شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 16-29
أهل الأثرالأرشيف العلمي

لا مدة محددة بين عمرتين

السؤال

هل من مدة محددة بين عمرتين؟

الجواب

ليس هناك نص يحدد ما بين العمرتين، والذي ذكره بعض العلماء رحمهم الله أنه إلى نبات الشعر، وقدرها بعضهم بالأربعين؛ لأن الغالب فيها أن ينبت، وقال بعضهم: إذا وجد شعراً يحلقه، وهذا إذا حلق الشعر، لكن ممكن أن يعتمر ويقص شعره، فعلى هذا الضابط قد يؤدي عمرتين وليس بينهما إلا فاصل يسير.
وأياً ما كان فليس هناك تحديد لما بين العمرة والعمرة، ومذهب جمهور العلماء جواز تكرار العمرة في السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العمرة إلى العمرة مكفرة ما بينهن) وقال: (تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الكفر والفقر كما تنفي النار خبث الحديد) فهذا لا قيد فيه ولا تحديد، والله تعالى أعلم.

عدم اليأس في النصيحة

السؤال

سائل يشكو من عدم اهتمام أهله بالصلاة رغم ما أسداه إليهم من النصيحة، فما توجيهكم نحو هذا؟

الجواب

الصلاة عماد الدين، ومن حرمه الله الصلاة فقد حرمه الخير، وما سميت صلاة إلا لأنها صلة بين العبد وربه، وما ذكر الله شرائع الإسلام وقواعده العظام إلا استفتحها بشهادة الإسلام ثم أتبعها بإقامة الصلاة التي هي عمود الإسلام، ولا قيام للبناء إلا بعموده.
ولقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على تعظيم أمرها وشأنها، حتى أخبر صلى الله عليه وسلم أن أول ما يحاسب عليه العبد بين يدي الله الصلاة، وقال: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة) وقوله: (خير أعمالكم الصلاة) دليل ظاهر على عظيم شأنها وعلو مرتبتها عند الله عز وجل.
بل إن النصوص دلت على ما هو أعظم من ذلك، وهو بيانه عليه الصلاة والسلام أن العبد قد يضيعه الله عز وجل بإضاعة الصلاة، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من مسلم تحضره الصلاة فيتم طهورها وركوعها وسجودها وخشوعها إلا صعدت وعليها نور، ففتحت لها أبواب السماء، حتى تنتهي إلى ما شاء الله أن تنتهي إليه، تشفع لصاحبها وتقول: حفظك الله كما حفظتني، ومن ضيع حقوق الصلاة فإنها تلف كما يلف الثوب الخلق، ويضرب بها وجه صاحبها، وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني).
وكان بعض العلماء يقول: قد تمر عليَّ النكبة في اليوم فأخشى أنني أضعت في الصلاة خشوعاً أو أمراً من حقوقها فدعت علي.
لأنها تقول: (ضيعك الله كما ضيعتني) فكم من عبد محفوظ حفظه الله بصلاته! وكم من عبد مضيع ضيعه الله بإضاعة الصلاة! أقول هذا حتى تحرص على هدايتهم، وتستنفذ كل الوسائل لدعوتهم على المحافظة على الصلاة، واستدم دعاء الله أن يهدي قلوبهم، وخذ بالأسباب التي تعينهم على حب الصلاة، ورغبهم فيها، وذكرهم وبصرهم بما عند الله من المثوبة لمن أقامها والعقوبة لمن ضيعها، ولا تيأس ولا تعجز، فإنه لا يزال لك من الله معين وظهير ما دعوت إلى الله، ولا تزال في البيت على خير، فخير الناس في بيته وأهله من أمرهم بما أمر الله ونهاهم عما نهى الله عنه، ولا خير في العبد إلا إذا أقام حق الله وأمر بما أمر الله به.
فأمرهم بما أمر الله، وانههم عما نهى الله عنه، ولا تيأس، فلعل الله سبحانه وتعالى أن يقر عينك يوماً من الأيام بهدايتهم، ونسأل الله العظيم بمنه وكرمه أن يجعل ذلك عاجلاً لا آجلاً.
ونسأله تعالى أن يمن علينا وعلى المسلمين بإقام الصلاة، وأن يجعلنا من أهلها المحافظين عليها المتمين لركوعها وسجودها وخشوعها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

شرح زاد المستقنع -

باب الإجارة [5]

مما يشترط في العين المؤجرة مع القدرة على تسليمها للمستأجر اشتمالها على المنفعة، وكذلك ملكية المؤجر لها أو الإذن له بالتصرف فيها، ولإجارة الأراضي الزراعية أحكام مهمة ينبغي أن يتعلمها المسلم حتى يستبرئ لدينه إن أقدم على ذلك.
ويجوز لمن استأجر عيناً ما أن يؤجرها لشخص يكون مثله أو أقل منه في الضرر، وتجوز إجارة الوقف على تفصيل مذكور في هذه المادة.

حكم تأجير عين لا يقدر على تسليمها

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فمما يشترط لجواز الإجارة: أن يكون المؤجر قادراً على تسليم المنفعة للمستأجر، فلا يجوز إجارة شيء لا يتمكن صاحبها من تمكين المستأجر من منفعته، ولذلك يعتبر العلماء رحمهم الله بيع البعير الشارد والعبد الآبق من بيوع الغرر التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وعلل العلماء ذلك: بأنه يدفع الثمن في شيء لا يمكن أن يضمنه استلامه.
كذلك في التجارة: لا يجوز أن يستأجر شيئاً لا يتمكن من منفعته، أو لا يستطيع صاحب الملك أن يمكنه من منفعته، وقد ذكر العلماء رحمهم الله لذلك أمثلة، فيعتني المصنف رحمه الله بذكر شيء منها.
إذاً: لا تصح الإجارة إلا إذا كانت على منفعة مقدور على تسليمها، فإن كانت على منفعة غير مقدور على تسليمها فإنك تقول: إن هذا من الغرر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغرر، وكما لا يصح بيع الشيء الذي لا يمكن تسليمه، كذلك لا يجوز بيع المنفعة التي لا يمكن تسليمها، بجامع كون كل من العقدين عقد معاوضة.
قال رحمه الله تعالى: [ولا تصح إجارة الآبق والشارد].
فلا تصح إجارة عبد آبق، وهو الذي فر وهرب من سيده، ولا تجوز إجارة بعير شارد، فالبعير إذا كان شارداً وقال له: أؤجرك هذا البعير يوماً بمائة، واتفقا على إجارته في الغد، فإن البعير غير موجود، فيحتمل أن يتمكن من أخذه والقبض عليه حتى يتمكن المستأجر من أخذ المنفعة ويحتمل ألا يتمكن من ذلك، فصارت إجارته على هذا الوجه من إجارة الغرر، وقد حرم الله ورسوله الغرر لأنه أكل للمال بالباطل.
وعلى هذا قالوا: لا يجوز إجارة البعير الشارد ولا إجارة العبد الآبق، فلابد إذا استأجر شيئاً أن يكون مقدوراً على منفعته، وهذا من العدل، فإن الله سبحانه وتعالى حفظ للناس حقوقهم، وجاءت الشريعة بحفظ الحقوق للعباد، فإذا استأجر أخوك المسلم منك شيئاً فإنك كما لا ترضى لنفسك أن تدفع مالاً في شيء لا تضمنه، كذلك ينبغي ألا ترضى لأخيك المسلم أن يدفع مالاً في شيء لا يضمنه، ولا يتمكن من أخذ حقه واستفيائه منه.

اشتمال العين المؤجرة على المنفعة

قال رحمه الله: [واشتمال العين على المنفعة].
يشترط كذلك اشتمال العين على المنفعة، فإذا استأجر حيواناً أو إنساناً أو داراً أو موضعاً لمنفعة فلا يمكن أن نحكم بصحة هذه الإجارة إلا إذا كانت المنفعة المقصودة موجودة في الشيء المؤجر، ومن هنا إذا استأجر بيتاً ولا يمكنه أن يسكنه فإن المنفعة غير ممكن أن يتوصل إليها المستأجر، ومن أمثلة ذلك -قالوا-: السكن، إذا كانت الدار مسكونة بالجن ونحو ذلك فهذا فيه ضرر، فلا يستطيع أن ينتفع به، فذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله وغيره من الأئمة أنه لا تصح الإجارة، لأن المنفعة لا يتمكن منها، وذكر المصنف رحمه الله لذلك أمثلة، فقال رحمه الله: [ولا تصح إجارة بهيمة زمنة للحمل].
فالبهيمة الكبيرة والتي يكون فيها مرض لا يمكن معه أن تتحمل الحمل، لا يمكن إجارتها لحمل الأثقال، ولا يمكن إجارتها لحمل الناس، فلو أنه قال له: أجرني بعيرك أحج به، والبعير مريض، فإن العين المستأجرة لا يمكن أخذ المنفعة منها، فلا تصح الإجارة.
إذاً: هذا الشرط والشرط الذي قبله بينهما توافق؛ لأن كلاً منهما المقصود منه: توصل المستأجر إلى حقه، فكما لا تجوز إجارة العين الغير موجودة والتي لا يقدر على تسليمها لكي يتمكن المستأجر من الانتفاع بها، كذلك لا يجوز إذا كانت العين موجودة ولا يمكن أخذ المنفعة منها، أو يغلب على الظن عدم قدرتها على القيام بالمنفعة كالبعير المريض والبعير الزمن والهرم، إذا استأجره لعمل شديد وعمل يحتاج إلى تعب وعناء، والبعير لا يطيق ذلك؛ فإن الإجارة لا تصح، وهذا مفرع على ما تقدم؛ لأنه يؤدي إلى أكل المال بالباطل.

مسائل متعلقة بتأجير الأرض للزراعة

وقوله: [ولا أرض لا تنبت للزرع].
الأرض تنقسم إلى قسمين: إما أن تكون أرضاً زراعية، وهي الأرض الصفراء الصالحة للزرع وما في حكمها.
وإما أن تكون أرضاً غير صالحة للزرع، ومن أمثلتها: الأرض السبخة كثيرة الأملاح، فإنه مهما بذر الإنسان فيها فإنها لا تنبت كلأً ولا تنبت العشب ولا الزرع.
ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أنه ما من شيء جعل الله فيه المنفعة إلا وجعل له نظيراً يتعذر منه المنفعة، والله عز وجل لحكمته جعل من الأرض ما لا ينبت زرعاً، حتى إذا قال الناس: إن هذا الزرع أوجدته الطبيعة أو وجد هكذا صدفة كذبهم الله بالأرض التي لا تنبت، وكذبهم الله بالأرض التي يصب عليها الماء ويغدق آناء الليل وأطراف النهار ومع ذلك لا تنبت شيئاً، وهذا يدل على عظمة الله سبحانه وتعالى، ولذلك خالف بين الأشياء.
فالأرض من حكمة الله سبحانه وتعالى أن جعل فيها ما ينبت وجعل فيها ما لا ينبت، وجعل فيها ما يمسك الماء وجعل فيها ما لا يمسك، فهذا الاختلاف في الأرض جعل الاختلاف في الحكم على مقصد إجارة الأرض، فمن استأجر أرضاً وقصده منها أن يزرع فهذه تعرف بمسألة إجارة الأرض للزراعة، وفي هذه المسألة كلام طويل للعلماء رحمهم الله، واختلف العلماء في هذه المسألة وفي تفاريعها إلى ما يقرب من خمسة أقوال مشهورة عن أهل العلم رحمة الله عليهم: القول الأول: منهم من حرم إجارة الأرض للزراعة مطلقاً، وقال: لا يجوز للمسلم أن يستأجر أو يؤجر أرضاً، فدفع المال لإجارة الأرض لا يجوز مطلقاً، واستدل بحديث جابر في الصحيح: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء المزارع) وفي رواية: قال عليه الصلاة والسلام: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه، ولا يؤاجرها) فقوله: (ولا يؤاجراها) نهي، والنهي يدل على التحريم، فدل على تحريم إجارة الأرض للزراعة، وهو مذهب الظاهرية وطائفة من أهل العلم.
وقال جمهرة السلف والخلف رحمهم الله: تجوز إجارة الأرضين.
واختلفوا على أقوال تقرب من أربعة أقوال، فحاصل هذه الأقوال: القول الثاني: منهم من يقول: يجوز إجارتها بكل شيء إلا بالطعام، ووجه هذا القول أنه إذا أجرها بالطعام، فالأرض يقصد منها الطعام ويقصد منها الحب والثمر، فكأنه يبادل الطعام بالطعام، فبادل الربوي بالربوي نسيئة ومتفاضلاً إذا اتحد نوعه وجنسه، أو ربوي بربوي نسيئة إن كان من نوع مختلف، هذا إذا كانت إجارتها بالطعام.
وهذا هو القول الثاني فهؤلاء قالوا: يجوز بكل شيء، إلا أن يقول له: أستأجر منك هذه الأرض بمائة صاع من التمر، أو بمائة صاع من البر، أو بمائة صاع من الشعير أو الدخن، فهذا لا يجوز؛ لأنه جعل الأجرة والقيمة من الطعام، فيستثنون فقط الطعام.
القول الثالث: ومنهم من حرم تأجيرها إذا كان بجزء من الخارج منها، فقال: يجوز إجارتها، ولكن إذا كان من الطعام الذي يخرج منها فلا يجوز؛ لأنه في هذه الحالة إذا استأجر بجزء مما يخرج منها فقد عاوض الطعام الذي أخذه بالطعام الذي دفعه، فكان أيضاً من الطعام بالطعام ربوياً متفاضلاً ونسيئة.
القول الرابع: ومنهم من قال: إنه يجوز إجارتها بالذهب والفضة فقط -أي: بالنقدين- ولا يجوز إجارتها بما عدا ذلك.
القول الخامس: ومنهم من أجاز إجارتها بكل شيء، وهذا هو الأقوى والصحيح.
والذين حرموا الصور التي ذكرناها مجاب عنهم، وذلك أن حديث رافع بن خديج رضي الله عنه وأرضاه في الصحيح جاء على ألفاظ مختلفة، فالذي يظهر من هذه الأحاديث: أولاً: أن الحديث الذي ورد بالنهي عن إجارة الأراضي المراد به أحد أمرين: إما أن يكون المراد به خاصاً، وهذا محمول على حديث رافع الذي فسر التحريم، فعندنا حديث عن رافع يقول: (إنما كانوا يؤاجرون الأرضين على الماذيانات وأقبال الجداول، فيسلم هذا ويهلك هذا) مراد رافع رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم إجارة الأرضين على الصحابة رضوان الله عيهم؛ لأنهم كانوا في أول الأمر يؤجرون الأرض ويقولون للمستأجر: نأخذ الزرع الذي ينبت على الحياض وعلى المياه، وأنت تأخذ البعيد.
فقوله: (يؤاجرون على الماذيانات وأقبال الجداول) المراد منه: يقول صاحب الأرض: خذ أرضي وازرعها، ولكن كل شيء ينبت بجوار قنطرة الماء أو على جدول الماء أو قريباً من الماء فهو لي، وما زاد فهو لك.
قال رضي الله عنه: فيسلم هذا -أي: الذي على الماء؛ لأنه قريب من الماء ومنتفع من الماء- ويهلك هذا -أي: البعيد من الماء- فكأنه نوع من الغرر، فهو يختله ويخدعه، فيجعل الأحض لنفسه، والأدنى للعامل الذي تعب على زراعة الأرض، فحرم الله عز وجل ذلك، وحرمه رسوله عليه الصلاة والسلام لأنه من الغرر، ولذلك قال: (فيسلم هذا ويهلك هذا).
أما لو قال له: خذ الأرض وازرعها وهي مناصفة بيني وبينك، فيجوز؛ بشرط ألا يحدد نصفاً معيناً؛ لأن الغرر منتف في هذه الحالة.
فإذاً: حديث رافع وحديث جابر رضي الله عنهما نستطيع أن نقول: إنهما خرجا مخرجاً واحداً، والمراد بهما: أن يحدد صاحب الأرض للمستأجر مكاناً معيناً يأخذ زرعه، ويكون أجرة لأخذ الأرض، هذا الوجه الأول في الجواب.
أما الوجه الثاني: أن يكون حديث جابر رضي الله عنه في التحريم والنهي سببه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان معه المهاجرون، وكان المهاجرون حينئذٍ فقراء، فوسع النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، وجعل من أخوة الإسلام أنهم ما داموا في أول العصر المدني أن منع الأنصار من إجارة الأرضين.
وهذا له أصول ومنها: حديث النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليال، فهو أمر معروف معهود من الشريعة، فحرم الله عز وجل في ابتداء الأمر إجارة الأرضين لمكان الحاجة ثم أبيحت، وهذا الوجه يختاره بعض العلماء، والوجه الأول يقويه حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، أي: يقوي أن تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لإجارة الأرضين كان بسبب التخصيص لقطعة من الأرض.
وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه من أعلم الصحابة، وهو من أئمة الفتوى، ولذلك لما توفي رحمه الله وبلغت وفاته أبا هريرة بكى أبو هريرة بكاء شديداً وقال: لقد دفن الناس اليوم علماً كثيراً.
فكان رضي الله عنه وأرضاه من أعلم الناس بالقرآن ومن أعلم الناس بالسنة، فلما نهى رافع الناس عن إجارة الأرضين في مسألتنا وبلغ ذلك زيداً، قال زيد رضي الله عنه: (يغفر الله لـ رافع، أنا أعلم بالحديث منه، إنما كانوا يؤاجرون بعض الأرض على أن يسلم البعض ويهلك البعض، فحرم النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ذلك؛ لأنهم كانوا يختصمون).
أما الإمام أحمد رحمة الله عليه فإنه رجح حديث الإجارة، وهي الرواية الصحيحة، وكذلك ما جاء في حديث ابن عمر في إجارة الأرض على يهود خيبر حينما أخذوها مساقاة، رجح ذلك على حديث رافع، وقال رحمه الله كلمته المشهورة: (حديث رافع ألوان).
يعني: أن حديث رافع جعل الوجوه كثيرة، ولذلك كان رافع رضي الله عنه وأرضاه يقول: (أما ما كان بشيء معلوم فلا بأس)، فكان يخفف على الناس إذا استأجروا الأرض بالنقود، ويحرم عليهم إذا استأجروا بجزء من الأرض، وتارة يروي الحديث بالنهي عموماً، فإما أن يكون النهي العام المراد به الخاص، وهذا هو الصحيح، والسنة يفسر بعضها بعضاً، فيترجح قول من قال بجواز إجارة الأرضين، وهذا هو الصحيح.
إذاً: الخلاصة: أن إجارة الأرضين جائزة، وأن الأحاديث التي وردت بتحريم إجارة الأرضين إما منسوخة؛ لأنها في أول التشريع المدني، وإما أن يكون المراد بها: إجارة الغرر، بأن يحدد جزءاً من الأرض، كأن يقول له: خذ الأرض وازرعها، وتكون أجرة أرضي أن آخذ منك نصفها الذي يلي الماء، أو لي نصفها الشرقي ولك نصفها الغربي.
فهذا لا يجوز وهو محرم.
كل الكلام الذي نتكلم عليه الآن: أن تستأجر الأرض للزراعة؛ لأن الأرض قد تستأجر من أجل أن تكون للرعي، وتستأجر لوجود الدواب فيها، وتكون زريبة لدابة أو تكون مستودعاً لأغراض أو نحو ذلك كما هو موجود في زماننا، فنحن لا نتكلم عن هذا كله؛ لأنه يجوز بالإجماع أن تستأجر الأرض لذلك، لكن محل الخلاف في إجارة الأرضين للزراعة.

من أقسام الأراضي الزراعية

إذا ثبت جواز إجارة الأرضين للزراعة، فالأرضين تنقسم إلى أقسام، فمثلاً: إذا استأجر الأرض للزراعة فإما أن تكون الأرض فيها ماء مستقر دائم، وإما ألا تكون كذلك، فإن كان في الأرض ماء مستقر دائم، كأن يكون بها عين ماء، أو يكون فيها بئر والماء فيه غزير، أو تكون بجوار نهر، فالماء مضمون بإذن الله عز وجل، أو يستأجرها شهراً أو شهرين، والمدة التي يريد أن يستأجرها الغالب فيها وجود الماء، فهذه بإجماع العلماء الذين يقولون بجواز إجارة الأرضين تجوز إجارتها؛ لأن المنفعة وهي الزراعة ممكنة؛ لأن الماء موجود، والأرض صالحة للزرع.
فإذا اختل أحد الشرطين: كأن يكون الماء غير موجود، أو كانت الأرض غير صالحة للزراعة كالأرض السبخة فلا يجوز؛ لأنه إذا استأجرها بقصد الزراعة والأرض سبخة فإنه لا يجوز، وقد غرر به، ولا يستطيع أن يتوصل للذي من أجله استأجر الأرض.
كذلك لو كانت الأرض زراعية ولكن لا ماء فيها فإنه لا يتمكن، فإذا تحقق الأمران: بأن كانت الأرض زراعية، وكان الماء موجوداً ومستقراً وثابتاً في الأرض؛ فإنه تجوز إجارتها وجهاً واحداً عند العلماء على التفصيل الذي ذكرناه.
لكن إذا لم يكن فيها ماء، فتارة تكون إجارتها على أن يجلب الماء إليها، كأن يكون مثل ما هو موجود في زماننا يتمكن من نقله بوسائل النقل إلى هذه المزرعة، أو قطعة صغيرة يريد أن يجعلها محمية، فيجعل فيها نوعاً من المزروعات، فحينئذ يجوز؛ لأن المنفعة التي يريدها لها وسيلة يتوصل بها.
وهكذا لو كان جاراً للأرض وعنده أرض فيها ماء، وهذه بجوار أرضه، ويريد أن ينقل الماء الذي في أرضه إلى هذه الأرض فإن ذلك يجوز، هذا إذا لم يكن في الأرض ماء.
الصورة الثانية: أن يجلب الماء إليها إذا لم يكن فيها ماء، أو تكون هذه الأرض في موضع والغالب نزول الماء عليه، مثل: الرياض التي تكون في الجبال، ويأتي في موسم المطر، فيقول له: أستأجر منك هذه الأرض.
فبعض العلماء يقول: إذا كان الغالب نزوله، أو كانت الأرض معروفة بكثرة الأمطار فهذا يجوز، لكن إذا كانت الأرض قحطاً، والغالب عدم النزول أو مشكوك في نزوله فهذا من الغرر؛ لأنه يحتمل أن ينزل الماء ويحتمل ألا ينزل، فإن نزل الماء زرع، فحقق المنفعة التي من أجلها استأجر، وإن لم ينزل الماء لم يستطع زراعتها، فإذاً: يكون قد أكل مال أخيه بالباطل.
قالوا: إذا كان يغلب على الظن وجود الماء، مثل: أن يكون استأجرها في مواسم الغالب على الظن النزول، أو كان في نصف الموسم ونزلت أمطار، والأرض ممكن زراعتها قالوا: يجوز في هذا.
أي: إذا استأجر منه الأرض في موضع الغالب نزول المطر فيه، أو يغلب على ظنه أنها تمطر، أو كان هناك في الأرض ممكن أن يكون لها ارتواء مثل ما ذكروا، أن تكون الأرض فيها واحة أو فيها غدير ماء مثلما يقع في بعض الرياض، حيث تكون قريبة من غدران المياه، فيضعون عليها (المواطير) أو نحوها لسحب المياه، قالوا: فهذا يجوز، وقد ذكروا هذا حينما يذكرون الأرض العامرة والغامرة.
إذاً: الخلاصة: أنه إذا كانت الأرض فيها ماء وهي أرض زراعية جاز إجارتها للزراعة وجهاً واحداً على التفصيل الذي ذكرناه، وأما إذا كانت الأرض لا ماء فيها، فإننا ننظر إذا كان يمكن جلب الماء إليها، سواء عن طريق مزرعته أو عن طريق وسائل النقل، أو حفر لها خليجاً يصل الماء عن طريقه إليها، فإنه تجوز إجارتها؛ لأن الغالب حصول المنفعة، أما إذا كان على الظن والاحتمال فلا يجوز.
وهناك نوع من الأرضين ذكره العلماء، ونبه عليه الأئمة كالإمام النووي رحمه الله والماوردي وغيرهم رحمة الله عليهم، وهو أن تكون الأرض مغمورة بالماء مثلما يقع في بعض المواسم التي يكون فيها فيضانات، ويفيض الماء فيها كثيراً حتى إلى المزارع ويغطيها، فجاء رجل عنده أرض زراعية وليس فيها زرع، لكنها صالحة للزراعة، وأراد أن يستأجرها شخص منه وهي مغمورة بالماء، والأرض إذا غمرت بالماء والسيل فإنه يمكن زراعتها بمجرد أن ينزل منسوب الماء إلى حد معين، فإنها تزرع وممكن أن تنبت؛ فهل إذا أجرها في حال غمرها بالماء يكون من الغرر؟ في المسألة تفصيل: إن كان انحسار الماء غالباً، كأن جرت العادة أن هذه الأرضين في موسم الأمطار تغرق، ثم إذا جاء الربيع وانحسرت المياه وقلت فإنها تنكشف، فإذا كانت مما يغلب على الظن انحسار الماء عنها صحت الإجارة، وحينئذ يؤجرها، وتكون إجارتها على الموسم الذي ينحسر فيه الماء ليتمكن من زراعتها، فإن أجرها وشملت إجارته وقت الماء لم يصح؛ لأن وقت الماء لا يمكنه زراعتها، ولذلك تكون إجارتها وقت الماء من أكل المال بالباطل.
مثال ذلك: لو جاء إلى أرض مغمورة بالماء، ويستغرق نزع الماء عنها وانحساره شهراً، وقال له: أجرني هذه الأرض للزراعة شهرين.
فاتفق معه على أنه يكون الشهر الأول الذي ينحسر فيه الماء من ضمن العقد، لم يصح ذلك؛ لأنه يأخذ منه أجرة شهر كامل دون أن يتمكن المستأجر من حصول المنفعة، فالمنفعة متعذرة؛ لأنه لا يمكن زراعة أرض مغمورة بالماء.
وعلى هذا يفصل في إجارة الأرضين بهذا التفصيل، فيفرق بين أن تكون صالحة للزراعة أو غير صالحة، ثم تكون إجارتها بغلبة الظن بسقيها الماء أو لا يكون فيها ماء على التفصيل الذي ذكرناه.
فمثل المصنف رحمه الله للمنفعة: بأن تكون الأرض لا ماء فيها أو غير صالحة للزرع إذا قصد منها الزراعة، أما لو قصد من الأرض غير الزراعة، وكان ذلك المقصود ممكناً في الأرض صحت إجارتها.

اشتراط ملك المؤجر للمنفعة أو الإذن له فيها

وقوله رحمه الله: [وأن تكون المنفعة للمؤجر أو مأذوناً له فيها].
يشترط في صحة إجارة المنازل أن تكون ملكاً للمؤجر أو مأذوناً له بالتصرف فيها.
وقد تقدم في كتاب البيوع أنه لا يجوز للمسلم أن يتصرف في مال أخيه المسلم على الأصل؛ لأن الله حرم الأموال، وقال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:188] وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمة مال المسلم كحرمة دمه.
فالحقوق التي للإنسان في العقارات أو المنقولات والمنافع الموجودة فيها لا يجوز لأحد أن يتصرف فيها إلا بإذن المالك الحقيقي، فمن كان عنده بيت فإنه لا يجوز لأحد أن يأتي ويؤجر هذا البيت دون أن يكون مالكاً له أو قد أذن له المالك الحقيقي بالتصرف، أو له ولاية شرعية بالتصرف في هذا البيت بإجارته.
وبناءً على ذلك: أجمع العلماء رحمهم الله على أنه لا يجوز للمسلم أن يؤجر مال غيره، فإذا أجر مال الغير فإن الإجارة باطلة، فلو قال له: أجرتك هذه العمارة بمليون لمدة سنة كاملة.
وهو لا يملك العمارة، وليس له حق التصرف فيها بولاية ولا وكالة، فإن هذه الإجارة باطلة، وعلى هذا لابد وأن يكون مالكاً للمنفعة، أي: يكون من حقه أن يتصرف في المنفعة إجارة وكذلك هبة، فإذا ملك المنفعة وأمكنه أن يتصرف فيها صحت إجارته.

حكم من استأجر عيناً ثم أجرها لغيره

وقوله: [وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه، لا بأكثر منه ضرراً].
هذه مسألة لطيفة، إذا أثبتنا أنه من حقك أن تؤجر بيتك وعمارتك وسيارتك، وكل ما أنت مالكه من المنافع، ويجوز لك أن تأخذ العوض على منفعته، وكما أنك تملك العين فإنك تملك منافعها.
لكن لو سأل سائل وقال: استأجرت عمارة ودفعت أجرتها، وأخذت هذه العمارة سنة كاملة بمليون، فلما تم العقد أردت أن أؤجر العمارة على شخص آخر، الآن المالك الحقيقي هو المؤجر للعمارة، وهو الذي يملك منفعتها، فأنت اشتريت هذه المنفعة بمليون سنة كاملة، فهل من حقك أن تبيعها للغير؟ هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، وجمهور السلف والعلماء والأئمة وهو قول طائفة من أئمة التابعين وأتباع التابعين، وهو قول جمهرة أتباع الأئمة الأربعة؛ أنه يجوز للمسلم إذا استأجر عيناً أن يؤجرها لغيره، أي: يجوز له إذا استأجر أن يقيم غيره مقامه في الاستيفاء والأخذ، بشرط: أن يكون مثله أو دونه في الضرر، فلا يكون ضرره أكثر من ضرره، وإذا كان أكثر ضرراً فإنه لا يجوز، وهذا كله له أمثلة: مثلاً: لو استأجر رجل منك موضعاً على أن يكون محلاً للبيع -بقالة أو نحوها- والمحل في العمارة إذا أجر (بقالة) فإن فيه منفعة وفيه مضرة، ولكن قد يكون الضرر يسيراً، لكن مثلاً: لو أنه بعد أن اتفق معك على أن يفتحها بقالة، ثم أراد أن يفتحها محلاً لإصلاح السيارات، فإن في محلات إصلاح السيارات من الإزعاج والأذية ما لا يخفى، وإذا أراد أن يجعل المحل -مثلاً- مكاناً للنجارة أيضاً فإن في أعمال النجارة ضرراً، فالضرر يكون على العين مثل الآلات التي تهز العمارة، وتؤثر في مرافقها.
ومن أمثلتها -مثلاً- لو أنه جاء فأجره محلاً على أنه بقالة، فأراد أن يضع فيها مكينة لصياغة الذهب، مكينة الذهب هذه تؤثر في أساس العمارة، وتؤثر في راحة سكانها، وهذا ضرر أعظم، فيشمل ضرر العين، والضرر المجاور للعين، فالأضرار التي تكون بنقل الإجارة إلى بديل تمنع من الجواز إذا كانت أكثر من الضرر الموجود في الإجارة الأصلية.
فعلى هذا: يجوز للإنسان إذا استأجر عيناً أن يؤجرها لغيره بشرط أن يكون أقل منه ضرراً أو مثله، وهذا لا شك أنه أحفظ للحقوق، فبالعقل اتفقت معه على أن سكنى العمارة سنة كاملة قد اشتريتها منه، ومن اشترى الشيء ملكه، فكما أنه يجوز لك بالملك أن تسكن العمارة يجوز لك أن تؤجر من غيرك، وكما أنه يجوز على سبيل المعاوضة بالإجارة؛ فإنه يجوز -أيضاً- أن تقيم غيرك مكانك على سبيل الهبة، ومن أمثلة ذلك: لو استأجر شقة في عمارة وأراد أن يسكن ضعيفاً أو مسكيناً مكانه؛ صح ذلك وجاز له، لكن لو أن هذا الذي يريد أن يسكنه مكانه هبة أو إجارة أعظم ضرراً لم يجز.
وقد يكون الضرر معنوياً وقد يكون حسياً، فلا يختص الضرر بكونه يؤثر في العمارة أو مصالحها فقط، بل حتى الضرر الذي يؤثر على أعراض الناس ويحدث لهم فتنة، فمن حق المؤجر أن يلغي الإجارة، ومن حقه أن يطالبه أن يستأجر بنفسه أو يحضر من هو مثله.
فإذا أجر لرجل له عائلة والعمارة كلها عوائل، فلا يجوز له أن يأتي بأناس عزاب ويسكنهم مكانه، فهذا ضرر معنوي، ويخشى فيه على أعراض الناس، وفيه فتنة وضرر، حتى أن الرجل لا يستطيع أن يخرج ويترك أهله، ولا يستطيع كذلك أن يخرج أهله، فلذلك إذا كان الضرر معنوياً فمن حقه أن يعترض.
وأما بالنسبة للضرر الحسي فكما ذكرنا، فكما إذا أجر عمارة أو شقة لرجل وراعاه في سعرها، فلابد أن ينتبه طالب العلم لهذا الأمر، فلربما جاء الرجل وزوجه فرضيت أن تؤجر له، ولربما جاء الرجل وأطفاله فلم تؤجر له، لعلمك أن الأطفال يفسدون ويزعجون، فأنت -مثلاً- في عمارتك لم تؤجر، وتقول له: أنا لم أؤجر إلا لكونك لا أطفال عندك.
فإن ذهب وأجر لرجل له أطفال، فعند ذلك من حقك أن تعترض وأن تقول له: إما أن تسكن أو تسكن من هو مثلك أو دونك في الأذية والضرر، وإلا أخرج من أسكنته، وهذا من الناحية الشرعية لا إشكال فيه، أي: إذا اشترط عليه ألا يسكن من هو أكثر منه ضرراً، أو لم يشترط عليه وجاء بمن هو أضر.
ذكر العلماء من هذا أمثلة: إذا كانت الدابة يطيقها رجل ولا تطيق أن تحمل رجلاً آخر، فلو جاء برجل أقوى منه وأثقل وقال: هذا مكاني.
فلا يمكن؛ لأن هذا يضر بالدابة، ولربما لا تطيق الدابة حمله، فمثل هذا أجاز العلماء أن يعترض عليه ويقول له: أؤجرك وأؤجر من هو مثلك، أما من كان أكثر منك ضرراً فإني أمتنع من إجارته، فالشاهد: أنه يؤجر على من هو مثله أو هو دونه في الضرر.
فلو استأجر رجل عمارة وأجرها في المواسم ونحوها فإن عليه أن يراعي ذلك، وعلى المسلم إذا استأجر من أخيه المسلم أن يتقي الله، فإذا غلب على ظنه أن هذا الذي يؤجر جار سوء أو فيه ضرر، فإن بعض مشايخنا رحمة الله عليهم يقول في ذلك: من أجر داره إلى رجل سيء ويعلم بسوئه أو اطلع على سوئه، وسكت على ذلك وأقره ومكنه، فإنه شريك له في الإثم في كل ما يكون من أذية الجار، لأن هذا من البوائق والمصائب، سواء فعله الإنسان بنفسه أو بمن يرضى بفعله بأذية الجار.
فينبغي للإنسان في مسألة إقامة الغير مقامة أن يراعي حقوق الجيران وحقوق إخوانه المسلمين، وأن يراعي حقوق المالك، وبالأخص إذا كانت العين لا تحتمل ذلك أو فيها ضرر، فإن كانت لأيتام أو أرامل أو نحو ذلك فالأمر أشد.
فهناك شرطان: الشرط الأول: أن يكون مالكاً لها.
الثاني: أن يكون مؤجراً لمن هو مثله أو دونه في الضرر.
ويتفرع على مسألة الملكية مسألة مهمة، وهي: إجارة ما لا يملك إلا بالهبة.
فمثلاً: إذا كان الإنسان قد وهبه سكنى الدار شهراً، وقصده بعينه، ففي هذه الحالة لا يجوز أن يؤجر إذا كان مقصود الواهب عين الرجل.

حكم إجارة الوقف

وقوله: [وتصح إجارة الوقف].
المصنف رحمة الله عليه والعلماء وأئمة الفقه من عادتهم أن يذكروا المسائل الخاصة في مواضعها المناسبة، فالوقف مسائله تنتثر في العبادات والمعاملات، ولكن قد يذكر العلماء رحمهم الله أفراداً من المسائل في المواضع المتعلقة بالأبواب.
إجارة الوقف: إذا كان هناك وقف، وهذا الوقف أوقفه مالكه وقصد به تسبيل منفعته كالمزارع والدور، فإذا قصد أن تكون المنفعة بعينها مستحقة فحينئذ لا إشكال، كأن يتصدق بثمرة المزرعة ويقول: ثمرة المزرعة ثلثها يتصدق به في سبيل الله، فحينئذ لا يجوز بيع هذا الثلث، وينبغي على الناظر أن يبحث عن الضعفاء والفقراء، ويؤدي إليهم حقوقهم كاملة على الوجه الذي أمر الله به، وبهذا تبرأ ذمته.
وأما إذا أوقف على أشخاص معينيين على أن يأخذوا منفعة الأعيان كأولاده وأولاد أولاده، سواء خصَّ الذكور أو الإناث على تفصيل سيأتي إن شاء الله في مسألة الوقف، فإذا جعل هذه الأرض أو جعل هذه العمارة وقفاً على أولاده واتفقوا على إجارتها، وقالوا: تؤجر، فأجرت، فالقيمة وثمن المنفعة وما دفع فيها يكون لكل وارث بحقه وثمنه، فتجوز إجارة الأوقاف.
في الحقيقة الوقف من حيث الأصل يخرج عن ملك الإنسان ولا يتصرف فيه إلا في حدود ما اشترط فيما بينه وبين الله عز وجل، ولذلك لا يملك الواقف الرجوع عن الوقف، ومن أوقف شيئاً فقد أخرجه عن ملكيته، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إن شئت حبست الأصل وسبلت الثمرة) كما في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وهنا مسألة يخطئ فيها البعض، وهي: أنه إذا أوقف المسجد احتكره، فيفتحه متى شاء ويغلقه متى شاء، وتصرف فيه وكأنه دار أو شيء يملكه، والواقع أنه ليس بملك له، وليس من حقه إذا أوقف المسجد أن يتصرف فيه إلا في حدود المصلحة، وهذا كله مفرع على مسألة: أن من أوقف الشيء فقد أخرجه من ذمته، وهذا الذي جعل العلماء رحمهم الله في مسائل الأوقاف يردونها إلى القاضي؛ لأن بيع الأوقاف لا يمكن أن يتم إلا عن طريق القضاء؛ لأنه في هذه الحالة ليس هناك مالك للوقف بعينه، وإنما يكون فيه إذن من الوالي ينزل فيه منزلة المتصرف الحقيقي، فمن المصالح التي ينظر فيها القضاة النظر في الأوقاف.
فالمقصود: أنه تجوز إجارة الوقف، كما نص على ذلك جمهرة العلماء رحمهم الله.

حكم تأجير إمام المسجد لشقته التي خصه الواقف بها

عندنا مسألة شاعت وذاعت في هذا الزمن، وهي: أن يكون هناك مسجد وأوقفت منافع على هذا المسجد لمن يقوم بالإمامة أو بالأذان فيه، فلو كان هناك سكن تابع للمسجد، وهذا السكن وقف على الإمام فأراد أن يؤجره.
فالأصل يقتضي أن يسكنه الإمام، ومقصود صاحب المسجد أن ينال الأجر بوجود الإمام، وخاصة وأن وجود السكن بجوار المسجد مقصود؛ لأن هذا أدعى للمحافظة على الصلوات، وأدعى للقيام بحقوق المسجد، ومراقبته وتفقد مصالحه، وفي المساجد التي يكون الإمام فيها قريباً يعظم نفع هذا الإمام للناس، فيمكن سؤاله ويمكن الرجوع إليه، ويمكن استفتاؤه إذا كان من أهل العلم أو من طلبة العلم، فإذا خرج عن هذا السكن وأجره للغير، فهل يكون مالكاً للمنفعة بحيث يستحق أن يعاوض عليها؟ الذي اختاره جمع من العلماء وكان يفتي به جمع من مشايخنا وتطمئن إليه النفس: أنه ليس من حق الإمام أن يؤجر مسكنه، فإما أن يسكن فيه أو يمكن من هو أحوج إلى هذا السكن منه؛ لأنه وقف قصد به عين، لأنه بتأجيره يخرج الأجر، وكذلك يعطل المصالح التي قصدها صاحب المسجد؛ لأنه ببعد سكنه عن المسجد يفوت كثيراً من المصالح: من شهود الجماعة والمحافظة عليها ونحو ذلك من المصالح التي ذكرناها.
ولذلك فالذي تطمئن إليه النفس: أنه ليس بمالك للمنفعة، فهو موقوف عليه من باب الأجر إذا سكنه وارتفق به، فإن كان غير ساكن مكن غيره من طلاب العلم ومن يقوم مقامه أن يسكن هذا السكن، وأن يكون للميت حظه من الأجر، بدلاً من أن يؤجر ويعاوض؛ لأنه لا يملك عين المنفعة، وليس له حق التصرف فيها إلا أن ينتفع بها، فكأنها موهوبة لعينه، فلا يقيم غيره مكانه.
وعلى هذا يقال: إنه ليس من حقه أن يؤجر للغير وينتقل إلى سكن أوسع، وإنما عليه أن يبقى في هذا السكن ويرتفق به.

حكم عقد إجارة الوقف بعد موت المؤجر

وقوله: [فإن مات المؤجر وانتقل إلى من بعده لم تنفسخ].
فقوله: [فإن مات المؤجر] يعني: في مسألة الأوقاف، الأوقاف يكون هناك بطن، وهذا البطن يستحق الوقف، فيؤجر البطن هذه العمائر ثلاث سنوات، ثم يموت البطن المستحق ويأتي بطن آخر فيستحق هذا الوقف، فمثلاً: لو أنه أوقف عمارته على أولاده، على أن تأكل الطبقة العليا ولا تستحق الطبقة التي بعدها إلا بعد فناء الطبقة العليا، فبقي من الطبقة العليا شخص واحد وأجر سنة ثم توفي أثناء السنة، فإن قلنا: إن الإجارة تنفسخ استُئنف العقد، يعني: يصبح البطن الجديد من حقه أن يفرض أجرة جديدة.
وإنا قلنا: إن الإجارة لا تنفسخ بالوقف، وأن المنفعة مملوكة للبطن الأعلى وقد أجرها، وهذا هو الصحيح، ويقويه غير واحد، ومشى عليه المصنف رحمه الله: أن البطن الأعلى يؤجر، وتتم إجارته، والمنفعة مملوكة وقد تمت المعاوضة عليها، ونزل المعدوم منزلة الموجود على القاعدة المعروفة، فمنزلة المنافع المعدومة أثناء العقد بمنزلة الموجودة، ولذلك صح التعاقد عليها، فحينئذ إذا باع البطن الأول المنفعة سنة وتوفي أثناء السنة؛ فإن الإجارة الأولى تمضي حتى يتم العقد الأول ويأخذ البطن الثاني نصيبه من الأجرة الباقية، فمثلاً: أجر البطن الأول العمارة باثني عشر ألف ريال، ثم توفي في نصف السنة، فالستة الآلاف الباقية تكون ملكاً للبطن الثاني، وعلى ورثة البطن الأول أن يمكنوا البطن الثاني من الأجرة.
فهذا هو الذي عناه المصنف رحمه الله بقوله: [فإن مات المؤجر وانتقل إلى من بعده لم تنفسخ].
أي: فإن مات المؤجر للوقف وانتقل الوقف إلى من بعده لم تنفسخ الإجارة.
وقوله: [وللثاني حصته من الأجرة].
إن توفي في ربع السنة الأول فله ثلاثة أرباع الباقي، وإن توفي في النصف الأول من العام فله أجرة نصف العام الباقي، وهلم جرا.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه.

الأسئلة

حكم تأجير العين المؤجرة بمبلغ يزيد على ما استأجر به

السؤال

هل يجب على المستأجر أن يؤجر بنفس القيمة التي استأجرها أم له أن يزيد؟

الجواب

هذه المسألة مفرعة على المسألة التي ذكرناها في إجارة المستأجر للعين التي استأجرها.
بعض العلماء يقول: إذا أجر بنفس القيمة فلا إشكال، لكن الخلاف إذا أجر بقيمة أكبر من الذي استأجر بها.
فمن أهل العلم من منع إذا كانت الأجرة أكثر، فلو استأجر بخمسة آلاف لم يجز أن يؤجر بستة آلاف، قالوا: كأنه باع النقود بالنقود؛ لأن المنفعة لم يستلمها ولم يملكها، فكأنه باع النقد بالنقد.
وهذا قول ضعيف.
والذي يظهر: أنه يجوز له أن يؤجر بالقيمة وبأكثر، وهذا ينبني على الأصل المقرر في الإجارة التي خرجت به عن أصول بيع المعدوم، وقد سبق أن ذكرنا أن المنافع وإن كانت غير موجودة في العقد لكنها منزلة منزلة الموجود.
ومسألة تنزيل المنافع غير الموجودة أثناء العقد منزلة الموجودة، هي التي وقع فيها الإشكال في كثير من مسائل الإجارة، حتى في شرعية الإجارة، فإن الأصم وابن علية حينما قالا بعدم مشروعية الإجارة قالا: لأن المنفعة غير موجودة؛ فصار بيعاً للمعدوم.
ولكن أجاب الجمهور بأن المنافع وإن كانت غير موجودة أثناء العقد -كما أشار إليه ابن رشد وغيره في البداية- لكنها منزلة منزلة الموجودة، وإذا كانت منزلة منزلة الموجودة ودفع العوض عليها فكأنه ملكها، ثم إذا عاوض على ذلك كان معاوضاً على موجود لا على مفقود، وعلى هذا يبعد ما قالوه من أنها معاوضة مال بمال.
الخلاصة: أنه إذا استأجر داراً وأراد أن يؤجرها بأكثر فلا بأس، لكن بعض السلف يقول: بشرط: أن يزيد في الدار شيئاً، كأن يصلح فيها أشياء، أو يهيئ فيها أشياء تزيد من قيمة إجارتها، وهذا استحبه بعض السلف، وللإمام أحمد رضي الله عنه رواية أنه يزيد في الدار شيئاً، ويؤجر بأكثر من القيمة التي استأجرها به، والذي يظهر: أنه لا بأس، سواء غير أو لم يغير، والله تعالى أعلم.

حكم تأجير الفضولي

السؤال

ما الفرق بين مسألة إجارة المستأجر للغير دون إذن المالك، ومسألة تصرف الفضولي؟

الجواب

بالنسبة لإجارة الغير ما لا يملكه ممكن أن تفرع على مسألة الفضولي، مثلاً: لو كانت لك عمارة، وفوجئت بأخ لك قد أجرها وأنت لا تعلم بعشرين ألفاً لمدة معينة، وجاءك وقال: يا فلان! عمارتك رأيت من المصلحة أن تؤجر.
وهذا يقع بين كثير من الناس، وخاصة بين الأصدقاء والقرابة إذا رأى المصلحة أو وجد منفعة أن يؤجر له داره أو سيارته، فجاءك وقال: أجرتها باثني عشر، فرضيت فعله؛ صح، أي: إذا تصرف ورضيت فعله صح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صحح الفضولي في معاوضته بالبيع، فلئن يصح في الإجارة من باب أولى وأحرى؛ لأن البيع على الذات والمنفعة، والإجارة على المنفعة، وكثير من مسائل الإجارة فرعت على البيع، ولذلك إذا تصرف الفضولي فأجر ورضي المالك الحقيقي للعين المؤجرة صحت إجارته، والله تعالى أعلم.

حكم الاشتراط على المستأجر إبقاء ما يحدثه في العين المؤجرة

السؤال

ما حكم إجارة الأرض بمبلغ من المال، واشترط على المستأجر أن يترك ما يحدثه فيها من عمارة أو بئر أو سور؟

الجواب

لا يجوز أن يؤجر أرضاً ويقول له: كل ما تحدثه فيها تتركه؛ فهذا من الظلم؛ لأنه ما من مسلم إلا من حقه أن يخرج كل ما أحدثه، ففي هذه الحالة ليس من حقه.
قد يستأجر عيناً ويحدث فيها جمالاً في صفاتها، بحيث لو جاء يخرج هذا الجمال أضر بالعين، كما إذا استأجر منه دكاناً وألبس جدرانه رخاماً، فلو جاء وقلع الرخام أضر بالجدار، ثم لو قلع الرخام فإنه لا يستفيد منه، ففي هذه الحالة لو وجدت المصلحة المرسلة؛ نهي الناس عن أن يقلع المستأجر للدكان أو للدار ما أحدثه مما يضر بالعين إذا أخذ، ومما لا ينتفع به آخذه إذا أخذه، فهذا له وجه، أي: له وجه لا من باب المعاوضة ولكن من باب دفع الضرر عن العين.
وأما مسألة: أنه إذا بنى أو أحدث فيها شيئاً لا يقصده، فهذا ذكره بعض العلماء رحمهم الله أنه من الإجارة بالمجهول؛ لأنه أجره الأرض بالنقود وبما يكون فيها مما يحدثه فيها من البنيان، فصار إجارة لمعروف ومجهول، وقد بينا أن دخول المجهول على المعلوم يصير المعلوم مجهولاً؛ ولذلك لا يجوز، والله تعالى أعلم.

إصلاح المستأجر للضرر الذي أحدثه في العين المؤجرة

السؤال

أشكل علي فيما لو حصل ضرر في منفعة مؤجرة: هل أصلح الضرر دون إخبار صاحب المنفعة، أم لابد من إخباره واستئذانه؟

الجواب

إذا أحدث الضرر وقام بإصلاحه فهذا هو الأصل، ولكن إخبار صاحب العين من باب احتمال أن يسامحه، فإذا أردت أن تحتاط وتخرج من الشبهة وتقوم بإصلاح كل ما حدث في العين من ضرر، فهذا لا شك أنه أبرأ للذمة وأكمل في القناعة، وأرضى عند الله عز وجل، وصنيع أهل المروءات وأهل الفضل أنهم يردون الشيء بأكمل أو أفضل أو على حاله، ولا ينتظرون إذن صاحبه، لكن إذا استأذنته أحرجته، فتصور لو أن إنساناً أتلف شيئاً، وقد يكون الشيء في نظرك يسيراً فتستأذنه وهو كبير عليه.
فلذلك كان الأولى أن ترد العين كما استلمتها، ولا حاجة إلى أن تستأذن، فالاستئذان يحرجك ويحرج صاحب العين وخاصة إذا كانت بينك وبينه مودة، وهذا أمر معلوم بداهة، فإن على اليد ما أخذت حتى تؤديه، والله فرض عليك إذا أخذت عيناً أن تردها كما أخذتها، لا تظلِم ولا تظلَم، وترد عين المال كما أمرك الله عز وجل، فإن كان فيه تلف ولم تستطع أن ترد عينه على الوجه الذي كان عليه أصلحت ما فيه من النقص، وهذا هو الواجب عليك، والله تعالى أعلم.

حكم الاشتراط على المستأجر نسبة عند تأجيره للغير

السؤال

لو قال صاحب العمارة: إذا أردت أن تؤجر العمارة بعد استئجارها مني فلي نسبة من الأجرة، فما الحكم؟

الجواب

ما فيها إلا الحرام فقط، الرجل إذا استأجر منك الدار فقد ملك منفعتها، بأي حق تقول له: إذا أجرتها للغير فلي نسبة خمسة في المائة؟! وذلك لأن هذا فيه محظوران: المحظور الأول: أنه إذا استأجر ملك المنفعة، وإذا ملك الشيء ليس من حقك أن تتدخل في ملكه.
ثانياً: أنك لو قلت: إنه إذا أجر للغير آخذ منه خمسة في المائة، فلا ندري بكم سيؤجر للغير، وحينئذ تصبح الأجرة المتفق عليها بين الطرفين الأولين وإن كانت معلومة، لكنها بدخولها هذا المجهول تصير مجهولة؛ ولذلك يدخل عليها الفساد من ناحيتين: الناحية الأولى: أنه باعه المنفعة ولم يبعه، كما لو قال له: أبيعك هذه الدار بمليون، فإذا بعتها لغيرك آخذ منك خمسة في المائة، وهذا لا يجوز؛ لأن الأصل الشرعي: أن من باع الشيء فقد ملكه المشتري، وحينئذٍ إذا جعل له يداً وقال له: آخذ منك نسبة أو آخذ منك ثمناً معيناً فهذا شرط ليس في كتاب الله ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويعتبر عند العلماء من الشروط التي تخالف مقتضى العقد؛ لأن مقتضى عقد الإجارة أن تملك المنفعة، وهذا صار لك شريكاً في المنفعة، فهو يقول لك: بعتك المنفعة وشاركتك: بعتك إذا كانت لك، وشاركتك إذا كانت لغيرك.
ولا يعرف في الشرع إجارة يملكك فيها منفعة من وجه، ويكون لك شريكاً من وجه آخر؛ أبداً، فإما أن يبيعه ألبتة، وإما أن يكون له شريكاً فيقول: بعتك نصف المنفعة وأنا شريك لك في النصف الآخر.
لكن أن يقول لك: بعتكها وملكتكها.
ويتم عقد الإجارة على الصفة الشرعية، ثم يقول: إذا بعتها للغير فلي خمسة في المائة، فلا يجوز لسببين: الأول: لأنه أكل للمال بالباطل، لأن شراءه للمنفعة يمكنه من أخذ قيمتها إذا باعها للغير كما ذكرنا.
الثاني: أنه لو جاز لكان بالمجهول، لأنه في هذه الحالة أدخل نسبة مجهولة على المبيع الأصلي، وهي الأجرة المدفوعة في المنفعة إذا كان يريد أن ينتفع بها لنفسه، وعلى هذا: لا يجوز أن يقول له: أجرتكها بكذا وكذا، فإن أجرتها لغيرك فلي خمسة أو عشرة في المائة.
وعليه أن يرد هذا المال إليه، وهو شرط باطل لا يستحق به المالك الأصلي شيئاً، والله تعالى أعلم.

الخيارات التي تثبت في الإجارة

السؤال

هل جميع الخيارات التي تثبت في البيع تثبت في الإجارة؟

الجواب

يثبت في الإجارة خيار المجلس قياساً على البيع، ويثبت في الإجارة خيار الرؤية والصفة كما لو أجره عيناً على الصفة أو عيناً رآها، ثم بعد ذلك ينظر: إن كانت على الصفة التي وصفها، أو كانت على الصفة التي عهدها بالرؤية صح وتمت الإجارة، وإلا كان له خيار الرؤية بعد ذلك.
كذلك -أيضاً- يثبت في الإجارة خيار العيب، فإذا ثبت في العين عيب يمنع من استيفاء المنفعة فإن من حق المستأجر أن يلغي عقد الإجارة.
وكذلك يثبت في الإجارة خيار التدليس والغش، فإذا غشه ودلس عليه، ثم تبين أن العين المؤجرة لا يمكن استيفاء المنفعة منها على الصفة التي دلس بها فمن حقه أن يرد.
وكذلك يثبت في الإجارة خيار الشرط، فلو اشترط عليه شرطاً لا يخالف مقتضى عقد الإجارة، ولا يشتمل على حرام، كان من حقه وكان له الخيار في فسخ عقد الإجارة إذا لم يقم المؤجر بشرطه.
مثال ذلك: لو قال له: أستأجر منك هذه الدار على أن تؤمن لي الماء بسعة كذا وكذا أسبوعياً.
فلم يؤمن له الماء وتضرر، كان من حقه ذلك؛ لأن هذا مستحق للشرط.
وكذلك أيضاً لو قال له: أستأجر منك عمارة.
وتم التعاقد على العمارة، وقال له: بشرط: أن تكون هذه العمارة فيها كهرباء.
وتبين أنه لا كهرباء فيها.
أو على أن يكون فيها الماء، وتبين أنه لا ماء فيها.
كل هذا خيار شرط، فإذا اشترط عليه شيئاً معيناً في العين المؤجرة، وكان الشرط لا يخالف الشرع، ولم يجد هذا الشرط، فمن حقه أن يفسخ عقد الإجارة، هذه كلها خيارات تثبت في عقد الإجارة، ومن حق المستأجر أن يلزم بها المؤجر، والله تعالى أعلم.

شرح زاد المستقنع -

باب الإجارة [6]

اتفق العلماء على جواز الإجارة بالمدة القصيرة، ولكنهم اختلفوا في الإجارة بالمدة الطويلة، وبين العلماء شروط استئجار الأشخاص لأعمال ما، وكذلك شروط استئجار الدواب لركوب أو حمل متاع.

تحديد زمن الاستئجار بداية ونهاية

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن أجر الدار ونحوه مدة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها صح].
شرع المصنف رحمه الله في مسألة مهمة من مسائل الإجارة، وهذه المسألة تتعلق بإجارة الدور والمساكن ونحوها، فإنه إذا استأجر من شخصٍ داراً ليسكنها فإن إجارة هذه الدار تفتقر إلى تأقيت حتى تنقطع الخصومة وينقطع النزاع.
فإذا قال له: أجرتك بيتي، أو أجرتك داري، أو أجرتك عمارتي، وفي زماننا الشقق، أو غرف الفنادق، أو نحوها، فكلها تتأقت بالأزمنة، وإذا استأجرت الدور والمساكن بالزمان فإن إجارتها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما كانت مدته قصيرة، كالساعة واليوم والأسبوع، ونحو ذلك.
والقسم الثاني من الإجارات للدور: أن تكون مدته طويلة، كأن يستأجر أرضاً عشرين سنة، أو يستأجر داراً عشرين سنة، ونحو ذلك من المدد الطويلة.
والأصل في الشرع: أنه إذا استأجر شيئاً أو أجره فإنه ينبغي أن يكون هناك تحديد حتى تنقطع الخصومة، ويعرف المستأجر ما له من ذلك العقد، فلو قال له: أجرتك داري زماناً، ولم يحدد المدة؛ لم يصح، ولو قال له: أجرتك داري مدة جلوسك في مكة؛ لم يصح؛ لأنها مجهولة، إذاً: لا بد من التحديد.
ثم إن هذا التحديد ينقسم إلى أمد طويل وأمد قصير، فإذا أردنا أن نفصل في الأحكام المتعلقة بتحديد الإجارة بالزمان في الأمد الطويل والأمد القصير، فإن هذا يفتقر إلى ضرب الأمثلة، وسنحاول -إن شاء الله- بضرب أمثلة يعيشها الناس وخاصة في هذا الزمان؛ حتى يكون ذلك أبلغ في الفهم والوضوح.
فالإجارة القصيرة كالساعة واليوم والأسبوع، ففي الساعات ما يجري في الاستراحات، يقول له: أجرتك هذه الغرفة الساعة بعشرة أو بخمسة ريالات؛ فهذا النوع من الإجارة لا إشكال في جوازه، ولكن ينبغي أن ينبه على مسألة مهمة، وهي: أنه إذا قال له: أجرتك ساعة.
فيحدد بداية الساعة ونهايتها، فلو كانت الساعة الثانية ظهراً وقال له: أجرتك هذه الدار ساعة بعشرة من الثانية ظهراً، صح العقد، لكن لو قال له: أجرتك هذه الدار ساعة.
وسكت ولم يحدد بدايتها، فإن هذا يوجب الخصومة، فقد يكون مرادك أن يستأجر من الساعة الثالثة ظهراً أو الرابعة، وهو يقصد أن يستأجرها عقب العقد مباشرة.
إذاً: لا بد من تحديد بداية الزمان ونهايته، وهو إن حدد ساعة أو ساعتين أو ثلاث أو أربع، لكن لا بد وأن يحدد بداية العقد ونهايته.
وهنا مسألة وهي: إذا كان دخوله أثناء الساعة، كأن يأتي مثلاً الساعة الثانية والربع، الساعة الثانية والثلث، الساعة الثانية والنصف، فإذا قال له: أستأجر منك هذه الدار ساعة بعشرة من الساعة الثانية والنصف، نفهم أن العقد سينتهي عند الثالثة والنصف، ولو قال له: ساعتين بعشرين من الساعة الثانية والنصف، فإنه يعلم بداهة أن العقد ينتهي عند الرابعة والنصف، والعقد صحيح ولا إشكال فيه.
الإجارة باليوم: ومن أشهر ما يكون في ذلك: إجارة الفنادق، فيأتي الرجل إلى الفندق ويستأجر يوماً بمائتين، فعند الفنادق ترتيب معين، بحيث يقولون مثلاً: مبيت الشخص بمائتين، فيفهم منه أن الشخصين بأربعمائة وأن الثلاثة بستمائة، فإذا حدد باليوم يقول: سأستأجر هذه الغرفة ثلاثة أيام، فتحدد من يوم السبت والأحد والإثنين، فتحدد البداية وتحدد النهاية؛ لأنه إذا أطلق العقد فعند ذلك تحدث خصومة، بحيث لا ندري هل مراده بعد العقد مباشرة أو متراخياً عنه.
إذاً: لو سألك سائل: ما هو الشرط في إجارة الزمان؟ تقول: تحديد قيمة المدة، كالساعة بعشرة، أو اليوم بخمسين، ثم تحديد بداية الاستئجار ونهايته.

تحديد الزمن في استئجار غرف الفنادق

لكن في إجارة الفنادق جرى العرف فيها أن اليوم ينتهي عند الساعة الثانية ظهراً، ويقولون: إذا جاءت الساعة الثانية ظهراً فقد انتهى أمد الإجارة، وانتهى العقد، فإذا جرى العرف أنه في الثانية ظهراً يغادر النزيل، فهذا عرف معتبر، وينبغي تنبيه النزيل قبل نزوله إلى أن اليوم في عرف الفنادق ينتهي عند هذه الساعة التي هي الساعة الثانية ظهراً، أما لو أطلق وقال: أستأجر منك يوماً كاملاً، ولم ينبهه ولم يكن هناك عرف، فإنه ينصرف إلى أربع وعشرين ساعة.
عرفنا أنه باليوم لا بد من تحديد بدايته ونهايته، ما لم يكن هناك عرف بتحديد النهاية، فلو أن العرف أثر في نهاية اليوم كما أثر في البداية، أي: جرت العادة أنه إذا جاءت الثانية ظهراً ينتهي موعد التأجير، إذاً تبتدئ إجارته من اليوم السابق وتنتهي في الثانية ظهراً من اليوم اللاحق.
لكن لو جرى العرف أن النزيل لو حضر بعد الساعة العاشرة صباحاً، أو بعد التاسعة صباحاً، فإنه لا يحسب ذلك اليوم، وإنما يحسب من الثانية ظهراً إلى اليوم الذي بعده، فحينئذٍ سيكون للنزيل يوم وزيادة، فما الحكم؟

الجواب

لا بأس، وهو جائز إذا جرى العرف أن النزيل إذا حضر قبل الساعة الثانية ظهراً بساعتين أو ثلاث ساعات، وتسامح الناس وعرفاً بهذه الساعة أو الساعتين، أو جاء بعد صلاة الفجر وجرى العرف أنه لا يحسب اليوم كاملاً فإنه لا بأس بذلك، فلو جاء بعد صلاة الفجر وقال له: أحسبه لك يوماً كاملاً من الثانية ظهراً، ولكن حضورك بعد صلاة الفجر أحسبه نصف يوم.
وقال: قبلت، فيجوز.
إذاً: عرفنا أجرة الساعات، وأجرة اليوم، فتبقى عندنا أجرة الشهر وأجرة السنوات، أما أجرة الشهور، فهذه تقع في الغرف والشقق والعمائر والمساكن، فيقول له: أستأجر منك هذه الشقة شهراً بمائة، فإذا حدد الشهر وحدد بدايته ونهايته فلا إشكال فيه، ولكن نحتاج إلى تفصيل في مسائل متعلقة بالإجارة بالشهور:

العبرة بالشهر القمري عند الإطلاق

المسألة الأولى: إذا أطلقت الشهور في عرف المسلمين فإنها تنصرف إلى الشهور القمرية لا الشهور الشمسية، وبناءً على ذلك: فالعبرة بالشهر القمري.
المسألة الثانية: إذا كانت العبرة بالشهر القمري، فينبغي أن يعلم أنه إذا حدد شهراً معيناً فإن الإجارة تتعلق بذلك الشهر تاماً أو ناقصاً، فالشهر القمري يكون تسعة وعشرين يوماً ويكون ثلاثين يوماً.
أما الدليل على أن الشهر يكون تسعة وعشرين ويكون ثلاثين، فإن الله تعالى يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:189]، فجعل الله الهلال ميقاتاً للشهر، فأي مؤمن تعاقد مع أخيه المسلم على شهر معين، كشهر شوال مثلاً، فإننا نحتسب شوال بثبوت دخوله بالهلال، ونحتسبه خروجاً عند ثبوت نقصه تسعاً وعشرين، وعند عدم وجود رؤيته يتم ثلاثين يوماً.
أما الدليل الثاني من السنة على أن الشهر يكون تسعاً وعشرين فقوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا) فجاءت روايتان: رواية قال فيها عليه الصلاة والسلام: (الشهر هكذا وهكذا)، ورواية قال فيها: (الشهر هكذا -وعد ثلاثين- ثم قال: وهكذا -وعد تسعاً وعشرين وقبض الإبهام في المرة الثانية)، فقوله عليه الصلاة والسلام: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) يدل على أنه لا عبرة بالتقويم، إنما العبرة بثبوت نقص الشهر ثبوتاً صحيحاً، فإذا لم تثبت الرؤيا أن الشهر تسعة وعشرون فإنه يتم ثلاثين يوماً.
فلو أن اثنين اختصما في شهر، واستأجر منه الدار شهر ربيع الأول، ومكث في شهر ربيع الأول، وثبت بالرؤية أنه تسع وعشرون يوماً، ورئي الهلال لربيع الثاني، فقال المستأجر: أنا استأجرت شهراً كاملاً.
وقال المؤجر: الشهر تسع وعشرين.
فالتزم المستأجر أن يبقى في البيت أو يبقى في السكن يوماً يتم به ثلاثين، وقال: الشهر ثلاثون يوماً، نقول: إن اليوم الثلاثين لاغٍ بحكم الشهر، ويلزمك الخروج، وتسليم الدار بمجرد ثبوت نقص الشهر السابق.
والعكس، فلو أن الشهر لم يثبت نقصه فقال المؤجر للمستأجر: إنه ناقص في الحساب الفلكي والتقويم، نقول: وليس من حقك أن تخرجه حتى يثبت نقصه برؤية هلالية، وحينئذٍ يكون ثلاثين يوماً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة)، فلما قال: (أكملوا العدة) علم أن الشهر لا بد من تمامه وكماله بالثلاثين.
وهذه المسألة مهمة؛ لأنه يتفرع عليها أكثر من خمسين مسألة في المعاملات والعبادات، والأيمان والنذور ومسائل في الطلاق، ومسائل في العدد والإحداد، كلها تترتب على مسألة نقص الشهر وكماله.
فالأصل الشرعي الذي عليه جماهير السلف والخلف والأئمة كلهم، إلا قولاً شاذاً عن ابن سريج رحمه الله عليه من أصحاب الشافعي؛ على أن العبرة في الشهر تاماً وكاملاً بالرؤية، وأنه إذا لم ير الهلال فإنه يلزم تمام الشهر ثلاثين يوماً؛ لأن النص في هذا واضح، وقال عليه الصلاة والسلام: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة) فهذا دليل على أن الشهر لا يكمل إلا بالثلاثين.
لكن لو قال له: أجرني هذه الدار شهراً من غد -والغد عشرة في الشهر- فهل يتم ثلاثين يوماً، أم أنه يكون فيه التفصيل؟

الجواب

يتم ثلاثين يوماً بالإجماع؛ لأن الأصل في الشهر أنه ثلاثون يوماً.
وتتفرع عليه مسائل كما ذكرنا مثلاً في الكفارات، مثل: كفارة القتل: إذا صام شهرين متتابعين، فإذا ابتدأ من ربيع وثبت نقص ربيع وربيع الذي يليه، لأنه قد يأتي شهران متعاقبان ناقصين، لكن قالوا: لا تأتي أربعة أشهر متعاقبة بالنقص.
فالشهران إذا جاءا ناقصين، فمعنى ذلك: أنه يصوم ثمانيةً وخمسين يوماً وتجزيه، لكن لو أنه ابتدأ صيام الكفارة شهرين متتابعين من عشرة في الشهر الأول فينتهي بتمام ستين يوماً يصومها تامة كاملة.
إذاً: يفصل في الإجارة على نفس هذا التفصيل، أنه إذا قال له: أستأجر منك هذه الدار شهراً أو شهرين، وكان ذلك بعد دخول الشهر بيوم، فإننا نحتسب له المدة ستين يوماً في الشهرين، وثلاثين يوماً في الشهر الواحد، وما زاد فبحسابه، وهذا كله -كما ذكرنا- إذا استأجر الدار أو المستودع أو الغرفة أو المنزل أو الحوش ونحو ذلك مدة، فإننا نقول بجوازه، سواء كانت المدة بالساعات أو بالأيام أو بالأسابيع أو بالشهور.
لكن بالنسبة للإجارة بالسنوات، فإذا قال: إنه استأجر من أول ربيع وأسندها إلى سنة معينة، فحينئذٍ تصح السنة من بداية محرم إلى نهاية ذي الحجة من السنة نفسها، وهذا إذا أسند الإجارة إلى سنة معينة، أما إذا قال له: أستأجرها من الآن سنة كاملة فإنه يحتسب ثلاثمائة وستين يوماً كاملة إلى حسابها من الشهر الذي وقعت فيه الإجارة هذا بالنسبة للمدة القصيرة.

اختلاف العلماء في الإجارة بالمدة الطويلة

أما الإجارة بالمدة الطويلة فهي أن يستأجر منه الدار عشرين سنة، أو يكتب العقد على أرض يأخذها للزراعة ثلاثين سنة، أو نحو ذلك من المدد الطويلة.
فمسألة إجارة الأرضين والدور والأشخاص مدة طويلة فيها خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، ومن حيث الأصل فجماهير العلماء من السلف والخلف على جواز الإجارة مدة طويلة؛ لكن بشرط: أن يغلب على الظن بقاء العين المؤجرة، وإمكان الانتفاع بها، وبشرط: ألا يكون هناك غرر في ارتفاع الأسواق وانخفاضها على شكل مؤثر على المستأجر والمؤجر.
إذاً: المسألة من حيث الجملة بالإجارة للمدد الطويلة: فالجماهير من السلف والخلف: على أنه يجوز أن تؤجر الدار أو الأرض أو المساكن مدداً طويلة إلى عشرين سنة أو إلى ثلاثين سنة، لكن بالشرطين الذين ذكرناهما: أولهما: أن يغلب على الظن بقاء العين، وإمكان الانتفاع مدة الإجارة.
والشرط الثاني: أن يُؤمن الضرر والغرر الموجود في ارتفاع الأسواق وانخفاضها.
ولكن بعض العلماء يقول: العبرة عندي بالشرط الأول دون الثاني، وفي الحقيقة: أن قوله وجيه، أن العبرة بالشرط الأول دون الثاني؛ لأن الغنم بالغرم في قواعد الشريعة في الشرط الثاني؛ لكن الشرط الأول أهم من الشرط الثاني؛ لأن المقصود من عقد الإجارة: هو بقاء العين وحصول الانتفاع الذي من أجله دفعت الأجرة والتزم المؤجر والمستأجر بعقد الإجارة.
فإذا غلب على الظن بقاء العين إلى ذلك الأمد المتفق عليه بين الطرفين، فلا إشكال بالجواز، وهذا إذا كنا قد تحققنا من وجود الشرط؛ لكن لو كانت الدار متهدمة، أو كانت الدار ضعيفة البنيان، أو كانت الأرض بحالة يغلب على الظن عدم سلامتها للمدة المتفق عليها، فإنه يكاد ينعقد الإجماع على أنه لا يصح التعاقد على هذا الوجه، وإذا سُكت عن الدليل فتقول: إن الأصل يقتضي عدم جواز الغرر، وإذا أجره داراً قديمة يغلب على الظن سقوطها وتهدمها قبل تمام المدة المتفق عليها بين الطرفين فقد غشه وغرر به، والغرر لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغرر كما في الصحيح.
إذاً: من حيث الأصل: إذا كانت المدة طويلة في إجارة الدور والأرضين فحصل الشرط من غلبة الظن بالسلامة وبقاء المنافع، وغلبة الظن أيضاً بالسلامة من حصول الضرر بالانتفاع وعدمه عند من يقول باشتراط هذا الشرط، فيبقى

السؤال

هل هذه المسألة فيها خلاف أو إجماع؟ إذا قلنا: اختلف العلماء، فجماهير العلماء يقولون: يجوز إجارة الدور والمساكن مدة طويلة، بشرط: غلبة الظن ببقائها، كما ذكرنا.
وقال بعض العلماء كما هو في مذهب المالكية والشافعية: لا يجوز إجارة الدور والمساكن مدداً طويلة، ومنهم من يطلق، ومنهم من يقيد، فعند الشافعية قولان: قيل: لا يجوز مطلقاً أن يؤجر الدار أكثر من سنة، وإذا كان يريد أن يؤجرها فيؤجرها سنة فقط ولا يزيد عليها.
والقول الثاني يقول: يجوز بشرط أن تكون هناك مدة معينة كثلاثين سنة، وإذا جاوزها فلا يجوز، وإذا كان أقل منها يجوز.
والذين منعوا من أصحاب القول الثاني وانقسموا إلى الوجهين الذين ذكرناهما، حجتهم: أن الدار قد تتهدم، وأن المساكن قد تتغير، والمنافع تتضرر بحصول المدة الطويلة، ولذلك قالوا: لا يجوز للمسلم أن يؤجر على هذا الوجه؛ لما فيه من الغرر، ومن تعريض مال المسلم إلى أكله بالباطل.

أدلة جواز الإجارة بالمدة الطويلة

أما الجمهور لما قالوا بالجواز، فقالوا: دليلنا كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم: أما دليلنا من الكتاب: قال الله تعالى حكاية عن نبيه شعيب: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:27]، قالوا: فأسند الإجارة إلى أكثر من عام، مع أن الثمانية الحجج قد يرتفع فيها سعر الإجارة وقد ينخفض، ومع ذلك أقر الشرع مثل هذا، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه.
هذا من حيث دليل الكتاب.
أما دليل السنة فقالوا: إن الأحاديث التي استدل بها على جواز الإجارة من حيث الأصل العام لم تقيد بمدة ولا بزمان، فكل طرفين اتفقا على إجارة مدة معينة، وهذه المدة تبقى فيها العين ويحصل فيها النفع، فإنه يجوز ذلك العقد ولا بأس به.
هذا بالنسبة لدليل الجمهور.
والذي يظهر -والله أعلم- صحة مذهب الجمهور، أي: أنه يجوز إجارة الدور والمساكن والأرضين ولو أكثر من ثلاثين سنة بالشرط الذي ذكرناه وهو: غلبة الظن ببقاء العين، وحصول النفع فيها.
وقد نبه المصنف رحمه الله إلى هذا القول الراجح حينما حكى غلبة الظن بقوله رحمه الله: بقوله: [وإن آجر الدار ونحوها مدة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها صحت].

البناء على غالب الظن في بقاء العين أو عدمها

وقوله: (مدة ولو طويلة)، (ولو) إشارة إلى خلاف، يعني: آجر الدار ونحوها مدة ولو طويلة، معنى ذلك: أنه لو أجرت مدة قصيرة فبالإجماع أنه لا بأس بذلك؛ لكن الخلاف إذا كانت المدة طويلة، لكن قال: (يغلب على الظن بقاؤها).
(يغلب على الظن) هذه المسألة تعرف عند العلماء بمسألة غالب الظن، وغالب الظن هو ترجح أحد الاحتمالين، والاحتمال الراجح يقال له: الظن في مصطلح علماء قواعد الفقه، وكذلك مصطلح الأصوليين، ويقال له أيضاً: غالب الظن.
والشريعة الإسلامية تبني الأحكام على غالب الظن، وهناك كلام جيد للإمام الشاطبي في الموافقات، وكذلك للإمام العز بن عبد السلام في كتابه النفيس: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، أقر رحمه الله أن الشريعة تبني أحكامها على غالب الظن، وأنها لا ترتب الأحكام على الظن المرجوح، وأن غالب الظن تعبّدنا الله عز وجل به في أعظم الأشياء، فإن المفتي والقاضي يفتي ويقضي ويحكم بأحكامه الشرعية بغالب ظنه، وهذا يدل على أن غالب الظن له اعتبار في الشرع ويحكم فيه ويعمل به، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب) والمجتهد لا يبني اجتهاده إلا على غالب الظن، وعلى هذا نقول: يغلب على الظن بقاء العين، فأصبحت المسألة فيها صور: الصورة الأولى: أن يستيقن بقاء المنفعة.
الصورة الثانية: أن يغلب على الظن بقاء المنفعة.
الصورة الثالثة: أن يستيقن ذهاب المنفعة.
الصورة الرابعة: أن يغلب على الظن ذهاب المنفعة.
الصورة الخامسة: أن يحتمل الأمرين، ولا ترجيح.
فالصورة الأولى: أن يستيقن بقاء المنفعة ويجري المثال، أو يغلب على ظنه بقاء المنفعة ويجري المثال، ففي كلتا الصورتين يجوز، على الأصل الذي قرره المصنف.
فتقول: يجوز لليقين؛ لأن إجارة العشر السنين والعشرين سنة والثلاثين سنة ما دامت المنفعة موجودة، والمستأجر سيأخذ المنفعة وقد دفع المال لقاء المنفعة، فإذاً: لا ظالم ولا مظلوم، وهذا أخذ حقه وهذا أخذ حقه، فإذا ثبت أنها باقية باليقين أو غالب الظن فلا إشكال، والعكس: لو غلب على الظن أو تيقن ذهاب المنفعة فإنه لا يجوز وجهاً واحداً للعلماء.
أما إذا احتمل الأمر، كأن تكون داراً متهدمة نوعاً ما، فيحتمل أن تبقى ويحتمل ألا تبقى، والحكم أنه إذا لم يغلب على الظن فإنه لا تصح الإجارة؛ لأن هناك قاعدة تقول: (مفاهيم المتون معتبرة)، فحينما قال لك الشرع: يغلب على الظن بقاؤها، فهذا كالقيد الذي نعتبره شرطاً نفهم منه أنه إذا لم يغلب على الظن بقاؤه فإنه لا يجوز.
وفهمنا الخمس صور من كلام المصنف، حينما قال: (مدة ولو طويلة يغلب على الظن بقاؤها) فلاحظ قوله: (يغلب على الظن)، وهذا يدل على دقة العلماء رحمهم الله في اختصار المتون، فكان المفروض أن يأتي بالخمس صور، لكنه لما قال: (بمدة يغلب على الظن بقاؤها) فهمت الأحكام الخمسة، إذ تفهم أنه من باب أولى إذا استيقن وأصبح الأمر مائة في المائة في بقائها، فهنا صورتان بالمنطوق.
وبالمفهوم لما قال: (يغلب) تأخذ أنه إذا غلب على الظن عدم البقاء فإنه لا يجوز، وهذه هي الصورة الثالثة، فإذا كنت تفهم أنه إذا غلب الظن بعدم البقاء فإنه لا يجوز، فمن باب أولى إذا استيقن، وهذه هي الصورة الرابعة.
وبقيت الصورة الخامسة وهي التردد وأن يكون احتمال البقاء واحتمال عدمه في مرتبة واحدة، فتقول: لم يثبت الحكم، ففهم من قوله: (يغلب على الظن) أنه إذا لم يغلب على الظن فلا يجوز، سواء تردد أو كان هنالك ترجح لاحتمال عدم البقاء، وهذه خمس صور نأخذها من جملة: (يغلب على الظن بقاؤها).
وهذا أمر مهم ينبغي أن ينبه عليه؛ لأن قراءة المتون لمعرفة منهج العلماء لكي تستطيع أن تفهم الأحكام؛ فربما يقول قائل: المصنف نص على غالب الظن ولم ينص على غيره، ولذلك تجد بعض المتأخرين يعملون في التعليق على تحقيق الكتب القديمة على تعقب المصنف، يقول: وهذا قصور من المصنف؛ لأنه تكلم على غالب الظن، والقسمة العقلية تقتضي خمس صور.
وهذه الكتب ألفت وما كان يقرؤها إلا جهابذة العلماء، فلو نبه على الخمس لعُد تطويلاً، وتوضيح الواضح يعتبر إشكالاً، ولذلك لا يعتنون بهذه الأشياء، فالعلماء لهم منهج دقيق في اختصار المتون، فهم ينبهون على صورة بحيث يفهم منها ما هو أولى منها أو ما هو في حكمها، ويفهم حكم العكس بالعكس.

العبرة بالشهر القمري عند الإطلاق

المسألة الأولى: إذا أطلقت الشهور في عرف المسلمين فإنها تنصرف إلى الشهور القمرية لا الشهور الشمسية، وبناءً على ذلك: العبرة بالشهر القمري.
المسألة الثانية: إذا كانت العبرة بالشهر القمري، فينبغي أن يعلم أنه إذا حدد شهراً معيناً فإن الإجارة تتعلق بذلك الشهر تاماً أو ناقصاً، فالشهر القمري يكون تسعة وعشرين يوماً ويكون ثلاثين يوماً.
أما الدليل على أن الشهر يكون تسعاً وعشرين ويكون ثلاثين، فإن الله تعالى يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:189]، فجعل الله الهلال ميقاتاً للشهر، فأي مؤمن تعاقد مع أخيه المسلم على شهر معين، كشهر شوال مثلاً، فإننا نحتسب شوال بثبوت دخوله بالهلال، ونحتسبه خروجاً عند ثبوت نقصه تسعاً وعشرين أو عدم وجود رؤية يتم بها ثلاثين يوماً.
أما الدليل الثاني من السنة على أن الشهر يكون تسعاً وعشرين وتلزم وبه المستأجر فقوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا) فجاءت روايتان: رواية قال فيها عليه الصلاة والسلام: (الشهر هكذا وهكذا)، ورواية قال فيها: (الشهر هكذا -وعد ثلاثين- ثم قال: وهكذا -وعد تسعاً وعشرين وقبض الإبهام في المرة الثانية)، فقوله عليه الصلاة والسلام: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) يدل على أنه لا عبرة بالتقويم، إنما العبرة بثبوت نقص الشهر ثبوتاً صحيحاً، فإذا لم تثبت الرؤيا أن الشهر وعشرون فإنه يتم ثلاثين يوماً.
فلو أن اثنين اختصما في شهر، واستأجر منه الدار شهر ربيع الأول، ومكث في شهر ربيع الأول، وثبت بالرؤية أنه تسع وعشرون يوماً، ورئي الهلال لربيع الثاني، فقال المستأجر: أنا استأجرت شهراً كاملاً.
وقال المؤجر: الشهر تسع وعشرين.
فالتزم المستأجر أن يبقى في البيت أو يبقى في السكن يوماً يتم به ثلاثين، وقال الشهر: ثلاثون يوماً، نقول: إن اليوم الثلاثين لاغٍ بحكم الشهر، ويلزمك الخروج، وتسليم الدار بمجرد ثبوت نقص الشهر السابق.
والعكس، فلو أن الشهر لم يثبت نقصه فقال المؤجر للمستأجر: إنه ناقص في الحساب الفلكي والتقويم، نقول: وليس من حقك أن تخرجه حتى يثبت نقصه برؤية هلالية، وحينئذٍ يكون ثلاثين يوماً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة)، فلما قال: (أكملوا العدة) على أن الشهر لا بد من تمامه وكماله بالثلاثين، وهذه المسألة مهمة؛ لأنه يتفرع عليها أكثر من خمسين مسألة في المعاملات والعبادات، وفيها الأيمان والنذور ومسائل في الطلاقات، ومسائل في العدد والإحداد، كلها تترتب على مسألة نقص الشهر وكماله، فالأصل الشرعي، جماهير السلف والخلف والأئمة كلهم، إلا قولاً شاذاً عن ابن سريج رحمه الله عليه من أصحاب الشافعي: على أن العبرة في الشهر تاماً وكاملاً بالرؤية، وأنه إذا لم ير الهلال فإنه يلزم تمام الشهر ثلاثين يوماً؛ لأن النص في هذا واضح، وقال عليه الصلاة والسلام: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة) فهذا دليل على أن الشهر لا يكمل إلا بالثلاثين.
فمسألة أننا نعتبر الشهر ناقصاً أو كاملاً في الصورة الأولى من إجارة الشهور، وهي: أن يسند الطرفان الإجارة إلى شهر مسمى، كأن يقول: أستأجر منك هذه العمارة شهر رمضان.
فإننا نحتسب الشهر بتمامه وكماله، على التفصيل الذي تقدم، لكن لو قال له: أجرني هذه الدار شهراً من غد -والغد عشرة في الشهر- فهل يتم ثلاثين يوماً، أم أنه يكون فيه التفصيل؟

الجواب

بالإجماع يتم ثلاثين يوماً؛ لأن الأصل في الشهر أنه ثلاثين يوماً.
وتتفرع مسائل مثلما ذكرنا مثلاً في الكفارات، مثل: كفارة القتل: إذا صام شهرين متتابعين، فإذا ابتدأ من ربيع وثبت نقص ربيع وربيع الذي يليه، لأنه قد يأتي شهران متعاقبان ناقصين، لكن قالوا: لا تأتي أربعة أشهر متعاقبة بالنقص.
فالشهران إذا جاءا ناقصين، فمعنى ذلك: أنه يصوم ثمانيةً وخمسين يوماً وتجزيه، لكن لو أنه ابتدأ صيام الكفارة شهرين متتابعين من عشرة في الشهر الأول فينتهي بتمام ستين يوماً يصومها تامة كاملة.
إذاً: يفصل في الإجارة على نفس هذا التفصيل، أنه إذا قال له: أستأجر منك هذه الدار شهراً أو شهرين، وكان ذلك بعد دخول الشهر بيوم ينتقص به عدداً ولا يتعين فإننا نحتسب له المدة ستين يوماً في الشهرين، وثلاثين يوماً في الشهر وما زاد فبحسابه، وهذا كله -كما ذكرنا- إذا استأجر الدار أو المستودع أو الغرفة أو المنزل أو الحوش ونحو ذلك مدة، فإننا نقول بجوازه، سواء كانت المدة بالساعات أو بالأيام أو بالأسابيع أو بالشهور.
لكن بالنسبة للإجارة بالسنوات، فإذا قال: إنه استأجر من واحد ربيع وأسندها إلى سنة معينة، فحينئذٍ تصح السنة من بداية محرم إلى نهاية ذي الحجة من السنة نفسها، وهذا إذا أسند الإجارة إلى سنة معينة، أما إذا قال له: أستأجرها من الآن سنة كاملة فإنه يحتسب ثلاثمائة وستين يوماً كاملة إلى حسابها من الشهر الذي وقعت فيه الإجارة.

اختلاف العلماء في الإجارة بالمدة الطويلة

هذا بالنسبة للمدة القصيرة، أما الإجارة بالمدة الطويلة فهي أن يستأجر منه الدار عشرين سنة، أو يكتب العقد على أرض أن يأخذها للزراعة ثلاثين سنة، أو نحو ذلك من المدد الطويلة.
فمسألة إجارة الأرضين والدور والأشخاص مدة طويلة فيها خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، ومن حيث الأصل فجماهير العلماء من السلف والخلف على جواز الإجارة مدة طويلة؛ لكن بشرط: أن يغلب على الظن بقاء العين المؤجرة، وإمكان الانتفاع بها، وبشرط: ألا يكون هناك غرر في ارتفاع الأسواق وانخفاضها على شكل مؤثر على المستأجر والمؤجر.
إذاً: المسألة من حيث الجملة بالإجارة للمدد الطويلة: فالجماهير من السلف والخلف: على أنه يجوز أن تؤجر الدار أو الأرض أو المساكن مدداً طويلة إلى عشرين سنة أو إلى ثلاثين سنة، لكن بالشرطين الذين ذكرناهما: أولهما: أن يغلب على الظن بقاء العين، وإمكان الانتفاع مدة الإجارة.
والشرط الثاني: أن يُؤمن الضرر والغرر الموجود في ارتفاع الأسواق وانخفاضها.
ولكن بعض العلماء يقول: العبرة عندي بالشرط الأول دون الثاني، وفي الحقيقة: أن قوله وجيه، أن العبرة بالشرط الأول دون الثاني؛ لأن الغنم بالغرم في قواعد الشريعة في الشرط الثاني؛ لكن الشرط الأول أهم من الشرط الثاني؛ لأن المقصود من عقد الإجارة: هو بقاء العين وحصول الانتفاع الذي من أجله دفعت الأجرة والتزم المؤجر والمستأجر بعقد الإجارة، فإذا غلب على الظن بقاء العين إلى ذلك الأمد المتفق عليه بين الطرفين، فلا إشكال بالجواز، وهذا إذا كنا قد تحققنا من وجود الشرط؛ لكن لو كانت الدار متهدمة، أو كانت الدار ضعيفة البنيان، أو كانت الأرض بحالة يغلب على الظن عدم سلامتها للمدة المتفق عليها، فإنه يكاد يكون بالإجماع على أنه لا يصح التعاقد على هذا الوجه، وإذا سُكت عن الدليل فتقول: إن الأصل يقتضي عدم جواز الغرر، وإذا أجره داراً قديمة يغلب على الظن سقوطها وتهدمها قبل تمام المدة المتفق عليها بين الطرفين فقد غشه وغرر به، والغرر لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغرر كما في الصحيح.
إذاً: قلنا من حيث الأصل: إذا كانت المدة طويلة في إجارة الدور والأرضين فحصل الشرط من غلبة الظن بالسلامة وبقاء المنافع، وغلبة الظن أيضاً بالسلامة من حصول الضرر بالانتفاع وعدمه عند من يقول باشتراط هذا الشرط، فيبقى

السؤال

هل هذه المسألة فيها خلاف أو إجماع؟ إذا قلنا: اختلف العلماء، فجماهير العلماء يقولون: يجوز إجارة الدور والمساكن مدة طويلة، بشرط: غلبة الظن ببقائها، كما ذكرنا.
وقال بعض العلماء كما هو في مذهب المالكية والشافعية: لا يجوز إجارة الدور والمساكن مدداً طويلة، ومنهم من يطلق، ومنهم من يقيد، فعند الشافعية قولان: قيل: لا يجوز مطلقاً أن يؤجر الدار أكثر من سنة، وإنما إذا كان يريد أن يؤجرها فيؤجرها سنة فقط ولا يزيد عليها.
والقول الثاني يقول: يجوز بشرط أن تكون هناك مدة معينة كثلاثين سنة، وإذا جاوزها فلا يجوز، وإذا كان أقل منها يجوز، فأصبح عند أصحاب هذا القول.
والذين منعوا من أصحاب القول الثاني وانقسموا إلى الوجهين الذين ذكرناهما، حجتهم: أن الدار قد تتهدم، وأن المساكن قد تتغير، والمنافع تتضرر بحصول المدة الطويلة، ولذلك قالوا: لا يجوز للمسلم أن يؤجر على هذا الوجه؛ لما فيه الغرر، وفيه من تعريض مال المسلم إلى أكله بالباطل.

شروط استئجار الدواب لركوب أو عمل

وقوله: [وإن استأجرها لعمل كدابة وركوب إلى موضع معين].
عرفنا أن في إجارة الدور ينبغي أن تُحدد المدة والزمن، وبالنسبة لإجارة الأشخاص وإجارة الدواب ونحوها، فينبغي أن يحدد العمل الذي وقع عقد الإجارة عليه، فمثّل المصنف بأمثلة متعددة هي أشبه بالقواعد لغيرها، أو يلتحق بها غيرها مما هو في حكمها.
فلما قال: (كدابة) أي: استأجر دابة لعمل، واللام للتعليل، أي: من أجل عمل معين، واستئجار الدواب مثال في القديم، فقد كانوا يركبون الخيل والإبل، وكانوا يستأجرونها، إما لحملهم أو لحمل متاعهم، وإما للاثنين معاً، فيستأجر منه الخيل أو الإبل لنفسه، كأن يركب من المدينة إلى مكة، أو يحج معه على دابته ومعه متاعه، أو يستأجره لنفسه فقط، كأن يقول له مثلاً: أريدك أن تنقلني من طرف المدينة الشرقي إلى طرفها الغربي، فهذا نقل للذات، أو يستأجره للمتاع وحده، فيقول له: خذ هذه البضاعة واذهب بها إلى وكيلي بجدة أو وكيلي بمكة، فأصبحت ثلاث صور في إجارة الدابة: إما للركوب، وإما لحمل المتاع، وإما لركوبه مع حمل المتاع.
العلماء رحمهم الله في القديم وضعوا ضوابط يحفظ بها حق المستأجر عند المؤجر، فلا بد في العين التي تؤجر وتستخدم في الإجارة أن يحدد العمل المطلوب منه، فهو مثلاً إذا قال له: أريدك أن تنقلني إلى جدة، أو إلى مكة، لا بد وأن يحدد العمل المطلوب من الدابة على وجه يزول به الغرر، فإذا استأجرها للركوب فلا بد أن يحدد بداية الركوب ونهايته، فيقول مثلاً: تنقلني من المدينة إلى مكة من أجل الحج، أو لعمل المناسك، أو للقيام بأشياء معينة محددة.
والسبب في هذا: أنه تقدم معنا في أول باب الإجارة أنه لا بد من تحديد العمل المطلوب دفعاً للخصومة ورفعاً للضرر، فإذا حدد له بداية العمل ونهايته، وحدد له ما يراد منه فلا إشكال في الجواز.
لكن لو قال له مثلاً: أريدك أن تنقلني إلى بلد بمائة، لم يصح العقد، فإن البلد مجهول.
أو قال له مثلاً: تنقلني إلى مكة أو جدة بألف، لم يجز؛ لأنه ردده بين موضعين، فلا ندري هل يذهب به إلى جدة أو يذهب به إلى مكة، وقد اختلفت مسافتهما، هذا بالنسبة للركوب.
كذلك عليه أن يحدد الشيء الذي سيحمل على الدابة، فيقول: تحملني.
أو يقول: تحمل متاعي.
فإن كان من الطعام فيبيّن أنه طعام ويبين كذلك نوع هذا الطعام الذي يحمل، وإن كان من الكساء واللباس فيحدده أيضاً، فلا بد من التحديد دفعاً للضرر؛ والسبب في هذا: أن المحمول يختلف، فلربما قال له: انقل لي هذه البضاعة من المدينة إلى جدة، وتكون البضاعة مثلاً من الحديد، فحمل الحديد ليس كالقماش؛ لأن القماش أخف في العبء على الدواب أو على الآلة التي تحمله، فإذا لم يحدد المحمول ربما ظن صاحب السيارة أو صاحب الدابة أن المحمول خفيف وظهر له بعد ذلك أنه ثقيل؛ لأن المحمول الثقيل له أجرة والمحمول الخفيف له أجرة، فلا بد من تحديد نوعية المحمول.
فإذاً: لا بد وأن يحدد المكان وأن يحدد المحمول هل هو الشخص بنفسه، أو متاعه، أو هما معاً، فإذا تم ذلك على وجه تام وليس فيه غرر فلا إشكال، وهذا في القديم.
أما بالنسبة لعصرنا الحاضر، فإذا أراد أن يسافر وأراد أن يركب سيارة أو يستأجرها وقال له: احملني، فلا إشكال أن تقول له: أحملك بنفسك، أو راكباً آخر يقوم مقامك، فالحكم واحد، إلا إذا حصل هناك اختلاف من حيث الجنس بالذكورة والأنوثة، وأن يكون هذا الاختلاف موجباً لاختلاف القيمة وموجباً للتعب أكثر، كأن يكون المحمول مثلاً مريضاً، وهذا المريض سيشق على السائق؛ وربما تعب عليه في الطريق، أو ربما انتظر، فلا بد وأن يحدد حتى لا يكون هناك وجه للغرر، وكل ذلك بموجب الشروط التي ذكر العلماء أن القصد منها المحافظة على حق الطرفين؛ المؤجر والمستأجر.
وقوله: [أو بقر للحرث].
أي: أو استأجر البقر للحرث، فقد كانوا في القديم يحرثون الأرض بالبقر، فيوضع المحراث ثم يجر البقر المحراث، أما في العصر الحاضر فتوجد آلات معينة تقوم بالحرث، وهذه من نعم الله عز وجل على عباده، فإذا استأجر من أجل حرث الأرض، فلا بد وأن يحدد العمل الذي يريد منه في تلك الحراثة، لأن الحراثة درجات، ولها طرق معينة، فإذا كان لها أكثر من طريقة فلكل طريقة قيمتها، وينبغي أن يقول: تحرث لي مثلاً بالدرجة الأولى أو بالدرجة الثانية، أو تحرث لي حرثتين، فإذا اتفق معه على حرث فليحدد العمل.
كل هذه الجمل يقصد المصنف منها تحديد العمل المفروض من المستأجر للأجير.
وقوله: [أو دياس زرع].
كانوا في القديم إذا حصدوا الحصاد كالحبوب مثلاً، فالواحد منهم يحتاج إلى أن يعرف الحبوب إذا يبست ويبس سوق الحب فتمر عليه الدواب وتدوسه، حتى تأتي الرياح وتأخذ القش ويبقى الحب.
فإذا استأجر أحدهم الدابة فعليه أن يحدد العمل المطلوب منها.
وفي زماننا لو كان هناك عامل التزم أن يقوم بتصفية الحب، فإنه ينبغي تحديد وقت العمل، فبعض الأحيان يحدد بالساعات، وبعض الأحيان يحدد بالأيام، فيقول له مثلاً: أريد أن أشتغل عندك يوماً في تصفية هذا الحب، واليوم بمائة، يجوز ذلك، فإذا حدد له بالزمان يصير لا إشكال، لكن يبيّن له ما الذي يفعله؛ لأن تصفية الحبوب درجات، فإذا كانت هناك درجات فيحدد له الدرجة التي يبدأ بها، فقد تكون تصفيته -مثلاً- بطريقة معينة يحددها له، فالمهم أنه أي عمل يتردد بين عملين فأكثر ينبغي أن يحدد للعامل حتى لا تقع خصومة بين الطرفين.
وخذها قاعدة: أن الإجارة إذا ترددت بين شيئين اثنين متفاوتين في القيمة؛ فلا يجوز للطرفين أن يبرما العقد بينهما بهذا الأمر، فإن قيل: لماذا؟ قلت: الأمر واضح؛ لأنه إذا أبرم العقد على هذا الوجه فإنه سيؤدي إلى الخصومة وإلى الأذية والإضرار، فكل من الطرفين سيحرص على أن يأخذ بالأحظ لنفسه، وهذا لا شك أنه يفتح باب الشقاق والنزاع.
ومن هنا: تستطيع أن تتحدث عن ميزة الشريعة في الفقه الإسلامي، فمن مميزاتها: أنها تحرص على أخوة الإسلام حتى في التعامل الدنيوي، ولذلك نهت عن بيع المسلم على بيع أخيه، ونهته أن يبيع أو يؤجر على وجه فيه غرر وضرر؛ لأن هذا يحدث الخصومة، ويوغر القلوب على بعضها، ويدفع أصحاب النفوس الضعيفة لاستغلال الفقراء والضعفاء في إجارتهم.
فيقول له مثلاً: خذ هذا الحب وصفِّه، والحب إذا صفي بدرجة كبيرة زاد له مائة، وإذا صفي بأقل كان له خمسون، فيقول له: خذ وصفه بخمسين، فعندما يأتي يصفيه بدرجة معتادة يقول: إنما قصدت التصفية العالية، فإذا قال له: أنت أعطيتني خمسين فقط، قال: خمسون لكن شرط أن تصفيه بدرجة عالية.
فيحدث بينهما النزاع والشقاق، ولذلك قفلت الشريعة هذا الباب.
فلا يبرم العقد بين الطرفين على شيء متردد إلا بالتعديد والبت، فإذا بت الطرفان انقطع السبيل لحصول الخصومة والضرر.

شروط استئجار الأشخاص

وقوله: [أو من يدله على طريق].
كانوا في القديم إذا سافروا فإنهم يحتاجون إلى من يدلهم، فهذا يسمى (خريت) أو يسمى (بالدليل)، فيجوز أن تستأجر شخصاً لكي يدلك على طريق، وقد يستأجر الرجل شخصاً يدله على المشاعر والمناسك، فهذا لا بأس به، فهذه الدلالة ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعلها، ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (استأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الديل -واسمه عبد الله بن أريقط - هادياً خريتاً)، (أي: دليلاً في الأسفار، وكان يعرف الطريق بين مكة والمدينة فاستأجراه للهجرة.
فاستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الديل هادياً خريتاً، ودفعا إليه براحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فدل ذلك على جواز إجارة أشخاص من أجل الدلالة، فتقول لشخص: أريد القرية الفلانية، أو أريد مثلاً بئر فلان أو أريد الموضع الفلاني فدلني عليه، وتذهب معي حتى أصل إليه وتردني.
فيقول: أذهب بك بخمسمائة وأردك بخمسمائة، فهذه ألف، فحينئذٍ تم العقد بينكما ولا إشكال، وهذا جائز، فإذا استأجر وقال له: أريد أن تدلني على الطريق إلى مكة، فينبغي عليه أن يحدد زمان الخروج، ويحدد الطريق الذي سيسلكه إذا كان هناك أكثر من طريق، مثلاً قال له: أريد طريقاً مختصرة، أو أريد طريقاً يسلكه الناس؛ لأنه ربما ذهب به إلى طريق مضر، فنص المصنف على أنه لا بد من تعيين العمل.

استئجار الطبيب للفحص أو العلاج

قال رحمه الله: [اشترط معرفة ذلك].
مثلاً: الذي استأجر رجل من أجل الدلالة، لا بد وأن يعرف على أي الطرق التي سيسلكها.
في زماننا نفرّع مسائل على هذه الأحكام التي ذكرها المصنف، فمن أشهر ما يوجد الآن مثلاً: الإجارة للعمل الطبي، كطيب للعلاج، فالطبيب إذا أراد أن يعالج وأراد المريض أن يتعاقد معه، فإنه ينبغي أن يحدد العمل الطبي الذي سيقوم به، فإن كان لفحص يقول له: أفحصك وآخذ مائة.
وإذا قال له: أفحصك وآخذ مائة.
فهنا يحدد نوعية الفحص، هل هو لعضو معين، أو هو لاكتشاف مرض معين، أو هو لفحص وقائي، فيحدد العمل الذي سيقوم به.
ولا يجوز أن يقول له: أفحصك فقط؛ لأن الفحص فيه ما يسمى بالفحص الابتدائي، وهناك فحص أعمق كالتحاليل والتصوير بالأشعة والمناظير ونحوها، فلو قال: أفحصك، ربما ظن المريض أنه سيفحصه فحصاً تماماً كاملاً، فيتفق معه ويأخذ الأجرة، ثم يقول: أنا قصدت الفحص المبدئي.
والفحص المبدئي لا يكشف كثيراً من الأمراض، بخلاف الفحص العميق الذي يسمونه بالفحص التكميلي، فيشترط في الفحص أن يحدد نوعية الفحص.
وقد يكون هناك أكثر من وسيلة يفحص بها، فمثلاً: ضُرب على يده فشك أن يده مكسورة أو لا، فقال: أريد أن تفحص لي يدي، فقال له: أصورها لك بالأشعة.
فلا بد أن يحدد الوسيلة، فلا يقل: أفحصها.
ويسكت، وعلى هذا: لا بد وأن يحدد الوسيلة للفحص.
ثم إذا أراد أن يستأجر لغير الفحص، بل للمهمات الطبية، فينبغي أن يحدد هذه المهمة، والحمد لله أن هذا موجود في كثير من المستشفيات، فتجد كل عمل يضعون أمامه الأجرة.
فهذه الأشياء مهمة جداً، وهي تحقق مقصود الشرع من معرفة المستأجر بحقه، ويضمن بها حق المستأجر.
بناءً على ذلك: لا بد من تحديد المهمات الطبية، والأجرة المدفوعة في مقابلها، وإذا حددت المهمة الطبية في بعض الأحيان يكون هناك تحديد على وجه فيه غرر، أي: في بعض الأحيان يكون عندنا تصوير بالأشعة وعندنا كتابة تقرير الصورة، إذا جرى العرف بأن تقرير الصورة تابع للتصوير فحينئذٍ إذا تعاقد معه بمائة عليهما وجب على خبير الأشعة أن يقوم بالتصوير، ثم على الطبيب الذي تعاقد معه أن يقوم بكتابة التقرير من خلال قراءة صورة الأشعة.
وبالنسبة للمهمات الطبية التي فيها أعمال كقيامه بعلاج الجسم، فلا بد وأن يحدد الطبيب ذلك ويبنيه، فمثلاً: إذا كان يريده للجراحة واستئصال اللوزتين، أو مثلاً قطع البواسير، أو استئصال الزائدة، أو نحو ذلك، فلا بد وأن يحدد العمل الجراحي، وفي بعض المستشفيات يقوم الطبيب بشرح العمل الذي سيقوم به للمريض شرحاً تاماً كاملاً، فيقول له مثلاً: آخذ على هذا خمسمائة دولار أو آخذ عليها خمسة آلاف ريال أو نحو ذلك، فيحدد المهمة وما يقوم به وأجرته.
أما أن يكون هناك تعاقد مبهم، ويأتي المريض ويدخل على الطبيب ولا يحدد ما الذي يريده؛ فهذا لا يجوز، بل ينبغي التحديد، حتى الطبيب عندما تدخل المستشفى فلابد أيضاً أن تحدد نوعية الطبيب، هناك طبيب الذي ستكشف عنده، فيختلف الكشف والعلاج عنده عن الذي دونه، فهذا له قيمته وهذا له قيمته، وهذا أكثر ما يقع في المستشفيات التي تكون بالأجرة.
المستشفيات التي تكون بالأجرة، يكون فيها رجل استقبال واستعلام، فعندما تريد أن تفتح ملفاً يقول لك: أحيلك على طبيب أخصائي بسبعين ريالاً.
فلا بد أن يجرب هل هو أخصائي أو استشاري، حتى يكون المريض على معرفة؛ لأنه ربما كان المرض الذي معه قد كشف عليه من قبل من هو بهذه المرتبة، فإذاً: لا بد أن يحدد للمريض من هو الطبيب ونوعيته ونوع العمل الذي سيقوم به حتى يكون على بينة ويكون العقد خالياً من الغرر والجهالة.
وقوله: [وضبطه بما لا يختلف].
وضبط العمل بما لا يختلف، فإذا كان العمل متردداً كما قلنا بين أكثر من شيء، فإنه ينبغي التحديد على وجه يزول به الغرر الذي يخشى وقوعه على المستأجر أو المؤجر.

الأسئلة

حكم تأجير المستأجر للعين المؤجرة قبل دفعه إيجارها

السؤال

هل يجوز أن يؤجر المستأجر سلعة استأجرها قبل دفع قيمة الاستئجار لصاحب السلعة؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: هذه المسألة الحقيقة مفرّعة على مسألة: هل للمستأجر أن يؤجر ما استأجره؟ أثبتنا في المجلس الذي قبل هذا المجلس أنه يجوز للمستأجر أن يؤجر، وبينّا أن هذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله: منهم من يمنع مطلقاً، ومنهم من يجيز، ومنهم من يفصّل بين كون المستأجر يؤجر بنفس القيمة أو بأكثر.
لكن على كل حال فالذين قالوا: بجواز أن يؤجر المستأجر ما استأجره قبل أن يأخذ المنفعة، قالوا: بأنه بالعقد ملك المنفعة.
وفي الحقيقة هذه المسألة مهمة جداً؛ لأنك إذا استأجرت -مثلاً- شقة بعشرة آلاف ريال، وقلت: إن المنفعة التي هي سكنى الشقة بعشرة آلاف سنة، فعندنا عشرة آلاف، فهذه هي القيمة، وعندنا عوض عن العشرة آلاف وهو السكن سنة، فالمنفعة وهي السكن سنة يقابلها عشرة آلاف ريال، فإذا قلنا: إن المنفعة يملكها المستأجر بمجرد العقد فيجوز أن يبيعها، ويجوز أن يؤجرها على شخص آخر، وهذا بيع المنفعة، وبناءً على هذا القول: يترتب عليه قول آخر، وهو: أن المؤجر يكون المال ملكاً له ويحتسب زكاته، بحيث إنه لو تركه عند المستأجر وأخذه في نهاية السنة لزمته الزكاة؛ لأن المال دخل على ملكه الذي امتنع عن قبضه.
وقد قرر وأشار ابن رشد رحمه الله وغيره من العلماء: أن المنافع وإن كانت معدومة أثناء العقد لكنها منزّلة منزلة الموجود.

فسخ الإجارة

السؤال

متى يكون الفسخ بالإجارة؟

الجواب

الفسخ في الإجارة فيه تفصيل سيأتي في الفصل الذي يلي هذا الفصل، وهي مسألة تحتاج إلى نظر؛ لأنها تختلف بحسب اختلاف الموجبات والأسباب.
وهناك أسباب شرعية وأسباب حسية، فقد تفسخ بسبب شرعي، مثل: ما إذا استأجره للحج، ثم جاء عذر شرعي يمنع من الحج، كتعطل في الطريق حتى ذهب يوم عرفة ولم يمكنه إدراك الوقوف، فحينئذٍ تفسخ الإجارة؛ لأن مقصود الشرع من الإجارة ذلك.
ومن أمثلة ذلك: إذا استأجره لقلع ضرس فيها ألم وزال الألم، فالشرع يمنع من قلع الضرس إلا عند وجود الألم والضرر، وقرر الطبيب أنها طبيعية ويمكن أن تبقى على حالها فلا يجوز القلع.
وقد يكون السبب عادياً مثلاً: استأجر داراً للسكنى لمدة سنة، فانهدمت الدار أو سقطت، فحينئذٍ تنفسخ الإجارة؛ لأنه سبب حسي عادي، والاستفادة من المنفعة متعذرة.
وسيأتي إن شاء الله تفصيل هذه المسائل وبيانها.
والله تعالى أعلم.

حكم تبييت نية الصوم في كل ليلة

السؤال

هل يجب تبييت نية للصوم في كل ليلة؟

الجواب

هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، وأصح أقوال العلماء في هذه المسألة قول الجمهور: من وجوب تبييت النية في الليل لكل يوم؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (من لم يبيت النية بالليل فلا صوم له)، وهذا يدل على أنه يجب أن يبيت النية بالصوم لكل ليلة بحسبها.
والله تعالى أعلم.

حكم من رأت دم الحيض بعد صلاة المغرب

السؤال

امرأة رأت شيئاً من دم الحيض بعد صلاة المغرب ولم تعلم هل كان ذلك قبل الغروب أم بعده، فما الحكم بالنسبة لصلاتها وصيامها؟

الجواب

إذا رأت الدم وغلب على ظنها أنه سابق للغروب، فلا إشكال أن صوم ذلك اليوم لاغٍ ويلزمها قضاؤه، وأما إذا كانت قد غلب على ظنها أن الدم طري وأنه حادث بعد المغرب فلا إشكال في صحة صومها ولزوم صلاة المغرب إذا طهرت فإنها تقضيها وتصليها.
وأما إذا ترددت وشكت فالقاعدة عند العلماء رحمهم الله تقول: (ينسب لأقرب حادث)، فالأصل صحة الصوم حتى يدل الدليل على عدم صحته، والأصل أنها صامت يوماً كاملاً، وذمتها بريئة حتى نتحقق من وجود هذا المؤثر، فحينئذٍ يحكم بصحة صومها، وأما الدم فلا يؤثر في ذلك اليوم، وتبقى المسألة عكسية، لأنك إذا قلت: يصح صومها لزمها قضاء المغرب، وإن قلت: لا يصح صومها لم يكن هناك قضاء المغرب، فإن سلمت من الصوم لزمها قضاء المغرب؛ لأن دخول الوقت موجب لشغل الذمة بالنسبة للحائض، ولا يكون معتداً بآخر الوقت كما يقوله فقهاء الحنفية وبعض أصحاب الإمام أحمد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع -

باب الإجارة [7]

اختلف العلماء في حكم أخذ الأجرة على الأذان وتعليم القرآن والفتوى وغيرها من القربات، فمنهم من قال بالجواز، ومنهم من قال بالتحريم، وطائفة فصلوا في هذه المسألة، ولكل صاحب قول أدلته، ولكن الراجح القول بالجواز.
ويلزم المؤجر تجهيز كل ما يلزم في العين المؤجرة حتى يتم للمستأجر الانتفاع بها حسب العرف.

حكم أخذ الأجرة على الأذان أو تعليم القرآنٍ ونحوهما

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله: [ولا تصح على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة].
شرع المصنف رحمه الله في بيان جملة من المسائل والأحكام التي تتعلق بمحل الإجارة، فبيَّن أن مما يمتنع ولا يصح أن يؤجر عليه: أعمال القربة التي يختص فاعلها بالتعبد، وتوضيح ذلك: أن العبادات منها ما هو فرض عين على المكلف، قصد الشرع أن يقوم المكلف بفعله بنفسه، فهذا النوع من العبادات لا يستقيم أن يقيم غيره مقامه، وبعبارة أخرى كما يقول العلماء رحمهم الله: إن هذا النوع من العبادة لا تدخله النيابة من حيث الأصل، فيشمل ذلك الصلاة، فلا يجوز أن يصلي شخص مكان آخر، ولا أن يقوم بفعلها نيابة عن قريب أو غريب.
فهذا النوع من العبادات والتي يسميها العلماء بفرائض العين، وفرض العين هو الذي قصد الشرع أن يقوم المكلف به بعينه، فحينئذٍ لو دخل بديل عن هذا المكلف فإن مقصود الشرع لا يتحقق، فلو قال رجل لآخر: صل عني الصلوات الخمس أو بعضها وأعطيك عن كل صلاة كذا وكذا؛ لم يصح.
فإذاً: لا يصح أن يستأجره للقيام بفريضة العين؛ لأن الشرع قصد أن يقوم بها المكلف بنفسه عيناً، فلا يستقيم أن يقوم غيره مقامه، لا على سيبل التبرع ولا على سبيل العوض، هذا بالنسبة لفرائض الأعيان.
وهناك قربات أخر دل الشرع على جواز النيابة فيها، وبالإمكان أن يقوم شخص مقام آخر في القيام بهذه العبادات، أو تكون الطاعة نفسها مما يتقرب به إلى الله عز وجل، ويكون قربة للشخص نفسه، فمثلاً: الأذان، وتعليم القرآن، والإمامة في الصلوات، والتعليم والتدريب والفتوى.
ونحو ذلك من الأمور المتعلقة بالطاعات والعبادات في تعليمها والقيام بها، فلو أن شخصاً أراد أن يستأجر شخصاً للأذان، أو أراد أن يستأجره للقيام بالفتوى أو الإمامة أو التدريس ونحو ذلك، فهل تجوز الإجارة على هذا النحو من القربات؟ للسلف رحمهم الله في هذه المسألة ثلاثة أقوال، وهي المسألة التي ذكرها المصنف رحمه الله وصدر بها هذه الجملة: القول الأول: لا يستأجر على هذه الطاعات والقربات، فلا يجوز أن تدفع المال من أجل أن يؤذن، ولا يجوز أن تدفع المال من أجل أن يعلم القرآن، ولا يجوز أن تدفع المال إليه من أجل التعليم والإمامة ونحو ذلك من القربات التي ذكرنا، وهذا القول قال به طائفة من السلف رحمة الله عليهم، وقال به أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي وكذلك قال به ابن المنذر، وقال به إسحاق بن راهويه، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وهو مذهب الحنفية، أي: أنه لا يجوز أن يستأجر الغير للقيام بالطاعات التي ذكرناها، لا أذاناً ولا صلاة ولا إمامة ولا تدريساً ولا نحو ذلك من الطاعات والقربات.
بناءً على هذا القول: لو انعقدت الإجارة بين الطرفين على فعل هذه الأمور فإنه لا يستحق الأجير شيئاً، ولا تكون الإجارة شرعية.
القول الثاني: يجوز أن يستأجر الغير للقيام بهذه الأعمال والطاعات، ولا بأس بذلك، وهذا هو مذهب المالكية والشافعية ورواية عن الإمام أحمد -رحمة الله على الجميع- ولذلك ينسبه بعض أهل العلم إلى الجمهور: أنه يجوز أن تستأجر الشخص للقيام بتعليم القرآن، وتقول له: علم ابني هذا الجزء من القرآن برواية نافع، أو برواية حفص، أو برواية ورش عن نافع، ونحو ذلك من الاتفاق الذي تبينه له، ولا بأس بذلك ولا حرج، ويجوز أن تستأجره للأذان وللإمامة وللتدريس والتعليم ونحو ذلك، وهو مذهب الجمهور كما ذكرنا.
القول الثالث: التفصيل: قال: إن وقع العقد بالشرط فلا يجوز، وإن وقع بدون شرط فهو جائز.
ومرادهم بكونه بشرط أن يقول الشخص: أنا لا أدرس حتى تعطيني المال، أو لا أؤذن حتى تعطيني كذا وكذا، أو لا أؤم الناس حتى تعطيني كذا وكذا.
فهذا النوع يسمى المشارطة، أي: أنه جعل العوض والأجرة شرطاً للقيام بالطاعة، وهذا القول هو رواية عن الإمام أحمد، رحمة الله على الجميع.
تحصل معنا أن في هذه المسألة ثلاثة أقوال: قول بالمنع مطلقاً، وقول بالجواز مطلقاً، وقول بالتفصيل.
حالة التفصيل يجيزون إذا لم يشترط الشخص، ومثال عدم الاشتراط: يأتي الشخص للأذان أو للإمامة، فيعطى الأجرة بدون أن يشترط ذلك، ولو قال له قائل: لا نعطيك الأجرة.
لاستمر في أذانه أو في إمامته، فهو إذاً لا يجعل الأجرة قصداً أو هدفاً من إمامته، بل يكون مستعداً أن يقوم بالفعل والطاعة قربة لله عز وجل، فصار أجر الدنيا تبعاً ولا قصداً، هذا بالنسبة للتفريق بين المشارطة وعدمها.

أدلة من يقول بعدم جواز أخذ أجرة على تعليم القرآن وغيره

استدل الذين قالوا بعدم الجواز بدليل الكتاب والسنة والعقل: أما دليلهم من كتاب الله عز وجل فقالوا: إن القرآن نص على تحريم عقد الأجرة على الوحي، قال تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:109] ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ:47] إلى غير ذلك من الآيات التي نصت على أنه لا أجر ولا حظ لقاء القيام بهذا الوحي، فشمل ذلك القرآن تعليماً وتدريساً وبياناً، وكل ما يتصل بالقرآن من المنافع التي يراد بها التقرب لله سبحانه وتعالى.
ودليل السنة هو: أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه علم رجلاً من أهل الصفة شيئاً من كتاب الله عز وجل فأهدى إليه قوساً، قال: (فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته، فقال: إن أحببت أن يقلدك الله به قوساً من نار فتقلده) ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم رتب الوعيد على أخذ الأجرة من الطاعة والقربة المتمثلة بتعليم القرآن، فدل على أنه لا يجوز أن يأخذ الشخص أجرة على تعليمهم القرآن، ويتبع ذلك تعليمهم العلم عموماً.
أما الدليل الثالث: فقالوا: حديث أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه، وفيه: (أنه أهدى إليه رجل علمه شيئاً من كتاب الله فأهدى إليه خميصة، فلما أهدى إليه الخميصة قال عليه الصلاة والسلام: لو أنك لبستها لكساك الله بها ثوباً من النار).
وهذان الحديثان في إسنادهما كلام عند أهل العلم رحمة الله عليهم، فهما ضعيفا الإسناد كما سنبينه في الترجيح.
أيضاً هناك دليل فيه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الأكل بالقرآن: (اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به ولا تستكثروا) وفيه كلام أيضاً، وإن كان بعض العلماء قد حسن إسناده، لكن الكلام فيه قوي.
فهذا مجموع دليلهم من الكتاب والسنة، أما دليلهم من العقل فقالوا: لا تجوز الإجارة على هذه القربات -أي: تعليم القرآن والتعليم والإمامة والأذان ونحوها من الطاعات- كما لا تجوز الإجارة على الصلاة والصيام، يقولون: أنتم تتفقون معنا على أنه لا يجوز أن يستأجر شخص شخصاً من أجل أن يصوم عنه، وتتفقون معنا على أنه لا يجوز أن يستأجر شخص شخصاً من أجل أن يصلي عنه، وإذا كنا متفقين على أنه لا يجوز أن يستأجر شخص آخر للصلاة ولا أن يستأجره للصيام، فنقول: تعليم القرآن والأذان وتعليم العلم كالصلاة، أليس المراد بها أن يتحصل صاحبها على الأجر والمثوبة؟ قلنا: بلى.
قالوا: ما دام أنه يريد تحصيل الأجر والمثوبة والكل قربة، وكما حرم أصل الأجرة على هذه القربة يحرم أصل الأجرة على هذه القربة بجامع كون كل منهما طاعة وقربة لله عز وجل.
هذا بالنسبة للدليل العام الذي ورد.
أيضاً قالوا: مسألة الأذان لا يجوز أخذ الأجرة عليها لثبوت الحديث الخاص، وهو حديث السنن، عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه وأرضاه، وكان قد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، قال رضي الله عنه: (وكان آخر ما عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) والحديث صحيح، قالوا: فهذا نص، وركبوا منه دليل العقل فقالوا: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نص على عدم أخذ الأجرة على الأذان وهو من القربة والطاعة، كذلك لا يجوز أخذ الأجرة على التعليم، ولا يجوز أخذ الأجرة على الفتوى، ولا غير ذلك من الأمور التي يقصد بها القربة والطاعة.
هذه هي محصل أدلة أصحاب القول الأول من النقل والعقل.

أدلة من يقول بجواز أخذ أجرة على تعليم العلم والقرآن

أما دليل من قال بالجواز، فقد استدلوا بأدلة ثابتة في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدلة من القياس والنظر.
أما دليلهم من السنة الصحيحة فقالوا: عندنا عدة أحاديث وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، كلها تدل على أنه يجوز أن يأخذ المسلم أجرة على القيام بهذه الطاعات والقرب: الدليل الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه -وهو ثابت في الصحيحين- في قصة المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فصعد فيها النظر وصوبه عليه الصلاة والسلام، وقال له رجل: يا رسول الله! إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها.
فقال له: (هل معك شيء تصدقها إياه؟ إلى أن قال: زوجتكها، وفي رواية: أنكحتكها، وفي رواية أخرى: ملكتكها بما معك من القرآن) فالرجل يحفظ عدة سور، فزوجه النبي صلى الله عليه وسلم من هذه المرأة على أن يعلمها هذه السور، حيث قال: (أنكحتكها بما معك من القرآن).
فإذا تأملت هذا الحديث وجدت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل تعليم القرآن عوضاً وصداقاً لنكاح المرأة، فدل ذلك على جواز أن يكون التعليم عوضاً عن شيء دنيوي، وأنه لا بأس أن يأخذ عليه أجراً من الدنيا ما دام أن نيته الأصلية هي ابتغاء الله عز وجل، فقالوا: فلا يضر، لأنه ينوي الطاعة والقربة بتعليمهم القرآن، ولكن كونه يأخذ شيئاً من الدنيا فذلك من تيسير الله عز وجل له حتى يستعين به على المئونة، ويستعين به على طلب العلم، ويستعين به على الخير.
إذاً: حديث أبي هريرة دل على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن.
طبعاً هم يقولون: أليس المرأة إذا أراد الرجل أن يتزوجها يدفع المال من الذهب والفضة؟ قلنا: بلى، يدفع المال من الذهب والفضة.
قالوا: فإذا كان يدفع المال من الذهب والفضة فإن النبي صلى الله عليه وسلم نزل تعليم القرآن عوضاً عن مهر المرأة، فدل على أنه يجوز أن يكون تعليم القرآن معاوضاً عليه، يعني: لقاء عوض وبدل.
أما الدليل الثاني: فقالوا: حديث أبي سعيد في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنهم نزلوا بحي من أحياء العرب، وفيه رجل به ألم، فقيل لهم: إنكم أتيتم من عند هذا الرجل فهل عندكم من راق؟ فأتي بالرجل، قال: فكنت أقرأ عليه بفاتحة القرآن، فأجمع رقيقي ثم أتفل عليه (ثلاثة أيام) فكأنما نشط من عقال)، أي: فشفاه الله عز وجل بما جعل الله في هذا القرآن من البركة، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
لا مدة محددة بين عمرتينالسؤالالجوابعدم اليأس في النصيحةالسؤالالجوابباب الإجارة [5]حكم تأجير عين لا يقدر على تسليمهااشتمال العين المؤجرة على المنفعةمسائل متعلقة بتأجير الأرض للزراعةمن أقسام الأراضي الزراعيةاشتراط ملك المؤجر للمنفعة أو الإذن له فيهاحكم من استأجر عيناً ثم أجرها لغيرهحكم إجارة الوقفحكم تأجير إمام المسجد لشقته التي خصه الواقف بهاحكم عقد إجارة الوقف بعد موت المؤجرالأسئلةحكم تأجير العين المؤجرة بمبلغ يزيد على ما استأجر بهالسؤالالجوابحكم تأجير الفضوليالسؤالالجوابحكم الاشتراط على المستأجر إبقاء ما يحدثه في العين المؤجرةالسؤالالجوابإصلاح المستأجر للضرر الذي أحدثه في العين المؤجرةالسؤالالجوابحكم الاشتراط على المستأجر نسبة عند تأجيره للغيرالسؤالالجوابالخيارات التي تثبت في الإجارةالسؤالالجوابباب الإجارة [6]تحديد زمن الاستئجار بداية ونهايةتحديد الزمن في استئجار غرف الفنادقالجوابالعبرة بالشهر القمري عند الإطلاقالجواباختلاف العلماء في الإجارة بالمدة الطويلةالسؤالأدلة جواز الإجارة بالمدة الطويلةالبناء على غالب الظن في بقاء العين أو عدمهاالعبرة بالشهر القمري عند الإطلاقالجواباختلاف العلماء في الإجارة بالمدة الطويلةالسؤالشروط استئجار الدواب لركوب أو عملشروط استئجار الأشخاصاستئجار الطبيب للفحص أو العلاجالأسئلةحكم تأجير المستأجر للعين المؤجرة قبل دفعه إيجارهاالسؤالالجوابفسخ الإجارةالسؤالالجوابحكم تبييت نية الصوم في كل ليلةالسؤالالجوابحكم من رأت دم الحيض بعد صلاة المغربالسؤالالجوابباب الإجارة [7]حكم أخذ الأجرة على الأذان أو تعليم القرآنٍ ونحوهماأدلة من يقول بعدم جواز أخذ أجرة على تعليم القرآن وغيرهأدلة من يقول بجواز أخذ أجرة على تعليم العلم والقرآن
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل