شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 1-10
أهل الأثرالأرشيف العلمي

شرح زاد المستقنع -

باب التيمم [2]

التيمم رخصة شرعية، شرعها الله ورسوله، وأجمع عليه على ذلك العلماء، وله شروط وأركان ومبطلات، شأنه في ذلك شأن بقية العبادات، وهذه كلها قد نص عليها العلماء وبينوها.

حكم التيمم بتراب ليس له غبار

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ويجب التيمم بتراب طهور له غبار] قصد المصنف رحمه الله أن يبين بهذه العبارة الشيء الذي يَتيمم به المكلف، وهذا مناسب لما قبله؛ لأنك إذا بينت الحالات التي يجوز فيها التيمم والحالات التي لا يجوز فيها التيمم؛ سيسألك السائل إن كان من أهل التيمم بماذا يكون التيمم؟ فناسب بعد بيان حالات التيمم أن يبين الشيء الذي يحصل به التيمم، وتتحقق به طهارة التيمم وهو المتيمم به.
فقال رحمه الله: (ويجب التيمم بتراب له غبار) خص المصنف رحمه الله التيمم بالتراب على ظاهر ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (جعلت لي الأرض مسجداً، وتربتها طهوراً) أي: جعلت التربة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم طهوراً.
قالوا: دل هذا الحديث على أن التراب يُتَيمم به، وهذا مستفاد من ظاهر آيتي النساء والمائدة ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:6].
وإذا ثبت أن التراب يُتيمم به بدلالة نص الكتاب والسُّنة؛ فإن العمل عند أهل العلم على ذلك، وليس هناك خلاف بين أهل العلم رحمهم الله في أن التراب يُجزئ في التيمم، ولكن الخلاف بينهم في مسألتين: الأولى: هل يشترط له غبار؟ والمسألة الثانية: هل ينحصر التيمم في التراب الذي له غبار؟ فأما بالنسبة لكونه يتيمم بالتراب الذي له غبار؛ فهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم رحمة الله عليهم، وذلك على ظاهر نص الكتاب ونص السُّنة، وأجمع عليه العلماء رحمة الله عليهم، وأما اشتراط أن يكون له غبار أو لا يكون، فهذه مسألة خلافية بين أهل العلم رحمهم الله: أصحها أنه لا يشترط أن يكون له غبار، وذلك لعدم ثبوت دليل في الكتاب والسُّنة يدل صراحة على اشتراط أن يكون التراب له غبار.
والذين اشترطوا أن يكون التراب له غبار قالوا: إن قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:6] الوصف بالطيب يقتضي أن يكون على ذلك، وهذا مردود، فإن الوصف بالطيب المراد به طهارته من النجاسة، فلا يُتيمم بتراب نجس، ثم إننا نقول: إنه لو خُص التراب بما له غبار لخالف ذلك مقتضى الرخصة، فإن كثيراً من الأرض فيها أماكن رمال لا غبار لها كما قرر العلماء ذلك، فلو قلنا: إن التيمم لا يحصل إلا بتراب له غبار لأجحف بالناس، ففي بعض الصحاري ربما تسير يوماً كاملاً ولا ترى أرضاً لها غبار.
والمسألة الثانية -وهي: حصر التيمم في التراب- فأصح الأقوال: أنه يجوز التيمم بكل ما على وجه الأرض، فيجوز لك أن تتيمم بتراب له غبار، وبتراب لا غبار له، وكذلك أيضاً تتيمم بالحجر ونحوه مما هو من جنس الأرض كالجص والنورة ونحو ذلك، فلا حرج أن تتيمم به؛ وذلك على ظاهر قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:6] والصعيد كل ما صعد على وجه الأرض، فلو أن إنساناً أراد أن يتيمم ولم يجد التراب، وإنما وجد حجراً صح له أن يتيمم بالمسح عليه؛ وذلك أن الله تعالى قال: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:6] والنبي صلى الله عليه وسلم وصف المدينة بكونها طَيْبَة مع أن أكثرها حِرَار، وهذا الدليل انتزعه الإمام ابن خزيمة رحمه الله -كما أشار إليه في صحيحه- من ظاهر السُّنة، فإن الله وصف المُتَيمم به بكونه صعيداً طيباً، والنبي صلى الله عليه وسلم وصف المدينة بكونها طيبة مع أن أكثر أرضها (حرار)، وقد ثبت في الحديث (أُريت دار هجرتكم أرضاً ذات نخل بين حرتين) إذا ثبت هذا فيجوز لك أن تتيمم بالتراب وبغير التراب مما صعد على وجه الأرض؛ لكن يشترط أن يكون طاهراً، فلا يتيمم بنجس، فلو كان التراب نجساً لم يصح أن يتيمم به؛ والسبب في التعميم -كما قلنا-: أن قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:6] يعتبر دالاً على العموم، فالصعيد كل ما صعد على وجه الأرض والأصل في العام أن يبقى على عمومه حتى يرد ما يخصصه.
والذين قالوا بتخصيص التيمم بالتراب؛ استدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام: (جعلت لي الأرض مسجداً، وتربتها لنا طهوراً) والاستدلال بهذا الحديث يُردُّ من وجهين: الوجه الأول: أنه استدلال بمفهوم اللقب، ومفهوم اللقب ضعيف على القول الراجح عند الأصوليين، وتوضيح ذلك: أنه عليه الصلاة والسلام قال: (جعلت تربتها لنا طهوراً) فمفهوم قوله: (تربتها) أن غير التربة لا يعتبر طهوراً، وهذا كما قلنا من مفهوم اللقب؛ لأن مفهوم المخالفة عشرة أنواع: الصفة، والشرط، والعلة، واللقب، والاستثناء، والعدد، وظرف الزمان، وظرف المكان، والحصر، والغاية، وقد جمعها ابن عاصم رحمه الله في قوله: صف واشترط علل ولقب ثنيا وَعُدَّ ظرفين وحصر إغيا فقال: صف واشترط علل ولقب (لَقِّب) مفهوم اللقب.
فقوله: (تربتها) الاستدلال به على التخصيص من باب الاستدلال بمفهوم اللقب، وهو ضعيف عند الأصوليين.
أما بالنسبة للوجه الثاني في رد هذا الاستدلال: فهو مسلك بعض العلماء حيث قالوا: إن ذكر أحد أفراد العام.
وثبوت الحكم له لا يقتضي تخصيص الحكم به، فإن النصوص التي في الكتاب عامة ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:6] وهذا الحديث ذكر فرداً من أفراد العام وهو التراب، والقاعدة: (أن ذكر بعض أفراد العام لا يقتضي تخصيص الحكم به) فنقول: نص النبي صلى الله عليه وسلم على التربة، وذلك من باب ذكر أفراد العام الذي لا يقتضي تخصيص الحكم بذلك الفرد.
ومن أدلتهم على تخصيص التيمم بالتراب الذي له غبار حديث: (ضرب بيديه الأرض ومسح بهما وجهه وكفيه)، فقالوا: لا معنى للضرب إلا لطلب الغبار، وهذا كما قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في بعض ما يُجزئ التطهر به وهو التراب، فإذا كان التراب له غبار؛ فالسُّنة أن يُضْرَب بالكفين عليها.
أما إذا كان غير التراب كالحجر ونحوه فيُجزئ الإنسان أن يمسح عليه.
قالوا: فكيف يُجاب عن هذا الحديث الذي ضرب فيه النبي صلى الله عليه وسلم كفيه على الأرض، وقال لـ عمار: (إنما يجزيك أن تقول بيديك هكذا، قال: ثم ضرب بكفيه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه)؟ والجواب على ذلك: بما ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام في السنن: (أنه لما قضى حاجته عند سباطة قوم -والحديث أصله في الصحيح- مر رجل فسلَّم فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده على الحائط) قال: فضرب على الحائط، ومن المعلوم أن الحائط لا غبار له، فدل هذا الحديث على أنه لا يشترط وجود الغبار فيما يتيمم به؛ إذ لو كان شرطاً لضرب على الأرض ولم يضرب على الحائط، فدل على أن كل ما صعد على وجه الأرض يُجزئ التيمم به كأن يضرب على حائط طين أو حائط حجر، أو يضرب على صخر ونحو ذلك، فذلك كله يعتبر مجزئاً على ظاهر قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:6].

فروض التيمم

قال رحمه الله: [وفروضه: مسح وجه، ويديه إلى كوعيه] بعد أن فرغ رحمه الله من بيان الحالات التي يجوز لك أن تتيمم فيها، وبيان من الذي يحق له أن يتيمم والذي لا يحق له أن يتيمم، وكذلك بيان الشيء الذي يُتيمم به؛ شرع في بيان فروض التيمم.
الفروض: جمع فرض، وأصل الفرض في اللغة: الحز والقطع، تقول: فَرَضتُ الشيء، أي: قطعته، ومنه الفَرْضَة التي تكون على النهر؛ لأن الإنسان يقطع بها النهر من شِقِّه إلى شِقِّه.
وأما بالنسبة للفرض في اصطلاح العلماء: فجمهور العلماء من الأصوليين -ومنهم: المالكية والشافعية والحنابلة- على أن الفرض والواجب معناهما واحد، فإذا قلت: فرض، أو قلت: واجب، فالمعنى واحد، وذهب الحنفية إلى أن الفرض أعلى من الواجب -وإن كان بعض العلماء يُرجح أن الخلاف لفظي- فالفرض عند الحنفية: هو ما ثبت بدليل قطعي، والواجب عندهم: هو ما ثبت بدليل ظني، فيفرقون في مراتب الإلزامات من الشرع، فما ألزمك الشرع به بدليل لا احتمال فيه فهذا فرض، وما ألزمك الشرع به بدليل فيه احتمال فإنه يعتبر واجباً.
وفي قوله: [فروضه] الضمير عائد إلى التيمم، أي: الذي أوجب الله عليك فعله في التيمم.

مسح الوجه في التيمم

قال رحمه الله: [مسح وجهه] قال تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة:6] والوجه ما تحصل به المواجهة، وقد تقدم ضابط الوجه: أنه من منابت الشعر عند ناصيته إلى ما انحدر من ذقنه، وكذلك -أيضاً- ما انحدر من اللحيين طولاً، وأما عرضاً: فمن طرف الأذن إلى طرف الأذن الأخرى على تفصيل عند العلماء وسبقت الإشارة إليه في باب الوضوء.
فبعد أن يضرب بيديه على الأرض يمسح بهما وجهه؛ لظاهر التنزيل في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة:6] وظاهر السُّنة في حديث عمار: (فمسح بهما وجهه) والمسح بالوجه يقع بالكفين، فلا يقع بكف دون أخرى، ويستثنى من ذلك أن يكون أقطع اليد أو مشلول اليد أو تكون بيده الثانية عاهة، فيجزئه أن يمسح بيدٍ دون أخرى؛ ولكن هل إذا مسح بيدٍ واحدة يجزيه عن تكرار الضرب؟ وجهان للعلماء: قال بعض العلماء: إن كانت له يد واحدة ضرب بها الضربة الأولى ومسح شقه الأيمن، ثم يضرب الضربة الثانية ويمسح بها شقه الأيسر؛ والسبب في هذا القول أنهم يقولون: إنه إذا مسح المسحة الأولى ذهب ما في يده، فلا يجوز أن يمسح بما فضل من طهوره الشق الثاني، والصحيح: أنه يجزيه ضربة واحدة من اليد يمسح بها الوجه كله، وهم قالوا بهذا الحكم قياساً على الوضوء، فإنك إذا توضأت بماء لم يجز لأحد أن يتوضأ به، وقد قررنا هذه المسألة أن الصحيح: أن الماء إذا توضأت به أو اغتسلت جاز للغير وجاز لك أن تعيد به وضوءاً ثانياً وغسلاً ثانياً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الماء لا يجنب) وبينا أن الأصل في الماء أنه طهور لا ينجّسه شيء -على دلالة السُّنة- إلا ما تغير فيه اللون أو الرائحة أو الطعم، فإذا ثبت أن الأصل أنك إذا اغتسلت بماء أو توضأت به جاز للغير أن يعيد الوضوء به، وكذلك التيمم أيضاً، فيعتبر قياسهم التيمم هنا بالمسح المكرر في الكف على الوضوء والغسل من باب رد المختلف فيه إلى المختلف فيه، ويعتبر دليلهم دليل التزام لا دليل إلزام.

مسح اليدين إلى الكوعين في التيمم

قال رحمه الله: [ويديه إلى كوعيه] يمسح يديه إلى كوعيه، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:6] والأصل في اليد أنها تُطلق من أطراف الأصابع إلى المنكب، فكله يد إلاّ ما خص، فتخص بالكفين بالدليل كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:38] حيث جاءت فجاءت السُّنة وبينت محل القطع، فخصصت اليد بالكف، ولذلك قالوا: إنما خصصنا الكفين بالمسح؛ لظاهر حديث عمار: (فمسح بهما وجهه وكفيه).
وقال بعض العلماء: يمسح في التيمم اليد كاملة، وهو قولٌ لطائفة من السلف، وقال بعض السلف: يمسح حتى إلى الإبط على ظاهر قوله: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة:6] وقال بعضهم: إلى المرفقين إلحاقاً بالوضوء.
والصحيح أن الكفين هما المعتبران في المسح، وأنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المسح أكثر من الكفين، والقاعدة: أن بيان المجمل الواجب واجب، فما دام أن القرآن قال: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة:6] واحتمل ذلك الكفين واحتمل إلى المرفقين واحتمل إلى المنكب؛ وجاءت السُّنة ببيانه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث مسح إلى كفيه، صار البيان واجباً كما في الحج؛ ولذلك يقولون في الأصول: بيان الواجب واجب.

الترتيب في التيمم

قال رحمه الله: [وكذا الترتيب] وجوب الترتيب قول لبعض العلماء، فكما قلنا في الوضوء نقول في التيمم، فالواو في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:6] قالوا: تقتضي الترتيب كما اقتضته في الوضوء في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:6] وقالوا أيضاً: إن البدل يأخذ حكم مبدله، فلما وقعت عبادة التيمم بدلاً عن الوضوء، والترتيب شرط في الوضوء، كذلك هو شرط في التيمم، وهو أعدل الأقوال وأحوطها، فيحتاط الإنسان ويراعي الترتيب.
فائدة هذا: أننا لو قلنا: إنه لا يجب الترتيب ومسح الإنسان كفيه قبل أن يمسح وجهه أجزأه على القول بعدم اشتراط الترتيب، أما إذا قلنا باشتراط الترتيب؛ فإنه لا يجزيه إلا إذا قدم وجهه ثم مسح كفيه بعد الوجه.

الموالاة في التيمم من الحدث الأصغر

قال رحمه الله: [والموالاة في حدث أصغر] والمولاة، أي: أن الموالاة واجبة، فبمجرد أن ينتهي من مسح وجهه فعليه أن يمسح كفيه، فلا يقع الفاصل بين مسح العضوين، فإذا وقع الفاصل أثر كما يؤثر في الوضوء، ودليل الموالاة في التيمم هو دليله في الوضوء، قالوا: إنه كما أن عبادة الوضوء -وهي الأصل- تشترط الموالاة لصحتها كذلك عبادة التيمم، فلو أن إنساناً ضرب بكفيه على الأرض، ثم مسح وجهه وجلس ساعة، وبعد ساعة ضرب مرة ثانية ومسح كفيه؛ فعلى القول باشتراط الموالاة لا يجزيه؛ لوجود الفاصل، فكما لم يجزئه في الوضوء كذلك لا يجزئه في التيمم، وعلى القول بعدم الاشتراط يجزئه ويصح منه ذلك.
وقوله: [في حدث أصغر] في: للظرفيّة، أي: أن التيمم يكون في حدث أصغر وهو الوضوء، فلو أن إنساناً انتقض وضوءه ببول أو غائط أو ريح؛ فإنه يجزيه أن يتيمم إذا استوفى شروط الرخصة.
فالتيمم يشمل الحدث الأصغر والحدث الأكبر، فلك أن تتيمم لحدث أصغر ولك أن تتيمم لحدث أكبر؛ وذلك لأن الله جل وعلا جعل التيمم بدلاً عن الطهارتين فقال بعد ذكره طهارة الحدث الأصغر في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:6] ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:6] فدل على أن التيمم يكون بدلاً عن الطهارة الصغرى -وهي: الوضوء- والطهارة الكبرى -وهي الغسل-؛ لأنه قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة:6] والماء يستخدم للطهارة الصغرى وللطهارة الكبرى، فإذا فقد الماء علمنا أن قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة:6] أي لطهارة صغرى أو لطهارة كبرى فتيمموا، فعلمنا أنه بدل عنهما.

اشتراط النية في التيمم

قال رحمه الله: [وتُشترط النية لما يُتيمم له من حدث أو غيره] (وتشترط النية لما يتيمم له) تشترط النية لصحة التيمم، وهذا يكاد يكون بالاتفاق، حتى إن الحنفية -وقد سبق معنا في الوضوء والغسل أنهم لا يرون النية، ويقولون بصحة الوضوء أو الغسل بدون نية -قالوا: لابد من النية في التيمم؛ وذلك لأنها رخصة لابد من وجود النية فيها.
والدليل على اشتراط النية: أن التيمم عبادة، والله أمر بإخلاص العبادة، ولا إخلاص إلا بنية.
وكذلك الدليل من السُّنة: قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات) والوضوء والتيمم عمل، فتشترط النية لصحة التيمم.

حالات النية في التيمم

وقوله: (من حدث أو غيره) إذا جئت -مثلاً- تريد أن تتيمم، فيكون في قلبك أنك تقصد استباحة الصلاة، سواء كان ذلك في حدث أصغر أو في حدث أكبر، ومثاله: لو أن إنساناً استيقظ لصلاة الفجر وهو جنب وأراد أن يصلي ولا ماء عنده أو عنده ماء ولا يستطيع استعماله، فقد وجد فيه مقتضى الرخصة، فإنه عند قصده إلى الصعيد الطيب -وهو التراب أو الحجر- ينوي في نفسه بهذه العبادة -وهي التيمم- استباحة الصلاة، فإذا وجدت هذه النية في حدث أصغر أو في حدث أكبر صح تيممه وأجزأه، أما لو عزبت عنه النية وضرب يده دون أن يستحضر أو تكون منه النية؛ فإنه لا يجزئه ذلك.
قال رحمه الله: [فإن نوى أحدها لم يجزئه عن الآخر] إن نوى التيمم عن الجنابة لم يجزئه ذلك عن الوضوء، وقال العلماء: لو كانت عليه جنابة وقصد رفع الجنابة دون أن يقصد بها استباحة الصلاة؛ فإنه لا يجزئه، والصحيح: أن المنبغي على المكلف إذا أراد أن يتيمم أن يقصد استباحة الصلاة المفروضة أو النافلة، فإن كانت مفروضة تقيد بالفرض حتى يخرج وقتها، وصلى بذلك التيمم الذي قصد به الاستباحة، وإن كانت نافلة كذلك أيضاً صلى به النافلة، وإن كانت غير فرض ونافلة مثل: الطواف بالبيت أو لمس المصحف؛ فإنه يتقيد بذلك الذي تيمم من أجله، فيجعل في نفسه عند ضربه لكفيه، أو يستحضر في نفسه عند ضربه لكفيه استباحة هذا المحظور الذي لا يجوز فعله إلا بطهارة.
قال رحمه الله: [وإن نوى نفلاً أو أطلق لم يصل به فرضاً] وإن نوى نفلاً لم يصل به فرضاً؛ لأن نية الأدنى لا تبيح الأعلى، فكما أنه إذا توضأ لنفل لا يصلي فريضة، كذلك في التيمم؛ والدليل على هذا: ما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام من قوله: (إنما لكل امرئ ما نوى) فقوله: (إنما لكل امرئ ما نوى) يقتضي التخصيص، فما دام أنه نوى النفل فلا يستبيح الفرض، ولذلك لو أن إنساناً أحرم بالصلاة ناوياً النافلة، وأراد أن يقلبها إلى الفرض لم يصح إجماعاً، كذلك أيضاً لو تيمم ناوياً النافلة لم يصح له أن يستبيح الفريضة.
قال رحمه الله: [وإن نواه صلى كل وقته فروضاً ونوافل] وإن نوى الفرض (صلى كل وقته) أي: وقت الفرض، (فروضاً ونوافل)، ويشمل ذلك الفروض إذا كان الوقت يسع فرضين مثل: المسافر، فلو كنت مسافراً ثم أخرت صلاة الظهر حتى دخل وقت العصر ولم تجد ماءً وأردت أن تجمع بين الظهر والعصر في وقت العصر فإنك تصلي الظهر والعصر بتيمم واحد، وهكذا لو أخرت المغرب إلى صلاة العشاء، وهذا بالنسبة للفروض المتعددة.

مبطلات التيمم

خروج الوقت يبطل التيمم

قال رحمه الله: [ويبطل التيمم بخروج الوقت] وقد ذكرنا هذا في المجلس الماضي، وذكرنا أنه مبني على ظاهر آية المائدة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة:6] فإن الله سبحانه وتعالى قصر على المكلفين الوضوء لكل صلاة، ثم نُسخ ذلك في الوضوء، فبقي التيمم على الأصل؛ لعدم ورود الدليل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تيمم وصلى أكثر من صلاة، ثم وجدنا هذا الحكم -وهو أن التيمم يبطل بخروج الوقت- قد أفتى به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر الزركشي رحمه الله هذه المسألة في شرحه للمختصر وقال: إنه قضاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وممن قضى به: ابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو رضي الله عن الجميع، وأما ابن عباس فعنه روايتان في هذا؛ لكن قالوا -خاصة على مذهب من يرى أن قول الصحابي حجة-: إن هذا يعتبر مقيداً بالفرض، ولذلك أفتوا بأنه إذا خرج وقت الفريضة فإنه يتيمم لما بعدها من فريضة، فلو تيمم لصلاة الظهر وخرج وقتها وأراد أن يصلي العصر استأنف تيممه، ويكون التيمم الأول باطلاً بمجرد انتهاء وقت صلاة الظهر.

مبطلات الوضوء مبطلات للتيمم

قال رحمه الله: [وبمبطلات الوضوء] يعني: يبطل التيمم بمبطلات الوضوء، كأن يخرج منه ريح أو بول أو غائط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فجعل الحدث في الوضوء ناقضاً، وكذلك يعتبر الحدث ناقضاً للتيمم؛ لأن البدل يأخذ حكم مبدله.

حضور الماء يبطل التيمم

قال رحمه الله: [وبوجود الماء] بهذا أصبح التيمم زائداً على الوضوء في نواقضه، فينتقض التيمم بما ينتقض به الوضوء -وهذا ما يشترك فيه مع الوضوء- وينتقض زيادة على ذلك بأمرين زائدين على الوضوء هما: خروج الوقت، ووجود الماء.
أما وجود الماء فلأن ما شرع مقيداً بعلة يزول بزوالها، وقد شرع الله التيمم مقيداً بعلة فقد الماء أو عدم القدرة عليه كما على ظاهر السُّنة في حديث عمار، فلما أمكن المكلف أن يستعمل الماء أو وجده؛ زال الحكم بزوال علته، ولذلك يقولون: إنه إذا وجد الماء انتقض تيممه ولزمه أن يغتسل ويتوضأ؛ ودل على هذا الحكم دليل الكتاب والسُّنة: أما دليل الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:6] فجعل التيمم معلقاً على عدم وجود الماء، فإن وجد الماء دل على بطلان التيمم وعدم الاعتداد به.
وأكد ذلك دليل السُّنة في حديث عمران في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه صلى بالناس الفجر، فلما صلى عليه الصلاة والسلام الفجر رأى رجلاً لم يصلِّ مع الناس، فقال: عليَّ به، فلما أُتي به قال: ما منعك أن تصلي في القوم؟؟ قال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء -أي: أصابتني الجنابة ولا أجد ماءً أغتسل به فأرفع الجنابة- فقال عليه الصلاة والسلام: عليك بالصعيد فإنه يكفيك) وفي الرواية الثانية: (فلما مضى عليه الصلاة والسلام وجد الماء فبعث به إليه).
وجه الدلالة: أنه جعل الحكم بتيممه والاعتداد بالتيمم موقوفاً على عدم وجود الماء، فدل على أنه إذا وجد الماء سقطت الرخصة لاستباحة الصلاة.
الدليل الثاني أيضاً من السُّنة: ما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (الصعيد الطيب طهور المسلم، ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته)، الفاء تقتضي العطف على الولاء، يعني: بسرعة، ولا تقتضي تراخياً، ولذلك قال: (فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسَّه بشرته) فدل ذلك -أولاً- على أن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبيح فعل الصلاة، ودل -ثانياً- على أنه إذا وجد الماء لزم على المكلف أن يمسه بشرته، فيزول موجب الرخصة؛ وحينئذ نحكم ببطلان تيممه ووجوب وضوئه وغسله.
قال رحمه الله: [وبوجود الماء ولو في الصلاة لا بعدها] (ولو في الصلاة) لو: -كما هو معلوم في المتون الفقهية- إشارة خلافٍ، كما ذكر خليل في المختصر في مقدمته أنه يشير بلو للخلاف، فإذا قال العلماء: ولو قائماً، فُهِمَ أن حالة القيام فيها خلاف، وأن هناك قولاً يقول بالعكس قال: (ولو في الصلاةٍ) قال بعض العلماء: نحكم بكون الماء عند وجوده موجباً لبطلان التيمم مطلقاً سواء وجده وهو فارغ من الصلاة منتهٍ منها أو وجده أثناء فعله للصلاة، فإن وجده بعد انتهائه من الصلاة؛ فهذا فيه قول واحد عند من يرى أن وجود الماء موجب لبطلان التيمم.
أما إن وجده وهو في أثناء الصلاة فعلى أصح الأقوال أنه ولو كان في أثناء الصلاة فإنه يحكم عليه ببطلان التيمم، ووجه ذلك أننا نُلزم القائلين بكون وجود الماء -على ظاهر دليل الكتاب والسُّنة- موجباً للبطلان، ونلزمهم بكونه مبطلاً حتى في الصلاة لمكان الإطلاق في الشرع: (فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) فلم يفرق بين كونه وجده أثناء الصلاة أو وجده بعد الصلاة، ولذلك نقول: إن وجود الماء موجب لبطلان التيمم مطلقاً، سواءً كان وجوده أثناء الصلاة أو بعد فعل الصلاة والفراغ منها.
وهنا مسألة خلافية: لو أن إنساناً صلى ثم وجد الماء قبل انتهاء الوقت؛ فقال بعض العلماء بالإجزاء وأنه لا يلزمه أن يعيد الصلاة، وذلك لأن صلاته وقعت معتبرة صحيحة وأجزأته على الحالة التي كان معذوراً فيها.
وقال بعض العلماء: يلزمه أن يعيد الصلاة بعد غسله ووضوئه، فإذا وجد الماء أثناء الوقت تلزمه الإعادة.
وتوسط آخرون بين القولين فقالوا: تستحب له الإعادة ولا تجب عليه، وإن كان أقوى الأقوال أن صلاته صحيحة ولا تلزمه الإعادة.

استحباب تأخير التيمم إلى آخر وقت الصلاة

قال رحمه الله: [والتيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى] إذا دخل وقت الفريضة على المكلف فإن غلب على ظنه أنه سيجد الماء فحينئذٍ ينتظر وجوده خروجاً من خلاف العلماء رحمة الله عليهم، وإن كان لا يدري هل يمكنه أن يجد الماء أم لا، أو يُرجّي وجوده بحيث لم يكن هناك غالب ظن؛ فحينئذٍ قالوا: ينتظر، وذلك من باب الاستحباب، فإذا تيمم وصلى أجزأه ذلك ولا تلزمه الإعادة على ما ذكرنا فيمن وجد الماء قبل خروج الوقت.

صفة التيمم

قال رحمه الله: [وصفته أن ينوي ثم يسمي] (وصفته) أي: صفة التيمم، وهذا كله من الترتيب في الأفكار، فميزة العلماء والفقهاء أنهم لا يأتون بالأحكام هكذا مخلوطة دون ترتيب لها وحسن وضع لأحكامها بما يتناسب مع حال المكلفين، فإنك إذا درست باباً من الأحكام فأول ما يأتيك من الأحكام: من الذي يجوز له أن يتيمم ومن الذي لا يجوز له أن يتيمم؟ وبعد أن تعرف الحالات التي يباح فيها أن يتيمم الإنسان لابد أن تعرف بأي شيء يتيمم، ثم ما هي كيفية التيمم؟ ومن هنا ترى دقة الفقهاء في ترتيب هذه الأحكام وتسلسلها على هذا النحو، ومن ذلك يستفيد طالب العلم أنه إذا خاطب الناس أو أراد أن يبين حكماً لهم فعليه أن يراعي ترتيب الأفكار وتسلسلها، إما أن تُسَلْسَل على حسب مناسبة شرعية أو على حسب الطبيعة والواقع.
قال رحمه الله: (وصفته): صفة الشيء: حليته والأمور التي يتميز بها عن غيره، فإذا وصفت شيئاً فقد ميزته عن غيره.
والضمير في قوله: وصفته، عائد إلى التيمم، أي: صفة التيمم الشرعية.
وقوله: (أن ينوي) النية شرط في صحة التيمم.
وقوله: (ثم يسمي) يقول: باسم الله، والصحيح: أنه لا يجب عليه أن يسمي؛ وإنما العلماء يستحبون في مثل هذه العبادات البداءة بالتسمية لمطلقات الشرع في فضل ذكر اسم الله عز وجل، وقد قال الله عز وجل: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:78] فيقولون: من أراد البركة في الأشياء ذكر اسم الله فيها، وأحق ما تكون فيه البركة الوضوء، ولذلك قالوا: يسمي قبل وضوئه، وأما قبل تيممه فلم يرد نص عن النبي صلى الله عليه وسلم بذكر التسمية في التيمم، ولو أن إنساناً تيمم دون أن يسمي؛ فإن ذلك قد يكون أقرب إلى السُّنة.
قال رحمه الله: [ويضرب التراب بيديه] لأن عماراً وصف تيمم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ثم ضرب بهما) أي: ضرب بيديه الأرض وهذه هي السُّنة، فإن كانت الأرض، صلبة كالحجر ونحوه مسح عليها.
قال رحمه الله: [مفرجتي الأصابع]: قالوا: لوصف عمار لتيمم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ضرب) والضرب لا يكون إلا في الأرض التي لها غبار، فدل على أنه قاصدٌ للغبار، وإذا قصد الغبار فإنه يفرج بين أصابعه حتى يتخلل ما بينها، فيحصل الإجزاء بعبادته.
قال رحمه الله: [يمسح وجهه بباطنهما].
يجعل باطن الكفين للوجه.
قال رحمه الله: (وكفيه براحتيه (للعلماء رحمة الله عليهم في صفة التيمم كلام، فقالوا: يبدأ باليمنى فيجعل طرف الراحة عند رءوس الأصابع، ثم يمرها على الظاهر، ثم يشبك بإدخال أو إنزال أطراف الأصابع حتى يكون ما بين الأصابع قد أصابه المسح، وكما أنك مطالب بالشرع في الوضوء أن تغسل ما بين الأصابع فكذلك أنت مطالب في التيمم أن تمسح ما بين الأصابع، وهذا عند من يقول بعدم التفريج؛ لأنه إذا فرج لم يحتج للتخليل، فيمرها على هذه الصفة، فيمسح بكفه اليمنى على كفه اليسرى بهذه الصفة حتى يبلغ كوعه، فإذا انتهى منه يقلب إلى راحته ويمسحهما بها.
وقال بعض العلماء -وهو الصحيح- يمسح على ظاهر كفيه، قالوا: إنه يمسح بالظاهر فيكون الباطن قد مسح، فيكون المسح على ظاهره.
قال رحمه الله: [ويخلل أصابعه] على الصفة التي ذكرناها، بحيث إذا بدأ باليمين يقلب اليسرى عليها ويولجها بين الأصابع؛ لأنه إذا أمرَّ بهذه الصفة لا يبقى ما بين الأصابع، قالوا: كما أنه أُمر في الوضوء بغسله فالله أمر في التيمم بمسحه، وهذا لا يتحقق إلا بالتخلل، والقاعدة: (أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، فلما كان الأصل في هذه الكف أنها تُمسح كاملةً كما أنها في الوضوء تغسل كاملة فيخلل الأصابع كما هو في الوضوء.

الأسئلة

ازدحام شرط الوقت وشرط الطهارة في الصلاة

السؤال

لو أدركت مقدار ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها وأنا متيمم، فهل تبطل صلاتي لبطلان تيممي بخروج الوقت؟

الجواب

هذه مسألة مفرعة على المسألة التي ذكرناها وهي: إذا وجد الماء أثناء صلاته، والحكم يستوي فيه أن تبقى ركعة أو لا يكون في الوقت متسع لأن يتوضأ أو يغتسل، بمعنى: أن الحكم عام، فلذلك نقول: إذا وجد الماء وأمكنه أن يستعمله وخشي خروج الوقت فإنه لا يجزئه أن يتيمم؛ لأن الله عز وجل اشترط في التيمم فقد الماء، وقال بعض العلماء -وهو قول مرجوح وضعيف- إنه إذا خشي خروج الوقت فإنه يتيمم ويصلي، والصحيح: أنه يتوضأ؛ لأن الوضوء والغسل مشترط لصحة الصلاة، ولذلك لا يعتبر فعله للصلاة -مع إمكانه للوضوء والغسل على هذا الوجه مع تيممه- صحيحاً، ولا بد أن يتوضأ ويغتسل ولو خرج الوقت، وهذا هو أصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم.
وهذه المسألة يجعلها الأصوليون من مسائل ازدحام الشروط، بمعنى: أن الشرع اشترط لصحة الصلاة الوقت، فلا يجوز للمكلف أن يُخْرِج الصلاة عن وقتها، واشترط لها الوضوء إذا كان الإنسان محدثاً حدثاً أصغر، والغسل إذا كان محدثاً حدثاً أكبر، فإذا كان في آخر الوقت بحيث لو قلنا له: توضأ، خرج الوقت، فهل نقدم شرط الطهارة ونقول: يتوضأ ولو خرج الوقت، أو نقدم شرط الوقت ونقول: تسقط طهارة الماء وينتقل إلى البدل لإدراك الوقت؟ فبعض العلماء يقول: أنا أُغلِّب وأُقوّي شرط الوقت على شرط الطهارة، فما دام أن جلوسه للوضوء، يخرجه عن الوقت فعليه أن يتيمم مباشرة ويقوم إلى الصلاة، فيدرك الوقت وتسقط عنه طهارة الماء، وهذا عند من يقول: إن طهارة التراب قائمة مقام طهارة الماء.
الوجه الثاني يقول: هذا مكلف، واشترط الشرع في إسقاط طهارة الماء العجز أو الفقد، وهذا ليس بعاجز ولا فاقد، ولذلك نقول: يتوضأ ولو خرج الوقت؛ لأن مثله في الأصل يقضي ولا يؤدي، كما لو استيقظ بعد خروج الوقت، فما دام أنه توضأ واشتغل بالوضوء فهو معذور شرعاً، وهذا القول الثاني أعدل الأقوال وأقواها؛ لأن إسقاط الوضوء شرطه الفقد أو العجز، وهنا ليس بعاجز ولا فاقد، ولا في حكم العاجز ولا الفاقد، وبناءً على ذلك يلزمه أن يتوضأ ولو خرج الوقت، وتكون صلاته مقضية لا مؤداة.
وبعض العلماء عنده مخرج فقهي عجيب يقول: ما دام أننا لو قلنا له: توضأ، خرج الوقت، فنقول له الآتي: تيمم وصل وأدرك الوقت، ثم احتط بالوضوء بعد الصلاة، وأعد الصلاة مرة ثانية؛ لأن الصلاة بالوضوء سيوقعها بعد خروج الوقت، فنقول له احتياطاً: أدرك الوقت بالتيمم -وهذا من ناحية أصولية فقط، إعمالاً للقواعد- فيتيمم ويصلي، لكن هذا فيه مشقة، ولو أراد المكلف أن يحتاط بهذه الطريقة فهذا أفضل: فيتيمم ثم يصلي ثم بعد ذلك يتوضأ ويصلي الصلاة المفروضة على الصفة التي ذكرناها، والله تعالى أعلم.

حكم التيمم بالتراب المحترق

السؤال

في بعض النسخ زيادة مثل قوله: (ويجب التيمم بتراب طهور غير محترق)؟

الجواب

هذا تنبيه جيد، فأما قوله: (غير محترق) فيقصد بذلك إخراج ما أصابته الصنعة من نار ونحوه كالإسمنت، فإن التراب إذا أصابته الصنعة وَحُرِق خرج عن كونه تراباً إلى مادة أخرى، قالوا: فلا يجزئ أن يتيمم به، وهذا أحوط؛ لأنه خرج عن أصل المادة المعتبرة للحكم الشرعي من كونها صعيداً، فعلى المكلف أن يحتاط بعدم التيمم بمثل هذا.
ويدخل في التراب المحترق الطوب المحروق ونحوه، وكل هذا لا يتيمم به، لكن يتيمم على الصخر والحجر والتراب والرمال ونحوها.

حكم أداء الفريضة بتيمم النافلة

السؤال

قال المصنف رحمه الله: (وإن نوى نفلاً أو أطلق لم يصل بها فرضاً) فما معنى قوله: (لم يصل بها فرضاً)؟

الجواب

يقولون: (إذا نوى نفلاً) كأن ينوي راتبة الظهر فلا يصلي بها الظهر، وهكذا لو نوى الراتبة القبلية في الصبح وخص نيته بالراتبة القبلية، فلا يصلي بهذا التيمم، غير ما نوى التيمم لاستباحته، وأما بالنسبة للإطلاق: إذا قصد به الاستباحة للصلاة مطلقاً فهذا يتأتى في طهارة الماء، كما أشار إليه بعض العلماء في قوله: ولينو رفع حدث أو مُفْتَرَض أو استباحة لممنوع عَرَضْ ولينو رفع الحدث: هذه النية العامة في طهارة الماء من وضوء وغسل، وأما بالنسبة للتيمم فحين كان مبيحاً لا رافعاً لم يكن بالقوة التي عليها طهارة الماء، ولذلك خُص بهذا الوجه وأصبح من الفوارق بين طهارتي التراب والماء، والله تعالى أعلم.

تقديم الوجه على الكفين في التيمم

السؤال

كيف نجمع بين حديث عمار: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه) ففي هذا الحديث تقديم اليدين على الوجه، وفي رواية البخاري تقديم الوجه على اليدين، وهل هذا يدل على عدم وجوب الترتيب؟

الجواب

إن من العلماء من أجاب عنه بأن حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم المراد بها مطلق الجمع بحصول مسحه عليه الصلاة والسلام لكفيه ثم مسحه لوجهه، وليس المراد بها مراعاة الترتيب، وإن كان ظاهر السُّنة يدل على مراعاة الترتيب، والأحوط نظراً لمكان الرخصة وتقيد هذه العبادة بكونها رخصة أن يخرج الإنسان من الخلاف، واخترنا القول الذي يقول بمراعاة الترتيب؛ لوجود الشبيه والنظير مع اختلاف الروايات، واختلاف ظاهر السُّنة والتنزيل مع الاحتمال الوارد في ظاهر السُّنة، فرجعنا إلى الأحوط ورجعنا إلى الأصل، فوجدنا الأحوط يقتضي صيانة عبادة المكلف من الخلل، فقلنا يراعي الترتيب، ووجدنا الأصل -وهو طهارة الماء التي وقع التيمم بدلاً عنها- يراعى فيها الترتيب، فحكمنا بالترتيب من هذه الوجوه، وغلبنا ظاهر القرآن ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:6] وقد قال عليه الصلاة والسلام: (أبدأ بما بدأ الله به) وفي رواية (ابدأوا) بالأمر، لكن هذه الرواية متكلم فيها، فلما بدأ الله عز وجل بمسح الوجه قبل مسح الكفين راعينا هذا الترتيب مع ما ذكرناه من وجود الأصل، ولذلك من المسالك الأصولية تستطيع أن تقدم القول الذي يقول بمراعاة الترتيب لظاهر الكتاب وظاهر السُّنة، فعندما رجعنا إلى الأصل كان المعارض، وهو الكتاب والسُّنة أبلغ في القبول من قبول سنة منفردة، ثم مراعاة الأصل الذي ذكرناه في عبادة الوضوء، والبدل يأخذ حكم مبدله، وكل ذلك اقتضى تقديم القول الذي يقول بمراعاة الترتيب، والله تعالى أعلم.

حكم إمامة المتيمم بالمتوضئ

السؤال

إذا كان هناك رجل متوضئ وآخر متيمم، فمن يقدم للصلاة؟

الجواب

هذه مسألة ذكرها العلماء رحمة الله عليهم في آداب الإمامة، فقالوا: إن من آداب الإمامة ومسائل التقديم فيها أنه إذا اجتمع متيمم ومتوضئ فلا يصلي المتيمم بالمتوضئ، وهذا في الحقيقة محل نظر، وأما دليلهم فقالوا: إن المتيمم مرخص له، والقاعدة في الأصول: أن الرخص لا يتجاوز بها محالها، وبناءً على ذلك قالوا: لا يستبيح بالتيمم أن يصلي بغيره، خاصة على المذهب الذي يقول: إن الإمام يحمل الفاتحة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (الإمام ضامن) وإن كان الصحيح: أنه لا يحمل.
والذي تدل عليه السُّنة -وهو أقوى وأقرب إلى الصواب إن شاء الله- أنه يجوز أن يصلي المتيمم بالمتوضئ، ولكن بشرط أن يكون إماماً راتباً أو أميراً أو نحو ذلك؛ والدليل على ذلك حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، فإن عمرو قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:29] فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً)، فقالوا: هذا يدل على جواز إمامة المتيمم بالمتوضئ، ولكن محل ذلك أن يكون إماماً راتباً، كأمير السرية أو أمير السفر أو قائد الجند إذا كان يصلي بهم وهو إمامهم ثم أصابته جنابة، فيصلي بهم ولو كان جنباً؛ لظاهر حديث عمرو.
أما لو أن اثنين استويا في المرتبة ووجدنا متوضئاً ووجدنا متيمماً فلا شك أن الخروج من الخلاف أولى، فنقول للمتوضئ: صل بالمتيمم؛ لأنه إذا صلى المتيمم بالمتوضئ شككنا في الصلاة، ولكن إذا صلى المتوضئ بالمتيمم صحت الصلاة قولاً واحداً، ولذلك ينبغي صيانة الصلاة من هذا الخلل، فنقول يصلي المتوضئ بالمتيمم إن استويا، أو كانوا بلا إمام راتب في الناس فلا يتقدم عليهم المتيمم، وإنما يقدم المتوضئ، وهذا من آداب الإمامة، وعلى الإمام ألا يعرض صلاة من وراءه للخلل أو الخلاف، بل عليه أن يحتاط لهم.

حكم من وجد الماء بعد صلاته بالتيمم

السؤال

إذا كنت في سفر وحان وقت الصلاة ولم يكن معي ماء فتيممت، مع العلم أني لو سرت مسافة معينة فإنني سأجد محطة، فهل فعلي صحيح؟ وإن لم يكن صحيحاً فكيف أفعل في تلك الصلاة مع العلم أنه مضى عليها ما يقارب شهراً؟

الجواب

إذا كان هذا الشخص في سفر ولا يعرف المحطات ولا المنازل، فإنه في هذه الحالة يتيمم ويصلي، فلو مشى -وهو لا يدري- فوجد الماء ولو بعد كيلو ولو بعد نصف كيلو؛ فإنه في هذه الحالة لا يعيد الصلاة، بل صلاته صحيحة؛ لأنها وقعت مجزئه ولا حرج عليه في ذلك، أما لو كان يغلب على ظنه أنه سيجد الماء فصلاته مشبوهة والأحوط له أن يعيدها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

شرح زاد المستقنع -

باب إزالة النجاسة [1]

لقد أمر الدين الإسلامي بالطهارة من الحدث والخبث والنجاسة، والطهارة من النجاسة تشمل البدن والثوب والمكان، فإذا وقعت النجاسة في شيء من ذلك وجب إزالتها، والأصل في الطهارة هو الماء، فإن كانت النجاسة في الأرض صب عليها الماء، وإن كانت في غيرها غسلت حتى تطهر، إلا إذا كانت نجاسة كلب إحداهن بالتراب.

إزالة النجاسة وأحكامها

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب إزالة النجاسة] الإزالة: المحو، وزوال الشيء: ذهابه.
(النجاسة) النجاسة: مأخوذة من النجس، وهو الشيء المستقذر، والمراد بها: النجاسة الشرعية، أي: التي حكم الشرع بقذارتها ووجوب أو لزوم إزالتها لعبادة الصلاة ونحوها كالطواف بالبيت.
ما مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله؟

الجواب

تكلمنا عن الوضوء ونواقضه، ثم عن الغسل، ثم تكلمنا عن التيمم، فنلاحظ في هذه الأبواب الماضية أنها اشتملت على عبادة الوضوء والغسل، ثم على البدل عنهما وهو التيمم، ثم بعد ذلك شرع رحمه الله بقوله: (باب إزالة النجاسة) وهذا نوع جديد من الطهارة، فالنوع الأول الذي هو الوضوء والغسل والتيمم هو طهارة الحدث، والنوع الثاني الذي معنا الآن هو طهارة الخبث، فعلى المكلف أن يعتني بهذا الباب؛ لأمر الشرع بإزالة النجاسة للصلاة ونحوها مما يشترط له الطهارة كالطواف بالبيت، والأصل في هذا الباب دليل الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة.

الأدلة على وجوب إزالة النجاسة

أما دليل الكتاب: فإن الله عز وجل قال لنبيه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:4] فأمره بتطهير ثيابه عند قيامه للصلاة أو إرادته القيام للصلاة، قالوا: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:4] أمر، والأمر للوجوب، فدل على وجوب تطهير الثياب والملبوس للعبادة وهي الصلاة، هذا بالنسبة لطهارة الثوب.
وكذلك إزالة النجاسة دل عليها دليل السُّنة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اغسلي عنك الدم وصلي) وقال في بول الأعرابي: (أريقوا عليه سَجْلاً من ماء) وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً) فهذه النصوص كلها قصد منها إزالة النجاسة، وإزالة النجاسة إما من ثوب أو من بدن أو من مكان، فالشرع ألزم المكلف إذا أراد أن يصلي أن يكون طاهر الثوب والبدن والمكان، ولذلك يَنْصَب كلام العلماء ومسائل الناس في النجاسات على نجاسة الثوب أو البدن أو المكان.
أما نجاسة البدن: فدل على لزوم إزالتها قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه -لشبهة- فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) فأمر بتطهير البدن والثوب: دليله ظاهر قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:4] وقوله عليه الصلاة والسلام: (حُتيه ثم اقرصيه بماء) يدل على تطهير الثوب، وكذلك يدل على تطهير الملبوس من حذاء ونحوه، أنه لما صلى النبي عليه الصلاة والسلام في النعلين ثم قام بخلعهما أثناء الصلاة قال: (أتاني جبريل فأخبرني أنهما -أي: النعلين- ليستا بطاهرتين) فدل على أنه لا يُصلى إلا في حذاء طاهر.
وثبت أيضاً في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (فإن جاء إلى المسجد فليصل فيهما -يعني: في نعليه- فإن وجد بهما أذى فليدلكهما بالأرض ثم ليصل فيهما) فهذا يدل على تطهير الملبوس، ولكنه بنوع آخر من الطهارة وهي الطهارة الترابية الجامدة.
أما تطهير المكان الذي يصلي عليه الإنسان: فيدل على لزوم طهارته قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين من حديث أبي هريرة لما بال الأعرابي في المسجد: (أريقوا عليه سَجلاً من ماء) فأمر بتطهير المكان، فهذه النصوص تدل على إزالة النجاسة في الثلاثة المواضع: البدن، والثوب، والمكان.

الماء أصل في إزالة النجاسة

أصل الطهارة بالماء، وتكون إزالة النجاسة إما بالماء أو بما في حكم الماء في صور مخصوصة، فإزالة النجاسة بالماء هي الأصل؛ لأن الله تعالى بيّن في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن الماء أصل المطهرات؛ فقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:48] أي: طاهراً في نفسه مطهراً لغيره، وقال عليه الصلاة والسلام في ماء البحر: (هو الطهور ماؤه) فدل هذا على أن الماء هو الأصل في التطهير، ويدل على ذلك جلياً قوله عليه الصلاة والسلام: (واغسله بماء وثلج وبرَد) فجعل حتى التطهير بالماء مقدماً على غيره، فدل على أن التطهير في الأصل بالماء، ثم قد يكون التطهير بشيء في حكم الماء في صور مخصوصة، ومثال ذلك: طهارة الخارج من السبيلين تكون بالتراب أو بالحصى، أو تكون بالمنديل، وذلك في الاستجمار، فإن الإنسان إذا قعد فبال أو تغوط جاز له أن يأخذ منديلاً ويزيل ما ثمّ، فإذا فعل ذلك طَهُرَ الموضع؛ لأن طهارته بغير الماء في هذه الصورة المخصوصة أذن الشرع بها، فعلى العموم: الطهارة إما أن تكون بماء، وإما أن تكون بما في حكم الماء في صوره المخصوصة.

إزالة النجاسة من الأرض بغسلة واحدة

قال رحمه الله: [يجزئ في غسل النجاسات كلها إذا كانت على الأرض غسلة واحدة تذهب عين النجاسة] (يجزئ) أي: يكفي المكلف وتعتبر ذمته بريئة إذا فعل ذلك، ويجزئه هذا في تطهير النجاسة إذا كانت على الأرض، مثال ذلك: لو وقع بول على أرض مسجد وكانت الأرض من تراب، فإنه يجزئ في إزالة تلك النجاسة أن يصب المكلف صبة من ماء تكون أكثر من النجاسة، أما إذا كانت مثلها أو دونها فإنها لا تجزئ، وإنما تزال النجاسة بالمكاثرة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (أريقوا عليه سَجلاً من ماء) أي: على بول الأعرابي، وفي رواية: (دلواً من ماء) فوجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال: أريقوا عليه ماءً ولكن قال: (سجلاً) فدل على أن المكاثرة مطلوبة، وأنه لا يكفي أن تصب أي ماء، فلو بال إنسان -مثلاً- في مسجد، وجاء رجل بمغراف من ماء، فإن المغراف إذا صب على النجاسة فإنه سيتأثر بملاقاتها، ولذلك لا يعتبر مجزئاً في تطهير هذه النجاسة، بل لا بد أن يكون الماء أكثر من النجاسة المصبوب عليها، ووجه ذلك في قوله: (سجلاً) فإن السجل هو الدلو، وقال بعضهم: إنه دلو كبير، وإن كان ظاهر الحديث أن السجل هو الدلو المعتاد، فإن الدلو إذا صببته على بول سيكون أضعاف البول، وهذا يدل على أن النجاسة تزال بالمكاثرة وليس بمجرد صبة واحدة مطلقاً، بل لابد أن تكون مكاثرة بحيث يغلب على ظنك أنها تزيل النجاسة، وهذا من سماحة الشريعة ويسرها ورحمة الله عز وجل بالعباد، فإنك إذا نظرت إلى النجاسة وقد أصابت الأرض الترابية في مسجد أو في غرفة والأرض ترابية فلا يمكن للمكلف أن يقتلع الأرضية ويغسلها كما يغسل ثوبه، فإن في ذلك مشقة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أريقوا عليه سجلاً من ماء) فدل هذا على سماحة الشريعة ويسرها، وهذا النوع من النجاسات يجزئ فيها صب الماء صبة واحدة، لكن بشرط أن يكون على سبيل المكاثرة.
وقوله: (غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة).
(غسلة واحدة) لقوله عليه الصلاة والسلام: (أريقوا عليه سجلاً من ماء) فلم يشترط سجلين أو ثلاثة.
(تذهب بعين النجاسة) فلو صب أقل من النجاسة أو مثلها بحيث لا يغلب على الظن زوالها، فيلزمه أن يزيد حتى تكون أكثر من صبة؛ لأن الشرع قصد إزالة النجاسة، فإن بقي أثرها كان صب الماء وعدمه على حد سواء، ولذلك لابد أن يكون الماء المصبوب أكثر من النجاسة حتى تحصل غلبة الظن، وهذا كله إذا كانت الأرض ترابية، أما لو كانت الأرض من القماش فإنه لابد من إزالة النجاسة مثل إزالتها من الثوب، فيرفع القدر الذي أصابته النجاسة، ويصب عليه الماء على نفس الطريقة، ثم يعصره إذا أمكن عصره، وإذا لم يمكن عصره مثل ما هو موجود الآن من السجاد فحينئذٍ نقول: يصب الماء على البساط ثم يسحب ويشفط ثم يصب مرة أخرى ويجفف حتى يغلب على الظن أن النجاسة قد زالت، لأن مكاثرة الصب تذهب عين النجاسة وأثرها.

كيفية تطهير الإناء إذا ولغ فيه كلب

قال رحمه الله: [وعلى غيرها سبع، إحداها بتراب في نجاسة كلب وخنزير].
عندنا النجاسات إما مخصوصة وإما عامة، فالنجاسة التي تقع على أرض المسجد صورة مخصوصة يصب عليها الماء صباً، ولا يشترط عصر ذلك كما ذكرناه.
ثم يليها من المخصوصات نجاسة الكلب والخنزير: أما نجاسة الكلب؛ فورد فيها حديثا أبي هريرة وعبد الله بن مغفل الثابتان في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات) في رواية (إحداهن) وفي رواية: (أولاهن بالتراب) وفي رواية: (وعفروه الثامنة بالتراب) وهذا الحديث دل على مسائل: المسألة الأولى: إذا ولغ الكلب في الإناء -والولوغ: هو إدخال رأسه وشربه من الإناء- وشرب منه، وكذلك لو لم يكن في الإناء ماء وجاء كلب ولحس والرطوبة موجودة بلسانه فنقول: لقد ولغ فيه، فطهارة الإناء بفعل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: (أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب) وفي رواية: (إحداهن) وفي رواية: (وعفروه الثامنة بالتراب) ثلاث روايات.
أما رواية: (أولاهن) فصورتها: فإن تأخذ كفاً من تراب وترميه في هذا الإناء الذي أدخل الكلب رأسه وولغ فيه، ثم إذا رميت هذا الكف من التراب صببت الصبة الأولى من الماء ثم الثانية ثم الثالثة.
إلى السابعة، فبذلك يطهر الإناء.
أما رواية: (إحداهن) فهي مطلقة، فإن شئت صببت الماء في الأولى ثم رميت التراب في الثانية وصببت الصبة الثانية من الماء.
أما رواية: (عفروه الثامنة) فهي محل إشكال، فقال بعض العلماء: إن قوله صلى الله عليه وسلم: (عفروه الثامنة) معناه: أنه بعد غسله سبع مرات يصب التراب ثم يحتاج إلى ماء بعد التراب، وهذا قول شاذ قال به بعض السلف، والصحيح: أن قوله صلى الله عليه وسلم: (عفروه الثامنة بالتراب) أنها ليست غسلة ثامنة في الترتيب، وإنما هي ثامنة من حيث العدد، فإنك إذا وضعت التراب في الأولى ثم صببت الماء سبع مرات، فإن حسبت وضع التراب صبة مستقلة صارت ثامنة، وهذا هو الصحيح، وليس المراد بالثامنة أنها تقع في الترتيب ثامنة، وبناءً على ذلك أخذنا من الحديث أموراً: الأمر الأول: وجوب غسل الإناء سبعاً وتعفيره الثامنة بالتراب على الصفة التي ذكرناها، وذلك عند حصول الولوغ، أما لو أن كلباً أدخل رأسه فقط ولم يحرك لسانه، فإنه لا يجب الغسل ويبقى الإناء على أصله من كونه طاهراً، أي: ليست القضية أن يدخل رأسه فقط، لا بل لا بد من أن يلغ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ) فقيّد ذلك بوجود الولوغ، وبناءً على ذلك: إذا أدخل رأسه ولم يحرك لسانه فهذا لا يعتبر ولوغاً ولا يوجب الغسل سبعاً والثامنة بالتراب.
إذا ثبت أن الكلب يجب غسل ما ولغ فيه سبعاً والثامنة بالتراب، فهنا يرد

السؤال

هل الحكم مخصوص بالكلب فقط أو يقاس عليه غيره؟ قال بعض العلماء: يقاس على الكلب غيره، فلو أن خنزيراً أدخل رأسه وولغ في الإناء فإنه يغسل سبعاً والثامنة بالتراب، وهذا مذهب الحنابلة وهو قول مرجوح، والصحيح: أن الحكم -كما يقول الجمهور- يختص بالكلب، وأما الخنزير فإنه لا يأخذ هذا الحكم، والمصنف عمل بالقول المرجوح، والراجح أن الحكم ورد في الكلب، وأما الخنزير فلا يأخذ حكمه، والدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم -رغم أن الخنزير كان موجوداً في زمانه- قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب) وما قال: والخنزير وإنما قال: الكلب، وهذا يدل على أن الحكم يختص بالكلاب ولا يقاس عليها غيرها.

حكم استخدام الأشنان في التطهير من ولوغ الكلب

قال رحمه الله: [ويجزئ عن التراب أشنان ونحوه] (ويجزئ عن التراب) قد قررنا أنه لا بد من التراب في الغسل، فلو أنه لم يجد تراباً، كمن يكون في أرض جبلية، وأراد أن ينتفع من هذا الإناء المولوغ فيه وليس عنده تراب، فما هو الحكم في ذلك؟ الحكم: أن يُنَزَّل الأُشنان منزلة التراب، فيغسله بالأُشنان مع الماء، وهذا على القول بأن الحكم معلل، فإن في الكلب جراثيم يبالغ في تطهيرها على هذا الوجه، ولذلك قالوا: إن الأشنان يقتل الجراثيم كقتل التراب لها وإن كان هناك فرق بين قتل التراب وقتل الأشنان، فإن التراب أبلغ وأقوى في قتل الجراثيم، ولذلك يقولون: إن تخصيص الشرع به أقوى، حتى أن الأطباء الآن يعتبرون التطهير مع الماء من إعجاز الشرع؛ لأن التراب معرض للشمس، وطهارة التراب ونقاؤه من الجراثيم من أكثر الموجودات على سطح الأرض، فإن التراب أبلغ طهارة والماء أقل منه، ولذلك تجد الشرع قد جعل التراب أبلغ في تطهير أو قتل الجراثيم من الماء، وهذا من إعجاز الشرع.
وللعلماء في تنزيل الأشنان منزلة التراب ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يُجزئ عن التراب غيره سواءً وجد التراب أو لم يوجد، وبهذا القول قال طائفة من العلماء رحمة الله عليهم، وهو قول في مذهب الشافعية والحنابلة رحمة الله على الجميع.
القول الثاني: يُجزئ عن التراب غيره من سائر المنظفات، فلو أردت أن تغسله بماء وصابون أجزأت غسلة الصابون -وكذلك بقية المطهرات- عن التراب كما ذكر المصنف رحمه الله: (الأُشنان) بالضم، والأشنان المراد به: نوع من المنظفات، وفي حكمه المطهرات الموجودة الآن، فعند أصحاب هذا القول أنه يُجزئ أن تغسل الإناء سبع مرات بالماء، وأن تكون ضمن هذه الغسلات غسلة بمنظف، سواءً كان صابوناً أو غيره من المنظفات، وهذا القول هو الوجه الثاني عند الشافعية، وكذلك عند الحنابلة رحمة الله عليهم، وقد درج عليه المصنف حيث قال: (يُجزئ عن التراب أُشنان وغيره).
والقول الثالث: أنه إن وجد التراب فلا يُجزئ غيره عنه، وإن لم يوجد فإنه يُجزيء غيره عنه، وهو أعدل الأقوال وأولاها بالصواب -إن شاء الله تعالى- وهو وجه عند الشافعية رحمة الله عليهم، فإذا ثبت هذا فيستوي في الحكم بالمطهر سائر المنظفات سواء كانت من صابون أو أُشنان قديم، فما دام أنه يُنظف ويُنقي؛ فإنه يُجزئ عن التراب إذا فُقد التراب، وهذا محصل أقوال العلماء رحمة الله عليهم في إجزاء غير التراب عن التراب في مسألة ولوغ الكلب.

كيفية إزالة النجاسة غير الكلب والخنزير

قال رحمه الله: [وفي نجاسة غيرهما سبع بلا تراب] أي: غير الكلب والخنزير، فلو أن إنساناً كان عنده ثوب فوقعت عليه نجاسة من غير كلب أو خنزير؛ فكيف يتم تطهير هذه النجاسة؟ للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول يقول: كل شيء وقعت عليه النجاسة من غير الكلب والخنزير فيجزئ أن تصب عليه صبةً واحدة تذهب عين النجاسة وأثرها ويجزئك ذلك، وهذا القول اختاره غير واحد من أهل العلم، ونُسب إلى جمهور العلماء واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله على الجميع أن العبرة في إزالة النجاسة إذا وقعت على الشيء من غير الكلب أن تصب صبةً واحدة منقية منظفة؛ فحينئذٍ يجزئك ذلك.
القول الثاني: لا يجزئ أقل من ثلاث غسلات، وهذا القول اختاره جمع من العلماء وهو وجه عند الحنابلة، واختاره الإمام الموفق ابن قدامة كما هو ظاهر عمدته، وأصحاب هذا القول يقولون: إذا وقعت النجاسة على الثوب وأردت أن تطهره فلابد من ثلاث غسلات: تصب الغسلة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، فإذا أتممت الثلاث حكم بطهارة المحل، بشرط أن يذهب عين النجاسة وأثرها.
القول الثالث يقول: لابد في التطهير من سبع غسلات، فلو غسلت بأقل فإن المحل يبقى نجساً، وهذا كما درج عليه صاحب الزاد هنا، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد: أنك تغسل كل شيء تنجس سبع مرات.
ولكن عند النظر في أدلة هذه الأقوال الثلاثة يتخلص ما يلي: الذين قالوا: تجزئ صبة واحدة، احتجوا بحديث بول الأعرابي، فإن الأعرابي لما بال في المسجد قال عليه الصلاة والسلام: (أريقوا على بوله سجلاً من ماء) فأمر بصبة واحدة، فقالوا: إنه إذا صب صبةً واحدة على الماء كان كمثل صب الماء على بول الأعرابي، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: صبوا عليه ثلاثاً ولم يقل: صبوا عليه سبعاً، وبناءً على ذلك يبقى المطلق على إطلاقه، فيجزئ في سائر النجاسات أن يصب عليها صبةً واحدة.
كذلك أيضاً استدلوا بدليل العقل، قالوا: الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فنحن نحكم بنجاسة الثوب لوجود النجاسة، فإذا صببت صبة واحدة وذهبت النجاسة؛ فقد زالت العلة التي من أجلها حكم بتنجس الثوب، فينبغي أن يزول الحكم، ونقول: الثوب طاهر بصبة واحدة.
والذين قالوا: لابد من الثلاث لهم دليلان: الدليل الأول: وهو حديث أبي هريرة: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلها في الإناء) كما هي رواية مسلم في صحيحه، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل اليدين ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء؛ فدل على أن النجاسة لا تزول إلا بثلاث غسلات، ويقولون: الغسلة الأولى تذهب عين النجاسة، والغسلة الثانية توجب الاستبراء لذهاب الأثر، والغسلة الثالثة استبراء للمحل، والحق أنك إذا غسلت ثلاثاً فإنك ترى أن النجاسة قد زالت في غالب الأحوال، والحكم في الشرع إنما يناط بالغالب.
أما الذين قالوا بالسبع فاحتجوا بحديث أيوب بن جابر -وهو حديث ضعيف- (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل النجاسة سبعاً).
وعند النظر نجد أنه لاشك أن القول الذي يقول بالتثليث في الغسل من القوة بمكان: أولاً: لظاهر حديث أبي هريرة، فإنك إذا نظرت في حديث أبي هريرة مع أن النجاسة مشكوك فيها، يقول: (فليغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء).
أما حديث الأعرابي الذي فيه صبة واحدة، فإنك إذا نظرت فيه فإنه ليس من قبيل الإزالة بالعصر، والإزالة في النجاسات التي يزال فيها عين النجاسة وأثرها بالعصر إنما يكون بالتثليث، أما في الأرض فإنه لا يتأتى فيها التكرار بمعنى: أنه إذا صب فكاثر الماء على البول؛ فإنه حينئذٍ يكون قد أزال النجاسة وأزال أثرها، فنستثني هذا الخاص من العام.
ومما يقوي دليل التثليث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من ذهب إلى الغائط أن يأخذ ثلاثة أحجار، وهذا يقوي الأصل الذي ذكرناه من التثليث، مع أن الذين يقولون بالصبة الواحدة فيهم من يقول: إنه يجب التثليث عند غسل اليدين وعند الاستيقاظ من النوم، فإذا كان التثليث واجباً في نجاسة مشكوكة، فمن باب أولى أن يكون واجباً في نجاسة متيقنة، ثم وجدنا النظير في الاستنجاء، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاستجمار بثلاثة أحجار، فهذا يقوي أن النجاسة تزول بثلاث غسلات، ثم إن شاهد الحس يشهد أن الغالب زوال النجاسة بالثلاث، وأن الصبة الواحدة لا تزيل النجاسة في الغالب إلا بالكثرة، فما دام أنها لا تزيل إلا بالكثرة؛ فالأفضل للإنسان أن يحتاط ويجعل الصبات متكررة؛ فبدلاً من أن يصب بكثرة صبة واحدة؛ فإنه يحتاط بالثلاث لورود الأمر بها، ثم وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم لما أسبغ الوضوء غسل كفيه ثلاثاً، فكان هذا أدعى للمداومة على التثليث في إزالة القذر والنجس.
هنا تنبيه: إذا قلنا: إن النجاسة تزول بمرة واحدة أو بثلاث أو بسبع؛ فاعلم رحمك الله أن الحكم محله ألا يبقى أثر للنجاسة، فلو فرض أن إنساناً غسل النجاسة ثلاث غسلات وما زالت باقية فعند ذلك تجب الزيادة، إذاً: ليس قول من قال: إنها مرة واحدة أو ثلاث أو سبع معناه أن الإنسان يصب دون أن يراعي زوال النجاسة من المحل.
والنجاسة تزال كليةً فلا يبقى لها عين ولا أثر، وقد تزال ويبقى أثرها، وقد تزول العين ويزول الأثر وتبقى الرائحة، ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: إما أن تزيل النجاسة فيذهب عينها، وتذهب رائحتها، ويذهب لونها الذي هو الأثر.
الحالة الثانية: إما أن تزيل النجاسة، فيذهب عينها دون رائحتها.
الحالة الثالثة: إما أن تزيل ويذهب عينها دون لونها.
فإذا أزال النجاسة ولم يبق منها عين ولا لون ولا رائحة؛ فبالإجماع أنه قد طهر المحل، لكن يبقى اشتراط التثليث والتسبيع عند من يقول به، ومعنى عين النجاسة: أي: لو أن إنساناً وقع على ثوبه جرم من عذرة آدمي -أكرمكم الله- فإن العين المراد بها: الجرم نفسه، وكذلك الدم، فإن عِلَقَ الدم هذه هي عين النجاسة.
أما اللون فهو حمرة الدم، أما الرائحة فهي رائحة الدم التي توجد فيه، ولكن يقول العلماء بعض النجاسات لونها أبلغ من ريحها، وبعضها ريحها أبلغ من لونها، وبعضها يجتمع فيها التأثير بأن تكون قوية الرائحة قوية اللون.
بناءً على ما سبق: فإنه ينبغي للمكلف أن يزيل عين النجاسة وأثرها ورائحتها، فلو بذل الوسع في التطهير كما هو الحال في الدم المتجلط أو اليابس الذي يكون على الثوب ربما بالغت بحكه ولكن يبقى شيء من الأثر وهو الصفرة المتحللة، وهي آخر الدم ولا تخرج إلا بصعوبة؛ فهذا مما يعفى عنه.
إذاً: بقايا الدم من الصفرة التي يصعب إزالتها حتى مع شدة العصر والفرك لا تضر، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم به الصحابية أن تحته وأن تقرصه بماء وأنه لا يضرها أثر ذلك الدم، وبناءً على هذا تبين عندنا أن النجاسة فيها مسائل: المسألة الأولى: هل يشترط التكرار في تنظيفها؟ وقلنا في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول بأن العبرة بصب الماء دون التفات إلى عدد، وقول بالتثليث، وقول بالتسبيع، وأن الأقوى التثليث.
الأمر الثاني الذي نبهنا عليه في هذه المسألة: أن محل الخلاف ألا يبقى أثر للنجاسة، فإذا كان صب الثلاث وصب السبع وصب الواحدة يُبقي شيئاً من النجاسة فبالإجماع أنه مطالب بإزالة ذلك الأثر ولو بلغ إلى عشر صبات.
الأمر الثالث: أن النجاسة إما أن تكون قوية اللون والرائحة والعين، وهذه الحالة يجب فيها إزالة العين واللون والرائحة فإن بقي شيء من الرائحة أو اللون فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون مما يشق زواله.
الحالة الثانية: أن يكون مما لا يشق زواله.
فإن كان مما يشق زواله عُذر المكلف فيه؛ وإلا فلا.

شرح زاد المستقنع -

باب إزالة النجاسة [2]

تختلف النجاسات في أثرها وشدتها، ومن ثم يختلف ما تزال به بعض النجاسات عن بعض، فقد تزال نجاسة بشيء لا تزال به نجاسة أخرى، وهذا يؤدي إلى اختلاف وسائل إزالة النجاسات، على خلاف بين العلماء في بعضها.

ما لا يجزئ في تطهير المتنجس

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

حكم زوال النجاسة بالشمس

فيقول المصنف رحمه الله: [ولا يطهر متنجس بشمس ولا ريح ولا دلك].
(ولا يطهر متنجس بشمس) صورة المسألة: لو أنك رأيت النجاسة قد أصابت طرفاً من الأرض الذي تصلي عليه، ثم هذا الموضع أصابته الشمس أياماً أو فترة من الزمن، وجئت ووقفت عليه فلم ترَ أثراً للنجاسة فهذا يسميه العلماء: (المكان المتطهر بالشمس) أي: زال أثر النجاسة عنه بالشمس، وللعلماء فيه قولان: قال بعض العلماء: إذا زالت النجاسة بالشمس ولم يبقَ لها أثر في الموضع؛ فإنه يحكم بطهارة ذلك المكان، ويرجع إلى أصله.
وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
والقول الثاني يقول: إنه لابد من صب الماء ولو زال أثر النجاسة بالشمس، وبه قال جمهور العلماء، ويستوي في ذلك أن يكون أرضاً أو يكون ثوباً، فلو أن إنساناً أصابت النجاسة ثوبه ثم عرض ثوبه للشمس، وجاء بعد أيام فلم يجد لا لون النجاسة ولا ريحها ولا أثرها، فقال أصحاب القول الأول: نحكم بالطهارة، وهم الحنفية.
والقول الثاني يقول: لا نحكم بالطهارة بل لابد من الغسل، وهو مذهب الجمهور.
والذين قالوا: إنه يحكم بطهارة الموضع، استدلوا بدليل العقل، فقالوا: القاعدة في الشرع: (أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً)، فلما كان حكمنا بنجاسة الثوب مبنياً على وجود النجاسة في الثوب؛ فإنه ينبغي أن يزول هذا الحكم بزوال النجاسة، وقد زالت بالشمس، فيستوي عندنا أن تزول بالشمس أو بغير الشمس.
وأصحاب القول الثاني -الذين قالوا بعدم طهارة الموضع بالشمس- استدلوا بما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة من قصة الأعرابي، أنه لما بال في المسجد قال عليه الصلاة والسلام: (أريقوا على بوله سَجلاً من ماء) قالوا: لو كانت الأرض تطهر بالشمس إذا زال أثر النجاسة أو ذهب ما يدل عليها لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بأن يتكلفوا صب الماء على الموضع.
والقول الراجح في هذه المسألة والأقوى والأقرب للأصول: أنه لابد من صب الماء؛ وذلك لأمرين: الأمر الأول: أنه إذا اختلف في شيء هل هو لازم أو غير لازم؟ فإنه يرجع إلى الأصل، فهل الأصل في النجاسة أنها تغسل أو تشمس؟ الأصل أنها تغسل، وبناءً على ذلك: نحن شككنا في زوالها بالشمس: هل هو موجب لرجوعها إلى كونها طاهرة أو نبقى على اليقين من كونها نجسة؟ فكان هذا بمثابة القرينة على رجحان القول الذي يعتمد الغسل لإزالة تلك النجاسة.
والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بصب الماء على ذلك الموضع، وقد كان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم منه ما هو في الشمس ومنه ما هو في الظل.
فلو قال قائل: يحتمل أن هذا الموضع الذي أُمر بصب الذنوب عليه كان في الظل، لقلنا: هذا مردود؛ لأن الأعرابي -كما في الصحيح- دخل والنبي صلى الله عليه وسلم جالس في الحلقة، ومما هو معلوم أنه لو أراد أن يقضي حاجته فإنه سيتلمس أبعد المواضع عن الجلاس، وهذا أمر واضح بدليل الاستقراء للعرف، فإنه لن يأتي ويبول قريباً منهم، ومن عادته عليه الصلاة والسلام أن يكون في أقرب المواضع للظل أو في الظل، وبناءً على ذلك: فإن الغالب من صورة الحال أن يكون بوله في موضع لا ظل فيه، وهذا هو الأرفق والأقرب، وإذا ثبت هذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصب الماء عليه، فلو كانت إصابة الشمس تطهر الموضع، لما أمر الصحابة أن يتكلفوا إحضار السجل وصبه على ذلك الموضع ولتركه للشمس تطهره؛ ولذلك لا شك أن الأصل هو كون الماء مطهراً لم يرد دليل صحيح يدل على أن الشمس تطهر، فنبقى على دلالة الأصل خاصةً على مسلك الجمهور الذين يقولون: إن تطهير النجاسة في بعض المواضع فيه شبهة التعبد، فتطهير النجاسة في بعض المواضع ألفنا من الشرع فيه شبهة التعبد، ومثل هذا يقوى فيه البقاء على الأصل، وإلغاء الأوصاف المعللة بالقياس والنظر.

حكم زوال النجاسة بالريح

وقوله: (ولا ريح، ولا دلك).
أي: إذا أصابت النجاسة موضعاً وحكمت بنجاسته؛ فإنه إذا طهر بالريح لابد من غسله (ولا ريح) أي: لا يطهر الموضع بالريح، وصورة ذلك: لو أن إنساناً أصاب ثوبه نجاسة فنشره، فجاءت الريح وعبثت بالثوب حتى لم يبق للنجاسة أثر في الثوب؛ فحينئذٍ نقول: إن جريان الريح لا يوجب زوال الوصف المستيقن كونه نجساً، بل لابد من الغسل.

حكم زوال النجاسة بالدلك

وقوله: (ولا دلك) الدلك له حالتان: الحالة الأولى: ثبت الشرع باعتباره مطهراً فيها.
الحالة الثانية: البقاء على الأصل من كون الموضع لا يطهر إلا بالغسل.
أما الحالة التي ثبت الشرع باعتبار الدلك فيها مطهراً: فهي في نجاسة الحذاء وثوب المرأة؛ ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالصلاة بالنعال ومخالفة اليهود فقال: (صلوا في نعالكم) ثم قال: (فإن وجد أحدكم فيها أذى -يعني: نجاسة- فليدلكهما بالأرض ثم ليصلِّ فيهما) فدل هذا على أن النجاسة تطهر بالدلك.
ومن السُّنة للمرأة إذا لبست العباءة -وهذه سنة أضاعها كثير من نساء المؤمنين خاصةً في هذا الزمان- أن تجر عباءتها في الأرض، وألا تكون هذه العباءة مرتفعة؛ وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء المؤمنات بجر الثوب؛ وسئل عما يصيبه ذلك الثوب من النجاسة فقال: (يطهره ما بعده) يعني: لو مرت المرأة بعباءتها على نجاسة ثم مرت على موضع يابس أو على تراب يابس؛ فإن احتكاك هذا الثوب بالتراب يعتبر منظفاً له كما لو صب الماء عليه، والصحابة يعلمون أن الثوب سيمر على تراب، ولكنهم واستنكروا بقاء هذه النجاسة مع كونه يمر على تراب، فدل ذلك على أن الأصل في النجاسات أنها تُغسل، إِذْ لو كانت تزول بكل طاهر لما استشكل الصحابة كون المرأة تمر بعباءتها وتجرها على الأرض اليابسة، فإذا ثبت هذا فإن الدلك لا يطلق أنه غير مزيل للنجاسة بل يفصل فيه، فما ورد الشرع باعتبار الدلك فيه مزيلاً للنجاسة؛ فيحكم بكونه مطهراً، وما لم يرد فيه دليل فلا يعتبر مطهراً.
لكن بعض العلماء يقول: أنا أسلم بكون حذاء الرجل وثوب المرأة إذا مر على النجاسة ثم على الأرض فإنه يطهر، ولكن من باب الرخصة لا من باب الأصل، فيقول: هذا الثوب نجس؛ ولكن الشرع حكم بزوال النجاسة لا حقيقة وإنما اعتباراً من جهة الشرع، ولا أرى الدلك مطهراً.
لأنه وإن كان هنا بمثابة المطهّر لكنه لا يحُكم بحقيقة زوال النجاسة، وإنما يرتفع حكمها، وفرق بين ارتفاع حكم النجاسة وبين ارتفاع النجاسة بذاتها وزوال عينها.

حكم زوال النجاسة بالاستحالة

قال رحمه الله: [ولا استحالة غير الخمرة] لو أن هذه النجاسة الموضوعة في الإناء تغيرت واستحالت فإنه لا يحكم بطهارتها.
واستحالة النجس إلى طاهر لها أحوال: الحالة الأولى: أن يُكاثر بطاهر.
والحالة الثانية: أن يستحيل بنفسه، فالظاهر من إطلاق المصنف العموم.
لكن الأمر فيه تفصيل: فإن كانت استحالة النجس بتكثير، كأن يكون عندك سطل من الماء وقع فيه بول، فتغير لون الماء، فجئت بثلاثة سطول وصببتها على هذا السطل حتى ذهب عين النجاسة وأثرها فلم يبق لها أثر، لا طعم ولا رائحة ولا لون، فحينئذٍ نقول: إن الماء قد أصبح طاهراً، وإذا كان الماء الذي صب طهوراً فقد حكمنا باستحالة هذا الماء من كونه نجساً إلى كونه طاهراً أو طهوراً بحسب ما خالطه، وهذا لا يعنيه المصنف هنا، وإن كان الإطلاق يدل عليه؛ لكن المراد الاستحالة الذاتية، والاستحالة المؤثرة بنفسها، وصورة ذلك كما قلنا: أن يكون في إناء أو وعاء شراب، وهذا الشراب تنجس بنجاسة، وبعد أيام تبخرت هذه النجاسة أو وضعت في موضع فأصابته الشمس وبخرت ما فيه من النجاسة وأصبح ماءً نقياً، أو بالتقطير كما هو موجود الآن، فهل يحكم بكونه طاهراً بناءً على أنه رجع إلى أصله أو لا يحكم؟ للعلماء قولان في ذلك: القول الأول: يحكم بكونه طاهراً.
القول الثاني: لا يحكم بكونه طاهراً، واختار المصنف الحكم بعدم كونه طاهراً، أي: يبقى على أصله من كونه نجساً، فإن النجاسة قد تتحلل في أجزاء الشيء، فتخفى بعض الخفاء، ولما كان الأصل واليقين أنه نجس، فنبقى على هذا الأصل واليقين حتى يُستحال بمكاثرة الطهور عليه.

القول في نجاسة الخمر

وقوله: (غير الخمرة).
(غير) استثناء (الخمرة) والخمر أصله: التغطية، ومنه الخمار؛ لأنه يغطي الوجه، وسميت الخمر خمراً؛ لأنها -والعياذ بالله- تغطي عقل الإنسان وتذهب إدراكه وشعوره، والخمرة تكون مائعة في الأصل، ولكن يلتحق بها كل ما كان مؤثراً في العقل ولو كان جامداً، سواء كان مصنعاً كما هو الموجود الآن في بعض حبوب المخدرات، أو كان طبيعياً كبعض النباتات كالشيكران، فإنه إذا أكل أثر في العقل، أو الخشخاش الذي هو أصل الأفيون، فكل ذلك يعتبر في حكم الخمر، لكن العلماء إذا أطلقوا الخمر فمرادهم به: الشراب المائع الذي يكون من العنب أو من التمر أو من الزبيب أو من غيرها من سائر الثمار، فهذه الخمرة محكوم بنجاستها، وقد تكلمنا على هذه المسألة غير مرة، وفصلنا القول فيها في شرح بلوغ المرام، فإن الذين قالوا بنجاستها -وهم جماهير العلماء- حكموا بالنجاسة لظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة:90] والرجس: هو القذر في أصل اللغة، والقذر في الشرع أصله النجس، وقالوا: خرجت الأزلام، أما الأنصاب فإنها نجسة؛ لأنها كانت حجارة يذبح عليها، فيكون الدم المسفوح النجس قد أصابها فهي بذلك نجسة بلا إشكال.
أما الأزلام فقال العلماء: خرجت بدلالة الحس وبقي ما عداها على الأصل، وأما بالنسبة للخمر فليس هناك دلالة حس على طهارتها، فإنها مستقذرة، فتبقى على وصف الرجس في الشرع من كونها نجسة، وهذا الدليل نوزع بإراقة النبي صلى الله عليه وسلم لوعاء الخمر كما في قصة المزادتين، فإنه أمر الصحابي أن يريق الخمر من المزادتين، قالوا: ولم يأمره بغسلهما، وهذا استدلال فيه نظر كما نبه عليه غير واحد من أهل العلم، فإن سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن أمره بغسل مزادة الخمر إنما هو للعلم به بداهة، فإنك إذا وضعت في هذه المزادة لبناً وأرقت اللبن فمعلوم بداهة أنك ستغسلها، فسكت عليه الصلاة والسلام لعلم الصحابي بذلك بداهة.
وقال بعض العلماء في جوابه: لو قيل: إن ظاهر سكوت النبي صلى الله عليه وسلم يدل على طهارتها لاحتج بذلك محتج وقال: يجوز لمن أخذ مزادة الخمر بعد تفريغها أن يصب فيها لبناً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بغسلها، فيكون الجواب بأنه سكت عن الأمر بغسلها للعلم به بداهة، وكما أننا في المشروبات نقول: سكت عنه للعلم به بداهة، كذلك في العبادات نقول: سكت عنه للعلم به بداهة، فهي نجسة، وأما صبها في سكك المدينة فقد بين العلماء أن هذا لا يدل على طهارتها؛ وذلك لأن الصحابة إذا صبوها في سكك المدينة ومشوا عليها بالنعال، فإن المشي على الأرض اليابسة يطهر النعال كما ذكرنا، ولو أن امرأة جرّت ثوبها على خمرة مراقة ثم مضت بعد ذلك إلى أرض يبسة؛ فإنها تطهره بذلك الجر، وبناءً على ذلك: لا يعتبر هذا دليلاً قوياً كما نبه عليه الشيخ الأمين رحمة الله عليه، وله فيه بحث نفيس في تفسير آية المائدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة:90] فأقوى الأقوال وأعدلها القول بنجاستها.
وقال بعض العلماء مستدلاً على طهارة الخمر: إن الله تعالى يقول: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان:21] فوصف الخمر بكونها طهور؛ وقد فاته أن الله حكم بأن خمر الآخرة لا غول فيها، والغَول: هو أساس نجاسة الخمر في الدنيا، فنجاسة الخمر في الدنيا مبنية على وجود هذه المادة التي تستحيل عند الخل، ولذلك لما استحالت هذه المادة في الخمر حكمنا بطهارتها، ولما كانت خمر الآخرة طاهرة من جهة عدم وجود الغول فيها قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان:21] وقلب بعض العلماء هذا الاستدلال فقال: بل هو دليل على نجاستها؛ لأنه لو كانت خمر الدنيا والآخرة مستويان لما قال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان:21].

حكم تخلل الخمر

قال رحمه الله: [فإن خُلّلت أو تنجس دهن مائع لم يطهر].
لو أن إنساناً علم أن هذا الوعاء فيه خمر، فتخللت هذه الخمر -بمعنى: استحالت وصارت خَلاً- فلا تخلو صيرورتها إلى الخَل من حالتين: الحالة الأولى: أن تتخلل بنفسها.
والحالة الثانية: أن تتخلل بفعل المكلف.
فإن تخللت بنفسها؛ فإنها تطهر وتعتبر طاهرة؛ لدليل الشرع، كما في الصحيح من حديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نعم الإدام الخَل) فأثنى عليه، والثناء يدل على أصل الإباحة، فأجاز لك أن تأتدم بالخل، والخل أصله خمر، وإذا ثبت هذا فإنها إذا تخللت بنفسها طهرت على ظاهر هذا الحديث.
وقد يقول قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على الخل مطلقاً، سواء تخلل بنفسه أو تخلل بفعل المكلف؛ فجوابه ما رواه أحمد وأبو داود: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تخليل الخمر، فإنه لما سُئل عن تخليلها نهى عن ذلك، وقال: لا) وأمر أبا طلحة في خمر الأيتام أن يريقها وأن يكسر الدِّنَّان -وهي: أوعية الخمر- ومعلوم أن هذا مال أيتام، فلو كانت الخمر تتخلل بفعل المكلف لقال له: خللها؛ لأنه مال يتيم يحفظ ولا يراق إذا أمكن استصلاحه، فإذا ثبت هذا فيقال في الخمر في تخللها: إنها لا تخلو من حالتين: إن تخللت بنفسها حكم بطهارتها على ظاهر السُّنة، وإن تخللت بفعل المكلف فلا يحكم بطهارتها ولا بجواز الانتفاع بها على ظاهر حديث السنن.

حكم وقوع النجاسة في الدهون

(أو تنجس دهن مائع لم يطهر) الدهن له حالتان: إما أن يكون مائعاً أو جامداً، والدهن: مثل: السمن أو الزيت، فالسمن: كسائر ما يكون من بهيمة الأنعام، والزيت: كأن يكون زيتاً نباتياً، مثل: زيت الزيتون، والدهن إذا جمد -كالسمن- إن وقعت فيه نجاسة، فالحكم أنك تأخذ النجاسة وما حولها؛ لظاهر حديث الفأرة في الصحيح، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإلقائها وما حولها، أي: في السمن، فدل هذا على أنه -أي: الدهن- إن كان جامداً طهر بزوال عين النجاسة وما حولها، أو ما قاربها.
وأما إذا كان الدهن مائعاً تسري فيه النجاسة وتتخلل فيه فللعلماء في نجاسة المائع قولان: القول الأول: يقول: نجاسة الدهون نجاسة مجاورة لا نجاسة عين، ومرادهم بنجاسة المجاورة أنك حينما ترى القطرة من البول وقعت في السمن فإنها تنحاز وتتميز عن السمن، قالوا: فنجاسته نجاسة مجاورة، ونجاسة المجاورة ليست كنجاسة العين، أي: ليست مثل وقوع البول في الماء؛ فإنه يتحلل فيه، وتصير طاقات الماء وطاقات البول ممتزجة، فصارت نجاسة ممازجة، ففرق العلماء بين نجاسة المجاورة التي يكون فيها جرم النجس منفصلاً، أو ترى فيه انحيازه وعدم ممازجته للعين التي أصابها، وبين النجاسة التي تمازج، والسبب في إفراد العلماء للدهون بالكلام في كتب الفقهاء وجود هذا الإشكال، وهو: أن النجاسة إذا وقعت فيها يقول بعض العلماء: إنه يمكن إزالة هذه النجاسة، لأنها نجاسة مجاورة وليست بنجاسة عين، والنجاسة إذا ضعفت عن التأثير بقي حكم الأصل من كونه طاهراً.
فإذا علمنا أن عندنا قولين فما هو أقواهما؟ هل هي نجاسة عين أو نجاسة مجاورة؟ فالذي يقوى ورجحه غير واحد من المحققين: أن نجاسة الزيوت والدهون -إلا في بعض الصور المستثناة، وهذا يختلف باختلاف أنواع الزيوت- نجاستها نجاسة مجاورة وليست نجاسة ممازجة، فإن دليل الحس ظاهر، حتى إنك في بعض الأحيان تحكم بأن النجس قد صار إلى هذا الركن أو هذا الجانب من المائع، فنجاسة هذه المائعات أو الدهون نجاسة مجاورة وليست بنجاسة ممازجة.
وإذا ثبت في مسألة نجاسة الدهون أنها نجاسة مجاورة، فيرد هنا سؤال وهو: هل يمكن تطهير الزيوت أو لا يمكن؟ هذه مسألة تكلم عليها العلماء في المذاهب الأربعة كلاماً مستفيضاً، ويترتب عليها مباحث مهمة ومسائل عظيمة في العبادات كالطهارات، وفي المعاملات كالبيع والشراء، فإنك إذا قلت: السمن يمكن تطهيره والزيت المتنجس يمكن تطهيره جاز بيعه، كالثوب يباع وفيه نجاسة؛ لأنه يمكن تطهيره، أما لو قلت: إن الزيت قد أصبح متنجساً، فإنه لا يجوز بيع النجس؛ لأنه لا يمكن تطهيره، فتحكم بعدم جواز البيع، فاختلف العلماء الذين قالوا بأن النجاسة فيه نجاسة مجاورة: هل يحكم بتطهيره أو لا؟ وأصح الأقوال وأقواها: أن فيه شبهة التطهير، يعني: يقوى القول بأنه نجس ويصعب تطهيره، لكن إذا تيسر في هذه الأزمنة وجود بعض المواد التي يمكن بها سحب هذه المادة النجسة فيحكم بالطهارة، قالالذين يرون تطهيره: إنه إذا تنجس الزيت بوقوع بول فيه، فنصب من الماء قدراً يغلب على ظننا أنه لو مازج البول كاثره حتى تذهب مادة النجاسة، فلو كان البول قطرة، وصببت كأساً من الماء، فإن القطرة إذا صب عليها الكأس من الماء أذهب نجاستها، قالوا: فنصب هذا الماء على الزيت، ثم لهم طريقة في استخلاص الماء مع البول، فإن البول ينحاز عن السمن، فإذا صببت الماء في هذه الحالة فإن الماء يختلط بالبول؛ لأن البول يمتزج مع الماء، ولا يختلط الماء مع الزيت -كزيت الزيتون ونحوه- فيبقى الماء في ناحية والزيت في ناحية أخرى، فيقومون باستخلاص الماء بطريقة معينة، قالوا: حتى لو بقي شيء من هذا الماء فقد بقي مكاثراً للنجس، فيحكم بطهارته، وهذا وجه من يقول بتطهير الزيت.
أما الطريقة الثانية لهم في التطهير: أن يُغلى بالماء، فإذا غلي بالماء تبخرت النجاسة وبقي الزيت؛ لأن الزيت إذا غلى انقدح، ولكن الشيء الذي فيه يتأثر بهذا الغليان، فمن شدة الحرارة على البول أو على الماء المتنجس الذي وقع يزول مع الغليان.
وقد ذكر المصنف رحمه الله أن الدهن لا يطهر؛ لأنه يرى أن النجاسة نجاسة ممازجة، وهذا مبني على حديث الفأرة -وهو حديث ضعيف- حيث جاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن كان مائعاً فلا تقربوه) ولو صح حديث الفأرة لقطع النزاع في هذه المسألة.

حكم النجاسة التي خفي موضعها

قال رحمه الله: [وإن خفي موضع نجاسةٍ غُسل حتى يجزم بزواله] عرفنا كيف نزيل النجاسة، ومن عادة الفقهاء رحمة الله عليهم أنهم يتكلمون على الصور المعروفة، ثم بعد ذلك يتكلمون على فرائد الأحوال وبعض الصور الغريبة، وأنت الآن قد علمت أنك إذا أردت تطهير النجاسة غسلتها ثلاثاً، وعلمت كون غير الغسل من دلك وريح وتشميس أنه لا يؤثر.
فيرد السؤال الآن: عن نجاسة لم تعلم موضعها؟ مثال ذلك: لو أن إنساناً مر على موضع، فتطاير من ذلك الموضع النجس ذرّات من نجاسة، وتحقق أنها أصابت ثوبه، ولكن لا يعلم أين المكان الذي هو محل تلك النجاسة بعينه، فهذه صورة.
والصورة الثانية: أن يعلم موضع النجاسة ثم ينسى ذلك الموضع، وإن كان عنده غلبة ظن أنه أسفل الثوب -مثلاً- لكن يخفى عليه هل هو في جانب الثوب الأيمن أو في جانبه الأيسر، فما الحكم؟ هذه المسألة التي ذكرها العلماء مرادهم: أن المكلف يصل إلى درجة لا يستطيع أن يميز فيها، أي: إذا ذكروا مسائل الشكوك فمرادهم بها أنك قد وصلت إلى درجة لا تستطيع أن تجتهد، بمعنى: أن موضع النجاسة خافٍ تماماً، أما لو أمكنك الاجتهاد مثل: من مر على بول فأصابه طشاش بول والثوب أبيض، ويمكنه أن ينظر في موضع النجاسة؛ فالقاعدة تقول: (القدرة على اليقين تمنع من الشك) ولذلك قالوا: من قدر على اليقين فلا يطالب بالشك، فإذا أمكن الإنسان أن يتحرى ويجتهد فهذا لا إشكال فيه، فعليه أن يتحرى ويجتهد، ولكن الكلام إذا لم يمكنك أن تتحرى وتجتهد، فتعلم أن هذا الثوب أصابته نجاسة، وعندك يقين بأنها لا تجاوز الربع الأسفل من الثوب، ولكن لا تدري أهي في اليمين أم هي في اليسار أم هي وسط بين اليمين واليسار أم أهي في وجه الثوب أم هي في قفاه، فأنت تعلم أن أسفل الثوب متنجس، ولكن لا تعلم أين موضع النجاسة، فما الحكم؟ قالوا: يغسل القدر الذي يجزم معه أن النجاسة قد زالت، فنقول لك: ما رأيك لو أخذت هذا القدر؟ تقول: لا.
أشك.
نقول: خذ هذا القدر.
تقول: نعم.
إذا بلغ هذا القدر فإني أتيقن أن هذه المساحة لم تجاوز النجاسة قدرها، فنقول: اغسل هذا الموضع، وهكذا لو أصابت النجاسة اليد ولكن لا تدري موضعها، تجزم بأن نصف اليد الأسفل فيه النجاسة، ولكن أهي في أوله أم في الربع الثاني؛ فحينئذٍ نقول: تغسل نصف اليد، وهكذا يغسل ما يجزم معه أنه قد طَهَّرَ موضع النجاسة بغسله.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
باب التيمم [2]حكم التيمم بتراب ليس له غبارفروض التيمممسح الوجه في التيمممسح اليدين إلى الكوعين في التيممالترتيب في التيممالموالاة في التيمم من الحدث الأصغراشتراط النية في التيممحالات النية في التيمممبطلات التيممخروج الوقت يبطل التيمممبطلات الوضوء مبطلات للتيممحضور الماء يبطل التيمماستحباب تأخير التيمم إلى آخر وقت الصلاةصفة التيممالأسئلةازدحام شرط الوقت وشرط الطهارة في الصلاةالسؤالالجوابحكم التيمم بالتراب المحترقالسؤالالجوابحكم أداء الفريضة بتيمم النافلةالسؤالالجوابتقديم الوجه على الكفين في التيممالسؤالالجوابحكم إمامة المتيمم بالمتوضئالسؤالالجوابحكم من وجد الماء بعد صلاته بالتيممالسؤالالجوابباب إزالة النجاسة [1]إزالة النجاسة وأحكامهاالجوابالأدلة على وجوب إزالة النجاسةالماء أصل في إزالة النجاسةإزالة النجاسة من الأرض بغسلة واحدةكيفية تطهير الإناء إذا ولغ فيه كلبالسؤالحكم استخدام الأشنان في التطهير من ولوغ الكلبكيفية إزالة النجاسة غير الكلب والخنزيرباب إزالة النجاسة [2]ما لا يجزئ في تطهير المتنجسحكم زوال النجاسة بالشمسحكم زوال النجاسة بالريححكم زوال النجاسة بالدلكحكم زوال النجاسة بالاستحالةالقول في نجاسة الخمرحكم تخلل الخمرحكم وقوع النجاسة في الدهونحكم النجاسة التي خفي موضعها
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل