كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البغوي ، أبو محمد
- الكتاب
- شرح السنة
- المؤلف
- محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1403هـ - 1983م
- عدد الأجزاء
- 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
1228 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ , أَنا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ سَعِيدٍ مَوْلَى الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِي جُهَيْمٍ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَارَيَا فِي آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ كِلاهُمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ تَلَقَّاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَمَاشَيَا جَمِيعًا حَتَّى أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكِلاهُمَا ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمَا سَمِعَا مِنْهُ، فَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نُزِّلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَلا تُمَارُوا فِي الْقُرْآنِ، فَإِنَّ مِرَاءً فِيهِ كُفْرٌ»
1229 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا آدَمُ، نَا شُعْبَةُ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ الْهِلالِيَّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلا قَرَأَ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ خِلافَهَا، فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، وَقَالَ: «كِلاكُمَا مُحْسِنٌ، فَلا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الأَحْرُفِ السَّبْعَةِ،
وَأَكْثَرُوا فِيهَا الْقَوْلَ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ وَعْدٌ، وَوَعِيدٌ، وَحَلالٌ، وَحَرَامٌ، وَمَوَاعِظُ، وَأَمْثَالٌ، وَاحْتِجَاجٌ.
وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ أَمْرٌ، وَنَهْيٌ، وَحَظْرٌ، وَإِبَاحَةٌ، وَخَبَرُ مَا كَانَ، وَمَا يَكُونُ، وَأَمْثَالٌ.
وَأَظْهَرُ الأَقَاوِيلِ وَأَصَحُّهَا وَأَشْبَهُهَا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ اللُّغَاتُ، وَهُوَ أَنْ يَقْرَأَهُ كُلُّ قَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ بِلُغَتِهِمْ، وَمَا جَرَتْ عَلَيْهِ عَادَتُهُمْ مِنَ الإِدْغَامِ، وَالإِظْهَارِ، وَالإِمَالَةِ، وَالتَّفْخِيمِ، وَالإِشْمَامِ، وَالإِتْمَامِ، وَالْهَمْزِ، وَالتَّلْيِينِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ اللُّغَاتِ إِلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ مِنْهَا فِي الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ أَحَدِهِمْ: هَلُمَّ، وَتَعَالَ، وَأَقْبِلْ.
ثُمَّ فَسَّرَهُ ابْنُ سِيرِينَ، فَقَالَ: فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ «إِنْ كَانَتْ إِلا زَقْيَةً وَاحِدَةً» وَهِيَ فِي قِرَاءَتِنَا ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 29] وَالْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: سَبْعَةِ أَحْرُفٍ: يَعْنِي: سَبْعَ لُغَاتٍ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَرْفِ الْوَاحِدِ سَبْعُ لُغَاتٍ، وَلَكِنَّ هَذِهِ اللُّغَاتِ السَّبْعَ مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْقُرْآنِ، فَبَعْضُهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وَبَعْضُهُ بِلُغَةِ هَوَازِنَ، وَبَعْضُهُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، وَبَعْضُهُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ اللُّغَاتِ، وَمَعَانِيهَا فِي هَذَا كُلِّهِ وَاحِدَةٌ، مَعْنَاهُ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ مَأْذُونًا لِلْقَارِئِ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى أَيِّ هَذِهِ الْوُجُوهِ شَاءَ، قَالُوا: وَكَانَ ذَلِكَ تَوْسِعَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَحْمَةً عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ، إِذْ لَوْ كُلِّفَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ تَرْكَ لُغَتِهِمْ، وَالْعُدُولَ عَنْ عَادَةٍ نَشَئُوا عَلَيْهَا إِلَى غَيْرِهَا، لَشَقَّ عَلَيْهِمْ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: " يَا جِبْرِيلُ، إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ، مِنْهُمُ الْعَجُوزُ، وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ، وَالْغُلامُ، وَالْجَارِيَةُ، وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطُّ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ «. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْحُرُوفِ اللُّغَاتُ، إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهَا الأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ، لَمْ يَكُنْ بَعْضُ الْوُجُوهِ أَيْسَرَ مِنْ بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ وَالتِّلاوَةِ، وَلأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَارِئَيْنِ» هَكَذَا أُنْزِلَتْ "، وَلَوْ كَانَ الاخْتِلافُ بَيْنَهُمَا فِي حَلالٍ، أَوْ حَرَامٍ، أَوْ وَعْدٍ، أَوْ وَعِيدٍ، أَوْ خَبَرٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَدِّقْهُمَا جَمِيعًا، لِمَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ مِنَ الْخُلْفِ، وَالتَّنَاقُضِ، وَكَلامُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلا يَكُونُ هَذَا الاخْتِلافُ دَاخِلا تَحْتَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النِّسَاء: 82] إِذْ لَيْسَ مَعْنَى هَذِهِ الْحُرُوفِ أَنْ يَقْرَأَ كُلُّ فَرِيقٍ بِمَا شَاءَ فِيمَا يُوَافِقُ لُغَتَهُ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ، بَلْ كُلُّ هَذِهِ الْحُرُوفِ مَنْصُوصَةٌ، وَكُلُّهَا كَلامُ اللَّهِ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ»، فَجَعَلَ الأَحْرُفَ كُلَّهَا مُنَزَّلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَارِضُ جِبْرِيلَ فِي كُلِّ شَهْرِ رَمَضَانَ بِمَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَيُحْدِثُ اللَّهُ فِيهِ مَا يَشَاءُ، وَيَنْسَخُ مَا يَشَاءُ، وَكَانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ عَرْضَةٍ وَجْهًا مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ بِهِ، وَكَانَ يَجُوزُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَقْرَأَ وَيُقْرِئَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَهِيَ كُلُّهَا مُتَّفِقَةُ الْمَعَانِي، وَإِنِ اخْتَلَفَ بَعْضُ حُرُوفِهَا، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ جِبرِيلَ، قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ: «اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ»، فَقَالَ لَهُ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ، فَقَالَ: عَلَى حَرْفَيْنِ، حتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ، كَقَوْلِكَ: هَلُمَّ وَتَعَالَ
مَا لَمْ يَخْتِمْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِآيَةِ عَذَابٍ، وَآيَةَ عَذَابٍ بِآيَةِ رَحْمَةٍ.
وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا أُبَيُّ، إِنِّي أُقْرِئْتُ الْقُرْآنَ، فَقِيلَ لِي: عَلَى حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْنِ؟ فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي: قُلْ: عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقُلْتُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقِيلَ لِي: عَلَى حَرْفَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ؟ فَقَالَ الْمَلَكُ: قُلْ: عَلَى ثَلاثَةِ أَحْرُفٍ، قُلْتُ: عَلَى ثَلاثَةِ أَحْرُفٍ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ مِنْهَا إِلا شَافٍ كَافٍ، إِنْ قُلْتَ: سَمِيعًا عَلِيمًا، عَزِيزًا حَكِيمًا، مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ ".
وَكَانَ الأَمْرُ عَلَى هَذَا حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدَهُ كَانُوا يَقْرَءُونَ بِالْقِرَاءَاتِ الَّتِي أَقْرَأَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَقَّنَهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى أَنْ وَقَعَ
الاخْتِلافُ بَيْنَ الْقُرَّاءِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَاشْتَدَّ الأَمْرُ فِيهِ بَيْنَهُمْ حَتَّى أَظْهَرَ بَعْضُهُمْ إِكْفَارَ بَعْضٍ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُ، وَخَافُوا الْفُرْقَةَ، فَاسْتَشَارَ عُثْمَانُ الصَّحَابَةَ فِي ذَلِكَ، فَجَمَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الأُمَّةَ بِحُسْنِ اخْتِيَارِ الصَّحَابَةِ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ هُوَ آخِرُ الْعَرَضَاتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَمَرَ بِكِتْبَتِهِ جَمْعًا بَعْدَ مَا كَانَ مُفَرَّقًا فِي الرِّقَاعِ بِمَشُورَةِ الصَّحَابَةِ حِينَ اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، فَخَافُوا ذَهَابَ كَثِيرٍ مِنَ الْقُرْآنِ بِذَهَابِ حَمَلَتِهِ، فَأَمَرَ بِجَمْعِهِ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، لِيَكُونَ أَصْلا لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَرْجِعُونَ إِلَيْهِ وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ عُثْمَانُ بِنَسْخِهِ فِي الْمَصَاحِفِ، وَجَمَعَ الْقَوْمَ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ بِتَحْرِيقِ مَا سِوَاهُ، قَطْعًا لِمَوَادِ الْخِلافِ، فَكَانَ مَا يُخَالِفُ الْخَطَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الْمَنْسُوخِ وَالْمَرْفُوعِ كَسَائِرِ مَا نُسِخَ وَرُفِعَ مِنْهُ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ.
وَالْمَكْتُوبُ بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ هُوَ الْمَحْفُوظُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلْعِبَادِ، وَهُوَ الإِمَامُ لِلأُمَّةِ، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَعْدُوَ فِي اللَّفْظِ إِلَى مَا هُوَ خَارِجٌ مِنْ رَسْمِ الْكِتَابَةِ وَالسَّوَادِ.
فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِاللُّغَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، فَمَا يُوَافِقُ الْخَطَّ وَالْكِتَابَ، فَالْفُسْحَةُ فِيهَا بَاقِيَةٌ، وَالتَّوْسِعَةُ قَائِمَةٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا بِنَقْلِ الْعُدُولِ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى مَا قَرَأَ بِهِ الْقُرَّاءُ الْمَعْرُوفُونَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
رُوِيَ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، وَأَرَادَ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ اتِّبَاعَ مَنْ قَبْلِنَا فِي الْحُرُوفِ وَفِي الْقِرَاءَةِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، لَا يَجُوزُ فِيهَا مُخَالَفَةُ الْمُصْحَفِ الَّذِي هُوَ إِمَامٌ، وَلا مُخَالَفَةُ الْقِرَاءَةِ الَّتِي هِيَ مَشْهُورَةٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ سَائِغًا فِي اللُّغَةِ، أَجْمَعَتِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى هَذَا أَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ حَرْفًا إِلا بِأَثَرٍ صَحِيحٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَافِقٍ لِخَطِّ الْمُصْحَفِ أَخَذَهُ لَفْظًا وَتَلْقِينًا.
وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ» يُرِيدُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنْ هَذِهِ الأَحْرُفِ السَّبْعَةِ شَافٍ لِصُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ، لاتِّفَاقِهَا فِي الْمَعْنَى، وَكَوْنِهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَتَنْزِيلِهِ وَوَحْيِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: 44] وَهُوَ كَافٍ فِي الْحُجَّةِ عَلَى صِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لإِعْجَازِ نَظْمِهِ، وَعَجْزِ الْخَلْقِ عَنِ الإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
بَابُ جَمْعِ الْقُرْآنِ
1230 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو ثَابِتٍ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: " بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ لِمَقْتَلِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، وَعِنْدَهُ عُمَرُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي، فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا، فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي
فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ عُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَإِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ، وَاجْمَعْهُ، قَالَ زَيْدٌ: فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ بِأَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا كَلَّفَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟!، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يَحُثُّ مُرَاجَعَتِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَيَا، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ، وَالرِّقَاعِ، وَاللِّخَافِ، وَصُدُورِ الرِّجَالِ، قَالَ: فَوَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ [التَّوْبَة: 128] إِلَى آخِرِهَا مَعَ خُزَيْمَةَ، أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ،
فَأَلْحَقْتُهَا فِي سُورَتِهَا، وَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ".
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، ثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: «مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ»، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: «مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
قَوْلُهُ: اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ، أَيْ: كَثُرَ وَاشْتَدَّ، وَيُنْسَبُ الْمَكْرُوهُ إِلَى الْحَرِّ، وَالْمَحْبُوبُ، إِلَى الْبَرْدِ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا.
وَالْعُسُبُ: جَمْعَ عَسِيبٍ وَهُوَ سَعَفُ النَّخْلِ.
وَاللِّخَافُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَاحِدَتُهَا لَخْفَةٌ، وَهِيَ حِجَارَةٌ بِيضٌ رِقَاقٌ
1231 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنا أَبُو الْيَمَانِ، أَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنا خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، قَالَ: " لَمَّا نَسَخْنَا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، فَقَدْتُ آيَةً مِنْ سُورَةِ
الأَحْزَابِ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَؤُهَا، لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ إِلا مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الْأَحْزَاب: 23] ". هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَوْلُهُ: «لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ إِلا مَعَ خُزَيْمَةَ» لَيْسَ فِيهِ إِثْبَاتُ الْقُرْآنِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ، لأَنَّ زَيْدًا كَانَ قَدْ سَمِعَهَا، وَعَلِمَ مَوْضِعَهَا مِنْ سُورَةِ الأَحْزَابِ بِتَعْلِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ نَسِيَهَا، فَلَمَّا سَمِعَ ذَكَرَ، وَتَتَبُّعُهُ الرِّجَالَ فِي جَمْعِهِ كَانَ لِلاسْتِظْهَارِ، لَا لاسْتِحْدَاثِ الْعِلْمِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ
بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدٌ، وَأَبُو زَيْدٍ.
وَقَدْ شَرِكَهُمْ غَيْرُهُمْ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ هَؤُلاءِ أَشَدَّ اشْتِهَارًا.
وَصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ
كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ". وَالْقُرَّاءُ الْمَعْرُفُونَ أَسْنَدُوا قِرَاءَتَهُمْ إِلَى الصَّحَابَةِ، فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، وَنَافِعٌ أَسْنَدَا إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ أَسْنَدَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَأَسَنْدَ عَاصِمٌ إِلَى عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدٍ، وَأَسْنَدَ حَمْزَةُ إِلَى عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَهَؤُلاءِ قَرَءُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَثَبَتَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَانَ مَجْمُوعًا مَحْفُوظًا كُلُّهُ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ أَيَّامَ حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَلَّفًا هَذَا التَّأْلِيفَ، إِلا سُورَةَ بَرَاءَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ: مَا حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الأَنْفَالِ، وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي وَإِلَى بَرَاءَةَ، وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ، وَتُنَزَّلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ، دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُهُ، فَقَالَ: ضَعُوا هَؤُلاءِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ، وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
فَثَبَتَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَانَ عَلَى هَذَا التَّأْلِيفِ، وَالْجَمْعِ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا تَرَكَ جَمْعَهُ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، لأَنَّ النَّسْخَ كَانَ يَرِدُ عَلَى بَعْضِهِ، وَيُرْفَعُ الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ مِنْ تِلاوَتِهِ، كَمَا يُنْسَخُ بَعْضُ أَحْكَامِهِ، فَلَوْ جَمَعَهُ، ثُمَّ رُفِعَتْ تِلاوَةُ بَعْضِهِ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى الاخْتِلافِ، وَاخْتِلاطِ أَمْرِ الدِّينِ، فَحَفِظَهُ اللَّهُ فِي الْقُلُوبِ إِلَى انْقِضَاءِ زَمَانِ النَّسْخِ، ثُمَّ وَفَّقَ لِجَمْعِهِ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ 1232 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، نَا ابْنُ شِهَابٍ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ: " أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذَرْبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمانُ إِلَى حَفْصَةَ، أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ
بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا، حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي
كُلِّ صَحِيفَةٍ، أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحَرَّقَ ". هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: فِيهِ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ أَنْ زَادُوا فِيهِ، أَوْ نَقَصُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَالَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى جَمْعِهِ مَا جَاءَ بَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ مُفَرَّقًا فِي الْعُسُبِ، وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، فَخَافُوا ذَهَابَ بَعْضِهُ بِذَهَابِ حَفَظَتِهِ، فَفَزِعُوا فِيهِ إِلَى خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدَعَوْهُ إِلَى جَمْعِهِ، فَرَأَى فِي ذَلِكَ رَأْيَهُمْ، فَأَمَرَ بِجَمْعِهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، بِاتِّفَاقٍ مِنْ جَمِيعِهِمْ، فَكَتَبُوهُ كَمَا سَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ أَنْ قَدَّمُوا شَيْئًا أَوْ أَخَّرُوا، أَوْ وَضَعُوا لَهُ تَرْتِيبًا لَمْ يَأْخُذُوهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَقِّنُ أَصْحَابَهُ، وَيُعَلِّمُهُمْ مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ
عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي هُوَ الآنَ فِي مَصَاحِفِنَا، بِتَوْقِيفِ جِبْرِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِعْلامِهِ عِنْدَ نُزُولِ كُلِّ آيَةٍ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُكْتَبُ عُقَيْبَ آيَةِ كَذَا فِي السُّوَرِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا، رُوِيَ مَعْنَى هَذَا عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ خَتْمَ السُّورَةِ حَتَّى تَنْزِلَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَإِذَا نَزَلَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، عَلِمَ أَنَّ السُّورَةَ قَدْ خُتِمَتْ.
فَثَبَتَ أَنَّ سَعْيَ الصَّحَابَةِ كَانَ فِي جَمْعِهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، لَا فِي تَرْتِيبِهِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَكْتُوبٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي هُوَ فِي مَصَاحِفِنَا، أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [الْبَقَرَة: 185]، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [الْقدر: 1]
ثُمَّ كَانَ يُنَزِّلُهُ مُفَرَّقًا عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَّةَ حَيَاتِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَحُدُوثِ مَا يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الْإِسْرَاء: 106] فَتَرْتِيبُ النُّزُولِ غَيْرُ تَرْتِيبِ التِّلاوَةِ، وَكَانَ هَذَا الاتِّفَاقُ مِنَ الصَّحَابَةِ سَبَبًا لِبَقَاءِ الْقُرْآنِ فِي الأُمَّةِ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبَادِهِ، وَتَحْقِيقًا لِوَعْدِهِ فِي حِفْظِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحجر: 9].
ثُمَّ إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ بَعْدَهُ عَلَى الأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي أَقْرَأَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى أَنْ وَقَعَ الاخْتِلافُ بَيْنَ الْقُرَّاءِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، وَعَظُمَ الأَمْرُ فِيهِ، وَكَتَبَ النَّاسُ بِذَلِكَ مِنَ الأَمْصَارِ إِلَى عُثْمَانَ، وَنَاشَدُوهُ اللَّهَ تَعَالَى فِي جَمْعِ الْكَلِمَةِ، وَتَدَارُكِ النَّاسِ قَبْلَ تَفَاقُمِ الأَمْرِ، وَقَدِمَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ مِنْ غَزْوَةِ أَرْمِينِيَّةَ، فَشَافَهَهُ بِذَلِكَ، فَجَمَعَ عُثْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ، وَشَاوَرَهُمْ فِي جَمْعِ الْقُرْآنِ فِي الْمَصَاحِفِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، لِيَزُولَ بِذَلِكَ الْخِلافُ، وَتَتَّفِقَ الْكَلِمَةُ، وَاسْتَصْوَبُوا رَأْيَهُ، وَحَضُّوهُ عَلَيْهِ، وَرَأَوْا أَنَّهُ مِنْ أَحْوَطِ الأُمُورِ لِلْقُرْآنِ، فَحِينَئِذٍ أَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ، أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَالرَّهْطَ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاثَةَ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى الأَمْصَارِ.
وَرُوِيَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: لَمَّا كَثُرَ اخْتِلافُ النَّاسِ
فِي الْقُرْآنِ، قَالُوا: قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقِرَاءَةُ أُبَيٍّ، وَقِرَاءَةُ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، قَالَ: فَجَمَعَ عُثْمَانُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَكْتُبَ مَصَاحِفَ عَلَى حَرْفِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، ثُمَّ أَبْعَثُ بِهَا إِلَى الأَمْصَارِ؟ قَالُوا: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ أَعْرَبُ؟ قَالُوا: سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ أَكْتَبُ؟ قَالُوا: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ كَاتِبُ الْوَحْيِ، قَالَ: فَلْيُمْلِ سَعِيدٌ، وَلْيَكْتُبْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَكَتَبَ مَصَاحِفَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الأَمْصَارِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُونَ: أَحْسَنَ وَاللَّهِ عُثْمَانُ.
وَرُوِيَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، يَقُولُ: " اتَّقُوا اللَّهَ أَيّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي عُثْمَانَ، وَقَوْلكُمْ: حَرَّاقُ الْمَصَاحِفِ، فَوَاللَّهِ مَا حَرَّقَهَا إِلا عَلَى مَلإٍ مِنَّا أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعًا، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الَّتِي اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا؟ يَلْقَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ، فَيَقُولُ: قِرَاءَتِي خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَتِكَ، وَقِرَاءَتِي أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَتِكَ، وَهَذَا شَبِيهٌ بِالْكُفْرِ، فَقُلْنَا: مَا الرَّأْيُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: فَإِنِّي أَرَى أَنْ أَجْمَعَ النَّاسَ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّكُمْ إِذَا اخْتَلَفْتُمُ الْيَوْمَ كَانَ مَنْ بَعْدَكُمْ أَشَدَّ اخْتِلافًا، فَقُلْنَا: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ، فَأَرْسَلَ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَسَعِيدِ
بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: لِيَكْتُبْ أَحَدُكُمَا، وَيُمْلِ الآخَرُ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي شَيْءٍ، فَارْفَعَاهُ إِلَيَّ، فَمَا اخْتَلَفْنَا فِي شَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلا فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، قَالَ سَعِيدٌ: ﴿التَّابُوتُ﴾ [الْبَقَرَة: 248]، وَقَالَ زَيْدٌ: 0 التَّابُوهُ 0، فَرَفَعْنَاهُ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: اكْتُبُوهُ ﴿التَّابُوتُ﴾ [الْبَقَرَة: 248]، قَالَ عَلِيٌّ: وَلَوْ وَلِيتُ الَّذِي وَلِيَ عُثْمَانُ لَصَنَعْتُ مِثْلَ الَّذِي صَنَعَ.
قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: يَرْحَمُ اللَّهُ عُثْمَانَ لَوْ لَمْ يَجْمَعِ النَّاسَ عَلَى قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ، لَقَرَأَ النَّاسُ الْقُرْآنَ بِالشِّعْرِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: كَانَتْ قِرَاءَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَاحِدَةً، كَانُوا يَقْرَءُونَ قِرَاءَةَ الْعَامَّةِ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جِبْرِيلَ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، وَكَانَ عَلَى طُولِ أَيَّامِهِ يَقْرَأُ مُصْحَفَ عُثْمَانَ، وَيَتَّخِذُهُ إِمَامًا.
وَيُقَالُ: إِنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ شَهِدَ الْعَرْضَةَ الأَخِيرَةَ الَّتِي عَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جِبْرِيلَ، وَهِيَ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا نُسِخَ وَمَا بَقِيَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: قَرَأَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي الْعَامِ الَّذِي تَوَفَّاهُ اللَّهُ فِيهِ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ قِرَاءَةَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، لأَنَّهُ كَتَبَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، وَشَهِدَ الْعَرْضَةَ الأَخِيرَةَ، وَكَانَ يُقْرِئُ النَّاسَ بِهَا حَتَّى مَاتَ، وَلِذَلِكَ اعْتَمَدَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي جَمْعِهِ، وَوَلاهُ عُثْمَانُ كِتْبَةَ الْمَصَاحِفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
قَالَ الْحَسَنُ: اكْتُبْ فِي الْمُصْحَفِ فِي أَوَّلِ الإِمَامِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَاجْعَلْ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ خَطًّا
بَابُ لَا يُسَافَرُ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ
1233 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا زُهَيْرٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ
1234 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصَعْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ».
وَقَالَ مَالِكٌ: أَرَى ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَمْلُ الْمُصْحَفِ إِلَى دَارِ الْكُفْرِ مَكْرُوهٌ، كَمَا جَاءَ فِي كِتَابِ الْحَدِيثِ، وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْهِمْ كِتَابًا فِيهِ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ، فَلا بَأْسَ، " كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْلَ ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمرَان: 64] ".
وَيُكْرَهُ تَنْقِيشُ الْجُدُرِ، وَالْخَشَبِ، وَالثِّيَابِ، بِالْقُرْآنِ وَبِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ فِي تَحْرِيقِ مَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ مِنَ الرَّسَائِلِ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى.
وَرَوَى مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، قَالَ: كَانَ أَبِي يُحَرِّقُ الصُّحُفَ إِذَا اجْتَمَعَتْ عِنْدَهُ فِيهَا الرَّسَائِلُ.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ تَفْضِيضِ الْمَصَاحِفِ، فَأَخْرَجَ إِلَيْنَا مُصْحَفًا، فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي أَنَّهُمْ جَمَعُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ، وَأَنَّهُمْ فَضَّضُوا الْمَصَاحِفَ عَلَى هَذَا أَوْ نَحْوِهِ.
بعونه تَعَالَى وتوفيقه تمّ الْجُزْء الرَّابِع من (شرح السّنة) ويليه الْجُزْء الْخَامِس، وأوله كتاب الدَّعْوَات.
8 -