شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 13-12
أهل الأثرالأرشيف العلمي

حكم البراءة من العيوب التي يعلمها المشتري

السؤال

إذا اشترطت على من يشتري السيارة أن يأخذها لأهل الخبرة كمهندس ونحوه ثم أبرأ بذلك عند ذكر العيوب التي يعرفها، فهل هذا جائز، أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإذا عرض السيارة للبيع وقال للمشتري: خذها إلى من له خبرة ينظر فيها ويبين لك عيوبها، فأخذها ومضى بها إلى مهندس ونحوه فاكتشف أن بها عيوباً، وجاء إلى البائع وقال: وجدت فيها العيب الفلاني وسمى العيوب، فقال له البائع: أنا بريء منها، فإن البراءة صحيحة والبيع صحيح إذا أنعما وأطلع البائع المشتري أو مكّن المشتري من الاطلاع عليه على هذا الوجه، وهكذا لو قال له: هذه الأرض، وهذه مواصفاتها وهذا ما فيها فاذهب إلى أهل الخبرة فإن وجدوا بها عيباً فأخبرني، ثم لما وجدوا فيها عيباً أو عيوباً ذكرها له فبرئ منها وأوجب الصفقة على ذلك صح هذا؛ لأن المشتري يكون على بينة من أمره وليس فيه غرر ولا غبن.
والله تعالى أعلم.

مدى صحة قولهم: (البضاعة لا ترد ولا تستبدل)

السؤال

بعض المحلات تشترط ويُكتب في الفاتورة: البضاعة لا تردّ ولا تستبدل، هل هذا الشرط صحيح؟ وهل يؤثر في العقد، أثابكم الله؟

الجواب

هذا الشرط يقصد منه أحد أمرين: الأمر الأول: إما أن يقصد صاحب المتجر أن البضاعة إذا خرجت من المحل فإني لا أردها ولا أستبدلها إذا جاءت كاملة بنفس الصفة، كأن تكون تبيع أطعمة أو تبيع ملبوسات أو أقمشة فتقول: من خرج من دكاني لا أردّ شيئاً مما اشتراه، من حيث الأصل الشرعي: من فارقك وقد اشترى منك شيئاً يُلزم بالصفقة وليس من حقه أن يرجع، فإذا رجع وطابت نفسك أن ترد له فهذا لك، ففي هذه الحالة إذا قُصد من قوله: (البضاعة لا ترد ولا تستبدل) دفع إحراج الناس، كأن يشتري منك نوعاً من القماش ثم يرجع بعد ساعة فيقول: أريد النوع الفلاني الثاني أو الثالث، وهذا يُحْدِث عندك ربكة ويحدث عندك تعطيل العمال ويضر بعملك ولا تريد إلاَّ أن تكون أعمالك منظَّمة مرتبة، بحيث إذا أخذت المال تستطيع أن تنتفع به وتستطيع أن تشتري به، خاصة بالنسبة للأشياء التي لها قيم غالية، فإنه يأخذ بيد ويشتري بيدٍ أخرى ولربما النصف ساعة هذه التي يملك فيها العشرة آلاف والعشرين ألف قد يشتري بها صفقة ثانية فإذا جاءه هذا يريد أن يستبدل أو يرد فإنه يضر به، فهذا النوع من الاشتراط، وهو أنه إذا رد لك السلعة كاملة ولا تريد أن تردها، فعندها من حقك أن تقول: لا أُقيل، وهذا يسمى الامتناع من الإقالة، وهو من حقك؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1]، فإذا أخذ الصفقة كاملة وليس فيها عيب يلزمه أن يمضي البيع.
الأمر الثاني: أن يُقصد من هذه العبارة أنه حتى لو وُجد عيب فليس من حقك أن ترد وليس من حقك أن تستبدل، فهذا باطل، وليس من حق البائع أيّاً كان أن يشترط على المشتري أنه إذا وجد العيب ليس من حقه أن يرد، وهذا ما سميناه ببيع البراءة المطلقة؛ لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين) (ابتاعها) أي: اشتراها.
ومعنى الحديث أنهم كانوا في القديم يأخذون الناقة ويحبسون اللبن في ضرعها يوماً أو يومين فينتفخ الضرع، فمن رأى ضرع الناقة ظن أنها حلوب وزاد في السعر ورغب في الشراء، فلا ينكشف هذا العيب إلا بعد ثلاثة أيام؛ لأنه يحلبها في اليوم الأول الحليب المخزّن فيها فإذا به كثير، ثم في اليوم الثاني ينقص، وفي اليوم الثالث تتجلى الأمور في الناقة وفي الشاة أنها ليست بحلوب، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغش فقال: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها) أي: اشترى هذا النوع من الصفقات المبنية على الغش (فهو بخير النظرين: إن رضيها أمسكها) إن أعجبته فأمسكها فلا إشكال، كأن تشتري الناقة وإذا بها مصراة وأنت تريدها للحم، فتقول: كونها حلوباً أو ليست بحلوب لا يهمني؛ لأنني أريدها أضحية أو غير ذلك فلا يضرك كونها ليست بحلوب، إذاً: فهذا العيب لا يضرك فتمسكها (إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر) فقوله عليه الصلاة والسلام: (ردها) أثبت الرد بالعيب، فلما يكتب على الفاتورة: (لا ترد ولا تستبدل) ليس من حقه الامتناع مع وجود العيب، فإذا كان فيها عيب فمن حقك أن ترد ومن حقك أن تستبدل إلاَّ في بيع العين -كما سيأتي-، فمن قال: أي سلعة تخرج من المحل لا ترد ولو كانت معيبة، نقول له: هذا باطل.
وبناءً على ذلك: كلمة: (البضاعة لا ترد ولا تستبدل) فيها تفصيل: إن قُصد منها إسقاط الحقوق في العيوب، فباطلة وليست بشرط معتبر؛ لأنه ليس من الشروط التي في كتاب الله، وإن قُصد منها إمضاء البيوع مع تمام الصفقات وعدم وجود العيوب فيها فإنه شرط صحيح؛ لأنه يوافق مقتضى العقد، وهذا يندرج تحت القسم الثاني من الشروط وهو -كما ذكرنا- أن يوافق مقتضى العقد؛ لأن مقتضى العقد إتمام الصفقة، فإذا قال لك: لا ترد ولا تستبدل فمعناه أنه يريد أن يتم الصفقة، والأصل في البيع أن تتم صفقته ولا تنقض، وأن تمضي ولا ترد، وعلى هذا فهو شرط شرعي صحيح إذا كانت السلعة مستوفية لصفاتها التي بيعت عليها.
والله تعالى أعلم.

الفرق بين (الفساد) و (البطلان)

السؤال

هل هناك فرق بين لفظ (الفساد) ولفظ (البطلان) وذلك في العقود، أثابكم الله؟

الجواب

يعبر العلماء رحمهم الله بفساد البيع ويعبرون ببطلانه ولا يفرقون بين الفساد والبطلان على مذهب الجمهور، لكن عند الحنفية رحمهم الله تفريق بين الباطل والفاسد، فيجعلون الباطل ما لم يشرع بأصله ولا وصفه، والفاسد ما بطل بوصفه دون أصله، فيكون البيع في أصله مشروعاً؛ ولكن صفة البيع والطريقة التي تم بها البيع هي التي أوجبت فساده؛ ولكنها لا توجب بطلانه من أصله، فمثلاً بيع الخمر والميتة والخنزير هذه يقولون: بيع باطل؛ لأن الشرع لم يجعل لقاء الخمر قيمة، ولم يجعل لقاء الخنزير قيمة، ولم يجعل لقاء الميتة قيمة، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله ورسوله حرَّم بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام) فهم يفرقون بين الباطل والفاسد من هذا الوجه، والصحيح مذهب الجمهور، وهو أنه لا فرق، وعند طائفة من العلماء أن الخلاف لفظي؛ لأن النتيجة واحدة والثمرة واحدة، ولكنه خلاف مصطلحات، وأيّاً ما كان فمن ناحية الحكم فإن الحكم واحد عند المذهبين؛ لكن الجمهور لا يفرقون بين الباطل ولا الفاسد، فيرون أنهما بمعنى واحد.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع -

باب الخيار [1]

من كمال الشريعة المطهرة أن شرع الله الخيار في بعض المعاملات التي قد يلحق العاقد منها ضرر لأي سبب من الأسباب، والعقود من جهة تعلق الخيار بها أقسام، والخيارات بحسب دواعيها أقسام أيضاً.
وفي هذه المادة عرف الشيخ الخيار وذكر فوائده، ووجه دلالته على كمال الشريعة، كما بين أقسامه، وأقسام العقود التي يتعلق بها.

تعريف الخيار وأنواعه وحكمة مشروعيته

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال رحمه الله: [باب الخيار].
يقول المصنف رحمه الله: (باب الخيار) الخيار مأخوذ من الخير.
يقال: استخار إذا طلب الخير وسأله من الله عز وجل فيما هو قادم أو يريد القدوم عليه من أمور دينه أو دنياه.
ومنه سميت الاستخارة استخارة؛ لأن المسلم يسأل الله عز وجل خير الأمرين من المضي أو عدم المضي.
وسمي الخيار خياراً؛ لأن هذا النوع يكون فيه المتعاقدان أو أحدهما له حق الفسخ خلال مدة معلومة، أو له حق الفسخ ورد البيع لسبب معين خلال مدة معلومة مثل خيار الشرط، كأن يقول: أنا أشتري منك هذا البيت ولي الخيار ثلاثة أيام، فله أن يرد خلال هذه المدة المعلومة.
وله أيضاً أن يرد لسبب معين كوجود عيب في الصفقة، وهذا يسمى خيار العيب.
وخيار الغبن إذا غبنه.
وخيار التدليس إذا دلّس عليه في السلعة.
وهذا الباب يعتبر من أهم الأبواب المتعلقة بالمعاملات.
والعلماء رحمهم الله يذكرون الخيار في البيع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).
ومناسبة ذكر المصنف للخيار عقب الشروط: أن الشروط فيها خيار، فحينما أقول لك: اشتريت منك هذه الدار على أن يكون لها صكّ شرعي، فمعناه أن لي الخيار في الفسخ إذا لم يظهر لها صك.
أو: اشتريت منك هذه السيارة بعشرة آلاف على أن فيها صفة كذا وكذا، فمعناه أن لي الخيار إذا لم تظهر فيها الصفة، فكأن هناك صلة بين الخيار وبين الشروط.
ومباحث الخيار تنبني على مباحث الشروط، أو تتصل بمباحث الشروط.
فلذلك يعتني العلماء بذكر باب الخيار عقب باب الشروط.
والخيارات أنواع منها: خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار التدليس، وخيار الغبن، وخيار العيب … إلى آخر ذلك من الخيارات التي سنبينها إن شاء الله ونوضحها في مواضعها.
وقد شرع الله عز وجل الخيار لما فيه من دفع الضرر عن المسلمين، فإن المسلم إذا تبايع مع أخيه، أو تبايع مع الغير ربما ندم وأصابته الحسرة على هذه الصفقة التي أوجبها، فجعل الله عز وجل حداً معيناً يدفع فيه المسلم عن نفسه الضرر.
فأنت مثلاً لو كنت جالساً مع أخيك المسلم فقال لك: هذه السيارة أبيعها بعشرة آلاف، ربما استعجلت وقلت له: وأنا اشتريت؛ لأنك ترى أن السلعة تستحق العشرة آلاف بل وأكثر من عشرة آلاف، فتتسرع في الإجابة؛ لكنك إذا أمعنت النظر وتدبرت وجدت أن دفعك للعشرة آلاف يجحف بحقوق واجبة عليك، ولربما يضر بأهلك ونفقة عيالك، ولربما لا تضمن دخلاً يعينك على سداد الأقساط إذا كان البيع مؤجلاً، فالمسلم بطبيعته بشر يعتريه ما يعتري البشر من التسرع في الأمور؛ فكأن الخيار يدفع هذا النوع من الضرر في حدود ضيقة: وهي أن يكون الإنسان مستعجلاً في بت البيع فأعطاه الشرع خيار المجلس.
فما دمت مع البائع في نفس المجلس الذي تم فيه البيع، وانعقدت فيه صفقة البيع فمن حقك أن تقول: رجعت، ومن حقك أن تقول: لا أريد، وهذا النوع شرعه الله عز وجل دفعاً للضرر عن البائع ودفعاً للضرر عن المشتري، فكل منهما يدفع عن نفسه الضرر؛ لأنه ربما قال لك رجل: بعني سيارتك بعشرة آلاف، فإذا بك تستعجل وتقول: قبلت، فلما فكّرت ما هو البديل وما الذي ستشتريه بدل هذه السيارة، فوجدت أنك ستتضرر أكثر، فحينئذٍ تقول: لا أريد، وترجع عما قلت، وكان الأصل أنك ملزم بما قلت، لكن الشرع أعطاك هذا النوع من المهلة، وهو ما يسمى بخيار المجلس.
كذلك من حكمة مشروعية خيار الشرط: أن المسلم يشترط على أخيه المسلم في صفقة البيع، وذلك من أجل أن يدفع الضرر الموجود في السلعة، أو يدفع الضرر الذي يتوقع حدوثه من المضي في البيع، أو نحو ذلك من الأسباب التي تدفعه إلى الشرط.
مثال ذلك: لو أن رجلاً عرض عليك أرضه بعشرة آلاف، هذه الأرض قال لك: إنها طيبة وجيدة ويحتمل أنها في المستقبل تكون قيمتها أغلى، وهذا المكان الذي فيه الأرض له مميزات، فجعل يشرح لك الأمور التي ترغبك في شراء هذه الأرض، فبطبيعة الحال قد يكون الإنسان ليس عنده إلمام بمثل هذه الأمور، ويكون جاهلاً بسوق العقار، ولا يعلم كيف البيع والشراء كطالب علم لا يشتغل بمثل هذه الأمور.
فالله عز وجل من حكمته جعل له خيار الشرط فيقول له: قبلت البيع؛ ولكن لي الخيار ثلاثة أيام أستشير فيها وأرجع إلى أهل الخبرة وأهل النظر، فإن أنعموا البيع أنعمت وأمضيت، وإن أشاروا عليّ بغيره فإني على خياري.
فهو حينئذٍ يدفع عن نفسه ضرراً، خاصة أن البيع قد يكون بمبالغ كبيرة يتضرر الإنسان بدخوله في مثل هذه الصفقات، وقد تكون محتاجاً إلى هذه الأرض ولا بد لك من أرض أو لا بد لك من سيارة.
فهذا النوع الثاني من الخيارات، فكما أن الأول يدفع عنك ضرر الاستعجال في بتّ البيع، كذلك هذا يدفع عنك ضرر ما يقال في السلعة أو يقال في الصفقة من المرغبات التي لا حقيقة لها، فيكون خيار الشرط سبباً في حفظ المسلم من أن يخُتل أو يضر به.

أقسام عقود المعاملات

ومن المعلوم أن عقود المعاملات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: يقوم على الغبن المحض.
القسم الثاني: يقوم على الرفق المحض.
القسم الثالث: يقوم على الغبن والرفق.
وهذا مدخل نريد أن نبين به حكمة مشروعية الخيار تأكيداً لما تقدم.
والبيع يعتبر من العقود التي تسمى بعقود المعاوضات، ونظراً لأننا ندرس المعاملات المالية فلا بد أن نعرف أنواع المعاملات حتى يستطيع الإنسان أن يدرك الأسرار والحكم التي يفرق من أجلها الشرع بين المعاملات، فيشدد في نوع ويخفف في نوع.
فإذا أدركت السبب الذي من أجله خفف الشرع في هذا النوع وشدد في هذا النوع أدركت أنه لا أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون، وأن هذه الأحكام الموجودة في البيوع لا يقصد بها التضييق على الناس وإنما المقصود منها أولاً وأخيراً خير الناس في دينهم ودنياهم وآخرتهم، وهذا يزيدك قناعة بحكم الشريعة وبصلاحيتها للفصل بين الناس وتوجيه الناس ودلالتهم على ما فيه صلاح أمور دنياهم، كما جاءت بما فيه صلاح أمور دينهم.
وعقود المعاوضات: هي التي تدفع فيها شيئاً عوضاً عن شيء، وهذا يشمل البيع، فأنت تدفع -مثلاً- عشرة آلاف ريال عوضاً عن سيارة.
ويشمل الإجارة، تقول له: أجرني بيتك أسكنه سنة بألف أو بخمسة آلاف.
ويشمل أيضاً النكاح يقول له: زوجتك ابنتي بعشرة آلاف، فجعل الاستمتاع بالبنت لقاء العشرة آلاف وهي المهر: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:24].
وكذلك يشمل الهبة إذا كانت هبة عوض، كأن يعطيه ساعة فيعطيه هدية في مقابلها أو هبة في مقابلها قلماً، فهذا أيضاً يعتبر من عقود المعاوضات.
وكذلك الشركات حينما تقول: تدفع خمسين ألفاً وأدفع أنا خمسين ألفاً، ونشترك برأس مال مائة ألف على أن نتاجر، فهذا أيضاً من عقود المعاوضة؛ لأنه عاوضك بالخمسين الألف لقاء الخمسين الأف التي معه على أن يكونا رأس مال واحد.
وكذلك المضاربة، وهي التي تسمى بالقراض؛ تقول للعامل: خذ هذه المائة ألف واضرب بها في الأرض وتاجر والربح بيني وبينك، فأصبح عمل العامل لقاء جزء من الربح.
إذاً: ما يقصد منه الغبن المحض مثل: البيع والإجارة، فإن الرجل إذا قال لك: بعتك سيارتي بعشرة آلاف ستقول: بل بتسعة، أو يقول: بعشرة، وتقول: بتسعة ونصف، أو هو يقول: بتسعة ونصف، فكأن هناك مبلغاً فيه غبن إما عليك وإما عليه، فإن قوي البائع صار الغبن في حق المشتري، وإن قوي المشتري صار الغبن في حق البائع، وقد يتكافآن لكن هذا النوع من العقود يقوم غالباً على الغبن.
والإجارة كذلك، فلو قال له: أجّرتك هذه الشقة بعشرة آلاف في السنة سيقول: بل أستأجرها بتسعة آلاف بثمانية آلاف، فيماكسه ويحاول أن يحدث نقصاً، ويكون الغبن فيها في طرف المؤجر لا في طرف المستأجر، وهكذا لو قلت لعامل: اعمل عندي في المزرعة كل شهر بألف، فيقول: بل أعمل في هذه المزرعة كل شهر بألف ومائة، فكأن هناك مائة بين الطرفين.
فهذا النوع من العقود الذي المقصود منها الغبن يشدد الشرع في شروطه كما قدمنا في شروط البيع، ويشدد أيضاً في فتح باب الضرر على أحد الطرفين، ومن هنا جعل خيار المجلس في عقد البيع، وجعل خيار المجلس في عقد الإجارة؛ لأن المسلم يحتاج إلى شيء من الروية قبل أن يبتّ البيع ويلزم به.
فالمقصود أن هذا النوع وهو ما يقصد به الغبن نجد الشرع يحيط البائع والمشتري بسياج متين يقصد منه حفظ الحقين: حق البائع، وحق المشتري، فحق البائع ألا يبذل سلعته إلا وهو مطمئن، وحق المشتري ألا يدفع القيمة إلا وهو مطمئن إلى الوصول إلى ما يريده أو يبتغيه من صفقته.

العقود التي يدخلها الخيار والتي لا يدخلها

ثم إن العقود تنقسم إلى أقسام: القسم الأول: ما لا يلزم الطرفين لا حالاً ولا مآلاً.
القسم الثاني: ما يلزم الطرفين حالاً ومآلاً.
القسم الثالث: ما يلزم الطرفين أو أحدهما مآلاً لا حالاً.
فهذه ثلاثة أقسام للعقود.
يتركب منها مسألة الخيار، فحتى نعرف أين محل الخيار في العقود والمعاملات المالية وما يتبعها، ينبغي أن نقسم بهذه التقسيمات: القسم الأول: ما كان من العقود غير لازم لا حالاً ولا مآلاً: وهذا يشمل الأنواع الآتية: أولها: عقد العارية.
ثانيها: عقد الوديعة.
ثالثها: عقد القراض أو ما يسمى بالمضاربة.
رابعها: عقد الشركة.
نبدأ بالعارية: وهي أن يأخذ يستعير منك شيئاً، كالسيارة مثلاً، فإنك لست بملزم بأن تدفع له السيارة، فلك أن تعطيه ولك ألَّا تعطيه.
فإذا أخذ السيارة وجئت في أي وقت تقول له: أعطني إياها، فإنه يلزمه أن يعطيك.
كذلك أيضاً إذا أخذها هو وأراد أن يردها لك في أي وقت فله ردها، فالأخذ في مقابله الرد لا يلزم لا حالاً ولا مآلاً، فهذا النوع يكون الخيار ثابتاً فيه للطرفين إلى الأبد، وليس من حق أحدهما أن يقطع الخيار على الآخر.
وكذلك الوديعة: لو أن شخصاً جاءك وقال: هذه عشرة آلاف ضعها وديعةً عندك.
فمن حقك أن تقول: لا أضعها، وتمتنع من ذلك، وإذا وضعتها فمن حقك بعد دقيقة واحدة أن تقول له: تعال يا فلان وخذ وديعتك، ولست ملزماً بأن تبقيها المدة التي اتفقتما عليها، وكذلك هو لو قال لك: ضعها وديعةً عندك شهراً، فجاءك بعد ساعة أو بعد يوم، فمن حقه أن يأخذها في أي وقت شاء.
فإذاً: لا تَلزمك ولا تَلزمه لا حالاً ولا مآلاً.
القسم الثاني من المعاوضات -وهو الذي يعنينا وهو المهم-: ما يلزم حالاً ومآلاً: وهو أن تتعاقد مع الطرف الثاني فتُلْزَم بالعقد حالاً، وتلزم به مآلاً، ويسمى هذا النوع من العقود: "العقود اللازمة"، ويعبر عنها بعض العلماء فيقول: تلزم في أول حال وثاني حال، مثل: البيع الإجارة النكاح الخلع.
فمثلاً في البيع: لو قال لك: بعتك سيارتي بعشرة آلاف.
فقلت: قبلت، فإذاً: "بعتك" إيجاب، و"قبلت" قبول، فتم العقد، فالأصل يقتضي أنك ملزَم بهذا البيع أن تدفع له العشرة آلاف ويدفع لك السيارة.
كذلك لو قال لك: زوجتك بنتي فلانة بعشرة آلاف.
فقلت: قبلت، فإنك ملزم بهذا النكاح، ويعتبر النكاح لازماً لولي المرأة ولازماً للمرأة ولازماً للزوج، أي: يعتبر لازماً لطرفي العقد أصالةً ووكالةً، فليس من حقك أن تقول: لا أريدها، فإذا قلت: لا أريدها فحينئذٍ هناك طريقة لفسخ هذا العقد، فالعقد لازمٌ وماضٍ، فإذا أردت أن تطلق طلقت، وهي إذا ظُلِمَت فلها أن تفسخ عن طريق القاضي؛ لكن العقد لازمٌ وماضٍ من حيث الأصل، فاللزوم ثابت فيه في أول العقد الذي هو الحال، ولازم في المآل، فهو باقٍ ولازمٌ إلى الأبد.
كذلك أيضاً في الخلع؛ قالت له: خالعني بعشرة آلاف، فقال: قبلت، فإنه يُلزم بخلع المرأة منه ويلزمه قبول العشرة آلاف.
فهذا العقد الذي تمّ بينهما وهو خلع النكاح وفسخه على هذا الوجه بعشرة آلاف، يلزم المرأة أن تدفع العشرة آلاف ويلزم الرجل أن يخالعها، إذاً: يلزمهم في الحال ويلزمهم في المآل.
وهذا القسم الثاني من المعاملات الذي يلزم في الحال والمآل ينقسم إلى نوعين: النوع الأول: ما يدخله الخيار، وهذا هو الذي يعنينا هنا كالبيع والإجارة والسلم والصلح بعوض.
النوع الثاني: ما لا يدخله الخيار، كالنكاح والرجعة والخلع، فهذه لا يدخلها خيار ألبتة.
القسم الثالث: ما لا يلزم حالاً ويلزم مآلاً: فمن أمثلته: الجعالة، لو أن رجلاً قال: من وجد سيارتي الضائعة فله عليَّ عشرة آلاف ريال، فالناس غير ملزمين أن يذهبوا ليبحثوا عن سيارته، فإن شاءوا بحثوا وإن شاءوا لم يبحثوا، فليس بلازمٍ أن يقوموا بالعقد، فلو أن رجلاً ذهب وبحث ووجد السيارة لزم العقد، فهو ابتداء غير لازم، لكنه في المآل إذا وجد السيارة فإننا نفرض على صاحبها أن يدفع العشرة آلاف.
ففي الابتداء لك الخيار أن تدخل وأن تبحث، لكن لا يلزم الطرف الثاني أن يدفع لك شيئاً ولا أن يتم الصفقة إلا إذا وجدت ما ركّب الشرط عليه، فهذا عقد الجعالة.
كذلك عقد الاستهلاك بالضمان: فلو أن رجلاً معه شيء فيه ضرر، فقلت له: يا فلان! إن أتلفت هذا الشيء الذي فيه ضرر أعطيك عوضاً عنه مائة ريال، فعندئذ إن شاء هو اتلف وإن شاء لم يتلف، فهو بالخيار، وأنت لا تلزم بشيء في بداية العقد؛ لكن لو أنه أتلف ألزمت بدفع ما تكفلت به، فلو أنه أتلفه وتمت صفة الإتلاف في العين التي اشترطت إتلافها، لزمك أن تدفع المائة لقاءها، فهذا يسمونه الاستهلاك بالضمان.
كذلك أيضاً في العتق بعوض: فلو أنه قال له: إذا أعتقت عبدك فلك عليَّ عشرة أو مائة، فهو مخير إن شاء أعتق وإن شاء لم يعتق؛ لكنه لو أعتق فإنه يُلزم الطرف الثاني بإعطاء العشرة والمائة، وهذا ما يسمى بالعتق بالبدل.
فهذه العقود في ابتدائها ليست بلازمة في أول الحال؛ لكنها تئول إلى اللزوم في ثاني الحال.
و

السؤال

إذا كانت العقود على هذه الثلاثة الأقسام ما يلزم حالاً ومآلاً، وما لا يلزم حالاً ولا مآلاً، وما يلزم في ثاني الحال ولا يلزم في أول الحال.
فأين محل الخيار؟ أو في أي نوع من هذه العقود يدخل الخيار؟ و

الجواب

العقود التي لا تلزم حالاً ولا مآلاً الخيار فيها مؤبّد لكلا الطرفين، مثلاً الشركة لو جاءك رجل وقال: لو أنني اشتركت مع زيد بمائة ألف، فدفع هو مائة ألف وأنا مائة ألف واشتركنا وتمت التجارة والصفقة، ثم أردت أن أفسخ الآن، هل من حقي هذا؟ فتقول: من حقك أن تفسخ في أي وقت، فأنت بالخيار: إن شئت فلك أن تبقي الصفقة وتبقي عقد الشركة، وإن شئت أن تلغيه في أي وقت فلك ذلك أيضاً، إلا في حالات مستثناة مثل: وجود الضرر على الطرف الثاني، فهذه فيها تفصيل، وسيأتي إن شاء الله في باب الشركة والقراض.
والآن في بعض الشركات تشترك مع رجل ويقول لك: تدفع مائة ألف وأدفع أنا مائة ألف ونصير شركاء في هذه الشركة، ولا يجوز لك أن تنسحب من الشركة قبل سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات، فما الحكم؟ نقول: هذا الشرط باطل؛ لأنه يسقط الخيار الأبدي المجعول من الشرع، وما أدى إلى باطل فهو باطل، فليس من حقه أن يلزمه في الشركة ولا في القراض ولا في نحوها من العقود التي لا تلزم حالاً ولا مآلاً؛ لأنه يسقط خيار الشرع، فالشرع جعلها على الخيار وهذا يريد أن يجعلها على اللزوم، ويضر بأخيه المسلم فيما وسع الله عليه.
فهذا النوع الأول يكون الخيار فيه أبدياً ولا إشكال فيه من حيث إن المتعاقدين أو أحدهما لو أراد أن يفسخ فله أن يفسخ، حتى ولو كان الطرف الثاني غير راضٍ.
وأما النوع الثاني: وهو الذي يلزم في الحال والمآل فقد ذكرنا أنه ينقسم إلى قسمين: منه ما يدخله الخيار كالبيع والإجارة والصرف والسلم والصلح بعوض ونحوه، ومنه ما لا يدخله خيار كالنكاح والرجعة والخلع بعوض ونحوه.
وأمّا النوع الثالث: وهو الذي لا يلزم في الابتداء ويلزم في المآل؛ فإن الخيار فيه في الابتداء للمتعاقدين، فإذا صار إلى اللزوم فإنه حينئذٍ يسقط الخيار بوجود اللزوم فيه؛ لأن الشرع ألزم المسلم بالعقد، فلما قال: سأعطيك عشرة آلاف إن أحضرت سيارتي أو أحضرت عبدي أو دابتي، فإنه يلزم بذلك بعد الوجود، ولا خيار له في الإسقاط.

الأسئلة

خيار المجلس في البيع عن طريق الهاتف

السؤال

بالنسبة للبيع عن طريق الهاتف، هل للمشتري في هذه الحالة خيار مجلس؟ وكيف يكون، أثابكم الله؟

الجواب

في خيار المجلس يكون المتعاقدان في مكان واحد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، فإذا تفرقا فإنه ينقطع الخيار بافتراق الأبدان؛ لكن إذا تعاقد معه عن طريق الهاتف وكان المكان مختلفاً يرد السؤال: هل العبرة بانقطاع المكالمة؟ هذا يقول به بعض العلماء المعاصرين؛ يقول: إن الخيار يكون لهما حتى يقطع الاتصال.
لكن المشكلة فيه أن القطع يكون من طرف أحدهما دون الآخر.
فقال: هذا لا يضر، وهو كما لو قام أحدهما دون الآخر.
وقال أيضاً: إنه يمكن للطرف الثاني أن يلقي بالسماعة ولو كان الخط ليس له، فإن إلقاءه للسماعة يمكنه من الدلالة على المضي وإتمام الصفقة.
وكنت أتوقف في هذه المسألة ولا أزال أجد في نفسي منها شيئاً، ومهما كان فالنظر فيها محتمل: يحتمل أن يكون فيها الخيار بقطع المكالمة -كما ذكرنا- وله وجهه وعلته التي ذكرناها، ويحتمل أن يكون من جنس ما ليس فيه الخيار حتى يتواجها ويبتا الصفقة، فهذا أمر محتمل.
والله تعالى أعلم.

حكم بيع الدين بأقل منه

السؤال

لي دين عند آخر قدره عشرة آلاف، فقال لي شخص: خذ تسعة ودعني آخذ العشرة من المدين متى استطاع على دفعها، فما الحكم، أثابكم الله؟

الجواب

هذا هو الربا، فإذا قال لك: لك على فلان عشرة آلاف، خذ مني تسعة آلاف وأنا آخذ منه العشرة، فهو الربا الذي لعن الله آخذه ومعطيه وكاتبه وشاهده، وهو الربا الذي حرمه الله ورسوله؛ لأنه دفع لك تسعة آلاف نقداً مقابل العشرة آلاف بالفاصل وهو فاصل المطالبة.
وهكذا لو كان لك راتب على جهة وقدره ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف، وأحلت على جهة تصرف لك ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف، فجاءك شخص وقال: أصرف لك اليوم بثلاثة آلاف إلا ريالاً أو إلا خمسة أو إلا عشرة، فهو الربا الذي لعن الله آخذه ومعطيه وكاتبه وشاهده.
إذا أردت أن تحال على دين فالدين أن تحال بنفس المبلغ، فهذا جائز ولا بأس به، ومن أحيل على مليء فليتبع، والأصل فيه الحوالة.
أما أن يزاد وينقص في الدين الموجود، ويكون الشخص له وجه على آخر بزيادة أو نقص فإنه الربا -كما ذكرنا- ولا يجوز فعله لا من الأفراد ولا من الجماعات.
والله تعالى أعلم.

حكم إسقاط الخيار في المضاربة

السؤال

في المضاربة لو قال له: أعمل لك بمالك بشرط: ألا تطلب منه شيئاً قبل مرور سنة، هل هذا الشرط صحيح، أثابكم الله؟

الجواب

هذا الشرط لاغٍ، والمضاربة لا تتأقت، فعليه أن يقول له: خذ مائة ألف وتاجر فيها، فيذهب ويتاجر بالمائة ألف، وليس من حقه أن يقول: بعد سنة أو سنتين أو ثلاث، فالقراض مفتوح الأجل، والعامل يقوم بالمضاربة بالمال مدة مضاربته، ثم يدفع المال ربحاً أو خسارة على حسب ما اتفقا عليه.
والله تعالى أعلم.

الفرق بين الجعالة والإجارة

السؤال

في الجعالة: لو اجتهد شخص في البحث عن المفقود وطلبه ولم يجده، فهل له أن يطلب مقابل جهده، أثابكم الله؟

الجواب

هناك فرق بين الجعالة وبين الإجارة، وهذا الفرق يتلخص في أن الجعالة لا تستحق إلا إذا أتم الشرط كاملاً، فلو قال لك: إذا أحضرت سيارتي فلك كذا؛ فإنك لا تستحق الجعل إلا بعد أن تحضر السيارة، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:72]، فإذا تحقق الشرط الذي من أجله وجدت الجعالة ألزم الشخص المالك بدفع ما اتفق عليه مع العامل.
أما في الإجارة: فإنها تتجزأ بأجزاء العمل، فلو أن عاملاً استأجرته شهراً، ثم في منتصف الشهر طرأ أمر لا يستطيع معه أن يتم الشهر، فحينئذٍ يستحق نصف القيمة المتفق عليها، وأما هل يقيم غيره مقامه؟ فهذه مسألة ستأتي إن شاء الله في الإجارة، وهو أنه إذا تم العقد، ولم يستطع طرف أن يمضي الإجارة لعذر شرعي أو عذر حسي، وسيأتي التفصيل في الأحوال التي لا يستطيع فيها أن يتم العقد -لكن أياً ما كان فالإجارة تتجزأ بأجزاء العمل.
ومن هنا: لو جئت تحفر بئراً فقلت لرجل: احفر لي كل متر بعشرة، فإنه إذا حفر لك مائة متر استحق ألف ريال؛ لكن لو قال لك: سأحفر لك بئر ماء هنا، فقلت له: إذا استخرجت لي بئر ماء هنا فلك عليَّ مائة ألف أو خمسون ألفاً، فحينئذٍ لو حفر مائة متر ولم يجد ماءً فإنه لا يستحق شيئاً، فهذا هو الفرق بين الجعالة وبين الإجارة.
فالإجارة تتجزأ بأجزاء العمل، والجعالة لا تتجزأ بأجزاء العمل ولا يستحق العامل فيها المال، أو لا يستحق الجعل إلا إذا أتم ما اشترط عليه، كإرجاع المسروق أو الشارد أو الإمساك بالعبد الآبق، ونحو ذلك مما تقع عليه الشروط في الجعالة.
والله تعالى أعلم.

أحوال السقط وحكم الدم الذي يخرج بعده

السؤال

السقط إذا خرج قبل ثلاثة أشهر، هل يكون الدم دم نفاس، أم دم حيض؟ ومتى تصلي المرأة، أثابكم الله؟

الجواب

السقط لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: إما أن يكون فيه صورة الخلقة، فالدم الذي يخرج من بعده يأخذ حكم دم النفاس، على أصح قولي العلماء.
الحالة الثانية: وإما أن تضع قطعة لحم وليست فيها صورة الخلقة، فحينئذٍ يكون الدم دم فساد وعلة، ويأخذ حكم الاستحاضة.
فإذاً يفرق في هذا السقط ما بين أن يكون فيه صورة الخلقة، وما بين أن يكون مضغة أو قطعة لحم أو علقة أو نحو ذلك، فهذا ليس دمه بدم نفاس ولا يأخذ حكم النفاس.
والله تعالى أعلم.

حكم وضع الجوائز مع السلع المباعة

السؤال

ما حكم إعطاء جوائز عينيه مقابل الشراء بمبلغ معين؟ وكذلك ما حكم توزيع الهدايا ترغيباً في كسب الزبائن أثابكم الله؟

الجواب

نبه العلماء رحمهم الله في قاعدة: (الضرر يُزال) على أنه ينبغي في السوق ألَّا يتسبب البائع في أذية إخوانه، وألَّا يضر بمن ينافسه في السوق؛ والسبب في هذا: أنه إذا قُطع الباعة عن المغريات اتجه الناس لتفضيل التاجر من خلال أمانته وضبطه وصدقه، وأصبحت الشهرة من خلال المعاملة الشريفة النزيهة.
لكن إذا دخلت المغريات الدنيوية أصبحت الشهرة بالمال، ولربما يكون من أكذب الناس، ولربما يكون أكثر غشاً؛ لكنه لقاء المغريات يُقْبِل عليه الناس ويُعْرَف محله ويشتهر، مع أنه لا يستحق هذا كله.
فهذه القاعدة: (الضرر يُزال) تجعل أسواق المسلمين متكافئة، فلا يَفْضُل فيها إلا من عُرف بنزاهته، فالآن لو أنه لا توضع جوائز لأصبح كلٌ يبذل البيع لقاء معاملته مع الناس من حسن السمعة في الأمانة والثقة والدقة في المواعيد، والانضباط فيها، وعدم الغش، وسلامة المبيعات.
ولو نظرنا قَبْل ثلاثين سنةً حينما لم تكن الجوائز موجودة لوجدنا أن التاجر الذي يشتهر بين الناس والذي يعرف بين الناس؛ هو من كان أميناً، ولا يعرف إلا إذا كان صادقاً، ولا يعرف إلا إذا كان نظيف المعاملة نظيف اليد في أخذه وعطائه، ولا يمكن أن يتعامل معه الناس إلا إذا عُرف بالنزاهة؛ لأنه ليس هناك ثقل دعاية، وليس هناك ثقل إغراء، وإنما هناك المعاملة، فيدخل إلى السوق لينافس إخوانه منافسةً شريفة، ليس فيها مغريات ولا دعاية؛ ولكنها قائمة على حق، ويستحق أن يأخذ هذه السمعة وهذا الصيت لقاء النزاهة والأمانة التي تَخَلَّق بها.
ولا يمكن أن يشتهر هذا النوع من التجار إلا بعد خبرة وبعد طول زمان، فتصبح الأسواق قد أخذت حقها، والتجار أخذ كلٌّ حقَّهُ، ومن هنا منع العلماء أن يبيع الرجل ويُرْخِص في السلعة لكي يضر بالسوق؛ لأنه إذا جعل السعر عنده نازلاً جَذَب الناس دون إخوانه، فكأنه يريد الإضرار بالباعة الآخرين، وعليه حُمِل فِعْلُ عمر رضي الله عنه وأرضاه مع حاطب بن أبي بلتعة حينما مر عليه وقد أرخص في سلعته فقال له: (إما أن ترفع، وإما أن ترتفع عن سوقنا)، أي: إما أن ترفع السعر فتساوي إخوانك ولا تجذب الناس تحت إغراء مادي، وإما أن تقوم عن سوقنا.
الشاهد: أن هذا كله مبني على دفع الضرر.
فإذا فُتح باب الجائزة وباب المغريات اتجهت الناس للسمعة، وأصبح التاجر لو كان غير منضبط في تجارته يستطيع أن يصل إلى السمعة ويستطيع أن يبيع ويشتري لقاء المادة، وحينئذٍ لا يوجد فرق بين أسواق المسلمين وغيرهم.
إذاً: الأسواق الشريفة في الإسلام تقوم على كسب الثقة بالمعاملة، وليس تحت دعاية ولا إغراء مادي.
وأما بالنسبة لوضع الجوائز، فالعلماء رحمهم الله قالوا: إذا قُصد بها الإضرار، كأن يجذب الزبائن إلى محله أكثر من غيره فإنه آثم شرعاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ضرر ولا ضرار)، ولأن الجوائز ليست ربحاً له، بل فيها ضرر عليه فقد تكلفه العشرة آلاف والعشرين، بل وقد تكلفه مئات الألوف، فهذا الضرر يرضى به على نفسه من أجل أن يجذب الناس إليه دون إخوانه، فلا إشكال في وجود الضرر من هذه الناحية، وهو آثم شرعاً، ولا يجوز له أن يفعل ذلك للإضرار بإخوانه.
أما لو أن ترخيص السلع أو وَضْعَ الحوافز مثل التخفيضات كانت مدروسة كما يقع الآن، حيث ترتب عن طريق الغرف التجارية ونحوها، ويعطى كل محل فترة من الزمان يخفض سلعته، ويكون كل محل له طريقته وله ضوابطه؛ فهذا أمر يندفع فيه الضرر؛ لأني سأصل إلى حقي كما وصل إليه غيري، وأخفض كما خفض غيري، فإذا حصل فيه التكافؤ بين المحلات على هذا الوجه، فهذا لا بأس به في التخفيض.
أما لو قال لك: اشترِ مني وأعطيك جائزة، فهذا يدخله الغرر؛ لأنه باعك معلوماً ومجهولاً، فأنت لا تدري هل تحصل على الجائزة أو لا تحصل، فباعك معلوماً وهو الذي تريد أن تشتريه -مثلاً- بألف ريال، ومجهولاً وهو ما يسمى بالجائزة.
وهكذا لو غيب الجائزة في المبيع، كأن يضعها في علبة، فلو قال لك: في داخل هذه العلبة حظ أو داخل هذه العلبة جائزة، فمعناه أنك اشتريت معلوماً وهو علبة الحليب مثلاً ومجهولاً وهو الذي بداخلها، ولا يُدْرَى ما هي هذه الجائزة، بل إن هذا النوع من الجوائز يفضي إلى مفاسد عظيمة، ومن أعظمها: إتلاف الأموال، فلقد رأينا بأعيننا ونقل لنا الثقات أنه إذا وضعت الجوائز على اللبن تجد الرجل يشتري علبة اللبن وهو لا يريدها ولا يشربها.
بل لقد رأيت بعيني من سكبها ونصحته قلت: يا أخي! اتقِ الله! هل فَسَدَتْ؟ هل انتهت صلاحيتها؟ قال: لا.
أنا أريد الجائزة الموجودة فيها؛ لأنه حينما توضع الجوائز بمئات الألوف فإنه لا يريد اللبن وإنما هو يبحث عن الجائزة، فمعنى ذلك أنها تؤدي إلى إفساد الأموال، وتؤدي إلى الإضرار بها، وتخرج عن المقصود شرعاً من وجود الرفق بالناس بوجود هذه المصالح.
نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يهدينا إلى سواء السبيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد.

شرح زاد المستقنع -

باب الخيار [2]

الخيار تارة يكون من الشرع كخيار المجلس، فقد جعل الشرع للمتبايعين الحق بفسخ العقد أو إمضائه ما داما في مجلس العقد، فإذا افترقا أو قطع أحدهما الخيار انتهى خيار المجلس.
وتارةً يكون من المتعاقدين، وإن كان الشرع أذن به في الأصل؛ كخيار الشرط، فإنه يحق للمتبايعين أو أحدهما اشتراط مدة معلومة، فإذا انتهت ولم يفسخ لزمه العقد.
وقد ذكر الشيخ أحكاماً كثيرة نافعة تتعلق بخيار المجلس وخيار الشرط، وما يتعلق بهما من فروع وتفصيلات.

الخيار وأهميته

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [باب الخيار: وهو أقسام: الأول: خيار المجلس]: تقدم معنا أن الخيار هو طلب خير الأمرين: والمراد بالأمرين عند أهل العلم رحمهم الله إمضاء البيع أو فسخه، ولذلك يقولون: الخيار أن يكون لأحد المتعاقدين أو لهما حق إمضاء العقد أو فسخه، فالمشتري يكون له الحق أن يمضي الصفقة أو يلغيها.
والبائع له الحق أن يمضي الصفقة أو يلغيها، وقد قدمنا أن الخيار يختلف بحسب اختلاف العقود، وأن الشرع إذا ترك العقد جائزاً للطرفين فإن من حقك أن تفسخ في أي لحظة، مثل الشركة والوكالة، فإن من حقك في أي لحظة أن تقول: أريد فسخ الشركة، أو أريد فسخ الوكالة، سواءً كان الموكل أو الوكيل أو كان الشريك أو شريكه المقابل له.
فالعقود التي تكون غير لازمة يكون الخيار فيها للطرفين، وقد يكون الخيار لأحد الطرفين دون الآخر، كما في الجعالة، وذكرنا أن من حق أحد الطرفين أن يفسخ دون الآخر، وهذا مبني على أنها في الابتداء يكون الخيار فيها للطرفين، حتى إذا شرع ووجد الشيء الضائع أو المفقود، وجاء به إلى صاحبه، فإنه يصير العقد حينئذ لازماً، ويجب على مالك الشيء الضائع أن يدفع الجعل لمن جاء به.
وقوله رحمه الله: (باب الخيار) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من المسائل والأحكام التي تتعلق بتخيير المتبايعين، أو أحدهما في صفقة البيع، والسبب في هذا: أن الخيار تارة يكون من الشارع، وتارةً يكون من المتعاقدين أو من أحدهما.
فما كان من الشارع مثل خيار المجلس، فقد جعل الله عز وجل لكلا المتبايعين الحق بفسخ العقد أو إمضائه ما دام في المجلس.
وما كان من المتعاقدين مثل خيار الشرط، كأن تقول: أشتري منك هذه العمارة بشرط أن لي الخيار ثلاثة أيام، ويقول البائع: بشرط أن لي الخيار أربعة أيام، فأنت أدخلت الشرط على العقد، وأدخل البائع الشرط على العقد، فليس الخيار ناشئاً من حكم الشرع، ولكنه ناشئ من المتعاقدين وإن كان في الأصل أن الشرع أذن به وأجازه، كما سيأتي بيانه في دليل خيار الشرط.
وقد يثبت الخيار بسبب أمر يخل بالعقد، مثل التدليس والكذب والغش، فلو باعك عمارةً أو أرضاً أو سيارةً مغشوشةً، فإنه يكون لك خيار العيب، وهذا راجع إلى حقك في الصفقة، فإنك إذا اشتريت العمارة كاملة وتبين أنها ناقصة، فإنك قد دفعت المال الكامل للشيء الكامل، أو دفعت المال على أن السلعة بصفة معينة، فلما تبين أنها معيبة، فحينئذٍ يكون لك الخيار في أن تفسخ البيع، وأن تأخذ مالك وتنشئ العقد من جديد، أو ترضى بإمضاء الصفقة وتأخذ الأرش، كما سيأتي إن شاء الله في خيار العيب.

خيار المجلس تعريفه ومشروعيته وأحكامه

قال رحمه الله: [وهو أقسام] أي: يختلف بحسب اختلاف الموجبات، وهذه الأقسام منها ما اتفق العلماء على اعتباره من الخيارات، ومنها ما اختلف العلماء رحمهم الله فيه، ودلت السنة على رجحان اعتباره، ومنها ما يكون فيه الحكم بالتفصيل، فتارة يعتبر وتارة لا يعتبر.
فقوله رحمه الله: [وهو أقسام] إجمال قبل البيان والتفصيل.
وقوله: [الأول: خيار المجلس] المجلس اسم مكان من الجلوس، وهو المكان الذي يجلس فيه المتعاقدان، وسمي خيار مجلس؛ لأن لكلا المتعاقدين الحق في إمضاء صفقة البيع أو إلغائها ما داما جالسين في المكان الذي تعاقدا فيه، وإذا تفرقا فخرج أحدهما من الغرفة مثلاً وبقي الآخر، لزم البيع.
وهذا النوع من الخيار، دلت عليه الأدلة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن عمر، وحديث حكيم بن حزام، وحديث أبي برزة، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث حكيم بن حزام:: (البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما) ومعنى الحديث: أن البيعين لكل واحد منهما الخيار ما داما لم يفترقا، فلو جلست مع رجل، وقال لك: عندي سيارة نوعها كذا، وصفاتها كذا وكذا، فعرفت السيارة، أو تكون على علم بها مثلاً فقال لك: أبيعك السيارة الفلانية التي تعرفها، أو العمارة الفلانية أو الأرض الفلانية في المخطط الفلاني، فقلت: قبلت، أو قال: أبيعك هذا الشيء بعشرة آلاف، فقلت: رضيت، فتمت الصفقة فدفعت له العشرة آلاف وقبضها، وبعد ساعة أو بعد ساعتين قلت: لا أريد هذا البيع، أو أقلني من البيع، فإن من حقك أن ترجع عن صفقة البيع ما دمتما في مجلس واحد.
وهذا يسمى خيار المجلس ولو جلستما عشر ساعات متواصلة فإنكما بالخيار ما لم يفارق أحدكما الآخر، فإذا خرج أحدكما ولو بعد إيجاب البيع بلحظة واحدة، فقد أوجب الصفقة، وليس من حقك أن ترجع إلا إذا أذن الشرع لك بالرجوع بأسباب معينة سنبينها.
إذاً: خيار المجلس يكون لك فيه الحق ما دام أنكما في مكان واحد، ومن هنا ثبت في سنن أبي داود وغيره: أن رجلين من التابعين تبايعا فرساً، فقال أحدهما لصاحبه: بعني فرسك، فقال له: بكذا، فتبايعا وتمت الصفقة بينهما، وتم العقد، فناما في مكان واحد، فلما استيقظا قام صاحب الفرس وندم على البيع، ورجع عن بيعه، فقال له المشتري: لا يحل لك إني قد ابتعت وقد وجب بيعي، فاختصما إلى أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه وأرضاه، فقال: والله لأقضين بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا ورد الصفقة ورأى أنهما في مجلس واحد؛ لأنهما ناما في مكان واحد ولم يفارق أحدهما الآخر، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا) أي: يفارق أحدهما الآخر، فمضى قضاء هذا الصحابي رضي الله عنه بظاهر السنة.
ولذلك قال فقهاء الشافعية، والحنابلة، والظاهرية وأهل الحديث بمشروعية خيار المجلس، وأنه إذا تعاقد الرجلان في صفقة وهما في مجلس واحد فمن حق أحدهما أن يرجع وليس للآخر أن يلزمه، سواءً رجع بعذر أو بدون عذر، فهذا حق من حقوقه، فمن حقه أن يرجع ويقول: لا أريد البيع، وكنت أرغب فيه فأصبحت لا أرغب.
وهذا القول قضى به عبد الله بن عمر، وكذلك أبو برزة وحكيم بن حزام، وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفقهاء التابعين رحمة الله على الجميع.
وخالف في هذا الخيار فقهاء الحنفية والمالكية، فعندهم أنه إذا قال: بعتك بكذا، وقال: اشتريت، وتمت الصفقة فليس من حقه أن يرجع، وأن البيع يتم بمجرد الإيجاب والقبول، وهو ما يسمى في الشرع: بالعقد.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1] فقالوا: إن الله سبحانه وتعالى أمرنا معشر المؤمنين أن نفي بالعقد، والعقد: بعتك واشتريت، فإن قال له: بعتك سيارتي عمارتي أرضي داري، فقال: قبلت، وتم البيع، وجب على البائع أن يفي فيعطي السلعة، ويجب على المشتري أن يفي ويعطي الثمن الذي وعد في مقابل الصفقة.
واستدلوا أيضاً بأدلة أخرى، وأوّلوا حديث حكيم بن حزام، وقالوا: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا) المراد به: تفرق الأقوال، فأنت إذا قلت: أبيعك سيارتي بعشرة آلاف سيقول لك: بتسعة آلاف بتسعة آلاف وخمسمائة بتسعة آلاف وسبعمائة، فقالوا: هذا الخلاف هو معنى قوله: (ما لم يتفرقا) أي: حتى يثبتا على قيمة معينة، والمراد بالتفرق هنا تفرق الأقوال، وليس بتفرق الأبدان.
وهذا ضعيف، والصحيح المذهب الأول: أن خيار المجلس مشروع؛ وذلك أولاً: لصحة دلالة السنة على ذلك.
ثانياً: أن دليل الآية عام مخصص بالحديث، والقاعدة: (لا تعارض بين عام وخاص).
ثالثا: ً أن الأصل في التفرق أنه يشمل الأقوال والأفعال، لكنه المراد به هنا الأفعال، بدليل أن ابن عمر أحد رواة الحديث والراوي أدرى -بما روى- كان إذا اشترى صفقة فأعجبته مشى عن البائع، حتى يتم البيع.
فدل هذا على أنه تفرق الأبدان، وليس بتفرق الأقوال.
رابعاً: أننا لو حملنا قوله عليه الصلاة والسلام: (البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا) على التفرق بالأقوال لم يصح لأنهما لا يسميان بيعين؛ لأنه لا يقع البيع إلا بعد أن يفصل القول، أما قبل أن يفصل القول فليس هناك بيع؛ لأن البيع إيجاب وقبول، فقوله عليه الصلاة والسلام: (المتبايعان) وفي رواية: (البيّعان) أي: اللذان باعا وأوجبا وتمت الصفقة بينهما.
وعلى هذا فالصحيح مذهب من سمينا أن خيار المجلس مشروع.
وهذا النوع من الخيار شرعه الله عز وجل لطفاً بالعباد، وتيسيراً على الخلق، ورحمة بهذه الأمة.
وقد وصف الله هذه الشريعة بأنها شريعة رحمة، ووجه ذلك: أنك ربما تستعجل وتقول: أبيعك بيتي بعشرة آلاف، ثم تراجع نفسك وتتبين أنه ليس من مصلحتك أن تبيع، وقد تشتري فيقول لك: بعتك السيارة بعشرة آلاف فتستعجل وتقول: قبلت، ثم تفكر قليلاً، وإذا به ليس من مصلحتك أن تتم هذه الصفقة، فالله عز وجل خفف على العباد، ولذلك يقولون: خيار المجلس شرع من أجل التروي ومن أجل دفع الضرر بالعجلة في الإيجاب والقبول.
وعلى هذا: فإنه خيار مشروع، وفيه خير كثير للأمة؛ لأنه يدفع آفة الاستعجال، والآثار السيئة والنتائج السلبية، المترتبة على استعجال الإنسان.

العقود التي يثبت فيها خيار المجلس

قال رحمه الله: [يثبت في البيع] أي: يثبت خيار المجلس في البيع، كما قلت له: بعتك سيارتي داري مزرعتي كتابي قلمي ساعتي ثوبي إلى آخره، فيثبت في جميع أنواع البيوع، سواء كان بيعاً مطلقاً أو كان بيع الصرف أو بيع المقايضة، فكله يثبت فيه الخيار.
وقوله: [والصلح بمعناه]: المراد به الصلح بعوض؛ لأن الصلح يكون أحياناً بعوض، وأحياناً يكون بدون عوض، والصلح بعوض يكون في حكم البيع.
مثال ذلك: لو أن رجلين اختصما إلى قاضٍ فقال أحدهما لصاحبه: تنازل عن حقك أعطك كذا، أو يقول: أرضيك عن الحق الذي لك بكذا، أو هذه ألف ريال وتنازل عن دعواك، أو عن حقك الذي ثبت لك، فلما اصطلحا على هذا المبلغ فالألف في مقابل الحق، فيقول حينئذ: قبلت، فهذا صلح بعوض وهو في كم البيع؛ لأن البيع تكون فيه الألف في مقابل سيارة أو مقابل أرض، والألف في الصلح وقعت في مقابل حق شخصي، فكما أن المال يكون في مقابل الحق العيني، يكون أيضاً في مقابل الحق الشخصي، فلو أنه قال له: تنازل عنه، فقال: رضيت، وطابت نفسه مقابل هذه المراضاة التي أعطاه إياها، ثم إنه قبل أن يفترق معه قال: رجعت، لا أريد أن أتنازل، بل أريد حقي الذي أقررت به، ولن أتنازل لقاء ألفين أو ثلاثة.
إلى آخره، فمن حقه أن يرجع ما لم يتفرقا، مثل البيع، فتبين أن الصلح بعوض كالبيع؛ لأن البيع معاوضة، والصلح معاوضة.
قال رحمه الله: [والإجارة] وهي بيع المنافع، فلو أن رجلاً جاء إلى صاحب عمارة، وقال له: أريد شقةً تؤجرنيها سنة، أو نظر فيها فأعجبته، فقال: بكم تؤجرها، فقال: أؤجرها بعشرة آلاف، فقال: قبلت، فتم عقد الإجارة بينهما، فلو جلسا ثلاث ساعات أو أربع ساعات ثم قال: لا أريد، رجعت عن استئجار هذه الشقة، فهذا من حقه، ما دام أنهما في مجلس واحد، وليس لصاحب العمارة أن يلزمه.
وكذلك العكس فلو أن صاحب العمارة رضي بعشرة آلاف ثم تفكر ونظر، فقال: لا أريد ورجع عن إجارتها، فذلك من حقه ما دام أنهما لم يفترقا عن مجلس العقد.
قال رحمه الله: [والصرف] أي: لو كان عندك ألف دولار، وجئت إلى رجل وقلت له: اصرفها لي فقال: قبلت، وبينما أنتما جالسان في مجلس واحد، جئت تريد أن تخرج، فقال الصارف: رجعت، أو طالب الصرف، فإنه من حقه ما دام أنه قد رجع عن العقد قبل أن تفترقا، ويجب عليك أن ترد؛ لأن المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا، والصرف يسمى بيعاً، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد).
فجعل صرف الذهب بالفضة بيعاً؛ لأنه قال: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة)، ثم قال (فإذا اختلفت هذه الأصناف)، أي: كذهب بفضة (فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد).
ولقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد رضي الله عنه وأرضاه -وهو في الصحيحين-: (ولا تبيعوا منها غائباً بناجز) وهذا في صرف الذهب بالفضة (الدنانير بالدراهم)، فقال عليه الصلاة والسلام عن الصرف: (ولا تبيعوا) فدل على أن الصرف بيع، فلما قال عليه الصلاة والسلام: (البيّعان بالخيار) والصرف بيع دخل في هذا العموم.
[والسلم]: وهو بيع، والسلم: تقديم الثمن وتأخير المثمن -وسيأتي إن شاء الله بيانه- كأن تأتي إلى صاحب المزرعة، وهو يحتاج إلى البذر، ولا تكون عنده سيولة لشراء البذر، فمن رحمة الله عز وجل بعباده أن رخص في أن تعطيه قيمة لشيء ستشتريه منه، تقول له: أشتري منك مائة صاع من الحب الفلاني -الذي سيزرعه في أرضه- إلى أجل فأعطيته المبلغ لقاء كيل معلوم أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم، فأوجبتما، فقال: إذاً: أنا سآخذ هذه الألف، وإن شاء الله عند حصاد الحب أعطيك مائة صاع، وقبل أن تفترقا قلت له: ما أريد، أو قال لك: لا أريد، فالرجوع من حقه ومن حقك ما دام أنكما في مجلس واحد، وهو مجلس العقد، ولم تفترقا.
وقوله رحمه الله: [دون سائر العقود]: أي: فلا يشمل العقود الأخرى التي لم يسمها المصنف رحمه الله، فإن خيار المجلس لا يثبت فيها؛ لأن بقية العقود اللازمة لا يصدق عليها وصف البيع، فالصلح يمكن أن يكون بيعاً؛ لأنه إذا كان بعوض فهو معاوضة، والإجارة في حكم البيع؛ لأنها بيع المنافع، وبالنسبة للسلم والصرف، فهما أصلاً بيع، فهذا وجه التخصيص، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البيّعان) فخرجت بقية العقود.
فالخيار يختص بهذا النوع من العقود ولا يشمل العقود الأخرى، فلو اقترض منك مائة ألف، ثم قال: لقاء هذا المال رهنتك مزرعتي، أو داري، وقبل أن يفترقا، قال: رجعت عن الرهن، فلك أن تقول: ليس من حقك؛ فإن الرهن يعتبر لازماً، ويبقى إلى أن يسدد أو يباع ويسدد منه الحق الذي في ذمة المدين، وعلى هذا يختص الحكم بما سمى رحمه الله من العقود.

لمن يثبت خيار المجلس ومتى ينتهي

قال رحمه الله: [ولكل من المتبايعين الخيار ما لم يتفرقا عرفاً بأبدانهما]: فللبائع الخيار، وللمشتري الخيار.
وذكر هذا لأن الخيار في بعض الأحيان يكون للمشتري، ولا يكون للبائع، فلو اشتريت سيارة وظهر بها عيب، فإن الخيار لك وليس للبائع؛ لأن خيار العيب يكون للمشتري ولا يكون للبائع.
وهناك خيارات للطرفين ومنها خيار المجلس، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: (البيّعان) وفي رواية: (المتبايعان) فهذا يشمل البائع ويشمل المشتري، فلو رجع البائع فذلك من حقه، ولو رجع المشتري فمن حقه أيضاً، ولا يختص خيار المجلس بأحدهما دون الآخر.
إذاً: المسألة الأولى في هذه الجملة، أن خيار المجلس يشمل الطرفين، فهو حق ثابت للبائع، وحق ثابت للمشتري، والدليل على هذا قوله عليه الصلاة والسلام: (البيّعان) فلم يقل: (المشتري بالخيار)، ولم يقل: (البائع بالخيار)، وإنما قال: (المتبايعان) وفي رواية: (البيّعان).
وقوله: (ما لم يتفرقا) هذه صريح قوله عليه الصلاة والسلام: (البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا) والتفرق: تفرق أقوال، وتفرق أبدان، وتفرق الأقوال لا إشكال فيه، لكن الإشكال في تفرق الأبدان، فإذا كان لكلا المتعاقدين حق في إمضاء البيع وفسخه ما داما مجتمعين في مكان واحد، فمتى ينتهي خيار المجلس؟ ينتهي خيار المجلس بالافتراق أو بالقطع من أحدهما، أي: بأن يتفقا على أن يقطع أحدهما الصفقة، كما سنبين إن شاء الله، ففي حالة الافتراق، لا بد من ضابط وهو متى نحكم بكونهما افترقا؟ إن كانا في غرفة، وقع الافتراق بخروج أحدهما من الغرفة.
إن كانا في فضاء، كصحراء ونحوها وليس هناك حد معين، فيكون الافتراق أن يعطي أحدهما ظهره للآخر، فبمجرد أن ينصرف عنه ويعطيه ظهره كأنه ذاهب عنه، فقد فارقه؛ ولكن ما دام أنه مقابله ومعه، فإنه لم يفارقه.
إذا كانت الغرفة كبيرة جداً، ولا يمكنهما أن يخرجا منها، كسفينة أو نحوها، فالافتراق العرفي أن يذهب أحدهما إلى ركن والآخر إلى ركن، فلو أنهما تعاقدا في ركن، ثم قام أحدهما إلى أمر في آخر السفينة، فإننا نفهم أنه قد فارق أخاه، وبالعرف يصدق عليه أنه قد فارقه.
وبناء على هذا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) ولم يجعل للتفرق ضابطاً معيناً لاختلاف الأعراف واختلاف الأماكن، ومن هنا يقول العلماء: تنطبق عليه قاعدة: (العادة مُحَكّمة)؛ لأن الشرع في بعض الأحيان يطلق، وما أطلقه الشرع يترك الخيار فيه إلى الناس فيرجعون فيه إلى ما تعارفوا عليه، وإلى ما انضبط عندهم بأعرافهم التي لا تخالف الشرع ولا تصادمه؛ لأن شرط اعتبار العادة والعرف ألا يكون مصادماً للشرع.
وعلى هذا فالافتراق يكون على حسب ما يسميه الناس في أعرافهم افتراقاً، فيقضي القاضي أن البيع وجب وتم بثبوت الافتراق، إذا كان العرف يشهد بأن هذا التصرف من البائع أو المشتري يسمى افتراقاً، وهذا ما يسميه العلماء بالرجوع إلى أهل الخبرة، فيسأل أهل الخبرة في السوق كيف يكون ضابط الافتراق في عرفهم.
وهكذا إذا اختلفت الأسواق، مثل: أهل السمك لهم عرف غير أهل القماش، وأهل الخشب لهم عرف غير أهل الحديد، فهذه أمور يرجع فيها إلى الأعراف الموجودة، فكل أهل صنعة يحتكم إليهم في صناعتهم، وهذا أصل قرره العلماء في مسائلهم، والله عز وجل إذا أطلق الشيء ورده إلى العرف رجع فيه إلى أعراف المسلمين، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:228] وقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:19] فيرد الأمور إلى العرف؛ لأن الشرع يأتي بالقواعد الكلية والضوابط الإجمالية ويترك للمسلمين ما ألفوه واعتادوه.
والسبب في هذا: أنه لا يمكن أن تجتمع الكثرة في البيئة الواحدة، من عقلائها وحكمائها وكبار السن فيها على شيء غالباً إلا وفيه خير؛ لأن أهل الصناعات لهم ضوابط معينة درجوا عليها؛ لأن الغالب أن أهل العقول هم الذين يحكمون الأسواق، وهم الذين يتصرفون، والغالب في الناس أنها تجري معاملاتها بما يتفق مع العقول السوية، فهذه أعراف يحتكم إليها؛ لكن ينظر فيها إلى أهل الخبرة الذين لهم معرفة بها، فيرجع إليهم في ضوابط الافتراق على حسب ما تقرر في أعرافهم التجارية.

إسقاط خيار المجلس

قال رحمه الله: [وإن نفياه أو أسقطاه سقط]: أي: وإن نفياه بأن قال: أبيعك ولا خيار لا لك ولا لي.
والسبب في هذا: أنه في بعض الأحيان يأتي شخص ويقول لك: أصرف لك هذه المائة ألف بعشرة آلاف دولار، وأنت تريد بعد أن تأخذها مباشرة أن تبيعها في نفس المجلس، وهذا كما يقع في الأسواق التجارية أو المحلات المتقابلة، أو الأماكن التي يجتمع فيها التجار مع بعضهم، فالتاجر يشتري من هذا مباشرة ويبيع على هذا، فإذا قلنا: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، لن يستطيع أن يبيع شيئاً؛ لأنه لم يتم بيعه.
فحينئذٍ لا بد وأن يبت الصفقة، فيقول له: أشتري منك هذه العمارة القلم الكتاب الساعة الثوب؛ لكن بشرط أننا ننفي الخيار، فبمجرد ما نعقد فإن البيع قد تم ووجب ولا خيار لك ولا لي، فيتفقان على إسقاطه أو نفيه، أو يقرّا عند القاضي أنه لا خيار لهما، فحينئذ يسقط الخيار؛ لأن لهما الحق في هذا الخيار، ولهما الحق في إسقاطه، فإن الشرع أعطاهم ذلك، والشرع إنما قصد الرفق بهما، فقد يكون الرفق أن يتم البيع بدون خيار، فأنا أعرف الصفقة وهو يعرف المال، وقد رضي بالصفقة، ويريد أن يبيعها لآخر، أو يريد أن يتصرف فيها مباشرة، فنقول له: إنه يتم العقد مباشرة ويسقط الخيار.
وعلى هذا: لو اشترى شخص طعاماً، فإنه ينبغي عليه أن يخرج عن الدكان قليلاً ولا يأكل أمام البائع؛ لأن السلعة لا يملكها إلا بالافتراق؛ لأنه ربما يرجع عن بيعه، فإذا أراد أن يتحلل فليخرج من الشبهة.
لكن يبقى الإشكال في المطاعم، فالمطعم لا تستطيع أن تخرج منه، فقالوا: إن هذا أشبه بإسقاط الخيار، فهو إذا وضع الطعام بين يديه، ولم يدركه قبل أن يأكله، فقد فوت على نفسه الخيار، ويكون الأكل من الأكل إسقاطاً لحقه في الخيار، وسكوت صاحب المطعم وسكوته إسقاط لحقه في الخيار، أي: أنه ما دام قد وضع الطعام ولم يرجع، ورآك تأكل، فكأنه قد رضي بإيجاب الصفقة.
وهكذا لو أنهما اتفقا من البداية على أنهما إذا أوجبا البيع أو تم الإيجاب والقبول في الصفقة، أنه لا خيار لواحد منهما، لي ولا لك، وعليه حمل حديث السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اشترى قال للأعرابي: (عمّرك الله بيعاً) فرضي الأعرابي وأوجب البيع، أي: حمل الحديث على إسقاط الخيار، وهذا أصل عندهم: على أنهما إذا اتفقا على إسقاط الخيار، فهذا لهما حق لهما إذا تراضيا بالمعروف، ولا حرج عليهما فيه، ولا بأس في إسقاطه على هذا الوجه.
قال رحمه الله: [وإن أسقطه أحدهما بقي خيار الآخر]: أي: بأن قال: أريد الصفقة ولا خيار لي، وسكت الآخر، فإنه يبقى حق الآخر، فليس إسقاطك يلزمني، كما أن إسقاطي لا يلزمك، فإسقاطي حق لي، فيسري الإسقاط على ما أملكه، ولا يسري على ما تملكه، إلا إذا قلت: وأنا كذلك لا أريد.
وعلى هذا لو قال لك: بعتك سيارتي بعشرة آلاف، قلت: قبلت، فقال لك: لا خيار لي فأنا أريد البيع، فسكت، ثم بعد ساعة قلت: أريد أن أرجع عن بيعي، كان من حقك أن ترجع؛ لأن إسقاطه لا يتعدى إلى حقك في الخيار فيسقطه؛ ولأنه لو فتح هذا الباب لأسقط كل منهما حق الآخر أضر به.
وعلى هذا: لا يملك الإسقاط إلا في حق نفسه دون حق الآخر.
قال رحمه الله: [وإذا مضت مدته لزم البيع]: أي: إذا مضت مدة الخيار، فإنه في هذه الحالة يلزم البائع، ويلزم المشتري، ولا خيار لهما، وهذا على التأقيت بالزمان، ويكون العقد حينئذٍ لازماً للطرفين.

خيار الشرط ومدته

قال المصنف رحمه الله: [الثاني: أن يشترطاه في العقد مدة معلومة ولو طويلة]: أي: النوع الثاني من الخيار، ويسمى بخيار الشرط.
وهذا النوع من الخيار يخالف النوع الأول، فإن هذا النوع يمتد إلى ما بعد العقد وبعد الافتراق، ويكون معلقاً على شرط بعد العقد، ولكن خيار المجلس يكون أثناء مجلس العقد، فما دام أنهما في المجلس فهما بالخيار كما فصلنا.
والأصل في خيار الشرط حديث حبان بن منقذ رضي الله عنه وأرضاه، وفيه: أنه كانت به لوثة، وفيه شيء أشبه بالارتجاج، والسبب في ذلك: أنه رضي الله عنه وأرضاه أصيب في يوم بدر بالمأمومة، وهي: نوع من الضربات تصل إلى أم الدماغ، وهذه أحياناً تحدث نوعاً من الارتجاج، فكانت عنده لوثة أثرت عليه في لسانه وأثرت عليه في عقله، فصار به نوع من الضعف في العقل، فهذا الصحابي اشتكاه أهله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه يذهب إلى السوق ويشتري ويُغْبَن، وهذا فيه ضرر عليه، فرفع أمره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأنهم يسألونه أن يحجر عليه، أو يمنعه من البيع، ويمنع الناس من التعامل معه، فقال: (لا أصبر)، أي: أنه لا يصبر عن البيع.
فالنبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أن شكوى قرابته صحيحة، وأن استمراره على هذا الوجه فيه ضرر، ومن المعلوم أن من حكمة الشرع أنه في بعض الأحيان يمنع الشخص من التصرف في ماله لمصلحته هو، كالمجنون والصغير واليتيم، فاليتيم مثلاً: لو توفي أبوه وترك له مليوناً، فلو تركناه يتصرف فيها فإنه سيتضرر، والضرر يلحق نفسه، فنمنعه من التصرف في هذا المال مع أنه ملك له، خوفاً من الضرر عليه، وهذا ما يسميه العلماء: بالحجر لمصلحة المحجور.
فهؤلاء جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكي يحجر عليه لمصلحته، فذكر هو أنه لا يصبر عن البيع، فالنبي صلى الله عليه وسلم جاء بحل وسط، فقال له (إذا ابتعت فقل: لا خلابة، ولي الخيار ثلاثاً).
(إذا ابتعت) أي: اشتريت؛ لأن العرب تقول: ابتاع بمعنى اشترى؛ لأنه من الأضداد يقال: اشترى بمعنى باع، واشترى بمعنى أخذ، كما قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف:20] أي: (باعوه بثمن بخس)، ويطلق الشراء بمعنى الأخذ، تقول: اشتريت داراً بمعنى: أنك عاوضت عليها وملكتها.
(فقل: لا خلابة) أي: لا غبن ولا خديعة.
(ولي الخيار ثلاثاً) أي: أني بالخيار ثلاثة أيام، إن شئت أمضيت الصفقة، وإن شئت ألغيتها، فخلال هذه الثلاثة الأيام، سيطّلع قرابته على فعله، فإن وجدوا تصرفه سليماً أمضوه، وإن وجدوه خطأً ردوه.
فحقق صلى الله عليه وسلم المصلحة ودرأ المفسدة، وهذا من حكمته عليه الصلاة والسلام وسعة رحمته بالأمة، أن كان يوسع على الناس، فالرجل حينما يحجر عليه، فيه منقصة له وتضييق عليه، وإزراء عليه بين جماعته وقرابته، فجعله يبيع، لكن قال له: (إذا ابتعت فقل: لا خلابة، ولي الخيار ثلاثاً) فالذي اشتكاه قرابته دفعه بقوله: (ولي الخيار ثلاثاً).
وبسبب الثقل في لسانه كان يقول: (لا خيابة) بدلاً من (لا خلابة).
وقد كان الخلفاء يقضون بهذا القضاء، حتى زمن عثمان، لما كثر الناس لم يعرفوه؛ لأنه كثرت التجارة وجاء أناس غرباء عن المدينة لا يعرفون هذا الصحابي، ولا يعرفون قصته، وقد كانت المدينة صغيرة، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فكان معروفاً مكشوفاً لا إشكال معه؛ لكن لما جاء عهد عثمان وجاء التجار الجدد الذين لا يعرفونه، فكانوا يختصمون معه، يقولون: ليس لك من خيار، فإذا رفعهم إلى عثمان قضى عليهم أن له الخيار ثلاثاً، بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا يسمى خيار الشرط، فإنه أوجب البيع ورضيه على أن له الحق أن يلغي الصفقة أو يتمها خلال ثلاثة أيام، فخلال هذه الثلاثة الأيام، يستطيع ورثته أن ينظروا في السلعة، فلهم أن يمضوها أو يلغوها، قال العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لـ حبان رضي الله عنه وأرضاه أن يشترط، فصار أصلاً في اشتراط الخيار، فلو اشترط ثلاثة أيام كان له، وإن اشترط يوماً كان له، وإن اشترط يومين كان له، واختلف فيما زاد على الثلاثة أيام: فقال بعض العلماء: لا يزيد الخيار على ثلاثة أيام، والسبب في هذا: أن الأصل تمام الصفقة، وأن الحديث ورد بثلاث، فلا يزاد عليها.
وقال بعض العلماء: من حقه أن يزيد على ثلاث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعطاه رضي الله عنه ثلاثة أيام دفعاً للضرر، والصفقات تختلف، والناس تختلف حوائجهم، فهناك الذي يحتاج إلى مشورة تستغرق نصف شهر، أو تستغرق شهراً كاملاً، أو تستغرق الشهرين، فأصحاب هذا القول يقولون: من جهة اللفظ ثلاثة، ولكن من جهة المعنى والعلة الثلاثة وغيرها سواء.
وهذا المذهب أقوى: فإننا إذا نظرنا إلى مقصود الشرع وهو دفع الضرر وجدنا أن البيوع تختلف، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم لـ حبان الثلاثة؛ لأن من كان مثله وفي وضعه وحالته فإنها تكفيه؛ لكن في زمننا هذا، قد تشتري مصنعاً، وهذا المصنع يحتاج إلى نظر من أهل الخبرة، ويحتاج إلى مشاورة أناس لهم معرفة، وقيمة المصنع ليست بالسهلة، فمثل هذا في الحاجة أشد من حبان، والضرر الذي يأتيه أعظم من ضرر حبان، فقالوا: لا يمكن أن نجمد على الثلاثة، ونلغي معنى الشرع؛ لأن الشرع أعطى حباناً رضي الله عنه الثلاثة دفعاً للضرر، ودفعاً للمفسدة، فأنت إذا احتجت مثلاً إلى هذا المصنع أو هذه المزرعة أو هذا الشيء الذي يحتاج إلى كثير من النظر والمشورة، فمن حقك أن تشترط الشهر والشهرين والثلاثة؛ لكن لابد أن تكون المدة معلومة.
إذاً: خيار الشرط هو أن يشترط أحد المتعاقدين أو هما معاً، ويوجبا البيع بناء على تحقق هذا الشرط ويكون مدة معلومة.

وقت خيار الشرط

قال رحمه الله: [أن يشترطاه في العقد] هذا من دقة المصنف رحمه الله؛ لأن العقود يجب الوفاء بها في ذات العقد، أما بعد العقد وبعد الافتراق فقد تم العقد، فلا يجوز أن يشترط بعد تمام العقد، فلذلك قال: (يشترطاه في العقد)، أي: حال الإيجاب والقبول.
فلو أن إنساناً بعد أن أوجبنا وقبلنا وانتهى خيار المجلس وافترقنا، جاء وقال: عندي شرط؛ فليس من حقه؛ لأنه قد تم البيع، ولو قلت له: لن أعطيك الشرط؛ فمن حقك.
فقول المصنف: [في العقد] أي: أن الذي يملكه المتعاقدان من الشروط ما كان حال العقد؛ وكونهما بعد العقد وبعد الإيجاب والقبول يتراضيان هذا أمر آخر، فلو تراضيا على إسقاط البيع سقط، فالمراد الشرط الإلزامي، فلا يستطيع أن يلزمك بشرط إلا إذا كان أثناء العقد، أما لو تم العقد وافترقتما فإن البيع قد وجب على ظاهر السنة وظاهر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا) ولو فتح باب جواز الاشتراط بعد الافتراق لكان كل شخص يضر الآخر بذلك، وليس من حق المتعاقد مع أخيه أن يلزمه بشرط بعد تمام الصفقة وحصول التفرق، فإذا حصل التفرق ألزم بالعقد على صورته، وليس من حق أحدهما أن يدخل على الآخر شرطاً يلزمه به إلا إذا رضي، فإذا رضي فلا إشكال فيه؛ لأن هذا شيء يرجع إليهما، بل من حقهما إذا تراضيا على فسخ البيع أن يفسخاه، فهذا أمر آخر في التراضي لا نتكلم عنه، إنما نتكلم على الشرط الإلزامي وأنه لا يكون الشرط ملزماً إلا إذا كان في العقد أثناء الإيجاب والقبول.
وقوله: [مدة معلومة ولو طويلة]: أي: أن يشترطاه مدة معلومة، وهذا يرجع إلى الزمان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل خيار الشرط بالزمان.
(ولي الخيار ثلاثاً) أي ثلاثة أيام، فهو خيار يرجع إلى الزمان وهذا أصل، فإذا كان مدة فيشترط في المدة أن تكون معلومة، ومفهوم الصفة في قوله: (معلومة) أنه لو كانت المدة مجهولة لم يصح، فمثلاً لو قال: لي الخيار إلى الأبد لم يصح، أو قال: لي الخيار حتى أقطع لم يصح؛ لأنها مدة مجهولة، ولا يصح أن يشترط الخيار بمدة مجهولة؛ لأنه بهذا يفوت عليك مصلحة التصرف في المبيع، وقد يأتيك بعد مدة طويلة ويغرر بك، فلا بد وأن يحدد المدة.
ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الخيار محدداً، فوجب أن تكون صورة الشرط بهذه الصورة، أعني: أن يكون محدداً.
وقوله: (ولو طويلة)، إشارة إلى الخلاف وهو: هل يشترط أن تكون المدة محدودة قصيرة، أو أنه يجوز أن تكون طويلة؟ وقد صحح غير واحد من العلماء أنه يجوز أن يشترط مدة طويلة لوجود الحاجة، أما إذا لم توجد الحاجة، فإنه يتقيد بالسنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويخرج من الخلاف بين أهل العلم رحمهم الله.

ابتداء وانتهاء خيار الشرط

قال رحمه الله: [وابتداؤها من العقد]: أي: لو قال: لي الخيار ثلاثاً، فإنهما إذا أطلقا كان ابتداء المدة من افتراقهما، وعلى هذا يكون الخيار من بعد وجوب العقد، ولو أنهما جلسا ولم يفترقا ليلةً كاملة وفي صباح اليوم الثاني افترقا، فإن المدة تبدأ من صبيحة اليوم الثاني.
وقد جعلوها تلي العقد مباشرة دفعاً للغرر والضرر؛ لأنه إذا كانت مبهمة، دون أن يحكم بكونها من بعد العقد مباشرة، ودون أن تليه، فإن هذا يدخل الغرر على العقد، ولذلك يقولون: يشترط أن تكون معلومة للطرفين، ومحددة بأمد معين، أي: أن يكون الشرط معلوماً محدداً للطرفين، وأن يكون تلو العقد مباشرة، وهذا هو ما يسمى بشرط الموالاة، وقد نص عليه الجمهور الذين يقولون باعتبار خيار الشرط.
وعليه: فإنه يتحدد من لزوم البيع ويحكم بلزومه للطرفين بعد الافتراق مباشرة.
قال رحمه الله: [وإذا مضت مدته أو قطعاه بطل]: خيار الشرط يأتي على ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يشترط البائع ولا يشترط المشتري.
الصورة الثانية: أن يشترط المشتري ولا يشترط البائع.
الصورة الثالثة: أن يشترط كل منهما.
فأما بالنسبة لما اشترطه البائع، فكأن يقول: بعتك سيارتي بعشرة آلاف، فيقول: قبلت، قال البائع: لكن أشترط أن يرضى أبي، أو أشاور أبي، ولي الخيار يوماً أو يومين أو ثلاثة، فهذا اشتراط من البائع.
والعكس من المشتري، كأن يقول: أشتري منك هذه العمارة بمائة ألف، قال: قبلت، قال: لكن لي الخيار يوماً، أو يومين أو شهراً أو شهرين، حينئذ يكون الخيار للمشتري.
وأما أن يكون للمتعاقدين، فذلك كأن يقول أحدهما: أشترط أن لي الخيار يوماً، يقول الآخر: وأنا أشترط أن يكون لي الخيار يومين.
وإذا حصل الشرط من الطرفين: فإما أن يتماثل الشرطان، أو يختلفا.
يتماثلان كأن يقول: أشتري منك هذه السيارة بعشرة آلاف؛ لكن لي الخيار ثلاثة أيام، ويقول البائع: وأنا لي الخيار ثلاثة أيام، فجعل كل منهما شرطاً مثل شرط صاحبه، فحينئذٍ تكون المدة متفقة من الطرفين.
أو يختلفا مثل أن يقول له: أشترط أن يكون لي الخيار ثلاثة أيام، وقال الآخر: أشترط أن يكون لي الخيار أسبوعاً، فاختلفت المدة، وسواء اشترط البائع أو اشترط المشتري أو اشترطا معاً، بما يتماثلا فيه أو يختلفا فيه، فإنه حينئذ يكون كل منهما على شرطه، وكل منهما له شرطه، فإذا اشترطت ثلاثة أيام فلك ثلاثة أيام تنظر فيها في صفقتك إن شئت أمضيت وإن شئت ألغيت، فلو أنك اشتريت مثلاً قطعة أرض في مخطط بمائة ألف، فقلت له: أنا أشترط أن يكون لي الخيار ثلاثة أيام، قال لك: قبلت، فصار الشرط من المشتري، فذهبت وشاورت أهل الخبرة في اليوم الأول، فأشاروا، وفي اليوم الثاني رزقك الله رجلاً يشتريها منك، فقال: أنا أشتريها منك بمائتي ألف، فأنت تريد أن تتم الصفقة الأولى حتى تعقد الصفقة الثانية، فتقول: أنا اشترطت ثلاثة أيام فأنا أقطع هذا الخيار، وأرضي بتمام البيع فيمكنك أن تتم البيع، فتتم البيع في اليوم الثاني أو تتمه في اليوم الأول، بل ولو بعد ساعة، فبعد أن ترجع عن شرط الخيار، وتوجب الصفقة الأولى يحق لك أن تبيع بالصفقة الثانية.
فالحاصل أنه من حقك ومن حقه هو أن يقطع الخيار قبل تمام مدته، فمراد المصنف رحمه الله أنه إذا أسقطه من اشترطه بائعاً كان أو مشترياً كان من حقه.
(وإذا مضت مدته) أي: المهلة، فلو قال: لي الخيار ثلاثة أيام، ومضت الثلاثة الأيام، لزمه البيع، ما دام أنه لم يرجع قبل تمامه، فلو جاء بعد ثلاثة أيام وقال: رجعت نقول: يلزمك البيع؛ لأن الخيار لك في ثلاثة أيام، ومفهوم الزمان وهو الثلاثة أيام، أنك بعدها قد رضيت البيع، سواءً جئت وقلت: رضيت أو ما جئت، فالبيع لازم وواجب عليك.
قال: [أو قطعاه بطل]؛ فإن قطع أحدهما أو قطع الاثنان معاً شرطيهما كان لهما ذلك؛ لأن من حقهما أن يسقطا الخيار، كما ذكرنا في خيار المجلس.

العقود التي يثبت فيها خيار الشرط

قال رحمه الله: [ويثبت في البيع والصلح بمعناه]: (ويثبت في البيع)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ابتعت، فقل: لا خلابة).
(والصلح بمعناه)؛ لأن الصلح بمعنى البيع، وهو الصلح بعوض، كما بيناه.
قال: [والإجارة في الذمة]: مثلاً: اتفقت مع مقاول أن يبني لك عمارة على صفة معينة، فقال لك: سأبني هذا البناء بصفة كذا وكذا، أو بهذه المخططات الموجودة للبناء بعشرة آلاف ريال، فقلت له: قبلت؛ لكن أشترط أن لي الخيار ثلاثة أيام، فحينئذ تتوقف الإجارة حتى تمضي الثلاثة الأيام، فهذه إجارة في الذمة.
فمن حقك أن تعلق الإجارة في الذمة، مثل: بناء البيت، وحفر البئر، وخياطة القميص، فلو أن شخصاً جاء وقال: احفر لي في أرض بئراً، فقلت: أحفر لك مائة متر، كل متر بمائة ريال، فقال: قبلت، لكن لي الخيار ثلاثة أيام، يريد أن يسأل الناس ويسأل أهل الخبرة هل من مصلحته أن يمضي الإجارة أو لا، حق له ذلك كما ذكرنا في البيع.
قال رحمه الله: [أو على مدة لا تلي العقد] أي: كأن استأجر منه الدار شهراً، أو سنةً لا تلي العقد؛ لأنه لو قلنا: إن الإجارة يثبت فيها خيار الشرط بعد العقد مباشرة، وتكون المدة بعد العقد، تداخل الإلزام وعدم الإلزام.
توضيح ذلك: لو جئت إلى رجل، وقلت له: أجرني الشقة في العمارة بعشرة آلاف ريال لمدة سنة، فقال: قبلت، لكنك قلت: ولي الخيار ثلاثة أيام، فيشترط في السنة التي عقد عليها، ألا تجعلها بعد العقد مباشرة؛ لأنها لو كانت بعد العقد مباشرة لكان ابتداء العقد بعد الافتراق، وبالشرط يبتدئ العقد بعد ثلاثة أيام، فيصبح خلال الثلاثة الأيام، لا ندري هل عقد الإجارة لازم، بناء على ظاهر اتفاقكما أو غير لازم لوجود الشرط لاحتمال أن ترجع؟ وهذا بلا إشكال أنه غرر، ولا يصح، ولذلك احتاط المصنف رحمه الله، ونص العلماء على اشتراط ألا تكون المدة تالية العقد؛ لأنه سيحدث تداخل، إذ كيف يصح أن أقول: لك الخيار ثلاثة أيام، ثم تحسب الثلاثة الأيام من الإجارة، مع أن الإجارة ما لزمت خلال الثلاثة الأيام؛ لأن من المعلوم أنه لا يصح أن تقول: خلال مدة الشرط وهي الثلاثة أيام: إن العقد لازم.
أي أنك إذا قلت: الإجارة تلي العقد، فمعنى ذلك أنها لازمة بعد العقد، وإذا قلت: إن الشرط لازم بناء على ما ورد في السنة فمعناه أن الإجارة لازمة، وهنا الإجارة غير لازمة إلا بعد ثلاثة أيام، فيصبح هنا تناقض.
إذاً: عندنا أمران: الأمر الأول: عقد الإجارة.
الأمر الثاني: الشرط.
نوضح أكثر: لو أنك تريد أن تستأجر شقة ثلاثة أيام، فقلت له: أجرني هذه الشقة ثلاثة أيام، السبت والأحد والإثنين، فقال: أجرتك بثلاثمائة ريال، وهذا الاتفاق كان يوم الجمعة ليلة السبت، فقلت: قبلت على أن لي الخيار ثلاثة أيام، التي هي السبت والأحد والإثنين فهذه لا تصح إلا إذا كانت المدة التي اشترطتها غير مدة العقد، فحينئذ قال المصنف: (على مدة لا تلي العقد)؛ لأنك لو قلت: يضع الشرط بعد العقد مباشرة، صار تناقضاً خلال الثلاثة أيام، فالعقد لازم من وجه وغير لازم من وجه، والشرع لا يتناقض، ولذلك اشترطوا في المدة أن يكون فيها فسحة للنظر وإعطاء المهلة قبل لزوم العقد لكيلا يحدث تناقض، وهذا أمر لا إشكال فيه وهو أمر صحيح معتبر، خاصة إذا مثلنا بشيء يطابق الشرط المذكور، لكن لو قال له: أشترط رضا والدي، قد يتوهم البعض أنه لا فرق بين قوله: أشترط رضا والدي، وبين اشتراط مدة تلي العقد، فيتوهم أن هذا الشرط لا علاقة له بالمدة، لكن حينما تقول: إن خيار الشرط الأصل فيه مدد الزمان، والإجارة كذلك بمدد الزمان وهي المدة المعينة، فلا بد فيها وأن يكون العقد بعد نهاية مدة الشرط، فتكون الإجارة على مدة لا تلي العقد، أي: لا تكون بعد العقد مباشرة، حتى يصح خيار الشرط من هذا الوجه.
قال رحمه الله: [وإن شرطاه لأحدهما دون صاحبه صح]: أي: يجوز في خيار الشرط أن يشترطه أحدهما دون الآخر، وقد ذكرنا أن له ثلاث صور: - أن يشترط البائع دون المشتري.

  • أن يشترط المشتري دون البائع.
  • أن يشترطا معاً.
    فيكون لهذا شرطه، ويكون لهذا شرطه.

الغاية في خيار الشرط

قال رحمه الله: [وإلى الغد أو الليل يسقط بأوله]: بعد أن بين رحمه الله برحمته الواسعة، أن خيار الشرط يقع في المدد، كقولك: ثلاثة أيام، أربعة أيام، شرع في بيان مسائل فرعية وهي إذا قال: إلى الليل، أو إلى يوم كذا، فهل العبرة بالغاية؟ أم العبرة بما بعد الغاية؟ فالأصل يقتضي أن الغاية لا تدخل في المغيا، إلا إذا كانت من جنسه، وهذا الأصل فيه خلاف بين العلماء، فمثلاً: حينما ننظر إلى الشرع يحد الأشياء بغايات، كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:6] وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:187]. فقوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:6] هل المراد أن نغسل إلى ما قبل المرفق ويعتبر المرفق غير داخل في الحد، أم أن الغاية تدخل في المغيا، فيجب غسل المرفق؟ فالذي عليه المحققون أن الغاية تنقسم إلى قسمين: أن تكون من جنس المغيا.
أو تكون من غير جنسه.
فإن كانت من جنسه دخلت، وإن كانت من غير جنسه لم تدخل، فلما كان المرفق من جنس اليد دخل، ولكن لما قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:187] وكان الليل ليس من جنس النهار، لم يدخل ولم يجب الصيام إلى الليل، وعلى هذا قالوا: إذا قال له: إلى الليل أو إلى الغد، انقطع الخيار بأول الليل وأول الغد.
وبعض العلماء يرى أن إذا قال: إلى الليل أن يلزمه إلى صبيحة اليوم الذي يليه، فينتظر إلى انتهاء الليل لانتهاء الغاية، وإذا قال: إلى الغد، فإنه ينتظر إلى غروب الشمس، وليس إلى طلوع شمس الغد، والصحيح ما ذكرناه.
فالقاعدة: أن الغاية إذا كانت من جنس المغيا دخلت، وإذا لم تكن من جنسه لم تدخل؛ لأن الأصل في الغايات أن لها مفاهيم، ولذلك ما بعد الغاية يخالف ما قبله في الحكم، وهذا ألفناه من الشرع، فمثلاً في حديث ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه، قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها)؛ فقوله: (حتى يبدو) غاية في النهي، أي: حرمنا عليكم بيع الثمرة إلى الغاية، وهي بدو الصلاح، ففهمنا أن الغاية لا تدخل في المغيا، وقد ذكر علماء الأصول: أن من أنواع المفاهيم مفهوم الغاية، فقالوا: إن تحديد الشرع شيئاً بغاية يدل على أن ما بعد الغاية يخالف ما قبلها في الحكم.
قال رحمه الله: [ولمن له الخيار الفسخ، ولو مع غيبة الآخر وسخطه]: أي: من اشترط وقال: لي الخيار ثلاثة أيام، فله الحق أن يفسخ في أي وقت، ما دام أنه في مدة الخيار، فإذا انتهت مدة الخيار فقد انقطع هذا الحق، فإذا جئت خلال ثلاثة أيام، وقلت: لا أريد، فذلك من حقك، حتى ولو لم تذكر سبباً ما دام أنك حددت بالزمان.
وقوله: (ولو مع غيبة الآخر وسخطه) أي: يستوي إذا كان الآخر حاضراً أو غائباً، فمثلاً: لو أني اشتريت منك سيارة بعشرة آلاف وقلت لك: لي الخيار ثلاثة أيام، مثلاً: السبت والأحد والإثنين، ففي يوم السبت اخترت أنني لا أريد الشراء، فلا يلزمني أن أبحث عنك، حتى أقول لك: لا أريد، بل يكفي أن أشهد عدلين على أني لا أريد الصفقة، فإذا قلت لي بعد ذلك: لا ألغيها لأنك ما جئتني، فحينئذ أرفعك إلى القاضي وأقيم البينة بالشاهدين العدلين على أني أسقطت هذا البيع ولم أوجبه، أو أني فسخته، فيحكم القاضي بذلك.
ثم قوله: (ولمن له الخيار الفسخ) أي: سواءً الطرفان أو أحدهما.
وقوله: (ولو مع غيبة الآخر) أي: لا يشترط في الفسخ أن يكون حاضراً.
وقوله: (وسخطه) أي: قلت له: خلال الثلاثة أيام لا أريد هذه الصفقة، فقال: بل تلزمك، فتقول: لكني قد اشترطت الخيار، فقال: لا أرضى.
فنقول له: يلزمك أن تفسخ العقد ولو كنت ساخطاً.
فلا يشترط رضا الآخر؛ لأن هذا هو المقصود من الشرط: أن يكون لي الخيار تاماً، فسواء رضي أو لم يرض وسواء حضر أو لم يحضر.

الأسئلة

الحالات التي يسقط فيها خيار المجلس

السؤال

ما معنى قول بعض العلماء رحمهم الله: (ويستثنى من خيار المجلس: تولي طرفي العقد، والكتابة، وشراء من يعتق عليه، وإذا اعترف بحريته قبل الشراء) أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: هناك صور للبيع الذي يتولى فيه طرفي العقد شخص واحد، مثل النكاح، فقد يكون الرجل في بعض الأحيان ولياً وزوجاً، وكذا إذا تولى البيع والشراء شخص واحد، كأن اشترى لنفسه وكان وكيلاً عن غيره في البيع.
فمثلاً: لو كان عنده أيتام لهم عمارة فأراد أن يبيعها لهم، ليشتري لهم ما هو أصلح، فعرضها للبيع فرأى أن من مصلحته أن يشتريها، فهو بائع من وجه: من جهة الولاية، ومشترٍ من وجه: من جهة الأصالة، فهو أصالة عن نفسه مشترٍ، وولاية عن الغير بائع، فكيف يكون خيار المجلس؟ لأن البائع والمشتري بالخيار، لكن هنا هو البائع وهو المشتري، فلا يستطيع أن يخرج من نفسه أو أن يفارق نفسه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قيد الخيار بأن يفارق صاحبه إن كان بائعاً أو مشترياً.
فقالوا: إن هذه الصورة لا يكون فيها خيار، فبمجرد إيجابه للبيع يتم.
ثم ذكر بعد ذلك الكتابة بين السيد وعبده، ومعلوم أن العبد لا يملك المال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: (ومن باع عبداً له مال فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع) أي: المشتري، فدل الحديث على أن يد العبد خلو لا تملك المال؛ لأنه إما للبائع وإما للمشتري، والسبب في هذا الكفر؛ لأنه لما كفر وضرب عليه الرق، كان عقوبة له أن لا يملك وأن يكون في حكم المملوكات؛ لأن الله جعل من كفر كالبهيمة وأسوأ ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) [الفرقان:44] فلما أشرك بالله وكفر بالله خرج عن مقام الإنسانية وأصبح في مقام المتاع الذي يباع ويشترى، وما ظلمه الله، بل هو الذي ظلم نفسه.
فالشاهد: أنه أخذ يد العبد عن الملكية.
لكن لو أن رجلاً عنده عبد فأسلم العبد وقال لسيده: أريد أن تكاتبني، والله تعالى يقول: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:33] فهذا العبد يريد أن يعتق نفسه والشرع يفتح أبواب العتق، فكونه رقيقاً يقتضي أن جميع ما يملك ملك لك، فهو إذا كاتبك لا يخرج عن ملكيتك إلا بعد أن يؤدي أنجم الكتابة، ولا يملك المال حقيقة إلا إذا صار حراً، فيصبح في هذه الحالة كأنك تعقد مع نفسك؛ لأن العبد وما ملك ملك لسيده، فعقد الكتابة لو جئت تتأمل لوجدت أنك في الأصل تملك العبد وماله، وهو لم يعتق الآن، فكأنك عندما تكاتبه تكاتب مع نفسك.
وقوله: (شراء من يعتق عليه)، أي: كوالده، فلو أن إنساناً اشترى ذا رحمٍ منه، كوالده ونحو ذلك، فإنه يكون في حكم الحر، وفي هذه الحالة يخلو العقد من حقيقته؛ لأن الصفقة ماضية ماضية، والمالك الذي هو الابن مع أبيه، من عظيم حق الوالد عليه فكأنه يشتري نفسه، ويصبح العقد كأنه في يد الوالد، كأن إيجابه وقبوله للوالد، ولذلك يعتق عليه سواء رضي أو لم يرض، فدل على أن يده خلو من الملكية، فكأن العقد بيد الوالد، فيصبح في هذه الحالة لا إيجاب ولا قبول من حيث الأصل، فلا خيار في هذا.
وقوله: (إذا اعترف بحريته قبل الشراء) كما لو اشترى من كان يقر بحريته، ثم اشتراه.

التواضع وفضله

السؤال

إن التواضع مما يجب أن يتحلى به المسلم، وطالب العلم إلى التواضع أحوج، فهلاّ تفضلتم بتوجيهٍ حول هذا الأمر، أثابكم الله؟

الجواب

التواضع من أجلّ الأعمال التي يحبها الله جل جلاله، ومن تواضع لله رفعه، والتواضع لا يكون إلا بصلاح القلب؛ لأن الله سبحانه وتعالى من حكمته إذا اطلع على سريرة العبد ووجد فيها الخير، أن يظهر ذلك لعباده ويكشفه، وقلَّ أن يغيب عبد سريرة خير أظهرها الله في وجهه ولسانه وفلتات جوارحه وأركانه.
ومن تواضع لله طاب معدنه، وطاب قلبه، وزكت نفسه؛ لأنه يريد الله والدار الآخرة، ولا يتواضع إلا من عرف الله وعرف مقدار نعمة الله جل جلاله عليه، ولا يكون التواضع بالتشهي ولا بالتمني ولا بالتكلف ولا بالرياء، ولا محبة للثناء؛ ولكنه شعور صادق نابع من نفس مؤمنة صادقة موقنة، تريد ما عند الله سبحانه وتعالى.
وأحق من يتواضع العلماء وطلاب العلم، وأهل الفضل والصالحون، خاصة كبار السن، لقربهم من الآخرة، ودنوهم من الأجل، فهم أحق الناس بانكسار القلب لله، وتواضع القلوب لعباد الله، والعلماء يتواضعون لأن خشية الله سكنت قلوبهم، ومحبة الله والذلة له سبحانه وتعالى استقرت في نفوسهم، فأصبحوا لا يريدون في الأرض علواً ولا فساداً، ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:83].
التواضع خلق محمود؛ ولذلك تخلق به رسول الأمة صلى الله عليه وسلم، فكان أكمل الأمة تواضعاً، وأقربهم للناس، حتى إن الناس بين يديه كأنهم هم الملوك وهو بين أيديهم من تواضعه صلى الله عليه وسلم، وكان الصحابة والخلفاء على ذلك، فقد كان أبو بكر رضي الله عنه يمشي في الناس، ويجلس بين الناس ولا يشعر بفضله على عباد الله، وهو خير الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، وأعظمها زلفى وقربى عند الله جل جلاله.
وكان عمر رضي الله عنه وأرضاه مثالاً في التواضع، وكذلك عثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، وهكذا كان أئمة السلف ودواوين العلم.
فقد كان الإمام محمد بن سيرين سيداً من سادات التابعين، وكان إذا جلس بين الناس باسطهم وألفهم وألفوه، حتى كأنهم لا يشعرون أنه عالم، وإذا جن عليه الليل سمع البكاء من بيته، فكانوا يتواضعون لعلمهم بالله، وتعظيمهم لحدود الله، وأنه مما ينبغي عليهم أن يشكروا نعمة الله، فيتواضعوا لعباد الله.
وكان سفيان الثوري الإمام الجليل، والسيد العالم العابد رحمه الله برحمته الواسعة من تواضعه أنه يرفع قدر الفقراء في مجلسه، فكانوا يقولون واشتهر عنه ذلك: (ما كان أرفع الفقراء في مجلس سفيان)، فكان يقربهم إليه، ويباسطهم ويكون أليفاً ودوداً رحيماً بهم، ولذلك ينبغي للمسلم أن يتخلق بخلق الكرماء، الفضلاء، الأتقياء، الحلماء، ومن رزق التواضع فهو خليق به أن يكون قريباً من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟! أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذي يألفون ويؤلفون).
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر على صفحات الماء وهو رفيع ولا تك كالدخان يعلو بنفسه على طبقات الجو وهو وضيع إن كريم الأصل كالغصن كلما يزداد من خير تواضع وانحنى فالرمان والأشجار اليانعة كلما ازدادت من الخير تدلت أغصانها وقربت من القاطفين، وهذا هو شأن أهل العلم والصلاح، وشأن الأخيار المتقين.
ومن الكبر العبوس في وجوه الناس، وعدم إلقاء السلام عليهم، واحتقارهم لألوانهم، أو أحسابهم، أو مناصبهم، أو مراتبهم، أو أشكالهم، أو عاهاتهم، الله الله أن تزدري عباد الله، فإنك إن تواضعت لخلق الله أحبك الله، فإن الله يحب منك أن تتواضع لعباد الله، ولذلك عاتب الله نبيه من فوق سبع سماوات حينما عبس وتولى على الأعمى، وكان جاءه يريد أن يتزكى، فقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:3] * ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:4].
فهذا الذي تراه ضعيفاً عظيم عند الله بإرادة الزكاة، وبإرادة الخير والهدى، ولما أراد وجه الله عظم عند الله، لا لعينه التي ذهب نورها، ولا لحاله وبؤسه وفقره، فانظر إلى الناس بقلوبهم ودينهم، فإذا رأيت أخاك المسلم في المسجد، محافظاً على الصلوات الخمس، ثيابه مرقعة رث الهيئة فأحبه لله وفي الله، وسلمِّ عليه ولو كنت من أغنى عباد الله، فإن الله يحب أن يسمع منك هذه الكلمة، التي تشعره فيها بأخوة الإسلام، وإذا صلى بجنبك فالله الله أن تشيح بوجهك أو تصعر بخدك، أو تشعره بالأنفة أو السآمة أن يجلس بجنبك، وإذا جلس بجوارك الفقير أو صلى بجوارك من هو أضعف منك حالاً فتعامل وكأنك بجوار أغنى الناس وأكثرهم مالاً، واجعل عندك الشعور أنك تصلي أمام أعز الناس إن شعرت أنه ذليل.
إذا فعلت ذلك فإن الله يحبك، فمن كان عنده هذا الشعور تواضع للناس، وأظهر الله من شمائله وآدابه وأخلاقه، قال عدي رضي الله عنه وأرضاه (حين أتى النبي صلى الله عليه وسلم أتاه من الشام، وهو على دين النصرانية، وقد عاتبته أخته السفانة -؛ قال: أتيته فانطلقت معه بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه، فاستوقفه صبي، فوقف له، حتى قضى حاجته، والله ما سئمه ولا مله -صلوات الله وسلامه عليه- فانطلقت معه، فاستوقفته امرأة، فوقف لها حتى قضت منه حاجتها، فقلت: والله! ما هذه إلا أخلاق الأنبياء، فلما دخلت بيته، رمى لي بعرض وسادة، فقلت: ما هذه إلا أخلاق الأنبياء، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله)، ملك صلى الله عليه وسلم العباد بالمحبة والتواضع، فلماذا يتكبر الإنسان؟ إن كان المال، فالله هو الذي أغناه، وإن كان القوة والعزة والصحة والعافية فالله هو عافاه، فمن شكر نعمة الله عز وجل أن يتواضع لعباد الله.
والذي ينبغي للمسلم أراد أن يتواضع أن يكون تواضعه لله، لا من أجل مدح الناس، وأن يستوي عنده مدح الناس وذمهم، ولا ينتظر إلا أن الله يرضى عنه، وأن يرى الله منه أنه اغتنى وما تكبر في غناه، وأنه طلب العلم، وما تكبر في طلبه للعلم.
وآخر ما أختم به هذه الكلمة: أن يتواضع الشباب الأخيار وطلاب العلم لإخوانهم ممن هم دونهم، فهذا أمر مؤكد أن تنتشر الألفة والمحبة بين طلاب العلم، وألا يقع بينهم تنافر أو تكبر، بل ينبغي عليهم أن يتواضعوا وأن يجعلوا هذا العلم رحمة بينهم.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يهدينا إلى سواء السبيل، وأن يعيذنا من منكرات الأخلاق والأدواء، وأن يهدينا لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها سواه.
اللهم إنا نسألك الإخلاص لوجهك الكريم، ورضوانك العظيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

شرح زاد المستقنع -

باب الخيار [3]

من المسائل المترتبة على خيار المجلس وخيار الشرط: مسألة من يملك المبيع أثناء مدة الخيار هل هو البائع أم المشتري؟ وكذلك مسألة النماء المنفصل والمتصل في المبيع لمن يكون؟ ومسألة تصرف أحد المتعاقدين في المبيع مدة الخيار، وغيرها من المسائل.
ومن أنواع الخيار: خيار الغبن، فينبغي معرفة متى يكون لك الحق في هذا الخيار؟ ومتى يثبت وكيف يثبت؟ وما هو الأثر المترتب على ثبوته؟

ملكية المبيع في مدة الخيار

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [والملك مدة الخيارين للمشتري]: شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في بيان بعض الأمور المترتبة على خيار المجلس، وخيار الشرط، ومن ذلك: مسألة ملكية المبيع، فإذا وقع خيار الشرط، أو وقع خيار المجلس، فهل هذا المبيع يكون في مدة الخيار ملكاً للبائع أو ملكاً للمشتري.
والسبب في هذا: أنه لو باع إنسان سيارة مثلاً لرجل آخر، وقال له: بعتك هذه السيارة بعشرة آلاف، فقال: قبلت، فإن قوله: (بعتك بعشرة آلاف) إيجاب، وقول المشتري: (قبلت)، قبول، والعقد مركب من الإيجاب والقبول، فمعناه أن الأصل يقتضي أنه قد تم البيع، ولكن من رحمة الله سبحانه وتعالى وتيسيره على خلقه أن جعل الخيار للمتعاقدين مدة جلوسهما.
فكأن الأصل يقتضي أن البيع قد وجب، وأن الملكية قد انتقلت إلى المشتري، فكما أن البائع قد ملك الثمن كذلك المشتري قد ملك المثمن؛ لأنه قال: بعتك، وقال الآخر: اشتريت، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1] فالأصل يقتضي أن صدور الإيجاب والقبول من الأهل في المحل القابل يتم به العقد، ولكن الخيار جعل فسحة من الله جل وعلا للبائع والمشتري، ولا يتركب إلا على عقد صحيح، فإذا صح عقد البيع لحقه الخيار والمهلة، ومدة الخيار والنظرة لا تقتضي بطلان العقد، ولذلك يقول بعض العلماء: الملك في مدة الخيار للمشتري كما اختاره المصنف وطائفة.
والمُلك والمِلك والمَلك مثلث الميم، وكله صحيح.
وقوله: [مدة الخيارين] أي: ما داما في فسحة الخيارين والخياران هما خيار المجلس وخيار الشرط، فأنت إذا قلت لرجل: بعتك هذه العمارة بعشرة آلاف وأنتما في المجلس، فقال: قبلت، وقلنا: بخيار المجلس، فإن الملك مدة جلوسكما في المجلس للمشتري وليس للبائع.
كذلك في خيار الشرط لو قال له: بعتك هذه السيارة بعشرة آلاف، فقال: قبلت، ثم اشترط وقال: قبلت على أنني بالخيار ثلاثة أيام، فإن الملك في هذه المدة للمشتري ومعنى ذلك أن العقد صحيح، فإنا لا نحكم بخيار على عقد فاسد؛ لأن الخيار إنما يكون في عقد صحيح ماض قد أوجبه المتعاقدان، ولذلك نبه المصنف رحمه الله بهذه الجملة على أن العقد قد تم، وأن نظرة الخيار لا تقتضي إلغاء العقد الأول بين المتعاقدين.

ملكية النماء المنفصل والمتصل بالمبيع

قال رحمه الله: [وله نماؤه المنفصل وكسبه]: [وله] أي: للمشتري، [نماؤه] الضمير عائد إلى المبيع، [المنفصل] أي: دون المتصل.
أصل النماء الزيادة، يقال: نما الزرع إذا زاد وكثر، والنماء يكون في المحسوسات ويطلق في المعنويات، والعلماء رحمهم الله يقولون: نماء المبيع المتصل، ونماء المبيع المنفصل، وهي عبارة يذكرونها في كتاب البيع، وتختلف الأحكام بحسب اختلاف النوعين من النماء.
فالنماء المتصل: هو الذي لا ينفك عن المبيع، مثال ذلك: لو باعك رجل فرساً أو ناقة أو شاة، وكانت هذه الناقة كانت هزيلة حينما اشتريتها منه ثم اعتنيت بها وعلفتها، أو كانت سقيمة فسعيت في علاجها فشفيت بإذن الله عز وجل، فمعنى ذلك أن وضعها سيختلف، وأن حالها سيرتقي إلى الأحسن والأكمل، فلما أحسنت القيام على البعير، والقيام على الفرس، والقيام على الشاة، نمت وازداد حجمها، فحينئذ نقول: هذا نماء متصل؛ لأنه لا يمكنك أن تزيل السمن الذي في الدابة عنها، ولا يمكنك أن تزيل هذا الاستحسان الذي طرأ في بدنها عنها، فهو متصل بها، ولا يمكن فكاكه عنها.
والنماء المنفصل عن المبيع، كرجل يبيعك البستان وله ثمر، فإن هذا الثمر يجنى وينفصل عن المبيع، أو يبيعك ناقة عشراء، أو بقرة أو شاة حاملاً، فإنه بعد مدة قد تضع هذه الناقة أو البقرة أو الشاة حملها، فينفصل النماء عنها.
فيقسم العلماء رحمهم الله النماء في المبيعات إلى قسمين: النماء المتصل والنماء المنفصل.
والسبب في هذا اختلاف الحكم، وتعذر الاستيفاء في أحد النماءين دون الآخر، ولذلك يختلف الحكم في النماء بحسب اختلاف نوعية النماء.
أما سبب ذكر المصنف لهذه المسألة: فلأنك تقول: إن خيار الشرط جائز ومشروع، فلو أن رجلاً اشترى شاة وهي حامل على أن له الخيار شهراً، وفي أثناء الشهر ألقت هذه الشاة ما في بطنها فولدت، فهذا النماء كان متصلاً بالمبيع، ثم أصبح منفصلاً عنه، فحينئذ يرد

السؤال

ما حكم هذه الزيادة لو رد المبيع؟ هل يرد المشتري الشاة فقط؛ لأن العقد إنما كان على الشاة فقط، أم أنه يرد الشاة وولدها؛ لأنه باعه الشاة وفيها الولد؟ كذلك أيضاً ربما اشترى منه شاة وهي ضعيفة هزيلة، فقال له: بعتك هذه الشاة بخمسمائة، فأخذت الشاة، ثم قلت: لي الخيار شهراً أو لي الخيار أسبوعين، ففي مدة الخيار كنت تحلبها وتشرب من لبنها، ثم رجعت وقلت: لا أريد، فهو يقول لك: أنت استفدت من شاتي، واللبن الذي فيها تابع لعقد بيعنا، فما دمت لا تريد الشاة فأعطني قيمة اللبن الذي شربته، وأنت إذا جئت تتأمل تقول: من حقه أن يقول هذا الكلام مبدئيا، ً وله وجه؛ لأن الصفقة إنما كانت على المبيع، وهذا المبيع منه نتاج فينبغي أن يرد المبيع ونتاجه، أو يرد المبيع ويضمن النتاج، ففي هذه الحالة يكون الحق للبائع.
وقد يكون الحق للمشتري، كأن تشتري الناقة هزيلة، فتردها سمينة، وتقول له: يا أخي! قد بعتني هذه الناقة وهي هزيلة ضعيفة، وأوجبنا البيع على مبيع بهذه الصفة الناقصة، وقد اعلفتها وأحسنت القيام عليها، أو داويتها وعالجتها فأعطني حقي ما دمت لا تريد إمضاء البيع، وهذا مما تقع فيه الخصومات والنزاعات بين طرفي العقد (البائع والمشتري) إذا اختار أحدهما في خيار الشرط عدم إمضاء الصفقة.
ومن هنا يعتني العلماء رحمهم الله بهذه المسألة، ومن دقة الفقهاء أنهم إذا ذكروا الحكم ذكروا ما يترتب عليه من مسائل، واعتنوا بما يترتب عليه من مشاكل؛ لأن طالب العلم يحتاج الفقه للفتوى ويحتاجه للقضاء والفصل في الخصومات، فمن هنا يرد السؤال: إذا كان النماء متصلاً أو كان النماء منفصلاً فهو لمن؟ فقال المصنف رحمه الله: [وله] الضمير عائد إلى المشتري، [نماؤه] أي: نماء المبيع يكون للمشتري دون البائع.
[المنفصل] مفهوم ذلك أن المتصل يكون للبائع؛ لأنه يرده، يرد المبيع بحالة أكمل، فقوله رحمه الله: [وله نماؤه المنفصل] أي: للمشتري، وعند العلماء في المتون الفقهية شيء يسمى: مفهوم الصفات أو مفاهيم المتون الفقهية.
وهنا لما قال: [وله نماؤه المنفصل] مفهومه أن للبائع النماء المتصل؛ لأن السلعة تعاد إلى البائع، فقابل رحمه الله المنطوق بالمفهوم، فمنطوق العبارة: للمشتري نماء المبيع المنفصل، ومفهومها: وللبائع نماء المبيع المتصل، إذا ألغيا الصفقة، فأعيد المبيع للبائع؛ لأنه لا يمكن فكه عنه بحال، وكذلك العكس.
[وله نماؤه المنفصل وكسبه] أي: للمشتري في مدة الخيار أن ينتفع بالنماء والزيادة الموجودة في المبيع منفصلة عنه، فيشمل اللبن إذا كان يحلب الشاة، أو يحلب الناقة أو يحلب البقرة؛ لأن هذا الحليب يكون نماءً منفصلاً ملكاً للمشتري دون البائع.
وكذلك (كسبه)، وهو يكون من نتاج ينتفع به ويرتفق، ولو جز صوفها أو نحو ذلك مما ينتفع به كالثمرة الموجودة في البستان، فإنها تكون للمشتري، إذا استفاد منها أثناء مدة الخيار.
لكن لو أن المشتري لم يجز الثمرة، ولم يتصرف بها، وأعاد المبيع كما هو، ثم قال: سآخذ هذا النماء؟ فيقال له: إنما كان لك قبل أن يتبين أن البائع لا يريد البيع، أما وقد تبين أن البائع يريد البيع، فحينئذ ليس لك من النماء المنفصل شيئاً.

حكم التصرف في مدة الخيار

قال رحمه الله: [ويحرم ولا يصح تصرف أحدهما في المبيع، وعوضه المعين فيها بغير إذن الآخر بغير تجربة المبيع إلا عتق المشتري]:

حكم التصرف في المبيع مدة الخيار

قوله: (ويحرم ولا يصح تصرف أحدهما في المبيع) هذه مسألة ثانية تتركب على مدة الخيار، فالآن حينما يبيع البيت، أو يبيع العمارة أو يبيع الحيوان أو يبيع المزرعة، ويكون الخيار للمشتري شهراً، أو شهرين، أو ثلاثة، ففي هذه الحالة خاصة إذا كانت المدة طويلة كالشهر والشهرين، بل حتى الأسابيع، يكون المبيع -سواء كان من العقارات أو المنقولات- محبوساً على الصفقة، فلا يتصرف لا البائع ولا المشتري، لا يتصرف البائع لأنه قد أخرج المبيع عن ذمته بعقد البيع، ولا يتصرف المشتري في المبيع لأن هذا العقد معلق، فحينئذٍ اتفق الطرفان على شرط بينهما، والمسلمون على شروطهم، فينبغي أن يفي كل منهما للآخر، فلو أنه قال له: بعتك هذه السيارة بعشرة آلاف، فقال له المشتري: قبلت، على أن لي الخيار ثلاثة أيام، فإن الصفقة التي هي السيارة لا يجوز للبائع أن يبيعها لطرف ثانٍ؛ لأن الطرف الأول قد رضي بالصفقة، ولا يجوز للمشتري أن يتصرف ببيع هذه السيارة أو هبتها أو أي من التصرفات حتى تتم مدة الخيار، ويمضي الشرط على صورته، فإذا مضت مدة الخيار وتم الشرط بينهما على ما اتفقا عليه، فكل منهما وشأنه فإن كان تمت الصفقة فالمبيع ملك للمشتري، وإن لم تتم الصفقة فالمبيع ملك للبائع، أما أن يتصرف أحدهما مثلاً: لو أنه باعه عمارة، فقال له: بعتك هذه العمارة بمائة ألف أو بمليون، قال: قبلت، قال: ولي الخيار شهراً، فربما جاء قبل نهاية الشهر وقال: لا أريد، وربما جاء الشهر، ومضى وتم، والمشتري يريد الصفقة، فحينئذٍ لو جاء البائع يبيع، ربما باع والمشتري يرغب الصفقة، وكذلك لو جاء المشتري يبيع ويتصرف ربما تصرف والبائع لا يريد إمضاء الصفقة، فتصرف أحد الطرفين في المبيع ببيعٍ أو هبةٍ أو عتقٍ كما يقع في العبيد، أو ذبح الشاة أو نحر الناقة كل هذا مخالف للشرط الذي بين المتعاقدين، والله أمرنا بالوفاء بالشروط، وأمرنا أن يفي المسلم لأخيه المسلم، فليس من الذمة والعهد بين المسلمين أن يخفر المسلم أخاه، فيقول له: بعتك هذه السيارة على أن لي الخيار يوماً أو أسبوعاً، فيتصرف بالصفقة قبل تمام هذا الشرط الذي بينهما، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم، وهو يتعاقد مع المشركين بالشرط: (بل نفي لهم، ونستعين الله عليهم) فإذا كان هذا بين المسلم والكافر، فكيف بين المسلم والمسلم، فحينئذٍ ينبغي لكلا الطرفين أن يعظم الشروط، وعليهم أن يتقوا الله عز وجل، ولذلك يقول عمر رضي الله عنه: (مقاطع الحقوق عند الشروط)، فنحن لم نبع المبيع بيعاً، فلم نبع البيت ولا السيارة، ولا الأرض ولا المزرعة إلا معلقة على شرط، فينبغي أن يفي البائع للمشتري بإعطائه المهلة والنظرة ويفي المشتري للبائع بإعطائه المهلة والمدة، فكل منهم عليه الوفاء، والله تعالى قال في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1] وهذه الآية الكريمة أصل عند أهل العلم، فقوله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) يلزم المسلم أن يفي لأخيه المسلم بما تضمنه العقد، فالعقد الذي بين البائع والمشتري إنما هو عقد معلق بشرط معين، ولا بد من وفاء كل منهم به للآخر، وعلى هذا: لا يجوز أن يتصرف البائع ببيع المبيع أو هبته، أو عتقه ولا يجوز للمشتري أيضاً أن يقول: أنا اشتريت وأعطيت المال، إذاً أبيع وأهب، وأعتق، نقول: لا، لا يجوز لك لأنك أنعمت بيعاً معلقاً، فوجب عليك أن تنتظر هل يئول هذا البيع إلى البت فتتصرف، أو يئول إلى القطع وعدم الإمضاء فترد الحقوق إلى أهلها؛ لأنه من الشرط، والعقد بينكما معلق على هذا الخيار، فيجب على كل واحد منكما أن يفي للآخر على هذا الوجه.
[وعوضه المعين فيها]: وهذه الجملة صدَّرها المصنف رحمه الله بقوله: [ويحرم ولا يصح].
أما (يحرم) فإن من يقدم على التصرف في المبيعات في مدة الخيار، بائعاً كان أو مشترياً فإنه معتد لحدود الله عز وجل؛ لأنه ظلم أخاه المسلم، فمثلاً: إذا كان البائع والمشتري في مجلس واحد، فقال له: بعتك هذه السيارة بعشرة آلاف، فقبل وأعطاه العشرة آلاف، وتم العقد بينهما، فالله قد جعل لكل منهما أن ينظر ما داما جالسين، فلو قال المشتري: يا فلان -يخاطب غيره- اشترِ مني هذه السيارة بأحد عشر ألفاً، فلا يجوز؛ لأنه لم يفترق عن أخيه حتى يتم البيع الأول.
فالمعنى أنه يحرم ولا يصح في مدة الخيار تصرف أحد المتعاقدين بائعاً كان أو مشترياً؛ لأنه يخالف شرع الله عز وجل، فنص المصنف أولاً على الحرمة؛ لأنه ليس من شيمة المسلم أن يكذب على أخيه المسلم وليس من شيمته أن يغشه، ويختله أو يخدعه في بيعه فيقول له: بعتك، ويقول الآخر: اشتريت على أن لي الشرط ويتم البيع بينهما بشرط، فيتصرف قبل تمام الشرط بل على كل منهما أن يتم للآخر شرطه.
وجمع المصنف بين (يحرم ولا يصح)؛ لأنه في بعض الأحيان قد يحرم الشيء ويصح البيع، مثلاً: البيع بعد آذان الجمعة الثاني حرام ولكنه صحيح عند جمهور العلماء؛ لأن الأركان تامة والشروط تامة، وجاء النهي من جهة الوقت والزمان، فهو ليس براجع إلى ذات البيع وإلى ما هو متعلق بعين المبيع ثمناً كان أو مثمناً، فأوجب الصحة.
وعلى هذا يقولون: يأثم والبيع صحيح، فيأثم لأنه باع في وقت لا يأذن الشرع بالبيع فيه، والبيع صحيح لأنه تام الشروط تام الأركان.
فعلى قوله: (يحرم ولا يصح) فإنه إذا تصرف فباع العمارة قبل تمام الشرط فسخ البيع الثاني، ولو تصرف بالعمارة فوهبها لغيره، فسخت هبته ولم تصح، والحكم للبيع الأول، فإما أن يمضي، وإما أن يلغي على حسب ما اتفق عليه المتعاقدان.

حكم التصرف في الثمن المعين مدة الخيار

قوله رحمه الله: [وعوضه المعين فيها بغير إذن الآخر]: (فيها) أي: في صفقة البيع.
سبق في أول كتاب البيع معنى المبيع المعين، والمبيع المعين: أن تقع الصفقة على عين المبيع، فمثلاً: بعتك هذا الكتاب، فإذا قال: بعتك هذا الكتاب، فقد تعين، فلا يصح أن يأتي بكتاب ولو كان مثله وشبيهه تماماً؛ لأن البيع وقع على معين، ولا بد أن يكون الإمضاء على هذا المعين الذي اتفقا عليه؛ لأنه خصص البيع به، فليس بيعاً على موصوف في الذمة، وإنما هو بيع على حاضر أو على معين، فحينئذٍ يلتزم الطرفان بهذا الشيء المعين، فلا يجوز أن يتصرف أحدهما فيه في مدة الخيار.
فمثلاً: لو قال له: بعتك هذا الكتاب بهذه العشرة، على أن لي الخيار يوماً، فيحفظ العشرة بعينها، فإن كانت برأسها -كما يقولون- حفظها برأسها، وإن كانت من فئة الخمسة يحفظ الخمستين بعينهما، ولا يتصرف في عين العشرة فيردها مصروفة مثلاً.
ولو قال لك: بعني هذا القلم بهذه العشرة، فلما قال لك: بعني هذا القلم بهذه العشرة، فالعشرة تعينت، فلو أنك أثناء المجلس، أخذت العشرة ووضعتها وأردت أن تشتري بها شيئاً آخر، فقال لك: يا أخي هذه العشرة عليها خيار، فقلت: سأرد مثلها، نقول: لا يجوز؛ لأن البيع وقع على عينها.
وهذا يدل على دقة الشريعة الإسلامية وحفظها حتى لألفاظ المتبايعين، وهذا يدل أيضاً على أن الشريعة تريد أن تنصف كلاًّ من البائع والمشتري في حقه، لماذا؟ لأني لو قلت: بعتك بهذه العشرة، فمعناه أنها بعينها، فإن كانت مصروفة فمصروفة، وإن كانت غير مصروفة وكانت كاملة برأسها فهي كاملة؛ لأنها إذا كانت كاملة برأسها فصرفها فيه مشقة، والعكس: فحينما يقع البيع على شيء معين، ينبغي أن يتقيد بذلك الشيء المعين، ولذلك لو جئت إلى (الصيدلية) مثلاً وقلت له: بكم تبيعني هذا الدواء، قال: أبيعك إياه بعشرة ريالات، فأعطيته العشرة ثم أخذت الدواء فوجدت فيه عيباً، فجئت ترده قال لك: أعطيك بدلاً عنه، ولا أرد لك المال، فليس من حقه؛ لأن البيع وقع على معين، ولم يقع على موصوف في الذمة، لكن لو أعطيته الورقة التي فيها وصفة الطبيب فالتزم أن يحضر لك ما تنطبق عليه صفات هذه الوصفة، فقد وقع البيع على موصوف في الذمة.
وبناءً على هذا: إذا وقعت الصفقة بين المتبايعين على شيء معين، ينبغي أن يرد العين، ولا يتصرف في عينه؛ لأن بعض الأشياء إذا عينت وحددت وجاء الشخص ببدل عنها، لم يرض الناس بالبدل، ولو كان مثله.
فهو مثلاً يريد هذا الشيء بعينه، ويريد هذا الكتاب بعينه، فليس من حقك أن تتصرف فتأتي له بمثله.
فلو باعك نسخة من صحيح البخاري بمائة ريال، فقلت: قبلت على أن لي الخيار ثلاثة أيام، وهو أيضاً له الخيار ثلاثة أيام، فتم البيع بخيار شرط، فالنسخة هذه من صحيح البخاري التي لونها أخضر، وبهذه الصفات المعينة المحددة، لو أنك جئت بمثلها قبل تمام الثلاثة أيام وقلت: لا أريد هذا البيع وهذه نسخة مثل نسختك؛ فليس من حقك، بل عليك أن ترد له عين النسخة؛ لأن الشريعة تعظم العقود، والعقد الذي وقع بينكما وقع على معين، فإما أن يمضي على هذا المعين، وتوجبا وتمضيا ويختار كل منكما إمضاء البيع، وإما أن يرد كل واحد منكما للآخر عين ما أخذ منه، وهذا معنى قوله: (المعين)، لكن لو كان في غير المعين، فالأمر فيه أيسر وأخف مما عينه وأوجب العقد عليه.
[بغير إذن الآخر]: أي: لا يجوز أن يتصرف في المبيع بدون إذن الآخر، فمثلاً عندما يبيعه العمارة، ويؤجرها، يقول له: بعتك هذه العمارة بعشرة آلاف، فقال: قبلت بشرط أن لي الخيار شهراً، فتم البيع على أن كلاً منهما له الخيار، فالمشتري اشترط الخيار، والبائع قال: وأنا كذلك لي الخيار، فخلال الشهر لا يجوز أن يؤجر العمارة، ولا يجوز أن يتصرف بالعمارة، دون أن يستأذن المالك الحقيقي لها، ويحرم ولا يصح، فهذا التصرف لا يجوز بغير إذن الآخر، فإذا أذن له فلا إشكال؛ لأنه حق له إن شاء ألزمه بحفظه ورده وإن شاء أذن له أن يأخذه فالمال ماله.

جواز تجربة المبيع في مدة الخيار

قال رحمه الله: [بغير تجربة المبيع]: تجربة المبيع المراد بها أن يأخذ العينة يجربها هل هي صالحة له أو لا، بل إن بعض الخيارات في الشرط يقصد منها تجربة المبيع، فأنت مثلاً إذا باعك رجل سيارةً فقلت له: اشتريتها بشرط أن لي الخيار ثلاثة أيام، فإنك تنوي خلال الثلاثة الأيام أن تذهب بها إلى خبير يكشفها ويفحصها، وتسأل من له علم ومعرفة بالسيارات هل هذه القيمة تصلح وتليق لقاء هذا المبيع أو لا، فأنت تريد أن تشاور.
بل حتى خيار الشرط حينما نظرنا في حديث حبان رضي الله عنه، وجدناه مبنياً على المشاورة، فكونك تأخذ المبيع وتجربه هذا من حقك؛ لأن أصل الخيار إنما هو من أجل أن تختار خير الأمرين، وتنكشف لك حقيقة المبيع، هل هو مما يرغب فيه، أو مما لا يرغب فيه؟! وعلى هذا يجوز لك أن تجرب المبيع، فلو ركبت السيارة وأسرعت بها من باب تجربتها ومن أجل أن تفحص فيها سرعتها وما فيها من آلات هل هي مريحة أو غير مريحة فلك ذلك؛ لأن رؤية الشيء ليس كتجربته وعلى هذا: فلو أخذ القلم وكتب به، فهذه تجربة، وهكذا لو ركب السيارة فهذه تجربة، لكن بشرط أن يكون التصرف من المشتري في المبيع على وجه المعروف، فلو كان لا يحسن قيادة السيارة، وقادها وهو لا يحسن القيادة فأتلف ما فيها، أو تسبب في تعطيل بعض المصالح الموجودة في المبيع، فإنه حينئذٍ يضمن لو تصرف على هذا الوجه، ويجب عليه أن يصرف ذلك إلى من له خبرة وله معرفة، ويقول: يا فلان! جرب لي هذه السيارة، أو يا فلان جرب لي هذا المبيع، ولا يقوم بنفسه؛ ضماناً لحقوق الناس، وصيانة لها من الضرر.

حكم العتق في مدة الخيار

قال رحمه الله: [إلا عتق المشتري]: فلو أن رجلاً باع عبداً، فاشتراه الآخر على أن له الخيار، فهذا الخيار يقتضي أن العبد يبقى مدة الخيار خالياً من التصرف من المشتري، فإذا أقدم المشتري وتصرف فأعتق العبد، فيقول المصنف في أول العبارة: [ويحرم ولا يصح]، فقوله: (ولا يصح) معناه لا ينفذ؛ لأن الصحة ضابطها عند العلماء ترتب الأثر على الشيء، فإذا قلت: صحت الصلاة فأثر ذلك أنه لا يعيدها بحيث تبرأ ذمته منها، وكذلك أيضاً يترتب الأثر من حصول الثواب الأخروي، فإذا قلنا: (لا يصح) فمعناه أنه لا يترتب الأثر، فإذا وهب، قلنا: لا تصح الهبة، ولو باع لم يصح البيع.
فإذاً: معنى ذلك أنه لا يترتب الأثر على التصرف الذي يتصرفه أحد المتعاقدين في السلعة، إلا إذا كان التصرف عتقاً، فإن العتق لا يمكن تداركه، ولذلك لو هزل في العتق فقال لعبده: أنت حر، نفذ ومضى عليه: (ثلاث جدّهن جدّ، وهزلهن جدّ)، ولذلك قال عمر: (أربع جائزات إذا تكلم بهن: النكاح، والطلاق، والعتاق، والنذر)، فلو كان يمزح مع عبده فقال له: أنت حر، فإن هذا مما لا يمكن تداركه.
ونحن أثبتنا أولاً قاعدة: وهي أن المبيع في مدة الخيار في ملك المشتري، فإذا جاء المشتري واجترأ على حدود الله، فأعتق العبد في مدة الخيار، فالحكم أنه يمضي العتق؛ لأنه ورد على ملكه، ولأنه لا يمكن تدارك العتق، وقال بعض العلماء: العتق لا ينفذ، والسبب في هذا: أنهم لا يرون أن المبيع في مدة الخيار ملك للمشتري، فكأنه أعتق مال غيره، ومن أعتق عبد غيره أو أمة غيره فلا ينفذ العتق إجماعاً، وهذا حكاه ابن هبيرة وغيره.
وكنت أقول: إن العتق لا ينفذ؛ ولكن بعد التأمل وبعد النظر ظهر لي رجحان ما قاله المصنف رحمه الله من أن العتق ماضٍ ولا يمكن تداركه، ويضمن له إما بالقيمة وإما بالمثل على الأصل المعروف في باب الضمانات، وعلى حسب ما يريد مالك الرقبة الأصلية.

إسقاط الخيار وفسخه وبطلانه

قال رحمه الله: [وتصرف المشتري فسخ لخياره]: المصنف رحمه الله جاءنا بثلاث جمل بعضها مرتب على بعض: فقد بيّن مسألة ملكية المبيع أثناء مدة الخيار، وأنه لا يجوز أن يتصرف أحدهما في المبيع لا البائع ولا المشتري في مدة الخيار، ثم بين ما يترتب على التصرف لو وقع، فهذه ثلاثة أشياء بعضها مرتب على بعض، ثم ذكر رحمه الله هذه الجملة وهي أيضاً تابعة لما قبل فقال رحمه الله: [وتصرف المشتري فسخ لخياره]: والمعنى أن المشتري إذا تصرف فسخ خياره، وإذا تصرف في المبيع فقد أفسد الخيار ورفعه، فكأنه حينما تصرف أسقط حقه؛ لأن الإسقاط إما بالقول وإما بالفعل، وقد سبق وأن نبهنا وقلنا: إن الخيار يمكن لكلا الطرفين أن يسقطه أثناء المدة، فمثلاً: لو أنني اتفقت معك على أننا بالخيار ثلاثة أيام، ثم اتفقنا على إمضاء البيع وإسقاط الخيار بعد يوم، فإنه إذا مضى اليوم تم البيع، وحينئذٍ لا يلزمنا أن ننتظر إلى الثلاثة أيام، فإذاً: معنى ذلك أنه إذا اتفق الطرفان على إسقاط الخيار فإنه.
فلو قال: بعني هذه الأرض بمائة ألف قال: قبلت، على أن لي الخيار شهراً، قال المشتري: وأنا أيضاً لي الخيار شهراً، فالبيع بينهما معلق على خيار لمدة شهر، فقبل تمام الشهر، بل ولو بعد ساعة من العقد واتفقا على أنهما يمضيان البيع، ويرفعان ما اتفقا عليه من الخيار، كان لهما، لكن بشرط أن يتفق الطرفان، فكما أن لهما أن يثبتا ذلك الخيار، فمن حقهما رفع الخيار.
لكن لو أن أحدهما أسقط خيار نفسه فهل يسري الإسقاط إلى خيار الآخر؟

الجواب

لا، فأنا لو قلت لك: بعتك هذه العمارة بعشرة آلاف، فقلت: قبلت على أن لي الخيار شهراً، قلت: وأنا أيضاً لي الخيار شهراً، فجئت وقلت: يا فلان! إني قد أتممت الصفقة -والخيار قد عدلت عنه والذي اخترته إمضاء الصفقة وكان هذا في اليوم الثاني- حينئذٍ أسقطت الخيار الذي لي، وأصبح البيع لازماً لي؛ لكن تبقى أنت على خيارك شهراً كاملاً، ففي هذه المدة لو أنني مت، وبقيت أنت فإنك تبقى على خيارك شهراً إن شئت أمضيت وإن شئت ألغيت.
وقد تقدم أن إسقاط الخيار يكون بالقول ويكون بالفعل، فلو أن المشتري تصرف في المبيع، فإن دلالة الفعل تنزل منزلة القول، ولذلك ذكرنا في بيع المعاطاة أن الأفعال تقوم مقام الأقوال، وأنها دالة -إذا لم تكن محتملة- وكانت صريحة في الدلالة تدل كما تدل الأقوال على ما تتضمنه من دلائل، فمثلاً: لو أن رجلاً أخذ منك العمارة على أنه بالخيار ثلاثة أيام، وجاء خلال الثلاثة أيام وتصرف تصرفاً ما، بهبة أو نحوها فهذا يدل على أنه قد أمضى البيع، ورضي بإتمام البيع، فكأنه يقول: أسقطت خياري، أو لا خيار لي، وعلى هذا قال: [وتصرف المشتري فسخ لخياره].
قال رحمه الله: [ومن مات منهما بطل خياره]: أي: إذا باعه سلعة على أنهما بالخيار أسبوعاً أو ثلاثة أيام، ثم مات أحدهما خلال المدة، فإنه يبطل الخيار في حقه ويبقى الخيار في حق الآخر، فالمصنف رحمه الله قال: (بطل خياره) والضمير عائد إلى الميت، ومفهوم ذلك أنه لا يبطل خيار الطرف الثاني؛ كما ذكرنا في المسألة الأولى أنه إذا أسقط أحدهما خياره فليس من حقه أن يلزم الآخر بإسقاط الخيار.
وقد اختلف العلماء هل يرث الورثة الخيار، أو لا يرثون؟ فبعض العلماء يرى أن الورثة يرثون، وهذا القول قواه غير واحد، وقالوا: إن الملكية للأموال تنتقل إلى الورثة، ولذلك لا يتصرف المريض مرض الموت في ماله إلا في حدود الثلث، وكأن المال قد صار في حكم الملكية للورثة، وعلى هذا قالوا: كما أنهم يرثون العين يرثون الاستحقاقات، ومن الاستحقاقات الشفعة والخيار، ونحوها من الأمور التي يكون فيها حق للميت، فتنتقل إلى ورثته؛ لأنهم كما يستحقون المال بعينه يستحقونه بوصفه، ويستحقون العقد عليه إذا كان مرتباً على شرط بذلك الشرط الذي أوجبه مورثهم، فهم يملكون الخيار، فعلى هذا القول: يبقى الخيار للورثة إن شاءوا أمضوا الصفقة وإن شاءوا ألغوها.

خيار الغبن ومشروعيته

قال رحمه الله: [الثالث: إذا غبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة]: النوع الثالث من الخيار: إذا غبن في المبيع.
فالمصنف رحمه الله قال في الخيار: وهو أقسام، وذكر خيار المجلس ثم خيار الشرط، وهذا القسم الثالث وهو خيار الغبن.
والغبن لا يكون إلا بخديعة وهو نوع من أنواع الإضرار التي تقع في البيوعات، ومن دقة هذه الشريعة وشموليتها أنها استدركت أخطاء الناس فيما يمكن فيه الاستدراك، فهناك أخطاء تقع في البيع توجب فساد البيع ولا يمكن استدراكها ويفسد البيع بوجودها، فهناك أخطاء لا توجب الفساد ويمكن استدراكها بإعطاء من له الحق أن يختار الإمضاء أو عدم الإمضاء.
ووجه إدخال الغبن في الخيار أنه لو باعه وغبنه فإن المشتري يشتري بحسن نية، وهو لا يدري بالخديعة، فإذا اشترى الدار على صفة يظنها من بيع المسلم للمسلم، أي: ليس فيها غبن ولا فيها غش ولا ختل؛ فإن معنى ذلك أنه سيعطي الحق على هذه البراءة، فإذا تبين أن هناك غشاً أو غبناً أو نجشاً قصد منه استثارته، فحينئذٍ يبقى الحق لهذا المسلم، إما أن يمضي الصفقة ويختار أجر الآخرة، والله سبحانه وتعالى يعوضه، وإما أن يطالب بحقه، فالشريعة تبين حكم الحق في مثل هذا، فكأنه يخير بين الأمرين، بين أن يمضي الصفقة وبين أن يطالب بحقه، أو يفسخ البيع، فهذه ثلاثة خيارات: تارة يقول: سامحه الله قد غفرت لأخي وهذا لا شك أنه أعظم أجراً وأعظم ثواباً للمسلم.
وتارةً يقول: أنا أريد هذه الصفقة؛ ولكن هذا النقص الذي غبنت به وهذا الظلم الذي ظلمني به أريد حقه وقسطه.
وتارةً يقول: لا أريد أن أشتري هذه الصفقة بهذا النقص، أو يرى أنه لما خدعه وختله أنه لا يتعامل معه، فيكره التعامل معه ويقول: لا أريد الصفقة، وأريد مالي.
مثال: باعه سيارة مغشوشة، فإذا اكتشف هذا الغش فمن حقه أن يمضي الصفقة ويختار أجر الآخرة، ومن حقه أن يلغي الصفقة كاملة ويطالب بحقه كاملاً، ومن حقه أن يطالب بالأرش ومقدار النقص الذي يستوجبه هذا العيب.
كذلك أيضاً إذا غبنه فأدخل رجلاً يزيد في ثمن هذه السلعة وهو يظن أن هذا منافس شريف وأنه يرغب في السلعة، فنظر إليه فإذا به رجل من أهل السوق وأهل المعرفة والخبرة، فقال: لا يمكن أن هذا الرجل الذي له خبرة ومعرفة يزيد في هذه السلعة إلا وهي تستحق، فزاد فيها، ثم تبين أن هذا الرجل قد غشه وكذبه وأن البائع قد أضر به بغبنه على هذا الوجه، فهنا نقول: أنت بالخيار في هذا البيع؛ لأنه ليس على ظاهره من بيع السلامة، وبيع المسلم لأخيه المسلم الذي لا غش فيه ولا خديعة ولا غبن، وإنما هو من البيوعات التي لا يحبها الله ولا يرضاها، فلا بد وأن يضمن حق المبيع.
فدخلت الشريعة بين البائع والمشتري للفصل في هذه المظلمة ورد الحق للمشتري، وهنا يكون الخيار للمشتري؛ ولكن في خيار الشرط قد يكون للمشتري وقد يكون للبائع وقد يكون لهما معاً كما بينا، وفي خيار المجلس يكون للطرفين، فالخيارات تختلف بحسب اختلاف أنواعها.
فقال رحمه الله: [الثالث: إذا غبن] أي: النوع الثالث أو القسم الثالث من أقسام الخيار: الغبن.

الغبن الذي يثبت به الخيار

قال رحمه الله: [إذا غبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة]: كما إذا جئت إلى بائع الطعام فقال له: بكم هذا الحب بكم الكيلو بكم الصاع، قال: الصاع من هذا بثلاثين، فقلت: أريد صاعاً، فأنت حينما دفعت الثلاثين دفعتها على أن الصاع يباع في السوق على المعروف والعادة بثلاثين، فلم تكاسر ولم تساوم؛ لأنك تظن أن السوق مستقر على هذا الثمن.
فلما أخذت الصاع بثلاثين تبين أنه يباع بعشرة، فقد ظلمت بعشرين، فمن حقك في هذه الحالة أن تطالب بما ظلمك به ومن حقك أن ترد الصفقة، ولذلك يقول العلماء: إن الغبن يوجب الخيار بوجود الخديعة من البائع للمشتري، فسكوت المشتري عن المكاسرة والمساومة يدل دلالة واضحة على أنه ما رضي بهذه القيمة إلا لأن السوق مستقر عليها، فإذا تبين أن السوق مستقر على ما دونها كان من حقه أن يطالب.
يبقى النظر في مسألة: وهي أن هذا النوع من الخيار يفتقر إلى إثبات أن المشتري ظلم، وهذا يتوقف على أهل الخبرة، فإن باعه طعاماً رجعنا إلى سوق الطعام وسألنا اثنين من أهل الخبرة على أنها شهادة، وبعض العلماء يقول: واحد من أهل الخبرة يكفي ثم نسأل: هل هذه القيمة غبن فاحش أو غبن يسير، فإن قالوا: هذه القيمة غبن فاحش رد الحق إلى صاحبه، وإن قالوا: غبن يسير، مثلاً الصاع بعشرة، باعه الصاع بعشرة ونصف، أو باعه الصاع بأحد عشر، والريال شيء يسير، ولو كان في العرف الريال له قيمة، والنصف ريال له قيمة، فإنه يعتبر غبناً فاحشاً.
إذاً: الأمر يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فعندما يأتي عامل ضعيف، الريال عنده بمثابة المائة والألف عند الغني والثري، فنجد غبن العامل والضعيف الذي لا يملك المال إلا بجهد والفقير الذي لا يجد المال إلا بتعب ومشقة؛ ليس كغبن الغني والثري، فإذاً: يختلف الأمر باختلاف الأشخاص من هذا الوجه، ويختلف باختلاف الأزمنة، والأموال في الأزمنة تتفاوت.
وعلى هذا: يرجع إلى أهل الخبرة، ويسألون عن هذا الغبن.
فقيد المصنف الغبن بالفحش، وهو الذي يعظم فيه الضرر، أما لو كان الغبن يسيراًَ، فالبيوع تقوم على المنافسة وعلى الأخذ والعطاء، فالشيء اليسير مغتفر، مثل أن يبيعه البيت بعشرة آلاف ومثله يباع بتسعة آلاف وخمسمائة، أو يباع بتسعة آلاف، ويكون المقصر هو المشتري، وكان ينبغي أن يكاسر أو يساوم.
لكن إذا كان الغبن فاحشاً فإنه لا يغتفر، مثلاً: لو جاء إلى معرض سيارات، فوجد السيارة تباع بخمسة آلاف، فاشتراها بعشرين ألفاً، أو اشتراها بخمسة عشر ألفاً، أي بثلاثة أضعاف قيمتها، وأثبت للقاضي بشهادة أهل الخبرة أنها تباع بخمسة آلاف ريال، فالقاضي يحضر صاحب المعرض ويطالبه بضمان الحق لصاحبه.
فهذا خيار الغبن، ويتوقف على معرفة الظلم، وأن البائع قد اغتنم غفلة المشتري وأضر به ببيعه على غير سنن المسلمين، فيضمن البائع للمشتري حقه من هذا الوجه.
قال رحمه الله: [غبناً يخرج عن العادة]: يغبنه (غبناً) فعل مطلق [يخرج عن العادة]، العادة سميت عادة من العود والتكرار،، وكأنه إذا كانت الصفقة تباع بخمسة آلاف في السوق، فإن البيع يتكرر على هذا الثمن، فأصبحت عادة الناس أن يشتروها بهذا الثمن، والعادة يحتكم إليها، وهي العرف، لكن بعض العلماء يقول: العرف، وبعضهم يقول: العادة، والمعنى واحد، والقاعدة عند العلماء وهي إحدى القواعد الكلية الخمس (العادة محكّمة) أي: أنه يحتكم إلى عوائد المسلمين، ولها ضوابط وقيود ذكرها العلماء رحمهم الله في كتب قواعد الفقه: فأولاً: يشترط في العادة أن تنضبط.
وثانياً: ألا تكون مخالفة للشرع، ولا يكون هناك مصادمة للشرع، فلو اعتادوا أمراً محرماً لم تكن عادة يحتكم إليها.
وعلى هذا: فالغبن يحتكم إلى العادة أي: عادة السوق، وهذا كما قلنا يفتقر إلى شهادة أهل الخبرة.
مثلاً: لو أنه باعه السيارة بخمسة عشر ألف ريال، وهذه السيارة تباع بخمسة آلاف ريال، أو سبعة آلاف ريال، أو ثمانية آلاف ريال، لغالب الناس، وتباع بعشرة وخمسة عشر لأهل البذخ والإسراف، فحينئذ عندك عادتان: عادة مستقرة للعقلاء والذين يحتكم إلى مثلهم.
وعادة لمن لا يعبأ بأمثالهم، وهم أهل البذخ واليسار، الذين لا يبالون بالمال، فمثل هؤلاء لا تعتبر عادتهم، ولا يعتبر وجود مثل هذه الصفقات، وهكذا في الإجارة -كما سيأتينا- لو أجره داره، وكان مثلها يؤجر بألف، فأجره بخمسة آلاف كما يقع في بعض المواسم، فيظلم المستأجر بجهله بالسوق، ويأتي بمن يستأجر في المواسم ويغتنم جهله بالمكان وجهله بقيمة المكان ليزيد زيادة فاحشة عن المثل، فحينئذ يكون له خيار الغبن؛ لأن الإجارة تتفرع على البيع، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله: [بزيادة الناجش]: وهي الاستثارة، والنجش مأخوذ: من قولهم: أنجش الصيد إذا استثاره، ومعلوم أن الصيد إذا كانت الفريسة في مكان فأثيرت فإنه يسهل صيدها عند التحريك وعند إثارتها، كأن يكون مع الإنسان كلب للصيد، أو جارحة كالصقر ونحوه فيستثير هذا الحيوان حتى يتمكن منه، أو يكون في موضع لا يستطيع أن يصيده، فينجشه ويرميه بحجر حتى يخرج عن هذا الموضع إلى موضع يمكن أن يصيده فيه.
فالمقصود: أن أصل النجش الاستثارة والتحريك، ومعنى هذا أن يأتي رجل ويزيد في السلعة -كما ذكرنا- فيراه الغير ويظن أن السلعة لها قيمة، فلا يزال ينافسه ظاناً أنها تستوجب هذه القيمة، والأمر كله خدعة وغش وختل، فإذا ثبت عند القاضي أن الرجل زاد في السلعة من أجل أن يرغب الغير ويخدعه، كان من حق المشتري أن يطالب بالخيار.
قال رحمه الله: [والمسترسل]: المسترسل هو الشخص الذي يشتري الأشياء ولا يكاسر ولا يساوم فيها، فمثل هذا إذا زيد عليه زيادة فاحشة، فإنه يكون في حكم من غبن، ويكون من حقه أن يطالب بدفع الضرر عنه بهذه الزيادة، والضابط في هذا -كما ذكرنا- وجود الزيادة الفاحشة، أما الزيادة اليسيرة والشيء اليسير، فإن شأن البيوعات لا تخلو من وجود غبن إما في حق البائع، أو في حق المشتري، ولذلك لا يعتبر مثل هذا الغبن موجباً للخيار، إذا كانت الزيادة يسيرة.

الأسئلة

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
حكم البراءة من العيوب التي يعلمها المشتريالسؤالالجوابمدى صحة قولهم: (البضاعة لا ترد ولا تستبدل)السؤالالجوابالفرق بين (الفساد) و (البطلان)السؤالالجوابباب الخيار [1]تعريف الخيار وأنواعه وحكمة مشروعيتهأقسام عقود المعاملاتالعقود التي يدخلها الخيار والتي لا يدخلهاالسؤالالجوابالأسئلةخيار المجلس في البيع عن طريق الهاتفالسؤالالجوابحكم بيع الدين بأقل منهالسؤالالجوابحكم إسقاط الخيار في المضاربةالسؤالالجوابالفرق بين الجعالة والإجارةالسؤالالجوابأحوال السقط وحكم الدم الذي يخرج بعدهالسؤالالجوابحكم وضع الجوائز مع السلع المباعةالسؤالالجوابباب الخيار [2]الخيار وأهميتهخيار المجلس تعريفه ومشروعيته وأحكامهالعقود التي يثبت فيها خيار المجلسلمن يثبت خيار المجلس ومتى ينتهيإسقاط خيار المجلسخيار الشرط ومدتهوقت خيار الشرطابتداء وانتهاء خيار الشرطالعقود التي يثبت فيها خيار الشرطالغاية في خيار الشرطالأسئلةالحالات التي يسقط فيها خيار المجلسالسؤالالجوابالتواضع وفضلهالسؤالالجوابباب الخيار [3]ملكية المبيع في مدة الخيارملكية النماء المنفصل والمتصل بالمبيعالسؤالحكم التصرف في مدة الخيارحكم التصرف في المبيع مدة الخيارحكم التصرف في الثمن المعين مدة الخيارجواز تجربة المبيع في مدة الخيارحكم العتق في مدة الخيارإسقاط الخيار وفسخه وبطلانهالجوابخيار الغبن ومشروعيتهالغبن الذي يثبت به الخيارالأسئلة
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل