما يرتفق به من فراشه، فإذا به بشيء كالفخار قد انكسر فوقعت يده على جرة مملوءة ذهباً، فحصل من خير الدنيا، مع ما حصله من أجر الآخرة.
ومن ألذ المقامات وأهنأ الساعات وأشرف اللحظات لحظة الاستغناء بالله جل جلاله؛ لأنها تعني معاني كثيرة، فانظر كيف محبة الله لمن يدعوه، وانظر كيف يحب الله السؤال؛ لأن السؤال يدل على التوحيد، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة)؛ لأن الذي يرفع كفه سائلاً لله معناه أنه يؤمن بوجود الله، ويؤمن بأن الأمر كله لله، وأن الغنى العز من الله، وأن أمان خوفه من الله، وأن كرامته وعزته من الله؛ فرفع الكف إلى الله الذي لا يسأل سواه.
فإذا كان العبد في مقام عرضت عليه الدنيا وعرضت عليه الآخرة فآثر الآخرة؛ فإن الله سبحانه وتعالى يعوضه عن الدنيا مع ما حصل من قصد التوحيد؛ لأن انصرافك عن الدنيا باعتقادك أنك مع الله وأن الله سيغنيك، هي منزلة من منازل التوحيد، ومنزلة من منازل اليقين بالله سبحانه وتعالى.
استغناء الإمام البغوي عن سؤال الناس
ذكروا عن الإمام البغوي رحمه الله أنه لما كتب تفسيره المشهور، وكانوا في القديم يعييهم كتابة العلم، وكانوا يستنسخون النساخ، فسمع هذا الإمام بعظيم من العظماء يكرم العلماء، وأنه يحب كتب العلم، فأخذ تفسيره معه واستأجر مركباً في دجلة حتى ينزل إلى الخليل، ثم بعد ذلك يسافر إلى هذا الرجل ويسأله حاجته في نسخ الكتاب، وما يريد شيئاً من الدنيا، إنما يريد أن ينسخ الكتاب وينتشر العلم.
فما كانوا يريدون الدنيا أبداً، بل يثق كل إنسان أنه ليس هناك أغنى من العلماء إذا عرفوا الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:49] فهم أعرف الناس بالله عز وجل.
فلما ركب المركبة قال: فنظرت فرأيت رجلاً يمشي بالساحل والطريق، فأمرت صاحب المركب أن يأخذه معنا، فلما ركب معنا قال للإمام البغوي: من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان البغوي.
قال له: إلى أين أنت ذاهب؟ قال: بلغني أن فلاناً من العظماء يكرم العلماء، فأخذت هذا التفسير حتى ينظر فيه ويأمر بكتابته ونسخه ونشره للناس حتى ينتفعوا به.
فقال له الرجل: سبحان الله! ماذا قلت في تفسير قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:5]؟ ففسر له الآية وعلم مراده، فعقد العزم على أن يرجع إلى بيته من ساعته، فلما رجع إلى بيته لم تمض ثلاثة أيام إلا ورسول الخليفة يقرع عليه الباب ويقول له: بلغ فلاناً -أي: الخليفة- أنك كتبت كتاباً في العلم يحب أن يراه، فأخذ الكتاب منه، ثم لما رآه وقرأه وأعجبه ونظر إلى علمه رحمة الله عليه؛ أمر أن يوضع في كفة، وأن يصب الذهب في الكفة الأخرى، وأن يبعث بهذا الذهب إلى الإمام البغوي.
إن الله يحب أولياءه ويصونهم عن ذل السؤال لغيره، ولكن يكون ذلك إذا عرفوه سبحانه، ومن عرف الله عز وجل فإن الله تعالى يعينه ويوفقه، ويفتح له من أبواب الفرج ما لم يخطر له على بال.
فنحن إذا ذكرنا جواز مثل هذه الأمور؛ فهناك الجواز وهناك الأفضل والأكمل، ولا يعني هذا التواكل وترك الأسباب، إنما هي في مواطن يصون الإنسان بها علمه، ويصون بها ماء وجهه؛ حتى يكون ذلك أبلغ في إكرام دين الله وصونه، حتى قال صلى الله عليه وسلم: (من يضمن لي ألا يسأل الناس شيئاً وأضمن له الجنة) منزلة من منازل الإيمان والتسليم ألا يسأل الناس شيئاً.
وكان الصحابي إذا سقط سوطه لم يسأل أحداً أن يرفعه له، فهذه منزلة من منازل الإيمان، فمع كون العلماء رحمهم الله يقولون بالجواز، لكن ينبغي أن نعلم أن هناك حظوظاً عظيمة، فتصور إذا تقدم الإنسان إماماً وهو يتلو آيات الله عز وجل كم له في كل حرف من الحسنات! وكم له في ركوعه وسجوده وغير ذلك من طاعاته وقرباته وتذكيره ووعظه! وإذا علم الله من قرارة قلبه أنه يريد وجهه ويريد ماعنده، وأنه قصد من ذلك كله أجر الله سبحانه وتعالى، فبخ بخ وقد ربح البيع وعظمت التجارة كما أخبر الله عز وجل عن الذين يتلون كتابه آناء الليل وأطراف النهار وهم يريدون وجهه؛ أنهم يرجون تجارة لن تبور، وأنه سيوفيهم أجورهم وسيزيدهم من فضله، فأخبر عن أمرين: توفية الأجرة، والزيادة من الفضل.
ومن غريب ما يكون أن الله تكفل في كتابه أن من أراد الآخرة ضمن له الدنيا، وأن من عمل لله عز وجل وإرادة الآخرة، فإن الله يجعل حظه في الآخرة أكبر من حظه في الدنيا، وهذه النصوص في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم متظافرة وكثيرة، ولكن نسأل الله بعزته وجلاله أن يجعل غنانا به، وأن يجعل فقرنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ما يلزم المؤجر عند التأجير
وقوله: [وعلى المؤجر كل ما يتمكن به من النفع كزمام الجمل ورحله وحزامه، والشد عليه، وشد الأحمال والمحامل، والرفع والحط، ولزوم البعير، ومفاتيح الدار وعمارتها].
عقد الإجارة عقد بين طرفين، وكل واحد من الطرفين ملزم بالتزامات، وينبغي أن يوفي كل مسلم لأخيه ما التزمه، فالمؤجر التزم بتأجير الدار مثلاً، حيث قال له: أجرتك هذه العمارة سنة بعشرة آلاف ريال.
فالواجب: أن يمكنه من الانتفاع بهذه العمارة، وأن يمكنه من سكناها، وأن يهيئ كل الأسباب التي تعين على الانتفاع بهذه العمارة.
وفرع العلماء على هذا الأصل: أنه ينبغي أن تكون العمارة بحالة يتمكن من خلالها المستأجر من أخذ المنفعة.
ونصوا على أنه يبني ما انهدم منها إذا انهدم، فمثلاً لو أنه استأجرها سنة، وأثناء السنة سقط جدار في البيت بدون تفريط من المستأجر، وبدون تسبب من المستأجر، فنقول للمؤجر: ابن هذا الجدار وأعده كما كان.
ولو أن الأرض تغيرت بدون إضرار من المستأجر فنلزم المؤجر بإصلاحها، وهكذا إذا تعطلت مرافق الماء، أو مرافق الكهرباء، فإنه يطالب بإصلاحها ولكن بشرط: ألا تكون قد تعطلت بسبب من المستأجر، أما إذا كان بتفريط من المستأجر، وهو الذي كسر هذه الأدوات أو أخل بها فلا، فإنه يطالب بضمان؛ لأن اليد يد أمانة.
وهكذا بالنسبة لإجارة الدواب كما ذكر المصنف رحمه الله من الرحل على الدابة والزمام، لأنه لا يمكن أن يقود البعير إلا إذا كان بزمامه، وكذلك الرحل والشداد -الذي يسمى في عرف اليوم (الشداد) شداد البعير- وشد المتاع أيضاً.
وإذا كان قد استأجر صاحب سيارة من أجل أن يركب للحج، فيطالب بكل شيء جرى عرف السيارات بتهيئته في إجارة الحج، فلو أنه استأجره لنقله من المدينة إلى مكة ومعه عفشه أو متاعه، وهذا العفش والمتاع جرت العادة أن يوضع على سطح السيارة وأن يشد ويغطى، فنقول: يلزمك شداد ويلزمك شده وتغطيته؛ لأنه لو لم يغط ربما استضر بالمطر، ولو لم يغط ربما مع الهواء يطير، وربما يتفسخ ويتضرر، فنقول: يلزمك شداده ويلزمك غطاؤه؛ لأن العرف جار بهذا.
فإذاً: الشريعة تقول: كلا الطرفين ينبغي عليه أن يوفي بالتزاماته، وتتفرع على هذا جميع مسائل الانتفاع والارتفاق بالعيون المؤجرة والأشخاص والدواب، وكلها ينبغي للمؤجر أن يفي للمستأجر بجميع الالتزامات، وأنه يمكنه من الأعيان على وجه يستطيع أن يحصل المنفعة التي استأجر من أجلها، سواءً كانت للسكنى أو للركوب أو لغير ذلك من المنافع.
فلو أن رجلاً استأجر رجلاً من أجل أن يوصله إلى مكان فركب معه، نقول: كل شيء يتعلق بمركبه، ينبغي أن يهيئه وأن يحافظ عليه، وأن يكون على وجه لا يضر فيه أخاه، وأن يمكن الذي دفع الأجرة له أن يكون على الوجه المعروف، ولا يضر به، فلو أن المركب الذي يركب عليه تعطل، أو المركب الذي يركب عليه لا يستطيع أن يرتاح فيه فيستضر أثناء مشي الدابة أو السيارة، نقول: يلزمك أن تهيئ له مركباً لا يستضر به.
كذلك أيضاً: لو كان نوع السيارة التي استأجرها والقيمة التي دفعها لسيارة ينبغي أن تكون مكيفة، فينبغي أن يهيئ مكيفاً، فلو قال: المكيف عطلان.
فلهذا الرجل أن ينقص من أجرته، وتكون أجرته أجرة السيارة الذي ليس فيها هذا النوع من التكييف؛ لأن العدل والقسط أن مثل هذه السيارات يعطى له هذا النوع من الأجرة.
كذلك ذكروا في مسألة وضع الأمتعة أنهم كانوا في القديم متعارفين على أن رائد البعير أو الجمال الذي يقوم بقيادته هو الذي يضع الأمتعة وينزلها، قال أبو هريرة رضي الله عنه: (كنت أخدم آل غزوان، أقودهم إذا ركبوا وأحمل نساءهم إذا نزلوا).
وهذا يدل على أن المؤجر في الأصل يلزم بمسألة حط الرحل ورفعه على الدابة.
في زماننا: وضع الأمتعة على السيارة، لا يأتي يقول للراكب: أنت الذي تضع الأمتعة.
هذه كلها أمور مقررة، جرى العرف أن السائق هو الذي يقوم بوضع هذه الأمتعة ورصفها والقيام بها على الوجه الذي جرى به العرف.
فهذه كلها التزامات، ولكن هناك أمور لا تلزم، فمثلاً: لو أنه ركب في سيارته ثم نزلوا في محطة أو استراحة، فقال له: أريد أن أجلس في هذه الاستراحة ساعة وعليك أن تدفع الأجرة لي.
نقول: صاحب السيارة ليس ملزماً بهذا، لأن هذا خارج عن منفعة الركوب، وليس له علاقة بالركوب، لكن مسألة رفع وإنزال المتاع كله تابع للركوب، وعليه القيام بحفظ الدابة ورعايتها كما سيذكر المصنف رحمه الله في قيادتها والقيام برعايتها حتى يتمكن المستأجر من أخذ منفعته على الوجه المعروف.
وقوله: [ومفاتيح الدار وعمارتها].
وبالنسبة للدور فيعطيه مفتاح الدار، فإذا أجره يقول له: هذا مفتاح الدار.
فإذا أجره وأعطاه مفتاح الدار، وكانت الدار (كوالينها) -كما هو موجود في زماننا- معطلة، فنقول: أنت ملزم بإصلاح هذه (الكوالين)، ما لم يكن المستأجر قد دخل إلى الدار ورأى كوالينها معطلة ورضي بذلك، فليس بملزم؛ لأنه رضي بالشيء الموجود، وحينئذ إذا أراد أن يضع من عنده كوالين فليضع، ولكن إذا كان لا يعلم، وقال له: أجرتك شقة أو عمارة في الموضع الفلاني بصفة كذا وكذا، ولم يجد بها حفظاً أو حداً لأبوابها، فيطالبه بها.
ونحن نقصد بذكر الأشياء الموجودة الآن لأنها تعم بها البلوى، كما لو نزل في فندق أو نزل في استراحة فلم يجد سخان الماء في زمان بارد، فنقول: أنت ملزم؛ لأنه لا يمكن لأحد أن ينتفع بهذا المنزل إلا إذا كان ماؤه ميسراً، وإذا كان البيت لا سخان به فيكون في هذه الحالة قد أضر ما لم يقل له: إن هذه الاستراحة أو هذا المنزل لا سخان فيه مثلاً.
فإذاً: لابد أن يكون المؤجر قد هيأ جميع الأسباب للمستأجر حتى يتحصل على حقه على الوجه المعروف.
وقوله: [فأما تفريغ البالوعة والكنيف فيلزم المستأجر إذا تسلمها فارغة].
هذا ما يسمى في بزماننا بـ (البيَّارات) -أكرمكم الله- وهي أماكن تحفر، وكانوا في القديم قبل الصرف الصحي، تكون هناك بالوعات -أكرمكم الله- والبالوعات: مجاري الماء التي تفضي إلى البيارات ونحوها، فكان يقع الشجار بين المؤجر والمستأجر على تنظيف البيارات.
والذي اختاره جمهور العلماء رحمهم الله: أن البيارات -في الأصل- ينبغي أن تكون نظيفة حتى يتمكن المستأجر من الانتفاع بالعين، فإذا استلمها نظيفة مفرغة ثم ملأها المستأجر، فنقول للمستأجر: أنت الملزم بتفريغها وتسليمها كما استلمتها، لكن في زماننا الآن يوجد الصرف الصحي، فإذا كان للصرف الصحي مال وكلفة، فيدفع المؤجر الكلفة قبل دخول المستأجر، ثم إذا دخل المستأجر فيلزمه المؤجر بدفع قيمة الصرف خلال مدة الإجارة، وقس على ذلك بقية الحقوق المتعلقة بالاستهلاك.
الأسئلة
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر
السؤال
ما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان؟
الجواب
إن العشر الأواخر هي أفضل ما في هذا الشهر؛ لأن فيها ليلة القدر، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحيا ليالي العشر، والتفضيل للعشر من جهة الليالي لا من جهة الأيام، بمعنى: أن الفضيلة في العشر من جهة إدراك ليلة القدر، ومن هنا قال العلماء رحمهم الله: إن أيام عشر من ذي الحجة أفضل من العشر الأواخر؛ لأن فضيلتها شاملة لليل والنهار، ولذلك لما أقسم الله عز وجل وقال: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:1 - 2] خص الفضيلة بالليالي العشر، وجعلت فضيلة العشر الأواخر من جهة الليل؛ ولذلك شد النبي صلى الله عليه وسلم مئزرة وأحيا ليله، فالعشر الأواخر فضلها بالليل، فيحرص المسلم على إحياء هذا الليل؛ طلباً والتماساً لليلة القدر.
وقد جاءت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان هديه في هذه العشر، فقد كان عليه الصلاة والسلام يبين فضلها ويرغب فيها كما ثبت في الحديث الصحيح؛ أنه جاءه جبريل حينما اعتكف العشر الوسطى من رمضان، وقال: (يا محمد! إن الذي تطلبه أمامك) أي: إن ليلة القدر التي تطلبها ليست في النصف الأوسط من رمضان وإنما هي في العشر الأواخر، فاعتكف عليه الصلاة والسلام العشر الأواخر.
وكان من هديه عليه الصلاة والسلام: أنه يدخل قبل غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين، فيدخل عليه الصلاة والسلام إلى مسجده، ويدخل قبته بعد فجره صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه لابد للنفس من راحة.
وكان من هديه عليه الصلاة والسلام البقاء في هذه العشر تامة، أي: يعتكفها تامة، وهذا أفضل وأكمل، وأما لو اعتكف بعضها وترك البعض فإنه لا بأس بذلك، وهذا شبه إجماع بين العلماء رحمهم الله أنه لا بأس باعتكاف العشر كاملة أو اعتكاف بعضها أو الاعتكاف في سائر أيام السنة، أما الأفضل والأكمل فأن يعتكف العشر تامة كاملة تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأفضل ما في هذه العشر الليالي الوتر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (تحروها، فمن كان متحرها فليتحرها في الوتر من العشر الأواخر).
وكان مما نص العلماء رحمة الله عليهم من فضله وما ينبغي على المعتكف أن يشتغل به: كثرة تلاوة القرآن، وإذا كان بالليل فإن الأفضل له والأكمل أن يتلو القرآن وهو قائم في صلاته، بأن يجعل تلاوة القرآن في ليله في الصلاة.
وبين النبي صلى الله عليه وسلم السنة والفضل لمن أدرك ليلة القدر أن يكون من دعائه أن يلتمس عفو الله عز وجل، فإن أعظم نعمة ينعم الله بها على العبد بعد الإيمان والتوحيد أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقد قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! ماذا أقول لو أني أريتها؟ قال عليه الصلاة والسلام: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) فاستفتح عليه الصلاة والسلام بتمجيد ربه والثناء عليه بما هو أهله، وجعل الثناء مجانساً للمسألة والحاجة، فقال: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني).
فيستشعر المسلم أن هذه العشر ليال مفضلة، وأنه لا ينبغي له أن يكون أخسر الناس صفقة من رحمة الله عز وجل، فإن الغبن غبن الآخرة، وأما غبن الدنيا فإنه يسير، والله يجبر كسرها، ولكن ليس لكسر الآخرة من جبران، ولذلك كان من سؤال المسلم: اللهم لا تجعل مصيبتي في ديني، فالإنسان يستشعر أن هذه العشر أيام نفحات ورحمات وبركات ودرجات ومغفرات، وغير ذلك مما ينزل الله عز وجل من الخيرات.
فاستشعر ألا تكون أخسر الناس صفقة في جنب الله عز وجل، بل عليك أن تحسن الظن بالله، وأن تقبل عليه بصدق ورغبة وقوة يقين في الله جل جلاله، فإن الله يحب من عبده أن يحسن الظن به، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم عن أعز المواطن وأشدها كرباً على العبد وهي حالة الموت-: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله).
فالأفضل أن تدخل العشر على الإنسان وهو يحسن الظن بالله عز وجل، أنه لا أرحم ولا أكرم منه سبحانه، وأنه سبحانه وتعالى ربما يغفر للإنسان في لحظة من لحظات الخشوع، ولربما دمعة تغسل ذنوب العبد، فهذه شربة ماء لكلب من بغي من بغايا بني إسرائيل غفر الله بها ذنوبها، وغصن شوك يزحزح عن طريق المسلمين غفر الله به الذنب وأدخل به الجنة، والله كريم.
فينبغي أن تدخل العشر على المسلم وهو يحسن الظن بالله، بأنه لا أكرم لا أعظم من الله سبحانه وتعالى في بره وإحسانه ورحمته، ويثني على الله بما هو أهله، ويتذكر العبد أنه مسيء ومخطئ ومذنب، وأنه لا ملجأ ولا منجى له من الله إلا إليه.
أما الأمر الثاني: فيوصى المسلم في اتباعه لهدي النبي صلى الله عليه وسلم بالإخلاص، فإذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر فليدخل المعتكف وهو يريد وجه الله، ولا يعلم أحداً بأنه معتكف، ويحرص على ألا يراه أحد من الناس، وألا يشعر الناس أنه معتكف؛ حتى يكون أبلغ في إخلاصه وإرادته لوجه ربه، وأن يكون كل ما يصدر منه من قول وعمل وتلاوة وركوع وخشوع وخضوع وسجود وإنابة وغير ذلك من ذكر الله عز وجل، خالصاً لوجه الله، ليس فيه لأحد سواه حظ ولا نصيب، فإذا بلغ هذه المرتبة المنيفة تقبل الله أقواله وتقبل الله طاعته، ووجد لاعتكافه لذة وحلاوة وطلاوة، ووجد له أثراً في قلبه، وبارك الله له في ساعات ليله ونهاره.
كذلك أيضاً: ينبغي عليه أن يهيئ الأسباب لعمارة الوقت بذكر الله عز وجل، فهو يتصور لو أن هذه الليلة التي اعتكفها هي آخر ليلة يعتكفها، ويتصور هل يدرك رمضان آخر أم لا يدركه، ولو أدرك رمضان الآخر هل يكون مشغولاً أو غير مشغول، فيحس أن الله أنعم عليه بنعمة إذ فرغه لهذا الخير، فيحرص على ألا يغبن في هذه المهلة، وأن يغتنم كل دقيقة وكل ثانية وكل لحظة.
كذلك أيضاً: ينبغي عليه أن يحرص في حال اعتكافه على كمال المراتب، وأكمل ما يكون الإنسان في ذكره لربه في الخشوع، والخشوع سر بين العبد وبين ربه في قلبه، فإنه إذا خشع قلبه لله سبحانه وتعالى سكنت جوارحه واستكانت وتذللت لله سبحانه؛ فأحب الله مقامه، وهذا من مقامات العبودية لله، وهو مقام الخشوع الذي أثنى الله على أهله، ووعدهم بجنات عدن، ووعدهم بالمنازل الحسنى في الآخرة.
فإن كمال العبادة أن يكون المرء حريصاً على الإخلاص وكثرة الذكر، وإذا صحب هذين الأمرين خشوع صادق فإنه بخير المنازل.
إذا جاء يصلي وراء الإمام فليستشعر أنه ينافس غيره، ويسأل الله أن يكون أخشع الناس عند سماع هذا القرآن، وإذا جاء يصلي وهو وحده يسأل الله عز وجل أن يكون أخشع الناس في مقامه في تلك الساعة وتلك اللحظة، فيسأل الله عز وجل منازل العلى في طاعته، ويهيئ لنفسه الأسباب من الاستكانة والذلة.
وكذلك: عليه إذا أدى العبادة ألا يفرح وألا يغتر، فإن الأمور مدارها على القبول، وألا يحس أنه يدل على الله بطاعته، فكل كلمة يقولها وكل طاعة يتقرب بها إلى الله فالفضل فيها كله لله سبحانه وتعالى، فكلما انتهى من طاعة أثنى على الله بما هو أهله، وعليه أن يسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منه، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا من أوفر عباده حظاً في هذه العشر وفي كل فضل، وفي كل رحمة ينزلها، وفي كل بركة يقسمها، وألا يحول بيننا وبين فضله ورحمته بما يكون من ذنوبنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.
حكم الاشتراط في الاعتكاف
السؤال
هل يصح الاشتراط في الاعتكاف؟
الجواب
الاشتراط في الاعتكاف مذهب قياسي مبني على قياس عبادة على عبادة، حيث قالوا: يجوز الاشتراط في الاعتكاف كما يجوز الاشتراط في الحج، والاشتراط في الحج والعمرة أصله حديث ضباعة رضي الله عنها أنها قالت: (إني أريد الحج وأنا شاكية.
فقال لها: أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني.
فإن لك على ربك ما اشترطت) وهذا الأصل فيه ما فيه، ولكن المنبغي والأفضل أن الإنسان يدخل المعتكف وقد هيأ لنفسه أن يعتكف اعتكافاً تاماً كاملاً، فإن جاءه ظرف ضروري خرج لهذا الظرف الضروري وقطع اعتكافه واستأنف بعد ذلك.
أما الاشتراط فمسألة مبنية على القياس، ومن قال بها من أهل العلم فقوله صحيح على حسب قواعد العلماء بأن مذهب القياس على الأصل الصحيح صحيح، ولكن الإشكال: أن الأصل في الاعتكاف اللزوم، والأصل الذي قيس عليه وألصق به هذا الفرع مختلف فيه؛ لأن الاشتراط في الحج جاء على صورة خاصة، وخرج عن القياس، والقاعدة في الأصول: أن ما خرج عن القياس فغيره عليه لا ينقاس.
وتوضيح ذلك: أن الأصل تمام الحج، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:196] فلما جاءت ضباعة رضي الله عنها وقالت: (إني أريد الحج وأنا شاكية) معناه: أن حالتها حالة مرض، ومع ذلك كلفت نفسها مع وجود المرض أن تحج، فأعطاها النبي صلى الله عليه وسلم رخصة لوجود هذا العذر، وقال لها: (أهلي واشترطي) ولذلك قوي مذهب من يقول إنه خارج عن الأصل، وهذا الذي يطمأن إليه كما قدمناه في كتاب المناسك، وذكرنا أقوال العلماء في هذا الحديث، ووجهنا هذا الحديث، وبينا أن الأقوى والأشبه في هذه الرخصة تقييدها بالنص النبوي الوارد؛ لأن القاعدة في التعليل والأقيسة: أن تفقه وتفهم المراد من نفس النص، فالنص إن جاء أصلاً بذاته قست عليه غيره؛ لأن الأصل إتمام الحج، وهنا يقول لها: (محلك حيث حبسك) مع أنه في الحج والعمرة لو أحصر بالعدو فإنه يتحلل بالدم، وهنا يتحلل بدون دم، وهذا يقوي على أنه خارج عن الأصل، ولذلك مذهب طائفة من العلماء ومذهب الجمهور على أنه يتقيد بما ورد، وأنه لا يقاس عليه من لم يكن عليه حاجة من مرض ونحوه.
ولذلك لو جئنا نقيس الاعتكاف، فالاعتكاف من حيث هو عبادة خاصة لها أصل شرعي قصد منه تهذيب النفس وقيامها على محبة الله ومرضاته على وجه تام كامل لتحصيل فضيلة ليلة القدر، فهو إذا جاء يشترط ويخرج في الليل أثناء الاشتراط خالف المقصود؛ لأن المقصود لزوم المساجد للعبادة.
أنا أقول هذا كمسلك أصولي، أي: الكلام على المسألة كمسألة أصولية، لكن لو أنك سألت عالماً وقال بالاشتراط ورأيت قوله؛ فلا بأس أن تعمل به، لكن فيما يظهر من ناحية الأدلة ومن ناحية النظر في النصوص الواردة أن مذهب الاشتراط مذهب قياسي بلا إشكال، قاسوا الاعتكاف على الحج والعمرة، والحج والعمرة نفس الاشتراط فيه خلاف.
ثم إذا قلنا في الحج والعمرة بجواز الاشتراط فقد سلكوا مسلكين: مسلك يقول: أنا أقتصر على النص، فالنص جاء في ضباعة، وهي مريضة، فالمريض الذي عنده مرض ودخل الحج والعمرة وهو مريض يشترط، أما من كان صحيحاً فإنه لا يشترط، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى إلى ذي الحليفة بعد قضية ضباعة، وأهل مع الصحابة وما قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني، ولم يقل لمن أراد النسك: اشترطوا على أنفسكم: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني.
ما قاله إلا لامرأة شاكية عندها عذر، فنعمل كل نص كما ورد.
نقول: الأصل إتمام الحج والعمرة، ونفعل كفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نشترط إلا عند وجود العذر، والقاعدة: أنه إذا جاء النص على وجه خاص خارج عن القياس والأصل وفيه ما يشعر بتخصيص الحكم به؛ وجب تخصيص الحكم به.
فأنت إذا رأيت الاشتراط تخفيف ومخالف للأصل الملزم بالإتمام، ومسقط للدم الواجب عند الحصر، فذلك كله خلاف نصوص واردة، أما الإتمام الذي ألزمنا به فلنصه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:196] وهذا لا يتم؛ لأنه إذا قال: إن حبسني حابس.
فإنه يريد أن يتحلل مباشرة.
ثانياً: أنه لا يتم للمرض، والأصل في المرض: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى﴾ [البقرة:196] له فديته، وله ارتفاقه في المرض، فجاء لأن وجود هذا المرض الذي يحول بينه وبين إتمام الحج أن يشترط ويحج، فخالف الأصول، فإذا جئنا نقيس فينبغي أن نقيس على أصل لذاته يمكن القياس عليه، أما بالنسبة لأصل مختلف في عمومه لذاته، أي: حتى في نفس العبادة التي هو فيها مختلف فيه هل هو عام بحيث يشترط في كل حج وعمرة، ولكل شخص أن يشترط؟ أم هو خاص بمن كان عنده حاجة وضرورة ودخل الحج والعمرة؟ ولو أردت أن تحرر القياس صحيحاً فتقول: ممكن أن يشترط المعتكف إذا كان عنده مرض أو عنده ضرورة، حتى يكون هناك نوع من التوافق في تركيب الفرع على الأصل، أما أن يأتي الرجل السوي ويقول: أشترط أن أخرج للاتصال على والدتي، وأشترط أني بعد المغرب أتصل على أهلي، وأشترط أنني كذا وأنني كذا! هذا كله خلاف الأصل.
قد كان عليه الصلاة والسلام يمر على المريض ولا يعرج عليه كما في حديث عائشة رضي الله عنها، وكان عليه الصلاة والسلام لا يخرج إلا لحاجة.
فنحن نقول: الأصل في الاعتكاف؛ بل الاعتكاف أصله يدل على اللزوم والملازمة للعبادة، فإذا أصبح الشخص يخرج كل حين، فيخرج لقضاء حاجته، ثم يشترط فطوره، ثم يشترط سحوره، وإن تيسر بينهما أكلة بين الأكلتين فلا بأس أن يشترط، فتجد الآن الشخص ينام النهار من بعد الفجر إلى الظهر، ثم بعد الظهر إذا ذهب وتوضأ ربما أنه يجلس بين الظهر والعصر يحدث أخاه عن بعض الأمور التي وقعت له في وضوئه أو زحامه، أو ما رآه أثناء خروجه ودخوله، ثم إذا أذن العصر قرأ ما تيسر له من القرآن، وقبل المغرب ينشغل بتهيئة فطوره، ثم إذا انتهى من الفطور رغب في أن يأكل شيئاً ما إن تيسر، وبعد العشاء يصلي التراويح، فإذا انتهى من التراويح أصبح محتاجاً كل حين إلى الذهاب إلى دورة المياه.
وهذا واقع، حتى عدنا لا نجد للاعتكاف لذة! ثم يذهب لقضاء حاجته، ولربما يكون قد اشترط أن يأكل بين التراويح وبين التهجد شيئاً يعين على التهجد، وكأنه جاء إلى أمر فيه كرب شديد أو خطب عظيم، فلا يوجد استشعار أن الاعتكاف مدرسة يراد بها تهذيب النفوس بالاستغناء بالله عز وجل.
وأبو ذر رضي الله عنه مكث أربعين يوماً على ماء زمزم، فلو أننا أخذنا بالفتوى وقلنا: عنده طعام وطعم وشفاء سقم، فلا حاجة في الاعتكاف لأن يخرج للسحور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنه طعام طعم وشفاء سقم).
وإذا خرج بعد التراويح إلى طعامه وأكل ما تيسر ثم صلى التهجد فيحتاج أيضاً أن يذهب لقضاء حاجته، ثم إذا انتهى من التهجد اضطجع؛ لأنه يحس بالإرهاق والتعب، ثم يؤذن الفجر! فأين الاعتكاف؟! وهذه عبادة يراد بها قوة الشكيمة في الطاعة، وأناس خرجوا من الاعتكاف وهم يحبون القرآن وختمه كل ثلاث ليال؛ لأنه في أثناء الاعتكاف وطن نفسه على ذكر الله عز وجل، وأناس يعتكفون فيخرجون من الاعتكاف بالتهذيبات: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له)، والمداومة على (سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، والمداومة على أذكار الصباح والمساء، حتى أنه حفظها أثناء العشرة الأيام؛ فأصبحت ديدنه للعام.
فهذه الأوقات معينة يقصد منها تهذيب النفوس، ولا يقصد منها الجلوس مع زيد وعمرو، فقد تجد المعتكف الكامل الاعتكاف الذي يدخل وهو يحس بلذة المناجاة لله، وحلاوة الأنس بالله سبحانه وتعالى، حتى إن أكره ساعة عنده أن يأتي أحد يقطعه عن ذكره لله سبحانه وتعالى، فيقول في نفسه: طيلة العام وأنا بين الناس، أليست هذه ساعات وسويعات أتفرغ فيها لذكر الله عز وجل؟! وخاصة في الليل، ففي الليل لا أعرف أحداً، وأستغني بالله سبحانه وتعالى.
وليس معنى ذلك أنه يهين البدن، لكن ينبغي أن يهيئ الإنسان نفسه لهذه المدرسة وهذه العبادة، بحيث تكون شكيمته في الطاعة قوية، وعلى قدر الجد والاجتهاد في الطاعات والقربات تتبوأ المنزلة، فانظر إلى العلم إلى القيام إلى الصيام إلى الذكر، فأي عبادة جعل الله فيها مراتب كاملة وحصلَّها المكلف على أتم وجوهها فإنه يجد ثمرتها على أتم الوجوه وأكملها؛ فلذلك ينبغي لطالب العلم وعلى العامة أن يعلموا، كيف يكون الإنسان معتكفاً على أتم الوجوه وأكملها، وجماع الخير كله في تقوى الله سبحانه وتعالى والأنس به جل جلاله.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا ممن اتقاه، والتمس رضاه، ووفقه فيما رجاه، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل ما تعلمناه وعلمناه خالصاً لوجهه الكريم، وموجباً لرضوانه العظيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
شرح زاد المستقنع -
باب الإجارة [8]
العقود إما أن تكون لازمة أو غير لازمة، وقد تكون لازمة لطرف جائزة للطرف الآخر، وعقد الإجارة من العقود اللازمة للطرفين، فلا تنفسخ إلا برضا الطرفين، أو بتلف العين المؤجرة، أو بموت المرتضع أو المرضعة، أو يموت الراكب في الطريق، ولا ينفسخ العقد بضياع نفقة المستأجر.
هذه مسائل تعتبر قواعد تحتذى في معرفة أحكام فسخ الإجارة، وقد ذكر الشيخ أمثلة من الواقع المعاصر، وأمثلة على الإجارات الطبية، وهي مسائل يهم كل مسلم معرفتها.
أنواع العقود
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصل: وهي عقد لازم].
شرع المصنف رحمه الله في هذا الفصل في بيان ما يتعلق بنوعية عقد الإجارة، والعقود التي تقع بين الناس منها ما أوجب الله عز وجل على المتعاقدين أن يمضيا ويتما العقد على الوجه الذي اتفقا عليه، ومنها ما خير الله فيه الطرفين، فكل منهما بالخيار بين أن يتم العقد ويمضيه وبين أن يتراجع عنه، سواء وُجد السبب أو لم يوجد.
فالنوع الأول من العقود: هو الذي فرض الله على كل واحد من المتعاقدين أن يمضي فيه ولا يتراجع عنه إلا برضا من الطرف الثاني، ويسمى بالعقد اللازم.
وأما النوع الثاني: فهو الذي خير الله سبحانه وتعالى فيه كلا المتعاقدين، فجعل له حظ النظر في أن يمضي في العقد أو يلغيه، سواء وجد سبب أو لم يوجد، وهذا يسمى بالعقد الجائز.
وهناك نوع ثالث من العقود: وهي العقود التي تكون لازمة لطرف وجائزة بالنسبة لطرف ثان، فهذا النوع من العقود فرض الله على أحد الطرفين دون الآخر أن يتم ما التزم به، والطرف الثاني بالخيار؛ إن شاء أتمه وإن شاء امتنع.
فمثال النوع الأول: البيع، فإذا أوجب المتعاقدان الصفقة وأتما العقد، فكل منهما مخاطب من الله سبحانه أن يتم الاتفاق والعقد على حسب ما وقع بينهما.
وأما النوع الثاني: فمثل الوكالة والشركة، فإذا شاركت شخصاً وقلت له: أدفع مائة ألف وتدفع أنت مائة ألف، واتفقتما على الشركة، ثم قلت بعد ساعة أو بعد نصف ساعة أو بعد كلامك مباشرة: لا أريد.
فلك ذلك، ولو جئت بعد سنة في أي لحظة من ليل أو نهار تقول: لا أريد.
فلك ذلك، وهذا يسمى بالعقد الجائز، أي: لك فسخه ولك حظ النظر في الفسخ والإمضاء في أي وقت وأي ساعة، سواء وجد العذر أو لم يوجد، وليس من حق الطرف الثاني -وهو ندك ونظيرك- أن يقول: لا أفسخ.
بل لك أن تقول له: الخيار لي، أفسخ سواء وجد العذر أو لم يوجد، فلست بملزم.
ومثال النوع الثالث: الجُعالة، فمن قال: من أحظر سيارة مفقودة فله عشرة آلاف.
فكلا الطرفين بالخيار، لكن لو أن شخصاً وجد السيارة المفقودة عند وجدانها تراجع صاحب السيارة عن الكلام الذي قاله، أي: وجدها قبل أن يتراجع عن هذا العقد، فحينئذ نلزمه بالعشرة الآلاف، ونقول للطرف الثاني: لست بملزم بأخذها، إن شئت أخذتها وإن شئت تركتها.
إذاً: الجعل يكون لازماً لطرف دون طرف ثان.
أو مثل ضمان الأموال بالاستهلاك، وكالكتابة، ونحو ذلك من العقود.
وأما بالنسبة للإجارة فقال المصنف: (وهي) أي: الإجارة (عقد لازم).
فكل نوع من أنواع الإجارات وقع بين طرفين فأكثر فإننا نلزم كلا الطرفين بإمضاء العقد، ونقول: ليس من حقك الرجوع عن هذا العقد إلا برضا الطرف الثاني.
فلو قال له: أجرتك عمارتي بمائة ألف سنة كاملة ابتداء من غد.
وقال: قبلت.
وأتم العقد وأوجب، وافترقا؛ على القول باشتراط خيار المجلس أو لم يفترقا على القول الثاني؛ فإنه إذا تم العقد لزم الطرفين، وليس من حق صاحب العمارة أن يقول: تراجعت.
ولا من حق الذي يستأجر أن يقول: تراجعت.
نقول للمؤجر: أنت ملزم بإتمام الصفقة، ويجب عليك أن تسلم العمارة في المدة المتفق عليها، ونقول للمستأجر: يجب عليك أن تمضي في استئجار العمارة.
هذا في إجارة الدور.
ولو استأجر شخصاً لعمل عنده في البيت فقال له: اخدم هذا البيت، أو اعمل عندي في البيت، وقم على مصالح بيتي؛ وأعطيك ألفاً في كل شهر.
أو استأجره لحراسة مزرعة أو القيام عليها، فقال له: لك في الشهر ألف ريال، أو تعمل عندي هذا الشهر ابتداء من كذا إلى نهاية كذا بألف.
فقال: قبلت.
فكلا الطرفين ملزم بهذا العقد، وليس من حق صاحب المزرعة أن يتراجع، ولا من حق العامل أن يتراجع.
فإذاً: المصنف حينما قال: (وهي) أي: عقد الإجارة بجميع صور الإجارة.
(عقد لازم)، واللازم: هو العقد الذي لا يملك أحد الطرفين الرجوع عنه أو فسخه إلا بإذن الآخر، فلو أن شخصاً جاء لرجل وقال له: أجرني سيارتك إلى مكة بألف.
فقال: قبلت.
وتمت الصفقة بينهما، ثم جاءه بعد ساعة أو بعد فترة أو في نهاية المجلس وقال: طرأ عندي ظرف، وأريدك أن تقيلني من هذه الإجارة، قال: أنت في حل.
حينئذ تنفسخ الإجارة، لكن لو قال: لا أقيلك.
فإنه يلزم بالإجارة ويلزم بإتمام العقد على الصفة التي اتفق عليها الطرفان.
عقد الإجارة من أنواع العقود اللازمة
قال رحمه الله: (وهي عقد لازم).
أما هذه المسألة -وهي مسألة لزوم عقد الإجارة- فهي مسألة عامة شاملة لجميع أنواع الإجارات، فلو سألك الطبيب والمهندس والخياط والنجار والحداد عن أي صفقة من صفقات الإجارة أتمها وأوجبها مع الطرف الثاني: هل له حق الرجوع أو ليس له حق الرجوع؟ تقول: الأصل أنك ملزم والطرف الثاني ملزم بإتمام هذا العقد الذي اتفقتما عليه، وليس لك حق الرجوع إلا بإذن صاحبك، إلا فيما يستثنى من الأسباب الموجبة للفسخ كما سيأتي إن شاء الله بيانها.
بقيت مسألتان: المسألة الأولى: هل لزوم الإجارة محل إجماع أم فيه خلاف؟
الجواب
جماهير السلف والخلف والأئمة ودواوين العلم كلهم رحمة الله عليهم على أن عقد الإجارة عقد لازم، ولم يخالف في هذه المسألة إلا بعض الفقهاء، وهو قول للأفراد، ويحكى عن بعض أئمة التابعين، ولكنه قول شاذ لا يقدح في الإجماع، والإجماع على أن عقد الإجارة عقد لازم.
المسألة الثانية: ما هو الدليل على أن عقد الإجارة عقد لازم؟ دل على هذه المسألة دليل النقل والعقل: أما دليل النقل: فإن الله يقول في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1] ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أن الله أمر بالوفاء بالعقد وإتمامه، والمضي فيه على الوجه الذي اتفق عليه الطرفان، وكذلك عمم، فقال: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، ولم يستثن عقداً، فدخلت الإجارة تحت هذا العموم، ونقول: الإجارة لازمة لأنها عقد، والله فرض علينا في العقود أن نتمها ونمضيها على وجهها، فليس لأحد الطرفين الرجوع عن هذا العقد الذي اتفقا عليه.
أما دليل النظر: فالقياس الصحيح، قالوا: الإجارة عقد لازم كالبيع؛ بجامع كون كل منهما عقد معاوضة.
وتوضيح هذا القياس: أن الفرع الذي يستدل له هو الإجارة، والأصل المقيس عليه هو البيع، والحكم لزوم العقد، والعلة التي تربط بين الطرفين كالآتي: نحن متفقون جميعاً على أن عقد البيع عقد لازم، ولا يجوز للمسلم إذا أتم البيع أن يتراجع عنه إذا حكم بلزومه، إلا ما يستثنى من حالات الفسخ، وإذا ثبت أن البيع لازم فالإجارة كالبيع.
وجه الشبه بين الإجارة والبيع أنك في البيع تعاوض، فتدفع المال لقاء السلعة والعين والذات، وفي الإجارة تدفع المال لقاء المنفعة، فكما أنه يجب الوفاء في ذلك العقد من عقود المعاوضات كذلك يجب الوفاء في هذا العقد من عقود المعاوضات، فالمسلم خرجت منه كلمة التزم بها أن يؤجر، فنلزمه بهذه الكلمة كما نلزمه إذا خرجت منه وهو ملتزم بالبيع، فنقول: نلزمك أن تؤجر كما يلزمك أن تبيع وتسلم المبيع.
وهكذا نقول للمستأجر: يلزمك أن تدفع الثمن وتمضي الإجارة، كما يلزم المشتري دفع الثمن وإمضاء البيع.
قوله رحمه الله: (وهي عقد لازم).
فاللزوم هنا لكلا الطرفين كما ذكرنا، وليس من اللازم الذي يكون لأحد المتعاقدين دون الآخر.
المسألة الأخيرة: لزوم الإجارة إذا تأمله المسلم وجد فيه الخير الكثير، وعلم علم اليقين أن هذه الشريعة شريعة رحمة بالعباد، وأن الله سبحانه وتعالى دفع عن الناس الضرر، فلو كانت عقود الإجارة غير لازمة، لكان من أراد أن يؤجر عمارة في موسم أو نحوه، فجاءه رجل وأعطاه كلمة على أنه يستأجر منه، ثم بعد يوم أو يومين أو ثلاثة أو بعد فوات المستأجرين قال: لا أريد.
فسيكون عليه ضرر بفوات موسم التأجير! وضرر في فوات المتعاقدين والطالبين للسلعة، ثم يكون ذلك وسيلة للإضرار بمصالح الناس وأذية بعضهم لبعض، فيتربص التجار بعضهم ببعض، فيرسلون لرجل من يتم معه الإجارة وعقدها، ثم يتراجع عند فوات سوق تلك العين المؤجرة.
فعلى هذا: لا شك أن لزوم عقد الإجارة فيه حكمة عظيمة، ولو لم نقل: إن عقد الإجارة لازم لتلاعب الناس بحقوق بعضهم بعضاً، ولأدى ذلك إلى استغلال الإجارة كوسيلة للضرر، وأدى ذلك إلى فوات حقوق الناس، وأدى ذلك أيضاً إلى الشحناء والبغضاء والعداوة.
إلى غير ذلك مما لا تحمد عقباه.
حكم منع المؤجر تسليم العين المؤجرة بعد الاتفاق
قال رحمه الله: [فإن أجره شيئاً ومنعه كل المدة أو بعضها فلا شيء له].
الفاء: للتفريع، (فإن أجره شيئاً ومنعه كل المدة أو بعضها).
في الإجارة طرفان: مؤجر ومستأجر، فأنت إذا قلت: إن عقد الإجارة عقد لازم ينبغي أن تفرع على هذه القاعدة وهذا الأصل؛ أن تفرع اللازم الذي يتعلق بالمؤجر، وأن تفرع اللازم الذي يتعلق بالمستأجر، فابتدأ رحمه الله بالمؤجر.
فقال: (فإن منعه) أي: منع المالك من الانتفاع من العين المؤجرة، ولا يمنع إلا إذا أخلف وعده بإتمام الصفقة، فهو يمتنع من إتمام العقد ويقول: هذه العمارة اتفقت معك أنها بمليون ولا أريد أن أعطيكها، أو لا تستلم العمارة، أو ليس لك عندي شيء، أو لا أعطيك مفاتيحها.
فمنعه أن يستوفي حقه، فإذا منع المؤجر فهو بالإجماع يعتبر ظالماً.
وإذا ثبت عند القاضي أن شخصاً أتم عقد إجارة وتلاعب وأخلف وعده، فإن من حق القاضي أن يعزره، ثم التعزير يتفاوت على حسب الضرر الذي يلحق، فالإجارات التي فيها مصالح عظيمة وأضرار كبيرة يعزر فيها أكثر من الإجارات التافهة واليسيرة.
فإذاً: إن منعه يأثم؛ لأن الله فرض عليه وأوجب عليه بعدما أتم العقد أن يمضي، وأن يفي بما التزم به وما أخذه من العهد على نفسه.
ثم يبقى
السؤال
إذا حكمنا بكونه آثماً فالإثم مسئولية الآخرة، فيبقى النظر عن مسئولية الدنيا من حيث فوات المصلحة، وامتناع صاحب العين من تمكين المستأجر من حقه، فنقول: نحكم بإثمه، ونحكم بقهره على هذا العقد إن كان في بداية المدة.
مثال ذلك: لو أن رجلاً استأجر عمارة بمائة ألف لشهر ذي الحجة، فلما جاء المستأجر يريد أن يستأجر منعه في يوم بداية العقد، أي: جاءه المستأجر وقال له: أعطني المفتاح في ليلة واحد ذي الحجة حتى أستفيد من العمارة التي استأجرتها.
فقال: ليس لك عندي شيء.
فمن ناحية شرعية يفرض عليه، ويلزم بتمكين المستأجر من حقه، ولا يقف القضاء عند قوله: هذا آثم وظالم، بل يفرض عليه ويقول له: أنت تمنع صاحب الحق من حقه؛ لأن منفعة سكنى العمارة خلال الشهر ليست بملك لك، فقد بعتها وأصبحت ملكاً للغير، فأنت بامتناعك من تسليم المفتاح والتمكين من الإجارة منعت حق غيرك، وهذا ليس بملك لك، وقد خرجت عن ملكيتك خلال شهر ذي الحجة.
فإذاً: (الفاء): للتفريع، يتفرع على قولنا باللزوم أننا نلزمه ونقهره بالقوة على دفع العين لكي ينتفع بها المستأجر، سواء كانت أرضاً أو داراً أو سيارة أو أي شيء اتفق عليه، فنلزمه بذلك.
فإذا منعه لم يخل هذا الفعل من أحوال: الحالة الأولى: أن يمنعه قبل ابتداء العقد ويقول له: ليس لك عندي شيء، وأنا راجع عن الإجارة.
فحينئذ إذا رفع إلى القضاء يفرض عليه القضاء التمكين، ويمكن تلافي هذا الخطأ بإلزامه في مدة الإجارة.
فإذا اشتكى إلى القاضي وأحضر القاضي خصمه وألزمه، وابتدأت الإجارة وأخذ حقه كاملاً فلا إشكال؛ لأنه منع من حقه وتوصل إلى حقه بالقضاء.
الحالة الثانية: أن يقول له: لا تأخذ شيئاً، وليس لك عندي شيء، والعقد الذي بيني وبينك لاغ.
فألغى العقد من طرف واحد، فالرجل حاول معه وأراد أن يقنعه فلم يستطع حتى مضى شهر ذي الحجة، فإذا مضى شهر ذي الحجة لم يستحق هذا المانع شيئاً من الأجرة؛ لأن الأجرة مركبة على المنفعة، وقد منع المنفعة.
قد يقول لك قائل: إنه إذا منعه ومضت المدة نلزمه بدفع الأجرة، فكون هذا خان وامتنع فعلى الآخر أن يفي ولا يمتنع: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) وقد التزم أن يعطيه مائة ألف على شهر ذي الحجة.
نقول: التزم المائة ألف لقاء منفعة، والمنفعة المشتراة غير موجودة، كما لو باعه شيئاً ولم يعطه إياه، فإذاً: لما كانت مستحقه لشيء ومبنية على شيء، فإنها تفوت بفواته، هذا إذا منعه المدة كلها.
الحالة الثالثة: أن يمنعه بعض المدة، فقال له: لا أؤجرك، والعقد الذي بيني وبينك لاغ، فمضى من الشهر عشرة أيام وبقي عشرون يوماً سكناً، فيستحق أجرة العشرين يوماً.
ولو منعه عشرين يوماً وتمكن من حقه في العشر الأواخر من الشهر يكون له ثلث الأجرة، ولو منعه خمسة عشر يوماً وتمكن من حقه في الخمسة عشر يوماً، أو سلم له واقتنع بعد نصف الشهر وسلمه المفتاح، نقول: له أجرة نصف الشهر.
وهذا يختلف تبعاً لأحوال الناس: إما أن يمنعه كلية، ولكنه يتمكن من حقه من ابتداء المدة، ويستوفي حقه كاملاً، فلا إشكال، وإما أن يمنعه ولا يتمكن من حقه بالكلية فلا يستحق الأجرة، وإما أن يمنعه عن بعض الأيام دون بعضها، وحينئذٍ يستحق بقدر ما أخذ من الأيام، ويستحق الأجرة بقدر ما استفاد المستأجر من الأيام، إن كان نصف الشهر فنصف الأجرة وهكذا.
لكن هنا مسألة: لو أنه اتفق معه على أن يؤجره شهر ذي الحجة، وكل يوم من شهر ذي الحجة بألف، فاتفق معه على شهر ذي الحجة، ولكن لم يقل: كل يوم بألف، بل قال له: هذه ثلاثون ألفاً لقاء شهر ذي الحجة، وتم العقد على هذا، ثم شاء الله عز وجل أنه منعه من الخمسة عشر يوماً الأولى، ثم مكنه من بقية الشهر، وكان الشهر ناقصاً، فهل يستحق الخمسة عشر ألفاً أو يستحق الأربعة عشر ألفاً؟
الجواب
يستحق أربعة عشر ألفاً، ولا يستحق الخمسة عشر؛ لأن نقصان الشهر إلى تسع وعشرين يوماً في صورة التمام والكمال، ولا تكون في صورة البعض، ولذلك قال بعض العلماء: إنه في هذه الحالة لا يستحق إلا عن أربعة عشر يوماً؛ لأنها تجزأت بتجزؤ المنفعة المستوفاة، فله حق كل يوم بحسبه، لكن لو أنه أوجب الصفقة عن الشهر كاملاً، ومكنه من الانتفاع ولم يمنعه، وظهر أن الشهر تسعة وعشرون يوماً، فهذا استحقاق مبني على الشهر المسمى، وليس على أجزاء الشهر، وفرق بين الاتفاق على الأجزاء وبين الاتفاق على الكل، وكذلك لو صام شهرين متتابعين وابتدأ من أول الشهر، فإنه قد يصوم كلاًّ من الشهرين تسعة وعشرين يوماً، فتصح كفارة له عما أوجب الله سبحانه وتعالى، لكن لو ابتدأ أثناء الشهر وابتدأ في اليوم الثاني فلابد وأن يصوم ستين يوماً قولاً واحداً عند العلماء.
ففي هذه الحالة يكون المؤجر هو الذي أدخل على نفسه النقص.
وقال بعض العلماء: بل يستحق خمسة عشر ألفاً، ووجه ذلك أن العقد تم على الشهر نفسه، فإن كان قد مكنه من النصف كان نصف المسمى لنفس المدة التي استوفي فيها، ويكون له نصف الشهر؛ لأن العقد باسم الشهر نفسه.
ولكن القول الأول أوجه وأصح؛ لأنه حينما منعه أضر بمصلحة نفسه، وانتقل إلى التجزئة بحسابها، وهذا أصل عند العلماء كما ذكروها في الفسوخات، وذكروها في الأمور الطارئة التي توجب زوال عقد الإجارة.
حكم رجوع المستأجر عن الإجارة بعد البدء في العقد
وقوله: [وإن بدأ الآخر قبل انقضائها فعليه الأجرة].
هذا من دقة المصنف رحمه الله: فإنه فرع الأحكام في لزوم عقد الإجارة على المؤجر وعلى المستأجر.
قد يقع الامتناع ويقع النقض للعهد والعقد المتفق عليه بين الطرفين من الشخص المستأجر، فلو أن رجلاً جاء واستأجر بيتك، وقال: أجرني بيتك هذا بعشرة آلاف في شهر رمضان.
فقلت له: قبلت.
وتم العقد بين الطرفين على أنه يستأجر شهر رمضان بعشرة آلاف، فامتنع من سكنى البيت، قال: العقد الذي بيني وبينك لاغ.
حتى مضى شهر رمضان كاملاً وقد سلمته المفاتيح ومكنته، أو مكنته من تسلمها، وقلت له: العقد الذي بيني وبينك كما هو، وهذا بيتك في شهر رمضان، تريد تأتي فهذا حقك، وتريد تتخلف فإن البيت باسمك ولا أؤجره لأحد، ولست بمسئول عنه؛ لأنني بعت منفعته ولا آخذ حق الغير.
فبقيت على التزامك.
إن كان هذا الشخص الآخر امتنع بالكلية وقد مكنته فإنه يلزم بدفع الأجرة كاملة؛ لأن الله فرض عليه العقد، وأنت قد مكنته من حقه، فتستحق الأجرة كاملة، وهو الذي أدخل الضرر على نفسه بامتناعه من الإجارة، وهو الذي فوت على نفسه مصلحة الارتفاق بهذه العين المؤجرة، فعليه أن يتحمل مسئولية نفسه.
أما لو أنه أثناء العقد استأجر شهر رمضان، فامتنع من أول الشهر وجاء في نصفه الثاني، أو العكس: سكن أول رمضان -النصف الأول- ثم جاء في النصف وقال: ما أريد بقية الشهر.
وليس ثم عيب يوجب الفسخ، وليس هناك أمر يستحق به ما قاله، ففي هذه الحالة نقول: أنت ملزم بالعقد على مدته التامة الكاملة، وليس من حقك الفسخ؛ فإن بدأ فيدفع الأجرة كاملة.
أمور ينفسخ بها عقد الإجارة
قال رحمه الله: [وتنفسخ بتلف العين المؤجرة، وبموت المرتضع، والراكب إن لم يخلف بدلاً، وانقلاع ضرس أو برئه ونحوه، لا بموت المتعاقدين أو أحدهما، ولا بضياع نفقة المستأجر ونحوه].
ينفسخ عقد الإجارة بتلف العين المؤجرة
فقوله: [وتنفسخ بتلف العين المؤجرة].
(الفسخ) في لغة العرب: الإزالة، يقال: فسخ الثوب إذا أزاله وأماطه عن بدنه، فلما ذكر المصنف رحمه الله لزوم عقد الإجارة ناسب أن يتكلم عن الأحوال التي تستثنى، ويكون حكم الشرع فيها بجواز فسخ هذا الشيء الذي لزم الطرفين.
وقوله: (العين المؤجرة) أي: كالبيت، فلو قال له: أجرني هذا البيت بمائة ألف -مثلاً- هذه السنة.
وقال: قبلت.
فلو انهدم البيت -تلفت العين- فقد فاتت المنفعة التي اشتراها المستأجر، وبفوات المنفعة يفوت عقد الإجارة؛ لأنه لا يمكنه أن يسكن في هذا البيت وهو منهدم، وقد اتفق الطرفان على أنه مؤجر له بسكنى هذه الدار، فإذا أصبحت الدار غير موجودة فإنه حينئذٍ يحكم بانفساخ العقد، وكما أنه لو باع دابة ثم ماتت الدابة قبل إتمام الصفقة، أو بستاناً، ثم جاء إعصار وأحرق البستان قبل إتمام الصفقة؛ فإن هذا يوجب الفسخ؛ فكذلك في الإجارة.
وكذلك إذا قال له: بعني هذه العلبة من الطعام أو نحوه، فقال: بكم؟ قال: بخمسة ريالات.
فقال: اشتريت.
فلما أراد أن ينزلها البائع سقطت من يده وانكسرت، فلا يمكن أكل هذا الطعام الذي انكسرت علبته أو أريق على هذا الوجه، وفي هذه الحالة لا يمكن الانتفاع بهذه العين، فتقول: انفسخ عقد البيع على هذا المعين وفات بفواته.
وحينئذٍ يعقد معه على عين أخرى إذا أراد وإلا فسخ البيع.
فإذاً: إذا فاتت العين المقصودة التي تم العقد عليها، فإنه حينئذٍ يحكم بانفساخ عقد الإجارة.
وتلف العين مثل انهدام الدار، وموت الدابة والبعير في القديم، ومثله في زماننا السيارات، فلو أنه اتفق معه على إجارة سيارة بعينها إلى مكة أو إلى جدة أو إلى المدينة، ثم في الطريق تلفت مكينة هذه السيارة، حتى لا يمكن أن يتم بها العقد على الوجه المعتبر، فحينئذٍ يحكم بفوات العقد.
وإذا تلفت العين فلها صور: الصورة الأولى: أن تتلف العين قبل ابتداء مدة الإجارة.
الصورة الثانية: أن تتلف العين أثناء مدة الإجارة.
فأما في حالة تلف العين قبل ابتداء الإجارة: فينفسخ العقد بالكلية، وإذا كان قد قبض الثمن وجب عليه رد الثمن إلى صاحبه، وهذا لا إشكال فيه.
وأما إذا تلفت العين أثناء الانتفاع، مثلاً: كان ساكناً في الدار فسقطت الدار وانهدمت، أو سكن نصف شهر وانهدمت في نصفه الباقي، أو احترق البستان أو نحو ذلك من المؤجرات، فحينئذ يحكم بلزوم أجرة ما مضى وفسخ الإجارة فيما بقي، ويستحق الأجرة بقدر ما أخذ، ثم الباقي يحكم بانفساخ عقد الإجارة فيه.
لكن أيضاً هناك تفصيل عند العلماء رحمهم الله في مسألة تلف العين؛ فجمهرة أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة رحمهم الله على أن انهدام الدار يوجب انفساخ عقد الإجارة، لكن فقهاء الحنفية رحمهم الله وبعض الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد والإمام الشافعي يقولون: أنه إذا انهدمت فينظر فيها، فإن بقي شيء من الدار فيه منفعة انفسخت الإجارة فيما لا منفعة فيه، وتبقى في القدر الذي فيه المنفعة.
من أمثلة ذلك: الدار التي لها فناء وحوش، فإذا استأجر داراً بحوشها، مثل الفلل الآن، يقولون: إذا سقطت الفلة وانهدمت، أو سقطت الفلة وبقي جزء منها صالح للسكن، فإننا نقدر قيمة هذا الجزء المنهدم من الأجرة، ونقول للمستأجر: انتفع بما بقي، وانتفع بهذا الفناء والحوش؛ قالوا: لأنه يمكن أن يستغله لحفظ المتاع، ويمكن أن يستغله لحفظ الحيوان، ويمكن أن يستغله في مصالحه؛ لأن الحوش يمكن الارتفاق به بخلاف البناء.
قالوا: فحينما اتفق الطرفان على بناء وفناء، فمعنى ذلك: أنه يريد للسكن ويريد الارتفاق بالفناء، فإن فات السكن بقي عقد الفناء كما هو، وهذا في الحقيقة إذا نظر إليه من حيث الأصول فله قوة، أعني أنه من حيث الرأي والنظر صحيح؛ لأن القاعدة تقول: الإعمال أولى من الإهمال.
والقاعدة المشهورة تقول: الأصل بقاء العقود.
فلو جاء شخص يتكلم ويقول: انهدمت الدار.
نقول: إذاً تنفسخ فيما انهدم؛ لأن ما شرع لعلة يتقيد بها، فإذا كانت العلة هي كون الدار منهدمة فإن الانهدام هو الذي ينفسخ في عقد الإجارة، ويُتقَيَّد به.
إلا أن القول الأول أدق وخاصة في المصالح، لأنك إذا جئت تنظر إلى مصالح الناس وإلى الضرر، فلا شك أن القول أنها تنفسخ كلية قوي؛ لأنك قد تستسمح الفناء وترضى به لوجود البناء، وقد ترضى بالبناء لوجود الفناء، فإذا كان رضا الإنسان بالبناء وكان الفناء تبعاً، فلا ينبغي أن نجعل التابع أصلاً، ولذلك قالوا: من الصعوبة بمكان أن نلزم في هذه الحالة، فمادام أنها انهدمت فالمتفق عليه الشيء الكامل، وإذا ذهب بعضه فإنا لا نلزمه به؛ لأن المستأجر استأجر شيئاً كاملاً لا شيئاً ناقصاً، ولو كان يريد الفناء لقال: أجرني فناءك.
لو كان يريد جزءاً من الدار لقال: أجرني غرفة.
لكن هو قال: أجرني الدار كاملة، فبأي حق نلزمه بالبعض وقد اتفق على شيء كامل متكامل، فهو ما اتفق معه على فناء.
وكل من القولين له وجه، فإن من قال: نفسخها في الجزء الذي انهدم ولا نفسخها فيما بقي، فقوله أشبه بالقواعد من جهة النظر والأصول، ومن قال: إنها تنفسخ كلها، فلقوله حظ من حيث الأصل الذي ذكرناه: أن العقد تم على شيء كامل يفوت بفوات بعضه أو أغلبه، ولما فيه من الضرر على الناس.
ينفسخ عقد الإجارة بموت المرتضع
قال رحمه الله: [وبموت المرتضع].
وتنفسخ الإجارة بموت المرتضع، عندنا المرتضع والمرضعة، وقد ذكرنا أن الله سبحانه وتعالى أحل الإجارة على الرضاع، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:6] فأثبت الأجر واستحقاق الأجرة بالرضاعة، فدل على مشروعية التعاقد على الرضاع.
فمن الصور التي تنفسخ فيها الإجارة: إذا استأجر امرأة لإرضاع بنته، فاتفق معها على أن ترضعها سنة كاملة، فماتت الصبية في منتصف العام، أو ماتت قبل ابتداء الإجارة، فإن ماتت قبل ابتداء الإجارة انفسخت وليس للمرضعة شيء، وإن ماتت أثناء المدة استحقت المرضعة بقدر ما أرضعت من الزمان، فلو ماتت في ثلث السنة الأول كان لها أجرة الثلث، وإن ماتت بعد تمام النصف الأول فإنه يكون لها حظ النصف الأول وهكذا، تقسط الأجرة، وهذا أصل في الإجارة: أنها تقسط على حسب المنافع المتفق عليها.
أيضاً إذا ماتت المرضعة وهي المرأة التي ترضع، فإنه ينفسخ العقد؛ والسبب في هذا: أن المنفعة فاتت الإجارة؟ ونحن نحكم بالفسخ إذا فاتت المنفعة المشتراة، ودائماً تكون المنافع تحت الأعيان، فعندنا ذوات وعندنا منافع، فإذا استأجر بيتاً فالذات البيت -البناء- والمنفعة السكنى، فإذا انهدم البيت انفسخ العقد؛ لأنه لم يعد هناك منفعة وهي السكنى بعد انهدام البيت وسقوطه.
وكذلك لو استأجر دابة للركوب وماتت، كانت الإجارة على عينها وذاتها، ولم يمكن إقامة غيرها مقامها، فحينئذٍ تفوت بفواتها.
فالمصنف رحمه الله قال: تنفسخ بتلف العين المؤجرة، وهذا مثلما ذكرنا في البيوت والمساكن من غير الحيوانات.
وتنفسخ بموت المرتضع، وهذا مثال للحيوان -من الآدمي والحيوانات- فإذا ماتت المرأة المرتضعة أو الرضيع الذي يرتضع فإنه يحكم بفسخ الإجارة.
وقد يسأل سائل ويقول: حكم الفقهاء ونص المصنف رحمهم الله على أن عقد الإجارة ينفسخ إذا مات المرتضع، أليس بالإمكان أن يؤتي برضيع آخر ويقام مقامه، ونقول: تصحيح العقود ما أمكن؟ قالوا: لا يمكن؛ لأنه حينما استأجر المرأة لإرضاع هذا الصبي بعينه فإنه لا يمكن بحال أن تأتي بصبي يرضع كرضاعته، ويحن لهذه الأم مثله، ويأخذ منها من اللبن بقدر ما يأخذه الأول، فلا تستطيع أن تقيم الغير مقامه بالعدل.
هناك مسائل ستأتينا ولا نحكم فيها بانفساخ العقد؛ لأنه يمكن تحقيق المنفعة وتحقيق العدل بين الطرفين، وهذا من دقة الشريعة: أنه إذا تم العقد على صورة ومنفعة بحدود قيدت بها.
فهو إذا أقام رضيعاً آخر لا يمكن أبداً أن يأتي رضيع آخر مثل الرضيع الأول، فالناس يختلفون في الشبع والري، ويختلفون في الرضاعة، ويختلف حال الصبي من امرأة لأخرى، فقد يرتضع من امرأة ويحب لبنها ويرضى بها ويقبل على ثديها، وقد تحرم عليه المراضع فلا يقبل بالمرضعة، وقد يكون بين بين، تارة يقبل وتارة يدبر، فكيف تقيم طفلاً مقام طفل مع اختلاف الطبائع واختلاف الأحوال؟! وعليه فتفوت المنفعة بموت المرتضع، وبحكم بانفساخ العقد لتعذر إتمامه على الوجه الذي كان عليه الأول، ولا يتم عقد الإجارة إلا إذا كان هناك عدل بين الطرفين، واستيفاء للحقوق كما اتفق عليه المتعاقدان.
كذلك لو ماتت المرأة المرضعة فلن تستطيع أن تجد امرأة لبنها كلبن هذه المرأة في خصائصه وطبائعه وكميته؛ لأنها تختلف، فالمرأة التي تحمل لأول مرة وتدر لبنها، ليست كالمرأة التي في ثاني مرة ولا في ثالث مرة، والمرأة المتوسطة ليست كالمرأة البكر، وهكذا، فالانضباط متعذر، فيتعذر أن تقيم الغير مقام الأصل الذي اتفق عليه، فيفوت العقد بفوات الأصل.
انفساخ عقد الإجارة بموت الراكب في الطريق
وقوله: [والراكب إن لم يخلف بدلاً].
أي: إذا كان له وارث يقوم مقامه فلا بأس ويتم العقد، ففي القديم كانوا يركبون للحج، فنص الإمام أحمد رحمه الله حينما سئل: إذا استأجر البعير في الحج ومات الراكب في الطريق؟ أنه يحكم بانفساخ العقد، وإذا حكمت بانفساخ العقد فتقدر أجرة هذا البعير من الموضع الذي سار منه إلى الموضع الذي مات فيه الشخص، ويستحق صاحبه قسط هذه الأجرة.
إذا حكمت بالفسخ تفرع عليه استحقاق الأجرة فيما مضى، ويتفرع عليه جواز أن يؤجره للغير، فيأتي براكب آخر ويؤجره، ويستفيد مما بقي من المتفق عليه في عقد الإجارة.
حكم عقد الإجارة عند ذهاب الألم والمرض
وقوله: [وانقلاع ضرس أو برئه ونحوه].
هذه مسألة طبية، وهذا من دقة الكتب الفقهية، وقد نبهنا غير مرة أن الفقهاء يذكرون بعض الأمثلة، وقد يأتي من لا يحسن فهم العلماء رحمهم الله، ولا يقدر ما قدمه هؤلاء الأئمة، وخاصة في الفقه، فإن الفقيه قلّ أن يكتب متناً إلا وقد ابتلي بأحد هذه الأشياء أو بها جميعاً: إما أن يكون ابتلي بالقضاء، أو بالفتوى، أو بتدريس الفقه.
فلن تجد أحداً يكتب متناً فقهياً إلا وقد اشتغل بواحدة من هذه الثلاث أو بها مجتمعة.
ومن أنفس وأدق ما يكون في الفقه: أن تجد فقيهاً اشتغل بالقضاء والفتوى والتعليم؛ لأن من الفقهاء من فتح الله عليه في القضاء ولم يفتح عليه في الفتوى، ومنهم من فتح الله عليه في الفتوى ولم يفتح عليه في القضاء، ومنهم من فتح الله عليه في التدريس ولم يفتح عليه في الفتوى، ومنهم من فتح الله عليه في الفتوى والتدريس والقضاء.
وتجد دواوين العلم ونوابغ الفقهاء وأئمتهم الذين يشار إليهم بالبنان، وتقبل تحقيقاتهم وتحريراتهم، وينظر إليها نظرة الإجلال والإكبار، ويكون لها وزنها وقدرها حينما يكونون قد ابتلوا بهذه الأشياء، فتجد الأئمة الكبار قضاة، والسبب في هذا: أن القضاء يُدخل عليك المسائل الغريبة والأمثلة العجيبة، فتتأصل عندك الأصول، وتنضبط عندك الفروع، وتتضح القواعد والضوابط، وكذلك الفتوى، فإن الناس تأتي بعجائب مسائلهم وغرائب نوازلهم، فلا يحسن التصدر فيها إلا من أنار الله بصيرته، وكان -كما وصف الله- راسخاً في العلم.
ولذلك كان غالب من يتصدر إلى الفتوى في سن مبكرة ينبغ في الفقه في فترة وجيزة؛ لأن الناس تدخل عليه المسائل، وهذه الأمثلة التي نراها في كتب الفقه هي حصيلة تجارب، وإن كان البعض يظن أنها مجرد آراء، وهو لا يعلم أنها حصيلة ذهن العلماء وكدهم وعنائهم قروناً طويلة.
فحينما يقول المصنف: (وانقلاع ضرس) ليس المراد انقلاع الضرس فقط، إنما المسألة دخلت في مسائل الإجارة الطبية، وهذه الكلمة تستطيع أن تفرع عنها مشروعية الإجارة الطبية عموماً، وأن الفقهاء يعتبرون جواز كون الطبيب يأخذ أجرة على عمله ليقلع الضرس، وهذا عمل طبي، وتأخذ منها جواز الإجارة الطبية خاصة، وهي مسألة الجراحة؛ لأن قلع الضرس نوع من أنواع الطب وهو الجراحة، وتأخذ منها جواز قطع العظام الزائدة عن البدن إذا كان فيها ضرر، وجواز قطعها بشرط وجود الحاجة الداعية وهو الألم، وعدم جواز قطعها إذا زال الألم.
وتأخذ منها مسألة إزالة الأعضاء من غير العظام؛ لأن النظير يأخذ حكم نظيره، كما جاز قلع الضرس لوجود الضرر والألم، فيجوز قطع الأصبع الذي فيه ألم إذا تعذر علاج هذا الألم، أو خشي سريان هذا الألم، فالمصنف حينما تكلم عن فوات العين ومثاله العقارات، ثم بعد ذلك موت المرضعة وهو مثال للحيوان، ثم انقلاع الضرس بجزء الحيوان، فأصبح بعدما نبه على الكل نبه على الجزء، وتعلق الإجارة بالجزء، مع أن الرضاع تعلقت الإجارة بالجزء وهو اللبن، وهنا تعلقت الإجارة بالجزء وهو الضرس.
فقوله: (وانقلاع ضرس) يعني: إذا استأجر طبيباً لكي يقلع ضرسه، وكانوا في القديم يحتاجون إلى ذلك.
ولا يجوز للمسلم أن يقلع ضرسه إلا إذا وجد فيه الألم، ووجدت الحاجة الموجبة للقلع، ولا يجوز لأحد أن يقلع سناً لكبرها أو بشاعة منظرها كما في جراحة التجميل، ولذلك لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشرة والمستوشرة، (والوشر): فيه برد وتحجيم للأسنان، وهذا يدل على أن تغيير خلقة الله عز وجل لا يجوز.
وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (المغيرات خلق الله) فلا يجوز العبث بهذه الخلقة، مادام أن الله سبحانه وتعالى أوجدها على هذه الصفة، وشهد من فوق سبع سماوات أنه خلقه فأحسن خلقته تبارك الله أحسن الخالقين، فقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:4] فجعله على أحسن صورة وأتم صورة، فلذلك لا يجوز له أن يقلع أو يزيل شيئاً من البدن إلا عند وجود حاجة.
ومن هنا تفرعت مسألة عدم جواز (إزالة الِلوَز) بدون حاجة، وهي التي تسمى بالجراحة الوقائية؛ لأن الفقهاء نصوا على انفساخ عقد الإجارة في قلع الضرس إذا برأ الضرس، فدل على أنه لا يجوز أخذ شيء من البدن إلا عند وجود الحاجة الداعية لذلك، فقال العلماء في قلع الضرس: يشترط وجود الألم وعدم القدرة على احتماله، ولذلك تجد بعض الفقهاء يدقق ويقول: إذا صعب الألم ولم يمكن علاجه، أي لا يوجد علاج ولا دواء له جاز، أما إذا أمكن علاجه فلا، هذا بالنسبة لقلعه.
فلو قال له: اقلع هذا الضرس -وكان الضرس يؤلمه- فقد كانوا في القديم لا يتيسر لهم ما هو موجود الآن من الوسائل التي أنعم الله بها على عباده من تقدم الطب، وفتح الله على عباده من واسع رحمته وبره وفضله سبحانه وتعالى، وهو على كل شيء قدير، وكل ذلك ليشكروه ويحمدوه، ويعتقدوا اعتقاداً جازماً بعظيم فضله ومنته، وأن الأمر كله لله سبحانه وتعالى.
ففتح الله لهم هذه العلوم التي يستطيع الطبيب أن يعرف هل المصلحة بقاء هذا الضرس أو عدم بقائه، فالآن الوضع يختلف، صحيح أنهم في القديم قالوا: إذا برأ انفسخت الإجارة، لكن في زماننا لو كان الضرس فيه آفة في داخله، وهذه الآفة باقية، لكن الألم يذهب ويأتي، وتم العقد، فإنا نقول: ليس من حقه أن يفسخ؛ لأن العذر موجود، وإن كان ينفسخ في القديم؛ لعدم تمكنهم من الاطلاع على خفايا الضرس، وما فيه من أمراض اللثة ونحوها.
لكن في زماننا هذا لما تقدم الطب فإنه إذا وجدت العلة والآفة، وقرر الأطباء أن هذا النوع من الآفات والعلل لا علاج لها إلا الجراحة والاستئصال، واتفق مع المستشفى أو مع الطبيب على أنه يستأصل، ثم قال: ذهب الألم.
فقال: ما أريد.
فإنا نلزمه؛ لأن العلة موجودة، ونقول له: إذا امتنعت وجب عليك أن تدفع أجرة الطبيب.
وعلى هذا سنذكر مسألة تمكين الطبيب من نفسه؛ لأنه إذا مكن الطبيب المريض من نفسه ولم يأخذ منفعته؛ فإنه يلزم المريض بدفع الأجرة كاملة.
حكم عقد الإجارة بعد موت المتعاقدين أو أحدهما
وقوله: [لا بموت المتعاقدين أو أحدهما].
أي: لا تنفسخ الإجارة بموت المتعاقدين ولا بأحدهما، -يعني: إذا مات المؤجر والمستأجر-.
مثال: قال زيد لعمرو: أجرني دارك هذا الموسم شهرين بمائة ألف.
فقال: قبلت.
واتفقا وتم العقد بينهما، ثم مات المؤجر والمستأجر، نقول للورثة: كل وارث يقوم مقام مورثه، فيستفيدون من هذه العين إما بأنفسهم، أو يؤجرونها على الغير، والأصل في العقد شرعاً أنه تام لازم، فينزل منزلة مورثه في الاستحقاق.
هذا مذهب الجمهور، وخالف في هذه المسألة بعض الفقهاء رحمهم الله، والصحيح مذهب الجمهور أنها لا تنفسخ بالموت، لا بموتهما ولا بموت أحدهما، ما لم يكن ذلك موجباً لفوات المنفعة كما ذكرناه في المرتضع والرضيع.
حكم عقد الإجارة عند ضياع نفقة المستأجر
وقوله: [ولا بضياع نفقة المستأجر ونحوه].
خالف في هذه المسألة الحنفية رحمهم الله، فمثلاً: إذا استأجره من أجل أن يحج به في سيارته، ثم ضاعت منه النفقة، سقطت في الطريق وضاعت منه، فجاءه وقال له: النفقة ليست معي: فالحنفية يقولون: من حقه أن يفسخ.
والجمهور يقولون: ليس من حقه، فهذا بلاء أنزله الله على المستأجر، ليس له علاقة في العقد نفسه، فليس بمفوت لعين المنفعة ولا لذاتها ولا لما فيها من المصالح، والمستأجر قد مكنه من الإجارة، فحينئذٍ يلزم بدفع الأجرة وإتمام العقد على الصفة المعتبرة.
لكن هناك مسائل استثنى منها بعض الجمهور، منها: إذا فاتت المصلحة المقصودة، مثلاً: عندما تستأجر شخصاً لكي يذهب بك إلى الحج، ثم يتأخر عليك ولا يأتي إلا في زمان لا يمكن معه إدراك الحج، فإن الإجارة تنفسخ، مع أن المؤجر والمستأجر والعين موجودة، لكن أنت تريد منفعة مقصودة، فهذه أيضاً تلتحق بمسألتنا.
الأسئلة
نصيحة لطالب العلم بدراسة كل عقد على حدة
السؤال
أشكلت علي مسألة العقود أيها لازمة وأيها جائزة، فما هو الضابط في ذلك؟
الجواب
الحقيقة مسألة الضوابط ومسألة تقرير العلم لا ينبغي لطلاب العلم أن يشتغلوا بها كثيراً، فلابد أن تتعب وتحفظ وتدرس كل عقد على حدة، وأنت بنفسك تضع جدولاً لما درست وتعلمت، لأنه قد أقول لك اليوم -مثلاً- يترجح عندي أن عقد كذا لازم للطرفين ثم يترجح أمر آخر بعد ذلك، ليس هناك أفضل لطالب العلم من أن يضبط بنفسه.
وكان الوالد رحمة الله عليه يعتني كثيراً بعدم إعطاء الضوابط والقواعد، وإن كان سهلاً إعطاؤها، لكن يقول: أريدك أن تتعب، أريدك أن تدرس كل شيء على حدة.
فمثلاً: استيفاء القصاص، إذا قال له: استوفِ لي القصاص.
وأجره من أجل أن يستوفي القصاص ودفع له المال، كما كان يجري في القديم -ونحن ما جئنا إلى باب استيفاء القصاص، ولكن يمكن أن أعطيك إياه كمثال على أنه عقد جائز في أول الحال لازم في ثاني حال -مثلاً- ثم يتبين لي أنه لازم في أول حال.
فلذلك لذة العلم وحلاوته في التعب والنصب، فتدرس كل شيء على حدة، وتضع بقلمك شيئاً فهمته وشيئاً قرأته وشيئاً ضبطته، وعرفت ما ترتب على لزومه، وتأخذ كل شيء.
صحيح ممكن أن يكون هناك لازم ثم يكون هناك مستثنيات للجواز، أو جائز ومستثنيات للزوم، فهذا أمر يستفاد منه.
لكن يفضل لطالب العلم أن يتعب، وكان والدي رحمه الله كثيراً ما يعتني بهذه القضية، حتى من الغرائب أن المعجم المفهرس لألفاظ الحديث لم يدخل مكتبة الوالد رحمه الله حتى توفي؛ والسبب في هذا أنه: قال: إنه يعود طالب العلم الكسل.
ولا شك أننا نستفيد من المعجم وغيره وأنه يختصر وقتاً طويلاً، لكن يقول: تذهب وتفتح دواوين السنة، وتخرج الحديث، وتكتحل عينك بالسهر، ويُضنَى جسدك حتى تصل إلى الشيء، وتتعود من -كثرة التخريج والرجوع إلى معرفة النسخ- على معرفة طريقة الترتيب للأحاديث واختلاف الألفاظ واختلاف الرواة وتعدد الطرق، هذا هو الذي يكشف لطالب العلم ويجعل عنده ملكة قوية.
وذكروا عن بعض أهل العلم رحمهم الله أنه كان مولعاً بالكتب، وكان شغوفاً بجمعها، وكان في القديم يتعذر عليه نسخ الكتب؛ لأنهم كانوا يجدون مشقة كبيرة في ذلك، وكان هذا من العلماء المشهورين، وسافر ذات مرة وتعرض اللصوص للقافلة التي هو فيها، فأخذوا جميع ما في القافلة، فجلس يبكي على كتبه، وجاء على قائد الأعداء وقال له: كل ما تريد أعطيك وأعطني كتبي.
قال له: ماذا تريد بكتبك؟ يعني: لماذا أنت تعتني بهذه الكتب؟ قال: لأن هذه الكتب هي علمي وحصيلة عمري.
فقال له: علم تحمله وتخاف عليه ليس بعلم! بمعنى أنه يمكن لطفل أن يأتي ويشعل ناراً في الكتب فينتهي هذا العلم، فهو ليس بعلم، بل العلم ما حوته الصدور لا ما كتب على السطور، العلم هو علم الرجل في قلبه، فعندما يذهب بنفسه ويتعب، بخلاف ما إذا جاءه سهل ميسر من حصيلة غيره، فيقلد كلام غيره، وقد يقع السقط والتصحيف والتحريف، فالمطلوب من طالب العلم أن يكون على مرتبة من قوة الشخصية والعناية في البحث والتقصي والتعب، ولا شك أن هذا فيه عظيم الأجر والثواب، ثم تتربى كذلك في طالب العلم الملكة.
ثم لا يستعجل، لأنك عندما تدرس عقد الإجارة، وهل هو لازم أو غير لازم، وتدرس اللزوم في عقد الإجارة، وما يتفرع عن هذا اللزوم في عقد الإجارة، يصفو ذهنك وينحصر تركيزك على جزئية معينة ألممت بها وأدركت آثارها ومحاسن الشريعة في الإلزام بها، وذلك خير مما إذا جمعت لك خمسة عشر أو عشرين عقداً.
مثلاً: عندنا عقود لازمة للطرفين، وعندنا عقود لازمة لأحد الطرفين، وعندنا عقود جائزة للطرفين، وعندنا عقود جائزة في أول الأمر لازمة في آخر الأمر، وكلها عقود فيها خلافات وفيها أقوال، وهي لا تقل عن ثلاثين عقداً، وذكرها لك صعب جداً.
ولذلك: ينبغي لطالب العلم أن يدرس كل جزئية على حدة، ولا شك أنه أتم وأكمل، وكان بعض العلماء رحمهم الله يقول: دراسة قواعد الفقه وضوابط الفقه تكون بعد الانتهاء من متن الفقه؛ لأنك إذا انتهيت من المتن كاملاً تجمع الشتات الذي قرأته وتضع له ضوابط، لكن من البداية تأخذ هذه القواعد، فهذا يشتت طالب العلم كثيراً، ولا شك أنها قد تضر بمصالحه.
وأنا أطيل في هذه الجزئية لأنها منهجية، وكنت أنبه كثيراً على أن الأفضل أن يدرس طالب العلم كل عقد على حدة قبل العناية بالقواعد والضوابط، وخاصة إذا كان قد التزم الفقه على منهج أو على طريقة، فبإذن الله عز وجل يكون ذلك أفضل وأكمل.
ثم إذا قرأت كل عقد وأدركت وجه الفرق بين العقود، وأصبح عندك نوع من الفهم: لماذا أصبح جائزاً هنا ولازماً هنا، ولماذا لزم الطرفين هنا ولم يلزم هنا، ولماذا لزم أحد الطرفين دون الآخر؟ حتى تنجلي وتنقدح عندك الأسرار والعلل في التفريق بين هذه العقود.
ومن الفوائد التي ذكروها: أن العقود التي فيها غرر ومبنية على الغبن المحض -مثل: عقد الإجارة وعقد البيع- فالغالب لزومها، وأن العقود المتمحضة في الرفق والتي ليس فيها غبن الغالب جوازها، مثل الهبات والعطايا، ولكن العقود التي يكون فيها الغبن في حال والرفق في حال تكون لازمة في ثاني الحال لا في أول الحال، وقس على هذا اختصاراً.
لكن إذا درس كل عقد على حدة فلا شك أنه أضبط وأمكن.
ونسأل الله عز وجل أن يفتح علينا وعليكم فتوح من أراد وجهه وابتغى ما عنده، والله تعالى أعلم.
إلزام المؤجر بإقالة المستأجر
السؤال
إذا أقال المؤجر المستأجر، فهل له أن يعود في الإقالة؟! أم للمستأجر إلزامه بهذه الإقالة؟
الجواب
إذا أقاله فإنه ملزم بالإقالة، وليس من حقه الرجوع، ومن حق المستأجر أن يلزمه بما التزمه من الإقالة، وقد ارتفع لزوم العقد بهذه الإقالة.
الإقالة اختلف فيها في البيع فقط: هل هي فسخ أو بيع جديد، فترتب على هذا الخلاف في البيع فوائد، منها: هل يثبت فيها خيار المجلس؟ لأنك إذا قلت: إن الإقالة في البيع بيع جديد ثبت فيه خيار المجلس، فمن حقه الرجوع عند من يقول بخيار المجلس في البيع، وصورة ذلك: لو جاءه وقال: بعني هذه العمارة بمليون، فقال: بعتك.
وافترقا، ثم جاءه بعد شهر وقال له: أنا اشتريت منكم العمارة بمليون، فأقلني.
قال: أقلتك.
فما داما في المجلس فمن حقه أن يقول له: رجعت عن إقالتي في البيع.
هذا على أن الإقالة بيع مستأنف.
ويترتب عليها أيضاً: حكم الصرف، حينما يأتي إلى محل ذهب أو إلى أي محل، مثلاً: لو أنه اشترى سلعة بعشرة ريالات، ثم جاء وقال للبائع: أقلني هذا البيع.
فقال البائع: أقلتك، لكن بشرط أن أعطيك تسعة ريال -يعني: أنقص ريالاً من القيمة- فإن قلت: إنها بيع جديد فإنه يجوز؛ لأنها قد بيعت بيعاً ثانياً، ولا يكون من أكل أموال الناس بالباطل، وإن قلت: إنها فسخ.
فينبغي أن يرد العشرة كاملة.
وأيضاً: لو كان في النقود، فإنها تأخذ حكم الصرف، فينبغي أن تكون متساوية فيما يشترط فيه التساوي والتماثل، وأن تكون يداً بيد فيما يشترط فيه التقابض.
وعلى هذا: لو أنه جاء وقال له: أقلني.
فقال: قبلت.
قال: لكن ما عندي إلا التسعة، فأقلني وأرد لك التسعة.
لم يجز؛ لأنه عاوضه بتسعة عن عشرة، هذا في الفسخ، وفي البيع يجوز؛ لأنه بيع مستأنف، وقس على هذه من المسائل.
وأظن أن هذا تقدم معنا في البيع، وذكرنا هل الإقالة فسخ أو هل هي بيع.
أما بالنسبة للإجارة فالقول المشهور والذائع أنه ليس من حقه إذا قال له: أقلتك.
أن يرجع فيها، فقد رفع صفة اللزوم، وإذا ارتفعت صفة اللزوم فإنها لا تعود إلا بعقد جديد، وإذا قال له: سامحتك.
ثم رجع وقال: ما سامحتك.
فليس من حقه الرجوع، ويلزم بهذا، وينفسخ عقد الإجارة؛ لأنه أوجب فسخه فيلزم بقوله والله تعالى أعلم.
حكم منع المؤجر تسليم العين المؤجرة
السؤال
إذا امتنع المؤجر من تسليم العين المؤجرة فترة من العقد، وترتب على هذا التأخير ضرر على المستأجر كفوات سوق ونحوه، فهل يحق للمؤجر أن يلزمه بإتمام الإجارة باقي المدة، أم للمستأجر الحفظ؟
الجواب
هذه المسألة لها صور، كأن تكون استأجرت عيناً ما لمدة شهر مثلاً، ولكن أهم شيء في هذا الشهر الخمسة الأيام الأولى، وأنت رضيت بالخمسة والعشرين التابعة لأهمية هذه الخمس، فمثل هذه المسائل يرجع فيها للقاضي، والقاضي هو الذي ينظر ويقدر الضرر، ويقدر هل كان بإمكانه أن يعوض أو ليس بإمكانه.
فشخص -مثلاً- اتفق مع شخص في مكة ونقل أغراضه إلى جدة، وتحمل هذه المشقة، ولا يستطيع أن يجد بديلاً، فحينما يأتي بأغراضه فإنه يأتي بها دفعة واحدة ويتضرر، ففوات السوق وحصول الأضرار في إجارات المباني وإجارات الحيوانات والمركوبات والعقارات ونحوها كلها يرجع الأمر فيها للقضاء، فالقاضي هو الذي ينظر؛ لأن قطع الخصومات والنزاعات في القضاء مرده النظر في مثل هذه، ويعسر وضع قاعدة معينة في هذا، لكن من حيث الأصل: أنه إذا منعه لا يكون إلا بقدر ما منعه، وباقي المدة يكون على ملك المستأجر، ويلزم بدفع أجرته إذا انتفع بها، والله تعالى أعلم.
حكم هروب الدابة المستأجرة
السؤال
إن هربت الدابة المستأجرة فهل لصاحبها أن يدفع للمستأجر دابة مكانها؟
الجواب
إن هربت الدابة المستأجرة، وأقام المستأجر مثلها في المشي، ومثلها في القوة، ومثلها في التحمل فالإجارة ماضية، وإذا وجد البديل فإنه يلزم.
وفائدة هذه المسألة في القديم حيث كانت تقع عليها مسائل، فمثلاً: حينما يستأجرون من مكة إلى المدينة، وتحمل الدابة منتصف الطريق وتهرب في النصف الثاني، ففي هذه الحالة إذا هربت الدابة، وأردنا أن نقيم غيرها مقامها، فقد تكون أجرة غيرها عندما يقام في ذلك الموضع تساوي الأجرة كلها، فإذا قلنا: العقد باق.
فالضرر سيكون على صاحب الدابة، فتكون عليه مصيبتان: مصيبة فوات دابته، ومصيبة الإجارة الزائدة على أجرته التي فيها الأجرة، فلا بقيت له دابته ولا انتفع بماله، فهاتان مصيبتان.
وفي بعض الأحيان يكون العكس، مثلاً: لو أنه استأجر من موضعه فيمكن أن يستأجر بربع القيمة، ويكون قد قطع نصف المسافة، فيستأجر بربع القيمة فيزداد له الربع الزائد، فقد يقول المستأجر في هذه الحالة: انفسخ العقد، وأريد أن أستأجر بنفسي.
وذلك حتى يكسب الربع المضمون الذي هو الربح في النصف الباقي.
ولكن الأصل يقتضي بقاء العقد، والمركوبات يمكن تعويضها لا الراكب، إلا إذا وجد بديل عنه من وارث ونحوه، فالمركوب الذي يمكن تعويضه يوجب إتمام العقد على ما هو عليه، وهذا أصل مقرر عند العلماء، والله تعالى أعلم.
حكم نسيان (لبيك اللهم عمرة) عند الإحرام
السؤال
رجل عندما حاذى الميقات أحرم ولبى بالتلبية المعروفة، ولكنه لم يقل في أولها: لبيك اللهم عمرة.
مع أنه قصد بنيته العمرة، فما الحكم؟
الجواب
إحرامه صحيح، وتكفيه نيته وما انعقد عليه قلبه من نسك الحج أو العمرة، أو هما معاً إذا نوى القران، ولا يشترط تلفظه بذلك، ولكنه سنة نبوية ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء عن أكثر من خمس وعشرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أنس رضي الله عنه، الذي قال: (كنت تحت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم يمسني لعابها، أسمعه يقول: لبيك عمرة وحجة) ومنها حديث عمر رضي الله عنه وأرضاه في صحيح البخاري، وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أتاني الليلة آت من ربي وقال: أهلَّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة).
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما تعلمناه وعلمناه خالصاً لوجهه الكريم، وموجباً لرضوانه العظيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
شرح زاد المستقنع -
باب الإجارة [9]
ينفسخ عقد الإجارة بتلف العين المؤجرة أو بظهور عيب مؤثر فيها، فإن كان قد مضى على استئجارها مدة قبل تلفها أو ظهور عيب مؤثر فيها لزم المستأجر دفع أجرة تلك المدة، وأما إذا تلفت أو ظهر عيبها قبل البدء في الاستئجار فلا يلزمه دفع شيء.
أحكام انفساخ عقد الإجارة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وإن اكترى داراً فانهدمت، أو أرضاً لزرع فانقطع ماؤها أو غرقت انفسخت الإجارة في الباقي].
شرع المصنف رحمه الله في هذه الجملة في بيان ما يتعلق بالتزامات المؤجر، فإن الواجب على من أجر غيره أن يلتزم بتمكينه من المنفعة، وعقد الإجارة منصب على منفعة مطلوبة بالمعاوضة، فالمستأجر دفع المال لتحصيل هذه المنفعة، فالواجب على المؤجر أن يمكنه من هذه المنفعة، فإذا حصل العذر الطارئ الذي يمنع من استيفاء هذه المنفعة، ولا يتمكن المستأجر من أخذ حقه من العين المستأجرة؛ فإنه حينئذ ينفسخ عقد الإجارة.
تلف العين المؤجرة
فأنت -مثلاً- إذا استأجرت داراً من أجل أن تسكن فيها، فإنك إنما طلبت هذه الإجارة من أجل منفعة السكنى، فلو أن هذه الدار التي استأجرتها سقطت وانهدمت فإنه يتعذر ويمتنع عليك أن تستوفي حقك، وحينئذ فإن المنفعة التي هي محل العقد بين الطرفين قد فاتت بفوات العين؛ ولذلك ينفسخ عقد الإجارة، ويكون هذا -كما مثل المصنف رحمه الله- في العقارات، كدار استأجرها من أجل أن يسكنها فانهدمت، فإذا انهدمت الدار فلها حالتان: الحالة الأولى: أن تنهدم قبل استيفاء المنفعة، وحينئذ ينفسخ عقد الإجارة، حيث لا يمكن استيفاء المنفعة، ويجب على المؤجر أن يرد المال للمستأجر.
الحالة الثانية: أن يحصل العذر الطارئ بالانهدام عند بدء استيفاء المستأجر مدة ما من العقد، كأن يستأجر الدار سنة، وتنهدم الدار في الربع الأول أو في النصف الأول من السنة، أو بعد مضي ثلاثة أرباع السنة، ففي هذه الحالة: إذا انهدمت الدار وقد استوفى المستأجر شيئاً منها فإن الإجارة تتبعض بتبعض ذلك الشيء، فنقول للمؤجر: لك عند المستأجر أجرة المدة التي استوفاها، سواء بلغت نصف المدة أو كانت دونها أو زادت على ذلك.
وأما بالنسبة للمؤجر فنقول له -إن كان قد أخذ الأجرة مقدماً-: يجب عليك دفع الزائد على هذه المدة، وينفسخ العقد بينكما.
فلو استأجر الدار بعشرة آلاف لسنة كاملة، وانهدمت بعد نصف سنة من سكناه، فنقول للمستأجر: ادفع خمسة آلاف.
ونقول للمؤجر -إن كان قد أخذ العشرة آلاف-: رد للمستأجر الخمسة الآلاف التي أخذتها، وتملك نصف الأجرة التي دفعت إليك.
وقد مثل المصنف بمثالين: المثال الأول في الدور، والمثال الثاني في الأرضين والمزارع.
فإذا استأجرت الدار أو العمارة أو الشقة من أجل السكنى فلا إشكال، ويكون التمثيل بالانهدام.
وإذا استأجرت أرضه من أجل الزراعة، وكان في الأرض بئر، فغار ماؤها وانقطع، أو استأجرت أرضاً للزراعة فجاء سيل واجتاح هذه الأرض وأغرقها بحيث لا يمكن زراعتها، لأنها إذا غمرت بالماء تعذر زرعها إلا إذا انكشف وانحسر الماء عنها، فحينئذٍ إذا كانت الأرض معدة للزراعة فإنه لا يصح أن تعقد الإجارة عليها من أجل الزراعة إلا إذا كان الماء موجوداً فيها، وقد ذكرنا هذا، وذكرنا الدليل عليه، وقلنا: إن أي عقد للزراعة على أرض ينبغي أن يكون الماء موجوداً، فإذا اتفق الطرفان على أنه يستأجر منه هذه الأرض للزراعة سنة كاملة، ثم في منتصف السنة غار الماء وانقطع، فإنك لن تستطيع أن تحصل المنفعة التي من أجلها عاوضت بالإجارة على هذه الأرض، فمن الظلم أن تبقى على هذا العقد فيأخذ المال منك وأنت لا تأخذ حقك، فينفسخ عقد الإجارة في النصف الثاني من السنة، ويصحح عقد الإجارة في النصف الأول من السنة؛ لأن النصف الأول قد أخذت المنفعة تامة كاملة، والنصف الثاني قد حيل بينك وبين هذه المنفعة، فحق مالك الأرض أن يأخذ منك ما استوفيت، وحقك منه أن تأخذ منه ما لم تستطع استيفاءه، فينفسخ العقد في نصف السنة.
وإذا غار الماء بعد ذهاب ثلثي السنة فالحكم كذلك، تدفع أجرة الثلثين ويرد إليك أجرة الثلث.
إذاً: القاعدة: إذا امتنع استيفاء المنفعة وتعذر ذلك بسبب انهدام الدار أو غرق الأرض وانقطاع الماء عن الأرض فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون قبل استيفاء المستأجر ومضي شيء من العقد، فحينئذ ينفسخ العقد من أصله، وترد القيمة كاملة.
وإما أن يقع هذا وقد مضى شيء من المدة، فحينئذٍ نقول: تتبعض الإجارة؛ فيجب على المؤجر أن يرد من القيمة بقدر ما بقي من مدة الإجارة، سواء كان نصفاً أو أكثر على التفصيل الذي ذكرناه.
قوله: (فانقطع ماؤها)؛ لأن الماء هو الذي ينمو به الزرع، لكن لو أنه قال له: أريد أن أستأجر منك هذه الأرض لأزرعها، وإذا لم أزرعها فسأجعلها محلاً للدواب.
فحينئذٍ أعطاه أمرين، فلو فاتت مصلحة الزراعة بانقطاع الماء فإنه يكون من حقه أن يستوفي عن طريق جعلها محلاً لدوابه كما ذكر، ولا يكون هذا التفصيل إلا إذا تمحض العقد من أجل الزراعة، أما إذا لم يكن من أجل الزراعة فلا إشكال، وحينئذٍ ننظر: ففي بعض الأحيان لو أنه استأجر أرضاً من أجل أن تكون مستودعاً له، فجاء السيل وأغرقها، فهذا له نفس حكم انقطاع الماء، وهكذا لو أنه استأجر أرضاً لمصلحة، ثم إن هذه المصلحة تعذرت، فمثلاً: لو أنه استأجرها من أجل أن يضع فيها دوابه، فصارت أرضاً مسفعة تهلك الدواب، فلا يمكن أن ينتفع ويرتفق بها على الوجه المعتبر.
فالقاعدة والضابط ما ذكرناه، والمثال ما ذكره العلماء رحمهم الله من انهدام الدار وغرق الأرض، وهذه أمثلة، لكن المهم لطالب العلم أن يعرف قواعد المسائل، وقاعدة هذه المسألة: أن يتعذر الاستيفاء.
وهذا في القديم.
وفي زماننا: لو أنه استأجر سيارة بعينها على أن يركبها إلى موضع معين، ثم تلفت السيارة، وقد ذكرنا أن بعض العلماء يقول: إذا تعطلت العين وكانت معينة يفوت العقد بفوات المنفعة منها، فلا يمكن أن يقوم غيرها مقامها إذا عين، وقال له: بهذه السيارة.
وبعض العلماء يقول: إذا كان يمكن إيجاد مركوب بنفس الصفة فلا ينفسخ العقد، فنقول له: صحيح إن هذه السيارة قد تعطلت، يمكن أن ينفذ بقية العقد -الذي هو نصف المسافة- فنقول حينئذ: ائت بسيارة مثلها في الأوصاف، وأمض العقد وتمم.
على التفصيل الذي تقدم معنا في مسألة تلف العين المستأجرة.
وقوله: [انفسخت الإجارة في الباقي].
في الحقيقة أنه من دقة المصنف أن قال: (انفسخت الإجارة في الباقي)، وهذا فيه مسألتان: المسألة الأولى: أنه أعطاك حكم ما إذا وقع الخلل والعذر الطارئ أثناء المدة، فتفهم منه أنه إذا وقع قبل التنفيذ والاستيفاء فإنه يجب رد المال كاملاً، وهذا من أجمل ما يكون في المتون الفقهية، وبها يدرك فقه صاحب المتن وحسن اختصاره؛ لأن المتون تقوم على الاختصار، فبدل أن يقول: انفسخ العقد من أصله، ووجب رد القيمة كاملة في حال ما إذا كان العذر قبل التنفيذ وقبل استيفاء شيء من المنفعة، ويقول بعد ذلك: وأما إذا حصل ذلك أثناء المدة انفسخ العقد فيما بقي؛ جاء بالجملة الأخيرة منبهاً على حكم المسألتين، فعندك شيء مصرح به، وهو: أنه يجب رد ما بقي من القيمة، ونفهم من هذا أنه إذا لم ينتفع بشيء وجب رد القيمة كاملة؛ لأنه إذا وجب رد بقية القيمة لعدم التمكن من الاستيفاء فيما بقي من المدة وجب رد القيمة كاملة إذا لم يتمكن من الاستيفاء كلية، فهذا بالنسبة لحكم المسألتين.
والاختصار أن نقول: إن القاعدتين: إذا تعذر الاستيفاء من العين، أو من هذا الشيء الذي تقوم عليه المصلحة التي من أجلها استأجر المستأجر، فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون قبل أن يأخذ شيئاً من المنفعة، وإما أن يكون بعد أن أخذ شيئاً من المنفعة أو مضى شيء من المدة، ففي الحالة الأولى: ينفسخ العقد ويجب رد المال كاملاً، وفي الحالة الثانية: يدفع المستأجر على قدر ما استوفى من المنافع وحصله.
ظهور عيب في العين المؤجرة
قال رحمه الله: [وإن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب فله الفسخ، وعليه أجرة ما مضى].
هذا كله -كما ذكرنا- في التزامات المؤجر، فإذا اتفق معك على إجارة سيارة أو أرض أو دار، فإنه يجب عليه الشيء الذي التزم به بموجب العقد، ومنه: أنه يمكنك من العين حتى تستوفي، إذاً: لابد أن تكون العين موجودة ويمكن استيفاء المنفعة منها.
يبقى مسألة: إذا وجد في العين عيب، فهي لم تتلف، ولكن فيها عيب لا تستطيع أن تستوفي المنفعة بالشكل المطلوب، وانظروا إلى دقة العلماء -وقد نبهنا على ذلك غير مرة- أنهم يأتون بالمؤثر من كل وجه، أو يأتون بالمؤثر الأكبر، ثم بعد ذلك المؤثر الأصغر.
فكأن سائلاً سأل: قد علمنا إذا استأجر المستأجر داراً وانهدمت الدار فإنه لا يمكن الاستيفاء من كل وجه، لكن لو وجد في الدار عيب لا يمنع من استيفاء المنفعة، ولكنه يضر بمصلحة المستأجر في المنفعة، كتسرب الماء من السقف ونحوه، فما الحكم؟ فإذا نشأ هذا السؤال فيكون العيب على صور: أولاً: العيب: هو النقص، يقال: عاب فلان فلاناً إذا انتقصه، فأصل العيب: النقص.
وأما بالنسبة في اصطلاح العلماء إذا ذكروا العيب في البيع والإجارة ونحوها من عقود المعاوضات، فهو: كل شيء يؤثر في مالية العين أو المنفعة، أي: الشيء الذي ينقص من قيمة العين المبيعة، أو ينقص من قيمة العين المؤجرة والمنفعة التي عليها عقد الإجارة، فهذا يعتبر عيباً، أما إذا لم ينقص من القيمة ولم يؤثر في المالية فليس بعيب، ولذلك ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني ضابط عيب الإجارة: أنه ما أنقص المالية، فمثلاً: أجرك شقة بخمسة آلاف، وهذه الشقة التي استأجرتها مدة سنة بالخمسة الآلاف تستحق ذلك، ولكن إذا تشقق سقفها فإنها تؤجر بألف أو بخمسمائة، فأنقصت المالية -ربما في بعض الأحيان- ثلاثة أرباع القيمة، هذا بالنسبة للشقق، وفي القديم مثلوا لذلك بالدابة والظهر، كأن يستأجر ناقة من أجل أن يركب عليها، والناقة فيها عيب إذا مشت، أو جموحاً إذا ركب عليها الشخص ربما تسقطه، والإسقاط هذا قد يقتله، كما في الرجل الذي وقصته دابته وهو واقف بعرفة.
إذاً: هناك عيوب في العين المؤجرة، وبناء على ذلك قال العلماء رحمهم الله: إن كل شيء ينقص المالية وينقص من القيمة، فيعتبر عيباً مؤجراً.
أقسام العيوب في العين المؤجرة
وتنقسم العيوب بالنسبة للحيوانات والآدميين إلى قسمين: عيوب نفسية، وعيوب ذاتية، وهناك ما يسمى عيوب كمالات وعيوب نفسية، فمثلوا في القديم: كما لو استأجر رجل شخصاً مجنوناً، أو رجلاً شديد الغضب لا يستطيع أن يتفاهم معه، ولا يستطيع أن يحصل منفعته منه كما ينبغي، أو استأجر خادماً من أجل أن يخدمه فإذا به شديد الغضب، لا يستطيع أن يحصل مصالحه، كثير السخط وكثير التضجر، فهذا يؤذي الرجل ويجحف به وبأهله، وبالمصلحة، فهو كلما أراد أن يطلب المصلحة أو يريدها فإنه يعيقه عن طلبها وأخذها واستيفاء حقه من الرجل لسوء خلقه، فهذا عيب في النفس وفي الخُلُق.
وعيب الذات: كأن يكون به مرض في جسده، بحيث لو طلبت منه منفعة جاءك بالمنفعة متأخرة، أو جاءك بها ناقصة، فمثل هذا بدلاً من أن تستأجره بألف لوجود العيب فيه تكون أجرته خمسمائة ريال؛ لأن هذا عيب مؤثر؛ لأنه إذا ثبت عند أهل الخبرة أن هذه العين المؤجرة فيها مثل هذا العيب فلا يقولون: أجرتها عشرة آلاف؛ بل يقولون: أجرتها خمسة آلاف.
إذاً: كل شيء أثر في نفسه أو أثر في الذات فهو عيب، وأصبح تأثير النفس أو تأثير الذات ضابطاً تبني عليه نقص المالية، ومن هنا قال الفقهاء: العيب ما أنقص المالية.
ثم قسموا الذي أنقص المالية إذا كان في الحيوانات كالآدمي والبهائم إلى عيب ذات وعيب نفس، وعيب النفس في البهائم هو الجموح، فإذا كانت دابة وجاء يركب عليها فإنها تنفر ولا يستطيع أن ينتفع منها، وكذلك أيضاً قد تكون مؤذية مثل ما ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله، ومثل لذلك بالدابة العضوض -وهي الدابة التي تعض- وهو يريد أن يستوفي منفعتها، فإذا رآها عضوضاً خاف، وهذه طبيعة البشر، وقد يكون عنده من أطفال أو يكون هو بطبعه يخاف، فهذا ينقص المنفعة ولا يمكنه من الاستيفاء.
وبالنسبة للبيوت: ففيها عيوب ذات وعيوب نفس، والبيوت ليس لها نفوس، لكن مما ذكر العلماء: أن يكون البيت -والعياذ بالله- مسكوناً، وهذا أمر ثابت، وقد ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني وغيره من الأئمة: وجود السكن في البيت، فإذا وجد في البيت سكن وأذية من الجان صار عذراً، ويعتبر من العيوب النفسية؛ لأن ذات الدار كاملة، فلو جاء الرجل الذي أجر الدار يقول لك: ليس من حقك أن تفسخ عقد الإجارة، فقد أجرتك داراً بغرفها ومصالحها ومنافعها، فكونها مسكونة أو غير مسكونة هذا لا يعنيني.
تقول: لا، هذا عيب مؤكد، ويمنع الرجل من استيفاء المنفعة ويزعجه ويؤذيه، وقال بعض العلماء: حتى ولو كان الجار جار سوء وفيه أذية، وخاصة إذا كان على العرض، كأن يقول له: هذه الدار أؤجرك إياها والحي كله -مثلاً- فيه سكن من العزاب، فهذا يضر به إذا جاء بأهله، وكان ينبغي أن يقول له قبل الإجارة: إن هذا الحي أو جارك الذي يواجهك أو جارك الذي بجوارك أو من يسكن العمارة من العزاب، وعلى هذا فإنه إذا وجد ما يضر بمصلحة المستأجر ويضيق عليه فهو عيب.
كل هذه العيوب يقضي فيها القاضي، ويفتي فيها المفتي بمجرد عرض المسألة، فإذا عرضت المسألة وقال: استأجرت من فلان داراً يتسرب من سقفها الماء، أو استأجرت داراً سقفها يسقط منه التراب -ونحو ذلك كما في البيوت القديمة- أو استأجرت داراً تبين أنها مسكونة، وثبت ذلك وقامت البينة عليه؛ فإن القاضي يقضي بانفساخ عقد الإجارة، ويعطي المستأجر الخيار ويقول له: أنت بالخيار: إما أن تفسخ عقد الإجارة، وإما أن تمضي فيه وترضى بهذا العيب، أو تتفق مع الرجل على إنقاص القيمة بقدر وجود هذا العيب، وتمضي ذلك العقد كما اتفقتما عليه.
هناك عيوب هي في الحقيقة ليست مؤثرة في الأصل، لكنها مؤثرة في الشرط، ونحن قررنا أن العيب الذي يكون -مثلاً- في الدار في سكنها أو منافعها أنه يضر، يبقى
السؤال
لو قال قائل: إن في الدار ثقب يسير في الجدار، فهذا عيب لكنه ليس بعيب مؤثر.
وهكذا لو أنه وجد (ماسورة) تسرب الماء ويمكن إصلاحها، فنقول للمؤجر: أصلح (الماسورة) ويمضي العقد؛ لأن القاعدة تقول: (الإعمال أولى من الإهمال) ولذلك تفرع على هذه القاعدة القول: (إعمال الأصول بما أمكن) فإذا عقد إجارة بين طرفين فلا نتعرض للفسخ إلا بعيب مؤثر؛ لأن الأصل في الشرع عندنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1] فالله ألزم الطرفين وأوجب على المتعاقدين أن يتما صفقتهما بعقد الإجارة وغيره، وعلى هذا نقول: ليس من حق أحد أن يفسخ هذا العقد أو يعطي الخيار بفسخه للمستأجر إلا إذا كان العيب مؤثراً، والعيب هنا غير مؤثر.
وهكذا لو أنه جاء فوجد (بلاطة) -مثلاً من الأمثلة- اقتلعت في الدار، فقال: العلماء يقولون: العيب يوجب الفسخ، وهذا عيب، فافسخوا عقد الإيجار.
نقول: لا، هذا عيب يمكن تلافيه وتداركه، فليس كل عيب يوجب الفسخ، لكن هذه العيوب البسيطة قد توجب الخيار إذا كانت في الشرط مثل ما تقدم معنا في البيوع، فمثلاً: لو أن رجلاً استأجر داراً، وبعد أن تم العقد بين الطرفين وجد خللاً في أحد الأبواب، من حيث الأصل لا يعتبر هذا عيباً مؤثراً، فنقول له: أصلح هذا العيب.
وانتهى.
لكن لو قال له في بداية العقد: أشترط عليك: ألا يوجد أي عيب في الأبواب أو النوافذ.
فإن هذا يعتبر عيباً مستحقاً بالشرط، هو في الحقيقة عيب ليس بذاك المؤثر، لكنه لما اشترط عليه كأن العقد ترتب على وجود هذا الشرط، فلا نلزمه إلا إذا كان المعقود عليه ومحل العقد سالماً من العيب بالصفة التي اتفق عليها الطرفان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (المسلمون على شروطهم) فكأنه يقول: إني متفق معك وملتزم بما التزمت به بشرط: أن تكون هذه الدار أو هذه العين المؤجرة سالمة من العيوب.
فقال له الآخر: قبلت.
فمعنى ذلك: أنه إذا اشترط عليه وقبل، فإن في ذمة المؤجر أن يعطيه الخيار إذا ظهر هذا العيب، ولو أن العيب في الأصل لا يؤثر، ولو قال له: أستأجر منك هذه الدار بشرط: أن تجعل أبوابها بلون كذا وكذا، وما يبتدئ عقد الإجارة بيننا إلا وقد -مثلاً- أصلحت الأبواب، أو قد ضربت بلون معين، أو أن الدار تضرب بلون معين أو ترخم، فاتفقا على ذلك، فجاء وقت التنفيذ وجاء أمد الإجارة ولم يحدث شيء من ذلك، فنقول: للمستأجر الحق في فسخ عقد الإجارة.
في المواسم يأتي شخص يستأجر العمارة، فيقول له: أنا أستأجر منك هذه العمارة بمائة ألف شهر ذي الحجة.
قال: قبلت.
قال: لكن أشترط أنه ما يأتي يوم ثمانية وعشرين من ذي القعدة إلا وهي مفروشة ينوع كذا وكذا.
واشترط شيئاً معيناً، فجاء يوم ثمانية وعشرين وهي ليست بمكتملة أو فرشت كلها إلا القليل منها، فنقول للمستأجر: لك الخيار؛ لأنه التزم، والشريعة تحترم هذه العقود، وقد ترى هذا شيئاً يسيراً، لأنه لو أخلت الشريعة بشرط يسير فستخل بما هو أعظم، لأنه قد تقول -مثلاً-: إن الفراش سهل تدبيره، لكن قد يشترط عليه أموراً تكون بالملايين، ولذلك كما أن الشريعة تلزم باليسير من المال فإنها تلزم بالكثير من المال، فإذا التزم وقال: أنا ألتزم ألا يأتي يوم ثمانية وعشرين أو ألا يأتي بداية العقد إلا وقد هيأت هذه العمارة بالصفة الفلانية أو بالشكل الفلاني، وتم العقد، وجاء الوقت ولم يؤد ما التزم به، نقول للمستأجر: لك الخيار، وهذا عيب، لكنه عيب مستحق بالشرط.
فأصبح العيب عندنا على قسمين: عيب يستحق بالعقد، وعيب يستحق بالشرط، فالعيب الذي يستحق بالعقد: بعض الأحيان يخضع للعرف، فمثلاً: عندنا في العرف أن البيوت في داخل المدن تكون مؤثثة ومجهزة، وفيها منافع ما، فلو أنه أجر وقال له: أؤجرك عمارة في داخل البلد على صفة كذا وكذا، فجاء ولم يجد الكهرباء فيها، فقال له: أنا التزمت لك أن أؤجرك عمارة، لكن أنت ما اشترطت أن يكون فيها كهرباء، نقول: أبداً، (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً) وكما يقول بعض العلماء: كالمشروط لفظاً.
فإذاً: هو في الحقيقة لم يشترط، لكن نعتبر العرف دليلاً على الشرط، كأنك وعند سكوتك عن هذا الشرط تقول له: أستأجر منك عمارة في داخل المدينة على ما جرى عليه عرف أهل هذه المدينة، فأي إخلال يعده أهل ذلك العرف إخلالاً فإننا نعتبره موجباً للخيار، ونقول: هذا عيب، صحيح أنه لم يشترط ذلك صراحة، لكن سكوته ورده ذلك إلى العادة يدل على أنه قد رضي بما جرى به العرف في ذلك البلد والموضع.
ومنا هنا تفرع هذا المسألة في العيوب المستحقة بالأعراض على القاعدة المشهورة: (العادة محكمة).
ففي زماننا الكهرباء أو الماء، فلو قال له: أجرتك هذه (الفيلا) بعشرة آلاف مدة سنة كاملة من كذا إلى كذا، قال: اتفقنا، ثم تبين أنه لا ماء فيها، فننظر: إن كان الحي الذي فيه (الفيلا) يصل إليه الماء، نعرف أنه سكت المستأجر لأنه علم أو سأل أو غلب على ظنه أن هذا الموضع فيه ماء، فنقول: هذا عيب يوجب خيار المستأجر؛ لأن كلفة إحضار الماء مئونة ومشقة، حتى ولو كان قد التزم له أن يحضره عن طريق -مثلاً- السقاء، فذلك ليس كوجوده دائماً في البيت، فهذا يؤثر على مصالح المستأجر ويكون عيباً مؤثراً، لكنه عيب مستحق بالعرف، وليس مستحقاً بالشرط وصريح العقد.
وعلى هذا: فإن العيوب تعتبر موجبة للخيار، وفصلنا القول في أنواع العيب.
الأدلة على أن العيوب تثبت الخيار في فسخ عقد الإجارة
والأدلة على أن المستأجر يكون له الخيار إن وجد العيب ما يأتي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:188] وجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أنه إذا استأجر المستأجر عيناً تامةً كاملة، وأوجب الصفقة والعقد مع المؤجر على أنها تامة كاملة وأعطى القيمة، فقد رضي بإعطاء القيمة المتفق عليها على شيء تام، فإذا ظهر العين في المؤجرة العيب فإن العيب ينقص القيمة، فأصبح المال مأخوذاً بالباطل.
وتوضيح ذلك بمثال: لو أجره شقة أو عمارة تستحق في السنة عشرة آلاف على أنها تامة، فدفع له عشرة آلاف، وتبين أن بها عيباً ينقص قدر الألفين، فحينئذٍ تكون مستحقة في الأصل ثمانية آلاف، فتكون زيادة الألفين غير مستحقة بالعقل، فلو أننا لم نعط الخيار بالعيب لأكلت الألفين بالباطل، لأن قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:188] ومعنى (بالباطل) أي: بدون وجه حق، فالألفان التي أكلها المؤجر أكلها بدون وجه حق؛ لأنه ليس لها قيمة في العين المؤجرة، وليس لها مقابل في العين المؤجرة ومنافعها، وعلى هذا قال العلماء: إن وجود العيوب في البيوع والإجارات يكون مندرجاً تحت قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:188] لأن وجود العيب ينقص المالية، وإذا أنقص المالية فإن صاحب العقد الذي يملك العين سيأخذ المال كاملاً، والواقع أنه لايستحقه كاملاً، فإذا أعطيت الخيار للمستأجر فإنك أسقطت هذا الباطل؛ وقلت له: إن أحببت أن تمضي العقد وترضى به، فهذا لك.
قال: رضيت، فحينئذ رضي ببذل الألفين، وهذا محض الخيار منه، وإذا قال: لا أرضى.
رد المال إليه؛ فكان ذلك منعاً من أكل المال بالباطل.
أما الدليل الثاني: فهو الإجماع، وقد حكى هذا الإجماع غير واحد من العلماء، وحكاه الإمام ابن قدامة وابن المنذر رحمهم الله، حيث قال الإمام ابن قدامة: لا نعلم خلافاً أنه إذا وجد عيب في الشيء المكترى أنه يستحق المكتري الخيار بوجود ذلك العيب.
وأما بالنسبة للقياس والنظر الصحيح فإننا نقول: يستحق المستأجر الخيار بالعيب إذا كان موجوداً في العين المؤجرة كما يستحقه المشتري إذا وجد العيب في السلعة المشتراة؛ بجامع كون كل منهما عقد معاوضة، وتوضيح هذا القياس أن نقول: إنه يستحق المستأجر الخيار -خيار العيب- إذا ظهر العيب في العين المؤجرة، كما اتفقنا على أنه في البيع يستحق الخيار؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في البيع: (من اشترى شاة مصراة ثم أمسكها ثلاثاً فهو بالخيار -أي: إذا اكتشف أنها معيبة -إن شاء رضيها- أي: رضي بالعيب وأمضى العقد فلا إشكال- وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر) فقوله عليه الصلاة والسلام: (وإن سخطها ردها) دل على أن العيب يوجب الخيار في البيع، وقد تقدم معنا هذا وبيناه، وذكرنا الأدلة النقلية والعقلية عليه، فنحن نقول: كما اتفقنا في البيع على أن العيب يوجب الخيار، وكذلك في الإجارة العيب يوجب الخيار.
فلو سئلت عن الرابط بين الفرع والأصل تقول: العلة الرابطة أنه في البيع عقد معاوضة، والإجارة أيضاً عقد معاوضة، فكما أنه في البيع دفع المال لقاء السلعة فوجد العيب فاستحق الخيار، كذلك في الإجارة دفع المال لقاء المنفعة، فيكون له الخيار إن وجد العيب فيها.
وعلى هذا: يثبت خيار العيب في الإجارة، إن أحببت أن تختص بالقياس تقول: العيب مؤثر في الإجارة كالبيع؛ بجامع كون كل منهما عقد معاوضة، فالعيب موجب للخيار في الإجارة كالبيع.
وفي اعتبار الشريعة الإسلامية لخيار العيب في العين المؤجرة دليل على سماحة هذه الشريعة وكمالها وسمو منهجها، فإن الله عدل، وجعل هذه الشريعة الكاملة التامة قائمة على العدل، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:115] فمن عدله سبحانه أن جعل لهذه العقود ما يضبطها دون أن يتوصل أحد الطرفين إلى أذية الآخر والإضرار بحقه، فكما أنهما اتفقا على الكمال فإنه يجب الرد إذا ثبت النقص، فكما أن المؤجر يشتكي من المستأجر إذا أخل بعينه كذلك المستأجر يشتكي من العين المؤجرة إن ظهر العيب فيها، فالعدل قائم للطرفين، وكما أن هذا يأخذ حقه كاملاً فكذلك الآخر يجب أن يأخذ حقه كاملاً.
ظهور العيب بعد مضي فترة في الإجارة
قال رحمه الله: [وإن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب فله الفسخ، وعليه أجرة ما مضى].
(وإن وجد العين معيبة) هذا قبل العقد، وقبل استيفاء المنفعة، فمثلاً: إن اتفق معه بعد صلاة العصر على أن يستأجر منه عمارته الشهر القادم، وكان ذلك في اليوم التاسع والعشرين، وبعد أن اتفقا وجاء في ليلة العقد يريد أن ينظر في العمارة نظرة ثانية، وبعد أن رآها تبين له وجود العيب المؤثر، فنقول: ينفسخ العقد.
هذا إذا وجدها معيبة قبل الاستيفاء.
أما إذا وجدها معيبة بعد الاستيفاء، كأن يكون استأجر منه العمارة نصف شهر، وكان قد اتفق معه مدة سنة كاملة، أو استأجرها ومضى شهر كامل، ثم بعد مضي الشهر تبين أن العمارة فيها ضرر في تسليك الماء الموجود فيها، وهذا يضر بها، وربما سقطت وقتلت من بداخلها، فهذا العيب مؤثر، أو وجود النجاسة -أكرمكم الله- على سقفها في مواضع دورات المياه مثلاً، أو وجد السقف يتسرب بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة شهور كما لو جاء فصل المطر فتسرب السقف، فتبين أنها معيبة، فنقول له: الفسخ فيما بقي يكون له الخيار، ولكن يجب عليه أن يدفع قيمة ما مضى على التفصيل الذي ذكرناه.
الأسئلة
حكم المزروع عند انفساخ عقد الإجارة
السؤال
ذكرت أن الأرض إذا انقطع ماؤها انفسخت الإجارة، فهل ما غرسه المستأجر يدفع له المؤجر، أم له أن يقلع ما غرس؟
الجواب
يجب على المستأجر أن يقلع الغرس، فإذا غرس نخلاً قلعه إلى أرض ثانية، ويمكن للنخل إذا قلع من هذه الأرض أن يحيا في غيرها، والضمان على المستأجر لا على المؤجر؛ لأن هذا الغرس ربح للمستأجر فخسارته عليه؛ لأن الخراج بالضمان كما بينه عليه الصلاة والسلام بقوله: (الخراج بالضمان) وهذا بينا فيه إجماع العلماء أن الربح لمن يضمن الخسارة، كما أن ربح الزرع للمستأجر كذلك خسارة الزرع في الأمور الطارئة كالفيضانات والسيول إذا غطت الزرع كلها تعتبر من الإتلافات التي ليست في يد المؤجر ولا يملك دفعها، ومثل الإعصار إذا أحرق الزرع، والرياح العاتية إذا أفسدت المحصول، فكل هذا يضمنه صاحب الزرع ولا يضمنه صاحب الأرض؛ لأن هذا الزرع نماؤه وربحه لصاحبه، وكذلك أيضاً خسارته وفساده بالجوائح على من استأجر لا على من أجر، والله تعالى أعلم.
اشتراط المؤجر عدم ضمان وجود الماء
السؤال
من استأجر أرضاً لزراعتها، وكان قد اشترط عليه المؤجر أن البئر ينضب ماؤها في فترة انقطاع الأمطار، فوافق المستأجر، فهل شرط المؤجر معتبر؟
الجواب
هذه المسألة تحتاج إلى نظر؛ لأننا ذكرنا أن العلماء رحمهم الله -ومنهم الإمام النووي والإمام ابن قدامة وكذلك الماوردي رحمة الله على الجميع- نصوا على أن إجارة الأرض للزراعة شرطها وجود الماء، وبناءً على ذلك لو قال له: أؤجرك هذه الأرض للزراعة والماء غير مضمون وغير موجود صار من الغرر، حتى لو رضي المستأجر؛ فإن هذا العقد من العقود الفاسدة في الأصل.
إلا أن بعض العلماء قال: إذا كان الماء موجوداً في غالب السنة، ويمكنه أن يحصل منافع أخرى غير منفعة الزرع، فإذا اتفقا على ذلك فلا بأس، أما إذا كان غالب السنة لا يوجد الماء، ووجوده مخاطر به، وهو يريدها من أجل الزرع، مثل الأمر المحتمل المتردد، فهذا لا إشكال في عدم جوازه، والشرط باطل؛ لأن الشرط على هذا الوجه يتوصل به إلى تحليل الحرام؛ لأنه في هذه الحالة يريد المؤجر أن يأخذ مال المستأجر بدون حق.
فلو فرضنا أنه اشترط عليه أنه إذا نضب البئر لا دخل له في ذلك، فتم العقد فنضب البئر في اليوم الثاني من العقد، وقد استأجر منه ثلاث سنوات، وإجارة الأرضين للزراعة قد تكون في بعض الأحيان خمس سنوات، وتصور إذا قلنا بتصحيح هذا، وهو شرط يؤدي إلى أكل المال بالباطل، وصحة الشروط موقوف على كونها لا تعارض الشرع، ولا تفضي إلى أكل أموال الناس بالباطل، ولا يكون الشرط موجباً للغرر والإضرار، وهذا لا يتحقق في مثل هذا الشرط، فالشرط وجوده وعدمه على هذا الوجه سواء ولا يؤثر، ولا يعتبر المؤجر ولا المستأجر ملزماً بمثل هذه الشروط، والله تعالى أعلم.
حكم أجرة العامل إذا مرض
السؤال
من استأجر عاملاً فمرض وتغيب عن عمله بضعة أيام، فهل له أجرة من حيث الإمكان، أم له بعدد الأيام التي عملها؟
الجواب
من حيث الأصل إذا مرض العامل فإنك لست بملزم بدفع أجرته؛ لأن العقد والاتفاق بينك وبينه على أن يقوم بالمصلحة، وبناء على ذلك فمرضه على نفسه، ويتحمل مسئولية نفسه، هذا من حيث الأصل الشرعي، لكن لو أن صاحب العمل تسامح، أو جرى العرف بالمسامحة، وكان ذلك عن طيبة نفس من المالك الحقيقي، فإنه لا إشكال في هذا، وللمالك الحقيقي أن يفرق بين مرض وآخر.
أما إذا كان العامل قد أصابه المرض وتعطلت مصالح صاحب العمل، فلا إشكال أننا نقول لهذا العامل: أقم غيرك مقامك.
فيقيم غيره مقامه، وحينئذ يمضي العقد على ما اتفقا عليه، فإذا لم يقم غيره مقامه فإننا نقول لصاحب العمل: أقم غيره مقامه، ولك الحق أن تستوفي ذلك من الأجرة التي اتفق عليها، والله تعالى أعلم.