حكم الصلح على وجه يقع به الضرر
السؤال
ما حكم الصلح إذا كان فيه تمادٍ واستمرارٌ لصاحب الخطأ؟
الجواب
الصلح كما ذكرنا لا يكون على سبيل الظلم، فالظالم لا يصالح على ظلمه، إنما نتكلم على شيء محتمل أن يكون فيه مصيباً ومحتمل أن يكون خاطئاً، فيصالحه عليه، على التفصيل الذي ذكره الفقهاء فيما قد بيناه.
أما لو صالحه على وجه يكون فيه ضرر فلا؛ مثلاً: إذا وقعت خصومة بين اثنين وأحدهما معروف بالأذية والإضرار، فقد سبق وأن بينّا أنه ينبغي أن يُنصَف المظلوم من ظالمه وأن يقال للظالم: اتقِ الله، ولا تظلم فلاناً، ويبين الحق، فهذا واجب عليه؛ لأنه من باب النصيحة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: يا رسول الله! أنصره إذا كان مظلوماً فكيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: تكفه عن ظلمه، فذلك نصر له).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
شرح زاد المستقنع -
باب الحجر [1]
من أبواب الفقه المشهورة: باب الحجر، وهذا الباب متضمن لأسرار وحكم عظيمة، وهو من محاسن الشريعة التي تحفظ مصالح الأفراد والجماعات، وتحفظ الحقوق لأهلها، حتى ولو تطلب الأمر منع شخص من التصرف في ماله على تفصيل في أحكام المفلس.
تعريف الحجر ومشروعيته
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الحجر] الحجر في لغة العرب: المنع، يقال: حجره عن الشيء، إذا منعه وحال بينه وبين الوصول إليه، ولذلك سمي الحِجرُ حِجراً؛ لأنه يمنع الطائف بالبيت من الدخول إلى هذا الموضع الذي فيه جزء من البيت لا يصح الطواف إلا باستيعابه، وسمي العقل حجراً؛ لأنه يمنع صاحبه عن تعاطي الأمور التي لا تليق به كما قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر:5] أي: لذي عقل يمنعه ويحجره ويحول بينه وبين ما لا يليق به.
وأما في الاصطلاح: فهو منع نفوذ التصرف في الأموال؛ فالحجر في الشرع إذا أطلق فالمراد به الحجر في التصرفات المالية، بمعنى: أن من يُحكم عليه بالحجر لا ينفذ تصرفه في أمواله لا ببيع ولا بشراء ولا بهبة ولا بنحو ذلك من التصرفات، بل يكون عليه ولي ينظر الأصلح والأحظ في هذه المعاملات.
الدليل على مشروعية الحجر والحكمة منه
الأصل في مشروعية الحجر أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:5] فحرم الله عز وجل علينا تمكين السفهاء من الأموال؛ لأنهم لا يحسنون التصرف فيها، وإذا تصرف السفهاء في أموالهم بذَّروا وأسرفوا، وعندها تضيع الأموال وتحصل الخصومات والنزاعات بسبب البيوع التي لا تكون على السنن، ومن هنا حكمت الشريعة بالحجر.
والناس في التصرف في المال على قسمين: - قسم منهم رزقه الله حسن النظر وحسن التصرف، فإذا أعطاه الله المال اتقى الله في المال، فأحسن التصرف فيه من جانبين: الجانب الأول: من ناحية الدين: فيحفظ المال عن حرمات الله أن ينفقه في معاصي الله، وكذلك ينفق المال في طاعة الله، فهذا رشيد في دينه، فالرشد في المال من ناحية الدين أن يحفظه عن محارم الله عز وجل، وأن ينفقه في وجوه الخير التي ترضي الله عز وجل.
وأما رشد الدنيا: فإنه يكون رشيداً في ماله من ناحية دنيوية إذا أحسن النظر، فأحسن الأخذ لنفسه والإعطاء لغيره، فيشتري الأشياء بقيمتها التي تستحقها، ويبيع الأشياء بقيمتها التي تستحقها ولا يغبن.
وكذلك أيضاً من الإحسان في التصرف في الدنيا ألا يسرف في المباحات، وإنما يسعى في مصلحة ماله بحفظه وتنميته ورعايته وصيانته، ويكون بذلك على السنن.
هذا بالنسبة لرشد الدين والدنيا، فهذا النوع من الناس أموالهم محفوظة ولهم الحق في النظر في أموالهم؛ لأن من ملك مالاً ملكاً شرعياً فهو أحق بالتصرف فيه، ولا يحال بينه وبين التصرف فيه بالأصلح.
أما القسم الثاني من الناس: فهم الذين لا يحسنون التصرف في أموالهم، وهؤلاء يكون سبب عجزهم عن حسن التصرف إما الصغر أو ضعف العقل كالمجنون أو السفيه الذي لا يحسن التصرف في ماله، فهؤلاء شرع الله عز وجل أن يحجر عليهم، بمعنى: ألا نمكنهم من التصرف في أموالهم.
وإذا حُجر عليهم يقام عليهم شخص ينظر في مصالحهم، فالأيتام إذا توفي والدهم وترك لهم أموالاً؛ فإن هذه الأموال لو مكنا الأيتام منها لأضاعوها، فصغير السن ربما جاءه شخص وبكى عنده واستعطفه فأعطاه جميع ماله، ولربما جاءه شخص وأثنى على سلعة ما ورغبه في شرائها فأعطاه ما لا يعطى في تلك السلعة، فليس عنده من العقل والإدراك وحسن النظر ما يمكنه من وضع المال في موضعه.
فشرع الله أن يمنع هؤلاء من التصرف، والتصرف يكون بالقول كقوله: بعت واشتريت ووهبت وتصدقت ونحو ذلك، وهذا كله لا ينفذ، من ناحية القول ومن ناحية الفعل، كأن يعطي بيده لأحد، فدلالة الفعل هذه تنزل منزلة دلالة القول كما بينّا في البيوع في بيع المعاطاة.
وأياً ما كان فالذي يهمنا أن الناس على قسمين: - قسم منهم يحسن النظر في أمواله.
- وقسم منهم لا يحسن النظر في أمواله.
والشريعة الإسلامية أعطت كل ذي حق حقه، فمن رزقه الله حسن النظر في ماله يقوم على ماله، وهو أحق به كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) فجعل حرمة مال الإنسان كحرمة دمه.
وأما القسم الذي لا يحسن النظر فيه فالمصلحة تقتضي الحجر عليه.
وقد يسأل سائل أو ترد شبهة عليك ويقول: إن الشريعة شريعة يسر ورحمة، وفي الحجر على الناس تضييق وحرج، فإما أن تكون شريعتكم شريعة عسر وليست بشريعة رحمة -حاشاها- وإما أن يكون الحجر غير مشروع، فهو يلزمك بهذه الشبهة، ويقول: أنتم تقولون: إن شريعتكم شريعة يسر ورحمة -وهذا صحيح- ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:107]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:185] لكن الحجر فيه تضييق وعسر، ومنع لليد أن تطلق وأن تتصرف في مالها.
والجواب أن يقال: إن الشريعة كما ذكرتم شريعة يسر ورحمة، ومن اليسر والرحمة الحجر على الناس؛ لأن الصغير إذا مكن من ماله وهو صغير؛ أتلف المال وندم عند كبره، فيتعذب بفوات ماله وضياع إرث أبيه عليه، فرحمةً به يحفظ ماله.
والمجنون لو مكن من البيع والشراء والأخذ والعطاء في ماله لأتلف المال وأفسده، فمن الرحمة أن يحجر عليه.
إذاً أولاً نقول: لا نسلم أن الحجر تضييق بل إنه رحمة؛ لأنه يحفظ الأموال، فهو رحمة من جهة حفظ المال.
الوجه الثاني: لو سلمنا -فرضاً- أن الحجر فيه تضييق وحرج، فإن الحرج بإطلاق أيدي السفهاء ومن لا يحسن النظر في ماله أعظم من الحجر عليه، والشريعة ترتكب أخف الضررين.
فنسلم لهم ونقول: نعم، إن الحجر فيه تضييق وفيه مشقة على الناس، وأشق من ذلك أن يمكن من لا يحسن النظر في ماله أن يتصرف في المال فمفسدة ذلك أكثر.
وتوضيح ذلك: أنه لو أطلقت يد من لا يحسن التصرف في ماله لحدثت النزاعات بين الناس؛ فالصبي يذهب ويشتري ويبيع، فيأتي وليه وينازع من اشترى أو ابتاع منه، وعندها تحدث بين الناس الخصومات والنزاعات، فالحرج بإطلاق أيدي هؤلاء أعظم من الحرج بالحجر عليهم، والشريعة ترتكب أخف الضررين، هذا بالنسبة لمشروعية الحجر.
أسباب ودواعي الحجر
الحجر له سببان: السبب الأول: أن تحجر على الإنسان لمصلحة نفسه.
والسبب الثاني: أن تحجر عليه لمصلحة غيره.
فالحجر على الإنسان لمصلحة نفسه: يشمل اليتيم والمجنون والسفيه، فإن كلاً من اليتيم والمجنون والسفيه إذا منعته من التصرف في ماله فصار لا يبيع ولا يشتري إلا عن طريق وليه الذي ينظر فيه، فإنما قصدت حفظ ماله عليه، فالمصلحة عائدة إليه.
وهناك نوع ثانٍ من المحجور عليهم: وهم الذين يحجر عليهم لمصلحة غيرهم، وهذا يشمل أنواعاً منهم: المفلس: وهو الشخص الذي تكون ديونه أكثر من رأس ماله، كرجل عليه دين مليونان، ورأس ماله في تجارته نصف مليون أو مليون أو مليون ونصف، فمثل هذا إذا طلب غرماؤه أن يحُجر عليه -وكان الدين حالاً- حجر عليه، فيحجر عليه في التصرف في ماله، ويبيعه الحاكم في دينه، فمثل هذا المفلس حجرنا عليه ومنعناه من التصرف في ماله لمصلحة الغرماء أصحاب الديون وهم أصحاب الحقوق.
النوع الثاني ممن يحجر عليه لمصلحة غيره: مثل المريض مرض الموت، فإن الإنسان إذا مرض مرض الموت أحل الله له أن يتبرع في حدود الثلث من ماله، والزائد عن الثلث يستأذن فيه الورثة، فلا يحق له أن يتصرف في الثلثين الباقيين بالصدقة والهبة والعطية إلا بإذن ورثته؛ لأن سعداً -رضي الله عنه وأرضاه- قال: (يا رسول الله! إني كما ترى -يعني: أرى أن المرض قد اشتد بي- وليس لي وارث إلا ابنة -يعني: بنتاً- أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا.
قال: أفأوصي بنصفه؟ قال: لا.
قال: أفبثلثه؟ قال: الثلث والثلث كثير)، فأحل له أن يتصدق ويوصي بثلث المال، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم) أي: إن المسلم عند حضور الأجل وفي مرض الموت يتصرف في ماله في حدوث الثلث.
والسبب في هذا: أن الرجل لو حضرته المنية وأطلق له التصرف في المال لربما انتقم من ورثته، وربما تصدق بجميع ماله؛ فترك الورثة فقراء، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس).
لأنك إذا تركت المال لهم وقصدت بذلك حفظهم عن الحرام، وقصدت بذلك القيام بحقوقهم عليك؛ فإن الله يأجرك على ذلك، وتكون صدقة منك على ولدك، وإعطاء الصدقة للقريب أفضل من إعطائها للغريب.
وعلى هذا: يحجر على المريض مرض الموت أن يتصرف في ماله، وإنما يسمح له في حدود الثلث، والحجر يكون في الثلثين الزائدين، قال الناظم: وزوجة في غير ثلث تعترض كذا مريض مات في ذاك المرض وهذا على مذهب المالكية من أن الزوجة تعترض في الزائد من تصرفه عن الثلث.
وأما بالنسبة للنوع الثالث ممن يحجر عليه لمصلحة الغير: العبد المملوك، فإنه بحكم الرق المضروب عليه بناءً على الكفر حُجر عليه التصرف في ماله وأصبح المال ملكاً لسيده؛ لأن حديث ابن عمر الذي تقدمت الإشارة إليه غير مرة أخلى يده عن الملكية.
فهذا يُحجر عليه لمصلحة سيده، والخلاصة: أنه إما أن يحجر على الشخص لمصلحة نفسه أو يحجر عليه لمصلحة غيره.
ولا شك أن منع السفهاء من التصرف في مالهم له عواقب حميدة على المجتمع، فإن الأموال إذا حفظت عن الإهدار والإسراف؛ فإن ذلك يعود بالخير على الناس أفراداً وجماعات.
أحكام المفلس
حكم الرجل المعسر إذا لم يقدر على وفاء دينه
قال رحمه الله تعالى: [ومن لم يقدر على وفاء شيء من دينه لم يطالب به].
الرجل المعسر الذي ليس عنده مال يسدد به ديونه لا نطالبه أن يسدد؛ لأننا لو حكمنا بمطالبته وبوجوب أن يسدد كلفناه ما لا يطيق وليس عنده مال، كرجل صاحب عائلة أخذ مالاً من صاحب بقالة في إطعام أولاده، وافتقر وأصبح مديوناً لصاحب البقالة بألفٍ -مثلاً- فجاء صاحب البقالة وقال: أعطني مالي.
فقال: ما عندي.
فرفعه إلى القاضي، فنظر القاضي، فإذا به معسر وليس عنده ما يسدد به صاحب الدين، إذا ثبت هذا؛ فإن القاضي يقول لصاحب الدين: أنظر أخاك إلى يسر ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:280] فأمرنا الله عز وجل أن ننظر المعسر.
ومن أحب القربات وأعظمها عند الله ثواباً وأحسنها عاقبة ومآلاً، وصاحبه في صلاح حال في دينه ودنياه وآخرته: أن ييسر على المعسر، ويغفر له، فيتجاوز عن دينه أو يخفف عنه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم فضّل هذا العمل وأخبر أن الله عز وجل ييسر على صاحبه فقال: (ومن يسر على معسر؛ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) وقال: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، فمثل هذا لا يضغط عليه ولا يطالب بما ليس في يده.
قوله: (وحرم حبسه) لأنه شيء ليس بيده، وهو ليس برجل مماطل عنده قدرة، أما لو كان رجلاً عنده قدرة؛ فإن القاضي يحبسه، ويقول له: سدد الناس، فإن امتنع من السداد باع من ماله ما يسدد به دينه.
حكم المفلس إذا كان ماله قدر دينه أو أكثر
قال رحمه الله: [ومن ماله قدر دينه أو أكثر لم يحجر عليه] هناك صور للمديونين: الصورة الأولى: أن يكون دينه أقل من ماله.
الصورة الثانية: أن يكون دينه مساوياً لماله.
الصورة الثالثة: أن يكون دينه أكثر من ماله.
هذه ثلاث صور.
أن يكون دينه أكثر من ماله: كرجل عليه دين مائة ألف، والأموال التي عنده من بيت وسيارة وأمور أخرى زائدة عن حاجته الأصلية تقدر بخمسين ألفاً، فهذا دينه أكثر من ماله.
وأما من كان عليه دين مائة ألف، وعنده مال بمائتين أو ثلاثمائة ألف، فماله أكثر من دينه.
ومن ساوى دينه ماله، كرجل عليه دين مائة ألف، وماله الذي عنده يساوي مائة ألف، هذه ثلاث صور.
فأما الذي دينه أقل من ماله؛ فهذا لا يحجر عليه، بل يطالبه القاضي بالسداد بشرطين: الشرط الأول: مماطلته وامتناعه.
والشرط الثاني: شكوى الغرماء.
فالشخص الذي عليه دين أقل من ماله، بمعنى: أنه قادر على السداد، وامتنع عن السداد، واشتكي إلى القاضي، فإن القاضي يطالبه بالسداد ويفرضه عليه إذا كان الدين حالاً وطالب الغرماء.
كرجل أمهل رجلاً إلى نهاية شهر صفر وكان له عليه عشرة آلاف، فلما انتهى شهر صفر كان عنده عشرون ألفاً، فقال: يا فلان! سددني، قال: ما أسددك، انتظر ليس عندي شيء، فهو إما أن يكذب -والعياذ بالله- فيقول: ليس عندي شيء وهو عنده، أو يقول: انتظر وهو قادر على السداد، فلما ماطل رفعه إلى القاضي، فلما اشتكاه إلى القاضي استدعاه القاضي، وتبين أن أجل الدين قد حل -لأنه لو لم يحل أجل الدين كأن يكون إلى نهاية السنة فليس من حقه أن يطالبه، وليس من حق القاضي أن يلزمه بالسداد قبل الأجل- فإذا حل الأجل واشتكى صاحب الدين؛ خيره القاضي بين أمرين: إما أن يسدد، وإما أن يبيع من ماله ما يسدد به أصحاب الدين.
وبعض العلماء يقول: يحبسه ويسجنه حتى يسدد للناس حقوقهم.
قوله: (لم يحجر عليه وأمر بوفائه) هذا إذا كان دينه أقل من ماله (لم يحجر عليه)، يعني: لم يمنع من التصرف في أمواله، ويترك في تجارته وبيعه وشرائه كما هو، ولكن يأمره القاضي بالسداد بالتي هي أحسن، فإن سدد فالحمد لله، وإذا لم يسدد؛ وعظه وزجره وذكره بالله، فإذا طالب الغرماء حبسه حتى يسدد للناس حقوقهم، والدليل على ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: (مطل الغني ظلم يبيح لومه) فدل على أن من منع الناس حقوقهم وهو قادر على السداد، وسأله الناس حقوقهم ولم يعطهم إياها؛ فإنه يعتبر ظالماً، والمظلوم ينصر من ظالمه، والقضاء جعل لنصرة المظلوم من ظالمه.
قال رحمه الله: [فإن أبى حبس بطلب ربه].
إذاً الشرط الأول: أن يكون الدين قد حل.
والشرط الثاني: أن يكون عنده السداد.
والشرط الثالث: أن يطلب أو يشتكي أصحاب الدين.
قال رحمه الله: [فإن أصر ولم يبع ماله؛ باعه الحاكم وقضاه] قلنا: إن سدد فلا إشكال، وإن امتنع من السداد دعاه القاضي وسأله أن يسدد، وذكره بالله، فإن امتنع سجنه، فإن سجنه يوماً ويومين وثلاثة فتضرر أصحاب الحقوق، فإنه يقول له: إذا لم تبادر بسدادهم، سأبيع من مالك ما أسدد به دينك، فلم يبق إلا هذا يلزم به ويكره عليه، ويؤخذ من ماله قهراً، وهذا بيع بالإكراه، لكنه بيع بإكراه بحق، وقد بينّا أن الإكراه إذا كان بحق سرت عليه الأحكام الشرعية ولا يعتبر إكراهاً موجباً لرفع الحكم.
وعلى هذا: فإنه إذا امتنع وأصر بعد سجنه ومنعه، فما على الحاكم إلا أن يقوم ببيع ماله على قدر السداد، فمثلاً: لو كان عنده سيارة قيمتها عشرة آلاف ريال، وعنده عمارة قيمتها -مثلاً- مليون، ودينه عشرة آلاف ريال، فلا ينصرف إلى العمارة ويبيعها عليه، وإنما يبيع سيارته التي تفي بسداد دينه.
وينبغي للقاضي عند حكمه بالبيع ألا يضر بالمدين، بل يؤدي لصاحب الدين دينه، ولا يضر بالمدين كما قال تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:279] وما شرع لحاجة فإنه يقدر بقدرها، فإذا كان الدين بعشرة آلاف ريال فإننا لا نبيع من ماله إلا بحدود عشرة آلاف ريال، والقاعدة الشرعية تقول: (ما جاز لضرورة وحاجة يقدر بقدرها) فلا يباع إلا بقدر الدين.
قال رحمه الله: [ولا يطالب بمؤجل] هذا من الشروط التي ذكرناها، بمعنى: أنه لو رفعه إلى القاضي واشتكاه، فأول ما ينظر إليه القاضي هل له عليه ديناً فعلاً، فإذا ثبت وأقر أن له عليه ديناً؛ يسأله: هل حل أجل الدين أو لا؟ فإن قال: حل أجل الدين، جرت الأحكام التي ذكرناها، وإن قال: الدين إلى نهاية السنة؛ فإنه يقول لصاحب الدين: اذهب ولا تطالبه إلا في نهاية السنة؛ لأن الذي بينك وبينه من العقد والشرط أن تؤجله، ولا يجوز لك أن تعاجله وتأمره بالتعجيل وقد رضيت بالتأجيل.
فلا يطالب المدين بتعجيل الدين ما دام أن الدين مؤجل إلا إذا رضي بطيبة نفس منه.
حكم المفلس الذي لا يفي ماله بما عليه حالا
ً
قال رحمه الله: [ومن ماله لا يفي بما عليه حالاً؛ وجب الحجر عليه بسؤال غرمائه أو بعضهم].
قوله: (ومن ماله لا يفي بما عليه حالاً) هذا النوع من الناس -كما ذكرنا- يدخل في الصورة الثالثة، حيث يكون ماله أقل من دينه، وقوله: (لا يفي بما عليه حالاً) أخرج ما لو إذا كان مآلاً.
وإذا كان الدين أكثر من المال ففيه تفصيل: - إما أن يكون الدين حالاً.
- وإما أن يكون مؤجلاً.
إن كان حالاً فهذا الذي نبحثه، وإن كان مؤجلاً فلا نحجر عليه، ونتركه حتى يأتي الأجل.
إذاً الصورة الثالثة: أن يكون الدين أكثر من المال، ومثاله: رجل عليه دين مليونان، وماله الذي عنده يساوي مليوناً؛ فحينئذٍ نقول: هل الدين الذي عليه حال أو مؤجل؟ إن قالوا: كله مؤجل، نقول: انتظروا إلى الأجل، وإن قالوا: بعضه معجل وبعضه مؤجل؛ نظرنا في المعجل، فإن كان أقل -مثلاً- لو قلنا: عليه مليونان والذي عنده مليون؛ فقالوا: بعض المليونين معجل وبعضها مؤجل، فما الحكم؟ ننظر في المعجل، إن كان المعجل أكثر من المليون حينئذٍ يأتي الحكم بالحجر، وإن كان المعجل أقل من المليون لم يحجر عليه وإنما يطالب بالسداد في حدود المعجل، ويكون حكمه حكم الأول؛ لأن المعجل دخل تحت القسم الأول.
وتوضيح ذلك أكثر: أن في الصورة الثالثة يكون الدين أكثر من المال، ومثاله: شخص عليه ألفان وعنده مائة، أو عليه عشرة آلاف وعنده خمسة آلاف ونحو ذلك، فنقول: إذا كان الدين أكثر من رأس ماله، نظرنا: إما أن يكون الدين معجلاً، فقد حل الدين وطولب به، وإما أن يكون مؤجلاً لم يحل، فإن كان الدين كله لم يحل فلا إشكال، وإن كان الدين كله قد حل حُجر عليه، وإن كان بعضه قد حل وبعضه لم يحل؛ فحينئذٍ ننظر في الذي حل، فإن كان أقل من المال؛ اندرج تحت الصورة الأولى، ونقول له: سدد هؤلاء الذين وجب عليك وفاؤهم الآن.
ملاحظة: بعض الإخوان يقول: لا تمثل بمئات الألف والمليون، وإنما مثل بالقليل حتى نفهم، لكن الواقع أن المليون والكثير يجذب الانتباه أكثر، ويكون الضبط به أكثر، حتى كان بعض مشايخنا يمثل به ويقول: لو أن سارقاً سمعنا؛ لهجم علينا ولم يجد إلا أوراقاً وكتباً.
فالمقصود أننا لو قلنا: إن عليه ديناً مقداره مائتان وعنده مائة ريال، أي: أن الدين أكثر من رأس المال، فنقول: هذه المائتان إذا كانت مؤجلة إلى نهاية السنة فليس من حقهم أن يطالبوه؛ لأن القاعدة أنه ليس من حق صاحب الدين أن يطالب المديون قبل الأجل؛ لأنهما اتفقا، والمسلمون على شروطهم.
وإن كان الدين كله قد حل، مثلاً: رجل جاء يشتكي في القضاء ويقول: فلان لي عليه مائتان، وقد اتفقنا على أن يعطيني إياها في نهاية صفر، وإلى الآن لم يعطني، فهنا قد حل الدين وهو أكثر من المال وقد طالب الغريم به، فإن هذا يحجر عليه؛ لأنه استوفى الشروط، لكن إن كان البعض قد حل والبعض لم يحل، كرجل عليه مائتان، مائة منها قد حلت في صفر، ومائة منها تحل في نهاية العام، فتصبح المائة الحالة هي الدين في المال.
فإن كان الدين قابل المال أو كان أقل من المال طولب بالسداد، فيسري عليه حكم الحالة الأولى ونقول له: سدد، فإذا قال: ما أسدد.
صار مطل غني، فيحبسه القاضي، فإن أصر يبيع عليه.
وهذا نفس الترتيب الأول في المائة المعجلة والتي قد حلت.
أما المائة التي لم تحل بعد فإنه يمكن في نهاية السنة أن يصيبه غنى، ونحن لا نبحث إلا في الحاضر الذي فيه حق المطالبة، فإذا حل الأجل وكان الدين أكثر من المال، وطالب أولياؤه الحجر عليه حُجر عليه، وهذا هو النوع الأول ممن يحجر عليه وهم المفلسون، والمصنف -رحمه الله- لما جاء في باب الحجر قدم الذين يحجر عليهم لحق غيرهم على الذين يحجر عليهم لحق أنفسهم، وحينئذٍ يرد
السؤال
المعروف أن الكلام عن الحجر على السفيه واليتيم ألصق بباب الحجر، وبعض الفقهاء يقدم الكلام في الحجر على الأيتام والصغار على الحجر على المفلسين، ولكن لماذا قدم الحجر على المفلس على الحجر على الأيتام والسفهاء والصبيان ونحوهم؟ و
الجواب
أن الباب الذي تقدم هو باب الصلح، وهو يقع في المنازعات، والحجر في المنازعات، وإذا وقع فإنه يقع بين الغرماء وأصحاب الدين، ولذلك ناسب بعد نهاية باب الصلح أن يذكر مسائل اختلاف الغرماء مع أصحاب الديون، وعلى هذا يقدم الكلام عن المفلس من هذا الوجه.
وقوله رحمه الله: (ومن ماله لا يفي بما عليه حالاً) هذا واضح بسؤال الغرماء، وقد ذكرنا التفصيل فيما إذا كان الدين أكثر من المال، وإذا كان المال أكثر من الدين، والسؤال: إذا كان المال مثل الدين، فهل نعطيه حكم الحالة الأولى أو الحالة الثانية؟ الخلاف بين العلماء -رحمهم الله- حاصل هنا، فبعض العلماء يقول: من كانت ديونه تساوي رأس ماله؛ فإنه يطالب بالسداد ويأمره القاضي بالسداد وتسري عليه أحكام الحالة الأولى ولا يحجر عليه، وبعض العلماء يقول: إذا ساوى الدين رأس المال فإنه يحجر عليه، وهذا ما درج عليه المصنف.
لكن ما فائدة الخلاف؟ فائدة الخلاف: لو أن صاحب شركة -مثلاً- رأس ماله فيها مليون ريال، وعليه ديون تساوي مليون ريال، فإذا قلنا: نحجر عليه، فحينئذٍ في هذه الحالة تجمد الشركة وتعطل مصالحه من أجل سداد الدين، وتباع الشركة سداداً لدينه، وإن قلنا: لا يحجر عليه، فإن بإمكانه أن يتسلف المليون ويسدده، وتبقى الشركة كما هي.
فالحجر فيه ضرر، وليس بهذه السهولة، فإن التصرف حتى في الصدقات والهبات والبيع والشراء -كما سيأتي- كل تصرفاته المالية تجمد، وهذا يدل على قوة الشريعة الإسلامية وأنها لا تتساهل في الحقوق، ويدل على أهمية رد الحقوق لأهلها، وأنه لا يمكن أن يترك الحبل على الغارب للمتلاعبين بحقوق الناس، فهو مهما كان في شركته وماله متى ما خاطر بأموال وحقوقهم فلا بد أن يوقف عند حده.
فإذاً: إذا كان دينه يساوي ماله، فالأوجه والأقوى من حيث الأصل ألا يحجر عليه، فإذا كان بإمكان القاضي أن يبيع ماله ويسدد غرماءه، فهذا هو الأشبه، ولذلك قال بعض العلماء: لا يحجر عليه، وإنما يعامل معاملة الصورة الأولى من أنه يطالبه بالسداد، فإن أصر حبسه، وإن أصر باع ماله سداداً لدينه.
حكم الحجر مع اتفاق الغرماء على المطالبة به أو اختلافهم
وقوله: (وجب الحجر عليه بسؤال غرمائه أو بعضهم).
هنا مسألة: عندنا شخص عليه مائتي ريال، وقد حلت واستوفت الشروط، والغرماء هم: شخص له مائة وشخص له مائة ثانية، أو كان الغرماء أربعة أشخاص، كل واحد له الربع من المائتين، فإذا أثبتنا أن من كان دينه أكثر من ماله يحجر عليه واشترطنا سؤال الغرماء، ففي سؤال الغرماء لا يخلو الأمر من صور: الصورة الأولى: أن يتفقوا كلهم على سؤال الحجر عليه، فكلهم يأتي ويشتكي عند القاضي ويقول: نريد أن تحجر على فلان في ماله حتى يسدد حقوقنا، فإن اتفقوا فلا إشكال أننا نحجر عليه.
الصورة الثانية: أن يطالب البعض، ويسكت البعض فلا يطالبون ولا يمتنعون.
فهذه صورتان: الصورة الأولى: أن يتفقوا على المطالبة.
والصورة الثانية: أن يختلفوا، فبعضهم يطالب وبعضهم لا يطالب، وقد يكون الذي سكت ولم يطالب لا يريد الحجر؛ لأنه في بعض الأحيان لا تطالب بالحجر؛ لأنك تعلم أن هذا الرجل حكيم في بيعه وشرائه، وأنت تنتظره إلى الموسم حتى يبيع ويشتري وينمي ماله ويسدد، فترى أن من المصلحة ألا يحجر عليه، فلا توافق على الحجر؛ لأنك تعلم أنه سيأتي بضرر أكثر؛ لأنه إذا جمدت أمواله، فسيباع الحاضر الموجود، وقد يكون ربع الدين أو نصفه، بيد أنه لو نمى ماله واستثمره ربما يصل به إلى سداد دينه وربما زاد، فيكون من المصلحة السكوت، وقد يسكت؛ لأن ما عنده لا يضره حجر عليه أم لا.
فأياً ما كان سكوت البعض سواءً كان معارضة أو كان لعدم مطالبة، ففي كلتا الحالتين: يسكت البعض عن السؤال، فهل يحجر عليه أو لا يحجر؟ القول الأول: قال بعض العلماء: إذا طالب بعض الغرماء فإنا نعتبره بالغرماء كلهم، فنحجر عليه بمطالبة البعض دون الكل كما درج عليه المصنف.
فلو أن غريماً له خمسون ريالاً من بين دين قدره ثلاثمائة أو أربعمائة أو ألف ريال، وطلب الحجر، وثبت عند القاضي أن هذا الذي أمامه دينه أكثر من ماله؛ حجر عليه.
وفقه المسألة عند هؤلاء: أن الشخص إذا أصبح دينه أكثر من ماله دل على أنه لا يحسن التجارة، بغض النظر عن كون الكل يشتكي أو البعض، ففقه المسألة راجع إلى أنه حينما أصبح دينه أكثر من ماله دل على فساد تصرفه، ودل على أنه لا يحسن التجارة، فيقولون: يحجر عليه بمطالبة البعض، ولا يشترط الكل.
القول الثاني قال: لا نحجر عليه بقول البعض، حتى يكون دينهم مقابلاً لأكثر من المال أو مساوياً لماله، قالوا: وإذا طالب حينئذٍ نقبل منه، وإما إذا لم يتحقق الشرط فلا نحجر عليه.
مثال: لو كان صاحب الخمسين يطالب، وصاحب أكثر الدين لا يطالب، والمال الذي عنده أكثر من الخمسين فإنه لا يحجر عليه؛ لأن الأصل عدم الحجر، وإذا كان الشخص له خمسون فغاية ما في الأمر أنه إذا طالب بحقه فإنه تصرف له الخمسون وينصرف، كما لو حل بعض الدين دون البعض.
فهذا القول من حيث الأصول أشبه، والقول الأول من حيث النظر أقوى، وكلا القولين له وجهه، وإن كان القول الثاني أقرب للأصول كما ذكرنا.
لكن لو أن البعض طالب وسكت البعض، فقال بعض العلماء: إذا طالب البعض وسكت البعض؛ فإنه في هذه الحالة يُحْجر عليه في حدود دين البعض كما ذكرنا، وأما على القول الثاني فيحجر عليه بحق الجميع.
حكم الإعلان والإشهار عن حجر المفلس
قال رحمه الله: [ويستحب إظهاره]: ويستحب إظهار الحجر، فالمفلس الذي ثبت عند القاضي أنه مفلس يطاف به في الأسواق ويعلن ويشهَّر به حتى يحذر الناس التعامل معه، وهذا لمصلحة الجماعة فقال: (يستحب إظهاره).
وجرى على ذلك العمل عند أهل العلم رحمهم الله، ومن غرائب ما ذكروا عن القضاة رحمة الله عليهم: أنه حجر على رجل في ماله، وكان تاجراً، فحجر عليه وأمر أن يطاف به في الأسواق، ويقال: إن فلاناً ثبت عند القاضي فلسه، وإن القاضي يعذر إليكم -لأن القاضي إذا أعلن للناس، ثم جاء رجل بعد ذلك يشتكي ويقول: بعت أو اشتريت فإنه لا يتحمل إلا مسئولية نفسه.
والسبب في الإظهار والإعلان: أنه إذا جاء بعد الحكم عليه والحجر عليه أحد يطالب بشيء فإنه يتحمل مسئولية نفسه لحصول الإعذار- فطيف به كل اليوم يُعلَن عنه أن هذا سفيه لا تعاملوه، وأن هذا لا يحسن النظر في ماله، وعندما رجع إلى بيته قال له صاحب الدابة: أعطني حقي، قال: وما الذي كنا فيه من صباح اليوم؟! فصاحب الدابة يطالب بقيمة الركوب عليها؛ لأنه طيف به على الدابة -وبعض العلماء يقول: إنه في هذه الحالة يستحق المال من المحجور- فقال له: أعطني مالي.
يعني: أنت كنتَ راكباً على دابتي، وهذه إجارة يوم لا بد أن تعطيني إياها، فقال له: ما الذي كنا نقوله من صباح اليوم؟! يعني: طيلة اليوم والقاضي يقول: لا أحد يعامله، وأن من عامله يتحمل مسئولية المعاملة، فأغفله وأعرض عنه.
فالشاهد: أنهم كانوا يطوفون به، وهذا فيه مصلحة للناس، وفي القديم كان يطاف به في الأسواق؛ لأن السوق هو الذي فيه التجار، فينتشر بين التجار أن فلاناً محجور عليه، فيتقي الناس التعامل معه، لكن الآن يمكن أن يعلن عنه ويمكن أن يشهر به عن طريق وسائل الإعلان حتى يعذر إلى الناس، فإذا تعامل معه أحد؛ فإنه حينئذٍ يتحمل مسئولية المعاملة معه.
شرح زاد المستقنع -
باب الحجر [2]
الدين حق للدائن لا يسقط إلا بسداده أو العفو، فإذا عجز المدين عن السداد فإن الشريعة حفظت حتى الدائن بمنع المدين من التصرف في ماله، وأبطلت جميع تصرفاته المالية التي تضر بحق الدائن، حتى يباع ما عنده، ويؤدي لأصحاب الحقوق ما يمكن أداؤه.
الآثار المترتبة على الحجر في المحجور عليه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
حكم تصرف المحجور عليه في ماله بعد الحجر
فيقول المصنف رحمه الله: [ولا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر].
بهذه الجملة شرع المصنف في بيان الآثار المترتبة على الحجر، فإذا قلت: إنه يحجر على المفلس، فما هي ثمرة وفائدة وأثر الحجر على المفلس؟ فقال رحمه الله: (ولا ينفذ تصرفه في ماله) فقوله: (لا ينفذ) أي: لا يمضي ولا يُحكم به ولا يعتد.
ولذلك هناك شيء يسمونه: شرط نفاذ، فتجدهم في البيوع يقولون: من شرط نفاذ البيع ألا يكون محجوراً عليه، فيكون من شروط النفاذ، بمعنى: لو أن شخصاً حجرنا عليه لفلس، ثم بعد ذلك باع عمارة يملكها، أو اشترى من شخص سيارة، لا ينفذ شيء من ذلك كله، ولو أنه جاء وتصدق بمال أو وهب مالاً أو أعطى ماله؛ فإن هذه الهبة توقف، ويمنع من التصرف بالهبة والعطية والصدقة.
حكم إقرار المحجور عليه بمال لشخص بعد الحجر
قال رحمه الله: [ولا إقراره عليه] من دقة العلماء أنهم يذكرون الأصل وما يتبع الأصل، فالإقرار بالمال ليس بتصرف مباشر في المال، ولكن يئول إلى التصرف في المال؛ كما إذا حجرنا على شخص عليه دين مائتا ريال، فلما حجرنا عليه وثبت عند القاضي فلسه جاء رجل بعد أسبوع وقال: فلان أقر لي بمائة، فننظر في الإقرار: فإذا كان الإقرار قبل حجره عليه مضى ونفذ، وإن كان بعد الحجر عليه؛ فإنه لا يصح ولا ينفذ لوجود الشبهة والتهمة، ولأن التصرف أصلاً لا ينفذ، فإقراره بالمال يصح من حيث الأصل، ولكن لا يطالب بالسداد ولا يؤخذ من ماله سداد لهذا الحق إلا بعد انتهاء الغرماء الأولين.
فالإقرار نؤاخذ به؛ لأن شروط الإقرار متوفرة، لكن أن ينفذ لا، بل نوقفه ويبقى موقوفاً عن النفاذ حتى يسدد الغرماء الذين حجر من أجلهم أولاً ثم بعد ذلك يسدد هذا الدخيل.
والسبب في هذا: أنه لو كان ينفذ إقراره وكان عندنا -مثلاً- صاحب شركة عليه مليون ديناً، وشركته -مثلاً- دون المليون وحجرنا عليه، فبإمكانه أن يأتي لشخص ويقول له: أقر لك بمال ودين زوراً وكذباً وتدخل تزاحم الغرماء، وحينئذٍ لا تباع كل الشركة للغريم، وإنما يكون لي حصة بدخولك معهم، وممكن أن يدعي أن فلاناً له عليه مليون بدل ما هي مائة ألف، فيدخل على الغرماء ويضر بهم.
ولذلك قطع هذا الباب وأقفل مع أن الأصل أن إقراره نوع تصرف، والتصرف في ماله موقوف حتى انتهاء الحجر عليه إذا أقر به للغير.
حكم رجوع من تعامل مع المحجور عليه ببيع أو قرض في معاملته
قال رحمه الله: [ومن باعه أو أقرضه شيئاً بعده، رجع فيه إن جهل حجره وإلا فلا].
قوله: (ومن باعه) أي: من باعه سيارة أو باعه داراً، فإنه في هذه الحالة إذا علم بحجره وتبايع معه؛ يتحمل مسئوليته، وليس من حقه أن يرجع في البيع ويمضى على ظاهره، ويتحمل هو مسئولية هذا البيع، أما لو كان لا يَعلم بالحجر فإنه يفسخ هذا البيع ويرد المال إلى صاحبه.
فائدة هذا: أننا لو قلنا: إنه يرجع في هذه الحالة، لا تدخل السيارة ضمن المال ولا تباع، لكن إذا قلنا: لا يرجع، دخل مال جديد على ماله ويباع مع ماله، وحينئذٍ يكون للغرماء، ثم يتحمل بعد انتهاء الحجر سداد هذا الذي عامله بعد الحجر.
قوله: [أو أقرضه شيئاً بعده] لو أن شخصاً حجرنا عليه لمائة ألف، وحكم القاضي وشهر به، فلما حكم القاضي بذلك اشترى أرضاً من شخص، فإننا ننظر في هذا الشخص ونقول له: يا فلان هل تعلم أن فلاناً محجور عليه؟ فإن قال: أعلم أنه محجور عليه وقد بعته الأرض.
فحينئذٍ تكون الأرض قد دخلت في ملكية المحجور عليه، وهذه الأرض تباع مع المال ويسدد، ثم ينتظر هذا الذي هو صاحب الأرض إلى ما بعد الحجر، وما يعطى حقه؛ لأنه تحمل مسئولية التغرير بنفسه.
فما دام أنه راضٍ بالتعامل معه، فيبقى في هذه الحالة المال للغرماء الأولين، ويباع ويقسم بينهم، وبعد فك الحجر عليه يطالبه بحقه.
هذا إذا كان عالماً، وأما إذا كان غير عالم؛ فإن البيع ينفسخ ويرد لصاحب الحق عين ماله، وإن قال: لا، اتركوا الأرض عنده، وأنا لا أرجع عن بيعي، وإن شاء الله هو يسددني، ورضيت بذلك، فهذا أمر آخر، وتدخل على ملكه، وتعامل معاملة أملاكه.
قوله: (رجع فيه إن جهل حجره) لأنه في هذه الحال يكون خيار عيب، وخيار العيب في الثمن مؤثر؛ لأن هذا يضر بثمن الأرض، ويدخل الضرر على البائع للأرض؛ لأنه سيدخل أسوة للغرماء، وأياً ما كان في هذه الحالة له حق الرجوع.
قوله: (وإلا فلا) إن كان عالماً.
حكم تصرف المحجور عليه في ذمته أو إقراره بدين أو جناية
قال رحمه الله: [وإن تصرف في ذمته أو أقر بدين أو جناية توجب قوداً أو مالا ًصح، ويطالب به بعد فك الحجر عنه].
قوله: (وإن تصرف في ذمته) كأن يشتري بالدين وتعامل مع شخص ديناً.
قوله: (أو أقر بدين) يعني قال: فلان له عليّ مائة ألف، وانظروا إلى دقة المصنف رحمه الله، فنحن نتكلم عن آثار الحجر، وفيه جانبان: الجانب الأول: ما كان من التصرفات المالية المباشرة كالبيع والشراء، فالحكم فيها بالتفصيل ما بين أن يكون عالماً أو غير عالم، هذا بالنسبة للتصرفات المباشرة.
الجانب الثاني: هناك تصرفات غير مباشرة، مثل أن يشتري منه ديناً، أو يشتري على ذمته -بالدين- أو يقر لشخص بماله، فحينئذٍ ليس بالتصرف المباشر وإنما يدخل على الغرماء غريماً جديداً.
قوله: (أو جناية توجب قوداً أو مالاً) كأن يقر بجناية توجب قوداً، فهذه كلها خارجة عن الإضرار بالمال، ويلزم في ذمته للشخص، وهذا شيء خارج عن المال وليس له تأثير في ماله الذي حجر؛ لأن الحجر يختص بالتصرفات المالية وما يلتحق بها، فلو أقر أنه كسر سن رجل؛ فإن هذا الإقرار في ظاهره جناية، لكنها تئول إلى المال، فهذا الإقرار فيه شبهة.
فأي إقرار فيه مال وتصرف مالي بحيث يدخل على ماله غريماً جديداً، أو يدخل على ماله مستحقاً جديداً، فهذا لا ينقض من التصرف في ماله، فإقراره كبيعه وشرائه إذا تضمن الاعتراف بحقه في المال وإدخال غريم جديد، فإذا تضمن المال أو ما يئول إلى المال كما في مسألة الجنايات المالية؛ فهذا كله لا يؤثر، أي: لا يلتفت إليه حال الحجر، فيصح الإقرار به ثم بعد فك الحجر يطالب بما اعترف وأقر به.
وقوله: (أو جناية توجب قوداً أو مالاً صح).
إذا كانت الجناية توجب القود، كما إذا أقر أنه قطع يداً أو رجلاً لإنسان؛ فإنه سيقتص منه ويقاد منه، وهذا ليس له علاقة بالأموال، فالإقرار صحيح.
وإن أقر بجناية توجب مالاً، فللعلماء فيها وجهان: من العلماء من يقول: إن الإقرار بالمال كالتصرف المالي، فنقبل إقراره، ولكن لا يكون إلا بعد فك الحجر لوجود الشبهة بل الاستحقاق، وهذا ما درج عليه المصنف رحمه الله.
قوله: (ويطالب به بعد فك الحجر عنه) لأنه لو فتحنا باب الإقرارات المالية فقد تحدث المغالطات التي تضر بالغرماء، وإقرار المال أصل عام سواء كان إقراراً بالمال مباشرة كأن يقول: فلان له عليّ مائة ألف، أو إقراراً بالمال بالتبع، كأن يقول: أنا قطعت يده، فيستحق نصف ديته، وهي خمسون ألفاً، أو أنا فعلت كذا ويستحق أربعين ألفاً، فهذا وإن كان في ظاهره جناية لكنه يئول إلى المال حقيقة.
فكل إقرار يتضمن التزاماً بمال؛ فإنه يؤخر إلى ما بعد فك الحجر، فنصحح الإقرار؛ لأن شروط الإقرار موجودة، فنحكم بصحة الإقرار، ولكن لا يطالب به إلا بعد فك الحجر عنه.
أثر الحجر في مال المحجور
قال رحمه الله: [ويبيع الحاكم ماله] شرع المصنف -رحمه الله- في الأثر الثاني، فعندنا أثر يتعلق بالمحجور عليه، وعندنا أثر بالشيء الذي حجر عن التصرف فيه وهو المال، فقال المصنف رحمه الله: (ويبيع الحاكم ماله).
من حجر عليه لحقوق أشخاص -وهو حجر الفلس- واستوفى الشروط؛ فإنه يباع ماله بطلب الغرماء، فينظر أولاً في السلع المعروفة بأعيانها، فمن وجد سلعة بعينها فلا تباع، وبالنسبة للغرماء الذين يطالبون بالحجر ولهم على المفلس الدين؛ فلا يخلو مال المفلس من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون المفلس قد تصرف في أموالهم التي أخذها منهم، ولم يبق منها شيء، كأن يكون -مثلاً- استبدل بها ولم تبق أعيانها، بل بقي أشياء مثلها، كرجل استدان مائة سيارة، وباع السيارات واشترى غيرها وباع، فأصبح يتاجر في السيارات، فوجدت عنده سيارات، لكنها ليست عين السيارات التي أخذها، فإذا كان المفلس لم يبق عنده عين المال الذي استدانه فيباع ولا إشكال.
وإذا بيع يكون الترتيب كالآتي: أولاً: ينظر القاضي إلى قدر حاجته ونفقته ونفقة عياله ومن تلزمه مئونته كزوجته وأولاده، فالذي يختص بنفقته ونفقة عياله وزوجه وأولاده هذا يخرج من البيع.
ثانياً: ينظر إلى المتاع الذي لا بد له ولأولاده ومن يلزمه القيام عليه، ففراش بيته الذي لا بد منه وحوائجه الأصلية هذه لا تباع ولا تعرض للبيع، لكن الكمالات والأمور الزائدة هذه تباع؛ لكن يبقى سؤال يقتضي التفصيل: إذا كان الرجل المديون عنده بيت أو (فلة) ومؤثثة بأثاث غالٍ جداً، لكن وضعه الذي كان فيه كصاحب شركة أو كذا يقتضي هذا الأثاث، ومثله يكون في هذا الأثاث، فهل ينظر لوضعه من حيث هو فلا يمس أثاث بيته الفاره الغالي، أم ينظر إلى حق المديونين، وأنه نزل من رتبة الأغنياء إلى رتبة الفقراء؟ الثاني الأصح، فهو قد نزل إلى رتبة الفقراء ويعامل بحقوق الناس؛ لأنه لا يعقل أن نجعله يعيش عيشة الأغنياء وقد تشبع بما لم يعط؛ لأنه في هذه الحالة ليس بغني.
مثلاً: لو كان عنده سيارة قيمتها مائة ألف، ومثله في وضعه وحالته الاجتماعية يستحق هذه السيارة، إن قيل: يعامل معاملة من هو في وضعه لا تباع وتترك له، واختاره بعض أصحاب الشافعي رحمه الله، وإن قيل: يعامل معاملة المديون، ينظر إلى سيارة تكفي للحاجة قيمتها عشرة آلاف ريال -مثلاً- فهذا قدر حاجته، والتسعون ألفاً تدفع لسداد حقوق الناس، وهذا هو الأصح.
فإذاً: إذا كان متاعه غالياً صرف من متاعه الغالي، وأبقي على قدر الحاجة والكفاية، كذلك أيضاً يترك على قدر الحاجة في طعامه وقدر الحاجة في فراشه وقدر الحاجة في ركوبه ونحو ذلك.
هذا من ناحية ما الذي يباع.
إذاً: إذا باع الحاكم أو القاضي وكان ماله لم يوجد فيه عين مال الغرماء؛ فإنه يبيع الزائد عن الحاجة ويترك ما تدعو إليه الحاجة، فلا يبيع ثيابه التي تستره وإنما تترك عليه، لكن لو عنده فضل ثياب بيع، ولا يبيع فراشه الذي ينام عليه، ولكن إذا كان عنده فضل فراش بيع.
ومثلاً: هو يسكن في شقة من عشر غرف، ومثله في ضعف الحال من الفقر يكفيه ثلاث غرف، فإنه يرد إلى شقة بثلاث غرف، ويباع أثاث الغرف الزائد، وقس على هذا، فالضابط عندهم: أنه ينظر إلى قدر حاجته، ويباع ما استفضل أو زاد عن هذه الحاجة.
الحالة الثانية: إذا كان أصحاب الدين وجدوا عين متاعهم، كأن يكون باعه سيارة؛ فوجد عين السيارة، أو باعه أرضاً وعين الأرض موجودة، فالأراضي والعقارات والمنقولات الموجودة بأعيانها ترد إلى أصحابها، لقوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: (من وجد متاعه بعينه عند رجل أفلس؛ فهو أحق به) فدل على أنه يستحق أخذ المتاع بعينه ولا يباع المتاع في سداد الدين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
الأسئلة
الحكمة في نسبة المال للأولياء في قوله تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ)
السؤال
كيف يكون الخطاب في الآية للولي على أن المال ماله وهو مال المحجور عليه في قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:5]؟
الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: أولاً: قضية لماذا تأتي الآية على صورة كذا؟ أو يأتي لفظ القرآن بكذا ولم يأتِ بكذا؟ كان بعض مشايخنا -رحمة الله عليهم- يشددون في هذا، الله تعالى يقول: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:23] ولا يَشك المؤمن ولا يمتري، ولا يمكن أن يخالجه أي شك بأن كتاب الله أحكمت آياته، ثم فصلت من لدن حكيم عليم سبحانه وتعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:1].
الله سبحانه وتعالى أحكم الأمور ووضعها في نصابها، فقوله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:5] يقول العلماء وبعض أئمة التفسير: إن إسناد المال إلى المخاطبين وإن كانوا في الحقيقة ليسوا بمالكين له؛ لأن أموال المسلمين إذا تركت بأيدي السفهاء أضرت الجميع.
فالمال وإن كان في ظاهره ملكاً لليتيم وللسفيه لكنه بسوء تصرفه وصرفه للمال في المواضع التي لا ينبغي صرفه فيها؛ سيضر بالجماعة، وهذا سيؤثر على المجتمع، فكأن أموال المجتمع تذهب.
ولتوضيح المسألة وحتى يتضح مقصود بعض المفسرين يقول بعض العلماء: إذا انتشر في أي مجتمع السفهاء؛ فإنهم يؤثرون على العقلاء، وهذا واضح جلي، فالآن -مثلاً- إذا جئت إلى بيئة يكثر فيها النساء، لو جاءت المرأة وسفهت في تصرفها في المال، فأصبحت تشتري بخمسين ألفاً أو بعشرين ألفاً أو بثلاثين ألفاً، وغارت منها جارتها فاشترت كما تشتري، ثم الجارة الثانية ثم الثالثة حتى يصبح وضعاً في المجتمع سائداً، بحيث إن العاقل لو جاء يمتنع من هذا الذي لا يشك أنه سفه لا يقدر أن يمتنع؛ لأنه يقول: نعم، أنا أعرف أنه خطأ، لكن ما الذي يصبرني على هذا السيل الجارف من الزوجة والأم والبنت والأخت.
فمثلاً: لو أنه في كل عيد يشتري فراشاً بعشرين أو ثلاثين ألفاً، لو أنه جاء في عيد من الأعياد ولم يغير فراش بيته، وهو في كل عيد يغير ويجدد بهذا المبلغ الباهظ، ونحن لا نمنع أن يجدد لكن المشكلة في الغلو والإسراف، فإذا جاء يقول: لا أريد التجويد، تأتي الزوجة تلومه، وتأتي الأخت، وتأتي القريبة، وتأتي الجارة ثم تأتي قرابة المرأة، وهذا كذا، وهذا لا يحترمك، وهذا لا يقدرك، وهذا وهذا.
فإذا بك تجد أنك ستقع في شيء من الإحراج أعظم مما لو أنفقت هذا المال، فستضطر مجاراة لهم ودفعاً لذلك إلى عمل أنت تراه سفهاً.
والذي أحدث هذا كثرة السفه، فالسفه يضيع أموالنا نحن ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:5] قالوا: جعل الله المال قياماً؛ لأنه تقوم به مصالح الناس، فكثرة السفه تعني التبذير للمال في غير موضعه.
وإذا كان الشخص عاقلاً حكيماً يشتري الأشياء بقيمتها، فإنه لا يضر غيره ولا تذهب أموال الناس، فالمال وإن كان لليتيم لكنه سيئول بتصرفه، وإن كان للناس فسيئول بتصرفهم إلينا ويؤثر فينا.
كذلك الابن لو أراد أن يشتري سيارة فقد تكفيه سيارة بعشرة آلاف، لكن لو رأى ابن الجار اشترى سيارة بثمانين ألفاً، فسيطالب بسيارة بثمانين ألفاً، ثم ابن الجار الثاني والثالث والرابع، وإذا بابنك الذي لم يبلغ بعد يقف أمامك ويقول: أريد سيارة.
تقول له: تريد تقضي بها مصالحك وتقوم على شأنك؟ يقول: نعم.
تقول: إذن هذه سيارة بعشرة آلاف، سيارة مستعملة تقضي بها مصالحك.
فيقول: لا ما أريد، ويحس أنه إذا لم تشتر له بثمانين ألفاً أن الأبوة قد زالت وأن معاني الحنان ذهبت وأن وأن.
فتأتي تفكر أنك لو جئت تعامله بالعقل وبما ينبغي أن يعامل به فاتك الابن، ولربما انقطعت الأواصر بينك وبينه، وربما حقد وربما وربما، فتضطر وأنت كاره إلى مجاراة الوضع وهكذا.
فهذا وجه عند بعض المفسرين في تفسير الآية.
وهناك وجه ثانٍ: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:5] أسند الأموال إليهم لما أصبح مالكها سفيهاً فأخلى يده منها، والمال مال الله، والله هو الذي يحكم في الأموال ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:7] فنحن مستخلفون على الأموال، ومأمورون بصرفها في مواضعها.
فكل رجل وكل امرأة أنصف في ماله، فصرفه في موضعه، فقد قام بحق الاستخلاف، فإن جاء ينفق المال في غير موضعه فليس هذا الذي استخلف من أجله وليس هذا الذي أُعطي المال من أجله، وحينئذٍ تنتقل ولاية المال إلى الغير، فتصير أموال معاشر الأولياء، كأنها تنتقل بالسفه إلى الأولياء ولم تعد إلى السفهاء.
ويتخرج على هذا الوجه الثاني في الآية، أن التعبير بالشيء يكون بما يئول إليه؛ لأن العرب تعبر بالشيء عما كان، وتعبر بالشيء عما سيكون.
كما كان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يتيم أبي طالب؛ لأنه نشأ في حجر عمه أبي طالب، وسموه يتيماً وهو بالغ وفي عقله عليه الصلاة والسلام باعتبار ما كان، فكانوا يقولون له: اليتيم، باعتبار ما كان، ولذلك قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:6] فيُسمى الشيء بما كان ويُسمى ويوصف بما سيكون.
فلما كانت الأموال ستئول إلى الأولياء وهم الذين يتصرفون فيها صارت من عداد أموالهم، وكأنه نوع من الاستعطاف والاسترحام والتوجيه للأولياء، أي: أنكم إذا توليتم أموال الضعفاء فعدوها كأموالكم واتقوا الله فيها فأحسنوا فيها ولا تسيئوا، واستثمروها ولا تضيعوها ونحو ذلك مما فيه مصالح الحجر.
والله تعالى أعلم.
كيفية الإحرام لمن أراد العمرة بعد المكث في جدة لفترة
السؤال
من سافر من بلده إلى جدة، وكان ناوياً أن يعتمر بعد انتهائه من عمله في جدة، فمن أين يحرم؟
الجواب
من سافر من المدينة -مثلاً- وعنده حاجة في جدة سافر من أجلها، وفي نيته أن يعتمر، فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يتأكد أن الوقت سيسعه، بحيث إذا انتهى من حاجته سيذهب إلى العمرة قطعاً، فهو متأكد أنه سيفعل العمرة، فهذا يجب عليه أن يعتمر من المدينة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ذي الحليفة والمواقيت الأخر: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة) فألزم كل من مر بالميقات يريد الحج والعمرة أن يحرم منه، فدل على وجوب الإحرام من الميقات.
فنقول: يجب عليك أن تحرم من ميقات ذي الحليفة، وأنت بالخيار بين أمرين: - إما أن تحرم وتذهب للعمرة وتأتي بها، ثم ترجع إلى جدة وتقضي حوائجك.
- وإما أن تذهب بعمرتك وتلبس إحرامك وتذهب إلى جدة، وتقضي حوائجك، ثم بعد فراغك من حاجتك تمضي إلى العمرة.
فإن قال: لا أستطيع أن أذهب بإحرامي، فنقول: يذهب ويقضي حاجته، ثم إذا أراد أن يعتمر يرجع إلى ميقات المدينة ويحرم منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ألزمه بالإحرام منه.
الحالة الثانية: أن يذهب إلى جدة متردداً، يقول: لا أدري هل يسعني الوقت أو لا يسعني، فمثل هذا يجوز له ألا يحرم من ميقات الميدنة مثلاً: شخص عنده معاملة في جدة، ولا يدري هل يسعه الوقت فيعتمر أو لا يسعه؟ فمن يشك في الوقت يجوز له أن يذهب إلى جدة وهو غير محرم ويقضي حاجته في جدة، ثم يحرم من جدة إذا أنشأ العمرة منها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فمن كان دون ذلك؛ فإحرامه من حيث أنشأ).
فهذا الذي لم تتمحض نيته بالعمرة من المدينة وأصبح شاكاً متردداً يعطى حكم الأصل من أنه لا يلزمه الإحرام حتى يتحقق من كونه معتمراً.
وأحب أن أنبه على مسألة حتى لا يضيق الوقت: بعض الإخوة -جزاهم الله خيراً- من حرصه على الدروس والفائدة العلمية يفرغ الدروس في مذكرات، وهذا لا شك أنه خير كثير، فإن من يسمع ويقرأ ويكتب يضبط العلم، والله عز وجل يأجره على حروفه إذا قصد بها وجه الله عز وجل وابتغى ما عند الله.
لكن اطلعت على ما كتبه بعض الإخوان فوجدته يعلق على الأحاديث ويعلق على المسائل، وهذه طريقة عقيمة، ولا أسمح لأحد في أي درس أو محاضرة أن يعلق على دروسي أو محاضراتي إلا بإذني؛ لأنه ربما ذكر دليلاً بإمكاني أن أجيب عنه فيشوش على طالب العلم الذي يقرأ مذكرة بهذا الشكل، فلا يدري هل هو في الحاشية أو في الصلب.
وليس من حق أحد أن يأتي على درس أحد من أجل أن يعقب أو يتكلم، إذا كان عنده شيء يذهب ويحدث درساً فيه علم وفيه فائدة ويبينه، خاصة أن مسائلنا خلافية، وفيها أقوال العلماء، والحمد لله ما شذذنا -ولا نزكي أنفسنا على الله- وقد التزمنا ألا نقول بقول شاذ، ولا نعرف على أنفسنا -ولله الحمد- أننا قلنا قولاً إلا ولنا سلف ولنا حجة من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وبإجماع العلماء أنه من اعتقد رأياً عليه دليل فليس لأحد أن ينازعه ذلك إلا إذا كان طالب العلم عنده نظر وعنده اجتهاد، بحيث يستطيع أن يميز بين قول فلان وفلان بالحجة والدليل.
أما أن يأتي شخص ويأخذ مذكرة الدرس الفلاني ويعلق عليها، فإن كان ضعف حديثاً صححه، أقول: افرض أن هذا التصحيح لا أقتنع به، فما دام الذي شرح الدرس له إلمام بعلم الحديث وعلم الرواية، وله إلمام بالأدلة وله منهج وهو أهل لذلك، وعنده من أهل العلم من رضي له أن يعلِّم، فليس من حق طويلب علم أن يأتي يتعقب؛ لأنه ربما ظن أن هذا الحديث صحيح في اعتقاده وهو ضعيف.
ولذلك لا أسمح بهذا ولا أرضى، وهو خصمي بين يدي الله إذا كان يأتي إلى مذكرة ويعلق فيها برأيه وما يراه.
وإذا كان يريد التعقب يفتح درساً يقرأ فيها ما أقرأناه، ويذكر الحجة والدليل، يسعه ما وسع السلف، وما وجدنا في كتب السلف أحداً جاء وأخذ كتاب شخص لأجل أن يعقب عليه فيصحح ضعيفه ويضعف صحيحه، ويأتي بأقوال لمشايخ آخرين في الهوامش تخالف قول المصنف.
فمثل هذا يحدث البلبلة والتشويش لطلاب العلم، نحن نريد طلب العلم بالطريقة الحكيمة التي سار عليها سلف الأمة، ولا نعتقد أننا معصومون، ونبرأ إلى الله أن نعتقد بأنفسنا عصمة، لكن والله ما نرضى أن أحداً يرد قولنا الذي اعتمدنا عليه بالدليل من الكتاب والسنة بمحض رأيه، أو يأتي يعتقد صواب شيء نعتقد خطأه ويلزمنا خطأه؛ لأنه أجمع العلماء على أنه ليس من حق مجتهد أن يلزم مجتهداً آخر باجتهاده.
ولذلك أجمع العلماء: على أن الرجلين إذا كانا في سفر، وقال أحدهما: القبلة هكذا، وقال الآخر: القبلة هكذا، أنه لا يصلي أحدهما وراء الآخر إلا إذا اعتقد صحة قوله.
فلا يجوز أن يأتي طالب علم نال شيئاً من العلم وحفظ كلمة أو كلمتين -نسأل الله السلامة والعافية- ويأخذ مذكرات ويعقب فيها من وراء حجاب، دون أن يأتي ويقارع بالحجة، ويسأل ويستبين، هذا لا نعرفه من طرق العلم ولا نعرفه من منهج العلم.
وهذا شيء من التعالم، وتكون مذكرة مجهولة لا يعرف من الذي كتبها أصلاً، وبعض العلماء يمنع من قراءة كتاب شخص لا يُعرف لأنه لا تعرف قيمته ولا يعرف هل شهد له أنه أهل، لذلك هذا يشوش فكر طالب العلم.
وليس هذا خاصاً بدروسنا بل مع أي أحد، فأي شيخ له درسه وله علمه وله وزنه وله قدره ينبغي ألا يغير في كلامه ويزاد أو ينقص عليه شيء، وأن ينزل الناس منازلهم، وأن نتقي الله في هذا العلم.
فإذا كان الشخص يرى رجحان قوله بدليل، فليعلم أن الذي خالفه عنده دليل، وأنه إذا كان يرى لنفسه أن يلزم الغير بدليله، فللغير أن يلزمه بدليله، فكما أنك تعتقد هذا القول بالدليل فغيرك كذلك، وقد قرر الإمام الحافظ ابن عبد البر وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم والأئمة -رحمة الله عليهم- ودرج عليه حال السلف: أن كل من كانت عنده أهلية وعُرِف عنه أنه يلتزم دليل الكتاب والسنة في رأيه في الفقه ومسائل الفروع فهو لقوله، حتى يستبين له الحق خلاف قوله.
فالأصل أنه لا يقول قولاً إلا بدليل وحجة، فإن خالفه أحد فلا يخالفه إلا بالحجة، فيأتي ويقارع ويأخذ معه ويعطي، فإما رجع عن قوله، وإما بقي على قوله.
ما عهدنا من السلف أن إماماً جاء من أجل أن يهدم فقه الذي قبله أبداً، إنما وجدنا أن كلاً يعتقد قوله بدليله وحجته، وهذه مسألة قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ كان له أجر واحد) فالحمد لله على هذا الفضل.
فليس من الحق ولا من العدل أن تأتي وتقول بقول وتعتقد ضَعف حديث خالفه، فيأتي إنسان ويشوش على طالب علم عندك ويقول: لا.
بل هناك حديث صحيح وهو كذا وكذا، وهو صحيح عندك وليس بصحيح عندي وأنت ملزم به ولست ملزماً به، فهذا أصل عام.
وأنا لا أسمح بالمناسبة بأي مذكرة أن تخرج إلا بالطريقة المعتبرة وبطريقة رسمية معتبرة، أما بهذه الفوضى وأن كل طالب علم يأتي ويعقب، ويكتب مجاهيل لا نعرف من هم وعمن أخذوا ومَن هم رجالهم وما هي أفكارهم، فهذا لا يُسمح به ولا أرضى به.
والله ما تعلمنا العلم ليهان العلم، ولا تعلمنا العلم ليُرقى على أكتاف العلم، والله لا نقولها غيرةً لأنفسنا؛ لأننا نعلم ونوقن -ولا نزكي أنفسنا على الله- أن عندنا منزلة عند الله، فلا الناس يرفعنا إليها إن رضوا عنها، ولا ينزلوننا عنها إن سخطوا علينا؛ ولكن نريد تقوى الله عز وجل، نريد الكتاب والسنة، وما فهمناه من الكتاب والسنة ألَّا يأتي إنسان بسيط العلم قليل البضاعة يستعجل في شيء يكون هلكةً عليه وعلى غيره، فيَضِل ويُضَل.
فالله! الله! لا تسلم فكرك ولا زمام رأيك في مسألة أياً كانت شرعية إلا ولك حجة ترضاها بينك وبين الله، ولا يسمح لأحد أن يسلك هذا الطريق سواءً في المحاضرات أو في غيرها.
وأي طالب علم جاءته مذكرة ليس عليها توقيعي أو إقراري بالنسبة لي فأنا لا اعترف بهذا، ولذلك أوصي بالإعراض عن مثل هذا.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا في القول والعمل، إنه المرجو والأمل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شرح زاد المستقنع -
باب الحجر [3]
إذا كان الشخص مديناً وثبت إفلاسه فإنه يحجر عليه، حفظاً لحقوق الدائنين، ثم يقسم ما بقي عنده من المال بينهم بالعدل، على تفصيل فيه، لكن بدون أن يُظلم المفلس، فلا يطالب بما لا يلزمه ولا بما يحل أجله حتى يأتي وقته.
حكم الأمتعة والأموال الموجودة بأعيانها عند المفلس
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد تقدم أن الحجر على المفلس إنما شرع من أجل مصلحة الغرماء، وذلك أنه إذا أفلس صار حق الغرماء في ماله.
ومن هنا حكمت الشريعة بالحجر عليه بالتصرف في ماله، والكلام على هذا الحجر يستلزم أولاً بيان مشروعيته وسبب وجوبه، ثم بعد ذلك الحكم بالحجر، ثم الآثار المترتبة على الحكم.
وقد ذكرنا جملة من هذه المسائل فيما تقدم، ووقفنا عند بيع الحاكم أو القاضي لمال المفلس الذي هو ثمرة للحجر، فإنه إذا حجر على الشخص وتوفرت فيه شروط الحجر على المفلس وحكمنا بالحجر، فهناك آثار مترتبة على هذا الحكم منها: أن القاضي يحكم ببيع ماله وقلنا: إنه إذا حكم القاضي ببيع مال المفلس فإن هذا الحكم يفتقر إلى بيان الأموال التي يحكم ببيعها.
فأول ما يقوم به الحاكم أو من يوليه لبيع مال المفلس: فرز أموال المفلس وتصنيف هذه الأموال، فهناك أموال من الحيوانات وهناك أموال من العقارات وهناك أموال من المنقولات، فتجمع هذه الأموال وتصنف، ويُبْدأ بأخذ الأمور الضرورية التي يحتاجها المفلس فتخرج من هذه الأموال، ثم بعد ذلك يخرج منها الأمتعة والأموال التي وجدت بأعيانها وتدفع إلى أصحابها من الغرماء.
فكل غريم باع إلى هذا المفلس مالاً ووجده بعينه؛ فإنه من حقه أن يأخذ عين المال، وتوضيح هذه المسألة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين: (من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره) وهذا الحديث فيه: أن أموال المفلسين يخرج منها ما كان باقياً بعينه من أموال الغرماء، فإذا طالب الغريم بهذا العيني فإن من حقه أن يخرج هذا المال ويرد إليه، وإذا رددنا هذا المال فهنا صور:
حكم من وجد متاعه عند المفلس بعينه من غير زيادة أو نقصان
الصورة الأولى: مثال هذه المسألة: رجل باع سيارة لرجل ثم أفلس، فإذا كانت السيارة بعينها ولم يتصرف بها، أي: لم يتغير فيها شيء بالزيادة أو بالنقص ولم يدفع شيئاً من ثمنها، كما هي الشروط المعتبرة في هذا المال فإن من حق صاحب السيارة أن يقول: هذه السيارة سيارتي، ويثبت ذلك، ثم يأخذ السيارة بعينها لقاء دينه، فيسقط كامل دينه الذي له من قيمة هذه السيارة.
فلو أن هذه السيارة اشتراها المفلس بعشرين ألفاً فإننا نقول: خذ السيارة، والعشرين ألفاً قد انتهت؛ لأن ذلك إلغاء للبيع الذي وقع بين المفلس والغريم.
وعلى هذا يشترط أولاً: أن يجد عين المتاع، فلا يجد -مثلاً- مثله، فلو وجد مثله فليس من حقه أن يطالب به.
وثانياً: ألا يكون قد أخذ شيئاً من قيمته، فلو دفع المفلس بعض القيمة فإنه لا يستحق أن يطالب بعين المتاع، والدليل على ذلك ظاهر الحديث، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من وجد متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به) ولم يقل: وليرد ما أخذ.
فدل على أنه قد عاوضه وساومه على ذلك البيع دون أن يدفع له مقدماً أو شيئاً من ثمنه، فإن دفع شيئاً من ثمنه فجماهير العلماء على أنه لا يستحق الرد.
وأما بالنسبة لهذا المتاع كالسيارة أو الأرض أو العمارة إذا وجدت بعينها، فإما أن تكون قيمتها مساوية لقيمة بيعها، مثال ذلك: لو أن رجلاً اشترى سيارة بمائة ألف ثم أفلس بعد شهرين من البيع، أو اشتراها بمائتي ألف وأفلس بعد سنة والسيارة قيمتها مائة ألف لم تختلف؛ فحينئذٍ لا إشكال وسيطالب بسيارته؛ ولو لم يطالب بالسيارة فسيدخل ضمن الدين ويكون له بعض قيمتها وليس الكل، أي: سيدخل مع الغرماء مشاركاً لهم، والأفضل له أن يأخذ السيارة ويبيعها بدل أن يتركها حتى تكون أسوة للغرماء.
فالحالة الأولى: أن تكون القيمة لم تختلف، فالحكم أنه إذا رضي صاحب المتاع وطلب صاحب المتاع أن ترد له ردت.
الحالة الثانية: أن تكون القيمة أكثر، فلو أن هذه السيارة باعها الرجل أو الغريم بمائة ألف، ثم اشتراها المفلس ديناً إلى نهاية السنة وقبل نهاية السنة حجر عليه، فلما تمت سنة لهذه السيارة أصبحت قيمتها مائة وخمسين ألفاً، أي أنها زادت بمقدار الثلث، فمن حقه أن يطالب بعين السيارة ولو أصبحت بأغلى مما بيعت به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به) ولم يفصل بين كونه أغلى أو أرخص أو مساوياً، فأخذ جمهور العلماء من هذا دليلاً على أنه يستحق رد السيارة غالية أو رخيصة وكأنه إلغاء للبيع الأول.
الحالة الثالثة: أن تكون قيمة السيارة أنقص، كأن يبيعه إياها بمائة ألف وتصبح قيمتها ثمانين ألفاً أو تسعين ألفاً أو سبعين ألفاً، فنقول له: أنت بالخيار بين أن تدخل أسوة للغرماء في أمواله على قدر دينك، وبين أن تأخذ السيارة لقاء دينك الذي هو قيمة السيارة، ولا شيء لك من قيمة السيارة، وهذا على ظاهر السنة في الصحيحين من حديث أبي هريرة المتقدم.
حكم من وجد متاعه بنقص عند مفلس
الصورة الثانية: لو أن هذه السيارة نقص منها شيء أو تغير فيها شيء بالنقص، أو تغير فيها الحال بالزيادة، فلا يخلو النقص إما أن يكون النقص بآفة سماوية أو بسبب من المشتري الذي هو المفلس، أو يكون النقص بسبب من أجنبي، أي: ليس من البائع ولا من المفلس المشتري.
الحالة الأولى: أن يكون النقص بآفة سماوية، كرجل اشترى منه رجل دابة ثم أصابها الشلل، فشلت يمينها أو شلت رجل منها، فهذا النقص حصل بآفة سماوية وليس بتفريط من المشتري -المفلس- وليس من أجنبي.
أو كرجل اشترى منه رجل أرضاً، فجاء السيل واجتاح ثلثها أو نصفها فهذه آفة سماوية.
أو كرجل اشترى منه رجل مزرعة، فجاء إعصار فأحرق ربعها، هذه كلها آفات سماوية، فالسؤال الآن: لو وجد متاعه على هذه الصفة بالنقص فهل يطالب بالرد، ويطالب المشتري بالضمان، أم أنه يأخذ عين المتاع؟
و
الجواب
أن يقال له: إن كان النقص بآفة سماوية، فإنك تستحق عين المتاع، ولا ضمان في الآفات السماوية على المشتري، لتقريرنا هذا في باب البيع حينما تكلمنا على مسائل العيوب في المبيعات، وأن من حقه أن يستردها دون أن يضمن المشتري.
وبناءً على ذلك فإننا نقول له: أنت بالخيار بين أمرين: أن تقبل هذه السيارة وهذه الدابة وهذه الأرض معيبة بحالها ما دام أنها بآفة سماوية ولا ضمان في هذه الآفات ويسقط دينك كاملاً، فإذا كانت قيمة السيارة مائة ألف، فإنه يأخذها بعد الخسارة التي فيها بالمائة ألف على أنه رد لعين المتاع، فيصبح كأنه إلغاء للبيع الماضي أو البيع السابق على أن لا تكون هناك مطالبة بالمال الذي بيعت به السلعة.
الحالة الثانية: أن يكون النقص بسبب المشتري -المفلس- ففي هذه الحالة إذا كان النقص بسبب المفلس فمذهب طائفة من العلماء -رحمهم الله- أنه إذا حصل النقص بإتلاف للجزء ففيه تفصيل: إما أن يمكن فصل المبيع، كأن يكون اشترى منه سيارتين كل سيارة بخمسين ألفاً فأتلف المشتري -المفلس- إحداهما وبقيت الثانية؛ فحينئذٍ نقول له: خذ الثانية بقيمتها من أصل البيع، أي: أنت بالخيار، إن أردت أن تأخذ متاعك فتأخذ الباقية وهي السيارة، فلو كانت قيمة السيارتين مائة ألف، إحداهما بخمسين والثانية بخمسين وأتلف إحداهما قالوا: من حقه أن يأخذ الثانية بخمسين ألفاً وتسقط الخمسين، وهذا مبني على مسألة تفريق الصفقة.
فالسيارتان في صفقة واحدة، لكن يفرق بينهما بوجود العيب في الثانية، فيبقى ضمان الثانية على ملك المفلس، فيأخذ خمسين ألفاً ويأخذ السيارة لقاء خمسين ألفاً، وتبقى ذمة المفلس مشغولة بالخمسين الباقية، وقد يكون الأحظ له والأفضل أن يفعل هذا؛ لأنه لو كان هناك رجلان كل منهما له مائة ألف على المفلس، فهو في هذه الحالة إذا كانت له مائة ألف مقسومة بين السيارات كل سيارة بخمسين ألفاً فمعناه أنه لو أخذ السيارة السليمة فإنه سيستعيد نصف دينه، لكن إذا لم يأخذها ودخل مع الآخر فإنه سيتحصل على ما يقرب من ربع الدين وهو خمسة وعشرون ألفاً؛ لأن السيارة ستباع ويكون له نصف المبيع وهو الشيء ونصفه، وهو القيمة التي ذكرناها، وهي ربع الصفقة خمسة وعشرون ألفاً.
فالأفضل له أن يأخذ السيارة ويبقى له نصف الدين أسوة مع الغريم الآخر.
وعلى هذا: إذا كان النقص على هذا الوجه فإنه يضمنه المشتري.
الحالة الثالثة: أن يكون النقص بسبب أجنبي، فمذهب طائفة من أهل العلم -رحمهم الله- أنه إذا أتلف جزءاً من السيارة، فإن الضمان حينئذٍ يكون على الأجنبي، ثم يخير مالك السيارة بين الرجوع على المشتري أو على الأجنبي الذي أتلف.
حكم من وجد متاعه بزيادة عند المفلس
إذا تغير المبيع بالزيادة كجارية حملت أو سمنت، أو اشترى منه بقرة أو ناقة أو شاة وحسن حالها وصلح، فإنه إذا كانت الزيادة متصلة لا يمكن فصلها عن المبيع؛ فإنه يردها، ولا يطالب بقدر تلك الزيادة؛ لأنها كانت على ضمانه.
وأما إذا كانت الزيادة منفصلة فاختلف العلماء رحمهم الله، وقد قدمنا هذا في مسألة خيار العيوب هل تكون تابعة للمبيع أم لا، والأشبه والأقوى أن تكون غير تابعة للمبيع وذلك على حديث المصراة الذي ذكرناه.
حكم المطالبة بعين المتاع إذا وجد بعد موت المفلس
يبقى معنا من مسائل الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام: (من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس) لو أن هذا الرجل وهو المفلس مات، فقال طائفة من العلماء: إنه إذا مات فحينئذٍ يصبح مالك المتاع مع الغرماء سواءً بسواء، أي: يشترط شرط آخر لاسترداد المتاع وهو ألا يموت المفلس، فإن طالب بمتاعه بعد موت المفلس فإن المال ينتقل للورثة وحينئذٍ يكون أسوة مع الغرماء، وهذا ما اختاره المصنف -رحمه الله- وطائفة من أصحاب الإمام أحمد رحمة الله عليهم.
والصحيح ما ذهب إليه جمع من أهل العلم: أنه إذا مات فإنه يستحق الرد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من وجد متاعه عند رجل قد أفلس).
فأثبت بظاهر الحديث للمالك الحقيقي -الغريم- أن له اليد على متاعه إن وجده بعينه، ثم الموت لا يوجب النقل؛ لأن الله تعالى قال في كتابه في الميراث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:11] فجعل ملكية المال للورثة بعد الوصية والدين.
وعلى هذا فالدين يمنع انتقال المال للورثة، وعلى هذا تتعلق ذمة الميت بسبب هذا الدين، وسنبين -ذلك إن شاء الله تعالى- في مسألة: هل يحل الدين بالموت أو لا يحل، وهي الجملة التي تلي هذه الجمل.
والذين قالوا: إنه إذا مات تسقط المطالبة؛ استدلوا بمرسل أبي داود رحمه الله، وفيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن مات فهو أسوة الغرماء) ولكنها رواية ضعيفة، والأصل بقاء الحديث على ظاهره، ولم تصح رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ.
كيفية بيع مال المفلس
قال رحمه الله: [ويبيع الحاكم ماله].
قوله: (يبيع الحاكم) الحاكم: القاضي، وقوله: (يبيع) يعني: يأمر ببيع متاعه، وإذا أراد أن يبيع أو يأمر بالبيع فالجاري عند قضاة الإسلام عادة أنهم يرجعون إلى أهل الخبرة، فالقاضي بنفسه لا يتولى البيع، وإنما يبحث عن أناس من التجار معروفين بالأمانة والصدق والحفظ، فيقول لهم: هذا مال فلان قوموا عليه.
فيقومون عليه ويتولون أمره.
وقال بعض العلماء: يشرع للقاضي أن يجعل لمن يتولى بيع المال حظاً من بيت المال.
أي: هؤلاء الذين يتولون النظر في أموال المفلسين لبيعها يكونون تابعين للقضاء ويفرض لهم شيء من بيت مال المسلمين.
فإذا قام هؤلاء الذين ينظرون في هذا المال، فالأولى أن يكون المفلس حاضراً، وذلك لكي ينظر الأحظ لماله، ويقام هذا المال بأفضل الأسواق، حتى لا يكون هناك ظلم للمالك الحقيقي، فيلتمس أفضل الأسواق؛ لأن هذا فيه مصلحة للمالك الحقيقي ومصلحة للغرماء حتى تسدد ديونهم.
ثم بعد ذلك يعرض المال للبيع، ولا تقبل الزيادة ممن جاء يساوم ويزيد إلا ممن لا تهمة فيه.
كيفية قسمة مال المفلس بين الغرماء
يقول رحمه الله: [ويقسم ثمنه بقدر ديون غرمائه] هذه المسألة أجمع عليها الصحابة -رضوان الله عليهم- كما في قصة العول، فإن امرأة توفيت وتركت زوجاً وأختين، فنصيب الأختين الثلثان، ونصيب الزوج النصف، ولا يمكن أن ينقسم المال عليهم.
فاستشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابة رضوان الله عليهم، فأمروه أن يرد المسألة إلى سبع، فقال الزبير رضي الله عنه وأرضاه: (يا أمير المؤمنين ما أرى هذه المسألة إلا كرجل مات وعليه دين عشرة وقد ترك سبعة، فإننا نقسم المال على قدر حصص أصحاب الديون).
توضيح ذلك: مثلاً: عندنا مفلس بعنا متاعه بمليون، والديون التي عليه مليونان، والمليونان كل رجل له نصف مليون، فالمليون التي تحصلنا عليها من البيع ننظر حصة كل غريم من أصل الدين، فالذي له نصف الدين يأخذ نصف المليون التي بيع بها، ثم الذي له النصف الآخر يأخذها.
مثال آخر: لو أن ثلاثة أشخاص لهم دين على رجل تسعين ألفاً، كل رجل له ثلاثون ألفاً، فأصبح كل واحد منهم سهمه ثلث المال فيستحق ثلث الدين، الأول له الثلث، والبقية كل منهما له الثلث.
فلو أن هذا المفلس بيع متاعه بستين ألفاً، فالدين تسعون ألفاً، والستون لا يمكن قسمتها على تسعين، فحينئذٍ ما العمل؟ نقسم الستين ثلاثة أثلاث، ويعطى كل واحد منهم ثلثاً -عشرين ألفاً- فيأخذ كل واحد منهم الثلث من مال المفلس؛ لأن هذا هو حقه في أصل الدين أنه يستحق الثلث.
ولو كان هناك ثلاثة أشخاص أحدهم له نصف الدين، والثاني له الربع، والثالث له الربع، فحينئذٍ تقسم المال الذي نتج عن البيع على أربعة، تعطي من له النصف اثنين من أربعة الذي هو النصف، وتعطي من له الربع كل واحد منهما واحداً من أربعة، وهذا معنى يقسم على قدر دينهم.
حكم الدين المؤجل عند الحكم بفلس المدين
قال رحمه الله: [ولا يحل مؤجل بفلس] في هذه المسألة قصد المصنف أن يبين أن الحكم بفلس المديون لا يستلزم حلول الدين المؤجل، فلو أن رجلاً مفلساً عليه مائة ألف، خمسون منها قد حلت ويثبت بها الحجر، وخمسون منها تحل بعد السنة، وكان عنده بيت قيمته ثلاثون ألفاً، فحينئذٍ طالب أصحاب الدين بأن يحجر عليه، فنحجر عليه لقاء أصحاب الخمسين الحالة.
لكن لو جاء صاحب الدين الذي لم يحل بعد، فهل من حقه أن يزاحم أصحاب الديون الحالة، أم ينتظر حتى حلول أجل دينه؛ لأن الضرر قائم عليه؛ لأنه لو بيع البيت صار غريمه مفلساً؟
و
الجواب
قول المصنف: (ولا يحل مؤجل بفلس) أي: أنه إذا حكم بفلس إنسان فإنه لا تحل الديون المؤجلة عليه، هذا بالنسبة لمسألة حلول الدين.
والسبب في هذا: أن صاحب الدين قد رضي بتأجيله فلا يحكم له قبل وقته، ونحن ذكرنا في الحجر على المفلس أنه يشترط في الحجر عليه أن يكون الدين قد حل، فإذا كان دينه لم يحل فليس من حقه المطالبة.
حكم الدين المؤجل إذا مات المفلس
قال المصنف رحمه الله: [ولا بموت إن وثق ورثته برهن أو كفيل مليء].
قوله: (ولا بموت) يعني: ولا يحل إن مات المفلس.
كرجل عليه دين مؤجل، ثم توفي وترك لورثته مائة ألف، والذي عليه خمسون ألفاً، ولكن هذه الخمسين إلى نهاية السنة، فهل تحل ديونه؟ للعلماء قولان في هذه المسألة: - فمن أهل العلم من يرى أن الميت تحل ديونه بالموت ولو كانت مؤجلة، ولذلك قالوا: من مات حلت ديونه ويجب على ورثته المبادرة بالسداد.
- وقال طائفة من العلماء: الموت لا يخالف الحكم، فيبقى الحكم مستصحباً وسارياً، فالدين المؤجل مؤجل.
والصحيح: أن الدين يحل بالموت؛ لأن الميت ترهن نفسه به، وهذا عذاب للميت، ودل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه).
فالميت معلقة نفسه بالدين، ولذلك قال بعض العلماء: هذا الحديث مشكلة عند أهل العلم في قوله: (نفس المؤمن معلقة بدينه) وفي رواية (مرهونة بدينه).
فقال طائفة من العلماء: يحبس عن النعيم ويحال بينه وبين النعيم حتى يقضى دينه، فنفسه لا تتنعم إلا بعد قضاء دينه؛ لأنه قال: (نفس المؤمن مرهونة) وأصل الرهن: الحبس، كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:38] أي: محبوسة.
فلما قال عليه الصلاة والسلام: (نفس المؤمن مرهونة) دل على أنها محبوسة وهي إما تحبس عن النعيم أو عن الفضل.
ولذلك كره العلماء -رحمهم الله- الدين وشددوا فيه لهذا الحديث، فقالوا: إنه إذا كانت نفسه مرهونة، وماله موجوداً، والورثة لا يستحقون المال إلا بعد الدين، فالذي تطمئن إليه النفس أنه يجب عليهم أن يبادروا بسداد دينه ولو كان دينه مؤجلاً.
وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يغفر للشهيد كل شيء -وفي رواية- أنه يغفر للشهيد عند أول قطرة من دمه، فجاءه جبريل ونزل عليه بالوحي فقال عليه الصلاة والسلام: إلا الدين، أخبرني به جبريل آنفاً) يعني: يغفر له كل شيء إلا حقوق العباد، فالذي عليه من حقوق العباد نفسه مرهونة به.
فإذا كان هذا في الشهيد وهو من أعظم الناس منزلة عند الله سبحانه وتعالى، يغفر له عند أول قطرة من دمه، ويبعث وجرحه يثعب دماً وروحه في حواصل طير خضر في الجنة تسرح فيها، تشرب من أنهارها، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، ومع ذلك يغفر له كل شيء إلا الدين.
فهذا يدل على عظم أمر الدين، فإذا كان أمره بهذا العظم، فليس من الحق ولا من العدل أن يبقى الميت مرهونة نفسه قد ترك السداد، وننتظر إلى حلول الأجل حتى يسدد عنه.
فلذلك الذي يظهر أن الميت تحل ديونه بالموت، وأنه يجب على ورثته أن يبادروا بسداد ديونه، خاصة مع قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:12] وفي الآية الأخرى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:11] وفي الأخرى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:12].
فهذه الآيات كلها صريحة بأن الدين مقدم على حقوق الورثة، فإذا نظرنا إلى هذا فمعناه: أنه يجب علينا أن نبادر بسداد دين الميت؛ لأن هذا ماله وقد حلت ديونه، فينبغي أن يبادر بالأصلح والأوفر له؛ لأنه ليس ثم مانع شرعي يمنع من هذا.
ونحن نقول: إن الدين المؤجل ليس من حق صاحب الدين أن يطالب المديون به؛ لأن الدين إذا كان صاحبه قد أخره عليك إلى نهاية السنة، فإن الرفق بك أن ننتظر إلى نهاية السنة، فمن مات الرفق به أن يعجل، فأصبحت المسألة بالموت عكسية.
ولذلك جعل شرعاً الحق أن تطالب بتأخيره بناءً على الأجل، وإذا ثبت أن الحق أن تطالب بتأخيره بناءً على الأجل لمصلحة المديون فالعكس بالعكس في حال الوفاة.
ومن هنا فإنه يجب على الورثة أن يبادروا بالسداد، وقد ذكرنا هذا غير مرة، وهذا من أعظم ما يقع من المظالم، فإن الورثة يموت مورثهم ويترك لهم عمارة أو أرضاً ولها قيمة ويمكن بيعها وسداد ديونه، ولكن الورثة يمتنعون، ثم تبقى الديون، ولربما حلت الديون وتبقى إلى سنوات ولربما تبقى دهراً طويلاً، وهذا إن كان في الوالد والوالدة فهو من عقوق الوالدين نسأل الله السلامة والعافية، وإن كان في القريب فهو من وقطيعة الرحم، فكيف يبقى هذا الميت مرهوناً في قبره بدينه ولا يسدد عنه وماله موجود، فلا حق لهم أن يستمتعوا بهذا المال حتى يسدد دينه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:12] فجعل الفرائض وقسمة المواريث على أصحابها، وجعل حق الوارث بعد الوصية والدين، فدل على أنه ينبغي المبادرة بسداد هذا الدين وإبراء هذه الذمة.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (مطل الغني ظلم) وهؤلاء الورثة أغنياء قادرون على سداد ديون مورثهم، فيجب عليهم أن يبادروا بذلك.
قال رحمه الله: (إن وثق ورثته برهن أو كفيل) جعل فقهاء الحنابلة -رحمهم الله- ومن وافقهم شرطاً في هذه المسألة وهي: توثيق الدين برهن أو توثيقه بكفيل غارم.
فإذا جاءوا برهن وقالوا له: أمهلنا إلى نهاية السنة كما اتفقت مع مورثنا ونحن نعطيك دينك؛ لأن دينك مؤجل.
فقال: لا أريد ديني معجلاً، فاختصموا إلى القاضي، يقول القاضي للورثة: ائتوا برهن أو ائتوا بكفيل أؤجلكم بالأجل، هذا على ما ذكره المصنف رحمه الله.
فإن جاءوا برهن أو جاءوا بكفيل غارم مليء؛ فإنه حينئذٍ يؤجل ويبقى الدين على حاله مؤجلاً.
الحكم فيما لو ظهر غريم بعد قسمة مال المفلس
قال رحمه الله: [وإن ظهر غريم بعد القسمة رجع على الغرماء بقسطه] صورة المسألة: أن يكون هناك غريمان كل واحد منهما له خمسون ألفاً وطالبوا بالحكم بفلس زيد من الناس، ولما حكم عليه بفلسه وبيع متاعه بثلاثين ألفاً، فمعناه أنه ستنقسم الثلاثين عليهما، فيكون لكل واحد منهما خمسة عشر ألفاً.
فإن ظهر غريم ثالث له خمسون، فحينئذٍ أصبح له الثلث فيدخل معهم، ويطالب كل واحد منهما بثلث ما أخذ، فالذي له خمسة عشر يعطي خمسة وتبقى له عشرة، والآخر يعطي خمسة من خمسة عشر ويبقى له عشرة، وحينئذٍ يكون للغريم الجديد عشرة، ويكون للباقين كل واحد منهما له عشرة آلاف، فيدخل بقدر حصته، هذا إذا ظهر بعد القسمة وهو مذهب طائفة من العلماء.
وقال بعض العلماء: إنه لا يستحق الدخول، وهو مذهب الشافعية والحنابلة كما ذكر المصنف أنه إن ظهر غريم بعد القسمة دخل؛ لأن المال محبوس بالدين عموماً ومتعلق بذمة المديون، فيستوي فيه من عجل ومن تأخر في المطالبة.
وقال بعض العلماء: لا يقاسم وينشأ له حجر جديد، ولا يستحق أن يطالب؛ لأنه هو الذي فرط ويتحمل عاقبة تفريطه، وهذا يقول به الإمام مالك رحمه الله.
كيفية فك حجر المفلس
قال المصنف رحمه الله: [ولا يفك حجره إلا حاكم].
ولا يفك حجر المفلس إلا حاكم وهو القاضي، والسبب في هذا أنه كما كان الإثبات مفتقراً إلى حكم وقضاء، كذلك الإلغاء ورفع الحكم يحتاج إلى حكم لرفع الحجر وفكه، فمذهب جمهور العلماء أن المفلس إذا حكم عليه بالحجر لا يخرج من الحجر فإنه إلا بحكم ثانٍ.
إذاً: ما فائدة المسألة؟ فائدتها لو أن صاحب شركة أفلس، وديونه -مثلاً- مليون، فأخذت أمواله وبيعت وسدد منها دينه، ثم لما بيع متاعه وبيع ما يملكه اشترى من رجل قبل فك الحجر عنه، فإن قيل: إنه يفك الحجر عنه بمجرد سداد ديونه فحينئذٍ البيع صحيح.
وإن قيل: إنه يفتقد الحجر إلى فك، فلا يصح هذا البيع إلا بعد أن يفك الحجر عنه، هذه فائدة المسألة: أنك إذا حكمت بكونه محجوراً عليه ولا يفك حجره إلا بحكم القاضي، فكل صدقة تصدق بها أو تبرع بذله أو بيع عقده لا يحكم به إلا بعد فك الحجر عنه.
الأسئلة
الجمع بين قول المصنف: (ولا يحل مؤجل بفلس) وبين قوله: (إن القرض يثبت بدله في ذمته حالاً ولو أجله)
السؤال
أشكل عليّ قول المصنف: (ولا يحل مؤجل بفلس ولا بموت) مع ما تقدم في باب القرض من قوله: (إن القرض يثبت بدله في ذمته حالاً ولو أجله)؟
الجواب
باسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فمسألة ثبوت الدين في الذمة حالاً بالقرض نفسه بيناها، بمعنى: أنه بمجرد ما يأخذ المال يثبت في ذمته البدل، ولا يؤجل ولا ننتظر إلى الأجل، فشغل الذمة بالدين يكون بمجرد الأخذ والقطع.
وهذا هو الذي نفرع عليه مسألة أن من مات حلت ديونه؛ لأن الميت ما ألزمناه بسداد دينه إلا لأن ذمته شغلت، فهناك فرق بين مسألة المطالبة بحلول الأجل، فلا يطالب إلا بعد تمام الأجل وحلوله، وبين مسألة ذمة الشخص الذي يأخذ الدين، فالشخص الذي أخذ الدين يثبت المال في ذمته حالاً بمجرد قبضه للمال، ويصبح بدل هذا المال وعوضه ثابتاً في ذمته، كرجل استدان مائة ألف، فإنه قبل قبض المائة ألف ذمته بريئة، وبمجرد قبضه للمائة ألف ثبتت في ذمته، والذمة قلنا: وصف اعتباري قابل للإلزام والالتزام، فتصبح ذمته مشغولة بهذا الدين بمجرد القبض، فهذه مسألة قبض الدين وقد تم بيانها.
أما مسألة حلول الأجل وعدم حلوله، وهذا الذي في الذمة متى يستحق المطالبة به ومتى لا يستحق، فهذا مرتب على الأجل، ثم بعد ذلك يفصل فيه أنه إذا مات أصبحت ذمته مرهونة وحقه موجود، فكان من العدل والإنصاف أن يبادر بإبراء ذمته.
والله تعالى أعلم.
التزام ابن الميت بدين أبيه هل يبرئ ذمته؟
السؤال
إذا التزم ابن الميت لصاحب الدين بسداد دين والده، بأن يصبح الابن هو المدين، فهل من الممكن أن تقع الحوالة في هذه الحالة؟
الجواب
إذا التزم الابن أو القريب أو الغريب بدين رجل، فإنه في هذه الحالة لا تبرأ ذمة الميت إلا بالسداد، والدليل على ذلك حديث أبي قتادة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل ليصلي عليه فقال: هل عليه دين؟ قالوا: نعم ديناران، فقال صلى الله عليه وسلم: هل ترك وفاءً؟ قالوا: لا.
قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: هما عليّ يا رسول الله، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم).
قال أبو قتادة رضي الله عنه: (فلم يزل يلقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسألني: هل أديت عنه -سددت-؟ فأقول: لا بعد، هل أديت؟ فأقول: لا بعد، حتى لقيني ذات يوم فقال: هل أديت عنه؟ قلت: نعم قال: الآن بردت جلدته)، والحديث في الصحيحين.
وهذا يدل على أمر عظيم فقوله: (بردت جلدته) يقوي قول بعض العلماء: أن معنى (مرهونة) أي: أنه يحبس عن النعيم لقوله: (بردت جلدته)، وهذا يدل على أنه لو قال شخص عن ميت: عليّ دينه فإنه لا يبرأ إلا بالسداد حتى يصل الحق لصاحبه، فإذا أعطي الحق لصاحبه برأت ذمته، وأما إذا لم يعط -سواءً بحوالة أو بكفالة- كما في حديث أبي قتادة - فإنه لا تبرأ ذمته.
والله تعالى أعلم.
معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (أدى الله عنه)
السؤال
من استدان ديناً يريد أداءه وفي الحديث: (أدى الله عنه) نرجو من فضيلتكم شرح هذا الحديث؟
الجواب
قوله عليه الصلاة والسلام: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها؛ أتلفه الله) هذا حديث عظيم يدل على أن النيات والمقاصد تؤثر في أمور العبد، وأن الله يفتح له من أبواب التوفيق، وييسر له من سبل التوفيق على قدر نيته وصلاحه.
والمراد بهذا الحديث: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها) كرجل يأتي ويستدين مائة ألف، والله يعلم في قرارة قلبه أنه يريد أن يسدد، فإن الله يؤدي عنه.
وقد اختلف العلماء في قوله: (أدى الله عنه) فقيل: يوفقه للسداد إذا كان حياً، فإذا مات قالوا: إنه يتحمل الله سبحانه وتعالى عنه فيرضي صاحب الدين عن دينه؛ لأنه علم من نية عبده أنه يريد أن يسدد، والله عز وجل اطلع على ضميره وقلبه ونيته، فعلم أنه يريد الخير، فأعطاه خيراً كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال:70].
وأما قوله: (ومن أخذها يريد إتلافها) كما يحصل من المتلاعبين أنهم يأخذون الأموال ولا يريدون أن يسددوا، ولا يفكرون في السداد، وتظهر هذه النية إذا حدد الدين فقال: أسددك في نهاية السنة، فإن كان في نيته فعلاً أنه في نهاية السنة سيأتيه بالمال ويسدد فهذا رجل أخذ أموال الناس يريد أداءها، وأما إذا علم أنه في نهاية السنة لا يكون عنده مال أو خدع صاحب المال فقال له: إن شاء الله ستأتيني أموال بعد شهر، إن شاء الله سيأتيني إيجار، سيأتيني شيء، ومناه وعبث بحقه فقال له: أبشر إن شاء الله في نهاية السنة ستنفرج، سيأتي عوض، سيأتيني تعويض، سيأتيني كذا، فمناه بالباطل، فهذا أخذ أموال الناس يريد إتلافها، فالله يتلفه فيمحق بركة أمواله.
ولذلك من المشاهد والمجرب في الناس الذين يأخذون أموال الناس -مع أن بعضهم يكون غنياً قادراً على السداد وهو لا يريد أن يسدد- أن الله يمحق له البركة من ماله ويلبسه ثوب الفقر وهو في الغنى.
ولذلك تجده في أضيق حال -نسأل الله السلامة والعافية- وإن سلمت أمواله من النكبات والضيق سلط الله عليه هماً يلازمه وغماً يتابعه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه) حتى كان بعض العلماء مما يوصي به بعض طلاب العلم يقول له: لا تستدن قدر ما تستطيع.
وفي بعض الأحيان إذا كان صاحب الدين نفسه غير طيبة وغير راضية وحل الأجل فإن هذا يؤثر على الإنسان ويؤثر على حاله لأن نفسه مرهونة ومحبوسة.
حتى إن بعض الأخيار تراه يحب قيام الليل وصيام النهار فربما رهنت نفسه وحبست، كما أنها تحبس عن نعيم الآخرة فلا يمتنع أن تحبس عن نعيم الدنيا، وذلك بما يكون بسبب تأجيل حقوق الناس، والأفضل أن الإنسان يتقي هذا الشيء.
وإذا اضطر إلى الدين بحاجة وبأمر فإنه يستعين على ذلك بحسن النية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رحم الله امرأ سمحاً إذا قضى سمحاً إذا اقتضى) فالمسلم إذا كان فيه السماحة وفيه حسن النية؛ فإن الله يوفقه ويرحمه وييسر له من أبواب الفرج ما لم يخطر له على بال.
والله تعالى أعلم.
حكم تحميل الإمام ما ينساه المأموم من أركان الصلاة
السؤال
هل الإمام يحمل الأركان عن المأموم إن ترك المأموم ركناً ناسياً؟
الجواب
الأصل في هذه المسألة حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عند أحمد وأبي داود في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم اغفر للمؤذنين، وأرشد الأئمة) هذا الحديث الشاهد فيه قوله: (الإمام ضامن)، الضمين: هو الحميل، فكأنه يتحمل عن المأمومين، ولذلك قالوا: يحمل عن المأموم الواجبات ولا يحمل الأركان، فإذا كان المأموم قد نسي واجباً، كأن يرفع الإمام ويقول: سمع الله لمن حمده، فيرفع المأموم وينسى أن يقول: ربنا ولك الحمد، أو يكبر الإمام للسجود، فيسجد المأموم دون أن يكبر ناسياً، فيحمل الإمام عنه سهوه، ولا يلزمه أن يسجد سجود السهو، وهكذا إذا نسي التسبيح في الركوع أو السجود فإن الإمام يحمل عنه ذلك.
وأما بالنسبة للأركان فإن الإمام لا يحمل الأركان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن في هذا الحديث أن الإمام ضامن، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الصحيحة أن المأموم يلزمه قضاء ما سبق كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) وفي رواية: (فاقضوا).
فدل على أن الأركان تقضى.
والله تعالى أعلم.
ضابط اللغو في الأيمان
السؤال
ما ضابط اللغو في الأيمان؟
الجواب
لغو اليمين الذي أسقط الشرع المؤاخذة فيه ينقسم إلى صور، منها: أن ترى الشيء تظنه على حال، فيتبين بخلافه، فتحلف بالله عند رؤيته لأول وهلة أنه كذا، ثم يتبين أنه ليس كما ظننت، كرجل رأى رجلاً فقال: هذا والله محمد؛ لأن أوصاف محمد كلها موجودة فيه، ثم لما اقترب الرجل إذا به زيد، فهذا من لغو اليمين؛ لأنه حلف على غلبة الظن ثم تبيّن كذبها، لكنه لم يكن في ذلك كاذباً في الحقيقة وإنما على ما ظهر له.
ومن هنا فرع العلماء مسألة حلف اليمين في القضاء على غلبة الظن، فيجوز للمدعى عليه أن يحلف اليمين منكراً إذا كان غالب ظنه أنه ليس لفلان عليه شيء.
وكذلك من لغو اليمين أن يجري ذلك مجرى الكلام الذي لا يقصد منه الحلف، كقوله للضيف: والله تقعد والله تقوم والله ما تذهب والله تتغدى والله تتعشى والله قم والله تقعد، وهذا الكلام أثناء اللجاج دون قصد لليمين، فتقول للرجل: والله تقعد والله تقوم بسرعة، بدون أن تستحضر اليمين أو تقصدها، فهذا كله من لغو اليمين، وفي ذلك آثار عن ابن عباس رضي الله عنهما من الصحابة، وغيره من أئمة التابعين.
والله تعالى أعلم.
حكم البيع حياءً لا رغبةً في البيع
السؤال
إنسان له فضل عليّ بعد الله سبحانه وتعالى، وأراد أن يشتري مني سلعة، فبعته حياءً منه لا رغبة بالبيع، فهل يجوز هذا البيع؟
الجواب
الحكم في الشرع على الظاهر، والبيع إذا استوفى أركانه وشروطه فهو صحيح، وكونك غلبك الحياء فهذا لا يؤثر في ظاهرك؛ لأنه ليس ثم أحد فرض عليك ذلك، وليس ثم أحد أكرهك عليه، وكونك تجامل أو تتنازل عن حقك هذا بالنسبة لك أنت، فأنت الذي تتحمل المسئولية؛ لأنك بين نارين: بين أن تباشره وتقول: لا أرغب في البيع، وبين أن تصبر على البيع، وحينئذٍ يكون فضله منفكاً عن مسألة الحقوق، وبين أن ترضى بالبلاء فتبيع وتأخذ الثمن والله سبحانه وتعالى يعوضك، لكن ينبغي على أهل الفضل كالعلماء وطلاب العلم ألا يحرجوا الناس، وألا يتخذوا من علمهم وسيلة للدنيا.
هذا أمر محتم، ينبغي على طالب العلم أن يتنبه له، خاصة في هذا الزمان الذي أصبح فيه طالب العلم يأكل ويشرب بعلمه، ويتعالى على الناس بعلمه، ويحرج الناس بعلمه وفضله، وأعرف من مشايخنا -رحمة الله عليهم- أنه كان يتجنب إذا دخل السوق أن يشتري من شخص يعرفه، كل ذلك خوفاً من أن يكون قد أخذ بعلمه شيئاً من الناس.
وهذا هو الورع حيث ينبغي أن يبتغى العلم للآخرة: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان:57] فالإنسان إذا تعلم العلم ينبغي أن يجعله لله والدار الآخرة.
ولذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما: (إذا كنت في السفر صائماً فلا يشعر بك من معك، إنهم إن شعروا بك قالوا: أنزلوا الصائم، افرشوا للصائم، ارفعوا رحل الصائم حتى يذهب أجرك في الصيام) أي ساعدوه، فتصبح كلاً عليهم بعبادتك فكأن العبادة أصبحت وسيلة للدنيا.
فينبغي للإنسان ولطالب العلم وللفاضل وللورع أن يتقي مثل هذا، خاصة الشيخ مع طلابه أو ممن له فضل، فلا يطلب من الناس أجراً، إنما يكون أجره على الله، والعلم إذا قصد به وجه الله وابتغي به ما عند الله باركه الله لصاحبه، وبارك الله في ثمرته وعاقبته، وأصبح الإنسان محفوظاً في علمه، وأصبح العالم محفوظاً في علمه، وطالب العلم محفوظاً في طلبه ما اتقى الله عز وجل في هذا العلم وأراد به الله والدار الآخرة.
فينبغي للمسلم أن يضع هذا نصب عينيه، وأن يخاف شدة الخوف، والله إني لأعرف من بعض المشايخ -رحمة الله عليهم- إذا اشترى شيئاً من شخص يعرفه -خاصة في الصفقات الكبيرة- يذهب ويرسل من يسأل في السوق كم قيمتها، كل ذلك خوف المجاملة.
ولقد حضرت بعض مجالسه أنه يستحلفه بالله أن قيمتها كذا، كل ذلك من أجل ألا يدخل إلى ذمته شيئاً من حقوق الناس ويصبح كلاً عليهم، وإذا نظر الناس لأهل العلم وطلاب العلم والفضلاء فوجدوهم لا يبالون بالدنيا، وأن الدنيا تحت أقدامهم وأنهم علموا لله وابتغوا ما عند الله ورجوا الدار الآخرة؛ أحبهم الله ووضع لهم القبول، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس) فإذا رُئي العالم وطالب العلم عفيفاً عن أموال الناس، وعن حقوقهم، وعن مظالمهم، فإن الله يحبه ويبارك له، ووالله ما تركت شيئاً من الدنيا لله إلا عوضك الله أطيب منه وأزكى لدينك ودنياك وآخرتك.
وهنيئاً لمن وفقه الله فصان الله به وجه العلم، وصان به كرامة العلم، وعرف أنه لا يتبلبل بعلمه وأنه لا يبيع ويشتري بعلمه، فيذهب إلى السوق والتجارات فيمتهن.
ولذلك تجد من يفعل هذا الفعل يركبه أهل الدنيا، ويجد من تسلط السفهاء والرعاع عليه ما يكون ثمناً لهذا التنازل عن دينه وعلمه.
فالواجب على المسلم أن يتقي الله وألا يحرج الناس في حقوقهم، وألا يستغل منصبه أو مكانته من كونه معلماً أو مدرساً فيأتي لطالبه أو لمن هو دونه من أجل أن ينال عرضاً من الدنيا.
ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل الآخرة أكبر همنا ومبلغ علمنا، وألا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا غاية رغبتنا وسؤلنا، ونسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا علماً نافعاً، وأن يكفينا بحلاله عن حرامه، وأن يغنينا بفضله عمن سواه، إنه واسع الفضل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.