شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 15-19
أهل الأثرالأرشيف العلمي

متابعة المسبوق للإمام في سجدتي السهو

السؤال

ما الحكم إذا أدرك المأموم بعض الركعات فلما كبر الإمام للسهو أخطأ في فهم التكبير فقام ليتم صلاته؟

الجواب

إذا صلى المأموم وراء الإمام وأخطأ في فهم تكبير الإمام، فكبر الإمام لسجود السهو فظن أنه قد سلم فوقف، فالواجب عليه أن يرجع من وقوفه إلى السجود؛ لأن هذا الوقوف واقعٌ في غير موقعه؛ لأن الشرع لا يطالبه بالقيام إلا بعد سلام الإمام، وقد قام قبل سلام الإمام، فيجب عليه الرجوع؛ لأن القيام هذا غير مشروع وغير مأذون به شرعاً، فيلزم بالرجوع، ويتابع الإمام في سجدتي السهو، فإن ترك سجدتي السهو عمداً بعد علمه بأنه أخطأ في قيامه وتعمد ذلك فبعض العلماء يقول: إن كون سجدتي السهو واجباً من واجبات الصلاة يوجب بطلان صلاته؛ لأنه ترك الواجب وراء الإمام، أو أن انفراده في صلاته عمداً يوجب بطلان صلاته، فعلى هذا: إذا لم يرجع فإنه تكون صلاته باطلة.
وأما لو سها فقام ووقف واستمر يقرأ ساهياً عن سجود الإمام، كما لو كان خارج المسجد وظن أن الإمام يكبر على جنازة أو يكبر لسجود سهو بعدي، وأتم صلاته على هذا الوجه، فللعلماء وجهان: منهم من يقول: يقضي سجود السهو بعد المفارقة، ومنهم من يقول: لا يشرع قضاؤه وقد فات بفوات المتابعة، وإن قضاه فإنه أحوط وأقوى والله تعالى أعلم.

توضيح حديث الذي دخل الجنة في شوك أزاحه عن طريق المسلمين

السؤال

حديث (إن الله يرحم من عباده الرحماء) هل يدل على أن من رحم الناس فقد استوجب رحمة الله ودخول الجنة كما في حديث الذي أزال الشوك من طريق المسلمين لا يؤذيهم فدخل الجنة؟ رحمة الله واسعة، وفضل الله عظيم، ومن ظن بالله خيراً فإن الله عز وجل يعطيه ما ظن به كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى يقول: أنا عند حسن ظن عبدي بي، فمن ظن بي خيراً كان له)، وعلى هذا فحسن الظن بالله سببٌ في رحمة الرب لعبده وإحسانه إليه في الدنيا والآخرة؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال:70]، أما من حيث الاجتهاد وكون بعض الأعمال الصالحة توجب العظيم من رحمة الله فأولاً: الله يحكم ولا يعقب حكمه، الله يفعل ولا يسأل عما يفعل، ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:41]، ولا يسأل عما يفعل ونحن المسئولون والمحاسبون، الله جل جلاله وتقدست أسماؤه يفعل ما يريد: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج:14]، فالواجب على المسلم دائماً أن لا يسأل عما يكون منه سبحانه وتعالى، لكن أجاب بعض العلماء في قضية غصن الشوك، أن النبي صلى الله عليه وسلم: (ذكر عن الرجل أنه مرّ على غصن الشوك، فقال: والله لأنحين هذا عن طريق المسلمين لا يؤذيهم)، في الحديث أمر ينبغي أن ينتبه له -وبعض النصوص قد يقرؤها بعض طلاب العلم، أو يقرؤها من ليس عنده إلمامٌ بأصول الشريعة فيفهمها على ظاهرها، والواقع أنه ينبغي رد هذه النصوص إلى العلماء، وأن لا نجتهد في تفسيرها إلا بالرجوع إلى الأئمة الذين أعطوا أهلية النظر في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وصف الله أمثال هؤلاء بالرسوخ، فأخبر أن من هناك من رسخ في العلم- فالحديث فيه: (والله لأنحين هذا عن طريق المسلمين لا يؤذيهم)، قال بعض العلماء: معناه: أن قلبه غيب الخير لعموم المسلمين، يعني: هناك أمر عقدي يرجع إلى القلب، وهناك أمر ظاهر وهو زحزحة الغصن من الطريق، فالذي زحزح الغصن لم يزحزحه خوفاً على رجل أو على رجلين، ولكن خوفاً على المسلمين، فأعطي أجراً عظيماً بالنية؛ لأن عنده الشعور بحب الخير للمسلمين، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الرجل لو بات وليس في قلبه غلٌ على مسلم دخل الجنة)، فكيف بمن قد انطوى قلبه وسريرته على دفع الضرر عن المسلمين؟! فهذا الشعور الإيماني نابع عن حب الخير للمسلمين، ولذلك كان العلماء يوصون بكثرة الدعاء للمسلمين، والترحم على أمواتهم، وحسن النية لعباد الله المسلمين، والشعور بأخوة الإسلام والترابط الذي أمرنا الله عز وجل أن نكون عليه بالألفة والمحبة والتناصر والتآزر، هذا هو الذي ترفع به الدرجات، وتعظم به الأجور، وتضاعف به الحسنات، فهذا الشعور الذي دعا العامل لهذا العمل اليسير جعله عظيما، وهذا معنى قول بعض السلف: (كم من عملٍ يسير عظمته النية) وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً كان يقرض الناس، فقال لأعوانه: إذا رأيتم معسراً فتجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله، فقال الله عز وجل: نحن أحق وأولى بالعفو منه، تجاوزوا عن عبدي)، قالوا: لأنه من الممكن أن الشخص يسامح المديون من باب الشفقة والرحمة فهذا له منزلة، وممكن أن يسامح المديون من باب الشكر للنعمة؛ لأنه حينما أحس أن الله أغناه وأفقر غيره ونظر إلى نعمة الله عليه تذكر أيضاً قدرة الله عليه مع الغنى، فأصبح كأنه ليس بيده شيء فقال: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فأصبحت نيته صالحة موجبة لهذه العاقبة الحميدة، ولذلك ينبغي أن ينظر إلى النص بجميعه بما فيه من نية الباطن ودلالة الظاهر، وأما الفعل المجرد فإن الأفعال قد يفضل الله بعضها على بعض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:68]، فأفضل الأعمال وأحبها إلى الله أعمال القلوب التي تتصل بالعقيدة من التوحيد والإيمان ولوازم هذا الإيمان، فإن أعمال الجوارح لا تبلغ ما تبلغه هذه الأعمال كحب الله سبحانه، والإخلاص لله بالعبادة، وإفراده بالعبادة، وصدق اللجوء إليه بالرغبة والرهبة والخشية والخوف، فالإنسان إذا كان كثير الخوف من الله عز وجل والخشية له ربما أنه تمر عليه لحظة وهو يستشعر عظمة الله عليه فتفيض عيناه من الدمع، فيغفر الله بهذه الدمعة ذنوبه كلها، فالإنسان إذا أعانه الله سبحانه وتعالى ينبغي أن ينظر إلى فضائل الأعمال، وأن يختار منها أجمعها وأعظمها على الخير، وأما الرحمة التي سألت عنها (فإن الله يرحم من عباده الرحماء) رحمةُ الله ليس لها منتهى، ومن رحمته سبحانه: إذا أراد المسلم أن ينظر إلى عظيم رحمته فلينظر إلى ما في هذا الكون من رحمة الخلق بعضهم ببعض، فهو جزءٌ من مائة جزء من رحمة الله عز وجل، فإن الله عز وجل قسم الرحمة إلى مائة جزء، وأرسل للعباد جزءاً واحداً، وهذا الجزء هو الذي يراه الإنسان من رحمة الوالدة لولدها، ورحمة الوالد بولده، ورحمة الناس بعضهم ببعض، فإذا كان يوم القيامة جمع ذلك الجزء إلى ما عنده فرحم به خلقه سبحانه وتعالى، وأعظم ما يرحم الله به عبده العفو والمغفرة، فإنه من أعظم نعم الله عز وجل على العبد، أن يتلقاه بعفوه ومغفرته، خاصةً إذا تاب العبد إليه وأناب إليه سبحانه: (يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرتها لك ولا أبالي) فالإنسان حينما يتذكر أنه يسيء ويظلم ويخطئ، ومن رحمته سبحانه وتعالى أنه ستر خطيئته وعيبه وفضيحته، وأعطاه الحول والقوة ومكنه، ومع ذلك: لو أذن للأرض أن تخسف به لانخسفت، ولو أذن للسماء لأرسلت قاصفاً من الريح فأهلكه، ولو شاء الله عز وجل أن يمسخه على مكانته فلا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا، لقدر الله على ذلك ولا يعجزه شيء، ولكن من رحمته سبحانه لم يفعل به ذلك كله، ثم إذا تاب وأناب ورجع إلى الله تلقاه الله بعفوه ومغفرته، فما أكرمه وما أحلمه وأرحمه! فيفرح بتوبته، والعبد أفقر ما يكون إليه، وهو سبحانه أغنى ما يكون عنه، سبحانه ما أرحمه، سبحانه ما أرحمه! فنسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرحمنا برحمته الواسعة، اللهم إنا نسألك رحمةً من عندك تهدي بها قلوبنا وتجمع بها شملنا، وتؤلف بها بين أرواحنا، اللهم إنا نسألك رحمةً تهدينا بها فلا نضل أبداً، وتصلح بها أحوالنا فلا تفسد أبدا، وتثبتنا بها على صراطك المستقيم، وسبيلك القويم يا أرحم الراحمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع -

باب الوكالة [7]

المقصود من عقد الوكالة هو الإرفاق، ولهذا كانت يد الوكيل يد أمانة لا يد ضمان، فلا يضمن إلا في حال التفريط أو التعدي، ثم إن وكالته لا تقبل إلا ببينة، وهذا حفاظاً على الحقوق من الضياع وحتى لا يحصل النزاع بين الناس.

بعض الأحكام المترتبة على الوكالة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:

يد الوكيل يد أمانة لا يد ضمان

فهذا الفصل عقده المصنف رحمه الله لبيان بعض الأحكام والآثار المترتبة على الوكالة، فقد توكل شخصاً لكي يدفع مالاً أو يحفظ طعاماً أو أي شيءٍ آخر يقوم به، ثم يأخذ ذلك الشيء منك ويتلف عنده قبل أن يقوم بأدائه إلى شخصٍ آخر.
فمثلاً: إذا أعطيته مالاً على أن يدفعه إلى زيد، فأخذ المال منك بالليل على أن يدفعه صباحاً، فسرق منه في الليل، أو جاءت آفة سماوية وأتلفت هذا المال، فالسؤال حينئذٍ: هل نقول: إن هذا الوكيل أخذ شيئاً ويجب عليه ضمانه حتى يؤديه؟ أو نقول: إنه رجلٌ متبرع، وصاحب فضلٍ وإحسان: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة:91] وعقد الوكالة لا يستلزم تضمينه فنسقط الضمان عنه؟ أو نفصل ونقول: إذا كان قد فرط وتساهل أو تعدى على المال فإننا نضمنه، وإذا حفظ المال وقام بحقوق رعايته على الوجه المطلوب فإننا لا نضمنه؟ ومن أمثلة ذلك في عصرنا: لو أن رجلاً أعطى لآخر سيارةً يبيعها أو أعطاه سيارةً لكي يوصلها إلى شخصٍ آخر، وقال له: وكلتك أن تأخذ هذه السيارة وتعطيها إلى زيد أو إلى فلان، قال: قبلت: فأخذ مفاتيحها، ثم ركب هذه السيارة وأوصلها إلى منزله، فجاءت آفةٌ فأتلفتها أو أتلفت شيئاً فيها، أو أخذ السيارة وركبها وصار يقضي بها مصالحه إلى أن تعرض لحادثٍ أتلف السيارة أو أتلف جزءاً منها، أو أخذ السيارة من عندك وفي طريقه إلى بيته أصابها ضررٌ وعطل، ففي جميع هذه الصور كلها تسأل الناس: ما حكم هذا الوكيل؟ هل يجب عليه ضمان هذه الأعيان أو لا يجب عليه؟ هذا هو الذي يبحثه العلماء تحت مسألة: يد الوكيل هل هي يد أمانة أو يد ضمان؟ فعند العلماء: يدٌ تسمى يد الأمانة، ويدٌ تسمى يد الضمان، فإذا قلت: اليد يد أمانة، فإما أن يحصل منها تعدٍ أو يحصل منها تفريط، فإذا حصل منها التعدي أو حصل التفريط تقول: يجب عليها أن تضمن السلعة وأن تضمن المتاع والطعام والسيارة والأرض، ويجب عليها أن ترد ما أخذته على الوجه المطلوب، وإذا قلت: إن اليد يد ضمان فإنه يضمن سواءً فرط وتعدى أو لم يفرط.
وعلى هذا يرد السؤال في الوكيل: هل يده يد أمانة، أو يد ضمانة؟ قال بعض العلماء: يد الوكيل يد أمانة إلا إذا تعدت أو فرطت، وبناءً على هذا: فإننا لا نضمن الوكيل إلا في حالة التعدي أو في حالة التفريط، فعند أصحاب هذا القول: اليد يد أمانة من الوكيل مطلقاً، سواءً كانت الوكالة بعوض أو بدون عوض، والوكالة بعوض سبق وأن ذكرناها، مثل أن تقول لشخص: خذ سيارتي وأعطها فلاناً، أو وكلتك سيارتي هذه أن تبيعها بعشرة آلاف ولك ألف أو مائة أو خمسمائة، فهذه وكالة بجعل، وحينئذٍ يكون الوكيل وكيلاً في مقابل مالٍ أو منفعةٍ يأخذها.
فبعض العلماء يقول: الوكيل أمين مطلقاً، سواءً كانت الوكالة بعوض أو بدون عوض.
وبعض العلماء يقول: الوكيل يعتبر أميناً إلا إذا كانت الوكالة بجعل، فإذا كان يأخذ أجرة على وكالته كالمحامي أو نحو ذلك فهذا يده يد ضمان وليست بيد أمانة، فيد الضمان توجب أن يضمن الشيء، بغض النظر عن كونه فرط أو لم يفرط، فالشيء الذي يأخذه يرده حتى ولو غصبه الغاصب، كما لو ذهب بالسيارة ونزلت عليها آفة سماوية أو اجترفها السيل أو نهر بدون تعد وبدون تفريط منه نضمنه؛ لأنه حينما اعتدى وأخذها تحمل المسئولية، فيصبح ملزماً بردها بعينها، فإن تعذر العين وجب عليه رد المثل، وإن تعذر عليه رد المثل وجب عليه رد القيمة، فإذاً: يد الوكيل عند المصنف رحمه الله وطائفة من العلماء -وهو الصحيح- يد أمانة، لكن يضمن الوكيل إذا تعدى أو فرط.
فقال رحمه الله: [والوكيل أمين]، هذه الجملة تستلزم على الوكيل أموراً وعلى الموكل أيضاً أموراً، أما بالنسبة للأمور التي تتعلق بالوكيل إذا قلنا: إن الوكيل أمين: فالواجب عليه أن يحفظ الأمانة، ونحكم بكونه أميناً متى ما أدى وكالته على الصفة التي اتفق عليها، فإذا قيل له: خذ هذا المال وأده إلى فلان في العصر أو الظهر؛ فإنه أمين متى ما أخذه وحفظه بحفظه وحرزه، وأداه في الوقت المطلوب، فإن خرج عن هذه الحدود بتفريط أو بتعدٍ خرج عن الأمانة، ويعتبر في هذه الحالة متحملاً للمسئولية كما سنبين -إن شاء الله- مثال التعدي ومثال التفريط.
قال رحمه الله: (الوكيل أمين) بناءً على مسألة: (إن الوكيل أمين)، فإن الوكيل ينزل منزلة الموكل، والسبب أننا جعلنا الوكيل أميناً: أن الشخص إذا قال لآخر: خذ هذه السيارة أو خذ هذا الطعام وبعه أو أعطه لفلان فقد نزل الشخص منزلته وحينئذٍ إذا نزله منزلته، فإن الإنسان لا يضمن نفسه؛ لأنه من الناحية الفقهية أصبح الوكيل منزلاً منزلة الأصيل فلا يضمن، فلو أعطاه السيارة وقال له: اذهب بها إلى المعرض وبعها بعشرة آلاف، فكأنه نزل هذا الوكيل منزلة نفسه في بيع هذه السيارة بعشرة آلاف، فلو حصل تلف بآفة سماوية ليس في مقدور الوكيل أن يحفظ السيارة عنها، نقول: لا يضمن الوكيل؛ لأن الوكيل كالأصيل وكأنهما كالشيء الواحد، والإنسان لا يضمن نفسه، لكن حينما يتعدى الوكيل على السيارة فيأخذ فيها أولاده ويذهب يقضي بها حوائجه، أو يأخذ السيارة ويستخدمها استخداماً سيئاً، فالسيارة -مثلاً-: تحمل بطاقة معينة وحدود معينة، فحملها فوق طاقتها فتعدى، أو -مثلاً- أخذ السيارة وأوقفها في مكان معرض للحوادث فقد فرط، ففي هذه الحالة تقول: خرج الوكيل عن الأمانة وعن المعروف، فيتحمل المسئولية؛ لأنك حينما وكلته وكلتَه أن يقوم بهذا الأمر على المعروف، فإذا خرج عن المعروف فهو غير أمينٍ في خروجه عن المعروف المألوف، وعلى هذا قالوا: الوكيل أمين؛ لأنه مع موكله كالشيء الواحد، وضامنٌ إن خرج عن حدود الوكالة والمعروف.

الحالة التي يضمن فيها الوكيل ما تلف بيده

قال رحمه الله: [لا يضمنُ ما تلف بيده بلا تفريط].
قوله: (لا يضمن) حينما قال: (الوكيل أمين) فتفسرها وتقول: الوكيل يده يد أمانة، لا يضمن ما بيده إلا إذا فرط أي: فينتقل من يد الأمانة إلى يد الضمان إذا فرط، وقلنا: الفرق بين يد الأمانة ويد الضمان يحدث في حالة حدوث شيء سماوي، أي: آفة سماوية مثل المطر، والسيل الجارف، والصواعق، فمثل هذه الكوارث إذا نزلت فليس في مقدور المكلف أن يدفعها، فإن قلت: اليد يد أمانة فلا تضمن في هذا الشيء، وإن قلت: اليد يد ضمان يضمن، فمثلاً: لو قال له: وكلتك أن تقوم على مزرعتي أو تقوم على هذا الحد فتحصده ثم تبيعه، فجاء إعصار فأحرق الحبوب، فيده يد أمانة لا يضمن شيئاً، إذ هذا قدرٌ من الله سبحانه وتعالى، وحينئذٍ لا يضمن؛ لأنه منزل منزلة من وكله، لكن لو كانت الحبوب قد آن حصدها فتأخر في حصادها أسبوعين، كان المفروض أن تُحصد وتوضع داخل المخازن وتحفظ، فجاءت الريح أو جاءت الآفة خلال الأسبوع أو الأسبوعين الذين تأخر فيهما؛ فحينئذٍ نقول: قد فرط بمجرد زيادته عن المدة المعروفة والحد المعروف فدخل في الضمان، وخرجت يده من يد الأمانة إلى يد الضمان، وعلى هذا نقول: إنه يضمن بهذا التفريط، فقرر رحمه الله: أن الوكيل أمين، ولا يضمن ما بيده إلا إذا فرط، والتفريط في الشيء هو: التساهل، والله عز وجل جعل الأشياء حقوقاً وجعل لها أقداراً، وإذا وضع المكلف الأشياء في حدودها وفي أقدارها دون أن يجاوز تلك الحدود ودون أن يقصر فإنه قد أولاها ما تستحقه، فإن قصر بها وأنزلها عن حقها فقد ضيع هذه الحقوق مثل ما ذكرنا: إذا أعطاه -مثلاً- طعاماً وقال له: أنت وكيلي، مثل العامل في المزرعة تقول له: وكلتك أن تأخذ هذا التمر وتبيعه في السوق، وهذا التمر من العادة يحفظ في المخازن بطريقة معينة، فهذا العامل إذا أخذ التمر وكان صاحب المزرعة عنده تلك المخازن وأمكنه أن يضعها في المخازن ولم يضعها فقد فرط، ومثلاً: لو أعطاه طعاماً في فصل شتاء ينبغي حفظه وتبريده، فقصر ولم يحفظه ولم يبرده حتى تلف الطعام فإنه قد فرط، ويلزم بعاقبة تفريطه.
أيضاً مثلاً: لو أعطاه سيارةً وقال له: هذه السيارة تأخذها وتبيعها، فأخذ السيارة وكان المفروض أن يدخلها أو يوقفها أمام بيته، فأخذها وأوقفها في مكان عُرضة للسرقة، فسرق من السيارة شيءٌ أو حتى سرقت السيارة كلها فإنه قد فرط، وهذه الأحوال كلها فيها تفريط.
وفي الشريعة أصل وقاعدة: أن المفرط يلزم بعاقبة تفريطه؛ لأن تساهله في الأمور وتعاطيها على غير الوجه المعروف يعتبر إخلالاً بالأمانة وإضاعةً للمسئولية، وكأنه قد تقحم ذلك الضرر على بصيرةٍ وبينة، ومن تقحم الضرر على بصيرة وبينة فقد رضي بكل ما ينجم عنه من ضرر، فيتحمل المسئولية، قال رحمه الله: (لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط).
المفروض أن يضاف إليها: (وتعدى)، يعني: إما أن يفرط وإما أن يتعدى، والتعدي: هو أشبه بالجناية على الشيء، أو مجاوزة الحدود التي ينبغي أن يتقيد بها الوكيل، فالآن -مثلاً- حينما يقول له: خذ السيارة وبعها غداً في المعرض، فأخذ السيارة وأخرها يومين فإنه في هذه الحالة قد تعدى بتأخيره عن الوقت المعتبر.
كذلك من التعدي أن يقول له: خذ السيارة وأوقفها في المعرض، فأخذها وقضى بها حوائجه فقد تعدى باستعمالها لحوائجه الخاصة.
فنحن الآن نمثل بأمثلة واقعية؛ لأننا وجدنا أن الأمثلة القديمة بمعزِل عن حياتنا، ولربما لا يستطيع السائل أن يفهم ما يلزمه في المسألة، فالآن -مثلاً- بعض العمال الشركة توكله بقيادة سيارة معينة لحمل المتاع بين بلدة وأخرى، وهذه السيارة طاقتها حمل ألف كيلو، فالعرف يقتضي أن يكون تحميله لها في حدود طن مثلاً، فحملها زيادةً على الطن، هذا تعدٍ.
لو كانت السيارة بطبيعتها، وقلت له: خذ السيارة واذهب بها إلى المدينة، وهذا مما جرى به العرف، ويعرف الإنسان: أن السيارة في منتصف الطريق إذا كان طويلاً، ينبغي أن يرفق بها، وأن يريحها، وإذا به قد سار بها مرةً واحدة حتى تلفت السيارة، كل هذه الصور وأمثالها تعتبر تعديات، كذلك البيت حينما تقول له: اسكن هذا البيت أو وكلتك هذا البيت أن تحفظ فيه المتاع أو هذا المخزن تضع فيه المتاع، والمخزن لو فرضنا أنه مكون من دورين، والدور الثاني يتحمل في حدود ألف كيلو الذي هو طن، فحمله ألفاً وزيادة، فهذا تعد، كل هذه الصور وأمثلتها سواءً كانت في السيارات أو العقارات أو المنقولات الأخر فإنها تعتبر من التعدي.
كذلك أيضاً: التفريط، كأن يكون الواجب على الإنسان أن يحفظ الشيء في حد، فينزله عن ذلك الحد، فمثلاً: لو قلت له: خذ هذا الكتاب واحفظه عندك وأعطني إياه غداً، أو وكلتك في حفظ هذه النقود على أن تأتيني بها غداً، فأخذ الكتاب ووضعه في غرفة فيها أطفال، فقام الأطفال بتمزيق الكتاب، فإن وضع الكتاب أمام الأطفال يعتبر تفريطاً؛ ولذلك قال العلماء: إن من وضع السلاح كالسكاكين ونحوها والآلات الحادة أمام أطفال فقتل الطفل نفسه، فإنه في هذه الحالة يعتبر مسئولاً عن هذا؛ لأنها سببية، وتعتبر هذه الصور من الصور السببية في القتل، وسيأتي -إن شاء الله بيانها- في باب الجنايات.
ومن التفريط أيضاً: أن تأتي المرأة وتضع طفلها، فتقول لجارتها: خذي هذا الطفل واحفظيه أو أرضعيه، وغداً أحضريه لي، فأخذت طفلها وتركته في مكان فيه خزان أو فيه حُفرة دون أن تستر، هذا تفريط؛ لأن الواجب أن تضع الطفل في مكانٍ يؤمن فيه الضرر، أو وضعته في جوار نار فاحترق، وهو طفل جاهل لا يستطيع أن يعرف مصالحه، هذه كلها صور عند العلماء من صور التفريط التي توجب الضمان، وتوجب تحمل المسئولية سواءً كان ذلك في الجنايات أو في الأعيان أو نحو ذلك من المسائل.
فقرر رحمه الله أن الوكيل لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط.
يقول بعض العلماء: ومن التعدي: التأخر في الأزمنة -كما ذكرنا- كأن يقول له: أحضر لي المال غداً، فيتأخر إلى بعد الغد، ففي الغد يكون أميناً، وبعد الغد صار ضامناً، فلو أن المال سرق في الغد يعني: قبل انتهاء الغد فإنه لا يضمن، ولو سرق بعد ذلك فإنه يضمن.

أحوال اختلاف الموكل والوكيل في تلف ما وُكِّل فيه

قال رحمه الله تعالى: [ويقبل قوله في نفيه والهلاك مع يمينه].
ذكرنا أنه يضمن إذا تعدى وإذا فرط، لكن المشكلة: لو أن الوكيل والموكّل اختصما، مثلاً: السيارة تلفت، فقال صاحب السيارة: إن الوكيل فرط أو تعدى، وقال الوكيل: لم أفرط ولم أتعدَّ، فهل القاضي يقضي بأن الوكيل ضامن بناءً على قول موكله أم أنه غير ضامن بناءً على ما يدعيه من أنه لم يفرط، ولم يتعد؟ هذه المسألة تأتي على صور، فمثلاً: فرضنا أنك أعطيت سيارةً لرجل وأخذ هذه السيارة وتلفت في يده، وحينما تلفت السيارة قلت على حسب خبرتك ونظرك: السيارة لا تتلف هكذا، قال: بل إنها تلفت بآفةٍ سماوية قلت: لا، أو تلفت قدراً مثل أن تتعطل السيارة وقلت له: أبداً، أنت استعملت السيارة، ونظراً لأن استعمالك كان مخلاً تلفت، فأصبح قولك أنه ضامن وقوله: أنه أمين، فهل نصدقك أو نصدقه؟ هذا فيه تفصيل: من حيث الأصل حتى تتضح هذه الصورة يذكر العلماء رحمهم الله أن الوكيل إذا تلفت السلعة بيده، وادعى أنه لم يفرط ولم يتعد فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يقيم الشهود والدليل على أنه لم يتعد ولم يفرط، مثاله: لو أنك أعطيته سيارة وأخذ السيارة وأوقفها أمام منزله أو ذهب بها إلى المعرض مباشرةً، ثم جاءك صاحب المعرض من الغد وقال: السيارة التي أرسلتها معطلة، فاحضرت الوكيل وقلت له: يا فلان! السيارة معطلة، ما الذي عطل السيارة؟ قال لك: لا أعرف، السيارة أخذتها من عندك وأوقفتها في المعرض، قل له: أعطني شهوداً، قال: كان معي فلانٌ وفلان، وإذا باثنين كانا معه فقالوا: نعم، ساق السيارة سياقةً لا ضرر فيها، وأيضاً: حفظ السيارة إلى أن أوصلها للمعرض، فلم يتعد ولم يفرط، فحينئذٍ يصدق الوكيل ويده يد أمانة والضمان على صاحب السيارة.
إذاً: إذا قامت البينة التي تشهد بصدق الوكيل فلا إشكال.
الحالة الثانية: العكس، لو أن الوكيل قلت له: اذهب بالسيارة إلى المعرض قال: سمعاً وطاعة، فأخذ السيارة وذهب بها إلى منزله وأوقفها عند المنزل، وحصل الضرر في إيقافها عند المنزل، ثم من الغد ذهب بها إلى المعرض وهي مستضرة أو تالفة وأوقفها في المعرض، فجاء الشهود وأخبروك أنه فعل كذا وكذا، وتعدى بالسيارة؛ لأنه كان من المفروض أن يخرج من عندك إلى المعرض، فأخرجها إلى بيته فتعدى، وكان المفروض أن يوقفها في مكان أمين فأوقفها في مكان غير صالح، فاستضرت ففرط، فشهد الشهود من جيرانه أو شهد الشهود الذين رأوه أنه ذهب بها إلى منزله، وشهد رجلٌ أنه رآه أو شهد شهود أنهم رأوه في الموضع الفلاني في الليل مثلاً، فثبت عندك أنه قد تعدى أو فرط، فإذا قال: إنني لم أتعد ولم أفرط فهو كاذب، فتقيم الشهود عليه، ويجب الضمان في هذه الحالة، فالقاضي إذا قال له: هل تعديت؟ هل فرطت؟ قال: ما تعديت ولا فرطت، فأقام الموكل شهوده على أنه تعدى وفرط، فإنه يلزم بذلك ويجب عليه ضمان ما تلف من السيارة.
إذاً: عندنا صورتان في البينة: بينة تشهد بصدق الوكيل أنه لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان عليه، وبينةٌ تشهد بصدق الموكل أن الوكيل تعدى أو فرط فحينئذٍ يجب الضمان.
وإذا لم توجد بينة وليس هناك دليل في حكم البينة فيضمن الوكيل إذا أقر على نفسه أنه تعدى أو فرط، يسأله الموكل: هل تعديت في السيارة؟ قال: نعم حملتها فوق طاقتها، أخذت السيارة إلى خارج المدينة في زمان الحر أو في الظهر فاستضرت، أو نحو ذلك من التعديات، فحينئذٍ يحكم بكونه ضامناً، إذاً: إذا قامت البينة أو الاعتراف فإنه يضمن، والإقرار من البينات ويعتبر دليلاً؛ لكن ذكرناه كصورة.
الحالة الثانية: أن لا توجد بينة، امرأة قالت لرجل: خذ هذا الذهب وبعه لي بعشرة آلاف أو بعه بسعر السوق، فأخذ الذهب في الليل على أن يغدو من الصباح ويبيعه، فسرق هذا الذهب من منزله، لما سرق قالت له المرأة أو قال له موكله: هات الذهب الذي أخذته، قال: سرق مني، نقول: هل حفظته في مكان أمين؟ قال: نعم، وضعته في خزنتي أو في مكانٍ أمين، وجاء السارق وكسر الخزنة قهراً وأنا نائم، فهذا فيه شيء من الغلبة وهو لم يفرط؛ لأنه وضعها في خزنة، فإذا قال هذا، وادعى أنه لم يفرط ولم يتعد، فإن استوفت القرائن أو كنت تثق به وصدقه فلا إشكال، بأن يكون رجلاً أميناً وتعرفه في الأمانة، وأنه يقول الحق ولو كان على نفسه، فقال لك: يا فلان! أخذت الذهب منك ووضعته في صندوقي أو الخزنة وجاء السارق وكسر الخزنة والغرفة مقفلة فكسر بابها، المهم أن الوكيل لم يفرط، فصورة الحال تدل على أنه لم يفرط ولم يتعد، فإن صدقته فلا إشكال، وإن كذبته وقلت له: لا.
ما أصدقك، بل فرطت أو تعديت وأنت ضامنٌ لهذا الذهب والمال، فرّط كأن يكون وضع الذهب في مكان ليس بأمين، أو تعدى على الذهب فسرقه -والعياذ بالله- أو نحو ذلك، فإذا لم تصدقه فإن بعض العلماء يقول: يقبل قول الوكيل مطلقاً، يعني: إذا قلت له: إنه تعدى أو فرط فإنهما إذا اختصما عند القاضي وقال الموكل: إنني أعطيته الذهب لكي يبيعه في السوق ففرط فيه حتى سرق منه، فسأل القاضي الوكيل وقال له: هذا الذهب الذي أخذته من فلان حفظته أو ضيعته أو تعديتَ فيه أو فرطت؟ قال: حفظته حفظاً تاماً، ولم أتعد ولم أفرط، فالسؤال حينئذٍ: هل القاضي يحكم بقول الموكل أو يحكم بقول الوكيل؟ قال العلماء: يطالب القاضي الموكل بالبينة والشهود على أن الوكيل قد فرط أو تعدى، فإن لم يقم البينة وقال: ما عندي شهود يشهدون على أنه تعدى أو فرط نقول: القول قول الوكيل، ولذلك طالبنا الموكل بالبينة؛ لأننا نطالب بالبينة من قوله خلاف الأصل، وبناءً على ذلك: لا نطالب الوكيل بالضمان، والقول قول الوكيل.
فإذا كان القول قول الوكيل وقال الموكل: لا أصدقه، فحينئذٍ نقول للموكل: أحضرْ البينة، فإن عجز عن إحضار البينة قلنا للوكيل: احلف اليمين على أنك لم تتعد ولم تفرط؛ ولذلك يقول العلماء: القول قول الوكيل مع يمينه إن كذبه موكله.
فيقبل الوكيل في نفي التفريط والتعدي، فنحن نحكم بأنه لم يتعد ولم يفرط حتى يقوم الدليل على أنه تعدى أو فرط، وهذا مفرع على قاعدة في باب القضاء وستأتينا: (أن الأصل براءة المتهم حتى يقوم الدليل على إدانته)، وهذا ما يعبر عنه العلماء بالقاعدة المشهورة: (الأصل براءة الذمة حتى يدل الدليل على شغلها)، فأنت إذا وكلت شخصاً ليقوم بأمرٍ، وحكمنا بكون الوكيل أميناً فلا نوجب على الوكيل الضمان، ولا نوجب على الوكيل تحمل المسئولية إلا إذا ثبت أنه فرط أو تعدى، فذمته خالية حتى يدل الدليل على أنها مشغولةٌ بالضمان.
(والهلاك مع يمينه).
يقبل قوله في نفي التعدي والتفريط ونفي الهلاك مع يمينه؛ لأن الأصل -كما ذكرنا- براءة ذمته حتى يدل الدليل على شغلها.

دعوى الوكالة في قبض الحقوق وأحوالها

قال رحمه الله تعالى: [ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو لم يلزمه دفعه إن صدقه ولا اليمين إن كذبه].
هذه المسألة من مسائل الوكالة: لك على رجل عشرة آلاف ريال أخذها منك ديناً، ولنفرض أن اسمه: زيد، فزيدٌ مديون لك بعشرة آلاف، فوجئ زيد برجل اسمه خالد وقف عليه وقال له: أريد العشرة الآلاف التي لعمرو عليك، وكلَني أن آخذها منك، (ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو).
إذا ادعى شخص أنه وكيل لشخص في قبض مال أو قبض أي حق من الحقوق ف

السؤال

هل من حق هذا المديون أن يدفع المال إلى هذا الرجل الذي ادعى أنه وكيل؟ فرغ المصنف من أحكام الوكالة وآثارها، وشرع في مسألة دعوى الوكالة، فإذا ادعى شخصٌ أنه وكيلٌ عن شخص فلا يخلو من حالتين:

دعوى الوكيل الوكالة مع وجود بينة الشهود

الحالة الأولى: أن يقيم الشهود، جاءك رجل وقال لك: العشرة الآلاف التي لزيد عليك وكلني أن أقبضها منك، قلت له: يا أخي! لا أعرفك وأحتاج إلى دليل، أو أثبت لي أن زيداً قد وكلك، فقال: فلانٌ وفلان يشهدان أن زيداً وكلني أن أقبض منك العشرة الآلاف فجيء بالشهود وشهدوا أن زيداً وكله، فالحكم حينئذٍ أنه يجب على المديون أن يدفع المبلغ للوكيل، وقد ثبتت الوكالة، ويحكم بها في مسألتين: في تقاضي الأفراد مع بعضهم، ويحكم بها في مجلس القضاء، فالقاضي إذا ثبت عنده بالشهود أن محمداً وكل زيداً في قبض حقه عند عمرو، فإنه يلزم عمراً بدفع ذلك المال والحق إلى الوكيل.
لكن لو ظهر في المستقبل أن هؤلاء الشهود كذبوا، وأنه غير صادقٍ، واغتر القاضي بظاهرهم وكانوا يعرفون بالعدالة والزهد على الظاهر، ثم تبين أنهم كذبوه، فإذا تبين كذبهم فإنهم يتحملون المسئولية عن الضرر الناتج عن هذه الوكالة المكذوبة.
فعندنا الحالة الأولى: أن يثبت عند القاضي أو يثبت عند المديون أن صاحب الحق قد وكّل، فالحكم أنه يجب دفع المال إلى الوكيل، ويجب العمل بهذه الوكالة؛ لأن صاحب الحق قد رضي بهذا الوكيل وأقامه مقامه، فاستحق أن يطالبه وأن يدفع المال إليه.

دعوى الوكيل الوكالة دون بينة ولا دليل

الحالة الثانية: أن يدعي أن زيداً وكله في قبض حقه منك وليس عنده شهود ولا دليل، فإذا لم يكن عنده شهود ولا دليل فأنت على صور: الصورة الأولى: إما أن تثق في الرجل وتعرف أن الرجل صادق، أو تعرف أن زيداً دائماً يوكله وأنه وكيل عنده، مثلاً: حينما يأتيك العامل الذي يعمل عنده دائماً في محله ويوكله دائماً، وجرت العادة أنه يتولى أموره الخاصة، فعندك غلبة ظن أنه صادق، أو تعرف هذا الرجل الذي جاءك بالأمانة والصدق والعدالة وأنه لا يكذب، هذه صورة.
الصورة الثانية: أن يقوم ذلك الشخص بدعوى الوكالة ولا تعرفه لا بصدقٍ ولا بكذب، فلا إشكال.
الصورة الثالثة: أن يكون ذلك الشخص معروفاً بالكذب عندك.
هذه ثلاث صور: إما أن تثق في الرجل وتعرف صدقه، وإما أن يكون العكس فتعرف الرجل بالكذب والخيانة وأنه دائماً يأكل أموال الناس ويكذب عليهم، وإما أن لا تعرف صدقه ولا كذبه.
فإن عرفته بالصدق فأنت لست بملزم بدفع المال إليه، حتى ولو عرفته بالصدق، ما دام أنه لم يقم بينة على أنه وكله فمن حقك أن تمتنع؛ لأن صاحب الدين ربما أنكر الوكالة في أي يوم من الأيام، فكأنك إذا دفعت المال تخاطر بنفسك، وليس عندك دليل ولا مستند تستند إليه، فليس هناك ما يدل على ثبوت الوكالة شرعاً، والأصل عدم الوكالة حتى يدل الدليل على ثبوتها من كونه صادقاً، هذا أمر يرجع إليك، فإن شئت دفعت إليه، وإن شئت لم تدفع تدفع إليه.
وأما إن ظهر كذبه أو أنت تعلم كذبه، أو لا تعرفه لا بصدق ولا كذب -وهما الصورتان الباقيتان- فلا إشكال أنه لا تدفع المال إليه، ومن حقك الامتناع، ولا يجب على القاضي أن يلزمك بالدفع.
قال رحمه الله: (ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو لم يلزمه دفعه إن صدقه).
(لم يلزمه) يعني: لم يلزم الذي عليه الدين والذي عليه الحق أن يدفعه، أي: لهذا الذي يدعي الوكالة، لم يلزمه يعني: لا يجب عليه، فهو بالخيار إن شاء دفع وإن شاء امتنع.
(لم يلزمه دفعه إن صدقه).
الضمير عائد إلى الحق الذي هو العشرة الآلاف، (لم يلزمه دفعه)، أي: دفع الحق، (إن صدقه)، فمن باب أولى إن كذبه أو لم يصدقه ولم يكذبه، فأصبح عندنا ثلاث صور: لم يلزمه إن صدقه، ومن باب أولى إن كذبه، أو إن شك في صدقه وكذبه.
ومفهوم قوله: (لم يلزمه) يعني: هو بالخيار، ونبني على قوله: (لم يلزمه)، أنه: ليس من حق القاضي أن يلزمه بدفع ذلك المال أو إعطائه الوكيل؛ لأنه سيتحمل المسئولية؛ والسبب في هذا: أنك إن أعطيت رجلاً ديناً عشرة آلاف ريال، فإنه في هذه الحالة يجب عليه أن يضمن، وتعرفون يد المديون يد ضمان، له غُنم المال وعليه غُرمه، فإذا كان ضامناً للمال فإنه في الأصل يبرئ ذمته بإعطاء المال لصاحبه، فإذا كان هناك طرف آخر يدعي أنه وكيل فينبغي أن تكون هناك بينة حتى أدفع المال وأنا مطمئنٌ من وصوله إلى صاحبه، فإذا لم تقم البينة على الوكيل فإنني لا أستطيع أن أتحمل المسئولية فأدفع المال ولو كنت أعرف أنه صادق، لأن معرفتي الشخصية لا تسقط عني الحق؛ لأنه ربما كان صادقاً في حقيقة الأمر فيكذبه صاحب الحق، فأنت تعرض نفسك للخطر.
وافرض أن الشخص صادق وأمين ونزيه، وليس عليه أي غبار، ولكن صاحب الدين رجلٌ مماطل أو كذاب أو متلاعب بحقوق الناس، فيرسل لك أميناً تثق به وتدفع المال إليه على أنه صادق، فإذا أخذ المال والعشرة الآلاف أنكر الوكالة من أصلها وقال: لم أوكله فإذاً لم تسئ لو وثقت به، فإن هذه الثقة لا تستلزم أن تخاطر بالمال ولا تستلزم أن تخاطر بالحق؛ ولذلك قال رحمه الله: (لم يلزمه دفعه إليه، وإن صدقه).
(ولا اليمين إن كذبه).
افرض -مثلاً- لو أنك في مكة، ولك على محمد الذي في المدينة عشرة آلاف ريال، فوجئ محمد الذي في المدينة بخالد يقول له: ادفع لي العشرة الآلاف التي لفلانٍ عليك، قال له: ما أدفع، إما أن تأتي ببينة وأدفع لك وإما لا أدفع لك المال، بل أدفعه إلى صاحبه، فجاء هذا الرجل الذي هو خالد واشتكاه عند القاضي، فلما حضر الطرفان عند القاضي قال القاضي للمديون: تصدق خالداً؟ قال: نعم أصدقه وأعرفه بالصدق، فهل القاضي يلزمه؟ قلنا: لا يلزمه، فيرد

السؤال

الدعوى من خالد أنه وكيل، وأنكره المديون، فهل نقول: البينة على المدعي واليمين على من أنكر؟ هل نطالب المديون أن يحلف اليمين؟ القاضي قال للوكيل: أحضر البينة قال: ما عندي بينة، ولكن أطالب هذا المديون أن يحلف اليمين، فهل من حقي أن أطالبه باليمين؟ قال: ليس من حقه أن يطالبه باليمين؛ لأنه في الأصل ذمته متعلقة بصاحب الدين، وليست ذمته متعلقة بشخص آخر، وليس هناك قضاء بالنكول؛ ولذلك قالوا: إنه لو امتنع عن اليمين لم يكن من حقه أن يلزم بدفع المال؛ لأن النكول هنا -كما سيأتينا في كتاب القضاء- لا يعتبر حجةً بهذه الصورة؛ لأن ذمته مستحقة لصاحب المال الأصلي وليست متعلقة بهذا التوكيل.
وعلى هذا قالوا: لا يلزمه أن يدفعه إليك (ولا اليمين) أي: لا يلزمه اليمين إن كذبه، فلا يحلف اليمين في مجلس القضاء على نفي هذه الوكالة، ولو كلفناه أن يحلف اليمين لكان في ذلك ضرر عليه؛ ولذلك يدفع الضرر ويبقى الأمر على الأصل من أنه ملزم بدفع الدين إلى صاحب الدين، وهذا هو الأصل، حيث لم يقم الدليل على إثبات الوكالة، فإنه مطالبٌ بالبقاء على الأصل وأنه لا يدفع إلى هذا الوكيل المدعي للوكالة.

مسألة إذا أنكر الموكل الوكالة لمن أخذ الدين

قال رحمه الله: [فإن دفعه فأنكر زيد الوكالة حلف وضمنه عمرو].
هنا مشكلة: لو كان شخص مديوناً لشخص، وجاء من يدعي الوكالة، قلنا: إذا وجدت البينة فلا إشكال؛ لكن الإشكال إذا لم توجد بينة، فالأصل أنك لا تدفع هذا المال إلا لصاحبه الأصلي، فلو أنك خاطرت ودفعت المال، ثم حضر صاحب المال، وقال: يا فلان! أعطني العشرة الآلاف التي لي عليك، قال له: أعطيتها لوكيلك فلان، قال: ما وكلت فلاناً، فأنكر صاحب الحق الوكالة فما الحكم؟ هل نقول: ذمة المديون برئت، ويجب على صاحب المال أن يكون وجهه على من ادعى الوكالة؟ أم نقول إن وجهه على المديون؟ قالوا: الحكم كالتالي: أولاً: المديون حينما دفع المال لمن ادعى الوكالة بدون بينة قد فرط، وخاطر بالمال وبنفسه، فعرض نفسه لتحمل المسئولية؛ لكن يبقى شيءٌ مهم وهو: أن المديون ادعى أن زيداً -وهو صاحب الحق- قد وكل عمراً، فإن كان زيد ينكر الوكالة فشرعاً نطالبه أن يحلف اليمين أنه لم يوكل عمراً، فإذا حلف اليمين وأثبت بيمينه اعتضدت اليمين مع الأصل؛ لأن الأصل عدم الوكالة، وقلنا: إن اليمين دائماً تعضد الأصل، فيصبح الأصل مع اليمين بمثابة شاهدين، الأصل شاهد، واليمين شاهد، وقد جعل الله الأيمان بمثابة الشهود، ولذلك في اللعان يحلف الرجل أربعة أيمان وشهادات بالله عز وجل حتى يجب الحد على المرأة.
فإذاً: اليمين تقوم مقام الشاهد والأصل مقام شاهد ثانٍ، وإذا ثبت حلفه وحلف اليمين فإننا نلزم ذلك الرجل بدفع الدين مرةً ثانية، ثم يقيم دعوى عند القاضي أن فلاناً كذب عليه وادعى الوكالة وأخذ منه عشرة آلاف بدون حق، فيحضر هذا الظالم إذا كان كاذباً في أمره، ويؤخذ منه الحق لكن لو أن الكذب كان من الموكِّل والعياذ بالله، فالموكل فعلاً وكل فأخذ العشرة آلاف، ثم أخذ عشرة آلاف ثانية فحينئذٍ نحكم بوجوب دفع العشرة الآلاف الثانية كما ذكرنا؛ لأن المديون فرط، ثم يقوم الوكيل بدعوى ضد هذا الذي كذب وأنكر الوكالة فيطالبه؛ لأن المديون سيطالب الوكيل، والوكيل سيطالب الموكِّل فتجري على هذا الوجه.
باختصار: نحكم أولاً بوجوب اليمين على الموكِّل أنه ما وكل، فإن حلف اليمين أوجبنا على المديون دفع العشرة آلاف، فأصبح الموكل الكاذب قد حاز عشرين ألفاً، فيكون المديون دفع عشرين ألفاً، والواجب عليه عشرة آلاف فكيف يكون القصاص؟ قالوا: المديون يقتص من الوكيل الذي ادعى الوكالة؛ لأنه في الظاهر كاذب، فيقيم عليه الدعوى أنه كذب في وكالته ويأخذ منه العشرة الآلاف، ثم الوكيل هذا الذي كُذّب في وكالته، يقيم دعوى أخرى أن فلاناً قد أخذ منه العشرة آلاف، ثم بعد ذلك يقاصصه بها ويطالب باليمين، وعلى هذا يكون قد وصل كل ذي حقٍ إلى حقه.
(فإن دفعه فأنكر زيد الوكالة حلف).
أي: حلف زيد بالله أنه ما وكله.
(وضمنه عمرو).
وضمن الدين والحق عمرو وهو المديون.

مسألة إذا وجد الموكل وديعته أخذها ومسألة الظفر

قال رحمه الله: [وإن كان المدفوع وديعة أخذها].
إذا أودعت شخصاً وديعة، فالوديعة تستحق بعينها، بخلاف العشرة آلاف والأموال التي تكون مضمونة بالرمة، فإن كان الشيء الذي حُفظَ عند الشخص وديعة من سيارةٍ أو طعام فإن الحق متعلق بعين السيارة والطعام، فصاحب السيارة الذي يملكها في الأصل يأخذها ممن شاء، سواءً وجدها عند الطرف الأصلي الذي هو المودَع، أو وجدها عند مدعي الوكالة؛ لأن الحق مطالب بعينه، فيأخذ الوديعة من أيهما شاء، سواءً وجدها عند هذا أو وجدها عند هذا، وهذا يرجع إلى مسألة الظفر، وهي مسألة تتعلق بالحقوق، بأن يكون لك حقٌ على شخص، يعني: افرض أن شخصاً سرق منك سيارة، فإن ظفرت بالسيارة تأخذها أنى وجدتها؛ لأن حقك متعلقٌ بعين السيارة، فتأخذ هذه السيارة كيفما وجدتها قالوا: حتى ولو بالسرقة، فمن سرق مالك جاز لك أن تسرق منه المال نفسه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:40] فإذا جاء وأخذها خفيةً منك كأن أخذ منك ثوباً وعلمت أن فلاناً قد دخل البيت وأخذه بالسرقة وذهب، فدخلت عليه خفية وأخذت الثوب وما ظلمته فيكون رأساً برأس، والبادئ هو الأظلم، وهذه الحالة يسميها العلماء: حالة الظفر أي: من ظفر بحقه أخذه.
بعض العلماء يقول: ليس من حقك أن تستخدم الحيل المحرمة للوصول إلى حقك؛ لأن الشرع قد أعطاك القضاء ومكنك من القضاء، فلا يجوز أن ترتكب ما حرم الله، فلا تسرق ولا تأخذه على غرضه، وإنما تأخذه بالوجه المعروف.
وقال بعض العلماء: من حقك أن تأخذ حقك بأي وسيلة ما دام أنك ستصل إلى حقك ولا تظلم الرجل وقالوا: لو أن عاملاً يشتغل عند رجل فظلمه ومنعه من حقوقه، وله عليه عشرة آلاف، فصار يأخذ من ماله في حدود عشرة آلاف فهذه مسألة من ظفر بحقه أو تمكن من حقه دون أن يعلم من ظلمهم، فهل ذلك جائزٌ أو لا؟ قال بعض العلماء: من حقك أن تأخذه، واستدلوا بأدلة منها: ما ثبت في الصحيحين من حديث هند رضي الله عنها أنها قالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح مسيك، ولا ينفق عليّ -أي: لا يعطيني مالي- فقال صلى الله عليه وسلم: خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف)، فأجاز لها أن تأخذ من ماله حقها فقال: (ما يكفيك وولدك بالمعروف) فقربوا المسألة كالآتي: قالوا: هند وأولادها لها حق على أبي سفيان، وهذا الحق لم تستطع أن تصل إليه إلا بحيلة، فأجاز لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن تأخذ من ماله، وهذا أشبه بالسرقة؛ لأنها في الأصل أخذت من المال دون علم صاحبه، قالوا: لكنها ستصل إلى حقها ولا تظلمه، فقال بعض العلماء: دل هذا الحديث على جواز أخذ الحق إن وجده صاحبه بأي وسيلة.
وقال بعض العلماء: لا يجوز، واستدلوا بما ثبت في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) فقال: (لا تخن من خانك) فمع أنه خانني لم يجز لي الشرع أن أستخدم الخيانة، قالوا: وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:40] لا يقتضي فعل السيئة، وإنما سميت سيئة؛ لأنه لا يأمن الحيف، مثال ذلك قالوا: إذا ضربه وأضر به فلا يأمن أن يحيف؛ لأنه عند الانتقام غالباً ما يكون هناك نوع من القوة في الغضب، فلربما زاده في القصاص؛ ولذلك قالوا: سمى الله القصاص سيئة مع أنه ليس بسيئة؛ لأن صاحب القصاص لا يأمن من الحيف، فإذا ضربه -مثلاً- وصفعه على وجهه، وأراد أن يصفعه، فالغالب أنه يصفعه، وعنده حمية فسيزيد؛ فسماها الله سيئةً وقيل: من باب المشاكلة، وأياً ما كان فالمقصود: أن الأقوى أنه لا يأخذه؛ لأن الشرع قد مكنه من حقه بالقضاء، وأما مسألة حديث هند فنقبله ولا نرده، ونعمل به ولا ننكره، لكنه خاص والقاعدة تقول: (لا تعارض بين عام وخاص)؛ ولأنه لا يأمن العامل ولا يأمن غيره أن يثبت عليه صاحب الحق أنه، اختلس فيقع في ضرر أعظم، ولذلك لا يخاطب الناس على هذا الوجه، والأشبه أنه يطالب بحقه على الوجه المعروف.

تضمين المودع أو الوكيل إذا تلفت الوديعة

(وإن كان المدفوع وديعة أخذها فإن تلفت ضمن أيهما شاء).
فإن تلفت الوديعة إن شاء ضمن الدافع، وإن شاء ضمن المدفوع إليه؛ لأن الدافع للوديعة إذ اانتقلت الوديعة إلى الشخص الآخر فإنه لا يضمن، ويكون ضمان الوديعة على من ادعى الوكالة، فحينئذٍ إن شاء طالب من دفعت إليه الوديعة، وإن شاء طالب الدافع؛ لأن يد المودع يد أمانة كما بيناه.

الأسئلة

مسائل الوصايا والحضانة وغيرها متفرعة عن مسألة الوكالة

السؤال

هل الحكم في قبول دعوى الوكالة مثله في دعوى الحضانة والوصية؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالوكالة والوصايا وكذلك ما يشابهها من المسائل التي فيها محض التبرع تأخذ حكم الوكالة، فمسائل الوصايا والحضانة كلها تتفرع على مسألة الوكالة؛ لوجود محض التبرع والإحسان من الموكل أو الموصى إليه ونحوهم، ولا يدعي هذه الأشياء ولا تقبل الدعوى إلا بدليل وبينة؛ لأن الأصل عدمها حتى يقوم الدليل على ثبوتها، ويتحمل الوصي المدعي للوصايا الموصى إليه، وكذلك غيره ومن في حكمه يتحمل المسئولية إن ظهر كذبه على التفصيل الذي ذكرناه في الوكالة، وسيأتي -إن شاء الله- بيان هذه المسائل خاصةً في باب القضاء، فنبين أحكام الدعاوى سواءً كان في الحقوق العامة أو في الحقوق الخاصة، والله تعالى أعلم.

الخطابات المختومة من القرائن التي تدل على الوكالة

السؤال

إذا حمل الوكيل خطاباً بخط الموكل وختمه فهل يقوم مقام الشهود، فيدفع إليه ما للموكل؟

الجواب

أدلة إثبات الدعاوى تنقسم إلى قسمين: قسمٌ منها بينات شرعية حدد الشرع هذه البينات، وحكم باعتبارها، ونصت نصوص الكتاب والسنة على وجوب العمل بها، ويشمل ذلك الإقرار والشهادة والكتابة الموثقة بالشهود، فأما الإقرار فهو كما يقال: سيد الأدلة وأقواها؛ لأنه ليس هناك أقوى من شهادة الإنسان على نفسه، وليس هناك إنسان يشهد على نفسه بالضرر إلا وهو صادق.
أما النوع الثاني من الأدلة فهو: الشهود، كما جعل الله في شهادة الزنا أربعةً، وفي شهادة الأموال وما في حكمها شاهدين من الرجال، أو أربعةً من النسوة، أو شاهداً من الرجال وامرأتين، أو شاهداً ويميناً، وكلها ثبتت بها الأدلة، فالشهادة حجة بالنسبة للأموال، وما يئول إلى الأموال.
النوع الثالث من الأدلة المعتبرة هو: الكتابة الموثقة بالشهود، كما دلت عليه آية البقرة فيكتب الدين -مثلاً- ويستشهد عليه شاهدين من الرجال أو رجلاً وامرأتين ممن يرضى أو أربع نسوة، وهذا كله نص عليه القرآن ولا إشكال فيه، وأما بالنسبة للشاهد مع اليمين فقد قضى عليه الصلاة والسلام بالشاهد مع يمينه، فجعل اليمين بمثابة شاهد لكن في الأموال وما يئول إليها؛ لأن الصحابي قال: (قضى بالشاهد مع يمينه)، فدل على أن الزنا والحدود والجرائم لا تثبت بالأيمان إلا فيما استثنى الشرع من لعان الرجل مع امرأته، وهذه قضية خاصة، أما من حيث الأصل فالأيمان لا دخل لها في الحدود فهي قرائن ضعيفة، فالقرائن القوية تكون بعض الأحيان في الجنايات، وتكون في غير الجنايات، فمثلاً: المرأة إذا تزوجها الرجل ومكث معها شهرين، وتبين أن حملها لأربعة أشهر أو ستة أشهر، فهذه تعتبر قرينة على أنها قد زنت؛ لأن الزواج لا يمكن في مثله أن يكون الحمل على هذا الوجه.
بعض الأحيان يدخل بها وبمجرد ما يدخل بها يجد عليها آثار الحمل، فهذه قرينة على أنه ليس من حلال وإنما هو من حرام، لكنها ليست ببينة على خلاف في الحمل: هل يقتضي ثبوت الزنا أو لا؟ وفيه خطبة عمر المشهورة وسيأتي -إن شاء الله- بيانه في باب الزنا والحدود، الشاهد: القرائن قد تكون قرائن في الدماء، قالوا: لو أن رجلاً وجدناه متشحطاً في دمه -أي: مقتولاً- وعند رأسه رجل يحمل السكين ملطخةً بالدماء، وثيابه ملطخة بالدماء، وعليه آثار العنف أو ما يدل على أنه متعاطٍ للجريمة، فهذه ليست ببينة شهود أو إقرار، ولكنها قرينة واضحة، ومثل هذه القرائن يعمل بها في القضاء في حدود؛ لأن الله أوجب علينا الرجوع للبينات، والقرائن لا تثبت الحكم من كل وجه، ومن أقوى الأدلة على أن القرائن لا تثبت في الحكم من كل وجه؛ أننا لو فتحنا باب القرائن لاسترسل الناس في ذلك، وأقوى الأدلة على عدم اعتبار القرينة ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما قذف هلال بن أمية امرأته بـ شريك بن سحماء وقذف عويمر العجلاني امرأته بالزنا، وقام اللعان بينهما فحلف عويمر وحلفت زوجته، فلما وقعت بينهما أيمان اللعان قال صلى الله عليه وسلم: (حسابكما على الله، الله أعلم، أحدكما كاذب) إما الرجل كاذب وإما المرأة، فأصبحت القضية من حكومة الدنيا إلى حكومة الآخرة، فانتقل حكمها إلى الله عز وجل، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (انظروا إليه -انظروا إلى الولد الذي ستأتي به- فإن جاءت به خدلج الساقين ... )، إلى آخر الحديث، فذكر الصفات (فهو له) يعني: الزوج وهو كاذب (وإن جاءت به على صفة كذا وكذا فهو للذي ذكر)، فجاءت به على صفة الرجل الزاني والعياذ بالله، فقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (لو كنت راجماً أحداً من غير بينة لرجمت هذه)، مع أن القرينة واضحة على أنها زانية، ولكن لم يحكم بها ولم يستبح دمها ولم يحكم بالجناية؛ لأن الشرع أمرنا أن نقف عند حدود معينة.
وبناءً على ذلك فالقرائن لو فتح بابها لاسترسل القضاة في العمل بهذه القرائن، لكن قد تكون القرائن في بعض الأحيان مدخلاً للقاضي أن يحلف المتهم، وأن يشدد عليه في الاعتراف إذا تعلق به حقٌ للغير، فالكتابات التي ذكرت والتي عليها الختم في بعض الأحيان يعمل بها كما في كتاب القاضي إلى القاضي، ويعمل بها في سجلات الحقوق، ويعمل بها في سجلات التجار في إثبات الدين على التاجر إذا مات ووجد بخطه أن لفلانٍ عليه ونحو ذلك، لكن لا تكون بينة من كل وجه يعني: لا تأخذ حكم البينات من كل وجه، وإنما يجب الاقتصار على الأدلة التي ثبتت النصوص بها، وباعتبارها، والزائد على هذا يرجع إلى حكمة القاضي، فيتعامل معه في حدود معينة، ونطاق معين يليق بالقرآن والحكم بها واعتبارها، والله تعالى أعلم.

حكم تحويل المبالغ المالية من بلد إلى آخر

السؤال

أردت إرسال مبلغٍ من المال إلى أهلي فقال لي أحدهم: أنا آخذ منك هذا المبلغ وأحيلك في بلدك على شخصٍ يعطيك بدلاً منه بعملة بلدك، فهل هذه المعاملة جائزةٌ شرعاً؟

الجواب

هذه المعاملة فيها ربا النسيئة، عندما تقول له مثلاً: خذ مائة ألف ريال وحولها، على شريطة أن تعطي أهلي عشرة آلاف دولار أو عشرة آلاف جنيه، فأصبح العقد يشتمل على عقدين: العقد الأول: عقد الصرف وهو تحويل العملة من الريالات إلى الدولارات أو إلى جنيهات أو غيرها.
العقد الثاني: عقد التحويل، فالواجب شرعاً أولاً أن تصرف العملة ثم تقبضها؛ لأنه إذا اختلف الذهب بفضة أو فضة بذهب فإنه يجب أن يكون يداً بيد، فتصرفها ولا تحول إلا بعد الصرف.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

شرح زاد المستقنع -

باب الشركة [1]

عقود الشراكة من تنظيمات الإسلام الحكيمة وتعاليمه السامية، وذلك لما يحصل بين المسلمين بسبب هذه العقود من التكاتف والترابط، ودفع البطالة، والحرص على مصلحة الشريك، والشراكة لها أنواع وأقسام، ومسائل وأحكام، فصلها العلماء في كتب الفقه المعتبرة.
ومن أنواع الشركة: شركة العنان، وهي أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم ليعملا فيه ببدنيهما، ولها شروط وأحكام ومسائل ينبغي على كل من أراد الشراكة أن يعلمها.

مناسبة ذكر باب الشركة بعد باب الوكالة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [باب الشركة]: الشركة: نوع من أنواع العقود التي تقع بين المسلمين، وهذا النوع من العقود يشتمل على التوكيل بين الطرفين، فكل واحد من الشريكين، أو كل واحد من الشركاء قد وكل صاحبه ونظيره أن يتصرف في ماله، فأصبح وكيلاً عنه من وجه، وهو وكيل عنه في التصرف في ماله الذي اشتركا فيه.
ونظراً لاشتمال الشركة على هذا النوع من العقود، أعني: كونها من عقود الوكالات أو فيها وصف الوكالة ناسب أن يعتني المصنف بذكر أحكامها ومسائلها عقب باب الوكالة، فبعد فراغه من بيان المسائل والأحكام المتعلقة بالوكالة شرع في نوع خاص من التوكيل الضمني وذلك ببيان مسائل وأحكام الشركة.

تعريف الشركة وأنواعها

الشَّرِكَة والشِّرْكَة أصلها في لغة العرب: الجمع والخلط، فإذا جمع بين الشيئين فقد شرَّك بينهما، وإذا اجتمع الجماعة حساً أو معنىً فقد اشتركوا، تقول العرب في الأشياء المحسوسة: اشترك الرعاة، إذا جمعوا الدواب بعضها مع بعض، وتسمى بالخُلْطَة.
وكذلك تقول العرب: اشترك القوم في الرأي -وهذا تابع للاشتراك المعنوي- إذا اجتمعوا على رأي واحد.
وأما في اصطلاح العلماء فالشركة هي: اجتماع في استحقاق أو تصرف.
فإذا اجتمع طرفان أو أكثر في استحقاق أو تصرف فإن ذلك يوصف بكونه شركة.
فالشركة نوعان: النوع الأول: الاشتراك في الاستحقاق.
والنوع الثاني: الاشتراك في التصرف.

الاشتراك في الاستحقاق (الأملاك)

أما الاشتراك في الاستحقاق: فمن أمثلته: الورثة، إذا مات والدهم أو مورثهم وترك لهم -لو فرضنا- عقارات، كالبيوت والمزارع، فإن الورثة يشتركون في هذه البيوت ويشتركون في هذه المزارع كل على حسب نصيبه، فهم شركاء، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء:12]، وقال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:11]، فشرَّك سبحانه بين الورثة، وأعطى كل ذي حق حقه بقسمته سبحانه من المواريث من فوق سبع سماوات.
فهذا النوع من الشركات يسميه العلماء بـ (شركة الأملاك)، وشركة الأملاك هي: الاجتماع في الاستحقاق، وتنقسم إلى ضربين: الضرب الأول: أن يكون الاشتراك في هذا النوع اختيارياً.
والضرب الثاني: أن يكون اضطرارياً قسرياً جبرياً.

الاشتراك الاختياري

فأما الاشتراك الاختياري: كرجلين دفع كل منهما خمسين ألفاً واشتريا منزلاً، فقد استحقا هذا المنزل واستحقا هذه الأرض وهما شركاء في ملكيتها، وبناءً على ذلك فهذه الشركة: شركة استحقاق؛ لكنها جاءت بطيبة نفس وبرضاً من الطرفين، وباختيار منهما، بمعنى أن اجتماعهما في هذه الدار أو اجتماعهما في هذه الأرض أو المزرعة لم يكن قهراً، وهذا النوع من أمثلته: اجتماع الطرفين -كما ذكرنا - في شراء أرض أو شراء سيارة تكون مناصفة بينهما، فقد اشتركا في ملكيتها، وقد يشترك الطرفان في المنافع، كرجلين استأجرا شقة، فإن هذه الشقة إذا دُفِع المبلغ بينهما مناصفة، كل منهما له حق الانتفاع بنصف هذه المنفعة، فإن شاءا أن يحددا زماناً يكون لأحدهما نصف السنة الأول، وللثاني النصف الثاني، أو يقسما الشقة قسمة مهيأة كل منهما يأخذ نصفها.
هذا يسمى بـ (شركة الأملاك)، وهذا النوع من الشركات لا نتكلم عنه هنا، وليس مراد العلماء -رحمهم الله- بباب الشركة أو كتاب الشركة أن يبحثوا مسائل هذا النوع، أعني: (شركة الأملاك).

الاشتراك الإجباري

والنوع الثاني من شركة الأملاك، وهي الشركة القسرية الجبرية: فتجمع بين اثنين، أو تُشَرِّك بين جماعة في حق، ويكون هذا التشريك ليس باختيارهما، مثل: الإرث، قالوا: تقع شركة الأملاك قسراً في المواريث، فإن الإرث قسمه الله عزَّ وجلَّ من فوق سبع سماوات، فحينما نعطي الزوج النصف أو نعطيه الربع يكون إذا أخذ النصف شريكاً للورثة بهذا النصف حتى يقسم المال ويكون قد جاءه هذا النصف قسراً، ولم يأته باختيار منه.
إذاً: شركة الأملاك تنقسم إلى قسمين: - إما أن تكون اختيارية: كقوم اجتمعوا في دار شراءً أو إجارةً، أو لو كان هناك شخص عنده أرض فوهبها لشخصين، فإن هذه شركة أملاك اختيارية.

  • والنوع الثاني: أن تكون قسرية وبدون اختيار، كما في الإرث، والوقف، فالوقف: إذا أوقَفْتَ داراً على عشرة من المساكين، أو أوْقِفَتِ الدارُ على المساكين، فإنهم ينتفعون بالسكنى فيها، أو ينتفعون بغلة الوقف، وهذا الانتفاع وهذا التشريك في المنفعة والملكية للمنفعة جاءت قسراً بدون اختيار الشركاء.

الاشتراك في التصرف (شركة العقود)

النوع الثاني من الشركات -وهو الذي يبحثه العلماء هنا-: ما يسمى بـ (شركة العقود).
وشركة العقود: يجتمع فيها طرفان فأكثر: - ويكونون شركاء في المال والعمل.

  • أو يشتركا فيكون المال من أحدهما والعمل من الآخر.
  • أو يشتركا في جاهيهما، فتكون لهما وجاهة عند التجار، فيستدين أحدهما، ثم يعملان بالمال على حسب خبرتهما.
  • وقد تكون شركةً بالبدن، كما لو اشتركا في ما ينتجان من صنعتهما، كما لو اشترك النجارون أو الحدادون أو نحوهم من أصحاب الحِرَف.
    فهذا النوع من الشركات وهو شركة العقود تم باتفاق الطرفين، وتعاقد الطرفان على أن يجتمعا، ويدفع كل منهما مالاً، أو يدفع أحدهما المال والثاني يقوم بالعمل، أو على حسب ما يتفقان من أنواع الشركة التي سنذكرها، فإذا اجتمعا وتعاقدا على ذلك فإنها شركة عقود.

أقسام شركة العقود

هذا النوع من الشركات ينقسم إلى خمسة أقسام عند فقهاء الحنابلة -رحمهم الله-: القسم الأول: شركة العنان.
والقسم الثاني: شركة المفاوضة.
والقسم الثالث: شركة الأبدان.
والقسم الرابع: شركة الوجوه.
والقسم الخامس: شركة المضاربة.
ومباحث الشركات عند فقهاء الحنابلة رحمهم الله تُذْكَر فيها هذه الخمسة الأنواع: - العنان.

  • والمفاوضة.
  • والوجوه.
  • والأبدان.
  • والمضاربة.
    ونازع غير الحنابلة في أنواعٍ كشركة الوجوه، وشركة الأبدان.
    ونازع بعضهم في اعتبار شركة المضاربة نوعاً من الشركات؛ لأن المضاربة في الحقيقة ليست بشركة من كل وجه، وسيأتي بيان هذه المسألة إن شاء الله.
    فقد قال طائفة من العلماء: إن المضاربة أو القراض هو من الإجارة المجهولة التي جازت على خلاف الأصل، وسنبين وجه ذلك ونقرره.
    أما بالنسبة لهذه الخمسة الأنواع: فجملتها: الحالة الأولى: أن يشترك الطرفان بالبدن والمال: أن يشتركا ببدنيهما وماليهما: ببدنيهما.
    يعني: يعملان ويشتغلان في ذلك المال تنميةً له وحرصاً على مصالحه.
    وبماليهما: كأن يدفع أحدهما خمسين ألفاً والثاني يدفع خمسين ألفاً؛ فقد اجتمعا بالمال وبالبدن؛ وإذا اجتمعا بالمال وبالبدن، فهذا يشمل نوعين: - شركة العنان.
  • وشركة المفاوضة.
    وشركة المفاوضة أقوى من شركة العنان من جهة الشيوع وكثرة العمل وأيضاً كثرة المال؛ لأن نطاقها ومحل العقد فيها أوسع من شركة العنان.
    وشركة العنان أقوى من المفاوضة؛ لأنه أُجْمِع على جوازها، بخلاف شركة المفاوضة.
    هذان نوعان من الشركة يرجعان إلى الاشتراك بالبدن والمال.
    الحالة الثانية: أن يكون الاشتراك ببدن أحدهما، والمال من الآخر: وهذه هي شركة المضاربة، أو ما يسمى بالقراض، فأحد الطرفين -وهو الغني- يدفع المال كمائة ألف، والطرف الثاني وهو العامل أو من عنده خبرة يقوم بالعمل -فقط- على تنمية هذا المال، ولا يدفع شيئاً، وإن ربح هذا المال كان الربح بينهما على ما شرطا، وإن خسر العامل في تجارته وعمله بدون تفريط وبدون سبب يوجب الضمانة؛ فإن الخسارة تكون على رب المال.
    الحالة الثالثة: أن يشتركا ببدنيهما: وهذا كما يقع في شركة الأبدان، فيتفق اثنان يكون أحدهما صاحب صنعة، والآخر صاحب صنعة.
    هل يشترط اتفاق الصنعتين أو اختلافهما؟ سيأتي.
    يشترك -مثلاً- اثنان في صنعة النجارة، فيتقبلان من الناس ما يريدون من أعمال النجارة، ويشتغلان سوياً في المحل، ويقومان بأداء تلك الأمور التي طُلِبت، والربح والمال بينهما على ما شرطا.
    فهذا يسمى بشركة الأبدان، وقد تقع في الغزو والجهاد في سبيل الله، كأن يشترك اثنان أو ثلاثة في الغنيمة، كما وقع لـ سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر رضي الله عن الجميع في يوم بدر، حيث اشتركوا في الغنيمة.
    الحالة الأخيرة: أن يكون الاشتراك في الجاه: يكون اشتراكهما وجاهةً، فيطلب أحدهما المال من التجار أو من السوق، وذلك راجع إلى ثقة الناس به ومعرفتهم له، ثم يقومان باستثمار هذا المال وتنميته والربح بينهما على ما شرطا، ويضمنان المال سوياً، وكذلك أيضاً يأخذان الربح على ما اتفقا عليه.
    هذا حاصل أنواع شركة العقود.

الأدلة على مشروعية شركة العقود

وقد اعتنى المصنف -رحمه الله- بذكر هذه الأنواع كلها، وفصل في أحكامها، وبين المهم من تلك الأحكام، ويبقى

السؤال

ما هو الدليل على مشروعية هذا النوع من العقود؟ شرع الله عزَّ وجلَّ الشركة بين المسلمين بدليل كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإجماع أهل العلم.
فأما دليل الكتاب: فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾

. فقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾

: الخلطاء: أي: الشركاء.
﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾

: ذَكَرَ شركةً قائمةً على الجَور مذمومةً، وشركةً قائمةً على العدل محمودةً، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾

فاستثنى من الجَور والظلم، والخطأ والخلل، فدل على شرعية الشركة إذا قامت على العدل دون أن يبغي أحد الشريكين على الآخر.
وجاءت آيات المواريث بالتشريك؛ لكن هذا النوع من الشركات في آيات المواريث إنما هو في شركة الأملاك كما ذكرنا، وهو راجع إلى الاستحقاقات.
وأما بالنسبة للسنة: فقد جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الأحاديث؛ لكنها لم تخلُ من كلام في أسانيدها، فمن أهل العلم من جعل الأحاديث للاستئناس، وجعل دليل السنة من جهة التقرير، أي: أن الناس كانوا في الجاهلية يتعاطون هذا النوع من العقود، وهو الشركة، ومع ذلك أقرهم الإسلام، وترك هذا النوع ولم يحرمه، فيجعل دليل السنة تقريرياً، ولا يجعله تفصيلياً بالقول والعمل؛ لأن الأحاديث بالقول والأحاديث بالفعل لم تخل من كلام في أسانيدها، وإن كان بعضها يقبل التحسين.
فهناك حديث عن السائب بن أبي السائب رضي الله عنه أنه النبي صلى الله عليه وسلم قال له -وقد كان شريكاً للنبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية، وكان نِعْم الشريك، وكان كثير الصدقة والإحسان- قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (نِعْم الشريك، كنتَ لا تداري ولا تماري) فأثنى عليه وعلى شركته.
وكذلك أيضاً استدلوا بالحديث القدسي، وهذا الحديث سكت عنه أبو داود في سننه، وصححه الحاكم، وتعقَّبَه ابن القطان، بأن فيه سعيد بن حبان، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وسكوت أبي داود قد يقوي، حتى أن بعض العلماء يحكم فيه بالتحسين، ولذلك بعض العلماء يميل إلى تحسين هذا الحديث، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخُن أحدُهما صاحبَه، فإن خان أحدهما صاحبه خرجتُ من بينهما)، وهذا الحديث من جهة قوله: (أنا ثالث الشريكين ما لم يخُن أحدُهما صاحبَه) دل على مشروعية الشركة، وأنها تقوم على العدل والأمانة.
وكذلك أيضاً قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم تاجر بمال خديجة في الجاهلية، وفعل المضاربة في الجاهلية، وجاء الإسلام ولم ينكر هذا النوع من المعاملات، فكانت سنةً تقريرية.
وقالوا أيضاً: جاء في حديث أبي داود وابن ماجة والنسائي وحسَّنه غيرُ واحد أيضاً أن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر اشتركوا يوم بدر فيما غنموا، فجاء سعد بأسيرين؛ لأنه قتل قتيلين فكان له سلبهما، ولم يَجِئْ عبد الله بن مسعود ولا عمار بن ياسر بشيء فشرَّك النبي صلى الله عليه وسلم بينهم.
فدل هذا على مشروعية شركة الأبدان، وهي التي ترجع إلى العمل.
وأيَّاً مَّا كان فإن السنة من حيث الجملة دالة على مشروعية الشركة، خاصة إذا نظرنا أن هذا العقد كان معروفاً عند العرب، ولا يشك أحد في وجوده، ومع ذلك لم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كانت الشريعة قد هذبت وبينت الأحكام والحقوق والواجبات والأمانات والمسئوليات التي ينبغي على كلا الطرفين أن يراعيها في عقد الشركة.
أما من حيث الإجماع: فالإجماع من حيث الجملة على أن عقد الشركة جائز، وأنه عقد مشروع.
ولكن هناك خلاف: ما هي أنواع الشركات التي أحلها الله؟ وما أنواع الشركات التي حرمها؟ ثم هذا الحلال: ما هي شروط حله وجوازه والحكم باعتباره؟ كل ذلك مما فيه خلاف بين العلماء رحمهم الله.

الغاية من إباحة الشركة ومشروعيتها

فإذا ثبت أن الشركة مشروعة من حيث الجملة، فإن الله سبحانه وتعالى حينما شرع هذا النوع من العقود تضمن المصالح العظيمة والغايات الكريمة، فعقد الشركة فيه مقاصد نبيلة، وغايات وأهداف طيبة، منها ما يرجع إلى الدين، ومنها ما يرجع إلى الدنيا.
وباختصار: من فوائدها التي ترجع إلى الدين: أنها تقوي أواصر الأخوة والمحبة؛ لأن الشريك يشعر أنه مع شريكه كالجسد الواحد، وأن ماله مع مال أخيه كالمال الواحد، وهذا يحدث نوعاً من الترابط والتكاتف والتعاطف والتآلف، وإذا وقعت الخسارة شعر كل منهما أنه يتضرر كأخيه، ومقصود الإسلام ومقصود الشريعة -من مثل هذا الشعور- أن يشعر المسلم أنه مع أخيه المسلم كالجسد الواحد، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
وأما بالنسبة للمصالح الدنيوية: فإن عقد الشركة يقوي التجارة، ويحدث نوعاً من التكافل، ووجه ذلك أن التجارات أو الأسواق إذا قامت على الشركة قويت؛ لأن مجال التجارة يكون أفسح وأكثر شيوعاً مما لو كان العامل بماله مستقلاً، فأنت ترى أن مال الشركة يكون رأس المال كثيراً بخلاف ما لو انفرد كل واحد منهم بماله؛ فإنه لا يستطيع أن يخاطر، ولا يستطيع أن يتجاسر على ما يتجاسر عليه الشركاء، فإذا اجتمع الثلاثة والأربعة حصلت المصالح في السوق، ونشطت الأسواق التجارية، ولذلك قالوا: إنه إذا انتشرت الشركات في بيئة ومجتمع فإن التجارة تقوى في ذلك المجتمع، ويكون الناس أقوى على استثمار أموالهم؛ لأنه لو كان المال عند صاحبه إذا مرض فإن ذلك يعطل ماله، وإذا كانت مصالحه مرتبطة بالموضع الذي هو فيه لم يستطع جلب المال من مكان بعيد، ولم يستطع أن يسافر ولا أن يتغرب؛ لكن إذا كان معه شركاء أو كان معه آخرون -أو كانوا أكثر من رجل- فإن هذا يعين ويشجع على الانتقال، ويشجع على سعة التجارة وتنوُّعها وتعدد مجالها، كذلك من ناحية التجارة؛ فإن الأفكار والأفهام تتلاقح والأذهان يُكَمِّل بعضُها بعضاً، فهذا يكمل نقص هذا بما يعود لمصلحة التجارة ومنفعة السوق، كما لا يخفى، فقال العلماء: إن هذا يحقق من حكم مشروعية هذا النوع من العقود، أنه يعين على صلاح السوق، وانتشار التجارة فيه، وقوة التجارة، ثم إن فيه نوعاً من التكافل، فإن الرجل إذا دخل في التجارة وشاء الله -في ذلك الزمان الذي دخل فيه- أن تحصل خسارة أو تنكسر السوق؛ فإنه إذا كانوا شركاء انكسر على الجميع، فخفت المصيبة، وحصل نوع من التكافل، وحصل نوع من الجبر للضرر بخلاف ما إذا تاجر بنفسه كان الضرر متعلقاً به، وكانت المفاسد به أكثر من غيره، إلى غير ذلك من المصالح، ولا شك أنه ما من شيء يشرعه الله عزَّ وجلَّ ويبيحه لعباده إلا وفيه الخير في الدين والدنيا والآخرة، ولا يستطيع المخلوق أن يدرك حكم الخالق، ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:216]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:85]، فلا شك أن هذا النوع من العقود الذي دلت الأدلة على شرعيته، وأجمع العلماء رحمهم الله على جوازه فيه الخير الكثير في أمور الدين والدنيا.

حكم عقد الشركة

بالنسبة لعقد الشركة من حيث تكييفه في الفقه يعتبر من العقود الجائزة، وقد قدمنا أن: - هناك عقوداً لازمة.

  • وهناك عقوداً جائزة.
  • وهناك عقوداً تجمع بين الجواز واللزوم، فتكون جائزةً في أول الحال، لازمةً في آخر الحال.
    وبينا هذا، وفصلناه في مقدمات البيوع.
    فعقد الشركة من العقود الجائزة، والمراد بكونه جائزاً كما قدمنا: أي من حق الطرفين أو كل واحد من أطراف الشركة أن يفسخ الشركة في أي وقت شاء، فهو ليس بعقد لازم.
    لو أن طرفين دفع كل منهما مائة ألف واتفقا على الشركة اليوم، وبعد ساعة من افتراقهما قال أحدهم: لا أريد.
    فلا نلزمه، ولا يكون ملزَماً بإتمام الشركة، كالبيع، وغيره من العقود اللازمة، وكالإجارة ونحوها، فهي عقد رفق، ويعتبر هذا النوع من العقود الجامعة بين المعاوضة والرفق، فالشركة فيها معاوضة، مثلاً: إذا دفعت أنت خمسين ألفاً ودفع الطرف الثاني خمسين ألفاً، فإن كلاً منكما قد جعل الخمسين في مقابل الخمسين الأخرى، فصار عقد معاوضة، ثم إن كلاً منكما يعمل في تنمية المائة ألف، فهو في هذه الحالة يعاوض صاحبه، كما أن صاحبه يعمل فهو أيضاً يعمل، فصار عقد معاوضة من جهة المال ومن جهة العمل، إلا في القراض، فالقراض عقد معاوضة بالتكافؤ، فرب المال يدفع المال، والعامل يقوم بالعمل؛ لكن

شركة العنان

، وشركة المفاوضة يكون فيها نوع من المعاوضة، ونوع من المقابلة للمال والعمل، كما سنبين إن شاء الله تعالى.
فهذا النوع من العقود فيه معاوضة، وفيه رفق، وقد ذكرنا أن عقود المعاوضات إجمالاً: - إما أن تكون قائمة على الغبن المحض، مثل: البيع، والإجارة، وبيَّنَّا ذلك في مقدمة البيع.

  • وإما أن تكون قائمة على الرفق المحض، كهبة الثواب، يعطيك هدية، فتعطيه هدية، فحصلت المعاوضة؛ لكنك لم تقصد غبنه، وإنما قصدتَ أن ترفق به، وقَصَد أن يرفق بك.
  • وإما أن تكون -وهذا النوع الثالث من عقود المعاوضات- جامعة بين الغبن والرفق، وهذا مثل: أن يقول أحدهما: لي نصف الربح، ويقول الثاني: بل لك ربع الربح، فهذا غبن يريد أن يجعل الربح الأقل في حظ صاحبه، والربح الأكثر في حظه، كالبيع، وفيها رفق؛ لأن مالك مع مال شريكك تقويا وعملُك مع عمل شريكك أصبح قوياً وصارا كالشيء الواحد، وبناءً على ذلك رفق كل منكما بصاحبه.
    ذكرنا في مقدمة البيوع أن عقود المعاوضات التي تقوم على الغبن تشدد الشريعة في شروطها، مثلاً: كالبيع، يعتبر من عقد المعاوضة القائم على الغبن؛ لأنك إذا أردت بيع الشيء تقول: أبيعه بمائة ألف، فيقول المشتري: أشتريه بثمانين ألفاً، فتقول: لا.
    بل مائة، فيقول: بثمانين.
    فمعناه أن هناك عشرين ألفاً إما أن تضعها غبناً على صاحبك، أو يضعها غبناً عليك.
    فالبيع عقد غبن، فهذا النوع من العقود كعقد البيع وعقد الإجارة تجد الشروط الشرعية فيه أكثر؛ لأنه يقوم على الغبن والخطر؛ لكن عقود الرفق، مثل الهبات والعطايا التي تكون بالمقابل وبالمعاوضة لا يشترط فيها ما يشترط في البيع؛ لأنها قائمة على المكارمة والإحسان، فتخفف الشريعة في شروطها.
    أما العقود التي تجمع بين الغبن والرفق كالشركات ففيه نوع من التشديد، وفيه نوع من التيسير، وسنبين هذا -إن شاء الله- في شروط عقود الشركات على حسب أنواعها، فتارةً تكون الشروط لتحقيق مصلحة للطرفين، وتارةً تكون لدفع الضرر عنهما أو عن أحدهما إذا أراد الآخر أن يضر بمصالحه.

شركة العنان

يقول رحمه الله: [باب الشركة]: أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملةً من الأحكام والمسائل المتعلقة بالشركات.
قال رحمه الله تعالى: [وهي: اجتماع في استحقاق أو تصرف]: (وهي): الضمير عائد إلى الشركة.
وقوله: (اجتماع في استحقاق أو تصرف): قد بيَّنَّا هذا الاستحقاق (شركة أملاك) مثل: شركة الورثة، وكذلك التصرف، (شركة العقود).
قال رحمه الله تعالى: [وهي أنواع: فشركة عنان: أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم ولو متفاوتاً، ليعملا فيه ببدنيهما، فينفذ تصرف كل منهما فيهما، بحكم الملك في نصيبه، وبالوكالة في نصيب شريكه]: فقول المصنف: (وهي): أي: الشركات أو الشركة أنواع: [فشركة عنان]: شركة العنان تعتبر من أهم أنواع الشركات، وقد أجمع العلماء على جواز هذا النوع من الشركة.

سبب تسميتها بشركة العنان

اختلف العلماء: في سبب تسمية هذا النوع من الشركة بشركة العنان، فقال بعض العلماء: إن شركة العنان سميت بذلك من عنان الفرس، فالعنان الذي يُحكم به الفرس يقول العلماء: هما الشريكان، وعنان الفرس إذا أطلقه الفارس للفرس سبحت الفرس وأسرعت، ولا يستطيع أحد أن يطلق العنان للفرس إلا إذا كان فارساً، ولذلك بعض الأفراس إذا كانت قوية العَدْو وقوية السرعة لا يستطيع أن يركبها إلا نوع خاص من الخيَّالة وممن يحسن التصرف معها؛ لأنها ربما سبحت به وربما قتلته أثناء السبح من شدة خوضها، ولربما سقط عنها.
فإطلاق العنان للفرس يجعلها تسبح أكثر.
وبناءً على ذلك: فهذا العنان يتحكم في الفرس فقالوا: إنك إذا دفعت مائة ألف، ودفع الآخر مائة ألف، فقد أطلقت العنان لصاحبك وهو الشريك أن يتصرف في مالك، فأنت بموجب الشركة تجعل المائة ألف تحت تصرف شريكك، وبموجب الشركة أيضاً يجعل الشريكُ المائةَ ألف التي دفعها تحت تصرفك، فأنت تتصرف في المائة ألف التي لك بالملكية، وتتصرف في المائة ألف التي لصاحبك بالوكالة، فأطلقت لصاحبك العنان، وأطلق لك العنان، وهذا في محل الشركة ومحل العقد.
هذا الوجه الأول عند أهل العلم رحمهم الله في تسميتها بشركة العنان؛ أنها مأخوذة من عنان الفرس.
وقال بعض العلماء وهو قول الفراء رحمه الله من أئمة اللغة: إن شركة العنان مأخوذة من عَنَّ الشيءُ إذا ظهر، فقد عَنَّ، تقول: عَنَّ لي.
بمعنى: ظهر وبدا لي، وكأن كلا الشريكين أو كل واحد من الشريكين قد عَنَّ له وظهر له أن المصلحة تقتضي بأن يمكن شريكه من النظر في ماله والتصرف في ماله.
وقال بعضهم: إنها من قول العرب حين تقول: هذا عنان إذا عارَضَهُ وكان معه، فقالوا على الوجه الثالث: يكون كلا الشريكين قد عارض الآخر، هذا يعارض هذا، وهذا يعارض هذا، وليس المراد بالمعارضة المقابلة، فالمقابلة بمعنى الدفع، وإنما المقابلة في التصرف، فأنت تتصرف في المائة ألف التي لصاحبك والمائة ألف التي لك، كما هو يتصرف في المائة ألف التي له والمائة ألف التي لك، فمثلاً: لو أنك دخلت في مكان الشركة، وجاءك رجل يريد أن يشتري شيئاً من الشركة بألف ريال، فإنك تبيعه هذا الشيء بحكم الشركة، تبيعه نصف الشيء بالملكية، ونصفه بالوكالة، وصاحبك إذا حضر في حال غيابك يبيع كبيعك، فأصبح كل منكما معارضاً للآخر، كأنكما تسيران في عرض واحد وخط واحد، فأنت تباريه وهو يباريك، وتعارضه وهو يعارضك، فهو يفعل شيئاً كما تفعله، ويفعل الشيء الذي تفعله.
وبناءً على ذلك: قالوا: إنها من المعارضة بمعنى: المقابلة، وكل منهما يقابل الآخر بتصرفه، فكما يفعل الآخر في ماله يفعل هو في ماله على وفق عقد الشركة.
وابتدأ المصنف رحمه الله بهذا النوع -وهو شركة العنان- لأهميته، خاصةً وأن العلماء قد أجمعوا على جوازه وإباحته.

حقيقة شركة العنان

قال رحمه الله: [وشركة عنان: أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم]: [أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم]: فعندنا قوله: [أن يشترك بدنان]: اشتراك البدنين المراد به: اشتراك الطرفين، ولذلك يقوم عقد شركة العنان على طرفين، وكل منهما شريك للآخر؛ لكن هذين الطرفين لابد من أن تتوافر فيهما أهلية الشركة، فكلا الطرفين لابد أن يكون كل منهما قد حصَّل أهلية الشراكة.
وإذا جئت تقول: ما هي أهلية الشركة؟ فينبغي أن تنظر إلى أصل عقد الشركة، فأصل عقد الشركة يفتقر إلى ملكية المال الذي يُشارَك به، فلا يصح أن يشاركك بمال ليس ملكاً له، كذلك أيضاً ينبغي أن يكون الذي يشاركك أهلاً للتوكيل، فلا يصح أن تشارك شخصاً لا تصح منه الوكالة؛ لأنه سيوكلك عن المائة ألف التي له، وأنت أيضاً لابد وأن تكون أهلاً للتوكيل.
إذاً: قالوا: يشترط فيها ما يشترط في التوكيل.
فلا يصح أن يشارك مجنوناً؛ لأن المجنون ليس بأهل للوكالة، ولا يصح أن يشارك يتيماً وصبياً صغيراً؛ فإنه ليس له حق التصرف في ماله، وليس له حق التوكيل في ذلك العقد؛ لكن لو أنك شاركت وكيل اليتيم ووكيل المجنون أو ولي المجنون أو ولي اليتيم صحت الشركة.
يعني: يجوز أن تشارك أصالةً ووكالةً على جهة الولاية، فلو كان الذي تشاركه ولياً لأيتام، فقال: أشاركك بمال اليتيم، عندي مائة ألف لأيتام، أو -مثلاً- إخواني أيتام ولهم مائة ألف أريد أن أشاركك في هذه المائة ألف التي هي للأيتام، فإنه في هذه الحالة يكون شريكاً لك، وفي الحقيقة أنت شريك للأيتام؛ لكن ليس لليتيم أن يتصرف في هذه الشركة إلا عن طريق الولي.
قوله: [أن يشترك بدنان]: يشترط فيهما ما يشترط من أهلية الشركة، ومن ذلك: ملكية المال، وكذلك أيضاً: أهليتهما للتوكيل؛ لأن كل واحد من الشريكين قد وكَّل صاحبه للنظر في ماله والتصرف فيه.
قال رحمه الله: [أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم]: [بماليهما]: قد تكون (الباء) بمعنى: (في)؛ لأن (الباء) لها أكثر من عشرة معانٍ، في لغة العرب، وهي من أوسع الحروف معاني.
تَعَدٍّ لُصوْقاً واسْتَعِنْ بِتَسَبُّبٍ وبَدِّلْ صِحاباً قابَلُوكَ بالاسْتِعْلا وزِدْ بعضَهمْ يميناً تَحُزْ معانِيَها كُلًَّا فهنا يحتمل أن يكون قوله: [بماليهما] أي: في ماليهما، فتكون (الباء) للظرفية، تقول: محمد بالبيت، أي: في البيت.
فالمراد هنا: أن تكون الشركة في المالين.
وبناءً على ذلك: لما قال: [أن يشترك بدنان] أي: يجتمع بدنان في ماليهما: - خرجت شركة الأبدان، فإنهما يشتركان في عمل البدن.

  • وخرجت الشركة بالمال من أحدهما والعمل من الآخر، وهي: شركة المضاربة.
  • وخرجت الشركة بوجهيهما، وهي: شركة الوجوه.
    فقوله رحمه الله: [بدنان بماليهما] أي: في ماليهما.
    وهذا المال له شروط، سيذكر المصنف هذه الشروط، فيكون هذا المال من النقدين، وهل يجوز أن يكون من العروض؟ الصحيح: عدم جوازه، وسنبين علة ذلك.
    واشترط شرطاً في قوله: [بماليهما المعلوم]: فخرجت الشركة بمالين مجهولين، فلا يصح أن نشارك بمال مجهول، كأن يقول له: ادفع مائة ألف، وأدفع أنا ما في خزنتي، فإن الذي في الخزنة لا ندري كم هو! هذا المجهول من الطرف الواحد.
    والمجهول من الطرفين كأن يقول له: تشاركني بما في خزنتك، وأشاركك بما في خزنتي، على أنها شركة عنان، والذي في خزنة هذا لا يُعلَم، والذي في خزنة هذا لا يُعلَم! فحينئذ تكون بمالين مجهولين.
    أو يقول: نشترك بمالين، ولا يحددان قدر المالين، ونحو ذلك من الصور المبنية على الجهالة.
    يقول العلماء: إن الشريكين إذا اشتركا في مالين مجهولين حصلت الخصومة، وحصل البغي من بعضهم على بعض، ولربما ختل أحدهما الآخر، فظن شريكُه أنه سيدفع مالاً كثيراً، فإذا به يدفع المال القليل، ولذلك لا يجوز أن يشاركه على هذا الوجه المجهول.

حكم تفاوت رأس المال في شركة العنان

قال رحمه الله: [بماليهما المعلوم ولو متفاوتاً]: [ولو متفاوتاً]: وهذه مسألة خلافية: هل يجوز أن يشتركا في شركة العنان برأس مال متفاوت؟ فقوله: [ولو] إشارة إلى خلاف مذهبي، وهناك خلاف خارج المذهب.
فالجمهور على أنه يجب في شركة العنان أن يستوي رأس المال مع الربح، وحينئذ يكون رأس المال مناصفة بينهما، ويكون الربح بينهما مناصفة؛ ولا يختلف رأس المال عن الربح.
وبناءً على ذلك: يكون عند الجمهور كالحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة على أحد الوجهين أنهم يقولون: لابد أن تكون شركة العنان مستوية، فلا يجوز أن يكون رأس المال متفاوتاً إذا كان الربح مستوياً، بل لابد أن يتطابق الربح مع رأس المال.
وسنفصل هذه المسألة عند ذكر الشروط المتعلقة بالمال.
[ليعملا فيه ببدنيهما]: [ليعملا فيه] يعني: في المال.
[ببدنيهما]: وهذا يدل على أن شركة العنان فيها اشتراك من وجهين: الوجه الأول: الأموال.
والوجه الثاني: العمل.
فيعمل كل منهما في الشركة، فخرجت شركة المضاربة؛ لأن العمل فقط من العامل.
وبناءً على ذلك: لابد أن يعمل الطرفان، فإذا دفعتَ خمسين ألفاً ودفعتُ أنا خمسين ألفاً يكون العمل بيننا مناصفة، فتعمل مثل ما أعمل، وأعمل أيضاً مثل ما تعمل، ولذلك يكون الربح بيننا مناصفة، فلا يظلم أحدُ الشريكين صاحبَه.
وصلى الله على سيدنا محمد.

الأسئلة

الإيجاب والقبول في الشركة توكيل

السؤال

هل تندرج الوكالة تحت الشركة تلقائياً، بمعنى أن كل شريك وكيل؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: لا يخفى أن الشركة يقوم عقدها على الصيغة، وهذه الصيغة قولك: شاركتُك، وقول الآخر: قبلتُ، ونحو ذلك مما يدل على الاجتماع، فهذه الصيغة وهي قولُك: (شاركتُك) هي إذن بالتصرف، وهو توكيل.
وبناءً على ذلك: فموجب قولك: شاركتُك يدل على أنه قد صار وكيلاً عنك، وصرتَ أيضاً وكيلاً عنه حينما قال: قبلتُ، أو رضيتُ، أو أصبحنا شركاء، أو أنت شريكي، أو نحو ذلك مما يدل على القبول، وهذا يرجع إلى العرف، فكل عرف بحسبه، فما دل على القبول يدل على الإذن بالتوكيل، فكما أن اللفظ وهو الإيجاب يدل على الإذن بالتوكيل، كذلك أيضاً القبول من الطرف الثاني يعتبر قبولاً للوكالة وإذناً أيضاً وتوكيلاً بالنسبة لما يتعلق بالشريك القابل.
والله تعالى أعلم.

حكم الشراكة بين الأب وابنه

السؤال

هل تقع الشركة بين الأب وابنه، علماً بأن الأب مالك لمال ابنه؟

الجواب

الأب مع ابنه له أحوال، فمن حيث الأصل فقد دلت النصوص على أن الأب والابن كالشيء الواحد، ويشهد لذلك ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث فاطمة رضي الله عنها أنها لما أراد علي رضي الله عنه أن يتزوج عليها، وهذا الحديث سببه أنه فُهِم منه الأذية والإضرار، ولذلك أرادوا أن يزوجوا علياً بابنة أبي جهل، فما الذي دعاهم يسكتون ويختارون ابنة عدو الله؟! دل على أن الأمر فيه نوع أذية وإضرار، فخرج عن كونه تعدد من حيث الأصل، وقد أحببنا أن ننبه عليه؛ لأن البعض يحتج بهذا الحديث في غير موضعه، فللحديث أمر مهم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (والله لا يجتمع دخان بنت عدو الله مع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت واحد) فهذا يدل على أن الأمر كان فيه نوع من الأذية والإضرار.
فالمقصود أن هذه الحادثة لما وقعت، دخلت فاطمة رضي الله عنها على أبيها وقالت له: (إن الناس يتحدثون أنك لا تغار.
فخرج عليه الصلاة والسلام وقال على المنبر: والله! لا آذَنُ، والله! لا آذَنُ، إنما فاطمة بضعة مني) فقوله: (بضعة مني) هذه الكلمة تفرع عنها ما لا يقل عن ستين مسألة فقهية، وهذا يدل على عظمة هذا الدين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (وأوتيتُ جوامع الكلم) فهذه الكلمة (بضعة مني) تفرعت منها مسائل الآباء، والأبناء، والبنات مع آبائهم ومع أمهاتهم، وتنزيل الابن مع أبيه، والبنت مع أمها وأبيها كالشيء الواحد.
وعلى هذا قالوا: إن هذا الحديث يدل على أنه بمثابة الشيء الواحد، فقالوا: يكون من الملكيات، فالشخص لا يشارك نفسه، فبناءً على ذلك يكون فيها شبهة الملكية للمال، وأكد هذا حديث السنن عنه عليه الصلاة والسلام وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحق ما أكلتم: من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم) فجعل الولد مع والده كالشيء الواحد، وصوَّر كسبه كسباً له، فقال: (إن أحق ما أكلتم: من كسبكم)، وهذا دال على أن الابن من كسب أبيه.
وفيه دليل على عظيم حق الوالد على ولده.
ورُدَّ ذلك؛ لأن الشرع أكَّد هذا، حتى إن الرجل لو اشترى والده في الرق عَتَقَ عليه، ولذلك قالوا: إنه يعتق عليه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من ملك ذا رحم منه فقد عَتَقَ عليه)، فقالوا: إن هذا يؤكد على أن مال الابن في حكم الملكية لوالده.
وقال بعض العلماء: إنها ملكية نسبية، فعلى هذا الوجه يتخرج أن يشارك الابن أباه، وأن يكون مع أبيه في الشركة، ويكون حكمهما حكم الشريكين المختلفين.
والله تعالى أعلم.

السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها ملغاة

السؤال

السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها بدون حيلة، هل يُحْكَم بصحة البيع أم فيه شبهة؟

الجواب

هذه مسألة قعد بعض العلماء فيها القاعدة المشهورة: (السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها مُلغاة)، هذه القاعدة تقع كثيراً في مسائل بيوع الذرائع، ومنها ذرائع الربا، ومن أشهر ما يقع ذلك في مسألة (بيع العينة)، فإن الرجل إذا باع السلعة وأخرجها من يده (فالسلعة الخارجة من اليد العائدة إليها -قبل تمام الصفقة الأولى- مُلغاة)، فهو إذا باعه السيارة بمائة ألف إلى نهاية السنة، ثم اشتراها منه نقداً حاضرةً بثمانين ألف، قالوا: تُلغى صورة العقد -عقد البيع- في الأول والثاني، فقد خرجت السلعة ثم عادت، وذلك مع اتحاد اليد، فقالوا: كأنه أعطاه ثمانين ألفاً حاضرة بمائة ألف إلى أجل، والسلعة الخارجة من اليد العائدة إليها مُلغاة عند عدم وجود المخالفة، يعني: عند عدم وجود يد خارجة، أما لو أنه باعها على شخص، ثم الشخص الآخر باعها على صاحب المعرض الذي قسَّط، فالأورع في مثل هذا أن ينتظر إلى سداد المبلغ حتى ينتهي التقسيط ثم يشتريها.
وإن كان القول بجوازها إذا بيعت إلى أجنبي دون مواطأة أنه يجوز؛ لأن اليد مختلفة، وقد قرر صلى الله عليه وسلم الحكم بالجواز عند اختلاف اليد، ولذلك بريرة لما أخذت الصدقة وغلا بها القدر، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأكل منها قالت له أم المؤمنين: (يا رسول الله! إنها صدقة، أو إنها لـ بريرة، فقال صلى الله عليه وسلم: هو لها صدقة، ولنا هدية) فأوجب اختلاف اليد.
فقال العلماء: إذا اختلفت اليد انتقل الحكم، فإذا دخل الأجنبي بدون مواطأة فإنه في هذه الحالة يُحكَم بكون الصفقة حلالاً للمعرض أو للبائع الأول، أما لو كانت من البائع الأول فإنها ينطبق عليها قولهم: (السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها مُلغاة)، ومعنى (مُلغاة): أي: يُلغى العقد في كلتا الصورتين.
ومن أمثلة ذلك: ما يكون بالتواطؤ، فأشبه ما تتحقق به هذه القاعدة: بيوع الذرائع التي يكون فيها التحايل على ما حرم الله عزَّ وجلَّ.
والله تعالى أعلم.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
متابعة المسبوق للإمام في سجدتي السهوالسؤالالجوابتوضيح حديث الذي دخل الجنة في شوك أزاحه عن طريق المسلمينالسؤالباب الوكالة [7]بعض الأحكام المترتبة على الوكالةيد الوكيل يد أمانة لا يد ضمانالحالة التي يضمن فيها الوكيل ما تلف بيدهأحوال اختلاف الموكل والوكيل في تلف ما وُكِّل فيهدعوى الوكالة في قبض الحقوق وأحوالهاالسؤالدعوى الوكيل الوكالة مع وجود بينة الشهوددعوى الوكيل الوكالة دون بينة ولا دليلالسؤالمسألة إذا أنكر الموكل الوكالة لمن أخذ الدينمسألة إذا وجد الموكل وديعته أخذها ومسألة الظفرتضمين المودع أو الوكيل إذا تلفت الوديعةالأسئلةمسائل الوصايا والحضانة وغيرها متفرعة عن مسألة الوكالةالسؤالالجوابالخطابات المختومة من القرائن التي تدل على الوكالةالسؤالالجوابحكم تحويل المبالغ المالية من بلد إلى آخرالسؤالالجوابباب الشركة [1]مناسبة ذكر باب الشركة بعد باب الوكالةتعريف الشركة وأنواعهاالاشتراك في الاستحقاق (الأملاك)الاشتراك الاختياريالاشتراك الإجباريالاشتراك في التصرف (شركة العقود)أقسام شركة العقودالأدلة على مشروعية شركة العقودالسؤالالغاية من إباحة الشركة ومشروعيتهاحكم عقد الشركةشركة العنانشركة العنانسبب تسميتها بشركة العنانحقيقة شركة العنانحكم تفاوت رأس المال في شركة العنانالأسئلةالإيجاب والقبول في الشركة توكيلالسؤالالجوابحكم الشراكة بين الأب وابنهالسؤالالجوابالسلعة الخارجة من اليد العائدة إليها ملغاةالسؤالالجواب
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل