شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 19-14
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ضابط الغبن الذي يثبت به الخيار في البيع

السؤال

ذكرتم أن في حديث عروة البارقي دليلاً على جواز أن يربح الإنسان بأضعاف ما اشترى به، فأشكل عليّ ذلك مع خيار الغبن، والذي يتضمن منع البائع من الزيادة الفاحشة، فما هو التوضيح في ذلك؟

الجواب

إشكالٌ جيد، ولكنه وفق السائل، أولاً: لكي يتضح الإشكال: خيار الغبن: أن تأتي إلى السوق وتسأل عن كتاب، بكم قيمة هذا الكتاب؟ قال: هذا الكتاب قيمته مائتان، فدفعت له المائتين وأخذته، فلما فارقت الرجل وتم البيع سألت عن الكتاب فإذا قيمته خمسون، هذا غبنٌ فاحش، أي: أن الرجل ظلمك بالاسترسال، والاسترسال: أنك قبلت كلامه واسترسلت معه في البيع دون أن تكاسره، فلما باعه لك غبنك غبناً فاحشاً، فبعض العلماء يقول: البيع صحيح ولا خيار لك؛ لأنك قد رضيت أن تدفع المائتين مقابل الكتاب، والبيع وقع عن تراض، وقال بعض العلماء: لك الخيار؛ لأنك حينما سكتّ كأنك قلت له: قبلت هذا الكتاب بالعرف، وقد ائتمنتك على العرف في بيع هذا الكتاب، فصار غشاً وتدليساً؛ لأنك سكت بناءً على أن العرف أن يباع بمائتين، فإذا تبين أنه يباع بخمسين فقد ظلمك، وهذا الوجه الثاني رجحه غير واحدٍ من العلماء، وقد بينا هذا في الخيارات، وإذا ثبت هذا فنحن قلنا: يجوز الربح أضعاف القيمة، وقد اشترى عروة شاتين بدينار، معنى ذلك أن قيمة الشاة نصف دينار، وباع إحدى الشاتين بدينار، فمعناه أنه ربح (100%) يعني: ربح الضعف، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فكيف نقول بخيار الغبن مع أن عروة البارقي اشترى الشاة بنصف دينار وباعها بدينار؟! والجواب في هذا: أن الشاة تباع بدينار وتباع بدينارين على حسب العرف، أي: أن الغبن في الدينار ليس بفاحش، ومحل خيار الغبن في الغبن الفاحش، فعلى هذا: يستقيم أن يجاب بأن الدينار والدينارين قد يكون غبناً غير فاحش، فمثلاً في السوق يباع الكتاب بخمسين ويباع بستين ويباع بسبعين ويباع بثمانين ويباع بمائة، على حسب قوة المشتري في المكاسرة، فأنت إذا جئت واشتريت بستين فقد اشتريت بعرف، ولو اشتريت بمائة فقد اشتريت بعرف، فـ عروة البارقي اشترى الشاة من الجلب، والجلب أرخص من السوق، ثم باعها في السوق، وعلى هذا: لا يمنع أن تكون قيمة الشاة جلباً خمسين، وقيمتها في السوق مائة أو تكون قيمتها في الجلب نصف دينار وقيمتها في السوق ديناراً، وعلى هذا لا يستقيم الاعتراض، ويكون من باب بيعه بالعرف، فيجوز أخذ الأرباح الكثيرة إذا لم يكن في ذلك الغبن الفاحش، كذلك يمكن أن تقول: إنه يجوز أن يقول له: يا فلان! السيارة قيمتها في السوق عشرة آلاف، وأنا لا أبيعها إلا بثلاثين ألفاً، وهذا من حقه، فإنه لو كشف له الأمر وقال: قيمتها بالسوق عشرة وأريد أن أبيعها بثلاثين فحينئذٍ يستقم لنا أن نحتج بحديث عروة البارقي؛ لأن الشرع لم يحد ربحاً معيناً، فإذا قال له: رضيت أن أشتريها منك بثلاثين ألفاً فإن الله تعالى يقول: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:29] وهذا قد رضي دفع الثلاثين فصح البيع ولا يحكم بالفساد، والله تعالى أعلم.

أحكام الجاهلية مردودة بحكم الشرع

السؤال

ورد أثناء الدرس قوله صلى الله عليه وسلم: (الوليدة والمال ردٌ عليك) فما المراد بقوله: (الوليدة)؟

الجواب

هذا من حكم الجاهلية، حيث كان في الجاهلية إذا زنى الرجل بامرأة الرجل يعطيه وليدة وهي الجارية، يعطيه وليدة أو يعطيه غلاماً، فقال له: (الوليدة والغنم رد عليك)؛ لأنه افتدى، فيصير كأنه حق للزوج الذي أفسد عليه فراشه، فيدفع له مالاً كالغنم، ويدفع له الوليدة الأمة الحامل أو بدون حمل على حسب ما يتفقان، فهذا من حكم الجاهلية، وهي الأعراف التي كانت في الجاهلية مثل ما يقولون: الحقوق والسلوم، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم الحكم ورده وقال: (على ابنك جلد مائة، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها -فاعترفت فرجمها-)، فرد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المال، وفيه دليل على أنه: إذا أُلزم الشخص في خصومة وقيل: عليك الحق وتذبح شاة أو عليك الحق وتدفع مالاً، أنه من حكم الجاهلية، ويكون من أكل المال بالباطل؛ لأن الله لا يحكم بذلك، وأموال الناس لا تستحق إلا بحكم الله سبحانه وتعالى، فهذا الحديث أصل من الأصول في رد هذه الأحكام والأعراف ونحوها، والله تعالى أعلم.

بطلان الوكالة في الرضاع

السؤال

ذكر العلماء -رحمهم الله- عدم جواز الوكالة في الرضاع فما صورة ذلك؟

الجواب

معناه: لو أن امرأةً قالت لامرأةٍ: أرضعي عني فلاناً، فالابن رضيعٌ لمن ارتضع منه، فلو قلنا: إن الوكالة صحيحة فمعنى ذلك: أنه يكون ابنأ للأصيلة، وهي المرأة التي أمرت بالرضاع، وعليه فيقال: الوكالة باطلة، ويثبت أنه ابنٌ للمرأة الموكَلة لا المرأة الموكِلة، وعلى هذا لا تصح الوكالة كحكم، أي: لا يترتب عليها أثر الرضاع، وإنما يكون الولد ولداً للمرأة التي أرضعت لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء:23] فخص الحكم بالأم التي أرضعت، فكما لا يصح في النسب أن يثبت وكالةً، كذلك لا يصح في الرضاع أن يثبت وكالةً، والله تعالى أعلم.

حكم من أدرك الإمام في الركعة الرابعة ثم قام الإمام للخامسة

السؤال

رجل أدرك الإمام في الرابعة ثم قام الإمام للخامسة فسبح المأمومون فلم يعد، وقام معهم، فهل يعتد بهذه الركعة بالنسبة للرجل فتكون ثانية له؟

الجواب

إذا زاد الإمام ركعةً في الصلاة كالثالثة في الفجر، والخامسة في الظهر والعصر والعشاء، والرابعة في المغرب فتسبح له، فإن كان فقيهاً وطالب علم يعلم الأحكام وأشار إليك: أن قم، وخاصةً إذا كانت سرية فتقوم؛ لأن الغالب أنه نسي ركناً كالفاتحة فيريد أن يخبرك لتقوم معه وتتابع؛ لأن فيه شبهة الأمر بالمتابعة، أما إذا لم يشر، ولم يكن من طلاب العلم، فسبحت له فإن كنت على يقين أنه مخطئ فلا تتابعه ولا تستمر معه في هذه الركعة، فمن تابع الإمام في ثالثة في الفجر أو خامسةٍ في الظهر والعصر والعشاء فإنه تبطل صلاته، ويلزم بالإعادة؛ لأنه زاد في صلاته عالماً متعمداً، وأما إذا كان مسبوقاً كما ورد في السؤال أو جئت في الركعة الثانية من الظهر فقام الإمام واستحدث بعدها ركعة فإنه يجوز لك أن تتابع الإمام؛ لأن الإمام معذور في هذه الزيادة لحكم الشرع له أن يعمل بظنه، وأن يترك ظن غيره إذا استيقن، فحينئذٍ إذا كنت قد أتممت صلاتك فإنك تجلس في التشهد، ولا تسلم حتى ينتهي الإمام من الخامسة ويتشهد ويسلم بك؛ لأنه يجوز أن تفارقه لعذر فتتقيد بوجود العذر، وهو الزيادة، وأما التشهد فتشاركه فيه وتطول في الدعاء وتنتظر حتى ينتهي من خامسته، ثم يدعو ويتشهد، ويدعو ويسلم بك إلحاقاً بصلاة الخوف كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف، حيث تشهد بالطائفتين وسلم، وانتظرته الطائفة الأولى وسلمت بسلامه فدل على أنه لا ينقطع الاقتداء.
وأما بالنسبة لك أنت كمسبوق، فإنك تصلي معه الخامسة، وتصبح صلاتك صحيحة على قول من قال: يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل، فهو في الخامسة متنفل، وأنت فيها مفترض، ويجوز اقتداء المفترض بالمتنفل في هذه المسألة ونحوها، وعلى هذا فصلاتك صحيحة، وصلاة الإمام على هذا الوجه صحيحة، والله تعالى أعلم.

دخول ربا النسيئة في الصرف عند عدم التقابض

السؤال

لو اشتريت وبقي لي مبلغ عند البائع، ولم يوجد عنده الباقي ونويت أنه دين، ثم أتيت وأخذت بهذا الدين شيئاً، فهل هذا صحيح؟

الجواب

إذا اشتريت شيئاً بثمنٍ ودفعت أكثر منه، فحينئذٍ يكون العقد مشتملاً على عقدين، مثاله: اشتريت بعشرة ودفعت خمسين، فحينئذٍ إذا اشتريت الكتاب بعشرة، فالعشرة مقابل الكتاب بيع، والأربعون الباقية من الخمسين صرف، فأصبح عقد بيعٍ وعقد صرف، وعقد الصرف: مبادلة المال بالمال في أحد النقدين الذهب أو الفضة، والأوراق النقدية مُنزلة منزلة أصولها، ولذلك وجبت فيها الزكاة، فهي إما ذهب وإما فضة على حسب رصيدها، فإذا جئت تدفع العشرة مقابل الكتاب فهذا بيعٌ لا إشكال فيه، لكن الأربعين الباقية يجري عليها حكم الصرف الشرعي، فيجب عليك كما لو صرفت الخمسين بخمسين: أن يكون يداً بيد، فتعطيه الخمسين وتستلم، قال صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب رباً إلا هاء وهاء، والفضة بالفضة رباً إلا هاء وهاء)، فدل على لزوم التقابض، وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (فإذا اختلفت -أي في الصرف- هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)، وعلى هذا فلا يجوز أن تبقي الباقي عنده، فإن أبقيت الباقي عنده فإنه صرفٌ بنسيئة، ومتى افترق المتصارفان دون أن يحصل القبض للثمنين أو لأحدهما فهو ربا النسيئة، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لك أن تفارقه وبينكما شيء)، وعلى هذا فأنت بالخيار بين أمور: الأمر الأول: إذا كان عندك خمسين وليس عنده صرفها فإنك تقول له: اذهب واصرف، فيذهب وكيلاً عنك بالصرف فيصرف الخمسين ويعطيك صرفها، فتعطيه حقه وتستلم حقك، هذا توكيل بالصرف ولا إشكال فيه.
الحالة الثانية: أن تقول له: إني لا مال عندي أعطيك الآن إلا هذه الخمسين فإن شئت فاصرفها وإن شئت فاجعل مالك ديناً عندي أي: قيمة الكتاب وهي العشرة، فتفارقه ثم تجعل العشرة ديناً عليك فتذهب وتعطيه إياها متى ما صرفت، على حسب ما تتفقان عليه من الوقت، أو تقول له: انتظر حتى أصرف الخمسين وتذهب بنفسك وتصرف الخمسين ثم تأتي وتعطيه ماله، أما إذا بقي عنده شيء فيسمى: بيع وصرف، والصرف هنا ليس فيه تقابض، وهو عين النسيئة التي أجمع العلماء -رحمهم الله- على تحريمها، وهي أشد أنواع الربا الذي: (لعن الله آخذه وآكله وموكله وكاتبه وشاهديه) فأمرها عظيم، ولذلك يقول العلماء: إنه قد يشيب عارض الرجل في الإسلام وهو يُعلن الربا صباحاً ومساءً، يعني: يتعامل بالربا وهو لا يعلم، حيث يقصر في السؤال والاستبيان، فلا بد وأن تأخذ يداً بيد، فإذا صرفتما ووقع التقابض فلا نسيئة وإلا فهو النسيئة التي حرم الله، والله تعالى أعلم.

الطريقة المثلى لضبط مسائل العلم

السؤال

إذا كان لطالب العلم أكثر من درسٍ يواظب عليه فعند الضبط والمراجعة تتداخلُ عليه الدروس، وتكثر عليه المسائل، فما الطريقة المثلى لضبط مسائل العلم؟

الجواب

أما بالنسبة لتعدد العلوم، واختلاف المشايخ في الطلب فهذا يؤثر كثيراً على طالب العلم، ولا يضبط العلم مثل الانحصار والتقيد وكثرة المراجعة، وهذا معروف حتى في زمان السلف، فإنك لم تجد صحابياً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا وله طلاب يأخذون عنه؛ لأن الخلاف وقع في الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وأما في حياته عليه الصلاة والسلام فالصحابة كانوا آخذين عنه العلم، لكن بالنسبة للصحابة تجد لكل صحابي أصحاباً، فتجد لـ ابن عمر أصحاباً كـ نافع وسالم ابنه ونحوهم من تلامذة ابن عمر، وتجد أصحاب ابن عباس كـ مجاهد وعطاء وعكرمة ونحوهم من تلامذته، وتجد لـ ابن مسعود علقمة وغيره من أصحابه رضي الله عنه.
فهذا التنوع الذي كان عند الصحابة رضوان الله عليهم لما بذلوا علمهم انحصر التابعون، فأخذوا عن كل واحد؛ ولذلك ابن عباس رضي الله عنهما لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لزم زيد بن ثابت وأخذ عنه ونبغ في علم التفسير؛ لأن زيد بن ثابت كان من أعلم الصحابة بالقرآن؛ لأنه كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما توفي زيد رضي الله عنه بكى أبو هريرة بكاءً شديداً، وقال: (لقد دفن الناس اليوم علماً كثيراً ولعل الله أن يجعل لنا ابن عباس خلفاً عنه) فكان ابن عباس منحصراً في زيد؛ لأنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ابن عباس حدثاً صغير السن مقارباً للبلوغ، فأراد أن يطلب العلم فانحصر في زيد وأخذ عنه، فقال أبو هريرة: (لعل الله أن يجعل لنا ابن عباس خلفاً عنه) يعني: عن زيد فالانحصار ليس المراد به التعصب، إنما المراد أن تبحث عن من تثق بدينه وعلمه وأمانته ممن أخذ العلم -هذا الشرط- عن أهله واتصل سنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس ممن أخذ العلم عن الكتب فأخذ علماً لا يوثق به؛ لأنه إذا أخذ عن كتب تشتت وتعددت أصوله، وتفرقت إشكالاته واختلفت، فالذي أخذ العلم وطلبه عن أهله ممكن أن ينحصر فيه طالب العلم.
فإذا نظرت أنك تستطيع أن تجمع بين درسين في الأسبوع أو ثلاثة بالأكثر، وتضبطها فحيّ هلا! أما إذا كان العلم الذي تأخذه في الدرس يحتاج إلى ضبط وتكرار فلا تضبط العلم إلا بالانحصار، فإذا انحصرت في العالم وأخذت عنه وارتويت من علمه وضبطت ما عنده انتقلت إلى غيره، وهذا هو الذي كان عليه العلماء رحمهم الله والأجلاء؛ ولذلك انظروا إلى أصحاب ابن عباس فإنك إذا جئت إلى المسائل الخلافية -بالاستقراء والتتبع- تجد القول عن عبد الله بن عمر وعن عبد الله بن عباس، تجدهم يقولون: وبه قال نافع وسالم بن عبد الله ومجاهد بن جبر وسعيد بن جبير، فيعدد أصحاب الصحابيين؛ لأنهم أخذوا الفقه وضبطوه عنهم، المهم أن تأخذ بالدليل، والمهم أن لا تتعصب لشيخك إذا خالف الدليل، ولكن إذا أخذت عن شيخٍ يوثق بعلمه بدليل وحجة فاستمسك بالحجة والدليل، فإن خالفه أحد وعارضه أحد يقول لك: هذا معارضٌ للسنة؛ فلربما جاءك الغير بدليل يتوهم أنه حجة وأنه سنة، والواقع أنه دليل مطعون في سنده، أو مجاب بدليل عنه أقوى منه، وعلى هذا تقول بقول العالم، وتنحصر في علمه وتأخذ عنه وتضبط، حتى تصل إلى ما وصل إليه، كمثل مشايخنا الكبار -حفظهم الله وأدام الله عليهم العفو والعافية، وأبقاهم للإسلام والمسلمين- هؤلاء العلماء الأجلاء الأتقياء الذين عُرِفوا بالخير والصلاح وزكتهم الأمة، حينما يأخذ طالب علم عن عالم منهم، ويأخذ هذا العلم بدليله وحجته يلقى الله عز وجل يوم القيامة وقد أخذ العلم بالاتباع، وما جاء بعلم من عنده فشذ، وجاء بالآراء الغريبة، فمثل هؤلاء العلماء الذين عُرِفوا بالأمانة لا يأتون بالأهواء ولا يخبطون خبط عشواء، وإنما يأخذون العلم بحجة، ويسلكون السبيل والمحجة، لهم قدمٌ راسخة من سلفٍ صالح، وأئمة يهتدى ويقتدى بهم، فمثل هؤلاء يعض على علمهم بالنواجذ، فإن وجد قولٌ يخالف قولهم بدليل، وظهرت قوته، وأثرت أنواره وحجته، فإننا نعدل عن هذا القول بحجة هي أقوى وسبيل أبلغ في الرضا، ونعتذر لعلمائنا ومشايخنا بما يليق به الاعتبار، وهذا هو مسلك العلماء والأئمة، أما تعدد الدروس واختلافها فإنه يحدث عند طالب العلم ربكة، ويحدث عند طالب العلم الاضطراب، خاصةً فيما يشترط فيه اتحاد في الأصول، فالفقه إذا قرأته على شيخ ينبغي أن لا تقرأ أصول الفقه إلا بهذا الضابط؛ لأنه لا يستقيم أن تقرأ الفقه على عامل يرجح أن المفهوم حجة، وتقرأ أصول الفقه على يد عالم لا يرى أن المفهوم حجة، فأنت في الأصول تصحح قولاً تخالفه في الفروع والتطبيق وهذا هو الذي جعل العلماء في المذاهب الأربعة يهتمون بتقعيدها وبيان أصولها، حتى يكون استنباطك للنصوص وعملك بالأدلة على قاعدة صحيحة، وعلى هذا درج سواد الأمة الأعظم، فلن تجد عالماً إلا وقد أخذ الفقه من أصل ومذهب بالدليل ولم يتعصب ألا للدليل، فنحن نريد علماً صحيحاً موروثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مأخوذاً عن الأئمة، لكن بدون شتات وفرقة حتى يستطيع طالب العلم أن يصل إلى الحق بأقرب سبيل، وأوضح معنى.
نسأل الله العظيم الجليل أن يرزقنا الصواب والرشاد، وأن يجعلنا من أهل الصبر، وأن يثبتنا عليه إلى أن نلقاه، وأن يحشرنا في زمرة نبيه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

شرح زاد المستقنع -

باب الوكالة [3]

الأصل في الوكالة أن يقوم الوكيل بأداء ما وكِّل بالقيام به، لكن قد يحدث أن الوكيل يوكل غيره للقيام بهذا العمل، وهذا له حالات وتفاصيل.
وأما الوكالة من حيث هي فهي عقد جائز ليس بلازم؛ لأن المقصود بها الإرفاق، ولها مبطلات كشأن سائر العقود.

حكم توكيل الوكيل لغيره

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فكان حديثنا عن باب الوكالة، ولا زال المصنف رحمه الله يبين المسائل والأحكام المتعلقة بهذا الباب الذي تعم به البلوى، ويحتاجه الناس في كل زمانٍ ومكان، وشرع بهذه الجملة في بيان مسألة توكيل الوكيل لغيره، فقد تطلب من شخصٍ ما أن يقوم نيابةً عنك بأمرٍ ما، وأنت تقصد أن يقوم به بنفسه، فيفوض ذلك الأمر ويكله إلى غيره، وحينئذٍ يرد

السؤال

هل يجوز له أن يقيم ذلك الغير مقامه، أو لا يجوز؟ ثانياً: حينما أقام ذلك الغير مقامه فلربما تصرف تصرفاً فيه ضرر، فهل يضمنه الموكل الأصلي، أو يضمنه الوكيل؟ بعبارةٍ أخرى: هل هو وكيلٌ عن الأول، أو الثاني؟ وهذا كله يحتاج الناس إلى بيان حكمه.
ومن هنا بين رحمه الله القاعدة فقال: [ليس للوكيل أن يوكِل فيما وُكِّل فيه].
أمثلة هذه المسألة: قد تأتي إلى صديق لك أو أخ لك وتقول له مثلاً: بعْ لي هذه العمارة، فهذا الأخ أو هذا الصديق قد يتولى أمرها بنفسه، أو يذهب إلى مكتب عقارٍ فيوكل صاحب المكتب بالبيع، هذا مثال، وبناءً على ذلك يرد السؤال: هل لك إذا وُكِّلت من الغير أن توكل فيما وُكِّلت فيه، أو لا؟ هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل.
أولاً: إذا وكِّل الشخص في عمل أو وُكِّل للقيام بمهمةٍ من بيعٍ أو شراءٍ أو إجارةٍ أو غير ذلك، فلا يخلو هذا الشخص الذي يوَكَّل وهو الوكيل من حالات: الحالة الأولى

: أن يوكل في شيء لا يقوم به مثله عُرفاً،

وسنذكر مثال ذلك وحكمه.
الحالة الثانية: أن يوكل في شيء يمكنه أن يقوم به لكن بمعونة الغير.
الحالة الثالثة: أن يوكل في شيءٍ يمكنه أن يقوم به وحده.
فهذه ثلاثة أحوال: إما أن يوكل في شيء جرى العرف أن مثله لا يقوم به، وإما أن يوكل في شيء يمكنه أن يقوم به بنفسه ولكن بشرط أن يوجد من يعينه على ذلك الشيء، وإما أن يوكل بشيء يمكنه أن يقوم به بنفسه دون أن يحتاج إلى غيره، فهذه ثلاثة أحوال سنفصل أحكامها.

ان يوكل في شيء لا يقوم به مثله عرفا

ً الحالة الأولى: أن يوكل في شيء لا يمكنه أن يقوم به بنفسه عُرفاً، مثال: لو قال شخصٌ لآخر: اكنس لي أو نظف لي هذه العمارة، أو نظف لي -أكرمكم الله- دورات العمارة، فالعلماء رحمهم الله ذكروا هذه الحالة؛ لأنها توجد بين الناس، ومن الناس من يطلب من أخيه أو صديقه أو رفيقه أن يقوم بعملٍ ليس مثله يقوم به، ففي هذه الحالة إذا قلت لشخص: نظف لي العمارة، أو اكنس لي العمارة فهمنا أنك تقصد أن يأتي بشخصٍ يقوم بذلك، فهي في الأصل وكالة للشخص، لكن المقصود منها أن يقيم غيره مقامه، في هذه الحالة إذا طلبت من شخصٍ ليس مثله يقوم بالعمل أن يقوم بذلك العمل، نقول: الوكالة باللفظ له، ولكنها بالعُرف متضمنةً للإذن بالغير، فعلى هذا: يجوز أن يوكل غيره مقامه، وفي هذه الحالة شبه إجماع، أن الشخص لو قال لآخر: نظف لي العمارة، أو اكنس لي العمارة، أو اكنس لي البيت أو الدار، أو اكنس لي البركة، أو نظف لي دورة المياه -أكرمكم الله-، أو أي شيء ليس مثله يقوم به فإنها وكالةٌ منصرفةٌ في الظاهر إلى المخاطب، وفي الباطن إذنٌ أن يقيم غيره مقامه.
فنستثني من قول المصنف: (ليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه)، ما إذا كان وكل بشيءٍ ليس مثله يقوم به، لكن الإشكال ليس هنا، وإنما حينما قال له: اكنس لي العمارة، أو نظف لي العمارة، فيرد

السؤال

هل إذا قال له هذه الكلمة وذهب وجاء بشخصٍ آخر يقوم بالكنس، هل هذا الشخص الآخر الذي يقوم بهذا العمل وكيلٌ عن الأصل، أو وكيل عن الوكيل؟ وهذا أمرٌ مهم جداً، فعندما تقول للشخص: أصلح لي الباب، ومثله ليس بنجار، أو أصلح لي السقف، وليس مثله بنّاء ليصلح السقوف، أو أصلح لي السيارة وليس مثله يصلح، فهل أنت بهذه الجملة قصدت له: اطلب من يصلحها، فيصبح لك وكيلاً، الوكيل الأول الذي خاطبته، والوكيل الثاني الذي يقيمه مقامه.
فائدة هذا السؤال أنك لو قلت: إن الموكل حينما تلفظ وكّل الاثنين، فلو أنك طلبت منه أن يصلح سقف البيت فأبرم عقداً لمدة شهر لإصلاح السقف، وأثناء الشهر توفي ذلك الوكيل، فإن كان الثاني -الذي هو العامل- وكيلاً عنك، يعني: وكلت الاثنين، فلا تنفسخ الوكالة، ويبقى العقد كما هو، وإن كان وكيلاً عن وكيلك فحينئذٍ يحتاج إلى تجديد؛ لأن الوكالة قد انفسخت.
وقال بعض العلماء: أُبرِم العقد وتم فلا يحتاج إلى تجديد؛ لأنه من العقود اللازمة؛ لأنه من عقود الإجارة، وبناءً على هذا: في حالة ما إذا كان موكلاً للغير وهذا الغير لا يقوم بذلك كإصلاح السيارات وإصلاح البيوت وتنظيفها أو نحو ذلك وليس مثله ممن يقوم به فإنه يصح له أن يوكل غيره ويقيمه مقامه.

أن يوكَّل في شيء يحتاج فيه إلى معونة الغير

الحالة الثانية: أن يكون الأمر المطلوب يمكنه أن يقوم به ولكن يحتاج إلى معونة الغير فيه، ومن أمثلة ذلك: العامل في المزرعة، أو الحارس في العمارة مثلاً، تقول له: يا فلان! نظّف لي العمارة، فإنه بطبيعة الحال سينظفها ولكن يحتاج إلى من يعينه إلى تنظيفها، فمثلاً قلت له: أريد تنظيف هذه العمارة هذا اليوم، فيفهم بداهة إذا كانت عمارة كبيرة أن للمقصود: التمس معك من يعينك على تنظيفها، بناءً على ذلك يصبح لك وكيلاً، الوكيل الأول الذي خاطبته، والوكيل الثاني الذي يقيمه معه، وذهب جماهير العلماء في هذه الحالة إلى أنك لو قلت للعامل أو قلت لشخص تعلم أنه يحتاج إلى معونة الغير: افعل لي كذا فأنت موكلٌ للاثنين، موكلٌ للوكيل الأصلي وموكل لمن يوكله معه.
لكن هنا مسألةٌ مهمة وهي: إذا كنا نقول في الحالة الأولى والحالة الثانية أن من حق الوكيل أن يوكل غيره، فلا بد من بيان شرط مهم وهو: أنه لا يصح لهذا الوكيل أن يقيم معه الغير أو يوكل الغير إلا إذا كان أهلاً للقيام بالعمل، فأنت لا تتحمل المسئولية، لو قلت له: يا فلان! نظف لي العمارة أو ابن لي السقف أو ابن لي الجدار أو الغرفة أو ازرع لي الزرع، فذهب وجاء معه بشخصٍ آخر إذا كان مشاركاً، أو طلب شخصاً آخر يقوم بهذا العمل فإنك لا تتحمل مسئوليته إلا إذا كان على صفتين: الصفة الأولى: أن تكون عنده أهلية القيام بهذا العمل.
الصفة الثانية: مسألة العدالة فيما يحصل فيه الضرر بفواتها.
فمسألة العلم بالعمل مهمة، فلو أنك قلت لرجلٍ: ابن لي الدار أو نظّف لي الدار وليس مثله يقوم بذلك، واستأجر أجيراً لا يحسن تنظيف العمارة ولا الدار، ثم لما جاء يقوم بعمله أخل بذلك العمل، فلما أخل به قال لك: أنت وكلتني ولا بد أن تدفع أجرته.
ففي هذه الحالة: لا تكون ملزماً إلا أن يقدر مقدار عمله الطيب الذي يستحق عليه أجرة، والباقي لا تتحمل مسئوليته، مثال ذلك: ذهب واستأجر عاملاً باليومية -بمائة ريال- أو أخذه مقاولة واتفق معه على خمسمائة، فلما قام بتنظيفها نظفها بمقدار نصف العمل أي: لم ينظف تنظيفاً متقناً، وإنما نظف تنظيفاً مخلاً، بحيث أنك ترى الغرفة عليها آثار الغبار وغيره، لأنه لا يحسن العمل، فحينئذٍ بعد إن انتهى من التنظيف قال لك: ادفع لي خمسمائة ريال أجرة العامل، فذهبت تنظر في عمل العامل وإذا بعمله ليس بمتقن، وليس بأهل أن يأخذ عليه هذه الأجرة، فسألت أهل الخبرة فقالوا: هذا نصف التنظيف، أو اجتهدت وأنت تعرف أنك ما ظلمته فقدرت عمله على أنه نصف عمل تقول له: خذ مائتين وخمسين، فتعطي وكيلك المائتين والخمسين ريالاً، ثم الباقي يتفاهم فيه مع العامل، أما من حيث إلزامك أنت فلا تلزم إلا بما يستحقه الأجير؛ لأنه في هذه الحالة لما أذنت له أن يقيم الغير مقامه بالعرف لا بد وأن يكون هذا العامل أهلاً بالعرف، فلما قصر الوكيل في التحري في صفة العامل وقصر في جلب من هو أهل لذلك يتحمل مسئولية الضرر.
إذاً نقول في هذه الحالة: لو أقام غيره مقامه أو أقامه معه، فلا تتحمل مسئولية ذلك الغير إلا إذا كان أهلاً، هذا الشرط الأول.
فلو أنه -مثلاً- جاء بعاملٍ وهذا العامل لا يحسن العمل في الكهرباء، وقلت له: أصلح لي الكهرباء في العمارة أو البيت، بمعنى: اذهب وانظر لي من هو أهل للقيام بذلك، فذهب إلى السوق وجاء بمن لا يحسن العمل بهذا الشيء، فلما جاء ليقوم بهذا العمل أضر بنفسه -أصابه مثلاً (شورت كهرباء) ومات- في هذه الحالة لا تتحمل المسئولية؛ لأنك لم تطلب منه أن يقيم كل شخص، فأنت حينما قلت له: وكلتك أن تصلح الكهرباء أو الماء فيها أو جدارها أو أرضها أو سقفها كأنك تقول: وكلتك أن توكل من هو أهل بالعرف، فكما أن العرف يصرف الوكالة عن الشخص نفسه إلى شخصٍ آخر، كذلك العرف يقيدها بمن هو أهله.
إذاً: الخلاصة حينما قلنا في الحالتين: أن من حق الوكيل أن يوكل غيره فإننا نشترط أن يكون أهلاً، وإذا لم يكن أهلاً فلا يتحمل الوكيل الأصيل مسئوليته.
ثانياً: أن يكون ممن توفرت فيه الأمانة والعدالة حتى لا يحصل الضرر بالإخلال، فلو أنه أقام شخصاً خائناً فجاء ووضعه وائتمنه على المال فسرق المال، فحينئذٍ هذه السرقة وقعت من الوكيل الثاني، وأنت حينما وكّلته وكلته بالعرف، فيتحمل الوكيل المسئولية عن السرقة ولا تتحملها أنت؛ لأنه وإن قلنا في هذه الحالة أنه من حقه أن يأتي بوكيل، لكن بشرط أن يتحمل، والدليل على أننا نلزمه بالضمان أنه في هذه الحالة قصر، والشرع يلزم من قصر بالضمان، ولذلك: قواعد الشريعة وأصولها دالة على أن من تحمل مسئولية شيء ونزل مكان الأصيل فإنه يتحمل الضرر الناشئ عن الإخلال بذلك الشيء، وتوضيح ذلك أكثر بعبارة مختصرة: أن الوكيل الثاني كان الأصل يوجب عليه أن يسأل في السوق، وأن يتحرى حتى يجد الأهل لذلك فيقيمه مقامه، فلما قصر في السؤال والتحري تحمل مسئولية الإخلال، ولذلك أي شخص يطلب منك أمراً أو يوكلك في أمر وأنت لا تحسنه، وأردت أن تقيم مقامك غيرك، أو دل العرف على أنه أراد أن تقيم غيرك مقامك، فينبغي أن تتحرى وأن تجتهد وأن تحب له ما تحب لنفسك، وأن تكره له ما تكره لنفسك ولا تذهب لكل أحد، فإنه لو كان العمل لك هل تقبل كل عامل؟ وهل ترضى بكل عامل؟ فكما أن الإنسان لا يرضى بالضرر على نفسه فإنه إذا كان وكيلاً عن غيره فعليه أن يتقي الله، وأن يعلم أنه مؤتمن وأن الغير ائتمنه فعليه أن يؤدي هذه الأمانة بالتحري والسؤال، فإذا جاء -مثلاً- يشتري أدوات الكهرباء يسأل صاحب المحل عن أحسن من يوثق فيه، أو يسأل: من الذي يستطيع أن يبحث لي عن عامل لي أمين؟ ويتحرى ويجتهد، فإذا بذل ما عنده فحينئذٍ لا يتحمل المسئولية.

أن يوكَّل في شيء يقوم به بنفسه دون حاجة إلى غيره

الحالة الثالثة: أن يوكل فيما يقوم فيه بنفسه، فلو قلت لرجلٍ: بع لي السيارة أو بع لي الأرض، أو مثلاً: مكاتب العقارات الآن، فتأتي إلى صاحب مكتب عقار وتقول له: يا فلان! وكلتك أن تبيع لي عمارتي الفلانية، قال: إذاً سأقوم بذلك، فإذا قلت له: وكلتك أن تقوم ببيع عمارتي الفلانية، فذهب إلى مكتب عقارٍ آخر واتفق معه، وبيعت العمارة، وجاء يسألك الأجرة وأنت قد قلت له: وكلتك أن تبحث لي عن من يشتري عمارتي أو وكلتك أن تشتري لي عمارة وأعطيك خمسة آلاف أعطيك ثلاثة آلاف أو أعطيك ألفين -لأنه ما يجوز أن أقول لك: آخذ منك اثنين ونصف في المائة، وهذا سيأتينا إن شاء الله في الإجارة؛ لأنه إذا كانت قيمة الأرض مجهولة فهي إجارة بالمجهول كأن تقول: أريد (2. 5%) من القيمة ما ندري، قد تكون قيمة الأرض مليون ريال وأخذ اثنين ونصف في المائة من المليون ليس سهلاً، وقد تكون خمسمائة ألف، فالجهالة في الأجرة موجبة للبطلان كما قررناه في مسائل البطاقات، وإن شاء الله بإذن الله سنفصل هذه المسألة في باب الإجارة-.
الشاهد: أنك لو قلت لصاحب المكتب: التمس لي أرضاً بصفة كذا وكذا أو في موقع كذا وكذا وأعطيك ألفين أو ثلاثة آلاف، فذهب صاحب المكتب وتقاول مع مكتبٍ آخر ثم جاءك وقال: إني قد وجدت لك أرضاً بنصف مليون، ولكن فلان صاحب المكتب يطالبني بخمسة آلاف؛ فتعطيني مع الألفين التي اتفقنا عليها ألفين ثانية أو خمسة آلاف أو ثلاثة آلاف، فتقول له: أنا وكلتك والوكالة بيني وبينك، وهذا الوكيل الثاني لم أوكلك به؛ لأن العمل يختص بك أنت، وتستطيع أن تقوم به لوحدك، فحينئذٍ أنت الذي تتحمل مسئولية من أقمته معك، وأنا لا أتحمل من حيث الأصل ما دام هذا عملك وقد وكلتك، فمعنى قولي: التمس لي من يستأجر عمارتي أو يشتري أرضي أو التمس لي أرضاً أو عمارةً فإنني في هذه الحالة وكلتك ولم أوكل غيرك، فهذا الغير الذي أقمته معك أنت الذي تدفع أجرته، وأنت الذي تتحمل مسئوليته وليس لي من دخلٍ في ذلك، هذا إذا كان وكله على أن يقوم بعملٍ يمكنه أن يقوم به لوحده؛ لأن مكتب العقار في الأصل يقوم بالعمل لوحده، ولكن كونه يستعين بالغير هذا في حالات استثنائية أو في حالات شاذة، لكن في الأصل أن مكتب العقار هو الذي يقوم بهذا العمل، وهو الذي يتحمل شراء الأشياء وبيعها وإجارتها ونحو ذلك، وبناءً على ذلك لا تتحمل أجرة هذا الوكيل الثاني.
قال المصنف رحمه الله: [وليس للوكيل أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه].
اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة في الحالة الثالثة بالخصوص، أما من حيث الأصل إذا قال الوكيل لموكله: وكلتك، فلا يخلو من صورتين: الصورة الأولى: أن يقول له: وكلتك ولا أسمح لك أن توكل غيرك، فإن قال له: وكلتك ولا أسمح لك أن توكل غيرك فبالإجماع ليس للوكيل أن يوكل فيما وُكّل فيه، هذا إذا قال له: وكلتك ولا آذن لك أن توكل غيرك ففي هذه الحالة بالإجماع لا يصح أن يوكل غيره معه، ولا يصح أن يوكل غيره بدلاً منه.
الصورة الثانية: صورة المسألة التي معنا، أن يقول له: وكلتك في بيع الأرض، مثل ما ذكرنا في مكتب العقار، ومكتب العقار يمكنه أن يتوكل لوحده، فهل لمكتب العقار أن يوكل غيره من أفراد الناس أو جماعتهم أو من مكاتب العقار أو غيرها؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة -رحمةُ الله عليهم- أنه لا يجوز للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه من حيث الجملة، وقالوا: إن الوكالة منصبة على شيء، إما بذلاً وإما أخذاً كمنفعة عين إلخ على حسب العقود، وهذا الشيء ملكٌ للأصيل، فإذا أذن للوكيل فإن غير الوكيل أجنبي وليس للوكيل أن يقيمه مقامه؛ لأنه أذن للوكيل وحده، فلا يجوز التصرف في أموال الناس وأملاكهم إلا بإذنٍ منهم، والإذن هنا خاصٌ بالوكيل وليس له أن يوكل غيره، هذا مذهب الجمهور وهو يستند إلى الأصل.
القول الثاني: يجوز للوكيل أن يُوكِّلَ فيما وُكِّل فيه، وهذا مذهب الحنفية رحمهم الله ورواية عن الإمام أحمد، وقال به بعض أصحاب الإمام الشافعي، لكن مذهب الحنابلة والشافعية على القول الأول.
فعلى القول الثاني قول الذين يقولون: يجوز للوكيل أن يوكِّل فيما وُكّلَ فيه، لو قلت لشخصٍ مثلاً: بعْ لي هذه العمارة، يجوز أن يبيعها بنفسه وأن يوكل من يرضاه ليقوم مقامه، ولو قلت له: أجّر لي داري أو مزرعتي، وقام بتأجيرها أو أقام غيره ممن هو أهل صح توكيله وقالوا: لأنه حينما وكل الوكيل فكأنه فوّض له أن يجلب المصلحة وأن يدفع الضرر، فكما أن المصلحة مجلوبة في الأصل بالوكيل فهي مجلوبةٌ بغيره، وكما أن المفسدة تندرئ بالوكيل تندرئ بغيره، أي: لا فرق بينه وبين غيره؛ لأن الهدف حصول المصلحة ودفع الضرر، قالوا: فهو وغيره في ذلك على حدٍ سواء، والصحيح مذهب الجمهور رحمهم الله لما ذكرنا.

حكم الوكالة وأحوال بطلانها

يقول رحمه الله: [والوكالة عقد جائز وتبطل بفسخ أحدهما وموته وعزل الوكيل وحجر السفيه].

الوكالة من العقود الجائزة

يقول المصنف رحمه الله: (الوكالة عقدٌ جائز).
حينما تقول لشخص: وكلتك أن تشتري لي سيارة، وأعطيته عشرة آلاف ريال، وذهب ليشتري السيارة ثم بدا لك قبل أن يشتريها أن تفسخ، وقلت: لا أريد سيارة، فهل من حقك الفسخ؟ كذلك أيضاً: لو قلت لشخص: يا فلان! هذه مائة ألف اذهب واشترِ لي أرضاً في الموقع الفلاني أو المكان الفلاني أو في المخطط الفلاني، فقال: قبلت، فلما خرج من البيت ضاق عليه الوقت وقال: لا أستطيع أن أفعل ذلك، فهل في هذه الحالة أنت ملزم بإتمام الوكالة حتى يحصل المقصود أو لا؟ وهل هذا الطرف الذي توكله إذا قبل الوكالة نلزمه أن يمضيها؟ حينما تقول لشخص: بعْ لي سيارتي قال: قبلت، وذهب يريد بيعها ثم رجع لك بعد ساعة وقال: يا فلان! لا أستطيع أن أبيعها، قلت له: عندك عذر؟ قال: لا.
ليس عندي عذر، قلت: ما أسامحك خذ السيارة وبعها، وألزمته وفرضت عليه، فهل من حقك أن تفرض عليه؟ يعني: إذا حصل الإيجاب والقبول فقلت: وكلتك قال: قبلت، هل أنت ملزم بإتمام الوكالة، وليس من حقك أن تفسخها؟ وهل هو ملزم بإتمامها وليس من حقه فسخها؟ فقال رحمه الله: (والوكالة عقدٌ جائز).
العقود -قلنا-: تنقسم إلى قسمين: إما عقود جائزة وإما عقود لازمة، وبينا هذا في أول باب البيوع، وضربنا الأمثلة وبينا أنواع العقود، وهنا يقول المصنف: (الوكالة عقدٌ جائز) إذا قلنا: عقدٌ لازم فضابطه: أنه لا يملكُ أحد الطرفين فسخه إلا برضا الآخر، فلو قلت له: بعتك سيارتي بعشرة آلاف قال: قبلت، ثم افترقتما ثم جاء وقال: لا أستطيع فإنه يلزم شرعاً؛ لأن العقد لازمٌ للطرفين، فليس من حقه أن يرجع، وليس من حقك أن ترجع إلا برضا الطرف الثاني، لكن الوكالة على العكس، هي عقدٌ جائز، أي: يملك أحد الطرفين فسخه دون رضا الآخر، فمن حقك أن تفسخ الوكالة في أي وقتٍ شئت، ومن حق من توكله للقيام بالأمر أن يفسخ الوكالةِ في أي وقتٍ شاء.
وعلى هذا: سواءً وُجد العذر أو لم يوجد، كرجل عَلم أنه لو أخذ الوكالة سيضر، وأنه لا يمكنه القيام بها، فهذا عذر، أو جاءه شيءٌ يشغله فهذا عذر، أو لم يوجد العذر كأن يريد أن يتخلى عن الوكالة هكذا.
قال رحمه الله: (والوكالة عقدٌ جائز) أي: يملك أحد الطرفين فسخه دون رِضا الآخر، يقول العلماء في تقرير كون الوكالة عقداً جائزاً: إن الوكالة ننظر إليها من جانبين: الجانب الأول: الشخص الذي يوكل، والجانب الثاني: الشخص الذي يقبل والذي هو الوكيل، الأول: الموكل، والثاني: الوكيل، فقالوا: بالنسبة للشخص الذي يريد العمل ووكله الموكِّل قالوا: الوكالة منه إذْن، فإذا قال لك: بع عمارتي فهذا إذن بالبيع، والإذن ليس بلازم، أي: ليس هناك أحد ملزم أن يأذن للغير، وهل الإذن للغير لازم؟

الجواب

بالإجماع: لا.
قالوا: فإذا كان التوكيل من صاحب الحق إِذْناً للغير فالإذن من حقك في أي وقت أن ترجع عنه، وليس بإلزام، وبناءً على ذلك قالوا: الوكالة من صاحبها إذنٌ -الذي هو الموكل- ومن الوكيل الذي يقبلها فسخ؛ لأنه حينما يقول لك: خذ العشرة الآلاف واشترِ لي سيارة، فأنت تعينه على تحصيل مصلحة أو درء مفسدة، فحينئذٍ كأنك تتفضل عليه، فالوكيل متفضل على الأصيل؛ ولذلك قالوا: من حقك أن تفسخ، وقد قال الله في كتابه: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة:91] فالوكيل محسن، وهذا إذا كانت الوكالة بدون أجرة، أما إذا كانت الوكالة بأجرة فشيء آخر؛ لأن الوكالة بأجرة فيها إلزام، فمثلاً: المحاماة، لو وكل محامياً في خصومة وقال له: اذهب وخاصم عني، فوكله بالخصومة وقال له: إذا جئتني بحقي مليون ريال في هذه الأرض التي ظلمت فيها وأثبت لي الحق أعطيك عشرة آلاف ريال، فيصبح العقد هنا عقد جُعل، فلا يستحق المحامي العشرة الآلاف إلا إذا جاء بالمليون كاملاً، فإذا تم العقد بينهما فإنه يكون عقد وكالة في الابتداء، فيكون جائزاً من حقك أن تفسخ في أي وقت، وفي الانتهاء: إذا استطاع أن يكسب القضية أو يكسب الحق يكون لازماً، فيلزمك أن تدفع له العشرة الآلاف، فهو جائزٌ في أول حال لازمٌ في ثاني حال، وبناءً على ذلك: يستثنى حالة اللزوم في ثاني حال إذا وكله أو كان عقد إجارةً، كأن يوكله على عمل إجارة، فإنه حينئذٍ يكون وكيلاً من وجه وأجيراً من وجهٍ آخر.

بطلان الوكالة بفسخ أحد الطرفين لها

قال رحمه الله: [وتبطل بفسخ أحدهما].
والفسخ: الإزالة، يقال: فسخ الثوب إذا أزاله، وفسخ العقد أن يزيل تأثيره، يرفع ثبوت الوكالة، فيقول له: أقلتك، أو رجعت عن وكالتي لا تبع، أو لا تشترِ، أو لا تؤجر، هذا كله فسخ، فالوكالة إذا فسخت انفسخت، فإذا قال له: لا تبع، ولا تؤجر فإنها تنفسخ في هذه الحالة، أو يبعث له رجلاً ويقول: فسخت وكالتي، فتنفسخ في أي وقتٍ يشاؤها ربها، وتنفسخ بفسخ أحدهما سواءً كان الأصيل أو الوكيل.

بطلان الوكالة بموت أحد الطرفين أو جنونه

قال رحمه الله: [وموته] إذا مات أحد الطرفين انفسخت الوكالة، فلو قلت لشخص: وكلتك أن تشتري لي سيارةً بعشرة آلاف فمات الموكل -الذي هو نفس الشخص الذي يريد السيارة- انفسخت الوكالة، لكن لو وقع البيع قبل الموت لزم البيع، مثلاً: قال رجلٌ لآخر: اشتر لي سيارة بعشرة آلاف، فذهب واشتراها، وبعد أن اشتراها بنصف ساعة بلغه خبر موت من وكله بعد ثبوت البيع، فالبيع لازم ويلزم الورثة، ويمضي لوجهه؛ لأنه وقع حال حياة الموكل.
وتبطل الوكالة بعزل الوكيل، وموته وجنونه، فلو جنّ أحد الطرفين جنوناً مطلقاً فإنه تنفسخ الوكالة؛ لأنه فاتت الأهلية، وإذا كان الموكل قد زال عنه العقل فإنه حينئذٍ يكون غير أهلٍ للتصرف في ماله، فتنفسخ وكالته.
وهنا مسألة: بعض العلماء يقول: تقولون إن الجنون يوجب فسخ الوكالة، فيرد الإشكال، فإن الجنون زوال للعقل، والمجنون لا يصح منه التصرف، فما رأيكم في النائم، فلو أنه وكل شخصاً وقال له: وكلتك أن تبيع بيتي بعشرة آلاف، وباع وقت منام الموكل، أليست زالت عنه الأهلية بالإجماع؟ فالنائم لو تلفظ ما يؤخذ بلفظه: (رفع القلم عن ثلاثة)، فما هو الفرق بين النائم والمجنون؟ فأجابوا عن ذلك بعدة أجوبة منها: أن النائم إذا أيقظه أحد استيقظ، والمجنون لا يستطيع أحد أن يرد إليه عقله إلا الله وحده، وبناءً على ذلك هناك فرق بين الاثنين في ضابط الأهلية، فالمجنون سلبها ولا يستطيع أحد أن يردها، لكن في النوم تستطيع أن توقظه.
فقالوا: نحن نورد اعتراضنا إذا وكل حال نومه، أي: وهو نائم، وأنتم تقولون عند الإيقاظ، وما عندنا مشكلة في هذا، لكن لو أنه وكله الساعة الثانية ظهراً، ثم وضع رأسه ونام، وخرج الرجل وابتاع الساعة الثانية والنصف والموكل مستغرق في النوم، أي: بحيث يكون ما عنده أهلية، فكيف يصح هنا العقد؟ هذا يرجع إلى قاعدة تقول: (التقدير تنزيل المعدوم منزلة الموجود، وتنزيل الموجود منزلة المعدوم)، وهذه القاعدة تكلم عليها الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله في كتابه المفيد: قواعد الأحكام، كيف ينزل المعدوم منزلة الموجود؟ قالوا: النائم إذا نام، نسألكم: كان مؤمناً ثم نام، وجاء رجل وقتله ألا نقول: قتل مؤمناً؟ نقول: بلى، فهل أثناء النوم الإيمان موجود بمعنى: عنده تصرف وعنده أفعال؟ قالوا: لا، إنما نزلنا المعدوم في الظاهر منزلة الموجود، فالأهلية الظاهرة وإن كانت معدومة لكنها في حكم الموجود، وهذا ما يسمى بالتقدير، فقالوا: أثناء نومه صحيحٌ أنه ليس من أهل الأهلية، ولكننا نزلنا الإذن قبل النوم واستصحبناه حال النوم، فصار من التقدير.
ولذلك قالوا: لهذه القواعد عدة فروع منها: أطفال المؤمنين، يأخذون حكم آبائهم مع أن الإيمان غير موجود، فأنت عندما تأتي إلى بلد وتجد فيه طفلاً لقيطاً لا يعرف أبواه، إن كان في بلدٍ مسلم فتقول: هذا ابن للمسلمين، وعليه فتعطيه حكم أبناء المسلمين، ولا تقل: هل هو مسلم؟ لأنه لم يكن عليه التكليف، وقد رُفِع عنه القلم كالنائم، قالوا: فننزل المعدوم منزلة الموجود، وبناءً على ذلك قال العلماء: إنه في الوكالة ونحوها من العقود يسري الحكم في حال النوم، كما لو كان مستيقظاً التفاتاً إلى الأصل من أن التقدير تنزيل المعدوم منزلة الموجود.

بطلان الوكالة بعزل الوكيل

قال رحمه الله: [وعزل الوكيل].
إذا كان وكّل شخصاً أن يبيع أو يشتري أو يؤجر ثم عزله، فإذا عزله انفسخت الوكالة.

بطلان الوكالة بالحجر

قال رحمه الله: [وحجر السفيه].
أنتم تعلمون أن الوكالة تكون في الأموال وغير الأموال، فإذا كان الرجل الذي وكّل غيره -وهو الأصيل- من أهل التصرف في المال -وهو الرشيد- فإننا حينئذٍ نصحح الوكالة، لكن لو كان غير رشيد ومحجوراً عليه، فلا يصح أن يوكل غيره، ما الدليل؟ نقول: لأن المحجور عليه لا يصح تصرفه لنفسه، فمن باب أولى لا يصح أن يقيم غيره مقامه؛ لأنا قلنا: شرط الوكالة أن يكون الأصيل أهلاً للتصرف، فلا يستطيع أحد أن يوكل غيره وهو نفسه لا يجوز له أن يتصرف في الشيء، إذ يصير كما لو وكل في مال أجنبي، لو أن شخصاً قال لآخر: بع عمارة فلان، لم يصح؛ لأن عمارة فلان لفلان، وليس لأحد أن يتصرف فيها؛ لأنها ليست ملكاً إلا لصاحبها، قالوا: فإذا كان محجوراً عليه فليس بأهلٍ للتصرف، لا أصالةً ولا وكالةً.

الأسئلة

حكم بيع اللحم معجلاً في صورة التأجيل

السؤال

إذا دخلتُ على صاحب اللحم وقلت له: زِنْ لي كيلو من اللحم وسأعود بعد ساعةٍ وآخذ اللحم وأعطيك المال، فهل هذا البيع صحيح، أم هو من جنس بيع النسيئة بالنسيئة؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإنه إذا دخل على صاحب المحل واتفق معه على البيع وأوجب البيع وتمت الصفقة فالبيع صحيح إذا توفرت فيه الشروط، وهذا البيع المذكور يعتبر صحيحاً من حيث الظاهر، إلا أن بعض العلماء يقول: يعتبر نسيئةً من الطرفين، إلا أنه من باب بيع العين بالذمة، العين وهو اللحم؛ لأنك قلت له: زِن لي من هذا اللحم نصف كيلو، فهذا بيع عين، بعشرةٍ، بخمسين، بمائة، هذا بيع ذمة، فأصبح ذمةً -وهو النقد- في مقابل عين -وهو اللحم- وهو بيع صحيح، أي: يجوز بيع العين بالذمة، إلا أن الإشكال فيه كما ورد في السؤال كونه يقول: بعد ساعة، فتعطيني بعد ساعة وأعطيك بعد ساعة، فهو لم يلتفت إلى كونه منجزاً من الطرفين؛ لأنه ليس بمؤجل الأجل المقصود، وإنما المراد به التنجيز، إلا أن التنجيز كان على العدة فأشبه بيع النسيئة، لكنه في الواقع ناجز من الطرفين، ويعتبر في حكم المنجز من الطرفين، وعلى هذا فالأشبه صحته، والله تعالى أعلم.

حكم أداء العمرة عن النفس وعن المتوفى في سفرة واحدة

السؤال

خرجت من سفرٍ إلى مكة لأداء عمرةٍ عن نفسي، فهل يمكن لي أن أؤدي عمرةً أخرى عن والدتي المتوفاة ولم تحج؟

الجواب

هذا فيه تفصيل: إذا كنت خرجت من المدينة أو من مكانٍ خارج المواقيت وفي نيتك أن تعتمر عن نفسك وعن غيرك فيلزمك بعد فراغك من عمرتك عن نفسك أن ترجع إلى الميقات؛ لأنك مررت بالميقات وعندك نيتان، فيلزمك أن تحرم للنية الثانية كما يلزمك أن تحرم للنية الأولى من الميقات الأبعد.
الحالة الثانية: أن تدخل معتمراً عن نفسك، فلما وصلت إلى مكة تذكرت والدتك أو والدك وأحببت أن تعتمر عن أحدهما أو عنهما، فيجوز لك أن تخرج إلى التنعيم وتحرم من التنعيم؛ لأنك أنشأت العمرة عن الغير بمكة، ومن أنشأ عمرته بمكة كان من أهلها لحديث عائشة رضي الله عنها، وظاهر حديث ابن عباس، وحتى إن أهل مكة يهلون من مكة، والله تعالى أعلم.
بالنسبة للوالدة يجوز أن يعتمر عنها سواء حجت أو لم تحج؛ لأنه لا يشترط في صحة العمرة عن الوالدة أو عن الوالد إذا كانت الوالدة متوفاة، أو كانت حية لا تستطيع أن تأتي بنفسها، فإذا كانت الوالدة أو الوالد أو من تريد أن تحج عنه وتعتمر لا يستطيع أن يأتي بالعمرة والحج بنفسه فيجوز حينئذٍ أن تعتمر عنه، سواءً تقدمت العمرة على الحج أو تأخرت العمرة عن الحج، يعني: لا يضر أن تعتمر عن الوالدة وهي لم تحج بعد، لكن لو كانت الوالدة قادرة على أن تأتي بنفسها فلا تحج عنها ولا تعتمر وإنما يحج ويعتمر عن العاجز، إلا ما وقع فيه الخلاف في المسألة في الحج عن الغير إذا كان نافلةً، والله تعالى أعلم.

بطلان وكالة المحجور عليه لفلس

السؤال

المحجور عليه لفلسٍ، هل له أن يوكل؟

الجواب

المحجور عليه لفلس لا يصح أن يوكل في الأموال، وإنما ينتظر إلى زوال الحجر عنه.
وقال بعض العلماء: يجوز ويصح للمفلس أن يوكل غيره للتصرف.
والأشبه الأول لقوة الأصول الدالة على نزع التصرف في المال؛ لأنه لو أقام غيره مقامه فإن هذه الإقامة لا معنى لها؛ لأن هذا الغير لا يستطيع أن يتصرف، فأصبحت الوكالة لغواً، فإن صُححت ظاهراً أو شكلياً فهذا لا تأثير له في العقل؛ لأنه لا يستطيع أن يبيع ولا يستطيع أن يشتري، فيوكله بدون وكالة، فهو إذا قال له: وكلتك أن تبيع داري، فهو بنفسه لا يستطيع أن يبيع داره؛ لأنه محجور عليه للفلس، فهل هذا الوكيل سيبيع؟ بالإجماع لا يبيع، وإذا كان لا يبيع عنه فالوكالة وجودها وعدمها على حدٍ سواء، فالخلاف اللفظي لا تأثير له، والله تعالى أعلم.

النهي عن السفر يوم الجمعة

السؤال

هل النهي عن السفر في يوم الجمعة لأجل الصلاة أم هو عامٌ لليوم كله؟

الجواب

هذه مسألة خلافية بين العلماء رحمهم الله: فبعض العلماء يقول: نُهي عن السفر يوم الجمعة حتى لا تضيع صلاة الجمعة، وبناءً على هذا القول: من كان مسافراً في الأصل كرجل سافر إلى مكة واعتمر، وأراد أن يرجع يجوز له أن يرجع في يوم الجمعة؛ لأن الجمعة ليست بواجبةٍ عليه أصلاً، وهكذا لو كانت امرأةً وأرادت أن تسافر فإنها تسافر؛ لأنها ليست من أهل الجمعة، فإذا قلنا: إن العلة هي صلاة الجمعة وخوف فواتها، فمن لا تلزمه الجمعة تتخلف فيه العلة، فيجوز له السفر بناءً على هذا القول، وبناءً على هذا القول يجوز له أن يسافر بعد صلاة الجمعة، فإذا صلى الجمعة جاز له السفر، وبعض أصحاب هذا القول قالوا: لو سافر يوم الجمعة وصلى الجمعة في حال سفره فإنه يجوز له ذلك ولا يشمله النهي.
وأما القول الثاني فإنه يقول: النهي يشتمل على عدة علل منها: خاصية هذا اليوم وفضله، فيكون النهي أشبه بالعبادة، كأن يوم الجمعة يوم عيد للمسلمين وبناءً على ذلك فيه شعيرة فلا يخرج ولا يسافر وينتظر هذا اليوم حتى لا يُشغَل عن ذكر الله ولا يُشغل عن الطاعة، فإن المسافر تمحق بركة أيامه بالسفر: إياك والإكثار من أسفار فإنها تمحق بركة الأعمار فكثرة السفر تُذهب بركة الأيام وبركة الأعمار، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (السفر قطعة من العذاب)، وأمر صلى الله عليه وسلم من سافر أن يعجل بالأوبة إذا قضى حاجته، ولذلك قال: (فإنه يمنع أحدكم نومه وشرابه)، فعلى هذا قالوا: إنه إذا سافر يوم الجمعة شُغِل عن ذكر الله، فالمسافر يكون مرهق البدن مُتعباً، فلا يستطيع أن يذكر الله عز وجل في هذا اليوم الذي سُن فيه الذكر خاصةً كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك من الفضائل التي تكون للحاضر، وعلى هذا القول فيشمل السفر في أول النهار وآخر النهار، والحقيقة ظاهر الحديث العموم، فلا يسافر يوم الجمعة سواءً كان من أهل الجمعة أو لم يكن، إعمالاً أن هذا أحوط وأبرأ للذمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (فما نهيتكم عنه فانتهوا) فالنهي ظاهره العموم، والأولى والأشبه بالمسلم ألا يسافر يوم الجمعة إلا من ضرورة ملحة، وحاجة قصوى ونحو ذلك، والله تعالى أعلم.

جواز الجمع بين المرأة وبنات عمتها وخالها وخالتها

السؤال

هل يجوز الجمع بين المرأة وبنت عمتها، وكذلك بنت الخال والخالة أم أن الحكم يختص في الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها؟

الجواب

هذه المسألة فيها نص وفيها اجتهاد، أما ظاهر القرآن فإن الله حرم الجمع بين المرأة وأختها، فقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:23]، وكذلك حرمت السنة الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، ولم يزد النص الوارد في الكتاب والسنة على هذه المحرمات، ثم جاء نص القرآن بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:24]، فلما حرم لنا الجمع بين الأختين ثم جاءت السنة بزيادة المرأة وعمتها والمرأة وخالتها وقال الله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:24]، أخذ من هذا جمهور العلماء جواز نكاح المرأة وبنت عمتها وبنت خالها وخالتها؛ لأن العمة والخالة ليست كبنت العمة وبنت الخالة، فالأمر أخف، وقطيعة الخالة ليست كقطيعة بنت الخالة، وقطيعة العمة ليست كقطيعة بنت العمة، ففرق بينهما من هذا الوجه، وهذا أقوى، وظاهر النص يدل عليه.
وقال بعض العلماء: العلة خوف قطيعة الأرحام، فلا يجوز أن يجمع على وجهٍ يخشى منه وجود قطيعة الرحم، وهذا مذهبٌ مرجوح، والصحيح: أنه يجوز وقد قال الله عز وجل: (إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ) إلى أن قال: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ﴾ [الأحزاب:50]، فهذا نص: (وبنات عمك) ولم يفرق على سبيل الجمع وعلى سبيل التفريق خاصةً وأن آية التحريم جاء فيها: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:24]، فالأصل الحل حتى يدل الدليل على التحريم، لكن ينبغي للمسلم أن ينظر بعيداً، فإذا كان بين بنتي العم شدة حزازية، أو أن هذا سيصبح له حزازة في النفوس وأثرٌ سيء في المستقبل على أعمامه وعماته وأخواله وخالاته فليتق الله، فإن هذا في بعض الأحيان قد يغلب على الظن حصول المفسدة، وحينئذٍ لا نحرم من أصل الجمع ولكن نحرم لعارض، ألا ترى المرأة الآن حلالٌ لك أن تنكحها وهي أجنبية ولكن إذا علمت أن في نكاحها مفسدة أو أنها تفسد الرجل على أمه، أو أنها تحدث الفتن بين الأخوات أو بين النساء، وأنها امرأة نمامة أو تنقل الحديث حرمنا نكاحها لأنه سيضر بالرحم، لا لذاتها وإنما للعارض، فنحن نقول: الجمع بين بنت العمة مع بنت العم لا بأس، وبنت العمة، مع بنت العمة وبنت العم مع بنت العم لا بأس، لكن بشرط أن لا يغلب على الظن حصول الضرر في القرابة، من أمثلة ذلك: أن تعلم أن أم بنت العم هذه وأم بنت العم الثانية كلتاهما شريرة -مثلاً- فإذا دخلت بنت هذه مع بنت هذه فهذا سيحدث ضرراً بين أم هذه وأم هذه، فهذه لا يمكن أن ترتاح حتى تحدث مفسدة، وهذه أيضاً لا يمكن أن ترتاح حتى تحدث مفسدة، فالناس يقدرون الأضرار والمفاسد والشرور المترتبة على مثل هذا النكاح، فيكون التحريم لعارض لا لذات الحكم، والله تعالى أعلم.

مضاعفة الصلاة في الثلاثة المساجد عام في الفرض والنفل

السؤال

على القول بأن الفضيلة في الصلاة في المسجد الحرام مختصة بمسجد الكعبة فأيهما أفضل: صلاة النافلة في المسجد الحرام أم في البيت؟

الجواب

هذه المسألة اختلف فيها العلماء لورود حديثين: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاةٌ في مسجدي هذا بألف صلاة إلا المسجد الحرام)، الحديث، فهذا الحديث يدل على أن الصلاة في المساجد الثلاثة مفضلة ومضاعفة، فجاء حديث آخر يعارضه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام في قيام رمضان حينما صلى فأحيا الليلة الأولى والثانية، ثم امتنع من الخروج عليه الصلاة والسلام لما اجتمع الناس بعد ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: (إنه لم يخفَ عليّ مكانكم بالأمس، ولكني خشيت أن تفرض عليكم، صلوا في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، فبعض العلماء يقول: الصلاة في المنزل نافلة أفضل من الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم من المساجد المفضلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (إن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، نخص المضاعفة في المساجد الثلاثة بالمكتوبة، فلا تشمل النوافل، فالنوافل الأفضل أن تكون في البيوت، هذا قول.
القول الثاني يقول: إن الحديث قال: (صلاةٌ في مسجدي هذا)، وهذه نكرة، لم يقل: (صلاة فريضة)، ولم يقل: (صلاة مكتوبة)، فكل صلاةٍ شرعية يصدق عليها هذا الوصف بالعموم فتشمل النافلة والفريضة، قالوا: وإذا ثبت العموم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (صلوا في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، قالوا: إن هذه فضيلةٌ من وجهٍ آخر، وهذا هو الصحيح، أن المضاعفة تشمل الفرائض والنوافل، وأن أفضلية البيت جاءت بلفظ؛ (فإن خير)، و (خير) بمعنى: أخير؛ لأن العرب تقول: خير وشر، بمعنى أفعل التفضيل، أخير وأشر، فتقول: محمد خيرٌ من علي، أي: محمد أخير من علي، ومنه قول أبي طالب: ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً نبياً كموسى خط في أول الكتب وأن عليه في العباد محبة ولا خير ممن خصه الله بالحب أصل التقدير: ولا أخير ممن خصه الله بالحب، فإذا أثبت أن: (خير) في لسان العرب بمعنى: أخير، فكأنها خيرية راجعةٌ إلى الإخلاص، فإن الرجل إذا صلى في بيته وجدناه يخلص أكثر، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: (فإن خير)؛ لأن النافلة ليست بفريضة، فلو جلس يتركع في المسجد فإن هذا يحدث عند الناس شعوراً بصلاحه وتقواه وفضله، بخلاف ما إذا صلى الفريضة، فالكل يصلي الفريضة، فقال صلى الله عليه وسلم: (صلوا في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، أي: إنها من جهة الإخلاص وهذا راجعٌ إلى الباطن: (وصلاةٌ في مسجدي بألف صلاةٍ فيما سواه)، راجعٌ إلى ظاهر العدد، وشرط التعارض بين النصين عند الأصوليين: أن يتحد المورد، فالذي يترجح أنه ليس هناك تعارض بين الحديثين، وأن حديث: (إن خير صلاة المرء في بيته) راجعٌ إلى الإخلاص والنية، ويقول بعض العلماء: هناك خيرٌ ثانٍ وهو فضل الصلاة في البيوت؛ لأن البيوت إذا كثرت فيها الصلاة نزلت عليها البركة والخير، ويشهد بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم فليجعل من صلاته في بيته، فإن الله جاعلٌ له من صلاته في بيته خيرا)؛ ولذلك كان بعض العلماء يوصي من كثرت عنده المشاكل الزوجية أن يكثر من الصلاة في بيته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن الله جاعلٌ له من صلاته في بيته خيراً)، وكان بعض العلماء إذا اشتكى إليه الرجل بالفتنة بينه وبين زوجه يقول له: إنك لا تصلي في بيتك كثيراً، أنت تقتصر على الفرائض في المسجد والبيت أشبه بالبيت الخرب؛ لأنه لا يتلى فيه كتاب الله، ولا يصلى فيه، فتسلط عليه الشياطين وتكون الفتن فيه أكثر.
فالذي يظهر: أن المضاعفة في المسجد الحرام ومسجد الكعبة والمسجد الأقصى أنها كما هي شاملةٌ للفرض والنفل، وأما البيت فهو أفضل من جهة الإخلاص والله تعالى أعلم.

الحكمة من النهي عن التحلق يوم الجمعة

السؤال

حديث النهي عن التحلّق يوم الجمعة، هل هو خاصٌ بالمسجد أم هو عامٌ في كل مكان حتى المنزل؟

الجواب

هذا فيه تفصيل: بعض العلماء يقول: نُهي عن الحِلَق يوم الجمعة؛ لأنه يوم مخصوصٌ للخطبة، فالناس إذا جاءوا يوم الجمعة ولم يشهدوا إلا موعِظةً واحدة وتذكيراً واحداً وأتى الناس الذّكْر، وأقبلت على هذا الذّكْر، إذا لم تكن له من أول النهار إلى آخره إلا موعظة واحدة وعى وتأثر وهيأ نفسه للعمل، لكن إذا كان في أول النهار جالساً في حلقة وفي موعظة، ثم في المسجد من يعظ ثم بعده من يعظ؛ فإنه في هذه الحالة تشتت أذهان الناس، والنفوس قد يصيبها الملل والسآمة ولذلك قال الصحابي: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة)، فإذا كان هذا في الصحابة فمن باب أولى غيرهم.
ومن هنا كره بعض العلماء أن يقوم الرجل بعد صلاة الجمعة ويلقي كلمة أو يعظ؛ لأن موعظة الإمام كافية في الأصل، وينبغي أن تترك الموعظة للإمام، لكن رخص بعض أهل العلم إذا كان الإمام ليس بذاك في العلم، وجاء رجل زائر أو ضيف وأحب أن يذكر الناس أو يعظهم فقالوا: لا بأس في هذا، لكن أن يكون بمجرد ما ينتهي الخطيب يقوم شخص موجود في الحي ويأتي بموعظة ثانية غير موعظة الخطيب، وقد يكرر ذلك المرة بعد المرة فهذا أشبه بالبدع والحدث، فيترك هذا اليوم لما شرعه الله عز وجل؛ لأن الإمام له حق، وإذا قام بعد الجمعة فكأنه يستدرك على الإمام، ولا بد أن تحفظ حرمة الأئمة، وأن يحفظ حقهم، خاصةً إذا كان الإمام من أهل العلم والفضل، فمثل هؤلاء حقهم على الناس عظيم، وعلى طلاب العلم وغيرهم، وعلى من دونهم في العلم والمرتبة، فالمقصود: أن الحِلق من هذا الوجه تكون مخصوصةً بحلق الذكر.
الوجه الثاني: أنها عامة وتشمل حِلَق الذكْر وغيرها، وبناءً على هذا الوجه قالوا: كانوا في القديم يجلسون أبناء العم أو القبيلة أو الجماعة في ناحية وكانت هذه العادات موجودة في الجاهلية، كانوا إذا جلسوا يجلس كل جماعة إلى من يألفون وإلى من يجالسوه، فيكثر اللغط والحديث، فشرع في يوم الجمعة خاصة أن تقطع هذه الحِلق سواءً كانت في ذِكر أو كانت في الدنيا، وعلى هذا يكون النهي عاماً شاملاً لما قبل الصلاة وما بعدها، شاملاً للذكْر وغير الذكر على هذا الوجه الثاني، وظاهر الحديث يدل عليه، والله تعالى أعلم.

وصية في لزوم الصبر على طلب العلم

السؤال

هل من وصيةٍ حول الصبر على طلب العلم؟ وجزاكم الله خيرا.

الجواب

الصبر خصلة جليلة كريمة لا يعطيها الله إلا لأحبابه، فالله يحب الصابرين ولا يعطيها إلا أولياءه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:153] ومن كان الله معه ثبته، وأعانه ووفقه وسدده، ولا يزال له من الله معينٌ وظهير، قال صلى الله عليه وسلم: (ومن يتصبر يصبّره الله)، قال صلى الله عليه وسلم: (وما أُعطي عبدٌ عطاءً أفضل من الصبر)، وما يصبر الإنسان إلا بوازع من الرحمن وشعوره أن الله معه، وأن الله يثبته، وأن الله يوفقه ويسدده؛ ولذلك من قرأ كتاب الله وتدبر سيرة أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وجد الصبر سبيلهم، والصبر طريقهم، والصبر نوراً لهم، فالصبر ضياء، ضياءٌ في كل ظلمة؛ ولذلك تجد عزائم المؤمنين قوية، وشكيمتهم قوية في الشدائد والمحن بفضل الله ثم بالصبر، فتضيق عليهم الأرض بما رحبت، وتضيق عليهم بما فيها، ولكن الله يوسعها بالصبر، فتجد الرجل الواحد في وحشته كأنه أبلغ ما يكون في أنسه، وتجده في شدته وفي كربته وحزنه وكأنه في قمة سعادته وفرحه كل ذلك بتصبير الله.
ومن هنا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: (وجدنا ألذ عيشنا بالصبر)؛ لأن الصابر إذا صبر في تحصيل طاعة أو دفع كربة فإنه إنما يجعل الله نصب عينيه، فالله له عوضٌ عن كل فائت، والله سُلوةٌ له في كل حزن، وثبات له في كل قلق وكل أذية وبلية، فالصبر على طلب العلم صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ على مرضاة الله، والله أمرنا أن نصبر على طاعته، وخاصة نبي الأمة، وخير خلق الله، أحبهم إليه صلى الله عليه وسلم، وقال له: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:35]، أمره أن يصبر ولا يأمر الله إلا بما فيه خير الدين والدنيا والآخرة، فطالب العلم أنعم الله عليه بشيءٍ هو أعز ما يطلب، وأشرف وأكرم وأفضل ما يرغب فيه ألا وهو العلم والحكمة، والنور والرحمة، والهدى والصراط المستقيم، وهل وجدت على هذه البسيطة وعلى هذه الأرض طالباً أشرف وأكرم على الله من طالب علم؟! فلن تجد مقاماً أفضل من مقام العلم طلباً وتعلماً وتعليماً وبذلاً وإعطاءً للغير، فالعلم رحمة، وإذا وفق الله طالب العلم وشعر بالذي يطلبه، وشعر بقيمة الشيء الذي يريده وأنه يخوض في رحمة الله، وأنه يسلك طريقاً إلى جنة الله، قال صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)، صدق وبر صلى الله عليه وسلم، وعد من الله، ما طلب طالب علمٍ مخلصٍ لوجه الله علماً مما يُبتغى به وجه الله إلا سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما وجدنا أفضل من عطاء الله للعلماء بعد الأنبياء، فهم بخير المنازل بعد الأنبياء، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء)، فخليقٌ بمن أحس بقيمة العلم أن يصبر عليه، فقد صبر أهل المال على التجارة فتغربوا عن أوطانهم، وذاقوا شظف العيش وشدته ونكبته، ومذلة الحياة ومهانتها من أجل المال والدينار والدرهم، حتى إن الرجل إذا نظرت إليه كأنه يعبد ديناره ودرهمه -نسأل الله السلامة والعافية- فيحب من أجله، ويبغض من أجله، ويوالي فيه ويعادي فيه، ويكرم من أجله ويهين من أجله، حتى إن ابن عمه وقرابته الذي بينه وبينه لحمة النسب لربما دخل عليه وهو كبير في السن فلا يحترمه ولا يقدره لفقره، وإذا دخل عليه رجل -ولربما يكون من الكافرين- قام له وقبله وأجلسه وأكرمه؛ لأنه يعبد الدينار والدرهم، فيصل البعيد، ويقطع القريب من أجل الدنيا، والله عز وجل جعل الدين أعظم من هذا كله، فإذا كان أهل الباطل في هذه المودة والمحبة الصادقة للدنيا فو الله إن محبة أهل الدين أعظم، ومن عرف الله وأحبه صدق المحبة فليجعل العلم نصب عينيه، فمن تعب اليوم فإنه يرتاح غداً، ولذلك قال بعض السلف: (من كانت له بدايةٌ محرقة كانت له نهايةٌ مشرقة)، فأهل العلم لما تحملوا المشاق والمتاعب والمصائب، وعزفوا عن هذه الدنيا وأقبلوا على الآخرة إقبالاً صادقاً فتح الله لهم أبواب رحمته، وجعلهم يخوضون في هذه الرحمات بالعلوم النافعة والشافعة، وهي علوم الكتاب والسنة، وعلى هدي السلف الصالح وسلف الأمة، فأصبحوا يعيشون مع أقوام أموات وهم أحياءٌ بين الناس، وأصبحوا يعيشون مع: قال الله، قال رسوله عليه الصلاة والسلام، فلا إله إلا الله! لا يعلم مقدار ما لهم من الحسنات والدرجات في مضيهم إلى مجالس العلم، وحضورهم لمجالس العلم، وسماعهم للعلم، وتدوينهم للعلم، وحبهم للعلم وحرصهم على العلم إلا الله، وإذلالهم لأنفسهم من أجل هذا العلم، وكان حبر الأمة وترجمان القرآن رضي الله عنه عبد الله بن عباس ينام على عتبة البيت، فيذلل نفسه للعلم حتى قال كلمته المشهورة: (ذللت طالباً وعززت مطلوباً)، ذللت طالباً وأنا أطلب العلم حينما صبرت، ولا يمكن أن ينال هذه المرتبة الشريفة إلا من صبر للعلم، وأدى لهذا العلم حقه وحقوقه، وحفظ للعلماء الأحياء والأموات حقوقهم، وأحبهم من كل قلبه لله وفي الله، وأحس بكرامتهم التي أكرمهم الله بها حينما جعلهم يحملون رسالته، ويبلغون أمانته إلى العباد؛ فإن العلماء بمنزلة هي أعظم وأفضل وأشرف وأكرم منزلة على الله عز وجل، ولذلك قال بعض العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء:69]، وهذه أعلى منزلة في الجنة، فليس فوق النبي منزلة لولي ولا لغيره، فأعلى منزلة مَنزلة الأنبياء، فقال الله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ ثم بعدهم: ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء:69]، والصديقون: هم العلماء العاملون الذين علموا وعلّموا وعملوا بما علموا، فنفعهم الله ونفع بهم أولئك الذين شهد الله أنهم لا يخسرون، شهد الله من فوق سبع سماوات أن خلقه في خسارة إلا قومٌ استثناهم فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:3]، فهؤلاء الذين أصلحهم الله في أنفسهم وعملوا الصالحات، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:3]، فهذا هو الإصلاح وتبليغ رسالة الله والدلالة على الخير والفلاح، هؤلاء هم صفوة الله، قال الحسن البصري رحمه الله في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:33]، قال: هذا حبيب الله! هذا ولي الله! هذا صفوة الله من عباده، الذي علم وعمل ودعا إلى ما علم وعمل به.
فإذا أراد الله عز وجل بطالب علم خيراً رزقه الأسباب التي تعينه على الصبر على هذا العلم، فالغاية الشريفة تحتاج من صاحبها أن يقدرها حق قدرها، وأن يتعب من أجل تحصيلها، فاصبر يصبرك الله، واسأل الله أن يعينك على هذا العلم، واعلموا -أيها الأحبة- أننا لو تأملنا حال السلف الصالح لاحتقرنا أنفسنا اليوم، فالرجل ما كان يحضر مجالس الذكر فقط، إنما كانوا يقرءون العلم قبل المجالس، فلا يمكن يشهد مجلساً حتى يقرأ ما فيه، إذا كان مما يُقرأ منه العلوم والأحاديث والأحكام يقرؤها المرة والمرتين والثلاث والأربع، وأعرف من طلاب العلم من لا يجلس مجلس علم حتى يقرأ ما يريد أن يسمعه من الشيخ ثلاث مرات، يقرأ قراءة متأنية متدبراً فيها، يحاول أن يعي هذا الكلام بشعوره بالمسئولية، وأن كل حرف سيسأل عنه وسيحاسب بين يدي الله، وأن هذا المجلس لا يتكرر.
ثم يصبر مرةً ثانية على مجلس العلم فلربما جاءت أحكام غريبة، ولربما جاءت تفريعات كثيرة، فيصبر ويتحمل ففي اليوم الأول تحس أن بينك وبين العلم فجوة، وفي المجلس تحس بالفجوة، ثم اليوم الثاني يقربك ويقربك حتى يصبح أنساً لك من الوحشة ولذةً لك تنسيك كل لذة، فسلا أهل العلم عن لذة الدنيا بلذة العلم، والله إنهم في نزهة، وفي رحمة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، هذا العلم نعمة عظيمة، فإذا صبرت وأنت في مجلس العلم صبرك الله وبلغت، ثم بعد مجلس العلم كانوا يكتبون ويدونون ويراجعون، ولربما يجلس في ليلته تلك يراجع ما سمعه إلى قرابة منتصف الليل، ولربما سهر الليل كله، رحمةُ الله عليهم أولئك القوم! أبو عبيد القاسم بن سلاّم رحمه الله قام مع أحد علمائه ومشايخه على باب المسجد وأراد أن يذاكره مسألة، فقام في ليلةٍ شاتية فسأله المسألة، ففتح له فروعها فأصبح من فرعٍ إلى فرع ومن مسألةٍ إلى مسألة حتى أذن الفجر ولا يشعر الشيخ ولا تلميذه! أناس كانوا يعطون العلم كليتهم وقالوا: (أعط العلم كلك يعطك بعضه)، فكيف بمن أعطى العلم بعضه؟! ومن صبر للعلم صبره الله وثبته، فوالله لن يموت حتى يقر الله عينه بالعاقبة الحميدة لما بذل، فالله الله لطالب العلم أن يصبر! وعليه أن يعلم أنه يعامل الله جل جلاله، وأن يحمد الله.
ومما ينبغي التنبيه عليه: شكر الله على النعمة، فإن المجلس الذي تجلسه لن يعود أبداً، وهذا العلم الذي تعلمه في الجزئية تشرح من كتاب قد لا تشرح بعد اليوم،، وقد يكون هذا المجلس الذي تجلسه هو آخر عهدك إما بالشيخ وإما بالناس، فلا يدري الإنسان ربما يموت هو أو ربما يشغل عن العلم، فكم من إنسان كان يتمنى العلم حيل بينه وبين العلم! فجاءه من شواغل الدنيا وفتنها ما يصرفه -نسأل الله العافية- عن العلم وطلبه، فاحمد الله عز وجل على نعمته، واسع في تحصيل هذا العلم، وابذل كل ما تستطيع من حبه والصدق في روضته ولكن لله، لا تفعل ذلك رياءً ولا سمعةً ولا طلباً للدنيا، وإنما ابتغاءً لمرضاة الله، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا ذلك الرجل، ودائماً الإنسان يرجو من الله أفضل الأشياء، حتى لو كنت في مجلس العلم وأردت أن يصبرك الله على العلم فاجعل من نفسك أن تكون خير طالب في مجلس العلم وخير طالب إذا سمعت، وخير طا

شرح زاد المستقنع -

باب الوكالة [4]

من تعاليم وضوابط شرعنا الحنيف: أن الله سبحانه سخر أناساً للقيام بخدمة الآخرين على وفق معايير وتصرفات معينة، مثل الوكيل إذا وكله موكله فإنه يتردد بين الوكالة العامة المطلقة، والوكالة الخاصة المحددة، ولذلك بين الشرع ما يجوز للوكيل فعله وما يمنع الوكيل من التصرف فيه.

ما يجوز للوكيل فعله وما يمنع منه

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ومن وكل في بيع أو شراء لم يبع ولم يشتر من نفسه وولده] شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في بيان مسألة الإطلاق والتقييد في الوكالة.

حكم بيع الوكيل وشراؤه من نفسه

إذا وكل الإنسان غيره أن يبيع أو يشتري فهل هذا على الإطلاق وهل يشمل الوكيل أو لا يشمله؟ فلو قلت لرجل: بع داري أو عمارتي أو أرضي أو مزرعتي أو سيارتي، فذهب وعرف أن قيمتها عشرة آلاف -مثلاً- فباعها واشتراها لنفسه، فهل يجوز للوكيل أن يشتري من موكله بالوكالة، أو لا يجوز؟ والعكس أيضاً: فلو قلت له: اشتر لي بعشرة آلاف سيارة من نوع كذا، وعنده سيارة بنفس الصفات ونفس القيمة، فباعك هذه السيارة من نفسه فهل يصح ذلك، أو لا يصح؟ وقبل بيان الحكم حتى تتضح صورة التوكيل نقول: إذا وكل الإنسان غيره فلا يخلو توكيله من حالتين: الحالة الأولى: أن يقيد في الوكالة.
الحالة الثانية: أن يطلق في وكالته.
فأما الحالة الأولى وهي أن يقيد في الوكالة: فيقول لك: بع سيارتي هذه بعشرة آلاف إلى فلان، فإذا حدد لك الشخص الذي تبيع السيارة عليه، أو حدد لك الشخص الذي تشتري منه السيارة، فلا يجوز للوكيل أن ينصرف إلى غيره لا في البيع ولا في الشراء، فإذا انصرف إلى غيره فقد خرج عن الوكالة، وصار التصرف تصرفاً فضولياً، حكمه حكم بيع الفضول وشرائه، وقد تقدم معنا حكم بيع الفضولي وشرائه، بناءً على ذلك: إذا كانت الوكالة مقيدةً بشخصٍ فلا يجوز صرفها إلى شخصٍ آخر سواءً في البيع أو في الشراء، فمثال البيع: أن تقول له مثلاً: بع سيارتي على فلانٍ بعشرة آلاف، أو بع أرضي على فلان بعشرة آلاف، فحينئذٍ يجب على الوكيل أن يتقيد بهذه الوكالة، وأن لا يصرف البيع إلى الغير، ولا إلى نفسه.
أما بالنسبة للشراء: فكأن يقول له: اشتر لي سيارةَ فلانٍ أو اشتر لي عمارة فلانٍ، فلا يجوز أن يشتري عمارة غيره، ولا يجوز أن يشتري عمارة نفسه وجهاً واحداً.
الحالة الثانية: أن يقول الوكيل: يا فلان! اشتر لي سيارةً من نوع كذا وكذا بعشرة آلاف، ولم يحدد لك المعرض الذي تشتري منه، ولا الشخص الذي تأخذ منه، فحينئذٍ يرد سؤالٌ فقهي عن الوكالة مطلقة، فالوكالة المطلقة لا تتقيد إلا بأحد أمرين: إما اللفظ، وإما العرف بالنسبة للمعاملات، وقد يدخل التقييد الشرعي، فإذا قال لك: اشتر لي سيارةً بعشرة آلاف، فهل هذا الإطلاق مقيد أو هو على الأصل من أنه مطلق؟ وللعلماء وجهان: بعض العلماء يقول: إذا قال لك: بع لي عمارتي بعشرة آلاف، أو بعها بقيمة السوق، فإنه قد أطلق، حتى لو أردت أن تشتري لنفسك فلا بأس؛ لأنه قال: بع، ومقصوده أن يحصل على الثمن، بغض النظر أن تكون أنت المشتري أو يكون غيرك، هذا مذهب طائفة من العلماء رحمهم الله.
المذهب الثاني يقول: إن الإطلاق من صاحب السيارة مقيدٌ بالعرف، وكأنه حينما قال لك: بع سيارتي بعشرة آلاف، كأنه يقول لك: بعها إلى غيرك، ولم يقصد أن يبيعها لك أنت، قالوا: فإذا اشتريتها أنت لنفسك خرجت عن الوكالة.
فعندنا وجهان للعلماء: الوجه الأول يقول: من قال لك: وكلتك في أمرٍ أخذاً أو إعطاء فإنه يبقى على إطلاقه، حتى لو أردت أن تبيع وتشتري من نفسك فلا بأس، ويدخل في هذا التوكيل في الإجارات، فمثلاً: لو أن شخصاً أراد أن يصور مذكرةً أو كتاباً، فقال لك: يا فلان! صور لي هذا الكتاب بمائة ريال، أو صوره بسعر السوق، وعندك آلة تصوير، فذهبت وصورت الكتاب كاملاً وقيمة التصوير في السوق مائة ريال، وجئت وقلت له: التصوير يكلف مائة، فأخذت منه المائة، فهذه إجارة أيضاً، وكذلك لو وكلك على شيء قمت به بنفسك، كما لو قال: يا فلان! رتب لي هذه المكتبة بمائة أو بخمسين، فبدل أن يقوم ويأتي بشخصٍ أجنبي قام هو بنفسه ورتبها دون علم الموكل ودون إذنه.
فالمسألة لا تختص بالبيع والشراء، بل حتى في الإجارة حينما يوكلك شخص على إجارة معينة فتقوم أنت بنفسك وتستأجر المحل، ولو قال لك: هذه شقتي أجرها بعشرة آلاف في السنة، فنظرت فإذا هي طيبة وتستحق أن تسكنها، فأخذتها لنفسك أو استأجرتها لولدك أو لزوجك أو لأحد قرابتك، لكنك أنت الذي توليت العقد، ففي هذه الصور كلها يأتي الوجهان للعلماء: من أهل العلم من يقول: الوكالة المطلقة تستلزم حصول الغرض، بغض النظر عن الشخص الذي يريد أن يبيع أو يشتري معه سواءً كان الوكيل أو غيره.
الوجه الثاني يقول: إن الوكالة المطلقة مقيدة بالغير، فلا يصح للوكيل أن يدخل بين الموكل وبين الأجنبي.
والذين يقولون: الوكالة المطلقة مقيدة، فلو قال لك شخص: بع السيارة، فلا يجوز أن تشتريها لنفسك، استدلوا بدليلين: الدليل الأول: قالوا: إن الإطلاق في اللفظ مقيدٌ بالعرف كما ذكرنا؛ لأنه قال لك: بع سيارتي بعشرة آلاف يقولون: ولو كان المراد أن تشتريها أنت لقال لك: يا فلان! اشتر سيارتي بعشرة آلاف، فكونه يخاطبك على وجه الإطلاق، فهذا الإطلاق المراد به الأجنبي عنك ولست داخلاً فيه.
الوجه الثاني: أن التهمة تحصل للوكيل، فإن الوكيل ربما حابى لنفسه، فالنفوس مجبولة على جلب الخير لها ودفع الضرر عنها، وعقود البيع والشراء فيها غبن وغرر، والغالب أن الإنسان لا يدخل الضرر على نفسه لأجل موكله، بعبارةٍ أخرى: لو كانت السيارة قيمتها عشرة آلاف فستشترها بتسعة آلاف ونصف أو تشتريها بتسعة آلاف إلا ربع، أو يشتريها بتسعة، فقالوا: لو فتحنا للوكلاء أن يبيعوا ويشتروا لأنفسهم لأضر ذلك بأموال الناس، والشريعة جاءت بدفع الضرر، وليس كل وكيلٍ يكون أميناً في مثل هذا، هذا حاصل ما استدل به من منع.
ومن أجاز وقال: يجوز لك أن تبيع وتشتري لنفسك، ويجوز لك أن تؤجر لنفسك، وأن تتولى الطرف الثاني للعقد، قالوا: إنه أطلق الوكالة، والقاعدة تقول: (المطلق يبقى على إطلاقه)، وهذا الإطلاق يشمل الوكيل؛ لأنه قال له: بع سيارتي ولم يقل: من غيرك، إنما قال له: بع سيارتي، فكما أن غيره يدخل في هذا الإطلاق، كذلك هو داخلٌ فيه.
الوجه الثاني: أن المقصود من الوكالة هو بيع العمارة أو بيع السيارة أو حصول المنفعة، وليس هناك في الشريعة نظر للشخص الذي سيقوم بتلك المنفعة، فعندما قال لك: بع العمارة، لو كان له غرض في الشخص الذي يشتريها لكان قال: بع العمارة إلى فلان، بع العمارة إلى الضعفاء، أجر العمارة بخمسمائة للفقراء مثلاً، فلما كان مالك السلعة لا غرض له في الطرف الثاني وليس له مقصود في الطرف الثاني، وقال لك: بع العمارة، أو صوّر الكتاب، فالمقصود أن يحصل التصوير وأن يحصل البيع وأن يحصل الشراء بغض النظر عن الطرف الثاني، وهذا الوجه الثاني هو الصحيح: أنه يجوز للوكيل أن يتولى الشراء بنفسه والبيع لنفسه ولا حرج عليه، فإذا أعطاك رجلٌ مالاً على أن تشتري عمارةً أو سيارةً أو أرضاً فلا حرج أن تكون الطرف الثاني الذي يبيع، ولا حرج عليك إذا أعطاك أرضاً لكي تبيعها أو شقةً من أجل أن تؤجرها أن تكون الطرف الثاني المشتري أو المستأجر، والدليل على ذلك: أولاً: إطلاق اللفظ، والألفاظ معتبرة في العقود.
ثانياً: قولهم: إن التهمة تلحقه؛ لأنه ربما حابى نفسه، نقول: نحن نشترط أن لا يكون الوكيل قد حابى نفسه، فنحن نصحح البيع ولكن نقول: بشرط أن لا يحابي نفسه، وأما قولهم: إن التهمة موجودة، فهذا لا يستلزم البطلان؛ لأنه ربما باع الوكيل إلى أحد قرابته، فلو أن الوكيل باع لأحد أقربائه فإن التهمة موجودة، لكن كونه يبيع بثمنٍ المثل هذا لا تهمة فيه، وبناءً على ذلك نقول: إذا اشتريت العمارة بثمنها، والسيارة بحقها، والأرض بقيمتها، فبيعك صحيح، وشراؤك صحيح، وعلى هذا يكون فيك طرفان من العقد: بائع من وجه ومشتر من وجه، بائع وكيلاً، ومشترٍ أصيلاً، بائع عن غيرك ومشترٍ لنفسك، أو بائع لنفسك ومشترٍ لغيرك، إذا عُرِفت هذه المسألة فهناك مسألة ثانية: إذا قلنا: يجوز للشخص أن يكون وكيلاً في البيع والشراء، فهل يشمل ذلك الحقوق المالية؟ فمثلاً: الحقوق المتعلقة بالعبادات، لو أن رجلا أعطاك مائة ألف، أو أعطى رجلاً مائة ألف وقال: أعطها للفقراء، أو للمستحقين زكاةً، وكان الشخص الذي هو وكيل فقيراً أو مديوناً أو مجاهداً فله سهم الفقر، أو سهم الغُرم إذا كان مديوناً، أو سهم الجهاد في سبيل الله إن كان من المجاهدين، فهل يجوز له أن يأخذ من هذا المال إذا وكّل بالزكاة؟ للعلماء أيضاً وجهان: الوجه الأول: لا يجوز له أن يأخذ من هذه الزكاة بل يدفعها إلى الغير حتى ولو كانت فيه صفة الغير.
الوجه الثاني: يجوز، وهو الأقوى، إلا أن الأورع والأشبه أن لا يأخذ، والأفضل أن لا يأخذ؛ لأن المشكلة في الزكاة شبهة العبادة بخلاف مسألة البيع والشراء؛ لأن مسألة البيع والشراء المقصود: حصول الثمن، لكن الزكاة فيها شيء من التعبد، فالذي دفع الزكاة دفعها لغيرك بنية الغير ولم يدفعها بنية أن تكون لك، ولذلك هذه الشبهة تجعل الأفضل والأورع للإنسان أن يتقي ذلك وإن كان أصل المسألة في الوكالة صحيحاً؛ لأن المعنى الذي أجزنا به البيع والشراء ضعيفٌ في مسألة الزكاة، لذلك من حيث الورع الأولى أن لا يأخذ.
الخلاصة: يجوز للشخص إذا وكل ببيع الشيء وشرائه أن يشتري لنفسه، ولكن بشرط أن لا يحابي، فلو قال رجل لرجل: بع سيارتي في السوق فذهب إلى السوق وحرج على السيارة أو أقام عليها مزاداً ووصلت إلى عشرة آلاف، فقال: أنا أشتريها، ودفع العشرة الآلاف صح ذلك، لكن الإشكال ليس هنا، فلو أنه أقامها في المزاد، وقيمتها عشرة آلاف، والذي زاد بالعشرة شخص معين، فقال: أنا أشريها بعشرة آلاف، فحينئذٍ يرد

السؤال

هل من حق الوكيل أن يأخذها لنفسه بعشرة آلاف؟ نقول: لا، حتى يزيد عليه؛ لأن هذا الرجل الذي زاد بعشرة آلاف يستحق السيارة، فإذا جاء الوكيل يزاحمه فقد استغل وكالته، وأخذ لحظ نفسه، فيدخل معه في المزاد كسائر الناس دفعاً للتهمة والريبة، وهكذا لو كان المبيع عمارةً أو أرضاً أو مزرعةً وكانت بالمزاد فإن الوكيل لا يأخذ بآخر المزاد إذا كان هناك من يرغب ووقف عليه المزاد إلا إذا نافسه، فإذا نافسه صح له ذلك.
يبقى السؤال: لماذا نصحح للوكيل أن يكون بائعاً من وجه ومشترٍ من وجه أليس هذا تضاداً؟ فالإنسان إما بائعٌ وإما مشتر، فكيف نقول: يبيع السيارة لنفسه ويبيع الأرض لنفسه ويشتري لنفسه؟ قالوا: هذا لا إشكال فيه؛ لأنه يجوز أن يتولى الشخص الواحد طرفي العقد كما في ابن العم يتزوج اليتيمة تحت ولايته؛ فإنه زوج من وجه وم

حكم بيع الوكيل وشراؤه من ولده

قال رحمه الله: [من نفسه وولده].
الإمام أحمد رحمةُ الله عليه روي عنه أكثر من رواية في هذه المسألة؛ فتارة المنع: فلا يجيز للوكيل أن يتولى طرفي العقد، وفي مسألة الزكاة منع من أن يأخذ من سهم الزكاة إذا كان الذي أعطى الزكاة عمم، وهذه الرواية التي فيها المنع اختارها المصنف رحمه الله واختارها القاضي، واختارها جمهرة من أصحاب الإمام أحمد، أنه لا يجوز للوكيل أن يكون بائعاً أو مشترياً، وكذلك لا يكون مستأجراً كما ذكرنا التفصيل في المسألة.
لكن هناك رواية ثانية: أنه يجوز بشرط: أن لا يحابي نفسه، ويتولى الزيادة على السلعة غيره.
وهناك رواية ثالثة ذكرها الزركشي رحمه الله، والذي اختاره المصنف وصاحب المختصر الخرقي -أنه لا يجوز، والصحيح ما ذكرناه من أنه يجوز، وإذا مشينا على ما قاله المصنف: لا يجوز للوكيل أن يشتري لنفسه ولا أن يبيع لنفسه، فهل أولاده مثله؟ فمثلاً: لو قال رجل لرجل: أجّر هذه الشقة أو هذه العمارة بعشرة آلاف في السنة، فجاء أحد أبناء الوكيل وقال: أنا آخذها بعشرة آلاف فهل له ذلك أو لا؟ عند من يمنع يقول: كذلك الولد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في فاطمة: (إنما فاطمة بضعةٌ مني) فدل على أن الولد جزءٌ من والده، فإذا منعت الوالد من شيء تمنع أيضاً ولده منه، قالوا: فلا يبيع لنفسه ولا لولده، ولا يشتري لنفسه ولا لولده، وهكذا قضية المكاتب، وكل الذي ذكره هنا مبني على أن فرع الشيء كالشيء.

حكم بيع الوكيل بالعرض

قال رحمه الله: [ولا يبيع بعرضٍ ولا نسأ ولا بغير نقد البلد].
هذه المسألة في الوكالة مثالها: أن يقول لك شخص: بع عمارتي أو بع سيارتي أو بع مزرعتي، فوكلك في البيع، فإذا وكلك في البيع فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يحدد لك القيمة والثمن المدفوع مقابل المبيع، فيقول لك مثلاً: بع عمارتي بمليون ريال، فحينئذٍ حدد لك المال، وحدد لك نوعية المدفوع وهو الثمن الذي هو من الفضة، فلا يجوز أن ينصرف الوكيل إلى الذهب، ولا يجوز أن ينصرف إلى نقدٍ ثانٍ من حيث الأصل، لكن إذا كان أفضل، فستأتي مسألة إذا كان الذهب أغلى، فبدل أن يبيعه بمليون ريال باعه مثلاً بأربعمائة ألف دولار، وهذا أكثر من المليون ريال، فهل يصح أو لا يصح؟ سيأتي إن شاء الله، لكن من حيث الأصل أنه إذا حدد لك الذهب أو الفضة أو قال لك: بع بذهب أو فضة، فإنه لا يجوز أن تنصرف إلى غيرهما وهو الذي يسمى بالعروض، فعندنا ثلاثة أشياء من المقابلات الأول: الثمن، وهذا يشمل الذهب والفضة.
الثاني: العرض المنقول من غير العقارات، كالأطعمة والأكسية والأقمشة ونحوها.
النوع الثالث: أن يكون من العقارات، فإذا وكل شخصٌ شخصاً أن يبيع شيئاً أو يشتري شيئاً بشيء آخر فهذا الشيء الآخر إما ثمن وإما مثمن، فإن كان حدد له الثمن وقال له: بع هذه الثلاجة -ونحن نضرب أمثلة لأشياء موجودة حتى تكون الصورة أوضح؛ لأن هذا هو الذي تعم به بلوى الناس، وهذا الذي يسأل الناس عنه، لكن لو مثلنا بأمثلة قديمة قد يخفى على الكثير- فمثلاً لو قال له: بع هذه السيارة بعشرة آلاف ريال، فليس من حقه أن يذهب ويبيع السيارة بسيارة أخرى؛ إذ يمكن أن يبيع السيارة بسيارة أخرى على سبيل المبادلة، والسيارة الأخرى عرض، فلا يجوز إذا حدد له الذهب والفضة أن ينصرف إلى العروض.
ولو قال له: بالعروض، فما مثاله؟ مثاله ما هو موجود في محلات الاستبدال، كاستبدال السيارات، واستبدال الأجهزة الكهربائية، فلو قال للعامل في المحل: بع هذه الثلاجات الجديدة بثلاجات قديمة مضاعفة، يعني: الثلاجة الجديدة بثلاجتين من نوع كذا وحدد له، فلا يجوز أن يبيع بالنقد من حيث الأصل؛ لأنه أمره أن يبيع بالعرض، فإذاً: إذا وكله بالعرض يشمل مثلاً: الثلاجة بالثلاجة ويشمل العقارات، كأن تأتي إلى مكتب العقار، وتقول له: وكلتك أن تبيع أرضي في المدينة ببدل عنها في مكة، وتكون هذه القطعة (30×30) فيقول مثلاً: أريد قطعة (30×30) بدلاً عنها.
فإذاً البدل هنا: عقار، فلا يجوز لمكتب العقار أن يبيع ويتصرف فيبيع بالنقد؛ لأنك عينت له المقابل من العقارات، فالمقابل إما أن يكون من النقد ذهباً كان أو فضة، أو من العقارات كالبيوت والعمائر والفلل والمزارع، تقول: بع مزرعتي هذه بمزرعةٍ في المدينة، بع عمارتي هذه بعمارة في جدة، فهذا عقار بعقار، وعرض بعرض كما ذكرنا، بع سيارة بسيارة من نوع كذا وكذا، فهذه ثلاثة أحوال.
نرجع إلى الحالة الأولى وهي: أن يحدد له النقد من الذهب والفضة، إذا قال له: بع مثلاً بالذهب، والذهب من أمثلته الآن الأرصدة، فمثلاً: الدولارات رصيدها ذهب، الجنيهات: رصيدها ذهب، الريالات: رصيدها فضة، فإذا قال له: بع هذه السيارة بألف ريالٍ فقد عين الفضة، ولو قال له: بعها بألف جنيهٍ فقد عين الذهب، وإذا عين الذهب أو عين الفضة فإنه ينصرف إلى الذهب والفضة، لكن لو أطلق وقال له: يا محمد! بع سيارتي وسكت، فهذا إطلاق، فهل نقول: يجوز له أن يبيعها بالنقد، أو يبيعها بالعرض، أو يبيعها بالعقار أم أن هذا المطلق يتقيد بالعرف؟

الجواب

يتقيد هذا المطلق بالعرف، فلو أتيت إلى مكتب العقار فقلت: بع أرضي وسكت، فنعلم جميعاً أنها تباع بالريالات، وبناءً على ذلك يتولى بيعها بالنقد الذي هو الثمن من الفضة.
لكن لو كان هناك عملتان فمثلاً: عندنا ريالات ودولارات، والناس يتعاملون في بلدٍ ما بعملتين على حدٍ سواء، فإذا كانوا يتعاملون بعملتين كالريالات والدولارات فإننا ننظر إلى الأكثر رواجاً، فإذا قلت له: بع سيارتي بعشرة آلاف فهمنا أنها ريالات؛ لأنها أكثر رواجاً، لكن لو أن النقدين استويا مثل ما يقع الآن في الأسواق الحرة بين الدول، تكون هناك أسواق حرة يتعامل فيها بنقد البلدين، مثلاً: دولتان جارتان تتعاملان مع بعضهما، وتكون هناك سوق مفتوح بينهما، فما تستطيع أن تقول: إن الغالب عملة هذا البلد أو هذا البلد، فلو أن شخصاً بعث شخصاً إلى هذا السوق، وقال له: اشتر لي بعشرة آلاف سيارة، فهل ينصرف إلى الريالات أو إلى الدولارات؟ يتقيد بعرفه إن كان خاطبه بعرفه، فلو قال له ذلك في بلدٍ يتعامل بالريالات فإنه يتقيد بالريالات، وإن خاطبه في بلدٍ فيه الدولارات فإنه يتقيد بالدولارات، أما لو أنه خاطبه في نفس السوق أو في الموضع الذي يتردد فيه الثمنان فحينئذ يخير الوكيل بين الريالات والدولارات بأيهما باع.
وعلى هذا: يصح بيعه وينفذ إذا كان بالريالات، ويصح بيعه وينفذ إذا كان بغيرها.
فيقول رحمه الله: (ولا يبيع بعرض).
بناءً على ذلك: لو أن رجلاً اشتكى رجلاً وقال: أعطيته سيارتي يبيعها في السوق، وقلت له: بع سيارتي، فذهب وباعها بعشرة آلاف ريال، وأنا قصدت أن يبيعها بسيارة مثلها، فهل تقبل دعواه؟ الجواب: لا تقبل؛ لأن الإطلاق منصرف إلى الغالب، والغالب أنها تباع بالريالات، فالذي يريد عرضاً يُقيد النادر بقيده فيقول: بع هذه السيارة بمثلها، لكن لما قال له: بعها وسكت، فالجاري في العرف أن تباع بريالات، لكن لو أن هذا السوق معروف أنه لا يتبايع إلا بالبدل، مثل ما يقع في الأسواق التي تختص بالمبادلات أو كان -مثلاً- في بيئة يعز فيها وجود الذهب والفضة، وتجدهم غالباً يتبايعون بالبدل، فحينئذٍ إذا باع بالبدل صح بيعه؛ لأن العرف يقيد هذا الإطلاق، وكما يقيده بالذهب والفضة فإنه يقيده بالعروض.

حكم بيع الوكيل إلى أجل

قوله: (ولا نسأ).
النسأ: التأخير، يقال: أنسأ إذا أخر، والنسيئة التأخير، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:37]؛ لأن كفار قريش كانوا يؤخرون الأشهر الحرم عن وقتها، والمراد بالنسيئة: بيع التقسيط وبيع الأجل، وبيع التقسيط فيه شبه إجماع عند العلماء على جوازه، يعني: شبه الإجماع على جواز بيع التقسيط، وليس من بيعتين في بيعة، فهذا شيء، وبيع التقسيط شيءٌ آخر، ولا يكون بيع التقسيط من بيعتين في بيعة إلا إذا افترق المتعاقدان دون أن يحددا إحدى الصفقتين، أما إذا حددا هل هو بالنقد أو التقسيط فحينئذٍ لا إشكال، وهذا أفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حينما سُئِل عن بيع الرجل بتسعة حاضرة وعشرة إلى أجل، فقال: (لا بأس إذا عين)، كما رواه عبد الرزاق في المصنف وغيره، كما حكى ابن سيرين عمل السلف رحمهم الله، وما جاء عن سماك، فـ سماك من أتباع التابعين، وليس مثله معارضاً لمن هو أعلم منه كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين، وعلى ذلك الأئمة الأربعة كلهم، وكذلك الظاهرية، أنه إذا حدد إحدى البيعتين فليس من بيعتين في بيعة، إنما بيعتان في بيعة إذا قال له: بيعة بالنقد وبالتقسيط، وافترقا دون أن يحددا، فأصبح عقدان في عقدٍ واحد، أما إذا حددا فلا إشكال، فنحن نقول: بيع النسيئة كبيع التقسيط وبيع الأجل، يقول المصنف: (ولا نسأ)، يعني: الشخص الذي تقيمه في المحل أو في المتجر يبيع لك البضاعة أو يبيع لك السلع إذا وكلته بالبيع فلا يجوز أن يبيع بالدين إلا إذا أذنت له، فإذا أذنت له أن يبيع بالدين جاز، أما إذا لم تأذن له فلا يجوز.
ولو قلت له: بع، وسكتَّ، فهل هذا الإطلاق يبقى على ما هو عليه فيصح أن يبيع بالدين وبالنقد أو لا؟ قالوا -وهذا هو الأصح عند العلماء، ومذهب الجمهور-: إن الإطلاق ينصرف إلى الحلول، هذه قاعدة عندهم في هذه الإطلاقات، أن إطلاق النسيئة والنقد ينصرف إلى النقد، فإذا قال شخص لآخر: بع سيارتي، فهذا الإطلاق منصرفٌ إلى النقد، وبناءً على ذلك لا تخلو المسألة من صورتين: الصورة الأولى: أن تقول له: بع سيارتي هذه بعشرة آلاف نقدا، أو بع بضائع هذا المحل بالنقد ولا تبع بالدين، فلا يجوز له أن يبيع بالدين، فإذا باع بالدين وقد نهيته عنه لزمه أن يدفع الثمن حالاً، ويكون وجهه على من باعه بالدين، مثال ذلك: لو قلت له: بع هذه السيارة بعشرة آلاف نقداً فباعها نسيئة، فقال طائفة من العلماء: يصحح العقد، على القول بأن الضرر لا ينفي الصحة، ثم يلزم الوكيل بدفع العشرة آلاف، ويبقى وجهه لمن أعطاه إياه نسيئة، قالوا: لأنه تصرف خارج عن الوكالة.
وقال طائفةٌ من العلماء: إذا أقمته في المحل وقلت له: بع نقداً ولا تبع نسيئةً، فباع نسيئةً بطل البيع، وهذا أقوى، أنه يبطل البيع ويفسخ، ويرد المتاع إلى صاحبه، ولا يصحح العقد على هذا الوجه، هذا بالنسبة لمسألة النسيئة والنقد، وعلى هذا فليس من حق الوكيل أن يبيع نسيئةً إلا إذا أذن له موكله.

حكم بيع الوكيل بغير نقد البلد

قوله: (ولا بغير نقد البلد).
إذا قال له: بع بعشرة آلافٍ، فإنها تنصرف إلى نقد البلد، ولذلك يقولون: (المعروف عُرفاً كالمشروط شرطاً)، فإذا قال له: بعها بعشرة آلاف، في بيئة تتعامل بالريالات، انصرف إلى الريالات وأصبح الإطلاق مقيداً بالعرف.

حكم الوكيل إذا باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له الموكل

قال رحمه الله: [وإن باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل، أو مما قدره له صح وضمن النقص والزيادة].
(وإن باع بدون ثمن المثل).
هذه المسائل يخرج فيها الوكيل إلى الضرر، فتارةً يدخل الضرر عليك بزيادة الثمن الذي يشتري به، وتارةً يدخل الضرر عليك بالنقص في الثمن الذي يبيع به، فالوكيل له حالتان: الحالة الأولى: أن توكله بالبيع أو بالتأجير، فتقول له: بع السيارة بعشرة آلاف أو أجر هذه العمارة بعشرة آلاف، هذا كله توكيل بالبذل، وتارة توكله بالأخذ فتقول له: اشتر لي سيارة بعشرة آلاف أو استأجر لي عمارة بعشرة آلاف، ففي كلتا الصورتين إذا التزم قولك فلا إشكال.
وقد يخرج عن قولك بضرر أو بمنفعة، كأن تقول له: اشتر لي سيارة بعشرة آلاف، فيذهب ويشتريها بتسعة آلاف، هذا خروج بمنفعة، أو تقول له: اشتر لي سيارة بعشرة آلاف، فيشتريها لك بأحد عشر ألفاً هذا أخذ بضرر، تقول له: أجر لي هذه العمارة بعشرة آلاف، فيؤجرها بإحدى عشر ألفاً، فهذا أخذٌ بمنفعة، فإن أجرها بتسعة آلاف فهذا أخذٌ بضرر، فإذا خرج الوكيل عن الوكالة التي وكلته إياها بالتقييد باللفظ أو بالعرف الذي عليه ثمن المثل، كأن تقول له: أنت في المحل أو في البقالة وكلتك أن تشتري بضائع الوكالة وتبيعها للناس، فأنت إذا قلت له: وكلتك أن تجلس في المحل تبيع وتشتري فقد أطلقت له أن يتصرف في حدود المصلحة، فليس من حقه أن يشتري شيئاً بأكثر من قيمته، وليس من حقه أن يبيع شيئاً في البقالة بثمنٍ أقل من قيمته، فمثال الأول: لو أقمته في معرض سيارات، ووكلته أن يشتري هذه السيارات وقيمتها في السوق -مثلاً- بنصف مليون، فأقمته يشتريها، فذهب واشترى عدداً من السيارات بستمائة ألف، فأدخل عليك الضرر في حدود مائة ألف في الشراء، أو يبيعها وتكون السيارات تباع بمليون فيبيعها بتسعمائة ألف فيدخل عليك الضرر بمائة ألف.
في هذه الحالات يرد

السؤال

في باب الوكالة -ومن عادة العلماء أن يبحثوا في هذه المسائل-: الوكيل إذا تجاوز الحدود المعتبرة في الوكالة فأدخل الضرر آخذاً أو معطياً، فهل الذي يتحمل الضرر هو أنت -صاحب المحل والأصيل الموكل- أم أن الذي يتحمل الضرر هو الوكيل؟ لأنك أذنت له فيما لا ضرر فيه، فتصرف بما فيه ضرر فهل يتحمل مسئولية تصرفه، هذه هي المسألة.
وعلى هذا: يحتاج الأمر إلى التفصيل من حيث المنفعة والمضرة، فابتدأ المصنف رحمه الله بالضرر، وهو أن يتصرف الوكيل بالبيع والشراء ويدخل الضرر عليك في البيع والشراء، فتقول له: بع سيارة بعشرة آلاف فيبيعها بتسعة آلاف، أو تقول له: بع سيارة، وتسكت، والسيارة تباع بعشرة آلاف فباعها بتسعة، فهل يضمن أو لا يضمن؟ قال رحمه الله: (وإن باع بدون ثمن المثل).
وثمن المثل: هو المعروف في السوق أنه لمثل هذه السيارة، فالأصل يقتضي أن يبيع بثمن المثل، والإطلاق بقولك: بعت، يقتضي التقيد بالعرف، وهذا كله مندرج تحت القاعدة التي سبق التنبيه عليها والتي تقول: (العادة محكمة)، وهي إحدى القواعد الخمس التي انبنى عليها الفقه الإسلامي، (العادة محكمة)، أي: أننا نحتكم إلى عرف المسلمين وعوائدهم في متاجرهم وأسواقهم، ونحتكم إلى أهل الخبرة فيما يقولونه في البيوعات، وكذلك في الشراء في ثمن المثل، فنسألهم: هذه العمارة لو بيعت كم قيمة مثلها؟ قالوا: مليون، فباعها بتسعمائة ألف، يتحمل ذلك الوكيل الضرر الذي هو المائة الألف.
(أو دون ما قدره له).
عندنا صورتان: إما أن تحدد له القيمة فيبيع بأقل، أو تطلق فيبيع بأقل من ثمن المثل، لكن في الحقيقة كونك تقدر له الثمن أكثر من قضية ثمن المثل؛ لأن ثمن المثل في بعض الأحيان تكون قيمة العمارة مليوناً، وهناك شيء يسمى الغبن، فتكون العمارة تستحق هذه القيمة التي هي المليون، لكن قد يتسامح بعض الناس ويبيع بتسعمائة وخمسين ألفاً، فمعناه: أن هناك شبهة في الخمسين الألف، فعندنا شيء يسمى: ثمن المثل، وعندنا شيء يسمى: الغبن بالمثل، أي: فيما يتغابن بمثله الناس، فلا ننظر فقط إلى قضية المليون، بل الأمر يرجع إلى أهل الخبرة، ونسأل أهل العقارات إن كان المبيع عقاراً، وأهل الأطعمة إن كان المبيع طعاماً، وأهل السيارات إن كان المبيع سيارةً، وهذا الذي يقول عنه العلماء: يسأل عنه أهل الخبرة، فإذا كان المبيع قيمته -مثلاً- في حدود خمسمائة ألف، وممكن لشخص أن يبيعه بأربعمائة وخمسين ألفاً، لكن ما يبيع بأقل من أربعمائة وخمسين إلا رجل لا يحسن البيع، فإذا باع بأقل من أربعمائة وخمسين ألفاً كانت عليه المؤاخذة، وإذا كان في حدود ما بين أربعمائة وخمسين إلى نصف مليون فالأمر أخف، وهذا هو الذي يفرق فيه بين ثمن المثل وبين التخفيف.

حكم الوكيل إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل أو مما قدره له الموكل

قال رحمه الله: (أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدره له صح وضمن النقص والزيادة).
هنا إشكال: قلت لرجل: اشتر لي قطعة أرض في المخطط الفلاني بمائتي ألف، فذهب واشترى لك أرضاً في مخطط بمائتين وخمسين ألفاً، ثم جاء وقال لك: اشتريت لك قطعة أرض بمائتين وخمسين ألفاً، فقلت له: يا أخي! وكلتك أن تشتري لي بمائتين، فالسؤال الآن: إن جئنا ننظر إلى الوكالة فهي بمائتي ألف، فالأصل يقتضي أن البيع غير لازم وغير صحيح بالنسبة للموكل، لكن بالنسبة للوكيل الذي هو مكتب العقار الذي اشترى الأرض بمائتين وخمسين ألفاً، فيه وجهان: الوجه الأول: نقول: في الواقع أن هذا المكتب كأنه اشترى لنفسه، فحينئذٍ نقول: صح البيع وتصبح الأرض في الحقيقة مشتراة لصاحب المكتب؛ لأن الوكالة لأرض بمائتي ألف، فإذا ذهب يشتري أرضاً بمائتين وخمسين، بل لو كان ريالاً واحداً زائداً عن الوكالة فقد خرج عن الوكالة، كما لو اشترى شيئاً أجنبياً.
فنقول: بناءً على ذلك: يكون الوكيل هو المتحمل لهذه الأرض، ويصح البيع على ذمته هو، فتصبح الأرض ملكاً لمكتب العقار.
الوجه الثاني: نصحح البيع؛ لأن الوكيل اشترى لفلان، والخمسون الألف يغرمها صاحب مكتب العقار، ويكون البيع صحيحاً ويضمن صاحب مكتب العقار الخمسين؛ لأنه أدخل الضرر على نفسه على بصيرة، فهو اشترى ونيته لفلان، فعلى هذا كأنه تنازل عن الخمسين لفلان، فإن شاء فلان أن يعطيه الخمسين أعطاه، وإن شاء أن لا يعطيه فلا يعطيه، فالعقد لما أبرم والصيغة لما وقعت بين الطرفين وقعت ملكاً لفلان، وهذا من حيث الأصل في الحقيقة قوي جداً، أن العقد تم على أن السلعة مباعة لفلان، والبائع باعها لفلان، والوكيل قبل عن فلان، فأوجب الصفقة وتمت بمائتين وخمسين ألفاً، وقد رضي على نفسه؛ لأنه علم أن فلاناً أعطاه مائتين في الأرض، فإذا ذهب يأخذها بمائتين وخمسين ألفاً فقد أدخل على نفسه الضرر، وبناءً على ذلك يضمن الزيادة ولا يضمنها الموكل، وهذا هو الذي اختاره الأئمة رحمهم الله ودرجوا عليه، والقاعدة تقول: (الإعمال أولى من الإهمال)، وتفرع عليها قولهم: (تصحيح العقود ما أمكن).
فصاحب مكتب العقار عندما يذهب يشتري لك الأرض سيقول: بعني يا فلان! هذه الأرض لفلان، قال له: بكم؟ قال: بمائتين وخمسين ألفاً، قال: قبلت، تم البيع بمائتين وخمسين ألفاً لفلان، فمعناه: أن الإيجاب والقبول عقد، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1] فهذا الإيجاب والقبول لا يسقط، وهذا معنى قولهم: (الإعمال أولى من الإهمال)؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1] فيصح العقد ويتحمل صاحب المكتب غرامة الخمسين، فإن شاء صاحب الأرض أن يعطيه إياها عطاه، وإلا فليس بملزم بإدخال الضرر على نفسه، وهكذا في البيع.
قال رحمه الله: [وإن باع بأزيد أو قال: بع بكذا مؤجلاً، فباع به حالاً، أو اشترى بكذا حالاً، فاشترى به مؤجلاً ولا ضرر فيهما، صح وإلا فلا].
قال رحمه الله: (وإن باع بأزيد).
هنا المسألة على خلاف المسألة السابقة، الأولى غرم، والثانية غنم، والأولى خسارة، والثانية ربح، أنت وكلت -وبعض الوكلاء فيه عقل وحسن نصيحة- فقلت له: بعها بعشرة آلاف، فباعها بعشرين ألفاً، وقلت له: بع نسيئةً فباع حالاً، فهذا لا شك أن ثمن الحال أفضل من المؤجل؛ لأن المؤجل ربما أفلس المديون، ولربما ماطلك، ولربما تأخر في سداد حقك بسبب غياب أو سفر أو ظروف تلم به، فمن مصلحتك أن يكون الثمن حالاً، قلت له: يا فلان! بع هذه السيارة بعشرين ألفاً إلى نهاية السنة، فذهب وباعها بعشرين ألفاً نقداً، من مصلحتك أن تأخذها نقداً، فهنا المسألة على خلاف المسائل المتقدمة وهي مسائل الربح، وهي تحتاج إلى شيء من التفصيل يأتي الكلام عنه إن شاء الله.

الأسئلة

التفصيل في خيار المجلس متى يثبت

السؤال

هل خيار المجلس يثبت في سلعةٍ تحتاج إلى تجهيز ومئونة وكلفة من قبل البائع أم ليس من حق المشتري ذلك؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فخيار المجلس ثابتٌ للطرفين ما دام في مجلس البيع والشراء والعقد، فإذا كانت السلعة تحتاج إلى نقل فلا يخلو من حالتين: إذا تم الإيجاب والقبول في مجلس العقد، وافترقا من أجل أن تنقل السلع، وذهب البائع والمشتري، وفارق أحدهما الآخر فراقاً مؤثراً فقد تم البيع ووجب، وانقطع خيار المجلس.
لكن لو قال له: بع لي سيارتك بعشرة آلاف أو قال له: عندي سيارة بعشرة آلاف قال له: ما نوعها قال له: نوعها كذا وكذا، وصفاتها كذا وكذا، فلما أعطاه صفات السيارة قال: قبلت، فقاما سوياً مع بعضهما، ونظرا إلى السيارة وقلب السيارة وتأمل فيها ولم يفترقا، وبعد أن نظر فيها قال: لا أريد، مع أن الوصف لم يختلف؛ لأنه في هذه الحالة يكون فيها خياران: خيار المجلس من وجه، وخيار الصفة؛ لأن بيع الغائب فيه خيار الصفة كما بينا، لكن عند من لا يقول بخيار الصفة نقول: يبقى خيار المجلس كما هو مذهب الشافعي رحمه الله، فإذا كانا في مكانٍ واحد ولم يفترقا ولو ساعات طويلة لتقليب السلعة ونحوها فإن البيع لا يلزم إلا بالافتراق على ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) والله تعالى أعلم.

حكم من وكل شخصاً في طلقة واحدة فطلق عنه ثلاث تطليقات

السؤال

إذا وكل شخصٌ آخر بتطليق امرأته ولم يقيد عدد الطلاق ولكن في نيته أنها تكون طلقةً واحدة، ولكن الموكل طلق ثلاثاً، فما الحكم ديانةً وحكما؟

الجواب

في الحقيقة مسائل الطلاق توكل إلى القضاء، خاصةً إذا كانت مسائل خلافية، فمثل هذه المسائل يقع فيها إشكال بين الناس، خاصة في الأزمنة المتأخرة بسبب وقوع الفتن في الطلاق، وتتبع الناس الرخص، فيأتي فيسأل هذا فيقول له: لا يقع الطلاق، ويسأل هذا فيقول: يقع الطلاق، فيصبح الناس في حيرة من أمرهم، فأهل الزوجة استفتوا من يقول: هي حلال، وأهل الزوج استفتوا من يقول: هي حرام، فحينئذٍ يحدث شيء من التضارب في الفتاوى، والإزعاج للناس، إضافةً إلى قلة الأمانة إلا عند قليل من الناس في هذه الأزمنة بالنظر إلى السواد الأعظم من الناس، فإنك تجد الرجل إذا أراد أن يسأل غيّر في السؤال، وقدم في الألفاظ، ومسائل الطلاق ربما حرف واحد يغير فتوى بكلها فقول: أنت طالقٌ طالقٌ طالق، ليس كأنت طالق وطالق وطالق وهو حرفٌ واحد، وأيضاً لو قال: أنت طالق، ثم سكت ثم قال: طالق، ثم سكت، ثم قال: طالق، ليس كقوله: أنت طالق طالق طالق، فمسائل الطلاق مسائل مهمة، وتحتاج إلى شيء من الروية، ولذلك طلاب العلم عليهم أن يكونوا على بصيرة، وأذكر أن الوالد -رحمة الله عليه- كان يمتنع من الفتوى في الطلاق، ويرد ذلك إلى القضاء؛ لأن ذلك أبلغ في زجر الناس، فلابد أن تعرف حقيقة السؤال، وغالباً في القضاء يحضر الرجل وتحضر المرأة، ويعرف ما الذي قاله الرجل، وما الذي تلفظ به.
كذلك أيضاً إذا كانت الفتوى عن طريق المفتي أو نحوه فيمكن معرفة حقيقة الأمر على وجه تندفع به المفسدة، ويؤمن به تلاعب الناس بدين الله عز وجل، فإن الناس ربما أخذتهم الحمية والعاطفة فأصبح الرجل يغير في سؤاله وفتواه حتى ولو علم أنها محرمةٌ عليه والعياذ بالله، ولقد جاءني من ذكر لي مسألة في الطلاق يكاد يكون الإجماع فيها على تحريم المرأة، فسألني إياها بطريقة عجيبة لا تشك أنها طلقةٌ واحدة، وأنها لا تحرم عليه، ولكن تلاعب في اللفظ وتلاعب في الصيغة ولم أفته، لكن لما استقصيت حتى أعرف حقيقة الأمر إذا باللفظ الذي قاله أولاً ليس كاللفظ الذي قاله في أوسط الكلام، وليس كاللفظ الذي قاله في آخر الكلام، هذا واقع وهذا موجود، ومن تعاطى هذه المسائل يعرف ذلك، ولذلك تأدباً مع مشايخنا والعلماء الأجلاء يترك الأمر لكبار العلماء في مثل هذه المسائل، وهذا الذي درج عليه العرف أن تترك الفتوى للعلماء الكبار في مثل هذه المسائل.
ومن فائدة هذا أيضاً: تعريف الناس بقدرهم، فرجوع الناس إلى العلماء الكبار وسؤالهم في المسائل التي تتصل بها بيوتهم يشعرهم بحق العلماء ومكانتهم، فهناك عدة أمور تدعو إلى مثل هذا؛ ومثل مسألتنا هذه بعض العلماء يقول: إذا وكله فإنها تطلق، فإذا طلق طلقةً واحدة انقطعت وفسخت الوكالة؛ لأنه وكله أن يطلق، وأقل ما يصدق عليه الطلاق طلقةٌ واحدة، ومنهم من يقول: ينظر إلى الأكثر، وهذا مبني على: هل العبرة بالألفاظ والإطلاقات بأكمل ما يصدق عليه الوصف أو بأقل ما يصدق عليه الوصف؟ فإن قلنا بالأقل فالعبرة بالطلقة الواحدة، وإن قلنا بالأكثر فالعبرة بالأكثر إلا أن يقيدهُ بواحدة، والله تعالى أعلم.

بيان أن العقود لا تجري على صيغ معينة

السؤال

ذكرتم أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بيّن أن أصول الشريعة لا تلزمنا في العقود بلفظٍ معين أو صيغة معينة إلا إذا دلّ الدليل على ذلك، نريد من فضيلتكم بياناً عن ما دل عليه الدليل بالإلزام في العقود؟

الجواب

هذه المسألة تكلم عليها شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه النفيس: القواعد النورانية، وذكر فيه القواعد الفقهية وأصول أهل الحديث، وأصول أهل الرأي، وبيّن رجحان مذهب أهل الحديث في مسائل العبادات والمعاملات في كتابه هذا الذي يسمى بالقواعد النورانية، وهو مطبوعٌ موجود، فبالنسبة لمسألة التقيد بالألفاظ في العقود فالرجل حينما يوكل غيره ويقول له: وكلتك في شراء أو بيعٍ يقول: إن الأمر يرجع إلى ما تعارف عليه الناس، ولا يحتاج الأمر إلى لفظ معين يتقيد به، وضرب لذلك أمثلة، فمثلاً: قال رحمه الله: إن السلف يكاد يكون كالإجماع بينهم أنهم ينزلون الأفعال منزلة الألفاظ الصريحة، فقد كان الرجل يبني المسجد ويفتح أبوابه للناس ولا يصيح ويقول: أيها الناس! قد أذنت لكم أن تصلوا فيه، فإن فتحه للباب وإشراعه للناس دال على أنه قد أوقف المسجد لله، فليس هناك لفظٌ معين، كذلك من سبّل السبيل من الماء، وأخرج الماء من بيته وأخرج الكيزان للشاربين فإنه لا يحتاج كل من أراد أن يشرب أن يقول: أين صاحب الماء حتى يأذن لي؟! فهذا الإذن المطلق جاء بالفعل، ونزّل الفعل منزلة القول، فليست هناك ألفاظ تعبدية يتقيدبها إلا فيما دل الشرع على التقيّد فيه باللفظ، وهذا معنى بالنسبة للنظر إلى الأفعال الدالة على الأقوال، وحتى الألفاظ نفسها، فالرجل في بعض الأحيان يقول للرجل كلمةً جرى العرف فيها على الإطلاق، مثلاً: تقول للعامل عندك في المحل: يا فلان! إني أريد سيارة من نوع كذا وكذا (أريد)، ما قلت له: اذهب واشتر، ولا قلت له: تولَّ وأنت وكيلي، فهذا العامل الذي يكون في العمل أو في محلك قال لك: اترك الأمر لي، فسكت؛ لأنه لما قال: اترك الأمر لي عُلِم أنه يريد منك تفويضاً وتوكيلاً للقيام بالأمر، فلا يحتاج إلى صيغة: وكلتك أن تقوم بكذا وكذا؛ لأن كلمة اترك الأمر لي، لا يهمك، درج العرف وجرى على أنها دالةٌ على التفويض، فإذاً نقول: إن الألفاظ والصيغ لا يلزم فيها الناس بصيغٍ معينة متى ما قام العرف بالدلالة على المقصود والمراد، والله تعالى أعلم.

ضابط الحنث في اليمين

السؤال

إذا حلف الإنسان على أمرٍ من الأمور أن لا يفعله، ففعله تبعاً وموافقةً لا قصداً ولا حيلة فهل يكون قد حنث في يمينه؟

الجواب

ليس عليه إلا الكفارة، وهو يقول: والله لا أفعل، ففعله تبعاً للناس أو فعله مجاراةً للناس، أو فعله بإكراه أو إرضاء لأهله، عاطفةً لزوجه، فليس عليه إلا الكفارة؛ لأنه حنث في يمينه؛ والحنث غالباً ما يكون إلا بشيء لا يختاره الإنسان، فلا إشكال في لزوم الكفارة عليه، إلا إذا أكره، فالإكراه فيه وجهان مبنيان على: هل الأيمان تجري مجرى الأحكام الوضعية التي لا يلتفت فيها إلى القصد والنية أم تجري مجرى الأحكام التكليفية فتؤثر فيها النية؟ والله تعالى أعلم.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
ضابط الغبن الذي يثبت به الخيار في البيعالسؤالالجوابأحكام الجاهلية مردودة بحكم الشرعالسؤالالجواببطلان الوكالة في الرضاعالسؤالالجوابحكم من أدرك الإمام في الركعة الرابعة ثم قام الإمام للخامسةالسؤالالجوابدخول ربا النسيئة في الصرف عند عدم التقابضالسؤالالجوابالطريقة المثلى لضبط مسائل العلمالسؤالالجوابباب الوكالة [3]حكم توكيل الوكيل لغيرهالسؤال: أن يوكل في شيء لا يقوم به مثله عُرفاً،ان يوكل في شيء لا يقوم به مثله عرفاالسؤالأن يوكَّل في شيء يحتاج فيه إلى معونة الغيرأن يوكَّل في شيء يقوم به بنفسه دون حاجة إلى غيرهحكم الوكالة وأحوال بطلانهاالوكالة من العقود الجائزةالجواببطلان الوكالة بفسخ أحد الطرفين لهابطلان الوكالة بموت أحد الطرفين أو جنونهبطلان الوكالة بعزل الوكيلبطلان الوكالة بالحجرالأسئلةحكم بيع اللحم معجلاً في صورة التأجيلالسؤالالجوابحكم أداء العمرة عن النفس وعن المتوفى في سفرة واحدةالسؤالالجواببطلان وكالة المحجور عليه لفلسالسؤالالجوابالنهي عن السفر يوم الجمعةالسؤالالجوابجواز الجمع بين المرأة وبنات عمتها وخالها وخالتهاالسؤالالجوابمضاعفة الصلاة في الثلاثة المساجد عام في الفرض والنفلالسؤالالجوابالحكمة من النهي عن التحلق يوم الجمعةالسؤالالجوابوصية في لزوم الصبر على طلب العلمالسؤالالجوابباب الوكالة [4]ما يجوز للوكيل فعله وما يمنع منهحكم بيع الوكيل وشراؤه من نفسهالسؤالحكم بيع الوكيل وشراؤه من ولدهحكم بيع الوكيل بالعرضالجوابحكم بيع الوكيل إلى أجلحكم بيع الوكيل بغير نقد البلدحكم الوكيل إذا باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له الموكلالسؤالحكم الوكيل إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل أو مما قدره له الموكلالأسئلةالتفصيل في خيار المجلس متى يثبتالسؤالالجوابحكم من وكل شخصاً في طلقة واحدة فطلق عنه ثلاث تطليقاتالسؤالالجواببيان أن العقود لا تجري على صيغ معينةالسؤالالجوابضابط الحنث في اليمينالسؤالالجواب
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل