شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 13-8
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ملكية النماء المنفصل وتعارضه مع حديث المصراة

السؤال

أشكل عليَّ أن للمشتري النماء المنفصل، لتعارضه مع حديث (. ردها وصاعاً من تمر) أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فحديث أبي هريرة في الصحيح: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر).
فالإشكال الذي ذكره هو إشكال في محله من حيث الظاهر، ونحن قلنا في الخيار: إذا قال له البائع: بعتك هذه السيارة بعشرة آلاف ريال، فقال المشتري: قبلت، ثم اشترط الخيار يومين، فقال البائع: وأنا كذلك أشترطه يومين، فتم البيع بالإيجاب والقبول في المجلس، وبقي معلقاً بالخيار، وقد أثبتنا أن ملكية المبيع تكون للمشتري.
فإذاً: الاستحقاق للمشتري ثابت، والصفقة تمت، والشيء الذي بيع ليس فيه غبن ولا غش ولا تدليس، بل هو تام، وشروط الصحة موجودة، فالبيع من حيث إنه تام الأركان تام الشروط لا إشكال فيه، لكن إذا اشترى شاة مصرّاة، فالعقد إنما وقع على شاة من صفاتها أنها حلوب، فإذا به يجد أنها غير حلوب، فكأن العقد ورد على غير مورده، ولذلك فكأن البيع لم يقع ولم يتم إذا اختار الفسخ، ولذلك قال: (وإن سخطها ردها وصاعاًَ من تمر) وهذا وجه للجواب.
إذاً: يكون الفرق بين الأمرين، أن البيع في خيار الشرط والمجلس قد تم، وهو مستوفٍ لشروطه، وكأن في المسألة مهلة ونظرة فقط، فكان النماء للمشتري.
لكن في المبيع الناقص وقع البيع على مبيع كامل، فإذا به قد وقع على مبيع ناقص، وكأنه ليس بمحل للعقد، فلا وجه لأن نقول: إن البيع قد تم؛ لأنه لو تم لألزم به، ولكنه وقع على مبيع كامل والحقيقة أنه على مبيع ناقص.
والوجه الثاني: أن فيقال: إن صاع التمر في حديث المصرّاة ليس من باب الضمان من كل وجه، أي: ليس على قاعدة الضمان، والدليل أن الطعام ليس هو بمثلي ولا قيمي، والقاعدة في الضمانات أن تكون أولاً بالمثل إذا وجد، فإذا لم يوجد المثل ينتقل إلى القيمة، والتمر في لقاء الحليب ليس بمثلي ولا بقيمي.
لو أن رجلاً أتلف سيارة لك، وأخطأ في هذا الإفساد والإتلاف، فإنه من ناحية شرعية يضمن، فنذهب إلى باب الضمان وننظر إلى قواعد الضمان: وقواعد الضمان تستلزم أن يعطيك سيارة مثل سيارتك التي أتلفها، وهذا يسمى الضمان بالمثل، فإذا جاءك بسيارة مثل سيارتك لزمك أخذها؛ لكن لو أنه بحث ولم يجد سيارة مثل سيارتك فإنه حينئذ ينتقل إلى القيمة، فنقدر السيارة بقيمتها يوم الإتلاف لا يوم الرد، فلو أنه أتلفها قبل خمس سنوات وقيمتها مائة ألف، ولما جاء يردها بعد خمس سنوات وهي تباع بألف نقول: تضمنها بقيمة مائة ألف: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) فالضمان الذي يلزم به هو عند الأخذ والإتلاف؛ لأنه لما أتلف استقر الحق في ذمته، وبناء على هذا يكون الضمان بالقيمة.
فعندنا ضمان مثلي وضمان قيمي، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (ردّها) أي: يرد الشاة (وصاعاً من تمر) فالصاع ليس بمثل للحليب؛ لأن مادة الحليب من المشروبات، ومادة الصاع من الجامدات التي تؤكل، فهذا شراب وهذا أكل جامد، أو هذا مائع وهذا جامد، فليس بمثلي.
حتى ولو كان شراباً، بأن رد خلاً مثلاً، فليس الخل من جنس الحليب الذي يشرب، فهو ليس بمثلي ألبتة.
وليس بقيمي؛ لأن الصاع من التمر، ليس بنقود، والقيمة يقصد بها الذهب أو الفضة التي جعلها الله قيماً للأشياء.
فهذا الضمان خرج عن الأصل فهو مستثنى من الأصل، ولذلك لما اعترض الحنفية على الجمهور -كما سيأتي إن شاء الله في حديث المصرّاة- باعتراضات، أجاب الجمهور بأن حديث المصراة خالف الأصول، بمعنى: أنه استثني من الأصول لورود السنة به، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أكل أو شرب في نهار رمضان فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه).
وإذا جئت إلى القاعدة وجدت أن الشريعة توجب على من نسي الركن أن يأتي به، فلو أن رجلاً سلم من ثلاث ركعات في صلاة العشاء، فإنه يجب عليه أن يرجع ويأتي بركعة، فكونه نسي لا يسقط ضمان الحق لله عز وجل، فنسيان الأركان لا يجبر بسجود السهو، بل ينبغي أن يأتي بالفعل حقيقة.
إذاً: أنت الآن في الصلاة تلزم بضمان الركن والإتيان به، وركن الصوم الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، فلو نسي وأكل أو شرب فحينئذ فات الركن، ولذلك قال المالكية في هذا الحديث: قوله: (إنما أطعمه الله وسقاه) أي: فأسقط الإثم ولكن لا يسقط الضمان ولذلك لم يقل: فلا يقضي؛ لأن القاعدة عندهم أن النسيان للأركان لا يسقط الضمان.
ولكن قال الجمهور -وهذا موضع الشاهد- حديث رمضان في الأكل والشرب استثني من الأصل لورود السنة به، ويجوز الاستثناء من القواعد الكلية بآحاد الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فنحن نقول: القاعدة في الخيار أن النماء المنفصل يكون للمشتري، وجاء حديث المصراة مستثنى من الأصول، وانتهى الإشكال، والقاعدة: أنه لا تعارض بين عام وخاص، فهذا عام ودارج على القاعدة العامة، وهذا خاص، وبهذا يزول الإشكال، والله تعالى أعلم.

يد المشتري في زمن الخيار

السؤال

هل يمكننا أن نقول: إن يد المشتري في زمن الخيار يد أمانة، أثابكم الله؟

الجواب

بالنسبة للمشتري، يده يد أمانة في حفظ المبيع، فيحفظ المبيع للبائع بالنسبة للرد؛ لكن بالنسبة للضمان يضمن، أي: يده يد ضمان، فهي أمانة من جهة أنه لا يبيع السلعة ولا يهبها؛ لكن من جهة الضمان يده يد ضمان، والفرق بينهما: لو فرضنا أن السيارة التي بيعت في مدة الخيار أهلكتها آفة سماوية، أو جاء سيل واجترفها، فالضمان على المشتري؛ لأنه لا يحسن أن يأخذ النماء وتكون الخسارة على غيره؛ لأن هذا ظلم، والنبي صلى الله عليه وسلم قد وضع (الخراج بالضمان) فإذا كان له النماء المنفصل فمعناه أنه مالك، ولذلك لا يصح أن تقول: يده يد أمانة؛ لأن يد الأمانة لا تضمن إذا لم تفرط، فإذا فرطت ضمنت، والواقع أنه لو تلفت هذه السيارة بآفة سماوية فإنه يضمن، ولذلك لا يصح أن نقول: إن يده يد أمانة من هذا الوجه، لكن نقول: يد أمانة بمعنى: أنه لا يجوز له أن يهب، ولا يجوز له أن يبيع، ولا يجوز له أن يتصرف في المبيع بالعتق ونحوه.
أما من ناحية اليد الحقيقية فهي يد ضمان، له في المبيع غنمه وعليه غرمه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

شرح زاد المستقنع -

باب الخيار [4]

من أقسام الخيار: خيار التدليس، وهذا الخيار فيه عدل من الله سبحانه وتعالى ولطف بعباده، ويقع هذا الخيار إذا دلس البائع على المشتري، فيظهر له الشيء كاملاً والحقيقة أنه خلاف ذلك.
ومن أقسام الخيار أيضاً: خيار العيب، وقد شرع هذا الخيار دفعاً للضرر عن المسلم، وفيه توبيخ وقرع لأهل الغش.
والعيوب منها ما هو مؤثر في المبيع ويستحق به الرد، ومنها ما هو يسير يتجاوز عنه أو لا يستحق إلا بالشرط، وقد تكون العيوب حسية وقد تكون معنوية.
وإذا ثبت العيب فله أحكام مترتبة على ثبوته.

خيار التدليس تعريفه ومشرعيته

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: يقول المصنف رحمه الله تعالى: [الرابع: خيار التدليس]: شرع المصنف رحمه الله في النوع الرابع من أنواع الخيارات، وهذا النوع يتعلق بالتدليس، وأصله من الدلسة وهي الظلمة.
ويقع هذا الخيار إذا دلس البائع على المشتري، فأظهر له حسن الشيء المبيع وجماله وكماله، وكان الواقع والحقيقة أنه بخلاف ذلك، فإذا دلس عليه وأوقعه في لبس من أمره، فاشترى الشيء على أنه كاملٌ فبان ناقصاً، واشترى الشيء على أنه سالِمٌ فبان معيباً، فإنه حينئذ يكون للمشتري الخيار، فيقال له: إن شئت قبلت، وإن شئت رددت.
وخيار التدليس فيه عدل من الله سبحانه وتعالى، ولطف بعباده، وذلك أن المبيعات ربما اغتر المشتري بظاهرها، وظن أنها سالمة فدفع فيها القيمة على أنها تستحق ما دفع، ثم يتبين له أن الأمر بخلاف ذلك، وحينئذٍ لطف الله عز وجل به، فشرع له أن يرد المبيع؛ لأنه اشتراه كاملاً فبان ناقصاً، واشتراه سالماً فبان معيباً، ولم يقع البيع على شيء معيب، وإنما وقع البيع على شيء سالم من العيوب، فشُرِع له أن يرده.
وأجمع العلماء رحمهم الله على أن الواجب على المسلم أن ينصح لأخيه المسلم، وألَّا يغشه ولا يدلس عليه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من غشنا فليس منا) والسبب في ذلك: أنه دخل السوق، فوجد رجلاً يبيع الطعام، فأدخل يده صلى الله عليه وسلم في طعامه، فأصابت يدُه البلل، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما هذا يا صاحب الطعام؟ فقال: أصابته السماء يا رسول الله! فقال عليه الصلاة والسلام: هلَّا وضعته فوق الطعام حتى يراه الناس؟! من غشنا فليس منا).
فدل هذا الحديث الشريف على حرمة التدليس على المسلم.
ويقع التدليس بوضع الشيء الطيب من أعلى ووضع الرديء من أسفل.
ويقع التدليس بتسوية الأشياء، فتُرى على أنها جميلة وكاملة وعلى أنها فاضلة، ثم يتبين أن الأمر بخلاف ذلك.
وقد ذكر المصنف رحمه الله لهذا أمثلة، تعتبر بمثابة التطبيق لما ذكر من نص.

صور لخيار التدليس

قال رحمه الله: [كتسوية شعر الجارية وتجعيده]: وفي بعض النسخ: [كتسويد شعر الجارية] وقد كانوا في القديم يشترون الجواري والإماء، ويحصل التدليس في صفة الجواري فيسرح الشعر، فترغب الناس فما كان أسود الشعر، ويكون شعرها أشقر فيضرب بلون السواد، أو يكون شعر الجارية أحمر فيصبغ بلون السواد، كل ذلك ترغيباً للمشتري في الصفقة، فإذا فعل هذا وصبغ شعر الجارية على لون يحبه الناس، ثم تبين أن الأمر بخلاف ذلك، شرع حينئذٍ خيار التدليس.
وكذلك على النسخة الأخرى [كتسوية شعر الجارية] وهذه التسوية تكون بتسريحه على وجه يكون فيه التواء، وهذا النوع من الشعر إذا كان ملتوياً، كان فيه دليل على قوة البدن وصحته، بخلاف ما إذا كان الشعر رقيقاً فالغالب أنه يدل على ضعف البدن، فحينئذٍ إذا سواه بهذه الصفة، رغب المشتري في الجارية، وظنها قوية وظنها جميلة الشعر، ثم يتبين أن الأمر بخلاف ذلك.
هذه أمثلة قديمة، وفي عصرنا الحاضر ربما فعل البائع شيئاً في صفقته التي يعرضها للبيع، فجملها وحسن صورتها من الظاهر وهي في الباطن بخلاف ذلك، فيثبت خيار التدليس كما يثبت فيما ذكره المصنف رحمه الله من الأمثلة القديمة.
قوله: (وتجعيده) وهكذا التسوية والتجعيد، ومن التسوية تسوية الثياب، وقد ذكرها العلماء رحمهم الله، وهذا بالمبالغة في كيها وتنظيفها حتى تبدو كأنها جديدة، وهي قديمة، أما لو كانت قديمة، وكويت وعرضت للبيع فلا بأس، لكن أن تكون قديمة ثم يحسن ظاهرها فإذا رآها الإنسان ظنها جديدة، والواقع بخلاف ذلك، فهذا يعتبر من التدليس كما ذكر المصنف في تجعيد الشعر، فإن تجعيد الشعر إذا سرحه على وجه يبدو فيه ملتفاً، فإنه يرغب في الجارية أكثر، فهذا من التدليس والغش والكذب ويوجب للمشتري الخيار.
قال رحمه الله: [وجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها]: وقد كانت المزارع في القديم يستقى لها، وإذا جمع الماء وأرسل أمام الزبون أو أمام المشتري رغب في البستان وظن أن الماء كثير، وهكذا في زماننا ما يوجد من (المكائن)، ففي بعض الأحيان تدار (المكينة) فيكون الماء قوياً عند إدارتها في الأول، ثم يبدأ يضعف فيضعف حتى يصل إلى مستواه المعتاد، بعد ساعة أو بعد ساعتين، أو بعد ثلاث، فإذا جاء المشتري يريد أن يشتري المزرعة، فإنه يدير (المكينة) أو نحوها، فينظر فإذا بالماء كثير؛ لأنه في بداية الصب، فيظن المشتري أن ماء المزرعة كثير، ويرغب فيها، ويعتقد أنها متوفرة الماء، فيشتريها وإذا بالماء قليل، فإذا فعل البائع هذا الشيء، فإنه يثبت للمشتري خيار التدليس، وقد كان الواجب على البائع أن يقول له: هذا الماء كثير، ولكنه بعد ساعة أو بعد ساعتين، يبقى مثلاً (بوصتين) أو يبقى (ثلاث بوصات)، أو يبقى (بوصة) أو (نصف بوصة) كما هو متعارف عليه في أعراف الناس اليوم، فإذا لم يبين له ذلك على هذا الوجه فقد ظلمه ودلس عليه، وحينئذ يثبت خيار التدليس.

تعريف خيار العيب وصوره

قال المصنف رحمه الله: [الخامس: خيار العيب]: يذكر المصنف رحمه الله: القسم الخامس من أقسام الخيار، وهو خيار العيب.
والعيب في اللغة: النقص، يقال: عابه عيباً ومعيباً إذا انتقصه، والمراد بالعيب في البيع: نقصان المالية نقصاً مؤثراً.
(نقصان المالية): والمالية: تأتي على وجهين: فيراد بها القيمة، فمثلاً: أنت تشتري السيارة على أنها سالمة من العيب، فتكون قيمتها عشرة آلاف، وبهذا العيب تنقص قيمتها إلى تسعة آلاف، فمعنى ذلك: أنها انتقصت عشر قيمتها، وحينئذٍ يقولون: إن وجود هذا العيب أنقص المالية والقيمة، فالعيب هو الذي ينقص المالية أي: القيمة.
وقال بعض العلماء: المال هو كل شيء فيه منفعة.
وعلى هذا يكون نقصان المالية: إما نقص المنفعة الحسية أو نقص المنفعة المعنوية.
ونقص المنفعة الحسية كأن يشتري دابة مقطوعة القدم، تبدو شلاء أو بها عرج أو نحو ذلك.
أو نقصان النفع بحيث يكون العيب راجع إلى النفع، مثل الجنون في الأرقاء.
وهكذا بالنسبة للعيوب الخلقية الموجودة في الدواب، فقد كانت الدواب في القديم، لها عيوب خَلقية وخُلقية.
فمن العيوب الخُلقية: إذا أراد أن يركب على الدابة جمحت ونفرت، وفي بعض الأحيان ربما أسقطت الرجل من على ظهرها، والجنون أيضاً في البهيمة، فهذه عيوب كلها تؤثر في نفسية المبيع.
وتارةً يكون العيب راجعاً إلى الذات، فإذا رجع إلى ذات المبيع -كما ذكرنا- كالشلل، فباعه عبداً فبان مشلولاً أو باعه دابة فبانت مشلولة، أو بان بها عمى أو مرض في جسمها، أو نحو ذلك، فهذه العيوب الجسدية تنقص المنفعة، فأنت إذا أردت أن تنتفع من دابة جموح فإنها تضر بك، وتعطل مصالحك.
وإذا كانت الدابة مريضة واشتريتها على أنها سليمة، فإذا جئت تركبها فإنك تتعطل عن مصالحك وتتأخر عن منافعك ووجود المرض فيها قد يضر في لبنها وحليبها، وقد يضرك بلحمها إذا أكلتها.
فنقصت المالية من جهة نقص المنفعة، فالمنفعة إذا قلنا: نقصان المالية نقصان القيمة فلا إشكال، وإن قلنا: نقصان المالية نقصان المنفعة سيتم تأوليها على هذا الوجه.

العيوب التي تؤثر في المبيع والعيوب التي تستحق بالشرط

والعيوب تارة تكون عيوباً في ذات المبيع، أو تكون عيوباً مستحقة بالشرط.
فالعيوب التي تكون في ذات المبيع هي التي تعطل منافع المبيع أو تنقص قيمته، وهي ترجع إلى ذات الشيء فيبدو ناقصاً بعد أن ظنه كاملاً، وهذا العيب ينقص المنفعة أيضاً فلا يستطيع أن يجد منه من المنافع والمصالح ما كان يرجوه ويأمله.
وكذلك أيضاً تكون العيوب عيوب كمال، والعيوب الكمالية: هي التي لا يستحق فيها المشتري الخيار، إلا إذا اشترطها على البائع، فمثلاً: إذا اشترى الإنسان سيارة، واشترط شيئاً في السيارة، والسيارة بذاتها كاملة، فمنفعة السير موجودة، ومنفعة الركوب عليها ممكنة، لكنه اشترط أن يكون فيها (مسجل)، فهذا شرط كمال، إذ يمكن أن تباع السيارة بدون مسجل.
فلو بيعت بدون مسجل وجاء المشتري يقول: هذه السيارة معيبة، قلنا: ما عيبها؟ قال: ليس بها مسجل، نقول: عدم وجود المسجل ليس بمؤثر في منافع السيارة، وليس بعيب في ذات السيارة، فالسيارة تراد للركوب غالباً ومنافع الركوب فيها ممكنة، وحينئذ نقول: هذا ليس بعيب.
لكن لو قال عند الشراء: أشترط أن يكون بها (مسجل)، فإن عدم وجوده عيب.
أو باع بيتاً.
فإذا قال لك: أبيعك بيتي، وصفته كذا وكذا، وصف لك طوله وعرضه، وصفاته الكاملة، لكنك قلت له: أشترط أن يكون فيه -مثلاً- الهاتف أو الماء أو الكهرباء، فهذه منافع، والبيت لذاته إنما يعد للسكنى.
فلو أن رجلاً اشترى بيتاً، ثم لم يجد فيه الهاتف، وقال: هذا عيب، قلنا: ليس بعيب؛ لأن البيت يراد للسكن، ولا يراد للاتصال فعدم وجود هذا الجهاز فيه لا يقتضي نقصانه ولا يقتضي كونه معيباً؛ لكن لو أنه اشترط عليه وجود هذا الجهاز فيه فإنه يعتبر عيباً، ويجوز له أن يرد إذا لم يجد هذه الصفة فيه.
لو اشترى أرضاً فقال للبائع: أشترط أن يكون لها صك شرعي، فقال البائع: وهو كذلك، أي: لها صك شرعي، وتم العقد بينهما على هذا الأساس، وتبين أن الأرض لا صك لها، أو أنه لا يملكها بصك، فحينئذ من حق المشتري أن يرد الأرض ويعتبر هذا العيب.
إذاً: العيوب الكمالية لا تكون عيوباً إلا إذا اشترطت.
وفي بعض الأحيان تكون الكمالات عيوباًَ إذا لم تشترط إذا جرى بذلك العرف، فمثلاً: لو قال لك: أبيعك هذه السيارة بعشرة آلاف، فنظرت في السيارة وإذا بها على ما تريد وترغب، وجميع أوصافها وما تريده منها من الانتفاع ممكن ومتيسر، لكنك لما دفعت العشرة آلاف وركبتها، إذا بها لا يوجد بها المكيف -مثلاً- فجئت وقلت: هذا عيب.
ففي هذه الحالة ننظر: لو جرى العرف أن هذا النوع من السيارات الغالب أن يكون فيها مكيفاً، فحينئذٍ: (المعروف عرفاً كالمشروط لفظاً).
فنقول: صحيح أنه لم يقل: أشترط أن يكون بها هذا الجهاز؛ ولكنه معروف بالعرف أن هذا النوع من السيارات يوجد به هذا الكمال فهو كالشرط، أي: جريان العرف به كالشرط، وإنما سكت المشتري لأنه سيشتري شيئاً معروفاً.
الخلاصة: هناك عندنا عيوب مؤثرة في ذات المبيع، وعندنا عيوب تستحق بالشرط، وهذا ما مثلناه في العصر الحديث وفي القديم كأن يقول لك: أشتري منك العبد بشرط أن يكون كاتباً، أي: يعرف الكتابة؛ لأنهم يحتاجونه في كتابة الرسائل ونحوها، حتى يستأجره الناس وينتفع من وراء ذلك.
أو أشترط أن تكون له صنعة إلى آخر ذلك من الشروط، فالرقيق بذاته منفعته موجودة؛ لكن اشتراط الكتابة فيه يستحق به الرد، متى ما وجد على خلاف الشرط.
وهكذا بالنسبة للدابة -كما مثلنا في الحديث- فقد كانوا في القديم يشترطون أن تكون الدابة هملاجة، أي: السريعة، أو أن يكون الفرس سريعاً، أو أن يكون البعير سريعاً؛ لأنه يريده للركوب ولأن الدواب في القديم تارةً تشترى للحم، ويسمونها: الشاة الأكولة، الناقة الأكولة، البقرة الأكولة، أي: أنها اشتريت من أجل لحمها لكي تؤكل.
وتارةً تشترى للركوب، فيقال: دابة ركوب، ناقة ركوب، أي: اشتراها من أجل أن يركب عليها.
وتارةً تشترى من أجل الحليب، فيقال: شاة حلوب، وبقرة حلوب، وناقة حلوب.
فهذه الكمالات: كونها حلوباً، وركوباً، أو سمينة طيبة اللحم؛ لا تعتبر عيوباً إلا إذا اشترطها المشتري.
وبهذا يتبين أن العيب في قول العلماء: هو نقصان المالية، وذلك إما أن يكون نقصاً في الذات، أو نقصاً في النفع، ثم هذان النوعان -نقص الذات ونقص النفع- يعتبر منها العيب المؤثر أي: الذي يعتبر نقصه قوياً.
وأما النوع الثاني من العيوب: وهي العيوب التي تستحق بالشروط، وهي التي يسميها العلماء رحمهم الله: عيوب الكمالات، فلا تستحق بالطلب والدعوى، ولكن إذا جرى العرف بوجودها ولم توجد في المبيع، كان من حق المشتري أن يرد المبيع، ويثبت له خيار العيب، وهذا من حيث الإجمال.
من حيث التفصيل: المبيعات تارة تكون عقارات.
وتارة تكون منقولات.
وتارة تكون من الأثمان.
فإذا باع الإنسان أو اشترى فإما أن يبيع ثمناً، ويشتري ثمناً، وإما أن يبيع مثمناً ويشتري مثمناً، أو يبيع ثمناً ويشتري مثمناً، كما ذكرنا في تقسيمات البيع الثلاثة: - مثمن بمثمن، وهو بيع المقايضة.

  • ثمن بثمن، وهو بيع الصرف.
  • ثمن بمثمن وهو البيع المطلق.
    ففي الثمن يكون النقص في الورق النقدي والعيب في الورق النقدي، كأن يبيعه ورقاً أو يصرف له ورقاً مزوراً أو مزيفاً، وفي القديم كانوا يقولون: (دراهم زيوف ودنانير زيوف).
    في عصرنا الحاضر يصرف له دولارات مزيفة، هذه الدولارات المزيفة إذا ثبت زيفها، كان من حقه أن يردها وأن يأخذ عين ما دفع.
    وكذلك أيضاً بالنسبة لنقص القيمة الشرائية لها، فهذه ليس لها قيمة شرائية أصلا، ً ما دامت زيوفاً.
    في بعض الأحيان يكون الورق الموجود دولارات، قال لك: أصرف لك هذه المائة دولار بألفين ريال مثلاً، فقلت له: قبلت، فأخذت المائة دولار فوجدتها مقطعة، وهذه المقطعة لا يمكن أن تسري في السوق، ولا تقبل ولا تروج، فمن حقك أن تردها؛ لأن هذا نقص يؤثر في الانتفاع من هذه الدولارات؛ لأنك حينما أخذتها إنما أخذتها من أجل أن تكتسب بها وتنتفع بها، فتتعطل منفعتك بهذا النقص، فحق لك أن تردها وتستبدلها أو تلغي العقد نهائياً.
    الحالة الثانية: أن يكون البيع في المثمونات، والمثمونات إما عقارات وإما منقولات.
    فالعقارات مثل البيوت، ومثل الأرضين، ففي البيوت يبيعه بيتاً فيه عيب، وعيوب البيوت تنقسم إلى قسمين: - إما عيوب في ذات البيوت ومنافعها والانتفاع بها من السكنى تحتها والاستظلال ونحو ذلك.
  • وإما عيوب نفسية تؤثر في سكنك في البيت، فتزعجك وتقلقك ولا تريحك.
    فإن كانت العيوب في ذات البيت، كانكسار سقفه، فإنه إذا باعك البيت ثم تبين أنه منكسر السقف، أو لا تأمن أن يسقط السقف عليك، فهذا نقص في المالية، من حقك أن ترد به البيع، أو باعك عمارة وتبين أن فيها دوراً كاملاً مشقق، أو جميع أدواره مشققاً، بحيث قال أهل الخبرة: هذا ضرر فادح أو فيه خطر على السكنى في مثل هذا، فمن حقك أن ترد.
    كذلك أيضاً إذا باعك وكانت الغرف مقسمة على وجه لا يمكن معه الانتفاع، كأن تشتريها للسكنى، وقلت له: أريد عمارة فيها شقق من أجل أن أؤجرها، أو من أجل أن أسكنها، وتبين أن هذه العمارة كانت سكناً للعمال، ونظامها في التقسيم لا يصلح أن تصير به شققاً، فهذا مضر لمنفعتك ويمنعك من الارتفاق بها، فيحق لك الرد، فهذه كلها عيوب حسية في ذات المبيع.
    وهناك عيوب في العقارات، فقد يكون العقار أيضاً فيه عيب حسي إذا كان من الأراضي والمزارع، مثل: أن يبيعه مزرعة في مجرى السيل، فإن المزرعة في مجرى السيل عرضة إلى أن يأتي السيل ويأخذ ما فيها من زرع وحرث وما فيها من ماشية، بل وما فيها من أنفس، فإذا تبين أن مكانها مهدد بالسيل، كان من حقه أن يرد؛ لأن هذا العيب يضر به، وقد يؤدي إلى هلاكه وذهاب أمواله.
    وحينما ذكرنا عيوب العمائر، أو عيوب البيوت من انشقاق السقف، أو انكسار خشبه، أو وجود الأرضة التي كانت تأكل السقف في القيديم، فهذه كلها عيوب حسية.
    لكن قد يكون العيب في البيت معنوياً، وذلك مثل سكن الجن في البيت، أي: إذا كان البيت مسكونا، ً وهذا معروف بالمشاهدة والتجربة، وقد نبه الإمام ابن قدامة رحمه الله والمتقدمون على مثل هذه العيوب، فلو كانت الدار مسكونة، وهذا له علامات، ففي بعض الأحيان ينفتح الباب بدون وجود شخص، وفي بعض الأحيان ينطفئ المصباح بدون أن يطفئه آدمي، وفي بعض الأحيان تسمع الأصوات، فلابد أن توجد دلائل بشهادة أهل الخبرة أن هذا البيت مسكون، ففي هذه الحالة من حقه أن يرد البيت.
    كذلك أيضاً: الجار السوء، فجار السوء الذي يؤذي الإنسان، قال بعض العلماء: إنه عيب معنوي، فذات الدار كاملة، وصفاتها كاملة؛ لكن إذا تبين أن جارها جار سوء يؤذي الإنسان في عرضه، ويؤذيه في نفسه بالكلام عليه، ولا يأمنه إذا غاب على أهله، ففي هذه الحالة قال بعض العلماء: إن جار السوء يستحق به الرد، خاصة إذا كان شريراً ومضراً.
    إذاً: العقارات يكون عيبها حسياً، ويكون عيبها معنوياً.
    فإذا كانت البيوت فيها عيب السكن، وعيب جار السوء، فكيف يكون في المخططات والأرضين؟ يكون في المخطط بعدم القيمة للأرض، وذلك بعدم وجود الصك الشرعي لها، فلو باعه أرضاً وتبين أن صكها مزور، أو أن الصك ليس لها إنما هو لغيرها، ففي هذه الحالة من حقه أن يرد، فكل هذه الصفات وهذه العيوب مؤثرة في المبيع، إما أثرت في عين المبيع، أو أثرت في قيمة المبيع والانتفاع به.
    وأما عيوب الدواب فكما ذكرنا، فيكون العيب في ذاتها، الذي هو العيب الحسي، مثل مقطوعة القدم، ومقطوعة الرجل، مقطوعة اليد والشلاء، ومقطوعة الأذن، مثلاً: لو اشتريت شاة للأضحية، وتبين أنها مقطوعة الأذن، فحينئذٍ من حقك الرد؛ لأن مثلها لا تستطيع أن تضحي بها، على قول من قال: في حديث عدي رضي الله عنه: إن مقطوعة الأذن لا يضحى بها.
    في زمننا الحاضر مثلاً: لو اشتريت شاة وتبينت فيها الأورام والغدد، التي قد تضر بالإنسان إذا أكل من لحم هذه الشاة، فإذا تبين أن فيها هذا العيب وفيها هذا الضرر، كان من حقك أن ترد.
    وعيوب الدواب المعنوية مثل: إذا جاء يركب على الفرس ينفر منه، إذا جاء يركب على الناقة نفرت منه

مشروعية خيار العيب

ذكر المصنف رحمه الله خيار العيب، و

السؤال

ما هو الدليل على كون المسلم يستحق عند وجود العيب رد المبيع؟ الدليل على ذلك: كتاب الله، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإجماع أهل العلم.
أما كتاب الله: فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:29] هذه الآية الكريمة وجه الدلالة منها في قوله: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:29] و (الباطل) أكل المال بدون وجه حق.
وعلى هذا: لو باعك السيارة كاملة بعشرة آلاف، وظهر بها عيب ينقص قيمتها إلى ثمانية آلاف، فمعناه أنه قد أخذ منك الألفين بدون وجه حق.
ولذلك يقولون: بيع المعيبات وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل؛ لأنك تدفع القيمة كاملة في شيء كامل، والواقع أنه ناقص، فكأن ثمن المبيع على النقص يعتبر مأكولاً بالباطل، فهذا وجه الدلالة من الآية الكريمة.
وأما من السنة: فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في حديث المصرّاة أنه قال صلى الله عليه وسلم: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين، إن شاء أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر) وهذا حديث عظيم، فقد فرع عليه العلماء رحمهم الله مسائل العيوب، وحاصله: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى فيه المسلم عن أن يصر الإبل والغنم، وفي حكمهما بقية الدواب.
ومعنى (تصرية الإبل والغنم): أنهم كانوا في القديم يأخذون الناقة، ويمتنعون من حلبها ثلاثة أيام أو يومين أو أربعة، فينتفخ اللبن في ضرعها، فإذا رآها رجل ظنها كثيرة اللبن، فاشتراها على أنها حلوب، ثم تبين أن حليبها ليس بالصفة التي اشتراها إذاً: فالتصرية أن يمتنع من حلب الشاة أو الناقة مدة حتى يكثر أو يعظم اللبن في ضرعها، قال صلى الله عليه وسلم لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها أي: من اشترى شاة أو ناقة مصراة (فهو بخير النظرين) أي: هو بين أمرين وإن شاء أمسكها، أي: إن رضيها وقال: رضيتها، والله عز وجل يعوضني في الآخرة، وسكت عن العيب، فهذا حقه، كما لو سامح المسلم المسلم في حقه، وإما أن يسخطها ويردها على صاحبها، فقال صلى الله عليه وسلم: (وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر) أي: رد الناقة أو الشاة ومعها صاع من تمر، جبراناً لذلك النقص الذي استفاده من حلبها في الأيام الماضية.
إذاً: حديث المصراة دليل على إثبات خيار العيب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فمن ابتاعها -أي: اشتراها- فهو بخير النظرين)، فقوله: هذا يدل على أن من اشترى شيئاً معيباً، أنه بخير النظرين إما أن يمسك وإما أن يرد.
وفي هذا الحديث دليل أيضاً على حرمة التدليس والغش؛ لأنه قال: (لا تصروا) والنهي للتحريم؛ لأن القاعدة: (أن النهي يحمل على ظاهره الموجب للتحريم، حتى يدل الدليل على خلاف ذلك).
وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء رحمهم الله على إثبات خيار العيب من حيث الجملة، فكلهم متفقون على أنه إذا باعه شيئاً معيباً واشتراه المشتري دون أن يعلم بالعيب، أن من حقه أن يرد، على تفصيل سنذكره إن شاء الله، يختلف بحسب اختلاف مذاهب العلماء رحمهم الله.
وفي خيار العيب حكم عظيمة منها: دفع الضرر عن المسلم.
فقد شرع الله خيار العيب دفعاً للضرر عن المسلم، ولذلك أمر من اشترى المعيب أن يرده إذا لم يرد، أو يبقيه إن رضيه، وأذن الله عز وجل له أن يرد المعيب، وهذا يدل على مشروعية أخذ المسلم بحقه إذا تبين له أنه مظلوم، فقد قال عليه الصلاة والسلام وإن سخطها ردها، فمن حقك أن ترد المعيب لأنك ظُلمت، وقد اشتريت الكامل ولم تشتر الناقص، ودفعت ثمن الكامل ولم تدفع ثمن الناقص فقط، وكأنك حينما اشتريت الشيء على أنه كامل وتبين أنه ناقص فكأنك عقدت العقد الذي بينك وبين البائع على شيء غير هذا الشيء، وبناء عليه تستحق الرد.
وفي خيار العيب -أيضاً- قرع وتوبيخ لأهل الغش وصيانة لأسواق المسلمين من الكذابين والغشاشين، ولو أنه كلما ظهر عيب ردت المبيعات لعُرف الغشاشون، ولم يستطيعوا أن يتسلطوا على المسلمين، ولكن إذا لم يعط المسلم خيار العيب، فإن معنى ذلك أن يتسلط الغشاشون ولا يجدون من يردعهم عن غش المسلمين، فتصبح الأسواق مليئة بالغش والكذب، حتى لا يأمن الإنسان في تجارته وبيعه وشرائه.

العيوب الحسية والمعنوية وتأثيرها في المبيع

قوله رحمه الله: (خيار العيب) أي: من أقسام الخيار التي دل عليها دليل الشرع خيار العيب.
وقوله: [وهو ما ينقص قيمة المبيع كمرضه]: وبعض العلماء يقول: (نقصان المالية)، والمالية هي القيمة فلا إشكال.
فقوله: (ما ينقص قيمة المبيع): أي: الشيء المبيع، سواء كان ثمناً أو مثمناً.
(كمرضه): الكاف للتمثيل أي: مثل المرض، والمرض ينقص قيمة المبيع؛ لأن المبيع المريض منفعتُه أقل من المبيع الصحيح؛ ولأن المبيع المريض يكلف المشتري كلفةَ دوائه وعلاجه والقيام عليه؛ ولأن المبيع المريض قد يدخل الضرر على الإنسان، كما لو كان به مرض معدٍ، أو نحو ذلك، فذكر المرض في العيب يشمل المرض الذي هو حسي، والمرض المعنوي.
فالمرض الحسي: مثل الأمراض التي تُرى وتُشاهد كالجرب ونحو ذلك.
والأمراض المعنوية: مثل أن يكون به مرض نفسي مما يوجب أو يمنع الانتفاع به على الوجه المطلوب.
قال رحمه الله: [وفقد عضو أو سن أو زيادتهما]: (وفقد عضو): كاليد، كما إذا باعه رقيقاً، وتبين أنه مشلول اليد، وهكذا، هذا في القديم.
وفي الحديث: لو باعه سيارة ليس لها عجلات مثلاً، والسيارات تراد للركوب، فلو باعها بدون أن يكون لها فهذا في حكم فقد العضو؛ لأنها لا يمكن أن تسير ولا أن ينتفع بها إلا بوجود هذا الشيء الذي هو (إطارها) الذي تسير عليه.
(أو سن) فقد السن يؤثر في الدواب، ويؤثر أيضاً في الأرقاء، والسبب في هذا: أن السن يؤكل به، وفقده يضعف أكل الدابة فتضعف، وكذلك أيضاً فقد السن ربما يدل على مرض كما يقع في بعض الأمراض من تساقط الأسنان، وكذلك أيضاً فقد السن ينقص الجَمال في الأمة، إذا اشتراها من أجل أن يعف نفسه عن الحرام؛ لأن الله أحل له وطأها.
فالمقصود: أنه مثل رحمه الله من بيئته بما كان موجوداً في القديم.
(أو زيادتهما) أي: زيادة الأعضاء فإن هذه الزيادة تنقص المالية؛ لأن بعضها يؤثر في المبيع؛ لأن بعض الأسنان إذا زيدت تحدث الألم، وهذا يضر بالمبيع.
وبعض الأعضاء إذا زيدت يمتنع الارتفاق، ويمتنع الانتفاع بالرقيق بالوجه الكامل، أو بالوجه الأفضل والأكمل.
قال رحمه الله: [وزنا الرقيق]: هناك عيوب حسية، وعيوب معنوية إذا أردت أن تقسم العيوب.
العيوب الحسية: هي التي تكون النقص فيها في الخِلقة في الآدميين والدواب، أو النقص في أركان البيت، وفي منافعه.
لو باعه بيتاً بدون دورة مياه مثلاً، فهذا يعتبر نقصاً مؤثراً، فهذه عيوب حسية، وهي تشاهد وترى.
وهناك عيوب معنوية، والعيوب المعنوية لها ضابط عند العلماء: وهي ما كانت راجعة إلى الخلُق، والنفس، وهذه العيوب النفسية أو المعنوية منها ما هو ديني، ومنها ما هو دنيوي.
فالعيوب الدينية مثل زنا الرقيق، والسبب في هذا: أنه إذا كان الرقيق قد عرف بالزنا، فإنه لا يؤمن على العرض، وكان الأرقاء يحتاجون لقضاء مصالحهم، وربما دخل البيت لقضاء المصلحة، كحمل المتاع ونحو ذلك، وربما غاب السيد عنه وسافر، فوجود الزنا في الرقيق عيب، وهذا مذهب جمهور العلماء.
وخالف الإمام أبو حنيفة النعمان عليه من الله الرحمة والرضوان، فقال: الزنا في الرقيق ليس عيباً، واحتج بما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد، ولا يثرّب عليها، ثم إذا زنت الثانية فليجلدها الحد، ولا يثرّب عليها، ثم إذا زنت الثالثة فليجلدها الحد ولا يثرّب عليها، ثم ليبعها ولو بظلف شاة) قال: فإذا بيعت وهي زانية، فهذا يدل على أن الزنا ليس بعيب.
قال: ولأن الزنا قد يقع بسبب التساهل في البيئة، فتكون زانية عند زيد وليست بزانية عند عمرو، فزيد يتركها تتعاطى ذلك أو يتساهل في حفظها، وعمرو يحفظها، فهو يقول: ليس بعيب؛ لأن هذا الشيء يحتاج إلى تحفظ ويحتاج إلى صيانة، وهكذا بالنسبة للذكر.
وهي مسألة خلافية مشهورة، والأقوى أنه عيب كما ذهب جمهور العلماء، وحديثنا وهو قوله: (ثم ليبعها ولو بظلف شاة) لا يمنع أن تباع ويبين أنها زانية؛ لأن هذا من العيوب التي تبين، فإذا بين أنها زانية ارتفع الاستدلال بالحديث، ولم يستقم استدلاله رحمه الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البيعان بالخيار.
-ثم قال-: فإن صدقا وبينا) لأن من المعلوم أنها إذا كانت زانية وجاء يبيعها، فإنه يجب عليه أن يبين أنها ليست بمستقيمة وأنها تقع في الزنا، فإذا بين ذلك انتفى كونه عيباً، ومن هنا لا يقوى اعتبار هذا الحديث حجة على جمهور العلماء رحمهم الله، والصحيح أنه عيب.
قال رحمه الله: [وسرقته]: هذا من دقة المصنف، فقد ذكر رحمه الله العيوب التي هي نقصان في الخِلقة: (كمرضه، وفقد عضو، أو سن أو زيادتهما) وفقد الأعضاء من العيوب الحسية، ثم جاء بالعكس وهي زيادة الأعضاء، فإن زيادة الأعضاء تنبئنا أو تشير إلينا وتخبرنا أن الأمر لا يختص بالنقص، بل بعض الأحيان تكون الزيادة عيباً، فليس العيب فقط بالنقص، وهذا أمر ينبغي أن ينتبه له، وهو أن العيب قد يكون بالزيادة، وعلى هذا انتهى رحمه الله من العيوب الحسية، وشرع في العيوب المعنوية فقال رحمه الله: [وزنا الرقيق] فهذا راجع إلى العيوب المعنوية.
فقوله: (وسرقته): السرقة خسة في الطبع، ولؤم في النفس أن يسرق من مال سيده، أو يسرق من أموال الناس، فهذا راجع إلى وازع نفسي، فالعبد إذا كان فيه هذه الصفة فإن معناه أنه سيء الخلق، وهذا من سوء الأخلاق الجامعة بين الدين والدنيا؛ لأن الدين لا يرضى مثل هذا، وأيضاً الناس بعقولهم وفطرهم السوية ينفرون ممن يسرق، فالسرقة تعتبر عيباً؛ لأن هذا يدخل الضرر على السيد.
وعلى هذا قالوا: إنه إذا تبين أن العبد سارق أو معروف بالسرقة، جاز له أن يرده، فلو اشترى منه عبداً بثمانمائة دينار، ثم تبين له أنه زانٍ، أو تبين له أنه سارق، أو شهد شهود أن هذا العبد معروف بالسرقة أو بالزنا، وأثبتوا ذلك عليه، حينئذٍ يأتي إلى القاضي ويثبت هذا العيب ويرد القاضي المبيع ويعطيه قيمة ما دفع فيه.
قال رحمه الله: [وإباقة]: الإباق كثرة الفرار، كأن يشتري عبداً كثير الهروب، فإن الهروب عيب، وهذا العيب يمنعه من الانتفاع به، ويضر بمصالحه؛ لأنه ربما وضعه على مصلحة فهرب عنها، فهذا فيه ضرر عليك، فإذا تبين أنه كثير الهروب، أو أنه يهرب عن سيده، فمن حقه أن ترد بهذا العيب.
قال رحمه الله: [وبوله في الفراش]: هذا من العيوب، وقد ذكروا عن أعرابي أنه اشترى عبداً، فقال له البائع: فيه عيب، قال: ما عيبه؟ قال: يبول في الفراش، وهذا في القديم يعتبر عيباً؛ لأن هذا يفسد المتاع، ووجود النجاسة أيضاً تضر بمصالح المشتري.

الآثار المترتبة على وجود العيب

قال رحمه الله: [فإذا علم المشتري العيب بعد أمسكه بأرشه]: في هذه الجملة شرع المصنف في بيان الأحكام المترتبة على وجود العيب: فيشترط في العيب شروط لا بد من وجودها، فمتى نحكم بأن من حق المشتري أن يرد بالعيب؟ ومتى يثبت خيار العيب؟ نقول: الشرط الأول: أن يكون العيب مؤثراً، فخرجت العيوب غير المؤثرة، ومثال ذلك: لو أن رجلاً اشترى سيارة، فوجد خدشاً بسيطاً في مفارشها، فقال: هذا عيب، وأريد أن أرد السيارة، نقول: هذا عيب لكنه ليس بمؤثر.
أو وجد غباراً في فراشها، نقول: هذا ليس بمؤثر، فحينئذٍ نقول: إن وجود العيب لا يكفي بل يشترط أن يكون العيب مؤثراً.
الشرط الثاني: أن يكون المشتري غير عالم بالعيب، فلو اشترى سيارة وفيها عيب، فقال له البائع: هذه السيارة عيبها كذا وكذا، فقال المشتري: رضيت، ثم بعد أن ركب السيارة وتفرقا قال: فيها عيب لا أريدها، نقول: علمك بالعيب وإخباره لك، يسقط حقك في الرد.
والثالثة: أن يكون حدوث العيب قبل البيع، أو مقارناً للبيع، أي: قبل صفقة البيع، أو مقارناً لصفقة البيع، أما لو أن العيب طرأ وجدّ بعد انتهاء العقد وبعد التفرق فإنه لا يثبت على البائع، وإنما يثبت على المشتري؛ لأن المشتري إذا تفرق عن البائع وحدث في المبيع عيب بعد ذلك، فإنه يكون قد حدث في ملك المشتري، وليس في ملك البائع.
إذاً: يشترط أن يكون العيب موجوداً قبل العقد، أو أثناء العقد؛ لأنه قبل الافتراق لا تزال الصفقة في ذمة البائع ولم تنتقل بعد إلى ذمة المشتري.
وعلى هذا: فإنه لا يحكم بالعيب إلا بهذه الأمور التي ينبغي توفرها للحكم باعتبار العيب وتأثيره.
فقوله: (فإذا علم المشتري العيب بعد أمسكه بأرشه) أي: إذا علم المشتري العيب بعد تمام العقد والتفرق فلا يخلو من حالتين، فنقول له: إن شئت رددت المبيع، وإن شئت أبقيته، فإن قال: لا أريد أن أرد، بل أريد أن أبقي هذه السيارة، ولكن أريد حقي الذي هو أرش النقص، فله ذلك.
فالحالة الأولى: أن يرد ويقول: أريد مالي، وخذ سيارتك، فهذا من حقه.
الحالة الثانية: أن يكون المشتري راغباً في السلعة، ويريد أن يمسكها، ولكنه يريد حقه، الذي هو حصة العيب، فحينئذ يكون له الأرش، والأرش: أن تقدر السلعة كاملة، وتقدرها معيبة، وتنظر الفرق بينهما فتسقطه من قيمتها بنسبته من قيمتها معيبة.
مثال ذلك: لو باعه السيارة بعشرة آلاف ريال، وظهر فيها عيب يجعل قيمتها تسعة آلاف ريال، فمعنى ذلك: أن القيمة انتقص منها قدر ألف ريال، فتنظر الفرق بين قيمة السيارة كاملة وقيمتها معيبة، بأن تسأل أهل الخبرة عن قيمتها كاملة، وعن قيمتها معيبة، ثم تنظر قدر الفرق بين القيمتين، فإذا كانت قيمتها كاملة عشرة آلاف، وقيمتها معيبة تسعة آلاف، فالفرق ألف، فانظر نسبتها من القيمة كاملة، وهي أنها تعادل عُشر القيمة.
فإذا علمت أن نسبة النقص تعادل عشر القيمة، فعليك أن ترجع مرة ثانية وتقدرها بقيمتها وتنقص هذه القيمة من العشرة، وحينئذٍ يكون أرش السيارة أن يدفع له هذه القيمة -أعني: الألف ريال- التي انتقصها من مبيعه، وقد ذكر ذلك المصنف رحمه الله بقوله: [وهو قسط ما بين قيمة الصحة والعيب].
فقد يكون قيمة العيب العشر، وأحياناً يكون الربع، وأحياناً الثلث إلى آخره.
قال رحمه الله: [أو رده وأخذ الثمن].
أي: رد المبيع، وأخذ الثمن، فمثلاً: إذا اشترى سيارة وفيها عيب، ثم قال: لا أريد هذه السيارة، قلنا له: نعطيك الأرش، فإذا قال: لا أريد الأرش، وأريد قيمة سيارة كاملة والسيارة بهذا العيب لا أريدها، نقول: من حقك رده، أي: رد المبيع وأخذ الثمن كاملاً.
قال رحمه الله: [وإن تلف المبيع، أو عتق العبد، تعين الأرش] بعد أن بين لنا رحمه الله أن الخيار للمشتري يبقى

السؤال

هذا الخيار يثبت لو كانت السيارة موجودة، ويثبت لو كان المبيع كما هو، لكن في بعض الأحيان يكتشف العيب بعد أيام، أو بعد سنوات، أو شهور وقد تغير المبيع.
أو يكتشف العيب بطريقة فيها تغير للمبيع، كأن يكسر البيض أو يفتح البطيخ مثلاً، فحينئذٍ إذا فتح البطيخ أو كسر البيض، وأراد أن يرد فإنه لا يستطيع أن يرد المبيع.
وهكذا لو اشتريت رقيقاً ثم أعتقته، وبعد أن أعتقته وجدته ناقصا، ً أو وجدت فيه عيباً، فحينئذٍ لك حق، ولكن لا تستطيع أن ترده؛ لأنه قد عتق.
فقال: (وإن تلف المبيع) كأن اشترى سيارة، ثم وجد بها عيباً، وتلف المبيع على ضمان المشتري، فحينئذٍ إذا تلف المبيع استحق المشتري الأرش فقط، فلو جئته واشتريت طعاماً، وكان في هذا الطعام عيب، وأنت اشتريته بعشرة آلاف ريال، والعيب الموجود فيه تستحق به ألف ريال -الذي هو عشر القيمة- حينئذٍ إذا كنت تستحق عشر القيمة، يكون من حقك أن تأخذا الأرش إذا اكتشفت العيب بعد أن تصدقت به؛ لأنه تلف وأخذه الفقراء وأكلوا منه، فحينئذٍ يكون لك عند البائع حق وهو الألف، فتلف الطعام بالاستهلاك والأكل، لا يسقط حقك في الأرش.
فيبين لنا رحمه الله أن العيب يوجب ثبوت الحق لك في الأرش، وأنه لو تلف المبيع عندك وفي ضمانك بأن استنفذته وأكلته أو أعطيته الغير، وثبت بالبينة أنه كان ناقصاً معيبا، فإنك تستحق الرجوع عليه بالأرش، فمثلاً: لو اشتريت لدابة برسيماً، أو علفاً، فأكلت الدابة العلف أو البرسيم، وتبين أن فيه مرضاً، أو فيه عاهة، وأثبت الطبيب أن هذا العلف الذي أكلته من نوع معين فيه ضرر، وأنت اشتريت هذا العلف على أنه يكون سالماً من هذا العيب، فحينئذٍ يقدر لك هذا الأرش، ويكون من حقك أن ترجع عليه بهذا الأرش الذي تضمن به حقك عند البائع.

الأسئلة

الوجاء وعدّه من العيوب

السؤال

هل وجاء البهائم يعد من العيوب؟ علماً أن وجاءها يكون أنفع بلحمها، أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فالوجاء يطيب اللحم، ولذلك ضحى عليه الصلاة والسلام بكبشين أملحين أقرنين موجوئين، والوجاء هو الخصاء وخصاء البهيمة يطيب لحمها.
والعلماء يذكرون الوجاء ويقولون: قد يكون النقص في المبيع كمالاً، والكمال ينقسم إلى قسمين: 1 - كمال طبيعي.
2 - كمال شرعي.
والكمال الطبيعي: مثل الوجاء، والكمال الشرعي: مثل الختان، فإن الختان كمال شرعي، ولذلك يعتبر هذا النقص -الذي هو الختان- نقصاً في الخلقة لكنه كمال في الشرع، فالمقصود: أن الوجاء بعض العلماء لا يعتبره عيباً؛ لأنه يطيب اللحم، ويكون نقصانه في الظاهر ولكنه كمال في الباطن، والله تعالى أعلم.

حكم الامتناع من رد أرش العيب للمشتري

السؤال

هل يجوز للبائع أن يمتنع من رد الأرش، ويقول للمشتري: إما أن ترد السلعة أو تمضي البيع فيما حصل به الاتفاق؟

الجواب

ليس من حق البائع أن يمنع المشتري من حقه إذا ثبت أن السلعة معيبة، فإذا طالبه بالرد رد، وهكذا إذا طالبه بالأرش، على أصح قولي العلماء رحمهم الله، والسبب في هذا: أن العقد قد تم بينهما ويكون وجود النقص موجباً للضمان في الشرع فيبقى إمضاء العقد على ظاهره، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1] فيتم البيع على صورته، ويلزم بدفع الأرش؛ لأن الله سبحانه وتعالى نهى عن أكل المال بالباطل، والأرش حق للمشتري عند البائع يجب عليه أن يدفعه ولا يماطله فيه، والله تعالى أعلم.

رد المبيع بالعيب بعد التصرف فيه

السؤال

من اشترى شاة، وتبين له بعد ذبحها وسلخها أن فيها عيباً في أكلها فكيف يرجعها، أو كيف يكون الحال في هذه المسألة؟

الجواب

إذا كان العيب الموجود في الشاة يمنع من أكلها، فحينئذٍ يرجع القيمة كاملة، ويجب على بائع الشاة أن يرد له القيمة كاملة؛ لأنه لا يمكنه الانتفاع بها، أما لو كان يمكن الانتفاع بها، بحيث كان العيب يمنع من شيء في اللحم، أو في مواضع من اللحم، ولا يمنع من بقيتها، فمذهب طائفة من العلماء أنه يرد له القيمة الأصلية ناقصاً منها قدر ذبحها الذي هو فرق ما بين كونها حية وكونها ميتة.
والسبب في هذا: أنه قد أتلف الشاة فأزهق روحها، ويبقى الانتفاع للبائع بقدر ما بقي للشاة من أعضاء، وحينئذٍ يكون العدل بين البائع والمشتري من هذا الوجه، كما في بيع الجوز، فجوز الهند إذا كسر، يرده مع ضمان أرش الكسر، كما سيأتي إن شاء الله.
لكن إذا كانت الشاة لا ينتفع بها أصلاً، أو تبين أن بها مرضاً لا يمكن بحال أن ينتفع بها فالمرض معدٍ، ولا يمكن أن تطعم، لا لآدمي ولا لسباع ونحوه، فحينئذ من حقه أن يرجع عليه بالقيمة كاملة كالبيض، بيض الدجاج إذا باعه ثم كسره فوجده فاسداً يرجع بالقيمة كاملة، وهنا يفرق بين ما يكسر وتزهق روحه؛ لأن الشاة إذا ذبحت لا يمكن أن يردها إلى حالتها الأولى، كما لا يمكن أن يرد البيض إلى حالته الأولى.
فحينئذٍ ينظر بنفس التفصيل الذي ذكرنا، إن كان اللحم فاسداً، بحيث لا يمكن الانتفاع بها كلياً، رجع عليه بالقيمة كاملة.
وإن كان يمكن الانتفاع بها في قدرها، فحينئذٍ يكون حصة الإزهاق والإتلاف؛ لأنها من كسب المشتري، وسيأتي إن شاء الله بيانه وكلام العلماء رحمهم الله فيه، والله تعالى أعلم.

حكم بيع ما كان معيبا

ً

السؤال

من أراد أن يبيع سيارة بها عيوب بسعر رخيص، مع أن هذه السيارة لو كانت سالمة من العيوب فستباع بضعف الثمن الذي يريد أن يبيعها به، فما حكم هذا البيع، أثابكم الله؟

الجواب

يجوز للبائع أن يبيع الشيء المعيب إذا بيّن العيوب الموجودة فيه، فإذا بيّن للمشتري أن هذه السيارة بها العيب الفلاني -ويسمي العيوب ويبرأ منها- فحينئذٍ يبارك له في صفقته، ولا يكون للمشتري عليه وجه حق، ولقوله عليه الصلاة والسلام: (فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما) فالبيع يبارك بالبيان وتمحق بركته بالكتمان، والله تعالى أعلم.

حكم طلب الزيادة في المبيع وفضل الاستغناء بالله وعدم سؤال الناس

السؤال

إذا اشتريت من محل مثلاً فاكهة أو خضروات وطلبت قليلاً من الزيادة، وأخذتها برضا البائع، فهل يجوز لي هذه الزيادة، أثابكم الله؟

الجواب

بالنسبة لطلب الزيادة فيه تفصيل: فإن كان المالك الحقيقي للمحل تطلب منه الزيادة فهذا ماله، يعطيك منه ما شاء، ولكن لا خير في سؤال الناس، فسؤال الناس إذا لم توجد حاجة لا خير فيه؛ لأنه يريق ماء الحياء من الوجه، والأفضل والأكمل لعبد الله أن يجعل فقره إلى الله، وغناه بالله سبحانه وتعالى، ومن يستعفف يعفه الله، وما أعطي عبد عطاءً أفضل من الغنى بالله جل جلاله.
فمن استغنى بالله أغناه، ومن استكفى بالله كفاه، ومن استغنى بخلق الله لم يزده الله إلا فقراً، وجعل هم الدنيا بين عينيه، يلهث وراءها ويطلب ما فيها، فلا يشبع ولا يهنأ ولا يطيب حاله، ولو صبت أموال الدنيا بين يديه؛ لأن الله نزع البركة من قلبه، ونزع البركة من ماله، ونزع الرضا من قلبه.
فاعلم رحمك الله! أن الخير أن تستغني بالله عز وجل، ولذلك عتب النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابي حينما سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، فقال: (ما يكون عندي من خير فلن أبخل به) وبين أن الإنسان لا يزال يسأل حتى يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم.
فلا ينبغي سؤال الناس خاصة لطالب العلم، فإن من حمل كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم في صدره، عليه أن يتورع، وأن يستغني بالله، وأن يحس أن هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه أنه أغنى الناس بها، ومن أعطي كتاب الله عز وجل وظن أن غيره قد أعطي خيراً مما أعطي فقد ازدرى ما عظم الله، فينبغي على طالب العلم، ومن هو قدوة كالعالم ألا يمد يده للناس، وألا يريق ماء وجهه لأحد غير الله جل جلاله.
وهذا أمر من الأهمية بمكان أن يعتني به طالب العلم، وليس في قضية الخضروات وغيرها، الأمر عام، فينبغي أن يجعل غناه بالله سبحانه وتعالى.
ومن قرأ أحوال السلف رحمهم الله، وكيف كان الاستغناء بالله جل جلاله شعاراً لهم ودثاراً، وكيف أن الله عز وجل أعطاهم خير الدين والدنيا والآخرة، وجمع لهم الفضائل، ويسر لهم المكارم، فعاشوا بأحسن عيشة، فكانت ثيابهم مرقعة، وفرشهم بالية، ولكن قلوبهم غنية زاكية بالله جل جلاله.
والعبد إذا استغنى بالله جل جلاله، لم يضره ما يلبس، ولذلك قال علي رضي الله عنه: (إنك إن اتقيت الله لم يضرك ما لبست)، لبست لباس الغني أو لبست لباس الفقير، فلا يضرك ما دمت تتقي الله في قلبك.
المقصود: أن الأفضل والأكمل ألا يسأل العبد غير الله جل جلاله، وكانوا يقولون: إن سؤال الناس وكثرة اللهث وراء الدنيا يمحق بركة العلم، وبركة الاستقامة، فلذلك تجد الشخص الذي يكثر من سؤال الناس ويلح فإذا دخل السوق سأل البائع، وإذا جاء في عمله ووظيفته سأل، حتى لربما سأل فوق حاجته وفوق ما يستحق، فلا يزال يسأل ويسأل حتى تذهب مكانته من قلوب الناس، فيرتفع وهو وضيع، ويكرم وهو مهان، مجاملة ينظر إليه في ظاهره؛ لكنه إذا استغنى بالله جل جلاله وكان على العكس، فيكون عند الناس عزيزاً كريماً، ولو كان في أضعف المراتب وأدنى المناصب، وذلك باستغنائه بالله سبحانه.
والشيء بالشيء يذكر! فقد ذكروا عن رجل أنه كان من أهل المدينة فأصابته والحاجة، فأراد أن يذهب إلى ابن عامر وكان أميراً على البصرة، وكان من أجواد العرب، ومن أهل السخاء والجود، المعروفين بالمكرمات، فجاء هذا الأعرابي إلى أحد أبناء جابر بن عبد الله رضي الله عنه وقال له: يا فلان! إني أريد منك أن تذهب معي إلى ابن عامر فقد أصابتنا الفاقة كما ترى، فلو ذهبت إلى ابن عامر معك رجوت أن يحسن إليّ، فخرجا من المدينة، حتى دخلا البصرة، فلما دخلا البصرة قال جابر لهذا الرجل: أولا أدلك على خير مما نحن فيه؟ قال: وما هو؟ قال: أن نصلي ركعتين ونستخير الله فإن كان الخير في دخولنا دخلنا، وإن كان الخير غير ذلك صرفنا الله إليه، فصلى هذا ركعتين، وصلى هذا ركعتين، فقال جابر: يا فلان! ماذا وجدت؟ فقال الرجل: وجدت أننا ندخل عليه، فقال ابن جابر: أما أنا فقد طابت نفسي أن أرجع إلى المدينة، فإن الذي أعطى ابن عامر هذا الخير الكثير هو الله، وكما أغناه يغنيني، وكما سد فقره يسد فقري -فقال كلاماً حسناً- ثم رجع إلى المدينة، ودخل الأعرابي على ابن عامر، فلما دخل عليه، وكان البريد يأتي من المدينة، فيه أخبار الناس الذين يسافرون، فبلغ ابن عامر أن فلاناً خرج مع فلان، فلما رآه قال له: أين جابر؟ فقال: رحمك الله! إنه كان من أمره كيت وكيت.
فقال ابن عامر: يا فلان! أعطِ فلاناً -أي: ابن جابر - مائتي درهم، وأعط فلاناً مائة درهم، فقال هذا الأعرابي أبياتاً من الشعر تدل على فضل الاستغناء بالله جل جلاله، والتوكل على الله سبحانه وتعالى، فقال وهو يخاطب زوجته وكان اسمها: أمامة أمامة ما سعي الحريص بزائدٍ فتيلاً ولا عجز الضعيف بضائر خرجنا جميعاً من مساقط روسنا على ثقة منا بجود ابن عامر فلما أنخنا الناعجات ببابه تأخر عني اليثربي ابن جابر وقال ستكفيني عطية قادر على ما أراد اليوم للخلق قاهر فإن الذي أعطى العراق ابن عامر لربي الذي أرجو لسد مفاقري فلما رآني قال أين ابن جابر ومن كما حنت طراب الأباعر فأضعف إذا غاب عبد الله حظه على حظ لهفان من الجوع فاغر فالله جل جلاله إذا صدقت معه صدق معك، وإذا كان في قلبك أنك تستغني بالله سبحانه وتنصرف من المخلوق إلى الخالق، فإن الله يسوقك إلى خير الدين والدنيا والآخرة، واقرأ في تراجم السلف والعلماء تجد الأمر جلياً واضحاً، وكون الإنسان يبلغ إلى أن يأتي عند الميزان ليحرج هذا في قبضة من طعام أو في حبة من فاكهة، فهذا أمر يزري بالإنسان كثيراً، فلا ينبغي للمسلم أن يوقف نفسه مثل هذه المواقف ويحرج الناس في أموالهم وبيعاتهم، فالأفضل له أن يعف نفسه فإن أعطاه ذلك بطيبة نفسه فالحمد لله، وإذا لم يعطه فإن الله سبحانه يغنيه من واسع فضله.
أما إذا كان الذي في المحل أو المتجر عاملاً، فالعامل لا يملك هذا المال، وليس من حقه أن يضر بمال سيده، فهذا لا يجوز، وحينئذٍ قال بعض العلماء: من الورع ألا تقبل من العامل الزيادة؛ لأنه كريم بمال غيره، وقد يضر بسيده، أي: يعلم أن سيده يؤذيه، فيؤذي سيده بمثل هذه التصرفات، فالورع والأكمل والأفضل للمسلم ألَّا يفعل هذا.
وكنت أرى بعض مشايخنا رحمة الله عليه يتورع عن الكيس الذي يعطيه البائع زائداً عن حاجته، يكون الكيس -مثلاً- صغيراً يمكن أن يكفي لحاجته فيعطيه كبيراً، فلا يقبل، ويقول: هذا ليس ماله ويقول: هذا من الورع.
وإذا تعود طالب العلم الورع، وتسربل بسربال التقوى، وأخذ يحمل نفسه في مثل هذه الأمور، خاصة في أمور الدنيا التي فيها فتنة، وفيها رغبة وشهوة، والنفوس جُبلت على حبها وطلبها؛ إذا صرف همته لله مع وجود هذه الرغبة وهذه الشهوة، فإن الله يغنيه من واسع فضله، والله ذو الفضل العظيم، فإنها والله لسعادة للمؤمن ألَّا يمسي ولا يصبح إلا وهو غني بالله جل جلاله.
وكم من أشياء يظن الإنسان أنها تأتي بخير، فيلهث وراءها، ويسعى وراءها، فلا تزيده إلا هماً وغماً ونكداً! وكم من إنسان سعى لتجارة من الدنيا، جعل الله حتفه فيها! وكم من إنسان سعى إلى رزق من الدنيا بالَغَ في طلبه، حتى فرَّط في صلاته وفي خشوعه، فمحق الله بركة تلك التجارة.
فالعبد دائماً يجعل الآخرة نصب عينيه، وليس معنى هذا أن نترك الدنيا؛ ولكن المراد ألَّا نغلو، وألَّا نبالغ في التمسك بالدنيا، حتى إنك قد تجد الرجل إذا لم يجد هذا الشيء ولم يصل إليه، كأنه يفوته كل شيء.
فعلى المسلم أن يحمد الله على فضله، ويعلم أن الله سبحانه خلق الخلق فأحصاهم عدداً، وقسم أرزاقهم فلم ينسَ منهم أحداً، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود:6]، فالله جل جلاله متكفل بعباده.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يغنينا من واسع فضله العظيم.
اللهم إنا نسألك أن تغنينا من واسع فضلك العظيم، وأن تفتح لنا من بركاتك ورحماتك ما تغنينا به عن خلقك، وألَّا تجعل لنا إلى لئيم حاجة يا رب العالمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

شرح زاد المستقنع -

باب الخيار [5]

هناك مسائل متعلقة بخيار العيب، ومن هذه المسائل: إذا كان الشيء المبيع لا يمكن أن يطلع المشتري على العيب فيه إلا بعد كسره، ومن هذه الأشياء ما ينتفع به بعد الكسر ومنها ما لا ينتفع به، فيختلف الحكم في ذلك.
ومنها: مسألة التراخي والفورية في رد المبيع المعيب، ودلالة التراخي على الرضا بالعيب، ومنها: إذا اختلف المتعاقدان في وقت حدوث العيب.
فهذه مسائل تقع في معاملات الناس ومبايعاتهم، ومن واجب كل مسلم يتلبس بالبيع والشراء أن يتعلمها.

العيوب التي لا تعرف إلا بكسر المبيع

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وإن اشترى ما لم يعلم عيبه بدون كسره كجوز هند وبيض نعام، فكسره فوجده فاسداً فأمسكه فله أرشه]: قوله رحمه الله: [وإن اشترى ما لم يعلم عيبه بدون كسره]: في هذه الجملة شرع المصنف رحمه الله في بيان ما يتعلق ببيع الشيء المعيب الذي لا يمكن أن يطّلع المشتري على عيبه إلا بعد كسره، وقد تقدم معنا بيان ما يتعلق بخيار العيب، وأن من وجد في المبيع عيباً استحق به الرد إذا لم يكن على علم به أثناء العقد.
وبناءً على هذا يرد

السؤال

لو اشترى شيئاً ولم يستطع أن يطلع على عيبه إلا بعد كسره، فما الحكم؟ هذه المسألة لها صورتان: الصورة الأولى: أن يمكن أن ينتفع به بعد الكسر.
الصورة الثانية: أن يكون المبيع فاسداً، بحيث لو كسره المشتري أو فكه أو فتحه لا ينتفع به بحال، إذا تبين أنه فاسد.
فمثال الأول: جوز الهند، فإنه إذا فتح يمكن أن ينتفع به بعد فتحه ولو كان ما بداخله معيباً.
ومثال الثاني: بيض الدجاج ونحوه، فإنه إذا كان فاسداً وكسر فإنه لا ينتفع به بعد الكسر.
فإن كان الشيء المعيب أو الشيء المبيع الذي فيه عيب يمكن أن ينتفع به بعد كسره، فحينئذٍ يكون البائع قد باع شيئاً فيه فساد، ولا يمكن أن ينتفع به أو ينتفع به على وجه النقص، إلا أن له حقاً في هذا الشيء؛ لأنه لا زالت فيه منفعة، فيجب على المشتري أن يرد ذلك الشيء وأن يضمن قيمة الكسر، فإذا قال: لا أريد بيض النعام، أو جوز الهند، فنقول له: رده ورد أرش الكسر، والدليل على ذلك: أن المشتري أخذ هذه الصفقة -أعني: جوز الهند وبيض النعام- وهي على صورة مغلفة كاملة القفل، فاعتدت يده بكسرها، فلما انكشف له الحال، قال: لا أرغب، فنضمّنه ما فعلته يده.
والدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الشاة الْمُصَرّاة: (وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر) فالصاع هو ضمان ذلك الشيء الذي استهلكه المشتري، واعتدت يده عليه بالأخذ، فإذا اعتدت يد المشتري على السلعة بالتصرف بفتح المقفل وكسر البيض ونحو ذلك، فإن العدل أن نقول له: رد ذلك؛ لأن من حقك أن ترد إذا كان معيباً، ولكن رد أرش كسره، فيكون البائع قد ارتجع سلعته، وقد ضُمن حقه كاملاً، ويكون المشتري قد دفع الضرر عن نفسه.
وبناءً على هذا قرر العلماء أن الشيء الذي يكسر أو يفتح ويكون كسره مخلاً به، ويمكن الانتفاع به بعد الكسر، ووجد المشتري فيه العيب، فإننا نقول: من حقك أن ترده بالعيب، ومن حق البائع أن يضمنك ما أتت عليه يدك، فنلزمه بضمان ذلك الكسر.
أما لو كان المبيع كبيض الدجاج ونحوه مما لو كسر لم ينتفع به بعد الكسر، كما إذا كسر بيض الدجاج ووجده فاسداً، فحينئذٍ يكون غير منتفع به بوجه، فلا يبقى إلا ضمان القيمة كاملة، فيجب على البائع أن يرد للمشتري قيمة البيض كاملة؛ لأنه لا يمكن أن ينتفع بهذا المبيع بحال.
وقد يسأل سائل لماذا لا يضمن الكسر؟ و

الجواب

أنه إذا باعه بيض الدجاج، وتبين أنه فاسد، فإن الصفقة ليست محلاً للمال، أي: لا تستحق شيئاً من المال، فإذا أتلفها فإنه يتلف شيئاً فاسداً، ولو اعتدت يده عليه فإنه لا يرد بحيث ينتفع به بعد الاعتداء، بخلاف جوز الهند، وبخلاف بيض النعام، فإنه يمكن أن ينتفع به بعد الكسر.
وبناء على هذا، قالوا: إذا باع البيض وهو فاسد ثم تبين ذلك بعد كسره فإنه لا يمكن أن ينتفع بالبيض بعد كسره بحال، فلا يلزم المشتري أن يرد؛ لأنه فاسد لا قيمة له، ولو قيل: إنه كسره فقد كسر شيئاً فاسداً لا قيمة له، فالمعاوضة ودفع المال على هذا الشيء الفاسد، توجب رد المال كاملاً لصاحبه أعني: المشتري.
ومن هنا فرق أهل العلم رحمهم الله بين الشيء الذي يمكن أن ينتفع به بعد كسره وفتحه وفكه، وبين الشيء الذي لا يمكن أن ينتفع به بعد الفك والفتح، ويقاس على ذلك الأشياء الموجودة في عصرنا، فإذا كان الشيء مقفلاً في صندوق، أو موضوعاً في كرتون بطريقة معينة، يتكلف البائع وضعه في هذا الصندوق أو في هذا الكرتون، فإنه يجب ضمان ذلك الشيء الذي أتلفه المشتري، ويرد للبائع عين السلعة ويضمن ما أتلفه من ذلك الغلاف، كما قرر العلماء رحمهم الله، وأصل هذه المسألة في جوز الهند، وبيض النعام.
قوله: [كجوز هند وبيض نعام، فكسره فوجده فاسداً، فأمسكه فله أرشه، وإن رده رد أرش كسره]: [فأمسكه] أي: المشتري، بأن قال: هذا الجوز -جوز الهند- فاسد، وسأنتفع به وهو فاسد؛ ولكن أريد أن يضمن لي حقي من الأرش، فنقدر جوز الهند كاملاً، ونقدره ناقصاً ويدفع الأرش بالصفة التي سبق بيانها.
إذاًَ: إذا اشترى المشتري جوز هند أو بيض نعام، ووجده معيباً، فإنه يخير بين أمرين، بين أن يبقي الصفقة كما هي ويأخذ أرش النقص، وبين أن يرد الجوز ويدفع هو أرش الإتلاف لذلك الجوز وذلك البيض، فما ظُلم البائع ولا ظُلم المشتري.
والعلماء اختاروا جوز الهند بيض النعام؛ لأنهم يريدون أن يمثلوا لك بشيء كان في زمانهم يمكن أن ينتفع به بعد كسره، فقد كان ينتفع به ويرتفق به، وبناءً على ذلك: ليست القضية مختصة بالجوز إنما القضية كقاعدة فقد تجد في كتب الفقهاء أمثلة غريبة؛ وهي بمثابة الأصول التي يمكن أن يقاس عليها غيرها ويمكن أن يخرج عليها غيرها، ولذلك قالوا: (جوز الهند)؛ لأنهم وجدوا بالتجربة أنه إذا بان شرابه فاسداً، فإنه ينتفع بقحطه ووعائه، وكذلك أيضاً بالنسبة لبيض النعام، فاختلف الأمر: فاحتاجوا أن يأتوا بمثال لشيء يكسر ولا ينتفع به بحال، فذكروا بيض الدجاج.
ومثال ذلك اليوم الشيء الذي يباع داخل زجاجة، وإذا أردت أن تصل إلى هذا الشيء لا بد أن تكسر الزجاجة لكي تتوصل إلى هذا الشيء، وقد توجد أمثلة في أشياء مبيعة سواءً كانت كهربائية أو غيرها، تكون على صورة معينة بحيث لا تستطيع أن تصل إلى ما تريد إلا بالكسر، فتكسر الزجاج، فإذا كسرت الزجاج فإننا ننظر: إن كان فاسداً بحيث لا يمكن أن ينتفع به بحال، نقول: هذا ككسر بيض الدجاج، فكما أن العلماء رحمهم الله نصوا على أن من كسر بيض الدجاج ووجده فاسداً بحيث لا يمكنه أن يطبخه أو ينتفع به للبهائم فيجب على البائع أن يضمن القيمة كاملة، وترد إلى المشتري، فإن قال البائع للمشتري: أريدك أن ترد لي هذا الزجاج كما كان، نقول: هذا ليس من حقك؛ لأنه كسر شيئاً كان من حقه كسره بيد الملكية، فلما تبين أنه معيب، كان من حقه أن يرجع عليك بالمال، وليس من حقك أن تعجزه بما لا يمكنه من رد الزجاج كما كان، وعلى هذا لو قال له: أعد الزجاج كما كان، فهمنا أن المقصود الإضرار والتعجيز، حتى يأخذ ماله بالباطل.
قد يقول قائل: إن المشتري قد كسره، فلو طالبناه بالرد كان شيئاً صحيحاً، ولا دخل لنا هل يمكنه أو لا يمكنه، نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال -كما في حديث أنس في الصحيحين في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، قال يخاطب البائع: (أرأيت أخيك فبم تستحل أكل ماله)، فنحن نقول: لو كان بيض الدجاج فاسداً، فمعنى ذلك أن قيمته -مثلاً- خمسة، فلو كسره ولم يجد به شيئاً صالحاً، فلو قلنا: إنه بكسره له غنمه وعليه غرمه، ظلمنا المشتري؛ لأنه دفع الخمسة في شيء لا يستحق قيمة، هذا إذا قلنا: إنه يضمن وله نفعه وعليه ضرره، وإن قلنا: يرده كما كان، فهذا تكليف شرطه الإمكان، وقد تبايع مع أخيه المسلم على شيء صالح، وهذا الشيء فاسد، فهذا ليس بمحل للعقد، ولا بمورد للعقد، ومطالبته برده إلى ما كان تعجيز، ويؤدي إلى باطل وهو استحلال المال بدون حق، فكان باطلاً؛ لأن ما أدى إلى باطل فهو باطل.
وبناءً على هذا: فليس من حق البائع أن يقول له: رد لي بيض الدجاج كما كان، أو رد لي الطبق كما كان، فلو أقام شاهدين عدلين أو شاهداً وحلف معه اليمين أن هذا الطبق فاسد، كان من حقه أن يرد له القيمة كاملة، ولا يطالبه بضمان عين البيض المنكسر.
[وإن رده رد أرش كسره]: وإن رد المشتري المبيع رد أرش كسره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر) فأوجب عليه الصلاة والسلام أن يدفع ما أتلفت يده وهو اللبن، وذلك بالصاع من التمر، وهذا من ضمان الطعام بجنسه، وعلى هذا قالوا: إنه إذا أتلف المشتري شيئاً من المبيع، وكان مما يمكن أن ينتفع به بعد الإتلاف، رد المبيع مع ضمان النقص الذي أدخله بالتصرف، فحينئذٍ لم نظلم البائع، ولم نظلم المشتري.
أما البائع فقد رجع له المبيع وضمن له النقص.
وأما المشتري فقد رجع له ماله الذي دفعه، وأُخذ منه مقدار ما جنت يداه.
قال رحمه الله: [وإن كان كبيض دجاج رجع بكل الثمن]: هذه الحالة الثانية: أي: وإن كان المبيع مثل بيض الدجاج لا يمكن أن يطلع على عيبه إلا بإتلافه، وإذا اطلع على عيبه وكان فاسداً لم يمكن أن ينتفع به بعد ذلك، فيجب على البائع أن يرد القيمة كاملة.

شروط خيار العيب

قال رحمه الله: [وخيار عيب متراخ ما لم يوجد دليل الرضا]: خيار العيب لا بد فيه من شروط: أولها: أن يكون العيب مؤثراً، بألا يكون العيب يسيراً ليس له بال، فلا تستحق الخيار إلا إذا كان العيب مؤثراً ينقص المالية، وكان يمنع الانتفاع كما تقدم معنا في ضوابط العيوب المؤثرة.
ثانياً: أن يكون العيب موجوداً حال العقد، فإذا وجد قبل العقد أو حال العقد فإنه يؤثر، أما لو طرأ بعد العقد فليس من حقك أن ترد؛ لأنه طرأ والمبيع في ملكك، فحينئذٍ لك غنمه وعليك غرمه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الخراج بالضمان).
فالشرط الثاني أن يكون العيب موجوداً حال العقد، وإذا قلنا: (حال العقد)، فإنه يشمل الصورتين، أن يطرأ حال العقد، أو يكون العيب وجد من قبل العقد، ففي كلتا الصورتين يعتبر عيباً مؤثراً.
الشرط الثالث: ألا تكون على علم بهذا العيب.
فإذاً: لا بد أن يكون العيب مؤثراً، وأن يكون سابقاً لتمام العقد ولو كان مصاحباً، وألا يكون عندك علم بهذا العيب، فلو أخبرك به ثم جئت لترد، قيل لك: قد أخبرك وبرأ ذمته بالإخبار، وليس من حقك أن ترده ما دام أنه قد أخبرك.
ولا يشترط أن يكون العيب معلوماً أو أن يكتشف العيب بعد العقد مباشرة، فالعيب لو اكتشف بعد سنة أو بعد سنتين، بل ولو بعد عشر سنوات كان من حقك أن ترد.
مثال ذلك: لو باعك رجل أرضاً على أنها بالصك، ثم بعد عشرين سنة تبين أن الصك مزور، أو أن الصك ليس على هذه الأرض وإنما هو على أرض أخرى، أو أن في الصك خطأً، وحينئذٍ إذا ثبت هذا كان من حقك أن ترد ولو بعد عشرين سنة، فالعيب لا يتأقت، أي: من حقك الرد في أي وقت تعلم به، فلا يشترط أن يكون قريباً من وقت البيع، ولا يشترط أن يكون في نفس السنة، أو في نفس الشهر أو في نفس الأسبوع أو نفس اليوم، فهذا حق ثابت لك ولو بعد حين.

التراخي في خيار العيب ودلالته على الرضا

بناءً على هذا يرد السؤال بالنسبة للمطالبة بخيار العيب: إذا اشتريت سيارةً أو اشتريت أرضاً أو عمارةً، وتبين لك أن بها عيباً، فإنه من حقك أن تطالب برد المبيع الذي بان عيبه مباشرة، وهذا يسمى المطالبة بالفور، من حقك أن تطالبه فوراً، ومن حقك أن تتراخى بما تعذر به، فإن كان التراخي يشعر بالرضا، سقط حقك في المطالبة بأرش العيب ورد المبيع.
إذاً: يشترط أن يطالب الإنسان على وجه لا يسبقه ما يدل على الرضا، فإن سبقه ما يدل على الرضا من تراخٍ دالٍ على الرضا، أو صريح قول، أو دلالة فعل، فإنه يسقط حقه في رد المبيع، ويسقط حقه في المطالبة بالأرش.
فلو قال: قد رضيت، فهذا الرضا باللسان، ويعتبر إقراره بالرضا حجة عليه؛ لأن الإقرار أقوى الحجج، ولذلك يقول العلماء: إنه سيد الأدلة، والسبب في هذا: أنه لا أقوى من شهادة الإنسان على نفسه؛ لأنه لا يعقل أن يشهد العاقل على نفسه بما فيه الضرر إلا وهو صادق، ولذلك إذا قال: إني رضيت، أو حينما علمت بهذا العيب رضيت من نفسي، سقط حقه في المطالبة.
ومسألة التراخي والفورية، بعض العلماء يقول: خيار العيب على الفور، فلو أخره سقط حقه، فمثلاً: اطلع على العيب الساعة التاسعة، وكان بإمكانه أن يذهب إلى البائع، فتأخر إلى اليوم الثاني؛ سقط حقه؛ لأن تأخره إلى اليوم الثاني وسكوته في هذه المدة يدل على الرضا.
وبناءً على ذلك قالوا: لا بد وأن يطالبه فوراً، وهذا المذهب في الحقيقة أحوط المذاهب وفيه قوة، وأما التراخي فإن وجد عذر لتراخيه قبل، أما إذا لم يوجد عذر فإنه يقوى القول أن التراخي مشعر بالرضا؛ لأن الدلالة على الرضا تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: دلالة الأقوال.
القسم الثاني: دلالة الأفعال.
وأقوى القسمين: دلالة الأقوال، كأن يقول له ابنه: إن السيارة معيبة، أو وجدت في السيارة عيباً، أو جدت في الدار عيباً، فقال: لا بأس، رضيت، فهذا يدل على أنه رضي، أو اشترى من ابن عمه سيارة أو أرضا، ً فجاءه من يقول له: إن السيارة معيبة، أو هذه الأرض بها عيب، قال: هذا ابن عمي وقد رضيت، فهذا اللفظ: (قد رضيت) يدل دلالة صريحة على أنه لا يطالب بحقه، فيسقط حقه في المطالبة برد المبيع.
ودلالة الفعل، تقدم معنا في بيع المعاطاة أنها تنزل منزلة القول في الرضا، ولذلك قلنا: إن البيع ينعقد بالأفعال كما ينعقد بالأقوال.
والله اشترط في البيع الرضا، فقال سبحانه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:29] فأوجب الله عز وجل أن يوجد الرضا في التجارة أعني: البيع، وبينا هناك أن دلالة الفعل تدل على الرضا كدلالة القول: ينعقد البيع بما يدل على الرضا وإن تعاطى الكل فما قالوا إن البيع ينعقد بالأفعال كما ينعقد بالأقوال؛ إلا لأنهم نزلوا دلالة الأفعال منزلة الأقوال.
ومن هنا قالوا: إذا وجد منه تصرف يدل على الرضا بعد العلم، سقط حقه في الرد، فإنه إذا قال له فلان: السيارة معيبة، فقال لغيره: بكم تشتري مني هذه السيارة المعيبة؟ فإنه لما باعها للغير دل على أنه راضٍ عن العيب الموجود فيها، وإذا رضي سقط حقه في المطالبة برد المبيع المعيب.
قال رحمه الله: [ولا يفتقر إلى حكم ولا رضا، ولا حضور صاحبه] أي: ولا يفتقر خيار العيب إلى حكم القاضي؛ لأن هناك أشياء تتوقف على حكم القاضي: فمثلاً الخلع، قالوا: يتوقف على حكم القاضي، فالأشياء التي تتوقف على حكم القاضي لا يثبت فيها الحق إلا بعد الرفع إلى القاضي، فيثبت القاضي الحق ثم يحكم به، لكن خيار العيب لا يفتقر إلى حكم القاضي، فأنت إذا علمت العيب في المبيع كان من حقك أن تأتيه، وتقول له: يا فلان! هذه السيارة بها عيب، وأنا لا أريدها ما دام هذا العيب موجوداً فيها، فحينئذٍ مطالبتك برد المبيع لا تتوقف على أن ترفعه إلى القاضي، لكن لو أصر وقال: بعتها لك بدون عيب، وأنت تقول: يا فلان! ما كذبتك، ولا غششتك، وهذا المبيع معي، فقال لك: لا أرد، فاختصمتما إلى القاضي، فحينئذٍ يفتقر الأمر إلى حكم القاضي؛ لأنه لم يصدق، فلو أقمت البينة والشهود على وجود العيب، كان من حقك أن تلزمه بالرد ويجب عليه شرعاً أن يرد، وأما إذا لم تقم البينة ففيها تفصيل، وهو الذي سنذكره إن شاء الله في مسألة اختلاف البائع والمشتري.
وقوله: (رضا) أي: ولا يفتقر إلى رضا الطرف الثاني، فلا يتوقف خيار العيب على رضا البائع، فلو جئت إلى البائع وقلت له: هذه السيارة التي بعتنيها فيها عيب كذا وكذا، وأنا لا أريدها، فإنه يجب عليه شرعاً أن يرد، ولا يشترط رضاه بالرد، بل يلزم شرعاً بالرد.
فإذا وجد العيب فإنه يلزم شرعاً بإعطاء الناس حقوقهم ورد أموالهم إليهم، وإذا شاء المشتري أن يأخذ الأرش ويقبل المبيع على التفصيل الذي تقدم بيانه، فإنه لا حرج عليه في ذلك.
وقوله: (ولا حضور صاحبه) أي: ولا يشترط أيضاً حضور صاحب المشتري وهو البائع، فيمكن أن يرده إلى وكيله أو العكس، فلو أنك وجدت في السيارة عيباً، فأرسلت رجلاً فقال: يا فلان! فلان يقرأ عليك السلام ويقول: سيارتك التي بعته إياها معيبة، ويقول لك: رد هذه السيارة فهو لا يريدها، فقال: لن أرد حتى يحضر لم يكن له ذلك، فلا يشترط حضور الطرف الثاني.
وهكذا عند القاضي لو أنك لا تستطيع الحضور عند القاضي فنصّبت وكيلاً، أو محامياً يدافع عن حقك في العمارة التي ظهر بها العيب، أو الأرض التي ظهر فيها العيب، كان من حقك، فلا يقول خصمك: أريد خصمي أن يحضر فليس من حقه هذا، إنما يقضى عن الشخص أصالة عن نفسه وكذلك وكالة عن غيره، ولا يشترط حضور خصمه بعينه.

اختلاف المتبايعين في وقت حدوث العيب

قال رحمه الله: [وإن اختلفا عند من حدث العيب فقول مشترٍ مع يمينه]: العيوب منها ما يدل الدليل على أنه سابق للعقد.
ومنها ما يحتمل أن يكون سابقاً، ويحتمل أن يكون طارئاً.
وعلى هذا فما كان قبل العقد أو ظهرت الأمارات على أنه لا يكون إلا قبل العقد، كزوائد الخلقة، وهكذا بالنسبة للعاهات الخلقية التي حتى ولو كانت مغيبة فإنها تكتشف في ذلك المبيع، فإنه يعتبر دليل الظاهر دالاً على صدق المشتري، ولا يحتاج أن يحلف ويلزم البائع بالرد؛ لأن الدليل قام على أنها موجودة حال العقد، فإن نبات الأصبع الزائد، ووجوده ليس مثله يحدث في الزمن اليسير، وغالباً ما يكون مع الخلقة في الإنسان، وهكذا لو باع بهيمة فيها خلقة زائدة ونحو ذلك من العيوب التي يوجد الدليل أو تقوم الأمارة على أنها موجودة في المبيع من الأصل.

أهمية معرفة المدعي والمدعى عليه

هذه العيوب ليس بوسع البائع أن ينكر وجودها قبل العقد، فحينئذٍ إذا ادعى المشتري وقال: هذا العيب موجود، وقال البائع: لم يكن موجوداً، فإن دليل الظاهر دالٌ على كذب البائع، فيقبل قول المشتري ويلغى قول البائع، وهذا يسمونه: دليل الظاهر.
إذا اختصم الرجلان في أمر، فأحدهما مدعٍ والثاني مدعى عليه، ولا بد لك إذا جئت تفصل بين اثنين في خصومة أن تعلم من المدعي ومن المدعى عليه، وإذا اختصم الرجلان ولا يُعرف من منهما المدعي ومن المدعى عليه، فإنه لا يمكن أن تحل هذه المشكلة.
حتى طلاب العلم إذا تناظروا مع بعضهم واختلفوا في المسائل لا بد وأن يضعوا أصلاً يعرف به من المدعي ومن المدعى عليه؛ لأنه إذا علمنا من المدعي طالبناه بالدليل، وإذا علمنا من المدعى عليه بقينا على قوله، حتى يأتينا هذا المدعي بما يدل على خلاف ما ذكر المدعى عليه، ولذلك قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:111] وقال صلى الله عليه وسلم: (لو يعطى الناس بدعواهم، لادّعى أناس أموال قوم ودماؤهم؛ ولكن اليمين على من أنكر) فإذاًَ: عندنا مدعٍ ومدعى عليه، المدعى عليه يكون عنده حجة تسند قوله، وضابطه أن يكون عنده دليل من أصل أو ظاهر.
مثلاً: تجد طلاب العلم، يقول أحدهما للآخر: أعطني دليلاً على قولك، والآخر يقول: أعطني دليلاً على قولك، فكل منهما يطالب الآخر بالدليل، لكن لو علمنا من المدعى عليه، طالبنا المدعي بدليل يدل على صدق قوله؛ لأن هذا ظاهر القرآن وظاهر السنة، وبناءً على هذا: نستبين الحق في مسائل الاعتقاد وفي مسائل الفروع كلها.
فمثلاً: نصوص القرآن أثبتت لله صفات، فأثبت لله: صفة اليد صفة السمع صفة البصر.
إلى غير ذلك من الصفات، فنقول: هذه الصفات على الحقيقة، فأنت الذي تؤول العين وتخرجها عن ظاهرها، وتؤول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:22] وتؤول النزول: (ينزل ربنا) وهذا خلاف الأصل، الأصل أنها على ظاهرها، فأعطني دليلاً على أن قوله: (ينزل ربنا) نزول رحمة؟ ولا يوجد دليل لا من الكتاب ولا من السنة، فأصبحت الحجة لمذهب أهل السنة والجماعة، فإذا جاء شخص يصرف هذا الظاهر عن ظاهره، علمنا أنه مدعٍ ولا نقبل قوله إلا بدليل من الكتاب والسنة، ولا دليل، فهذا بالنسبة لمسألة الاعتقاد.
كذلك مسائل الفروع، لو جاء شخص وقال: هذا حرام، وقال الآخر: هذا حلال، فالأصل حل الأشياء حتى يدل الدليل على حرمتها، أو قال: هذا البيع لا يجوز، وقال الآخر: بل يجوز فأعطني دليلاً على التحريم، فقال المحرَّم: بل أنت أعطني دليلاً على أنه حلال، فإذاً: نقول: من قال: إنه حلال فهو على الأصل، ومن قال: إنه حرام فقوله خلاف الأصل فيطالب بالدليل.
وهذه قاعدة.

كيف نعرف المدعى عليه والمدعي

إذاً: فالحق مع المدعى عليه دائماً حتى يقوم الدليل على خلافه، لكن متى تحكم بكونه مدعىً عليه؟ هناك خلاف بين العلماء، بعض العلماء يقول: المدعي: هو من تجرد قوله عن الأصل والظاهر، والمدعى عليه من اعتضد قوله بالأصل أو الظاهر.
أما الأصل: فمثاله: لو أن شخصاً اتهم شخصاً بتهمة، فنقول: المدعى عليه هو المتهم، والمدعي هو القاذف، فحينئذٍ نطالب القاذف بالدليل؛ لأن الأصل البراءة، والأصل أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
إذاً: حكمت بكون فلان مدعى عليه؛ لأن الأصل معه، إذ الأصل أنه لم يفعل هذا الحرام، فإذا جاء شخص وقال له: بل فعلت هذا الحرام، نقول: عليك الدليل، ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:6] فجعل الأصل خلاف من قال بالتهمة.
وبناءً على ذلك نقول: المدعى عليه، من عضّد قوله الأصل كما ذكرنا؛ لكن ما هو الأصل؟ قالوا: الأصل أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، فإذا قال شخص: أنت فعلت هذا، فالأصل أنه لم يفعل حتى يثبت أنه فعل.
وكذا لو قالوا: أنت الذي ضربته، فقال: ما ضربته، فقوله: (أنت الذي ضربته) خلاف الأصل، حتى يثبت أنه ضرب، وقس على هذا.
أما دليل الظاهر، فكرجلين اختصما في سيارة أو في بعير أو في بيت، فجاء شخص لشخص وقال: هذا البيت بيتي، وقال الآخر: بل بيتي، فنظرنا فوجدنا أحدهما ساكناً في البيت والآخر خارج البيت، فدلالة الظاهر تدل على أن الذي في البيت مدعىً عليه، وأن الذي خارج البيت مدعٍ؛ لأن الأصل أن يسكن الإنسان في ملكه، ولو أن رجلين على بعير، أحدهما في المقدمة والآخر في المؤخرة، وكلاهما يدعي البعير فنقول: إنه للذي في المقدمة؛ لأن الذي في المقدمة هو صاحب الدابة على الظاهر، وقس على هذا.
ولذلك يقولون: تمييز حال المدعي والمدعى عليه جملة القضاء وقعا فالمدعي من قوله مجرد من أصل أو عرف بصدق يشهد وقيل من يقول قد كان ادعى ولم يكن لمن عليه يدعى من يقول: حدث كذا فهو المدعي، ومن يقول: لم يحدث فهو مدعىً عليه، وعلى هذا نطبق في مسألتنا: لو أن رجلاً اشترى عمارة فوجد فيها عيباً أو اشترى سيارة فوجد فيها عيباً، فقال المشتري: كان العيب موجوداً في السيارة، وقال البائع: هذا العيب طرأ وحدث عندك بعد أن اشتريت السيارة، ولم يحدث في ملكي، فأنا لا علاقة لي بهذا العيب، وإنما بعتك بيع المسلم لأخيه سالماً من العيب؛ فحينئذٍ من المدعي ومن المدعى عليه، وعليه فإذا قال العلماء: القول قول فلان، فمعناه أنه مدعى عليه، ومعنى ذلك أننا نطالب من خالفه بالبينة.

دليل القائلين بأن القول قول المشتري

بناءً على هذا ننظر: فإذا قال المشتري: إن العيب كان موجوداً في الصفقة قبل البيع، أو أثناء عقد البيع، فبعض العلماء يقول: القول قوله، فإذا قلنا: القول قول المشتري فمعناه أن المشتري مدعىً عليه، ومعناه أن البائع مدعٍ.
والسبب في هذا: أن الأصل أن هذا المبيع حينما دفع المشتري فيه القيمة كاملة ينبغي أن نعلم أن المبيع كامل، فإذا ثبت أنه ناقص ورأينا نقصانه، فالمال الذي دفعه لا يستحقه البائع، فمثلاً: اشترى عمارة بخمسمائة ألف، وظهر بها عيب يسقطها إلى أربعمائة ألف، فإذاً لا نستطيع أن نقول بحل الخمسمائة ألف للبائع، إلا إذا تبين أن الصفقة كاملة، فإذا قال المشتري: بها عيب، وقال البائع: لم يكن بها عيب، فالثابت أمامنا أنها معيبة، وأن المال المدفوع الذي هو خمسمائة ألف ليس مدفوعاً في شيء يستحقه على هذا الوجه، فنطالب البائع بدليلٍ وبينةٍ على أن العمارة أثناء البيع لم يكن بها هذا العيب الذي يدعى عليه.
فهذا وجه من يقول: إن القول قول المشتري.
لأن الأصل عدم الخمسمائة ألف أو المال المدفوع حتى يكون المبيع سالماً من العيب، فلما شككنا فرأينا المبيع أمامنا معيباً، فإن الأصل ألا يعطيه إلا شيئاً كاملاً كما أنه أخذ الثمن كاملاً، فينبغي أن نتحقق أن المبيع كاملاً فنطالب البائع بما يثبت أن المبيع كان كاملاً أثناء البيع، فهذا وجه من قال: إن القول قول المشتري.

دليل القائلين بأن القول قول البائع

وهناك من يرى أن القول قول البائع؛ لأنه لما بيع المبيع وأخذ المشتري الصفقة فإن المشتري يقول: قد كان، والبائع يقول: لم يكن، وقد قلنا: إن من ضوابط المدعي والمدعى عليه.
وقيل من يقول قد كان ادعى ولم يكن لمن عليه يدعى فيقولون: المشتري يقول: قد كان، والبائع يقول: لم يكن، فالبائع ينفي والمشتري يثبت، وحينئذٍ يطالب المشتري بالدليل على قدم العيب؛ لأن الأصل عدم وجود العيب، بدليل أن الصفقة تمت بينهما، ولا تتم في الغالب إلا وهي كاملة، فقالوا: الظاهر أن المبيع لم يكن به عيب.
وأياً ما كان فقول من قال: القول قول المشتري أقوى، لما ذكرنا؛ لأن أموال الناس لا تستباح إلا بوجه معتبر، والصفقة على هذا الوجه لم يثبت أنها كاملة، فيطالب البائع بدليل يدل على أن المبيع لم يكن معيباً أثناء العقد.
فقوله: (وإن اختلفا عند من حدث العيب فقول مشترٍ مع يمينه) هذه اليمين يسمونها (يمين التهم)، وتكون في المواطن التي تحصل فيها الريب كالشهادة على الوصية في السفر وفيها الأيمان، وهي أصل عند العلماء رحمهم الله في أيمان التهم، وبها يقول فقهاء المالكية، وكذلك الحنابلة والشافعية في مواضع يحكمون بها، وأيضاً فقهاء الحنفية رحمهم الله في بعض الصور ويسمونها يمين التهمة، فيقولون: يعتضد قول المشتري بيمينه، يقال للمشتري: احلف أن هذا العيب كان موجوداً أثناء العقد.

يقبل قول من لا يحتمل إلا قوله

قال رحمه الله: [وإن لم يحتمل إلا قول أحدهما قبل بلا يمين] وذلك كما ذكرنا في الأصبع الزائد، والعيوب التي يشهد أهل الخبرة أنها لا يمكن أن تحدث وتطرأ في زمن قريب، ويوجد الآن في بعض الآلات أن يدعي صاحب المؤسسة أو صاحب الشركة التي باع الآلة أن هذا العيب ما كان موجوداً، فيأتي خبير ويقول: بل هذا النوع من العيوب لا يمكن أن يحدث إلا من سنة، إذا أثبت أهل الخبرة أن هذا العيب لا يمكن أن يحدث إلا من سنة أو أنه موجود مثل الأصبع الزائد أو عيوب الخلقة، فحينئذٍ يطالب بالرد وليس على المشتري يمين، لدلالة الظاهر على صدقه.

خيار التخبير بالثمن

قال رحمه الله: [السادس: خيار في البيع بتخبير الثمن]: مذهب الحنابلة رحمهم الله من أوسع المذاهب في باب الخيار، ولم يتكلم الفقهاء رحمهم الله في مسائل الخيار بالتفصيل والاستيعاب كفقهاء الحنابلة رحمهم الله، فقد توسعوا في الخيار وذكروا صوره، خاصة وأنهم يقولون بأنواع لا يقول بها غيرهم كفقهاء الحنفية والمالكية رحمة الله على الجميع، وهنا نوع من الخيارات وهو خيار التخبير بالثمن.
وهو أن يأتي الإنسان إلى البائع يريد أن يشتري سلعة، فحينئذ لا يخلو البائع من حالتين: الحالة الأولى: أن يقول لك مثلاً: أبيعك هذه السيارة بعشرة آلاف، أو أبيعك هذه العمارة بمائة ألف، ولا يذكر لك رأس المال الذي اشترى به، فحينئذٍ لا إشكال.
الحالة الثانية: أن يقول لك: هذه السيارة رأس مالي فيها مائة ألف، أو هذه العمارة رأس مالي فيها مليون ريال، فهذا الإخبار بالثمن فيه عهد من المسلم إلى المسلم ألا يكذب وألا يغش وألا يزور؛ لأنه إذا قال لك: رأس مالي في هذه العمارة مليون فمعنى ذلك: أنه إما أن يبيعك برأس المال وقد صدقته أنه اشترى بمليون، وإما أن يقول لك: كم تربحني؟ فتربحه العشر مثلاً، فيبيع بمليون ومائة، أو يقول لك: رأس مالي مليون، أسقط عنك عشر رأس المال، أو يقول لك: رأس مالي مليون، أدخلك شريكاً معي بالنصف.
فإذا أخبرك برأس المال، فإقدامك على السلعة مركب من علمك بهذا القدر وهذه القيمة، فلا يخلو: إما أن يكون صادقاً فلا إشكال، وإما أن يكون كاذباً، أو يكون مخطئاً، هذه ثلاثة أحوال: إما أن يكون صادقاً، فلا إشكال، على حسب ما اتفقتما عليه.
وإما أن يكون كاذباً فيقول: هذه العمارة اشتريتها بمليون، كم تربحني فيها؟ فتقول له: أربحك النصف، فمعناه أنك ستشتريها بمليون ونصف.
فإذا شاء الله عز وجل أن دفعت له المليون والنصف، ثم تبين أنه اشتراها بنصف مليون، وأنه كذب عليك حينما أخبرك أنه اشتراها بالضعف، فيكون حكم الشرع بإعطائه قيمة ما أخذ من المغشوش بالنسبة، وسنبين هذا.
كذلك أيضاً لو قال لك: رأس مالي فيها مليون ريال، ادخل معي شريكاً بالنصف، فأعطيته نصف مليون وتبين أنه اشترى بنصف مليون، فحينئذٍ كان من حقك أن ترجع عليه بربع مليون؛ لأنك دخلت بالخمسمائة ألف على أن رأس المال مليون ريال، وتبين أن رأس المال خمسمائة ألف، فمعناه أنك تدخل معه شريكاً بمائتين وخمسين ألفاً، ومن حقك أن تسترد منه المائتين والخمسين ألفاً المتبقية.
لقد أبدع فقهاء الحنابلة رحمهم الله باعتبار هذا النوع من الخيارات وتكلموا عليه وفصلوا في أحكامه، وهذه ميزة من ميزات الفقه الحنبلي، وإن كان غيرهم نبه على هذه المسائل؛ لكن لماذا دخلت هذه المسألة في الخيار؟ قالوا: لأنه إذا ظهر كذبه، فقد صار للمشتري الحق في أن يطالب بضمان ما خدع به، ومن حقه أن تغفر.
إذاً: كأنك مخير مثل العيب، فلما ظهر العيب الحسي في المبيعات واستحققت به الرد، والعيب المعنوي الموجود في المبيع واستحققت به الرد، كذلك العيب في الثمن حينما يظهر أن البائع كذب عليك فإن من حقك أن ترد وأن يضمن لك فضل ما بين القيمتين.
قد ذكرنا صورة الصدق وصورة الكذب، ولكن في بعض الأحيان قد يكذب البائع تورية، ويقول لك: رأس مالي في هذه السيارة عشرة آلاف تشاركني فيها؟ قلت: أشاركك بالنصف، دفعت خمسة آلاف، وتبين أنه اشتراها بعشرة آلاف ولكن بالتقسيط، وليس بالنقد، ولم يخبرك أنها مقسطة، فحينئذٍ يكون قد غشك وورى عليك، فهو اشتراها بعشرة آلاف ولكنه إلى أجل، والأجل تقع فيه زيادة الثمن على المشتري، فلك أيضاً حق المطالبة إن تبين أنه قد خدعك أو ختلك من هذا الوجه.
هناك صورة ثالثة وهي الخطأ، فمثلاً: قلت له: بكم اشتريت هذا القماش؟ وهذا كثيراً ما يقع في تجار الجملة، وكثيراً ما تقع مسألة البيع برأس المال، والمرابحة برأس المال بين التجار في الصفقات التي تقع بينهم في الجملة، وفي بعض الأحيان قد تشتري شاة -ولا يزال كبار السن يتعاملون بهذا النوع من البيوع- ويقول لك: رأس مالي بكذا، وتصدقه وتشتري إما برأس المال، أو تزيد على رأس المال، سواءً وقع هذا في بيع الجملة أو بيع المقطع.
الذي يعنينا الآن أنه أخطأ في القيمة، قلت له: بكم اشتريت هذه الثياب؟ قال: انتظر حتى أنظر: فواتيرها أو مستنداتها، فنظر في الفواتير وقال: بعشرة آلاف، فقلت له: أنا أربحك العشر، بأحد عشر ألفاً، فدفعت المبلغ، ثم تبين أن هذه الفواتير ليست لهذه الثياب وإنما لثياب أخرى، فالرجل ما كذب ولكنه أخطأ.
أو قال لك: هذه العمارة رأس مالي فيها مليون ريال، وتبين أنه كان يظن أنها عمارة أخرى اشتراها بالمليون، ولكن هذه اشتراها بثمانمائة ألف، فإذاً: من حكمة الله عز وجل أنه أعطى كل ذي حق حقه، والحكيم من يضع الأشياء في موضعها، فما دام أن المسلم قد أمن أخاه المسلم حين أخبره برأس المال، فمعناه أن له عليه حقاً أن يصدقه ولا يكذبه، وأن ينصح ولا يغش، ولذلك يقولون: بيع المسلم للمسلم لا كذب فيه ولا خيانة ولا غش ولا تدليس، فإذا ظهر أنه كاذب فله يضمن الحق، والقاضي يعزره، إذا ثبت عنده أنه كذب على فلان في رأس المال، فيعزره بما يناسبه ويناسب من كذب عليه.
وكذلك أيضاً إذا ثبت أنه أخطأ فإنه يعذر، وحينئذٍ يبقى استحقاق صاحب الحق برده بما فضل.
فإذاً: نحتاج أن نبحث مسائل في خيار التخبير: أولها: بيع المرابحة.
ثانيها: بيع المواضعة.
ثالثها: بيع التورية.
رابعها: بيع الشركة.
فهذه أربعة أنواع من البيوع.
فبيع المرابحة: اصطلح العلماء رحمهم الله على أن بيع المرابحة أن تشتري الشيء ويأتي من يرغب فيه ويقول لك: كم رأس ماله؟ تقول: رأس مالي مائة، يقول: أو أربحك العشر، أو الربع، أو النصف، أو المثل، فلو اشتريته بعشرة، وقال لك: أربحك المثل، فمعناه أنه سيشتريه بعشرين، ولذلك يسمونه بيع المرابحة، ومنه القصة المشهورة ل عثمان رضي الله عنه وأرضاه في عام الرمادة، حين جاءت إبله من الشام محملة بالزيت والطعام إلى المدينة، فجاءه التجار وقالوا له: بع يا عثمان، قال: كم تعطونني؟ قالوا: نعطيك بالدرهم درهمين، أي: نربحك الضعف، قال: أعطيت أكثر، قالوا: نعطيك ثلاثة، أي: ثلاثة أضعاف، قال: أعطيت أكثر، قالوا: نربحك أربعة إلى خمسة، قال: أعطيت أكثر، قالوا: من أعطاك وليس بالمدينة تجار غيرنا؟ قال: أعطاني الله بالدرهم عشرة إلى سبعمائة ضعف، هل عندكم هذا؟ قالوا: لا قال: أشهدكم أنها للفقراء، وتصدق بها رضي الله عنه وأرضاه.
فكان معروفاً عند التجار أن التاجر يأتي لأخيه ويقول له: صفقتك -مثلاً- من الزيت سأربحك الضعف، فيعرفون أنه سيدفع ضعف رأس مالها.
لكن هنا سؤال وهو: هل في بيع المرابحة تحتسب رأس المال الأصلي، أو تحتسب الكلفة؟ هذا أمر يحتاج إلى نظر، فمثلاً: لو اشتريت طعاماً وقيمة الطعام مائة ألف، لكنك نقلته من جدة إلى مكة، وكلفك النقل عشرة آلاف، فهل نقول: رأس المال المائة ألف أو نقول: رأس المال مائة وعشرة آلاف؟ الصحيح أنها مائة وعشرة، وأن عليه أن يبين ويقول: رأس مالي بكلفته مائة وعشرة، أي: كلفتني هذه الصفقة مائة وعشرة.
إذاًَ: بيع المرابحة يشترط فيه أن تملك السلعة وأن تكون في حوزتك حتى تبيعها؛ لأنك لو بعتها قبل أن تملكها فقد بعت ما لم تملك، ومن هنا يتبين خطأ من يقول: يدخل في بيع المرابحة أن تذهب وتختار السيارة ثم تأتي إلى المؤسسة لكي تشتريها لك، ثم تأخذها منها بالتقسيط بعد أن تدفع المؤسسة ثمنها نقداً، وهذا عين الربا، وليس من المرابحة في شيء، فبيع المرابحة صورته معروفة ومعهودة ومشهورة عند العلماء: وهي أن تشتري الصفقة بقيمتها، دون أن يدلك عليها أو يخبرك أحد أنه سيشتريها منك مستقبلاً سواء كانت عقاراً أو منقولاً، وبعد أن نشتريها يأتيك من يساومك بعد أن حزتها وتبين رأس مالك فيها لكي يخبرك بما سيدفعه لك ربحا، ً ولذلك قال: ولا تكون المرابحة إلا بعد الملكية؛ لأنك ترابح في شيء قد ملكته، ولا ترابح في شيء ليس في ملكك.

الأسئلة

ضمان التصرف في المبيع المعيب بعد رده

السؤال

في حديث المُصَرّاة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد المشتري المبيع وصاعاً من تمر، وذلك لمنفعته في الحليب؛ ولكن في كسر الجوز لم ينتفع المشتري فيه بشيء، فلماذا يرد أرش ما انكسر؟ أثابكم الله.

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإنك حينما تلزم الإنسان بضمان شيء إنما هو مركب من الاعتداء ومركب من التصرف، بغض النظر عن كونه انتفع أو لم ينتفع، فلو أن إنساناً جاء وكسر زجاجاً للغير، ولم ينتفع بهذا الكسر، قلنا له: يدك كسرت فعليك أن تضمن لصاحب الحق حقه، ولو أنه أتلف طعاماً ولم يأكله، فإنه يجب عليه الضمان، وكأن الأمر مركب على كسر اليد، فلما اعتدت اليد، بغض النظر عن كونها ارتفقت أو لم ترتفق، أو قصدت الارتفاق أو لم تقصد، فقاعدة الضمان مطردة.
وعليه فإننا نقول: يجب عليه الضمان ويلزمه أن يرد من هذا الوجه، وحديث الْمُصَرّاة مركب من هذا، فإنه احتلب الشاة وهذا الحدث كان من يده، سواء احتلب وشربه هو أو شربه غيره، أو حلب الحليب ثم أراقه فإن الحكم يلزمه، فكأن القضية مركبة من وجود الإتلاف ووجود التصرف، فعلى اليد ما أخذت حتى تؤدي.
فلما أخذت شيئاً كاملاً وجب أن ترده كاملاً إن أمكن، وإن لم يمكن ردت ضمان ذلك الكامل، وهذا من عدل الله بين عباده، وقد بينا وجه ذلك، والله تعالى أعلم.

التراخي في رد المعيب وحق الأرش

السؤال

بعد أن تقرر أن التراخي قد يسقط حق المشتري في الرد، فماذا عن حقه في الأرش، أثابكم الله؟

الجواب

بالنسبة لوجود العيب فمن حقه أن يطالب بالأرش، لكن الرد أهون من الأرش، فإبطال العقد الأول وفسخ العقد الأول ليس كاستدامة العقد وضمان النقص، وسكوته إن كان لا يدل على الرضا بالعيب على وجه الإسقاط للأرش والرد، فلا شك أن من حقه أن يطالب؛ لأن الأصل أن الشرع أثبت له حق المطالبة بصاع الْمُصَرّاة، كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة، فحينئذٍ نقول: من حقه أن يطالب بالأرش وضمان ما انتقص من قيمته، ويكون تراخيه إذا لم يفهم منه الرضا عن إسقاط الأرش غير موجب لإسقاط الحق الثابت بأصل الشرع، والله تعالى أعلم.

الضمان في التصرف في المبيع لأجل معرفته

السؤال

بعض تجار العسل يبيعون العسل بداخل ما يسمى بـ (القدر)، ولا يظهر منه إلا واجهته، ولا يدرى ما بداخله، فما الحكم، أثابكم الله؟

الجواب

ليس العسل وحده، بل العسل والفواكه كلها تباع على هذا الوجه، فلو اشتريت من الفواكه الرمان، مع أنه كبير الحب كبير الجذر فإنك لا تستطيع إلا أن تنظر إلى واجهته، أو اشتريت الرطب فإنك لا تستطيع إلا أن تنظر إلى ظاهر الصندوق، فمن حقك من ناحية شرعية أن تقلب أعلاه وأسفله، لكنه لا يمكّنك من هذا.
فلو أخذته وقلبته أمامه ووجدت فيه عيباً فمن حقك أن ترده، ولو أخذت الصندوق وقلبته فوجدت باطنه غير ظاهره فمن حقك أن ترده.
فالعسل لو قال لك: لا تفتشه أو قال لك: هذا عسل جيد وممتاز ومن نوع كذا، فلما أخذته إلى البيت وفتحت قرطاسه أو وعاءه إذا به ليس من النوع الذي ذكر، فمن حقك أن ترده، ثم هذا الفتح إن كان مثله يضمن ضمن، وإن كان مثله لا يضمن لم يضمن.
فمثلاً: القدر إذا فتح ليس فيه إخلال ولا ضرر، لكن لو كان العسل له وعاء معين لا يمكن فتحه إلا بالإتلاف، فحينئذٍ يضمن هذا الإتلاف الذي ذكرناه في جوز الهند، وهكذا بالنسبة لبيض النعام، لأنه أصل عند العلماء.
فالمقصود: أن من حقك الرد، إن تبين أنه غير النوع الذي اشتريته، فمثلاً: قال لك: هذا عسل السدر، وتبين أنه ليس من عسل السدر، وإنما هو نوع آخر، أو قال لك: هذا الرمان من نوع كذا، وتبين أنه من نوع آخر، فمن حقك أن ترد متى اتضح وجود العيب ومخالفة الصفقة لما تم بين البائع والمشتري.
وحينئذٍ فمسائل الضمان يفرع فيها على نفس التفريع الذي ذكرنا، فإن كان العسل في غلاف بحيث إذا فتح تضرر البائع بفتحه، كان من حقه أن يطالبه بأرشه، وإن كان لا يتضرر فإنه ليس من حقه أن يطالب بالأرش، لكن مسألة العسل من حقك أن تقلبه وتذوقه من باب العلم بما فيه، وذلك حتى ترتفع الجهالة ويطمئن إلى حقه، وليس من حق البائع أن يمنعه من ذلك، إنما من حقه أن يمنعه من وسيلة تضر بالعسل، أو تضر به هو.
فمثلاً: لو أدخل يده، فيده قد تكون ملوثة تؤذي العسل، ولو جاء بملعقة كبيرة يريد أن يذوق العسل، فهذا يضر، فحق المشتري أن يفعل ما تستبين به حقيقة الصفقة، فلو باعه إليك مغلفاً، وقال لك: أضمن أنه من النوع الفلاني أو الصنف الفلاني، أو باعك الورد الطيب والمشهور مثلاً في أوعية من النحاس مغلفة مختومة لا تستطيع أن تعرف حقيقة هذا الورد إلا بفك الختم، فحينئذٍ تفك الختم، وإذا فككت الختم وشممت الورد، وتبين أنه فاسد أو تالف فلك أن ترده، فإذا كان هذا الختم ليس فكه ينقص العلبة نفسها أو يؤثر فيها، فليس من حقه أن يطالبك بالأرش، فعلبة الورد معروفة، وهذا الختم ليس له أي قيمة إنما هو من باب الاستيثاق أنه من المؤسسة ومن الشركة، لكنه لا يؤثر في ذات العلبة، فذات العلبة تقفل وتحكم الإقفال، كالقدر إذا رفع ثم غطي، فلا يعتبر هذا مما يوجب الضمان، لكن الذي يوجب الضمان الأشياء التي تستهلك وتستنفذ وتكون اليد متصرفة بالإضرار فيها، فتضمن بحقها وهو قدر الأرش، والله تعالى أعلم.

حق الفسخ في الإجارة

السؤال

استأجرت داراً لمدة سنة، ودفعت الإيجار مقدماً، وبعد بضعة أشهر أحببت الخروج من الدار، فهل لي أن أطالب المالك بإرجاع ما تبقى لي من قيمة أشهر السنة، أثابكم الله؟

الجواب

هذه المسألة مفرعة على مسألة وهي العقود اللازمة والعقود الجائزة.
فالعقود اللازمة مثل البيع والإجارة ليس من حق أحد الطرفين أن يفسخ دون رضا الآخر، فالبيع عقد لازم، فليس من حق المشتري بعد أن تفترقا أن يأتيك ويقول: لا أريد؛ لأنك تقول له: هذا عقد يلزمك، وليس من حقك أن تفسخ هذا البيع إلا بإذني ورضاي، كذلك إذا استأجرت سيارة لتذهب بها إلى الحرم بعشرة ريالات، فركبت معه فإذا ركبت معه، وشرع يمشي فبمجرد مشيه لزمتك الإجارة، وحينئذٍ تمضي معه، فإن أتم لك المشوار استحق الأجرة، وإن امتنع أن يتم لك المشوار أو تعطلت سيارته فعليه أن يقيم غيره مقامه، ولو لم يجد الغير الذي يقوم مقامه، فعليه أن يقدر المسافة من الموضع الذي أخذك منه إلى الموضع الذي تعطلت فيه السيارة، فإن كان نصف المشوار استحق خمسة ريالات، أي: يقدر بقدر ما عمل.
لكن لو جئت تقول له: أريد أن توصلني إلى المدينة، ثم لما مضى بك كيلو أو كيلوين أو نصف كيلو قلت: لا أريد، فذلك ليس من حقك فقد مضت الإجارة ولزمت.
هذا بالنسبة لإجارة الركوب.
وكذلك إجارة السكنى: فلو استأجرت داراً سنة بعشرة آلاف ريال، ثم بعد شهر أو شهرين، أو بعد أن افترقتما مباشرة جئت وقلت: لا أريد، يلزمك أن تدفع الأجرة كاملة إذا لم يقبل منك الإقالة، فإذا كنت لا تستطيع أن تستأجرها فيمكن أن تقيم غيرك مقامك.
وهكذا الطبيب: فلو تعاقدت معه على أن يأتيك للكشف أو الفحص، فجاء الطبيب ومكنك من نفسه، وجلس ولم يكشف شيئاً ولم تأمره بالكشف حتى مضت المدة، يجب عليك أن تدفع الأجرة كاملة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1] والإجارة عقد، والمسلم إذا اتفق مع أخيه المسلم على إجارة فليس من حقه أن يفسخها إلا برضا الطرف الثاني، فإذا لم يرض الطرف الثاني، فإن العقد لازم وعليه أن تتمه.
وهناك أحوال مستثناة للفسخ منها: - العجز الشرعي.

  • العجز الحكمي.
    فالعجز الشرعي مثلاً: لو استأجرت من مؤسسة سيارةً تذهب بك للحج، ولما تحركت السيارة تعطلت، وكان خروجك من المدينة في يوم عرفة، بحيث لا يمكنك أن تدرك الحج، فهذا التعطل يفسخ الإجارة؛ لأن المقصود منها الحج، فهذا يعتبر عجزاً شرعياً، وكأن المنفعة الشرعية التي تريدها ليست بموجودة وليست بمحصلة، وحينئذٍ من حقك أن تفسخ الإجارة، وتطالبه بدفع القيمة أو رد الأجرة كاملة إليك.
    وهكذا بالنسبة للعجز الحكمي، فمثلاً: ما يقع في المستشفيات بأن يقع العقد بين المريض وبين المستشفى على إجراء عملية، فقبل أن يدخل المريض للعملية توفي، فالإجارة تمت والعقد تم، والأطباء مهيئون، لكن قبل الشروع توفي المريض، فحينئذٍ ليس من حق المستشفى أن يطالب الورثة بدفع القيمة؛ لأن هذا عجز، ولا يمكن للمستأجر بحال أن يتم العقد، كما أنه في العجز الشرعي لا يمكن أن يتم العقد بحال، كذلك أيضاً في العجز الصوري أو الحكمي.
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

شرح زاد المستقنع -

باب الخيار [6]

مذهب الحنابلة رحمهم الله من أوسع المذاهب في باب الخيار، ولم يتكلم الفقهاء في مسائل الخيار بالتفصيل والاستيعاب كفقهاء الحنابلة، خاصة وأنهم يقولون بأنواع لا يقول بها غيرهم.
ومن هذه الأنواع: خيار التخبير بالثمن، فما هو هذا الخيار؟ وما هي أحواله وصوره؟ ومتى يقع؟ وما هي البيوع التي يثبت فيها وكيف يثبت؟ هذا ما وضحه الشيخ في هذه المادة.

تعريف خيار التخبير بالثمن وصوره

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [السادس: خيار في البيع بتخبير الثمن متى بان أقل أو أكثر]: ذكر المصنف رحمه الله هذا النوع من الخيار وهو الذي يسمى بخيار التخبير.
والتخبير: تفعيل من الخبر، والخبر لذاته يحتمل الصدق والكذب.
والمراد بهذا الخيار: أن يخبرك البائع بقيمة الشيء المبيع أنه اشتراه بكذا، ثم بعد ذلك يتبين أنه أخطأ أو كذب عليك، فإن تبين صدقه فلا إشكال، وهذا النوع من البيوع في الأصل إنما يقع عند الإخبار بالقيمة.
وبناءً على ذلك: فإن من أراد أن يشتري سلعة ما، فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يقع البيع بالسوم، دون النظر إلى أصل المال الذي اشترى به أو قدر القيمة التي اشترى بها البائع، فلو قال له: بكم تبيعني هذه السيارة؟ قال: بعشرة آلاف، فقال: اشتريت، فحينئذٍ لا إشكال، ولا يبحث في هذا النوع من الخيار؛ لأنه لم يتركب ثمن الصفقة الثانية على الإخبار بالصفقة الأولى.
الحالة الثانية: أن يخبر البائع المشتري بالقيمة التي اشترى بها السلعة، والأصل أن المسلم يجب عليه أن يصدق فيما يقول مطلقاً؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:119] فأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نتقيه وجعل من التقوى أن نكون من الصادقين، فإذا أخبر المسلم بشيء أياً كان فالواجب عليه من حيث الأصل أن يبين الأمر على حقيقته دون زيادة أو نقص.
وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا في البيع؛ لأنه يترتب عليه حقوق، فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي بين فيه أن بركة البيع مقرونة بوجود هذا الأمر العظيم وهو الصدق فقال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما) فبين صلى الله عليه وسلم أن البركة في البيع مقرونة بالصدق، وأن الواجب أن يكون المسلم صادقاً، كما قال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالصدق) أي: الزموه، ومن هنا فالأصل الشرعي أن يصدق البائع.
فهذه الحالة الثانية، وهي أن يقول البائع.
هذه السيارة رأس مالي فيها عشرة آلاف ريال مثلاً، فإذا أخبرك برأس المال، فإن الإخبار برأس المال تترتب عليه أمور مهمة منها: أن المشتري ربما يتفق مع البائع على ربح مبنيا ًعلى رأس المال كما في بيع المرابحة، فيقول له: بكم اشتريت؟ فيقول: بعشرة آلاف، فيقول: أربحك العشر، أي: أنني اشتريها منك بأحد عشر، أو أربحك الخمس، وهذا لا شك أنها زيادة مبنية على الإخبار برأس المال، فيشتريها باثني عشر، ولربما أنقص من رأس المال فقال له: رأس مالي في هذه السيارة عشرة آلاف أسامحك في خُمسها، فأبيعها بثمانية آلاف، فزادت رغبة المشتري في السلعة؛ لأنه يرى أن البائع قد ضحى بكثير وأن السلعة فيها تستحق أكثر مما دفع، فاشترى.
أو قال له: هذه السيارة رأس مالي فيها عشرة آلاف هل تدخل معي شريكاً بالنصف؟ أو هذه الأرض اشتريتها بمائتي ألف هل تدخل معي شريكاً بالنصف؟ فيقول: قبلت، فيدفع له مائة ألف، أو هذه العمارة اشتريتها بمليون، هل تدخل معي شريكاً بالنصف أو الربع؟ وهكذا.
والعلماء يبحثون هذا النوع من الخيار؛ لأن المشتري اشترى بناءً على خبر معين من البائع، وركب على هذا الخبر قيمة الصفقة، وترتب على هذا الخبر الرغبة في الصفقة، فهناك حقوق للمشتري من الإنصاف والعدل أن ترد له إذا ظلم فيها.
وبناءً على هذا: فإنه إذا أخبر البائع المشتري بالقيمة الأولى، فلا يخلو من ضربين: إما أن يخبرك وتبين أنه صادق.
وإما أن يخبرك ويتبين أنه أخطأ: إما عمداً وهو الكاذب والغشاش.
وإما خطأً على سبيل يعذر فيه، بأن كان يظن شيئاً وتبين خلافه، أو كان يظن أنها الصفقة الأخيرة وتبين أنها الصفقة قبل الأخيرة.
إلى آخره.
ففي الضرب الأول من الحالة الثانية: وهو أن يتبين صدق البائع فيما أخبر فلا إشكال، فلو قال لك: اشتريت هذه العمارة بعشرة آلاف، فقلت: أربحك نصفها فأشتريها بخمسة عشر، فلا إشكال إذا تبين أنه اشتراها بعشرة آلاف.
وهكذا لو أنه لم يتبين شيء، فالعلماء لا يبحثون في هذا، وإنما يبحثون فيما إذا تبين الخطأ، فأنت -مثلاً- اشتريت منه العمارة بعشرة آلاف، أو اشتريت منه السيارة بخمسة آلاف، ثم وجدت البائع الأول فقال لك: قد بعتها بأقل مما أخبرك به، فحينئذٍ يكون المشتري قد ظلم في ترغيبه في السلعة، وظلم في القيمة نفسها حيث رتب عليها ربحاً أو نسبة معينة بناءً على القيمة، فإذا ثبت أنه قد كذب أو أخطأ فحينئذٍ يكون للمشتري الخيار.
فاصطلح العلماء على تسمية هذا النوع من الخيار خيار تخبير الثمن.

متى يقع خيار التخبير بالثمن

ثم قال المصنف: [متى بان] أي: اتضح أنه اشترى [بأقل أو أكثر]، وتبين أن هذا الثمن ليس بصحيح.
فإذاً: لو سأل سائل متى يقع الخيار؟ ف

الجواب

يقع الخيار إذا تبين الخطأ سواء كان مقصوداً كما في حالة الكذب -والعياذ بالله- أو غير مقصود كما في حالة الخطأ، ففي هذه الحالة يبحث العلماء هذا النوع من الخيار.
وهناك مسألة تتبع هذه المسألة وهي: متى يكون من حقك أن تضيف على رأس المال الأصلي أو تسقط منه؟ فأنت قد تشتري الصفقة بمائة ألف، ثم تبين أن هذه الصفقة بها عيب، فأسقط القاضي لك بسبب هذا العيب كأرش عشرين ألفاً، فأنت في الحقيقة اشتريت بمائة، ولكنك برد هذا الأرش إنما دفعت ثمانين، فهل تخبر بالمائة أو تخبر بالثمانين؟ إذاً: هذه مسائل شرعية يبحثها الفقهاء، ومن عادتهم أنهم يرتبون المسائل المتجانسة والمتقاربة والتي تندرج تحت أصل واحد أو يجمعها قاسم مشترك.
فكل هذه المباحث والمسائل التي ستأتينا، إنما هي حول الإخبار بالثمن، وما هو الواجب على المسلم إذا أراد أن ينصف المشتري في إخباره بالثمن، وما الذي تحسبه وما الذي تسقطه؟ فالسيارة -مثلاً- إذا اشتريتها ربما حملتها إليك، أو الطعام إذا اشتريته تحملت تكاليف نقله إليك، فهل تحسب هذه التكاليف مع رأس المال أو لا تحسب؟ فهذه كلها مسائل تحتاج إلى نظر وبحث.
فشروط خيار التخبير: أولاً: أن يخبر البائع المشتري برأس المال: فلا يقع هذا الخيار إذا بت لك البيع وقال لك: هذه العمارة أبيعها لك بمائة ألف، وحينئذٍ فإذا تبين أنه اشتراها بعشرة أو بخمسة أو بمائة، فليس من حقك أن تعترض عليه؛ لأنه لم يخبرك برأس المال، ولم يرتب أرباحه أو استحقاقه على رأس المال، إنما باعك بيع المسلم لأخيه على البت دون ذكر لرأس المال، فإذا اشتريت السلعة بقيمة ورضيت هذه القيمة لقاء السلعة ودفعتها برضاك واختيارك فإنه تلزمك هذه القيمة.
قول المصنف: (متى بان) أي: إذا ثبت أنه قد اشترى بأقل، والإثبات إما بإقرار البائع، كأن يأتي ويقول للقاضي: نعم أنا اشتريتها بثمانين وأخطأت حينما قلت له: بمائة، والإقرار سيد الأدلة كما يقول العلماء؛ لأنه شهادة من الإنسان على نفسه، والأصل أن الإنسان لا يشهد على نفسه بالضرر.
وإما أن يثبت بشاهدين عدلين، كما إذا باعك رجل عمارة بمائة ألف، وقال لك: إنه اشتراها بثمانين ألفاً، فأربحته فيها عشرين، ثم تبين أنه اشتراها بخمسين ألفاً، فأقمت شاهدين عدلين على أنه اشتراها بخمسين ألفاً، فحينئذٍ يثبت القاضي الخيار لك.
فتبين أن الإثبات إما إقرار وإما بشاهدين عدلين، وقد يتوفر شاهد واحد فتتم البينة بيمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد مع اليمين في الحقوق المالية.
مثال ذلك: لو اشتريت من رجل عمارة أخبرك أنه اشتراها بمائة ألف، فأربحته العشر، ودفعت له مائة وعشرة، ثم تبين لك أنه اشتراها بثمانين، فجئت عند القاضي وقلت: إن فلاناً أخبرني أنه اشتراها بمائة ألف، فسأله القاضي قال: نعم أخبرته أنها بمائة ألف، قال: وما الذي تدعي؟ قال المشتري: بل اشتراها بثمانين، فسأله القاضي: هل اشتريتها بثمانين؟ فأنكر وقال: بل اشتريتها بمائة، فقال لك القاضي: أثبت، فأتيت بالبائع الأول الذي باعه وشهد أنه قد باع إليه بثمانين، حينئذٍ تستحق إذا حلفت مع هذا الشاهد يميناً فإن الحقوق المالية تثبت بالشاهد مع اليمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد مع اليمين.
إذاً: قضية (متى بان) تحتاج إلى إثبات إما بإقرار البائع وهذا في حالة الورع، كشخص يبيعك شيئاً، ثم يتبين أنه أخطأ فجاء وقال لك: نعم.
أنا أعترف أنني قد أخطأت في القيمة التي ذكرتها لك.
أو بشاهدين عدلين، أو بشاهد ويمين، أو امرأتان تشهدان بأنه باع بهذه القيمة ويمين، أو أربع نسوة يشهدن بهذه القيمة التي ذكرت.
بناءً على هذا: فمتى بان أنه اشترى بأقل أو أكثر: بأقل كما ذكرنا في المائة والثمانين، أو أكثر، كأن يكون في حال الخطأ، إذا أخطأ البائع وقال: إنه اشتراها بثمانين، فلما رجع إلى حسابه وجد أنه اشتراها بمائة، كما إذا قال لك: هذه العمارة أبيعها لك بمائة ألف، رأس مالي فيها ثمانون، قلت له: اشتريتها منك على أني أربحك عشرين، وهي ربع الثمانين، ثم تبين أنه أخطأ في تقديره وحسابه، وهذا أيضاً على وجه يعذر فيه، وهذا مما يثبت الخيار له.

البيوع التي يثبت فيها خيار التخبير بالثمن

يقول رحمه الله: [ويثبت في التولية]: أي: هذا النوع من الخيار يثبت في التولية.
والتولية: يقال: ولاه الشيء إذا أسند إليه أمره، والمراد بالتولية، أن يقول له: هذه العمارة أو هذه السيارة اشتريتها بكذا والأمر إليك، والعامة اليوم يقولون: رأس مالي كذا والنظر لك، أي: أنت الذي تبت في الأمر، فولى البائع المشتري النظر، فإذا أخبره برأس المال وولاه النظر، فحينئذٍ يكون هذا البيع تولية.
قال رحمه الله: [والشركة]: المصنف هنا يريد أن يثبت محل الخيار، وهذا النوع من الخيار في الأصل لا يقع إلا إذا أخبرك برأس المال، ورأس المال يخبر به في بيع التولية، وفي بيع الشركة، وبيع الشركة: كأن يقول لك: اشتريت أرضاً بمائة ألف، هل تدخل معي شريكاً بالنصف؟ أو اشتريتها بمائتين شاركني في النصف شاركني في الربع وقس على هذا، فيذكر لك رأس المال، ويدخلك شريكاً فيه.
قال رحمه الله: [والمرابحة]: المرابحة مفاعلة من الربح، والربح أصله النماء والزيادة، وقوله: (المرابحة) هذا النوع من البيوع حقيقته أن تشتري الصفقة وبعد أن تثبت ملكيتك على الصفة تعرضها للبيع، فتقول: رأس مالي فيها مائة، كم تربحني؟ فهذا بيع المرابحة الذي تكلم عليه العلماء وسموه بهذا الاسم وبينوا أحكامه وفصلوا ما يتعلق به من المسائل.
أما ما يسمى اليوم ببيع المرابحة في المعاملة الموجودة والشائعة في بعض المؤسسات، من كونه يأتي إلى الشركة أو إلى المؤسسة أو إلى المصرف ويقول له: اشتر لي سيارة من نوع كذا، أو السيارة من فلان، وقسطها عليَّ، وفي بعض الأحيان يذهب العميل ويحضر فواتير السلعة التي يرغب في شرائها، ثم يدفعها إلى البنك، فيقوم البنك بدراستها ثم يشتريها ويبيعها بالأجل على الذي يرغبها من العملاء، فهذا النوع من البيوع لا يعتبر مرابحة وليس في حكم المرابحة أصلاً؛ لأن المرابحة التي تكلم العلماء عليها، تكون في سلعة مملوكة وتحت يد البائع من حيث الأصل، أما هذا النوع من البيوع في العصر الحديث أو الموجود في زماننا هذا، لم يشتر البنك أو المصرف إلا بعد دلالة العميل، فالبنك لا يريد لنفسه، وإنما يريد أن يأخذ زيادة على غرم المال الذي دفعه، فبدل أن يعطي العميل مائة ألف على أن يردها مائة وعشرين، أدخل السلعة حيلة على الزيادة والنماء، ولذلك يعتبر من الربا.
وجه ذلك: أن الشريعة لا تلتفت إلى صورة العقد المفضي إلى الربا، ودليل ذلك بيع العينة، فإنك لو جئت إلى بيع العينة: وهي أن تشتري سيارة بمائة ألف، وهذه السيارة التي اشتريتها بمائة ألف اشتريتها مقسطة على عشرة أشهر -مثلاً- كل شهر تدفع فيه عشرة آلاف، فإذا اشتريت السيارة بمائة ألف، وقال الذي باعك: أنا أشتريها منك نقداً بثمانين، آل الأمر إلى أنه أعطاك الثمانين نقداً بالمائة إلى أجل.
فلو جئت تتأمل بيع العينة الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدت صورة البيعين صحيحة، أعني أنه حينما تكون السيارة إلى نهاية السنة تجد أن قيمتها في السوق مائة ألف، فحينما تنظر إلى قيمتها في السوق مائة ألف، فالشريعة لا إشكال أنها تصحح عقداً إلى نهاية السنة على هذه الصورة بمائة ألف.
وأيضاً لو جئت تسأل عن هذه السيارة بالنقد وجدتها بثمانين، فكلا البيعين ليس فيه شبهة من حيث الصورة والشكل، ولذلك فالعلماء لا يعتبرون هذا النوع من البيوع -الذي هو بيع العينة- رباً محضا، ً وإنما يعتبرونه ذريعة إلى الربا، وبيع الذريعة صورته شرعية ولكن حقيقته ومآله إلى المحرم، فأنت إذا تأملت تعيين المشتري للصفقة واختياره لها، بل وأخذه حتى لفواتيرها وذهابه إلى المصرف كأنه يقول للمصرف: أرد لك هذه المائة ألف بزيادة، غير أن المصرف حتى يضمن أن المال ذهب في مكانه أعطاه لصاحب السلعة، بدل أن يعطيه بيده أعطاه إلى صاحب السلعة.
وأعجب من هذا وأغرب أن يكون هناك اتفاق بين المصرف والمؤسسة أنه إذا رجع الزبون أنه ترد له سلعته، فإذا رجع وغير رأيه ردوا السلعة إليه.
فإذاً: لا إشكال أن هذا النوع أولاً ليس بمرابحة حقيقة؛ لأن المرابحة يملك فيها السلعة ويحوزها وحينئذٍ تكون يده يد ملكية، فإذا جاء يشتري إلى أجل فالبيع إلى أجل متمحض وليس فيه أي شبهة؛ لكن في بيع الصورة المحرمة التي ذكرناها لم يشتر البنك ولم يشتر المصرف إلا بإيعاز من العميل، وبدل أن يأخذ العميل المال الذي هو المائة ألف نقداً ويردها مائة وعشرة، لأنه الربا المحض، أدخلا الصفقة احتيالاً على هذا المحرم.
ومن هنا كان ابن عباس رضي الله عنه يرى أن تحريم بيع الطعام قبل قبضه بشبهة الربا؛ لأنه إذا اشترى الطعام بمائة ألف حاضرة، ودفع المائة ألف، ولم يقبضه ولم يأخذه ثم باعه في نفس المكان إلى شخص آخر، كأنه يدفع المائة ويأخذ مائة وعشرة، وهذا كله من العلماء إلغاء للصورة ورجوع إلى الحقيقة؛ فلما كانت الصورة صورة بيع، ولكن في الحقيقة أن البنك لم يأخذ السلعة له ولم يردها له، وإنما أخذها بإيعاز من المشتري وطلب منه، ولا إشكال أن هذا من باب دفع المال بالزيادة، إلا أنه بدل أن يعطيه للمشتري وللعميل، قام بإعطاء الطرف الثاني وهو صاحب السلعة المرغوب في شرائها.
قال رحمه الله: [والمواضعة]: المواضعة مفاعلة من الوضع، والوضع الطرح، ولذلك يسمى هذا النوع من البيع (بيع الحطيطة)، يقال: حط من الثمن إذا انتقص منه، والمواضعة عكس المرابحة كأن يقول لك: اشتريتها بمائة ألف أضع عنك الربع، بمعنى أنني أبيعها لك بخمسة وسبعين، أو اشتريتها بمائة أضع عنك خمسها، أي: أبيعها لك بثمانين، وقس على هذا.
قال رحمه الله: [ولا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال]: أي: من اللازم في هذه البيوعات كلها معرفة المشتري لرأس المال؛ لأنه لا يستطيع أن يطالب بحقه الذي ظلم فيه في هذا البيع إلا إذا علم أن البائع قد اشترى بأقل، فإذا ثبت عنده أو أثبت عند القاضي أن البائع اشترى بأقل، حق له الخيار، وحينئذٍ يثبت له أن يطالب بالصفة التي سيبينها المصنف رحمه الله.

صور يثبت فيها خيار التخبير بالثمن

قال رحمه الله: [وإن اشترى بثمن مؤجل، أو ممن لا تقبل شهادته له، أو بأكثر من ثمنه حيلة، أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن، ولم يبين ذلك في تخبيره بالثمن، فلمشتر الخيار بين الإمساك والرد]: قوله رحمه الله: [وإن اشترى بثمن مؤجل]: أي: بأن اشترى البائع السلعة بثمن إلى أجل، وجئت تشتري منه فأخبرك بالثمن، ولم يقل لك: مؤجلاً.
وذلك لأن القيمة المعجلة ليست كالقيمة المؤجلة، فمثلاً: أنت جئت تريد أن تشتري منه العمارة، قال لك: هذه العمارة اشتريتها بمائتي ألف، وقيمتها في الحقيقة مائة ألف، لكنه اشتراها بمائتي ألف مقسطة، ومن المعلوم أن بيع التقسيط أغلى من بيع النقد، فلما قال: اشتريتها بمائتي ألف وسكت فإن سكوته يقتضي أنه اشترى بالنقد؛ لأن الأصل في البيوعات أن تكون نقداً، فإذا قال لك: اشتريتها بمائتي ألف، وأبيعها بمائة ألف، الذي هو بيع المواضعة، أضع لك نصف القيمة، فحينئذٍ يكون قد ظلمك، وذلك يوهمك أنه قد حط عنك مائة ألف، وهو في الحقيقة لم يحط عنك هذا المبلغ وإنما حط عنك نصفه، وهو خمسون ألفاً، وعلى هذا فإذا قال لك: اشتريتها بمائتي ألف أو بأربعمائة ألف وهو اشتراها بثمنٍ مؤجل فإنه يكون من حقك الخيار؛ لأنه ختلك بذكر القيمة مطلقة، وهي منصرفة إلى النقد، وحقيقة البيع الذي ابتاع به أنه إلى أجل.
وقوله: [أو ممن لا تقبل شهادته له]: كأن اشترى العمارة ممن لا تصح شهادته له؛ لأن هناك مستثنيات من الشهادة لا يقبل فيها الشاهد ولو كان عدلاً، وهذا مبني على التهمة، ومن هذه الشهادات شهادة الأصل للفرع والفرع للأصل، فلو قال لك: اشتريتها بمائة ألف، وكان قد اشتراها من أبيه، أو اشتراها من ابنه، فحينئذٍ لا يوثق بهذا الخبر ولا يوثق بشهادة الابن لأبيه ولا بشهادة الأب لابنه.
والسبب في هذا: أن شهادة الابن لأبيه وشهادة الأب لابنه فيها إجماع على عدم القبول عند المتأخرين من العلماء رحمهم الله، لكنَّ أهل العلم لما أجمعوا على عدم قبول شهادة الابن لأبيه والأب لابنه اختلفوا في سبب منع هذه الشهادة، فبعض أهل العلم يقول: هذه الشهادة في أصل الشرع غير مقبولة، وعلل ذلك ودلل له بدليل من السنة ودليل من النظر، أما دليله من السنة فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال -كما في الصحيحين-: (إنما فاطمة بضعة مني) فقوله: (بضعة) أي: قطعة وبضعة الشيء قطعة منه، وإذا كانت فاطمة رضي الله عنها قطعة من أبيها، فمعناه أن الابن والولد قطعة من والده، فإذا كان الولد قطعة من والده، فإذا شهد له فكأنما يشهد لنفسه، والعكس إذا شهد الوالد لولده كأنه يشهد لنفسه، ومن هنا لم تقبل شهادة الوالد لولده ولا الولد لوالده.
ثم أيضاً هناك دليل ثانٍ وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم) وهو حديث صحيح ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقوله: (وإن أولادكم من كسبكم) جعل فيه الولد من كسب والده وكأنه راجع إليه، فإذا شهد له كان بمثابة الشاهد لنفسه.
أيضاً هناك دليل من النظر: وهو أن الولد والوالد كل منهما تغلبه عاطفة القرابة، والشهادة إنما قبلت من صاحبها لغلبة الظن بالصدق، وإذا غلب على الظن خلاف الصدق، واتهم الشاهد، كان موجباً للرد، ولذلك جاء في الحديث الذي رواه الحاكم وصححه غير واحد من العلماء: (لا تقبل شهادة خصم ولا ضنين)، و (الضنين): المتهم، كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:24] أي: متهم.
فقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تقبل شهادة خصم ولا ضنين) دل على أن الشهادة في الرد مبناة على التهم، فإذا شهد الوالد لولده والولد لوالده، فإنه هنا تهمة قوية، ولذلك قالوا: إن هذه الشهادة من حيث الأصل لا تقبل.
وبعض العلماء يقول: شهادة الوالد لولده والولد لوالده في الأصل كانت مقبولة، ولكن نظراً لاختلاف الزمان وتغير الزمان تغيرت الفتوى، فكان السلف يقبلونها ثم ردت، وهذا يروى عن الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، إمام السنة في زمانه رحمه الله، يقول: إن السلف كانوا يقبلون شهادة الولد لوالده، والوالد لولده، وقصة علي رضي الله عنه كانت أصلاً عندهم، وهي ترد هذا الذي ذكره الإمام الزهري رحمه الله، وتقوي القول الأول، خاصة وأن السنة تقوي أن الولد من والده.
وسواء قلنا: إنها مردودة بالشرع وهو الصحيح، أو قلنا: إنها مردودة بالإجماع وهو المرجوح، فالمهم أنها لا تقبل لا شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده.
لكن لو شهد الولد على والده، أو شهد الوالد على ولده، فحينئذٍ تكون الشهادة مقبولة؛ لأن هذا لا يكون إلا عن حمية للدين وصدق، خاصة إذا عرف الولد بالصدق والأمانة والعدالة، وكذلك الوالد، فإن المسلم الصادق لا تأخذه في الله لومة لائم، ومن كمال الإيمان أن يكون الإنسان قائماً بالقسط، فيشهد ولو على أقرب الناس إليه.
فبناءً على هذا: شهادة الولد لوالده، والوالد لولده فيها تهمة، فلو أنه أخبرك بالثمن واشترى ممن لا تقبل شهادته له، فحينئذٍ يكون لك الخيار.
والسبب أننا لا نستطيع أن نتوصل إلى حقيقة القيمة، لوجود الشبهة في صدقه فيما قال وفيما أخبر به، ولذلك يعتبر من موجبات الخيار على الوجه الذي ذكره المصنف رحمه الله.
قال رحمه الله: [أو بأكثر من ثمنه حيلة]: أي: أو اشترى بأكثر من ثمنه حيلة.
رحمة الله على العلماء، إن من لذة الفقه أنك قد تقرأ المسائل هكذا فتشعر بالسآمة والملل، لكن إذا أردت أن تبحث عن العلل والأسباب وجدت أنهم يرتبون هذه العلل ترتيباً دقيقاً، فهم يبحثون عن شيء يوجب الخيار، وتحصل به التهمة، ويبحثون عن إنصاف المشتري من البائع، وأيضاً إنصاف البائع من المشتري؛ لأن البائع ما جاءك إلا للعدل، ولا بنيت هذه الشريعة إلا على العدل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:115] فالله عز وجل حكم بهذه الشريعة للعدل.
فالمسألة عندنا هنا يكون فيها صدق في الظاهر وحيلة في الباطن، ولما ذكر المصنف رحمه الله القاعدة: (أن يشتري بأكثر حيلة)، ذكر ضابطاً، وهذا له صور وله أمثلة، لكن من أشهرها أن يأتي رجل إلى شخص يحبه كأخيه وقريبه، أو ابن عمه، أو ابن خاله، ويقول له: أشتري منك عمارتك هذه بمائة ألف، والعمارة في الحقيقة تستحق ثمانين ألفاً، وهو يضع في ذهنه أنه سيبيعها مرابحة ولكنه يحتال على المرابحة فيخبر بصدقٍ حقيقتهُ الخداع والغش، فيأتي إلى هذا القريب ويقول له: ما رأيك يا فلان! لو تبيعني عمارتك بمائة ألف، والعمارة قيمتها ثمانون ألفاً، وبطبيعة الحال قد يعلم أن القريب يريد أن يبيع أو لا يريد أن يبيع، لكن القريب بمجرد أن يعلم هذا السعر المغري سيوافق، فاشترى منه العمارة بمائة ألف، هذه العمارة وضعها في الحسبان أنه سيبيعها مرابحة، فجاءه المشتري وقال له: بكم اشتريت هذه العمارة؟ قال: رأس مالي فيها مائة ألف، فهو صادق ولم يكذب؛ لكنه في الحقيقة ختل المشتري وخدعه، وفي الحقيقة كان يبني على ما يرجوه من الزيادة والنماء على طريقة كسب مودة القريب، وأيضاً كسب الربح من الغريب، فهو ينفع القريب بالزيادة التي سيعطيها، وأيضاً ينتفع من الغريب بما يخبره وهو صادق في الظاهر، ولكنه غشاش أو كذاب في الحقيقة؛ لأنه لا يريد أن يخبره أن قيمة السلعة ثمانون ألفاً، ولكنه زاد العشرين من أجل أن يكسب نماء المرابحة، ويثبت هذا عند القاضي بالقرائن.
وهذه الصورة مشكلة، فإذا أقر على نفسه فلا إشكال؛ لأن هذا يوجب الخيار، فلو جاء عند القاضي وتاب إلى الله عز وجل، وقال: نعم أنا اشتريت من أخي هذه العمارة، أو اشتريتها من ابن عمي وأعطيته مائة ألف، وأنا أريد أن أبيعها على فلان مرابحة بمائة وخمسين، حينئذٍ إذا ثبت عند القاضي هذا أثبت به الخيار، لكن لو أنه أنكر، وامتنع أن يثبت أنه قصد ختل المشتري فحينئذٍ يصعب على المشتري أن يثبت ذلك؛ لكن يثبت بالقرائن، فيسأل أهل الخبرة، فإذا سأل أهل الخبرة ووجد أن قيمة هذه العمارة في الحقيقة خمسون ألفاً، ووجد أنه اشتراها من قريبه بسبعين ألفاً، أو بثمانين أو بمائة، عند ذلك نعلم أن هناك محاباة وأن هناك قصداً بإدخال النفع إلى القريب، فمن حق القاضي أن يثبت الخيار بشهادة أهل الخبرة في مثل هذا.
قال رحمه الله: [أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن]: وهذه كلها صور عجيبة جداً تبين كيف كان العلماء رحمهم الله يعيشون حال الناس ويدخلون إلى أسواقهم، بحيث يدققون في كيفية خداع البائع للمشتري، فهذه الصورة تستغرب كيف استطاع البائع أن يختل المشتري ويخدعه بذكر قسط الثمن الذي فيه غرر في بيع المرابحة.
صورة المسألة: أن يشتري ثلاثة أشياء والمسألة هذه لا تقع إلا في أشياء متعددة، كأن يشتري سيارتين، أو عمارتين، أو قطعتين من الأرض، ويبيع إحدى القطعتين ويخبر المشتري على أنها نسبة من أصل البيع، فيجعل المرابحة على أصل الثمن.
فمثلاً: اشترى ثلاث سيارات: السيارة الأولى قيمتها أربعون، والسيارة الثانية قيمتها عشرون، والسيارة الثالثة قيمتها ثلاثون، أصبحت القيمة تسعين ألفاً، فيقول: رأس مالي في هذه السيارات الثلاث تسعون ألفاً، ويبيع إحدى السيارات التي هي -مثلاً- بعشرين، بربح، فإذا جاء المشتري وضع في حسبانه أن الباقي يعادل الثلثين، وأن السيارة التي بيعت بيعت على أنها بثلاثين، وحظها من أصل القيمة ثلاثون، فباعها بالربح ثم أخذ أيضاً فضل الربح فيما بقي.
صورة ثانية: اشترى ثلاث قطع من الأراضي، فلو فرضنا أنه اشتراها بستين ألفاً، وكانت قيمة القطعة الأولى: أربعين ألفاً، والقطعة الثانية: عشرة، والقطعة الثالثة: عشرة ثم يبيع الأغلى والأنفس والتي قيمتها أربعون، وتبقى له قطعتان قيمتهما عشرون ألفاً، فيأتي ويقول: هذه الصفقة قيمتها ستون ألفاً بعت منها قطعة، كم تربحني في القطعتين؟ فيتوهم المشتري أن القطعتين الباقيتين قيمتهما الأساسية أربعون ألفاً نمثل بال

ما يلحق برأس المال ويخبر به وما لا يلحق

قال رحمه الله: [وما يزاد في ثمن، أو يحط منه في مدة خيار، أو يؤخذ أرشاً لعيب، أو جناية عليه، يلحق برأس ماله ويخبر به]: قوله: رحمه الله: [وما يزاد في ثمن]: أي: في مدة الخيار، وهذا يقع في خيار المجلس، وقد يقع في خيار الشرط، لكنه يقع في خيار المجلس وجهاً واحداً من جهة أن من حق المشتري أن يرجع، وذلك أنه إذا اتفق معه على أن القيمة الأولى لا تكفي فرضي أن يزيد فلا إشكال.
صورة المسألة: كنت مع رجل فقال لك: عندي عمارة أبيعها لك بمائة ألف، فوصف لك العمارة وصفاً كاملاً، أو قال لك: عمارتي التي تعرفها في المكان الفلاني أو في الشارع الفلاني، أبيعها بمائة ألف، فقلت له: قبلت -وقد بينّا فيما مضى أنه ما دام البائع والمشتري في مجلس واحد، فهما بالخيار -ففي أثناء المجلس قال لك: رجعت عن المائة ألف أريد عشرين زيادة، فإما أن تعطيني عشرين أو فسخت، فقلت له: هذه عشرون، أو من باب حثه على أن يمضي البيع، قلت له: رضيت أن أزيدك عشرين ألفاً.
فهذه الزيادة التي طرأت على أصل العقد، قد يخبر البائع الثاني المشتري بالقيمة المحصلة فيقول: هذه العمارة اشتريتها بمائة وعشرين، وهو في الحقيقة اشتراها بمائة، والعشرون قد زادها في مجلس العقد، وهذه العشرون التي زادها فيها شبهة، فربما زادها بسبب ضغط البائع لعلمه بجهل هذا المشتري، فحينئذٍ ينبغي أن يخبر بحقيقة هذه العشرين، فيقول: أنا اشتريت بمائة، وكنا في مجلس العقد فألزمني بعشرين، فرضيت بها، فهذا الرضا يحتمل أني أنا رضيت من باب أنني أرغب في هذه العمارة لمصلحتي الخاصة، وربما أنني أرغبها لشيء في ذلك الزمن، فزدت العشرين لا لمصلحة البيع، وليس من أجل البيع.
وذلك حتى يكون من حق المشتري الثاني النظر فإن شاء اعتبر القيمة على وجهها، وإن شاء نكص وامتنع من الشراء.
إذاً: إذا زاده وهو في حال الخيار في القيمة أو انتقص منها، كان من حق المشتري أن يعلم بذلك ويجب على البائع أن يعلمه بذلك.
قوله رحمه الله: [أو يحط منه في مدة خيار، أو يؤخذ أرشاًَ لعيب]: [أو يؤخذ أرشاً لعيب]: لو أنه اشترى العمارة بمائة ألف، وجاء وقال لك: هذه العمارة رأس مالي فيها مائة ألف، وهو صادق أن العمارة بيعت بمائة ألف؛ ولكنه في الحقيقة وجد في العمارة عيباً، وهذا العيب يحط من المائة عشرين، فلو قال لك: أنا اشتريتها بمائة ألف فهو صادق أنه اشتراها بمائة ألف، ولكن العيب الذي وجد في العمارة حط الثمن إلى ثمانين، فيجب أن يخبرك أن هناك عيباً أخذ به أرشاً وهي العشرون، لكي تصبح الحقيقة أنه اشترى بثمانين، فلو قال لك: اشتريت بمائة وسكت عن الأرش، وثبت ذلك عند القاضي، فإن هذا يثبت الخيار للمشتري.
قال رحمه الله: [أو جناية عليه]: أي: جناية على المبيع، فإن المبيع إذا جني عليه خاصة إذا كان في مدة الخيار فإنه ينقص من القيمة، فمثلاً: اشترى سيارة بمائة ألف، فصدمها شخص وهي واقفة، ولما صدمها ضمن التلف الذي أحدثه فيها، فأعطى صاحبها أرشاً، فأخذها وأصلحها ثم قال: هذه السيارة رأس مالي فيها كذا، أو جاء بها بوضعها الراهن، وهي مصدومة، وقال لك: هذه السيارة اشتريتها بمائة ألف، فهو صادق أنه اشتراها بمائة ألف، لكن هذا العيب الموجود فيها، والذي طرأ فأنقص القيمة وكان فيها الأرش، فكأن السيارة اشتريت بمائة ألف، والأرش قيمته عشرون ألفاً، فمعناه أنه تكلف في السيارة ثمانون ألفاً، وأن القيمة الحقيقية لهذه السيارة بعد الأرش إنما هي الثمانون.
وبناءً على ذلك: فكأن أحكام هذا النوع من الخيارات تدور حول مسألة الحقيقة، وأنه لا يجوز أن يستفضل البائع عن طريق المرابحة أو طريق التولية أو طريق المواضعة شيئاً زائداً عن حقه، وكل المراد أن يصل هذا إلى حقه، وكما قررنا في الأول، أنها قائمة على العدل، بحيث يأخذ البائع حقه والمشتري حقه.
قال رحمه الله: [يلحق برأس ماله ويخبر به]: أي: يلحق برأس ماله ويقول: نعم أنا اشتريت هذه السيارة بمائة ألف، ووجدت فيها عيباً فرد لي القاضي أرشاً لقاء هذا العيب عشرين ألفاً، أو رد لي أرشاً لقاء هذا العيب عشرة آلاف، وقس على هذا.
قال رحمه الله: [وإن كان بعد لزوم البيع لم يلحق به]: لأنه بعد لزوم البيع من ضمان المشتري إنما يكون في مدة الخيار، ويقع هذا كما ذكرنا في خيار الشرط على أصح الأوجه فإذا قال: إذا قال: لي الخيار ثلاثة أيام، ثم وقع حادث سيارة بالنقص خلال الثلاثة أيام، فلا بد من العلم بالنقص، وفي ظاهر هذه العبارة أنه لو طرأ النقص بعد العقد أو بعد تمام العقد أنه لا يخبر، مع أن هناك صوراً ينبغي فيها الإخبار والتي تسمى بصور الزيادة وصور النقص، ففي بعض هذه الصور يجب عليه أن يخبر.
من أمثلة ذلك: لو اشترى دابة وهي سمينة بمائة، ثم أخذها فاعتلت وتغيرت وجاءها النقص من جهة مرض أو من جهة سوء تدبير، أما الأصل أن قيمتها مائة، فإذا جاء وقال: رأس مالي فيها مائة، فرأس ماله فيها بمائة حينما كانت كاملة صحيحة، لكن هذا النقص ولو كان طارئاً بعد لزوم البيع، فينبغي أن يخبر به، وأن يقول: هذا النقص طرأ عنده.
وأشار في الشرح أنه ليس هناك خلاف بين أهل العلم رحمهم الله أنه ينبغي أن يخبر في هذه الحالة، كنقص الأمراض ونقص العيوب التي تطرأ بعد لزوم البيع، ولا يجوز له في هذه الحالة أن يسند الثمن الأصلي إلى الأول دون أن يكشف حقيقة الأمر؛ لأنه بعد وجود هذا العيب، الصفقة في حقيقتها تستحق ما دون رأس المال المذكور، فلو قال له: أنا اشتريت هذه الدابة بمائة، فقد ظلمه؛ لأنه اشتراها كاملة وهي في حالها حين البيع الثاني ناقصة، فيكون فيه ختل للمشتري الثاني، فيجب عليه أن يخبره.
كذلك مما يلتحق بهذا ما ذكره بعض العلماء: وهي الزيادة المنفصلة، كأن يشتري ناقة عشراء، بمائة، وتلد بعد ذلك، فيأتي المشتري ويقول: كم رأس مالك؟ فيقول: مائة، وهو صادق أنه اشتراها بمائة؛ لكنه اشتراها بمائة وهي حامل، فمثل هذا يشدد فيه طائفة من العلماء ويقولون: يجب عليه أن يبينه على حقيقته، حتى لا يختل المشتري بثمن زائد عن استحقاق السلعة.
قال رحمه الله: [وإن أخبر بالحال فحسن]: هذا بالنسبة لمسألة الزيادة التي تطرأ بعد لزوم البيع؛ ومن أمثلة الاستحقاقات التي تكون بعد لزوم البيع: أن تكون الزيادة لقاء كلفة ومشقة، مثل أن يقول: بكم هذه السلعة من الطعام؟ قال: بمائة، قال: أريد أن تصل إلى بيتي، فيقول: فلان يحملها لك بعشرة، فتم البيع على مائة، ويكون عقد الإجارة بعد لزوم البيع، فهو ليس راجعاً إلى البيع وليس بأساس البيع، فحينئذٍ يخبر ويقول: هذه السلعة اشتريتها بمائة، ولكنها كلفتني مائة وعشرة، فإني جلبتها إلى مخازني أو حفظتها في مخازني فكلفني هذا عشرة آلاف، فأصبح رأس مالي فيها من القيمة ورأس مالي فيها من التعب والعناء مائة وعشرة.

الأسئلة

يمين القضاء ومستندها

السؤال

مر معنا أن المشتري إذا ادعى عند القاضي أن البائع اشترى السلعة بأقل مما ذكر له، فأقام المشتري شاهداً واحداً وهو البائع الأول مع يمينه أنه يستحق الخيار، والسؤال: ما هو المستند الذي يستند إليه المشتري حتى يحلف على ذلك؟ أثابكم الله.

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: هذه المسألة وهذا السؤال يرجع إلى قضية الحلف بيمين القضاء، ويمين القضاء هي من أعظم الأيمان التي شدد الشرع فيها، والسبب في هذا: أنها تقتطع بها الحقوق، وهي أيمان عظيمة، ومن حلف يميناً في القضاء كاذباً، لقي الله وهو عليه غضبان، ومن حلف يميناً ليقتطع بها مال امرئ مسلم لم يزده الله بها إلا فقراً وضيعاً، فهي يمين غموس تغمس صاحبها في النار، وهي اليمين التي تسمى بيمين الصبر، وقد جاء في قصة الكندي والحضرمي لما اختصما في البئر وارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: (ليس لك إلا يمينه قال: يا رسول الله! الرجل فاجر يحلف ولا يبالي، فقال صلى الله عليه وسلم: ليس لك إلا يمينه، فقال: يا رسول الله! الرجل فاجر يحلف ولا يبالي، قال: من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم وهو كاذب لقي الله وهو عليه غضبان) نسأل الله السلامة والعافية! ومن لقي الله وهو عليه غضبان فقد هوى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه:81] فمن أعظم ما يكون أن يجرؤ على أن يحلف بالله في القضاء على أن هذا حقيقته كذا، وعلى أن هذا الأمر صورته كذا، والواقع أنه كاذب، أو يحلف إذا قيل له: احلف على أنك ما فعلت، فحلف.
وكانوا يقولون: إن من السنن التي وجدوها بالاستقراء والتتبع، أن من حلف يمين القضاء لا يمر عليه الحول وهو بخير، نسأل الله السلامة والعافية!! فإن كان صاحب التجارة فإن الله يمحق البركة من تجارته، وقد يبتليه الله في عافيته، وقد يبتليه الله سبحانه وتعالى في ماله، ومما كان يحدث به كبار السن أن من أغضب الله عز وجل في شيء ظهرت السنن والدلائل على أن الله يؤاخذه ببلاء، وهذا مما يزجر الناس ويمنع الناس؛ لأن السيئة تسيء إلى صاحبها في الدنيا والآخرة، نسأل الله السلامة والعافية! فكانوا يقولون: من يحلف اليمين الفاجرة متعمداً، أي: وهو يعلم أنه كاذب فيها، فالغالب أنه لا يسلم.
ومن أشدها أيمان القسامة التي تكون على الدم، وأصل الأيمان في القسامة أنهم لما حلفوا في الجاهلية في قصة الرجل الذي قتل بمكة، فجاء أولياؤه إلى عبد المطلب وطالبوه، فقسم الأيمان على خمسين من أقرباء المدعى عليه أنه قاتل، فكان منها يمين يتعلق بيتيم، فجاء وليه ودفع حظه من الدية، ثم حلف التسعة والأربعون أيمانهم، وكان الرجل هو القاتل، وكانوا يعلمون أنه قاتل، فحلفوا اليمين الفاجرة، فما مر عليهم الحول وفيهم عين تطرف، وهذا ذكره العلماء رحمهم الله في سبب مشروعية القسامة، وهي من قضاء الجاهلية الذي أبقاه الإسلام، لما فيه من تعظيم الحرمات وزجر الناس عن الدماء والاعتداء على الحقوق.
الشاهد: يبقى الإشكال الآن إذا كنا في مسألة المرابحة نقول: إنه يحلف المشتري مع شاهده الذي يقيمه، أي: على أي شيء يستند في حلفه؟ فإن كان قد اطلع بنفسه ورأى الصفقة وتذكرها أو تذكر أنه حضر وأن هذه الصفقة التي كانت في المجلس الفلاني بين فلان وفلان هي على عمارته التي اشتراها الآن، فتذكر ذلك، فهذا يسمونه الحلف على العلم واليقين، أن تحلف على علم ويقين، وبالإجماع يجوز لك هذا الحلف.
النوع الثاني: الحلف على غالب الظن، والحلف على غالب الظن، للعلماء فيه قولان: والمذهب الصحيح أنه يجوز لك أن تحلف على غالب ظنك، فإذا وجدت قرائن ودلائل أو وجدت وثائق كتابية لم يقتنع بها القاضي، وأنت على غالب الظن مقتنع بها، وتعرف خط الرجل أو أخذتها من خزينة الرجل، أو أخذتها من يد الرجل، أو اطلعت على ذلك عن طريق قرائن ممن يعلم معه، ولا يستطيعون أن يشهدوا مخافة منه، وشهدوا عندك وأنت تعلم أنهم صادقون، هذه كلها قرائن تقوي غلبة ظنك بصدقهم، فإذا غلب على ظنك هذا كان من حقك أن تحلف، والحلف على غالب الظن ليس بيمين غموس، ولذلك قال العلماء: لو أن رجلاً أعطاك ألف ريال ديناً ثم غلب على ظنك أنك رددتها، فقال لك: لم تردها، وأنت لا تستطيع أن تجزم، لكن غلب على ظنك أنك رددتها، فيجوز لك أن تحلف بالله إذا أنكر ذلك.
وهكذا لو أنك ادعيت على رجل مالاً، أعطيته هذا المال ثم طالبته فادعى الرد، وأنت على غالب ظنك أنه لم يرد، فيجوز لك أن تحلف على أنك لم تستلم ولم تأخذ، إذا غلب على ظنك ذلك.
الشاهد: أن اليمين التي يسأل عنها، يمكن أن يحلفها الخصم بناء على غالب الظن، وهذا على أصح قولي العلماء رحمهم الله، وينسب بعض العلماء إلى جمهور أهل العلم أن الحلف على غالب الظن لا بأس به وليس فيه حرج، ولكن الورع ألا يحلف إلا على مثل الشمس، فإذا أراد أن يسلم له دينه وأن يحفظ دينه وأن يبارك الله له في ماله، فلا يحلف إلا على شيء كالشمس، وإلا ترك وعوضه الله عز وجل خيراً مما فقد، والله تعالى أعلم.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
ملكية النماء المنفصل وتعارضه مع حديث المصراةالسؤالالجوابيد المشتري في زمن الخيارالسؤالالجوابباب الخيار [4]خيار التدليس تعريفه ومشرعيتهصور لخيار التدليستعريف خيار العيب وصورهالعيوب التي تؤثر في المبيع والعيوب التي تستحق بالشرطمشروعية خيار العيبالسؤالالعيوب الحسية والمعنوية وتأثيرها في المبيعالآثار المترتبة على وجود العيبالسؤالالأسئلةالوجاء وعدّه من العيوبالسؤالالجوابحكم الامتناع من رد أرش العيب للمشتريالسؤالالجوابرد المبيع بالعيب بعد التصرف فيهالسؤالالجوابحكم بيع ما كان معيباالسؤالالجوابحكم طلب الزيادة في المبيع وفضل الاستغناء بالله وعدم سؤال الناسالسؤالالجوابباب الخيار [5]العيوب التي لا تعرف إلا بكسر المبيعالسؤالالجوابشروط خيار العيبالتراخي في خيار العيب ودلالته على الرضااختلاف المتبايعين في وقت حدوث العيبأهمية معرفة المدعي والمدعى عليهكيف نعرف المدعى عليه والمدعيدليل القائلين بأن القول قول المشتريدليل القائلين بأن القول قول البائعيقبل قول من لا يحتمل إلا قولهخيار التخبير بالثمنالأسئلةضمان التصرف في المبيع المعيب بعد ردهالسؤالالجوابالتراخي في رد المعيب وحق الأرشالسؤالالجوابالضمان في التصرف في المبيع لأجل معرفتهالسؤالالجوابحق الفسخ في الإجارةالسؤالالجوابباب الخيار [6]تعريف خيار التخبير بالثمن وصورهمتى يقع خيار التخبير بالثمنالجوابالبيوع التي يثبت فيها خيار التخبير بالثمنصور يثبت فيها خيار التخبير بالثمنما يلحق برأس المال ويخبر به وما لا يلحقالأسئلةيمين القضاء ومستندهاالسؤالالجواب
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل