كِتَابُ الفَرَائضِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البغوي ، أبو محمد
- الكتاب
- شرح السنة
- المؤلف
- محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1403هـ - 1983م
- عدد الأجزاء
- 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النِّسَاء: 7].
أَي: مؤقتًا مُقَدرا، وَالْفَرْض: التَّوْقِيت: وأصلهُ: الْقطع، يقَالَ: فرضت لفُلَان، إِذا قطعتَ لهُ من المَال شَيْئا.
2214 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا أَبُو عَامِرٍ، نَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلا أَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمُ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الْأَحْزَاب: 6] فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالا، فَلْيَرِثْهُ عَصَبتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا، أَوْ ضَيَاعًا، فَلْيَأْتِنِي، فَأَنَا مَوْلاهُ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَاهُ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قولهُ: «أَو ضَياع»، فالضياع: اسمٌ لكلِّ مَا هُوَ يعرض أَن يضيع إِن لم يُتعهّد، كالذرية الصِّغار، والزَّمنى الَّذين لَا يقومُونَ بِكلِّ أنفسهم، وَمن يدْخل فِي معناهم، جَاءَ مَنْصُوبًا، بِالْمَصْدَرِ نَائِبا عَنِ الِاسْم، كَمَا يقَالَ: مَاتَ، وَترك فقرا، أَي فُقَرَاء، فَإِذا كسرت الضَّاد فَهُوَ جمع ضائع، مثل جَائِع وجياع.
قَوْله: «فَأَنَا مَوْلاهُ» أَي: وليه والكافل لَهُ.
2215 - أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، أَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَأَيُّكُمْ تَرَكَ دَيْنًا، أَوْ ضَيْعَةً فَادْعُونِي، فَإِنِّي وَلِيُّهُ، وَأَيُّكُمْ تَرَكَ مَالا، فَلْيُؤثِرْ بِمَالِهِ عَصَبَتَهُ مَنْ كَانَ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
2216 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا وُهَيْبٌ، نَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ، فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ وُهَيْبٍ.
قَوْله: «أَلْحقوا الفَرَائِضَ» أَي: أعْطوا ذَوي السِّهام سِهَامهمْ.
قَوْله: «لأَوْلَى رَجُلٍ»، أَي: لأَقْرَب رجل، وَالْوَلِيّ: القُربُ، وَأَرَادَ قربَ النّسَب، وَقَوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [الْقِيَامَة: 34]، أَي: قاربك مَا تكره، فاحذر.
وَذكر: «الذَّكر» للتَّأْكِيد، كَمَا قَالَ فِي الزَّكَاة: «فابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٍ».
قَالَ الإِمَامُ: أَسبَاب الْمِيرَاث ثلاثةٌ: نسب وَنِكَاح وَوَلَاء، فَالْمُرَاد بِالنّسَبِ أَن الْقَرَابَة: يَرث بُعضهم من بعض، وبالنكاح: أَن أحد الزَّوْجَيْنِ يرثُ الآخر، وبالولاء: أَن المعِتق وعصابته يَرِثُونَ من الْمُعْتق.
وَجُمْلَة الْوَرَثَة: سَبْعَة عشر، عشرَة من الرِّجَال، وَسَبْعَة من النِّسَاء، فَمن الرِّجَال: الابنُ، وَابْن الابْن وَإِن سفل، وَالْأَب، وَالْجد أَب الْأَب وَإِن علا، والأخُ، سَوَاء كَانَ لأَب وَأم أَو لأَب أَو لأم، وَابْن الْأَخ لأَب وَأم أَو لأَب وَإِن سفل، وَالْعم للْأَب وَالأُم أَو للْأَب، وابناهما وَإِن سفلوا، وَالزَّوْج، وَالْمُعتق،
وَمن النِّسَاء: البنتُ، وبنتُ الابْن وَإِن سفلت، وَالأُم، وَالْجدّة أم الْأُم، أَو أم الْأَب، وَالْأُخْت سَوَاء كَانَ لأَب وَأم أَو لأَب أَو لأم، وَالزَّوْجَة، والمعتقة.
وَسِتَّة من هَؤُلَاءِ لَا يلحقهم حجبُ الحِرمان بِالْغَيْر: الْأَب، وَالِابْن، والزوجُ، وَالأُم، وَالْبِنْت، وَالزَّوْجَة.
وَهَؤُلَاء الْوَرَثَة ينقسمون إِلَى أَصْحَاب فَرَائض، وعصبات، فأصحاب الْفَرَائِض: من لَهُم فروض مقدَّرة، والعصبةُ: من يجوز جَمِيع التَّرِكَة إِذا انْفَرد، وَإِن كَانَ معهُ صَاحب فرض أَخذ مَا فضل عَنْ صَاحب الْفَرْض، فتوريث الْوَلَاء توريثُ تعصيب، وتوريثُ الزَّوْجِيَّة تَوْرِيث فرض.
أما أهلُ النّسَب، فَمنهمْ من يَرث بالفرضية، وهم: الْأُم، وَالْجدّة، وَأَوْلَاد الْأُم، وَمِنْهُم من يَرث بِالتَّعْصِيبِ، وهم: الابْن، وَابْن الابْن، وَالْأَخ، وَابْن الْأَخ، وَالْعم، وَابْن الْعم، وَمِنْهُم من يَرث تَارَة بالفرضية وَتارَة بِالتَّعْصِيبِ، وهم: الْأَب، يَرث بِالتَّعْصِيبِ فَإِن كَانَ للْمَيت ولد يَرث الْأَب بالفرضية السُّدس، وَكَذَلِكَ الْبِنْت، تَرث بالفرضية فَإِن كَانَ مَعهَا ابْن عصبها، وَكَانَ المالُ بَينهمَا للذّكر مثلُ حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْأُخْت، للْأَب وَالأُم أَو للْأَب، تَرث بالفرضية فَإِن كَانَ مَعهَا أخٌ عصبها، وَكَانَ المالُ بَينهمَا للذّكر مثلُ حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَالْأُخْت، للْأَب وَالأُم أَو للْأَب، تصير عصبَة أَيْضا مَعَ الْبِنْت، فلهَا الْبَاقِي بعد فرض الْبِنْت.
والفروض سِتَّة: النصفُ، وَالرّبع، والثُّمن، والثُّلثان، وَالثلث، والسُّدس.
فالنصف: فرض ثَلَاثَة: فرض الزَّوْجَة عِنْد عدم الْوَلَد، لقَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النِّسَاء: 12]،
وفرضُ الْبِنْت الْوَاحِدَة للصُّلب، أَو للِابْن إِذا لم يكن ولدُ الصلب، لقَوْله عز وَجل: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النِّسَاء: 11]، وفرضُ الْأُخْت الْوَاحِدَة للْأَب وَالأُم أَو للْأَب، إِذا لم يكن ولدٌ لأَب وَأم، لقَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النِّسَاء: 176].
والرُّبُعُ: فرض الزَّوْج إِذا كَانَ للميتة ولد، وَفرض الزَّوْجَة إِذا لم يكن للْمَيت ولد، لقَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النِّسَاء: 12].
وَالثمن: فرض الزَّوْجَة إِذا كَانَ للْمَيت ولدٌ، لقَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النِّسَاء: 12]، والزوجتانِ والثلاثُ والأربعُ يشتركن فِي الرّبع وَالثمن.
وَالثُّلُثَانِ: فرضُ البنتين للصلب فَصَاعِدا، أَو للِابْن عِنْد عدم ولد الصلب لقَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النِّسَاء: 11]، وَفرض الْأُخْتَيْنِ للْأَب وَالأُم، أَو للْأَب فَصَاعِدا، لقَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النِّسَاء: 176].
والثلثُ: فرض ثَلَاثَة: فرض الْأُم، إِذا لم يكن للْمَيت ولدٌ، وَلَا اثْنَان من الْإِخْوَة، لقَوْله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النِّسَاء: 11]، وَفرض الِاثْنَيْنِ من أَوْلَاد الْأُم فَصَاعِدا، ذكرهم وأنثاهم فِيهِ سَوَاء،
لقَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النِّسَاء: 12]، وفرضُ الْجد مَعَ الْإِخْوَة للْأَب وَالأُم، أَو للْأَب فِي بعض الْأَحْوَال على مَذْهَب زَيْد بْن ثَابِت.
وَأما السُّدس، فَفرض سَبْعَة: فرض الْأَب إِذا كَانَ للْمَيت ولد، وَفرض الْأُم إِذا كَانَ للْمَيت ولد أَو اثْنَان من الْإِخْوَة، لقَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النِّسَاء: 11]، وَفرض الْجد مَعَ الْإِخْوَة فِي بعض الْأَحْوَال على مَذْهَب زَيْد، وَفرض الْجدّة، وَفرض الْوَاحِد من أَوْلَاد الْأُم، ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، لقَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النِّسَاء: 12]، والمرادُ مِنْهُ الْأَخ وَالْأُخْت للْأُم، وَفرض بَنَات الابْن إِذا كَانَ للْمَيت ابْنة وحيدة للصلب، فلبنت الصلب النصفُ، ولبنات الابْن السدسُ تَكْمِلَة الثُّلثَيْنِ، وَفرض الْأَخَوَات للْأَب إِذا كَانَ للْمَيت أُخْت وَاحِدَة لأَب وَأم فلهَا النّصْف، وللأخوات للْأَب السدسُ تَكْمِلَة الثُّلثَيْنِ.
وَقَوله: «فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأُولَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»، قَالَ الإِمَامُ: هَذَا يدل على أَن بعض الْوَرَثَة يحجُب الْبَعْض، والحجبُ نَوْعَانِ: حجب نُقْصَان، وحجب حرمَان.
فحجبُ النُّقْصَان: هُوَ أَن الْوَلَد وَولد الابْن يحجب الزَّوْج من النّصْف
إِلَى الرّبع، وَالزَّوْجَة من الرّبع إِلَى الثّمن، وَالأُم من الثُّلُث إِلَى السُّدس، وَكَذَلِكَ الِاثْنَان من الْإِخْوَة فَصَاعِدا يحجبون الْأُم إِلَى السُّدس.
وحجب الحرمان: هُوَ أَن الْأُم تُسقط الْجدّة، سَوَاء كَانَت أم الْأُم، أَو أم الْأَب، والأبُ يُسقط أمَّ نَفسه عِنْد أَكثر أهل الْعلم، وَهُوَ قَول عُثْمَان، وَعلي، وَزَيْد بْن ثَابِت، ورُوي عَنْ عُمَر، وَابْن مَسْعُود، وَعمْرَان بْن حُصَيْن: أَن الْأَب لَا يُسقط أمَّ نَفسه، وَاخْتلفُوا فِي أَن الْأَب هَل يُسقط أمَّ الْأُم؟ فَذهب بَعضهم إِلَى أَنَّهُ يُسقطها، كَمَا أَن الْأُم تسْقط أم الْأَب، وَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَن الْأَب لَا يسْقط أم الْأُم، وَكَذَلِكَ الْجدّة الْقُرْبَى من جِهَة الْأُم تُسقط البُعدى من جِهَة الْأَب، والقربى من جِهَة الْأَب لَا تسْقط البُعدى من جِهَة الْأُم، وَإِذا استوتا فِي الدرجَة، اشتركتا فِي السُّدس.
وأولادُ الْأُم يسقطون بأَرْبعَة: بِالْأَبِ، وَالْجد وَإِن علا، وبالولد، وَولد الابْن وَإِن سفل، وَأَوْلَاد الْأَب وَالأُم يسقطون بِثَلَاثَة: بِالْأَبِ، وَالِابْن، وَابْن الابْن، وَلَا يسقطون بالجد على مَذْهَب زَيْد، وَأَوْلَاد الْأَب يسقطون بأَرْبعَة: بهؤلاء الثَّلَاث، وبالأخ للْأَب وَالأُم.
وَأقرب الْعَصَبَات يُسقط الْأَبْعَد، فأقربُهم الابْن، ثُمَّ ابْن الابْن، ثُمَّ الْأَب، ثُمَّ الْجد أَب الْأَب وَإِن علا، فَإِن كَانَ مَعَ الْجد أَخ لأَب وَأم، أَو لأَب، يَشْتَرِكَانِ على مَذْهَب زَيْد فِي الْمِيرَاث، فَإِن لم يكن جد، فالأخ للْأَب وَالأُم، ثُمَّ الْأَخ للْأَب، ثُمَّ بَنو الْإِخْوَة يقدم أقربهم سَوَاء كَانَ لأَب وَأم، أَو لأَب، فَإِن اسْتَووا فِي الدَّرجة فأولاهم الَّذِي هُوَ لأَب وَأم، ثُمَّ الْعم للْأَب وَالأُم، ثُمَّ الْعم للْأَب، ثُمَّ بنوهم على تَرْتِيب مِيرَاث
بني الْإِخْوَة، ثُمَّ عَم الْأَب، ثُمَّ عَم الْجد على هَذَا التَّرْتِيب، فَإِن لم يكن أحد من عصبات النّسَب، وعَلى الْمَيِّت وَلَاء، فالميراث للْمُعْتق، فَإِن لم يكن حَيا، فلعصبات المعتِق.
رُوي عَنِ ابْن سِيرِينَ، قَالَ: «توفيت فُكيهة بنت سَمْعَان، فَتركت ابْن أَخِيهَا لأَبِيهَا، وَبني بني أَخِيهَا لأَبِيهَا وَأمّهَا، فورث عُمَر بني أَخِيهَا لأَبِيهَا».
بَاب مَيَراثِ الأَوْلادِ
قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النِّسَاء: 11].
2217 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
قَالَ الإِمَامُ: كَانَت الوصيةُ للأقارب وَاجِبَة فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام، إِلَى أَن نُسخت بِآيَة الْمِيرَاث، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خطبَته عامَ حجَّة الْوَدَاع: «إِنَّ اللَّه قَدْ أَعْطَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلا وَصَيَّة لِوَارِثٍ».
2218 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا آدَمُ، نَا شُعْبَةُ، نَا أَبُو قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ هُزَيْلَ بْنَ شُرَحْبِيلَ، يَقُولُ: سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنِ ابْنَةٍ وَابْنَةِ ابْنٍ، وَأُخْتٍ، فَقَالَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَللأُخْتِ النِّصْفُ، وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِي، فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ، أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِلبِنْتِ النِّصْفُ، ولابْنَةِ الابْنِ السُّدُسُ تَكمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، ومَا بَقِيَ فَلِلأُخْتِ»، فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى، فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرَ فِيكُمْ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
قَالَ الإِمَامُ: الابنُ إِذْ انْفَرد أخذَ كل الْمِيرَاث، والبنون يشتركون فِيهِ، وللبنت الْوَاحِدَة النّصْف، وللبنتين فَصَاعِدا الثُّلُثَانِ.
وَإِذا خلف بَنِينَ وَبَنَات، فالمالُ بَينهم للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَأَوْلَاد الابْن بِمَنْزِلَة أَوْلَاد الصُّلب عِنْد عدم أَوْلَاد الصلب، وَإِذا اجْتمع ولدُ الصُّلب مَعَ ولد الابْن، فَإِن كَانَ ولد الصُّلب ذكرا، فَلَا شَيْء لولد الابْن، وَإِن كَانَ ولد الصُّلب أُنْثَى، فَإِن كَانَت وَاحِدَة، فلهَا النّصْف، ثُمَّ إِن كَانَ ولدُ الابْن ذكرا، فالباقي لَهُ، وَإِن كَانَ أُنْثَى وَاحِدَة أَو أَكثر، فلهنَّ السُّدس تَكْمِلَة الثُّلثَيْنِ، وَإِن كَانُوا ذُكُورا وإناثًا فالباقي بَينهم، للذّكر مثلُ حظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَإِن كَانَ ولد الصُّلب أَكثر من وَاحِدَة كلُّهُنَّ إناث، فَلَهُنَّ الثلثانِ، ثُمَّ لَا شَيْء لبنات الابْن، إِلا أَن يكون مَعَهُنَّ أَو أسفلَ مِنْهُنَّ ذكرٌ، فيُعصبهن، فَكَانَ الْبَاقِي بَينهم، للذّكر مثلُ حظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَكَذَلِكَ حُكم مِيرَاث الْإِخْوَة للْأَب وَالأُم مَعَ الْإِخْوَة للْأَب، فَإِن كَانَ ولدُ الْأَب وَالأُم ذكرا فَلَا شَيْء لولد الْأَب، وَإِن كَانَت أُنْثَى، نظر إِن كَانَت وَاحِدَة، فلهَا النّصْف، ثُمَّ إِن كَانَ ولد الْأَب ذكرا، فالباقي لَهُ، وَإِن كَانَ أُنْثَى وَاحِدَة فَأكْثر، فَلَهُنَّ السُّدس تَكْمِلَة الثُّلثَيْنِ، وَإِن كَانُوا ذُكُورا وإناثًا، فالباقي بَينهم للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَإِن كَانَ ولدُ الْأَب وَالأُم أَكثر من وَاحِدَة، كُلهنَّ إناث، فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ، ثُمَّ لَا شَيْء لولد الْأَب إِلا أَن يكون فيهم ذكر، فَيكون
الْبَاقِي لَهُم للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ.
هَذَا قَول عَامَّة الصَّحَابَة وَالْعُلَمَاء، إِلا ابْن مَسْعُود فإنهُ يَقُول: إِذا مَاتَ عَنْ بنت، وَبَنَات ابْن، وَبني ابْن، فللبنت النّصْف، ولبنات الابْن أضرُّ الْأَمريْنِ من الْمُقَاسَمَة، أَو السُّدس.
وَلَو مَاتَ عَنْ بنتين، وَأَوْلَاد ابْن بَنِينَ وَبَنَات، فللبنتين الثُّلُثَانِ، وَالْبَاقِي لبني الابْن، وَلَا شَيْء لبنَاته، وَلَا يَزِيد حَظّ الْبَنَات على الثُّلثَيْنِ.
وَكَذَلِكَ يَقُول: إِذا مَاتَ عَنْ أُخْت لأَب وَأم، وإخوة وأخوات لأَب، فللأخت للْأَب وَالأُم النّصْف، وللأخوات للْأَب أضرّ الْأَمريْنِ من السُّدس، أَو الْمُقَاسَمَة مَعَ الْإِخْوَة.
وَلَو مَاتَ عَنْ أُخْتَيْنِ لأَب وَأم، وإخوة وأخوات لأَب، فلأختين لأَب وَأم الثلثانِ، وَالْبَاقِي للإخوة للْأَب، وَلَا شَيْء للأخوات.
وَتفرد ابْن مَسعود بِخمْس مسَائِل فِي الْفَرَائِض هَذِه أَرْبَعَة، وَالْخَامِسَة، قَالَ: من لَا يَرث كالابن الْكَافِر، وَالرَّقِيق، وَالْقَاتِل، يحجب أَصْحَاب الْفَرَائِض حجب النُّقْصَان، فيردُّ الزَّوْج إِلَى الرّبع، وَالزَّوْجَة إِلَى الثّمن، وَالأُم إِلَى السُّدس، وَعَامة الصَّحَابَة على أَنَّهُ لَا يحجب، كَمَا لَا يحجب حجب الحرمان.
قَالَ الإِمَامُ: وَفِي حَدِيث هزيلٌ دَلِيل على أَن الْأُخْت للْأَب، وَالأُم أَو الْأَب مَعَ الْبِنْت عصبَة، وَهُوَ قَول عَامَّة العُلماء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ، إِلا ابْن عَبَّاس، فَإِنَّهُ قَالَ: تسْقط الْأُخْت بالبنت، لأنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النِّسَاء: 176] فَإِنَّمَا جعل للْأُخْت النّصْف إِذا لم يكن للْمَيت ولد.
قَالَ الإِمَامُ: وَقَول الْعَامَّة مُوَافق لظَاهِر الْآيَة من حَيْثُ أَن اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بيَّن فرض الْأَخَوَات فِي هَذِه الْآيَة، وَلَا فرض للأخوات مَعَ الْوَلَد بِحَال.
بَاب مِيرَاثِ الإِخْوَةِ
قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النِّسَاء: 176] الْآيَة.
2219 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبُو الْوَلِيدِ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعْتُ جَابِرًا، يَقُولُ: " جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ، وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَعَقَلْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسَولَ اللَّهِ: لِمَنِ الْمِيرَاثُ، إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلالَةٌ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ شُعْبَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ، أَنا شُعْبَةُ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَ مَعْنَاهُ، وَقَالَ: " إِنَّمَا لِي أَخَوَاتٌ، فَنَزَلَتْ آيةُ الْفَرَائِضِ.
قَالَ الإِمَامُ: الْحَدِيث يَدلُّ على طَهَارَة المَاء الْمُسْتَعْمل، وَأَن الْكَلَالَة اسمٌ للْوَرَثَة.
قَالَ الإِمَامُ: الإخوةُ للْأُم، للْوَاحِد مِنْهُم السُّدسُ، وللاثنين فَصَاعِدا الثلثُ، ذكرهُم وأنثاهم فِيهِ سَوَاء، لقَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النِّسَاء: 12] الْآيَة.
وَكَانَ سَعْد يقْرَأ هَذَا الْآيَة: «وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ لأُمٍّ».
وميراثُ الْإِخْوَة للْأَب وَالأُم، أَو للْأَب بِمَنْزِلَة مِيرَاث الْأَوْلَاد عِنْد عدم ولد الْأَب وَالأُم إِلا فِي مَسْأَلَة المشرَّكة، وَهِي: زوج، وَأم، وإخوة لأم، وإخوة لأَب وَأم، فَللزَّوْج النّصْف، وَللْأُمّ السُّدس، وللإخوة للْأُم الثُّلُث ويُشاركهم الْإِخْوَة للْأَب وَالأُم بالإخوة للْأُم، فيُقسم الثلثُ بَينهم على عدد رُءُوسهم، ذكرهم وأنثاهم فِيهِ سَوَاء، وَإِن كانَ مَكَان الْإِخْوَة للْأَب وَالأُم إخوةٌ للْأَب، فَلَا شَيْء لَهُم، وَهُوَ قَول عُمَر، وَعُثْمَان، وَابْن مَسْعُود،
وَزَيْد، وَبِهِ قَالَ شُرَيْح، وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب، وَالزُّهْرِيّ، وَالنَّخَعِيّ، وَإِلَيْهِ ذهب مَالِك وَالشَّافِعِيّ، قَالَ عُمَر: لم يزدهمُ الْأَب إِلا قربًا، وَذهب جمَاعَة إِلَى أَنَّهُ لَا شَيْء للإخوة للْأَب وَالأُم، لأَنهم عصبَة لم يبْق لَهُم شَيْء كالإخوة للْأَب، وَهُوَ قَول عَليّ، وَابْن عَبَّاس، وَأَبِي مُوسَى، وَأَبِي بْن كَعْب، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيّ، وَالثَّوْرِيّ، وَأَصْحَاب الرَّأْي، ويُروى عَنِ ابْن مَسْعُود، وَزَيْد هَذَا، وَالْأَشْهر مِنْهُمَا التشريكُ، وَاتَّفَقُوا على أَن ولد الْأَب وَالأُم، أَو ولدَ الْأَب، إِذا كَانُوا إِنَاثًا يُعطي إلَيْهِنَّ فرضهن وتُعالُ الْمَسْأَلَة.
قَالَ الإِمَامُ رَحمَه اللَّه: وَقد روينَا عَنْ جَابِر، أَنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا يَرِثُنِي كَلالَةٌ»، وَاخْتلفُوا فِي «الكِلالَةِ» فَذَهَبَ أَكثر الصَّحَابَة إِلَى أَنَّ الكَلالَة من لَا ولد لَهُ وَلَا وَالِد، رُوي عَنِ الشَّعْبِيّ، أَنَّهُ قَالَ: سُئل أَبُو بَكْر عَنِ الْكَلَالَة، فَقَالَ: إِنِّي سأقولُ فِيهَا برأيي، فَإِن كَانَ صَوَابا، فَمن اللَّه، وَإِن كَانَ خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان: أراهُ مَا خلا الْوَالِد وَالْولد، فَلَمَّا اسْتخْلف عمرُ قَالَ: إنِّي لأَسْتَحيي اللَّه أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَهِي اسمٌ للْمَيت وَالْوَرَثَة جَمِيعًا، سُمِّيَ بهَا الْمَيِّت، لِأَنَّهُ مَاتَ عَنْ ذهَاب طَرفَيْهِ، فَكل عمودُ نسبه، وسمِّي بهَا الورثةُ، لأَنهم يتكللون الميتَ من جوانبه، وَلَيْسَ فِي عَمُود نسبه أحد كالإكليل يُحيط الرَّأْس من جوانبه، ووسط الرَّأْس عَنْهُ خَال، فَهِيَ فِي حَدِيث جَابِر اسْم للْوَرَثَة، وَفِي قَوْله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النِّسَاء: 176] اسمٌ للْمَيت، وَأَرَادَ جَابِر بقوله: «إِنَّمَا يَرِثنِي كَلَالَة»، أَي: يَرِثنِي وَرَثَة لَيْسُوا بِولد وَلَا وَالِد، وَكَانَت لَهُ أَخَوَات.
وَاخْتلف القولُ فِيهَا عَنْ عُمَر، وَابْن عَبَّاس، فرُويَ عَنْهُمَا مثل قَول سَائِر الصَّحَابَة، ورُوي عَنْهُمَا أنَّ الْكَلَالَة من لَا ولد لهُ، وَهُوَ آخرُ الْقَوْلَيْنِ من عُمَر، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ورُوي عَنْ عُمَر، أنهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْكَلَالَة، فَقَالَ: «تَكْفِيكَ آيةُ الصَّيْفِ»، وَأَرَادَ بذلك: أنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنزل فِي الْكَلَالَة: آيَتَيْنِ إِحْدَاهمَا فِي الشتَاء، وَهِي الَّتِي فِي أوَّل ﴿[النِّساء، وَالْأُخْرَى فِي الصَّيف وَهِي الَّتِي فِي آخرهَا، وفيهَا من الْبَيَان مَا لَيْسَ فِي: الشتَاء، فَلذَلِك أحالهُ عَلَيْهَا.
وَمن ذهب إِلَى أَن الْكَلَالَة اسمٌ لمن لَا ولد لَهُ.
تمسَّك بِظَاهِر قَوْله:] إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النِّسَاء: 176] وبيانهُ عِنْد الْعَامَّة مَأْخُوذ من حَدِيث جَابِر بْن عَبْد اللَّهِ، وَذَلِكَ
أَنَّ الْآيَة نزلت فِيهِ، وَلم يكن لهُ يَوْم نُزُولهَا أبٌ وَلَا ابْن، لِأَن أَبَاهُ عَبْد اللَّهِ بْن حرَام قُتِلَ يَوْم أُحُد، وآيةُ الْكَلَالَة نزلت فِي آخر عهد النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلامُ، رُوي عَنِ الْبَراء بْن عَازِب، أَنَّهُ قَالَ: آخر آيَة نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النِّسَاء: 176] فَصَارَ شَأْن جَابِر بَيَانا لمراد الْآيَة، لَا لنزولها فِيهِ.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: وَفِيه وجهٌ آخر وَهُوَ أشبهُ بِمَعْنى الْحَدِيث، وَذَلِكَ أَن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ للسَّائِل عَنِ الْكَلَالَة: «تُجزيك آيَة الصَّيف» فَوَقَعت الإحالة مِنْهُ على الْآيَة فِي بَيَان معنى «الْكَلَالَة» فَوَجَبَ أَن يكون ذَلِكَ مُستنبطًا من نفس الْآيَة دون غَيرهَا، وَوجه ذَلِكَ وتحريرهُ أنَّ الْوَالِد وَالْولد اسمان مشُتقَّان من الْولادَة، فكلُّ من انتظمه اسْم الْولادَة من أَعلَى وأسفل يُحتمل أَن يُدعي ولدا، فالوالد يسمَّى ولدا، لِأَنَّهُ قد ولد، والمولود يُسمى ولدا، لِأَنَّهُ قد وَلِدَ، كالذُّريَّة اسمٌ مُشتق من ذَرأ اللَّه الْخلق، والولدُ ذُرِّيَّة، لأَنهم ذُرِئوا، أَي: خلقُوا، وَالْأَب ذُرِّيَّة، لِأَن الْوَلَد ذُرئ مِنْهُ، يدلُّ على صِحَة ذَلِكَ قولهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: 41] يريدُ، وَالله أعلم، نوحًا وَمن معهُ، فَجعل الْآبَاء ذريَّة كالأولاد، لصدور الاسمين مَعًا عَنِ الذرء، فعلى هَذَا قد يَصِحُّ أَن المرادَ بقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النِّسَاء: 176] أَي: ولادَة فِي الطَّرفَيْنِ من أَعلَى وأسفل، وَالله أعلم.
بَاب فِي مِيرَاثِ الأَبِ والْجَدِّ
قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النِّسَاء: 11].
2220 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: كَتَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْجَدِّ، فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَلِيلا، لاتَّخَذْتُهُ»، أَنْزَلَهُ أَبًا يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ.
هَذَا حِديثٌ صَحِيحٌ.
قَالَ الإِمَامُ: الأبُ يَأْخُذ جَمِيع التَّرِكَة إِذا انْفَرد، ويأخذُ الْفضل عَنْ أَصْحَاب الْفَرَائِض، إِن كَانَ مَعهَا صاحبُ فرض، وَلم يكن للْمَيت ولد،
فَإِن كَانَ للْمَيت ابْن فللأب السُّدس، وَالْبَاقِي للْوَلَد، وَإِن كَانَ الْوَلَد أُنْثَى فللأب السُّدس، وللولد فَرضهَا، وَالْبَاقِي للْأَب بالعُصوبة.
والجدُّ: أَب الْأَب، وَإِن علا بِمَنْزِلَة الْأَب عِنْد عدم الْأَب، إِلا فِي أَربع مسَائِل، إِحْدَاهَا: فِي زوج وأَبوين، وَالثَّانيَِة: فِي زَوْجَة وأبوين، فَإِن للْأُم فيهمَا ثلث مَا يبْقى بعد نصيب الزَّوْج وَالزَّوْجَة، وَالْبَاقِي للْأَب، فَيكون فِي الْحَقِيقَة للْأُم فِي زوج وأبوين، السُّدس، وَفِي زَوْجَة وأبوين الرّبع، وَإِن كانَ مَكَان الْأَب جد، فللأم فيهمَا ثلثُ جَمِيع المَال.
هَذَا قَول أَكثر أهل الْعلم من الصَّحَابَة، فَمن بعدهمْ.
قَالَ ابْن مَسْعُود: مَا كَانَ ليراني أَن أفضِّلَ أمَّا على أَب.
وَذهب ابْن عَبَّاس فِي زوج وأبوين، وَزَوْجَة وأبوين، إِلَى أَن للْأُم فيهمَا ثلث جَمِيع المَال، وَهُوَ قولُ شُرَيْح، وَقَالَ ابْن سِيرِينَ فِي زَوْجَة وأبوين كَذَلِك، لِأَنَّهُ لَا يكون فِيهِ تَفْضِيل الْأُم على الْأَب، وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَنْ عُمَر، وَابْن مَسْعُود، فِي زوج وجد وَأم، أَو زَوْجَة وجد وَأم، رُوي عَنْهُمَا أنَّ للْأُم فيهمَا ثلث مَا يبْقى بعد نصيب الزَّوْج وَالزَّوْجَة، وَالْبَاقِي للْجدّ كَمَا فِي الْأَب، وَرُوِيَ أَن للْأُم فيهمَا السُّدس.
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة: أَن أم الْأَب تسْقط بِالْأَبِ، وَلَا تسْقط بالجد، وَهَذَا قَول الْأَكْثَرين، ورُوي عَنْ عُمَر، وَابْن مَسْعُود، أنَّ أمَّ الْأَب تَرث مَعَ الْأَب.
وَالْمَسْأَلَة الرَّابِعَة: أَن الْأَب يحجب الْإِخْوَة.
وَاخْتلف أهل الْعلم فِي الْجد مَعَ الْإِخْوَة للْأَب وَالأُم، أَو للْأَب، فَذهب جمَاعَة إِلَى أنَّ الْجد يُسقطهم كَالْأَبِ، وَهُوَ قَول أَبِي بَكْر الصّديق، وَابْن عَبَّاس، وَابْن الزبير، ومعاذ، وَأَبِي الدَّرْدَاء، وَعَائِشَة.
قَالَ ابْن عَبَّاس: يَرِثنِي ابْن ابْني دون إخوتي، وَلَا أَرثُ أَنا ابْن ابْني، وَبِهِ
قَالَ الْحَسَن، وَعَطَاء، وَطَاوُس، وَقَتَادَة، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة، وَإِسْحَاق.
وَذهب جمَاعَة إِلَى أنَّ الجدّ لَا يسقطهم، وَهُوَ قولُ عُمر، وعُثمان، وَعلي، وَزَيْد بْن ثَابِت، وَعَبْد اللَّهِ بْن مَسعود، وَبِهِ قَالَ مَالِك، وَالأَوْزَاعِيّ، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد.
ثمَّ تَفْصِيل مِيرَاث الْجد مَعَ الْإِخْوَة على مَذْهَب زَيْد بْن ثَابِت، أَنَّهُ إِن لم يكن مَعَهم صَاحب فرض، فللجد خيرُ الْأَمريْنِ، إمَّا الْمُقَاسَمَة مَعَ الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات، للذّكر مثلُ حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ، أَو ثلث جَمِيع المَال، أَو الْمُقَاسَمَة مَعَهم، وَإِن كَانَ مَعَهم صاحبُ فرض، فللجد خيرُ الْأُمُور الثَّلَاثَة: إِمَّا سدسُ جَمِيع المَال، أَو الْمُقَاسَمَة مَعَهم، أَو ثلث مَا يبْقى بعد نصيب صَاحب الْفَرْض، وَقَالَ عَليّ: يُقاسم الْجد الْإِخْوَة مَا دَامَت الْمُقَاسَمَة خيرا لهُ من السُّدس، فَإِن كَانَ السُّدسُ خيرا لَهُ من الْمُقَاسَمَة، فلهُ السُّدس، وَعند عَليّ، وَابْن مَسْعُود، للْأُخْت مَعَ الْجد فَرضهَا، وعَلى مَذْهَب زَيْد لَا يفْرض للْأُخْت مَعَ الْجد إِلا فِي مَسْأَلَة الأكدرية، وَهِي: زوج، وَأم، وجد وَأُخْت، فَللزَّوْج النّصْف، وَللْأُمّ الثُّلُث، وللجد السُّدس، وَللْأُخْت النّصْف وتعول الْمَسْأَلَة من سِتَّة بِنِصْفِهَا إِلَى تِسْعَة، يَنْضَم نصيب الْأُخْت إِلَى نصيب الْجد فَيقسم بَينهمَا للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَلَا يستقيمُ أَرْبَعَة على ثَلَاثَة، فَيضْرب ثَلَاثَة فِي تِسْعَة، فَيصير سبعا وَعشْرين، للزَّوْج تِسْعَة، وَللْأُمّ سِتَّة، يبْقى اثْنَا عشر، للجدِّ مِنْهَا ثَمَانِيَة، وَللْأُخْت أَرْبَعَة، فَإِن كَانَ مَكَان الْأُخْت أَخ، فَلَا شَيْء لَهُ، وَإِن كَانَ فِيهَا أختَان، فَللزَّوْج النّصْف، وَللْأُمّ السُّدس، وللجد السُّدسُ وَالْبَاقِي للأختين، هَذَا قولُ زَيْد بْن ثَابِت، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِيّ.
وَقَالَ عَليّ فِي الأكدرية: يُترك نصيبُ الْأُخْت فِي يَدهَا، وَقَالَ ابْن مَسْعُود فِي زوج وَأم وجد وَأَخ: إِن للزَّوْج النّصْف، وَللْأُمّ ثلث مَا يبْقى، وللجد سهم، وللأخ سهم، وَإِذا اجْتمع مَعَ الْجد أَوْلَاد الْأَب وَالأُم، وَأَوْلَاد الْأَب، فهم سَوَاء فِي حق الْجد، كَأَنَّهُمْ من جِهَة وَاحِدَة، ثُمَّ بعد نصيب الْجد إِن كَانَ ولد الْأَب وَالأُم ذكرا، أَخذ الْبَاقِي، وَإِن كَانَت أُنْثَى فَإِن كَانَ الْبَاقِي قدر فَرضهَا أَو أقل، فلهَا وَلَا شَيْء لولد الْأَب، وَإِن كَانَ أَكثر فالفضل عَنْ قدر فَرضهَا لولد الْأَب، مثل أَن مَاتَ عَنْ جد، وَأَخ لأَب، وَأم، وَأَخ لأَب، فللجد الثُّلُث، وَالْبَاقِي للْأُخْت للْأَب وَالأُم، وَإِن كَانَ أُخْت لأَب وَأم، وَأُخْت لأَب، فَالْمَال بَين الْجد وَالْأُخْت، للْأَب وَالأُم نِصْفَانِ.
وَلَو كَانَ مَعَ الْجد أُخْت لأَب وَأم، وَأَخ لأَب، فللجد أَرْبَعَة من عشرَة، وَللْأُخْت للْأَب وَالأُم خَمْسَة، وللأخ للْأَب سهم، وَقَالَ عَليّ فِي جد، وَأُخْت لأَب وَأم، وَأَخ لأَب: فللأخت النّصْف، وَالْبَاقِي بَين الْجد وَالْأَخ نِصْفَانِ.
وَبَين الصَّحَابَة اختلافات شَاذَّة فِي آحَاد مسَائِل الْجد مَعَ الْإِخْوَة، وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ أَكثر الْفُقَهَاء أحدُ المذهبين: إِمَّا حجب الْإِخْوَة بالجدِّ، أَو توريثهما على مَذْهَب زَيْد بْن ثَابِت على التَّفْصِيل الَّذِي سبق، وَالله أعلم.
ورُوي عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب، أَنَّ عُمَرَ كَانَ كَتَبَ مِيرَاثَ الجَدِّ حَتَّى إِذا طُعِنَ دَعَا بِهِ فَمَحَاهُ، ثُمَّ قَالَ: سَتَرَوْنَ رَأْيَكُم فِيهِ.
وسُئل عَليّ عَنْ فَرِيضَة، فَقَالَ: إنُ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَدّ فَهَاتِهَا، وَقَالَ عَلي: مَنْ
سرَّه أَنْ يتقحم جراثيم جَهَنَّم، فليقضِ بَين الْجد وَالإِخْوَة، وَقَالَ عُبَيْدَة: إِنِّي لأحفظُ فِي الْجد ثَمَانِينَ قَضِيَّة مُخْتَلفَة.
بَاب فِي مِيرَاث الْأُم وَالْجدّة
قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النِّسَاء: 11].
2221 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ،
وَمَا عَلِمْتُ لَك فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَسَأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ، فأَنْفَذَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ السُّدُسَ، ثُمَّ جَاءَتِ الجَدَّةُ الأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ إِلا لِغَيْرِكِ، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ شَيْئًا، وَلَكِنْ هُوَ ذَلِكَ السُّدُسُ، فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ، فَهُوَ بَيْنَكُمَا، وأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ، فَهُوَ لَهَا.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ورُوي عَنِ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد، قَالَ: جَاءَتِ الجَدَّتَانِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ،
فَجَعَل أبُو بَكْرٍ السُّدُسَ بَيْنَهُمَا.
قَالَ الإِمَامُ: وَالْعلم عَلَيْهِ عِنْد أهل الْعلم أَن للجدَّة السُّدسَ، سَوَاء كَانَت أمَّ الْأُم، أَو أمَّ الْأَب، وَإِذا اجتمعتا، فَذَلِك السُّدس بَينهمَا نِصْفَانِ، وَلَا مِيرَاث لأَب الْأُم، وَلَا لكل جدة تُدلي بِهِ، وَلَا مِيرَاث للجدة مَعَ الْأُم، رُوي عَنِ ابْن بُريدة، عَنْ أَبِيه، «أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَل للجَدَّةِ السُّدُسَ إذَا لَمْ تَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ».
قَالَ عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود: الجدَّات لَيْسَ لَهُم ميراثٌ، إِنَّمَا هِيَ طعمة أطعمنها، فأقربُهُنَّ وأبعدُهُنَّ سَوَاء.
قَالَ الإِمَامُ: وَللْأُمّ السُّدسُ إِذا كَانَ للْمَيت ولد، أَو ولد ابْن، أَو اثْنَان من الْإِخْوَة، فَإِن لم يكن للْمَيت ولد وَلَا اثْنَان من الْإِخْوَة، فلهَا الثُّلُث إِلا فِي زوج وأبوين، وَزَوْجَة وأبوين، فإنَّ لَهَا فيهمَا الثُّلُث مَا يبْقى بعد نصيب الزَّوْج وَالزَّوْجَة.
بَاب الوَلاء
2222 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا مَالِكٌ، عَنْ نَافعٍ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
هَذَا حَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ الإِمَامُ: فِيهِ دَلِيل على أَنَّ من أعتق عبدا يثبتُ لهُ عَلَيْهِ حقُّ الْوَلَاء ويرثه، وَقد رُوي عَنْ أَنَس، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَوْلَى القَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهم» وَعَلِيهِ عامةُ أهل الْعلم، فَإِن لم يكن الْمُعْتق حَيا، فميراث الْعَتِيق لعصبات الْمُعْتق، فَإِن لم يكن لهُ عصبَة فلمُعتق الْمُعْتق، ثُمَّ لعصابته، وترتيب عصبات الْوَلَاء، كترتيب عصبات النّسَب، حَتَّى لَو كَانَ للْمُعْتق أَب وَابْن، فَالْولَاء لِابْنِ الْمُعْتق دون أَبِيه، وَإِن كَانَ لَهُ أبٌ وَأَخ، فللأب دون الْأَخ، غير أَن ابْن الْمُعْتق وأخاهُ لَا يعصِّب الْبِنْت والأختَ، وَإِذا كَانَ للْمُعْتق جد وَأَخ، فَفِيهِ قَولَانِ، أحدُهما: الْأَخ أولى، لأنهُ يُدْلِي بالبنوة، فَكَانَ أولى من الجدِّ الَّذِي يُدلي بالأبوة، كَمَا أَن الابْن أولى من الْأَب، فعلى هَذَا ابْن أَخ الْمُعْتق وَإِن سفل أولى من جدِّه، وَالثَّانِي: هما سَوَاء، فعلى هَذَا الْجد أولى من ابْن الْأَخ، والأخُ أولى من
أَب الْجد، وَابْن الْأَخ مَعَ أَب الْجد سَوَاء، وَكَذَلِكَ عَم الْمُعْتق مَعَ أَب الْجد، فِيهِ قَولَانِ: أحدُهما: هما سَوَاء، وَالثَّانِي: الْعم أولى، وَفِي النّسَب الْجد وَأب الْجد، وَإِن علا أولى من ابْن الْأَخ وَالْعم بالِاتِّفَاقِ.
وَلَا مِيرَاث لمعتق عصبَة الرَّجل إِلا لمعتق الْأَب أَو الْجد، فَإِن من أعتق عبدا يثبت لهُ الْوَلَاء على أَوْلَاده، وَأَوْلَاد بنيه، ذُكُورا كَانُوا أَو إِنَاثًا، وَلَا يثبت على أَوْلَاد بَنَاته إِلا أَن يكون أبوهُم رَقِيقا، فَيثبت الْوَلَاء لموَالِي الْأُم، ثُمَّ إِذا عتق الْأَب ينجرّ الْوَلَاء إِلَى موَالِي الْأَب، وَكَذَلِكَ من أعتق أمة، فَلَا وَلَاء لهُ على أَوْلَادهَا إِلا أَن يكون أبوهم رَقِيقا، فَيثبت لهُ الْوَلَاء على أَوْلَادهَا، فَإِذا عتق الأبُ، انجرَّ إِلَى موَالِيه، وَإِنَّمَا يثبت الْوَلَاء لمعتق الْأَب إِذا لم يكن على الْوَلَد لغيره وَلَاء، فَإِن كَانَ الْأَب معتقَ رجل، وَالِابْن مُعتق غَيره، فَلَا وَلَاء لمعتق الْأَب على الابْن، وَالْمَرْأَة لَا تَرث بِالْوَلَاءِ إِلا من معتقها، أَو مِمَّن ينتمي إِلَى معتقها بولاء أَو نسب حَتَّى تَرث من معنقها ومعتق معتقها، وَأَوْلَاد بني معتقها كَالرّجلِ.
وَرُوِيَ أنَّ ابْنة حَمْزَة أعتقت عبدا لَهَا، فَمَاتَ، وَترك ابْنَته ومولاته بنت حَمْزَة، " فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيراثَهُ بَيْنَ ابْنَتَيْهِ وَموْلاتِهِ بِنْتُ حَمْزَةَ نِصْفَيْنِ.
وَسُئِلَ إِبْرَاهِيم عَنْ أُخْتَيْنِ اشترت إِحْدَاهمَا أَبَاهَا، فأعتقته، ثُمَّ مَاتَ،
قَالَ: لَهما الثُّلُثَانِ فريضتهما، وَمَا بَقِي، فللمعتقة دون الْأُخْرَى، وَهَذَا قولُ الْعلمَاء، أما إِذا كَانَ للْمُعْتق ابْن وَبنت، أَو أَخ وَأُخْت، فميراث الْعَتِيق لِابْنِ الْمُعْتق أَو للْأَخ، وَلَا شَيْء لبِنْت الْمُعْتق، وَلَا للْأُخْت، روى الزُّهْرِيّ، عَنْ سَالم، عَنْ أَبِيه، أَنهُ كَانَ يَرث موَالِي عُمَر دون بَنَات عُمَر.
وَفِي الْحَدِيث دليلٌ على أَن الْمولى الْأَسْفَل لَا يَرث، لِأَن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خصَّ المعتِق بِالْوَلَاءِ.
ورُوي عَنْ عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الوَلاء لِمَنْ أَعْطَى الوَرقَ وَوَلِي النِّعْمَةَ»، وَهَذَا قولُ أَكثر أهل الْعلم، وحُكي عَنْ شُرَيْح، وَطَاوُس، إِثْبَات الْمِيرَاث للْمولى الْأَسْفَل، وَفِيه دليلٌ أَيْضا على أنَّ من أسلم على يَدَيْهِ رجلٌ لَا يَرِثهُ، وَلَا يثبت الْوَلَاء بالحِلْف والموالاة، لأنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أضَاف الْوَلَاء إِلَى الْمُعْتق بِالْألف وَاللَّام، فيوجبُ ذَلِكَ قطعه عَنْ غَيره، كَمَا يقَالَ: الدَّار لزيد، فِيهِ إِيجَاب الْملك فِيهَا لزيد وقطعها عَنْ غَيره.
قَالَ ابْن عَبَّاس: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النِّسَاء: 33]، قَالَ: وَرَثَة ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النِّسَاء: 33]، كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لما قدمُوا الْمَدِينَة يرثُ المهاجريُّ الْأنْصَارِيّ دون ذَوي رَحمَه، للأخوة الَّتِي آخي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَينهم،
فَلَمَّا نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النِّسَاء: 33] نسخت، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النِّسَاء: 33] من النَّصْر، والرفادة، والنصيحة، وَقد ذهب الْمِيرَاث ويوصي لَهُ.
وَذهب بعضُ أهل الْعلم إِلَى إِثْبَات الْوَلَاء بِعقد الْمُوَالَاة، وَهُوَ قولُ سُفْيَان، وَأَصْحَاب الرَّأْي، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: إِذا أسلم على يَد رجُل، فلهُ ميراثهُ ويعقلُ عَنْهُ، وَهُوَ قولُ إِسْحَاق، لما رُوي عَنْ تَمِيم الدَّارِيّ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُول اللَّه، مَا السّنة فِي الرَّجل من أهل الشّرك يُسلم على يَد رجل من الْمُسلمين؟ قَالَ: «هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاه ومَمَاتِهِ» وَهَذَا الْحَدِيث ضعَّفهُ أَحْمَد من قبل إِسْنَاده على أنهُ لَيْسَ فِيهِ ذكرُ الْمِيرَاث، فيُحتمل أَن يكون ذَلِكَ فِي الْمِيرَاث، وَيحْتَمل أَن يكون فِي رعي الذِّمام والإثار بِالْبرِّ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ من الْأُمُور، فيُحمل على هَذِه الْمعَانِي دون الْمِيرَاث، لقَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ».
وَلَو أعتق الْيَهُودِيّ، أَوِ النَّصْرَانِي عبدا مُسلما، فيثبتُ لَهُ عَلَيْهِ الْوَلَاء، وَإِن كَانَ لَا يرثهُ لاخْتِلَاف الدِّين، كَمَا أَنَّ النّسَب لَا يمْتَنع ثُبُوته مَعَ اخْتِلَاف الدَّين، وَإِن كَانَ التوارُثُ مُمْتَنعا حَتَّى لَو أسلم الْمُعْتق ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيق ورثهُ، وَقَالَ مَالِك: لَا وَلَاء عَلَيْهِ بِحَال، وميراثهُ للْمُسلمين، أما إِذا أعتق يَهُودِيّ يَهُودِيّا، ثُمَّ أسلم الْمُعْتق، قَالَ: لَا يبطل ولاؤهُ حَتَّى لَو مَاتَ الْعَتِيق بعد إِسْلَام الْمُعْتق يَرِثهُ الْمُعْتق، وَلَو كَانَ للْمُعْتق ولد مُسْلِم يَرث الْمُعْتق إِذا أسلم الْمُعْتق قبل إِسْلَام الْمُعْتق بالِاتِّفَاقِ، ورُوي عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ، أنهُ أعتق عبدا لَهُ نَصْرَانِيّا، فَتوفي فَأمر عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ أَن يَجْعَل مالهُ فِي بَيت مَال الْمُسلمين.
2223 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا آدمُ، نَا شُعْبَةُ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، وَقَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» أَوْ كَمَا قَالَ.
بَاب جَرِّ الوَلاء
2224 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، نَا عَلُيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا الْعَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ أَبَاهُ يَعْقَوبَ تَزَوَّجَ أَمَّ عَبْدِ الرَّحمنِ، فَوَلَدَتْهُ، وَكَانَ يَعْقُوبُ مُكَاتِبًا لأَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، وَكَانَتْ أُمُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلاةً لِرَجُلٍ مِنَ الْحُرْقَةِ، فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ فِي وِلايَتِهِ، فَقَضَى عُثْمَانُ أَنَّ مَا وَلَدَتْ أُمُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَيَعْقُوبُ مُكَاتَبٌ فَهُوَ لِلْحُرَقِيِّ، وَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهِ، فَهُوَ لأَوْسٍ».
قَالَ الإِمَامُ: وَمعنى هَذَا أَن الْأُم إِذا كَانَت مُعتقة إِنْسَان، وَالْأَب رَقِيق أَو مُكاتب، فولاء الْوَلَد لموَالِي الْأُم، فَإِن عتق الْأَب، انجر إِلَى موَالِيه، سَوَاء كَانَ ولادَة الْمَوْلُود قبل عتق الْأَب أَو بعده، فَإِن مَاتَ الْمَوْلُود قبل عتق الْأَب، وَأخذ موَالِي الْأُم مِيرَاث الْمَوْلُود، ثُمَّ عتق الْأَب فَلَا يُستردُّ من موَالِي الْأُم مَا أخذُوا، لِأَن الِاعْتِبَار بِيَوْم الْمَوْت، وَلم يكن لموَالِي الْأَب وَلَاء على الْمَوْلُود يَوْم مَوته.
ورُوي أَنَّ الزبير اشْترى عبدا فأعتقهُ، وَلذَلِك العَبْد بنُون من امْرَأَة حُرَّة، قَالَ الزُّبير: هم موَالِي.
وَقَالَ موَالِي أمّهم: هم موالينا.
فَقضى عُثْمَان للزبير بولائهم، ورُوي أَيْضا عَنْ عُمَر، أنهُ قَالَ فِي الْحرَّة تكون تَحت العَبْد تَلد لهُ أَوْلَادًا، ثُمَّ يعْتق أَبوهم: إِنَّه يصير ولاؤُهم إِلَى موَالِي أَبِيهِم.
وَهَذَا قولُ عَامَّة أهل الْعلم.
وَلَو عتق الْجد، وَالْأَب مَمْلُوك يجرُّ موَالِي الْجد وَلَاء الْوَلَد عِنْد أَكثر أهل الْعلم، وَبِهِ قَالَ مَالِك، وَالأَوْزَاعِيّ، وَابْن أَبِي ليلى، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَقَالَ قومٌ: لَا يجرُّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حنيفَة.
بَاب الوَلاء لَا يُبَاعُ وَلا يُوهَبُ
2225 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ
الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْوَلاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ».
هَذَا حديثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أخرجهُ مُحَمَّد، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ شُعْبَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرُهُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
كُلٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ.
2226 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلاءِ وعَنْ هِبَتِهِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
قَالَ الإِمَامُ: اتّفق أهلُ الْعلم على هَذَا، أَن الْوَلَاء لَا يباعُ وَلَا يوهبُ وَلَا يورثُ، إِنَّمَا هُوَ سَبَبٌ يُورث بِهِ، كالنسب يُورث بِهِ وَلَا يُورث، وَكَانَت العربُ فِي الْجَاهِلِيَّة تبيع وَلَاء مواليها، فنهاهم رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، وَزعم قومٌ أَن السَّائبة تضع ولاءه حيثُ شَاءَ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا، لأنَّ الْوَلَاء كالنسب إِذا اسْتَقر لم يَزُل إِلا مَا اسْتَثْنَاهُ الْإِجْمَاع من جرِّ الْوَلَاء.
2227 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ الْعَاصِيَ بْنَ هِشَامٍ هَلَكَ وَتَرَكَ بَنِينَ لَهُ ثَلاثَةً: اثْنَانِ لأُمٍّ، وَرَجُلٌ لِعَلَّةٍ، فَهَلَكَ أَحَدُ اللَّذَيْنِ لأُمٍّ، وَتَرَكَ مَالا وَمَوَالِيَ، فَوَرِثَ أَخُوهُ الَّذِي لأَبِيهِ وَأُمِّهِ مَالَهُ وَوَلاءَهُ مَوَالِيهِ، ثُمَّ هَلَكَ الَّذِي وَرِثَ الْمَالَ، وَوَلاءَ الْمَوَالِي، وَتَرَكَ ابْنَهُ وَأَخَاهُ لأَبِيهِ، فَقَالَ ابْنُهُ: قَدْ أَحْرَزْتُ مَا كَانَ أَبِي أَحْرَزَ مِنَ الْمَالِ، وَوَلاءِ الْمَوَالِي، وَقَالَ أَخُوهُ: لَيْسَ كَذلِكَ، إِنَّمَا أَحْرَزْتَ الْمَالَ، وَأَمَّا وَلاءُ الْمَوالِي فَلا، أَرَأَيْتَ لَوْ هَلَكَ أَخِي الْيَوْمَ أَلَسْتُ أَرِثُهُ؟ فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَقَضَى لأَخِيهِ بِوَلاءِ الْمَوَالِي.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدٍ، إِنَّهُمْ قَالُوا: الْوَلاءُ لِلْكُبْرِ، يَعْنُونَ: مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْمُعْتِقِ بِأَبٍ أَوْ أُمٍّ.
قَالَ الإِمَامُ: فِيهِ بيانُ أَن الْوَلَاء لَا يُورث، وَإِنَّمَا يَرث بِهِ من كَانَ وَارِثا للْمُعْتق من عصباته لَو قدر موت الْمُعْتق يَوْم موت الْعَتِيق، فَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة كَانَ الْمِيرَاث بِالْوَلَاءِ للْأَخ للْأَب، لِأَن الْمُعْتق لَو مَاتَ الْيَوْم كَانَ مِيرَاثه للْأَخ للْأَب دون ابْن الْأَخ للْأَب وَالأُم، حَتَّى لَو أعتق رجلٌ عبدا، وَمَات عَنْ ثَلَاثَة بَنِينَ، ثُمَّ مَاتَ البنون عَنْ عشرَة بَنِينَ لوَاحِد اثْنَان، وَللْآخر ثَلَاثَة وللثالث خَمْسَة، ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيق، كَانَ مِيرَاثه بَينهم أعشارًا، لِأَن الْمُعْتق لَو مَاتَ الْيَوْم كَانُوا فِي مِيرَاثه سَوَاء.
وَلَو ظهر للْمُعْتق مالٌ قديمٌ، كَانَ بَينهم أَثلَاثًا، لِأَنَّهُ ميراثٌ لِآبَائِهِمْ من الْجد، لكلِّ وَاحِد ثَلَاثَة، ثُمَّ نصيبُ كل وَاحِد مِنْهُم يرثهُ أولادهُ، وحُكي عَنْ شُرَيْح، أَنَّهُ كَانَ يَقُول: يُورث الْوَلَاء كَمَا يُورث المالُ، حَتَّى قَالَ فِي هَذِه الصُّورَة: يُجعل مَال الْمولى بَينهم أَثلَاثًا، وَقَالَ: لَو أعتق عبدا، وَمَات عَنِ ابْنَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ أحد الِابْنَيْنِ عَنِ ابْن، ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيق، فَنصف مِيرَاثه لِابْنِ الْمُعْتق، وَنصفه لِابْنِ الابْن، وَعند الْعَامَّة جَمِيع مِيرَاثه لِابْنِ الْمُعْتق
بَاب مِيرَاثُ ذَوِي الأَرْحَامِ
2228 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ».
وَهَذَا حديثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
أَخْرَجَهُ مُحَمَّد، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ.
كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ.
2229 - أَخْبَرَنَا الإمامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الدَّارَابِجِرْدِيُّ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْهَوْزَنِيِّ، عَنِ الْمِقْدَامِ الْكِنْدِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا، أَوْ ضَيْعَةً فَإِلَيْنَا، وَمَنْ تَرَكَ مَالا فَلِوَرَثَتِهِ، وَأَنَا مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، أَرِثُ مَالَهُ، وَأَفُكُّ عَانَهُ، والْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، يَرِثُ مَالَهُ، وَيَفُكُّ عَانَهُ».
قولهُ: «يفك عانه» يُرِيد عانيه، فَحذف الْيَاء، والعاني: الْأَسير وَأَرَادَ مَا يَلزمُه بِسَبَب الْجِنَايَات الَّتِي سَبِيلهَا أَن تتحمَّلها الْعَاقِلَة، كَمَا صرح بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث من رِوَايَة شُعْبَة، عَنْ بديل بْن ميسرَة، قَالَ: «يَعْقِلُ عَنْهُ وَيَرِثُ مَالَهُ».
وهَذَا حجَّة لمن ذهبَ إِلَى تَوْرِيث الْأَرْحَام وهم أَوْلَاد الْبَنَات، وَالْجد أَب الْأُم، وأولادُ الْأُخْت، وَبَنَات الْأَخ، وَبَنَات الْعم، وَالْعم للْأُم، والعمة، وَالْخَال، وَالْخَالَة، فَاخْتلف النَّاسُ فِي توريثهم، فَذهب جمَاعَة مِنْهُم إِلَى أنهُ لَا مِيرَاث لَهُم، بل يصرف مالُ الْمَيِّت الَّذِي لم يخلف وَارِثا إِلَى بَيت مَال الْمُسلمين إِرْثا لَهُم بأخوة الْإِسْلَام.
وَهُوَ قولُ أَبِي بَكْر، وَزَيْد بْن ثَابِت، وَابْن عُمَر، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيّ، وَالأَوْزَاعِيّ، وَمَالك، وَالشَّافِعِيّ، وتأوَّلوا حَدِيث الْمِقْدَام على أَنَّهُ طعمة أطِعمها الخالُ عِنْد عدم الْوَارِث، وسماهُ وَارِثا مجَازًا على معنى أنهُ صَار المَال مصروفًا إِلَيْهِ، يدلُّ عَلَيْهِ أنَّ الْخَال لَا يعقل ابْن أُخْته، كَذَلِك لَا يَرِثُهُ.
وَذهب كثيرٌ من أهل الْعلم إِلَى توريثهم عِنْد عدم الْوَرَثَة، وَهُوَ قولُ عُمَر، وَعلي، وَعَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّعْبِيّ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيّ، وَأَحْمَد، وأصحابُ الرَّأْي، ثُمَّ عِنْد عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود يُقدم ذَوُو الْأَرْحَام على مَوْلَى الْعتاق، وَعند عَليّ يُقدم مَوْلَى الْعتاق عَلَيْهِم، وَهَذَا قولُ هَؤُلَاءِ الفُقهاء، ويقدمون الردَّ على أَصْحَاب الْفَرَائِض، سوى الزَّوْجَيْنِ مثل الْبِنْت، وَالأُم، وَالْأُخْت، على تورث من لَيْسَ بِذِي فرض من ذَوي الْأَرْحَام، ثُمَّ عِنْد عَليّ مَا فضل من فرائضهم يُردُّ عَلَيْهِم، ويُقسم على سِهَام فرائضهم، وَهُوَ قَول أَبِي حنيفَة، وَعند ابْن مَسْعُود لَا يردُّ على بنت الابْن مَعَ بنت
الصُّلب، بل يكون للْبِنْت النصفُ، ولبنت الابْن السُّدسُ، وَالْبَاقِي للْبِنْت، وَكَذَلِكَ لَا يرد على أَخ لأم مَعَ أم، بل يكون الْبَاقِي بعد فرضهما للْأُم، وَلَا على جدة إِذا كَانَ مَعهَا غَيرهَا ممَّن لَهُ فَرِيضَة.
ثمَّ الْمَشْهُور من مَذهبهم فِي تَرْتِيب ترويثهم، تَقْدِيم من ينتمي إِلَى الميِّت، وهم أَوْلَاد الْبَنَات، ثُمَّ من ينتمي إِلَيْهِ الميِّت، وهم الأجدادُ والجدَّاتُ، ثُمَّ تُعتبر جهةُ أخوة الْمَيِّت، ثُمَّ جِهَة أخوة الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب من آبَائِهِ وأمَّهاته، كَمَا فِي تَوْرِيث الْعَصَبَات، فَمَا دَامَ للْمَيت أحدٌ من أَوْلَاد الْبَنَات وَإِن سفلَ، فَلَا شَيْء لأَب الْأُم، وَلَا شَيْء لأحد من بَنَات الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات مَعَ وجود أحد من الأجداد والجدات وَإِن علا، وَلَا شَيْء لأحد من العمات والأخوال والخالات مَعَ وجود أحد من بَنَات الْإِخْوَة، أَو الْأَخَوَات وَإِن سَفل.
ثمَّ فِي تَوْرِيث أَوْلَاد الْبَنَات يُقدمُ الْأَقْرَب إِلَى الْمَيِّت ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، فَإِن اسْتَووا فِي الدَّرجة، يُقدم الأقربُ إِلَى الْوَارِث، فَإِن اسْتَووا فِيهِ، فهم شُرَكَاء فِي الْمِيرَاث، وَإِن اخْتلفت أبدانهُم يُقسمُ بَينهم للذّكر مثلُ حظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَفِي تَوْرِيث الأجداد والجدَّات يُقدمُ الأقربُ إِلَى الْمَيِّت، فَإِن اسْتَووا فِي الدرجَة، فَلَا يُراعى القربُ إِلَى الْوَارِث، بل يُجعل الثُّلُثَانِ فِي جَانب الْمَيِّت ذكرا كَانَ فِي جَانِبه أَو أُنْثَى، وَالثلث فِي جَانب أمه ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، ثُمَّ إِن كَانَ فِي أحد الْجَانِبَيْنِ جمَاعَة يُجعل ذَلِكَ الثُّلُثَانِ أَو الثُّلُث بَينهم، فَإِن اخْتلفت أبدانهُم، يُقسم بَينهم للذّكر مثل حظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَفِي تَوْرِيث بَنَات الْإِخْوَة وَأَوْلَاد الْأَخَوَات يُقدَّمُ الأقربُ إِلَى الْمَيِّت سَوَاء كَانَ من قبل الْأَب وَالأُم، أَو من قبل الْأَب، أَو من قبل الْأُم، فَإِن اسْتَووا فِي الدَّرجة، يقدم الأقربُ إِلَى الْوَارِث من أَي جِهَة كَانَ، فَإِن اسْتَووا فِيهِ، فَحِينَئِذٍ يقدمُ من كَانَ من قبل الْأَب وَالأُم، ثُمَّ من كَانَ من قبل الْأَب، ثُمَّ من كَانَ من قبل الْأُم، وَكَذَلِكَ فِي تَوْرِيث
العمَّات والأخوال، والخالات، وَأَوْلَادهمْ، يُقدمُ الْأَقْرَب إِلَى الْمَيِّت، سَوَاء كَانَ من جِهَة الأخوال، أَو من جِهَة العمَّات، والأعمام، فَإِن اسْتَووا فِي الدَّرجة يقدمُ الأقربُ إِلَى الْوَارِث، فَإِن اسْتَووا فِيهِ، فَإِن انْفِرَاد قَرَابَات الْأَب من الْأَعْمَام، أَو العمات، أَو قَرَابَات الْأُم من الأخوال، والخالات، أَو أولادُهم، يُقدَّمُ من كَانَ الْأَب وَأم، ثُمَّ من كَانَ لأَب، ثُمَّ من كَانَ لأم، فَإِن اسْتَووا، فهم شُرَكَاء فِيهِ، فَإِن اخْتلفت أبدانهم قسم بَينهم للذّكر مثلُ حظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَإِن اجْتمع قرَابَة الْأَب، مَعَ قرَابَة الْأُم يَجْعَل الثُّلُثَانِ فِي قرَابَة الْأَب وَالثلث فِي قرَابَة الْأُم، ثُمَّ يُقدمُ فِي الثُّلثَيْنِ أَو الثُّلُث من كَانَ لأَب وَأم، ثُمَّ من كَانَ لأَب، ثُمَّ من كَانَ لأم، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور من مذاهبهم على كَثْرَة اخْتلَافهمْ فِيهِ.
وُروي عَنْ عُمَر أَنَّهُ أعْطى الْخَالَة الثُّلُث، والعمة الثُّلثَيْنِ.
وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود: الْخَالَة بِمَنْزِلَة الْأُم، والعمة بِمَنْزِلَة الْأَب، وَبنت الْأَخ بِمَنْزِلَة الْأَخ، وكل رحمٍ بِمَنْزِلَة رَحمَه الَّتِي يُدْلِي بهَا إِذا لم يكن وَارِث.
وَقَالَ الشَّعْبِيّ فِي بنت أَخ وعمة: إنَّ المالَ لبِنْت الْأَخ.
وَقَالَ مَسْرُوق فِي بنت أَخ وخال: للخال نصيب أُخْته، ولبنت الْأَخ نصيب أَبِيهَا.
بَاب الرَّجُلِ يَمُوت وَلَا وَارِثَ لَهُ
2230 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الضَّحَّاكِيُّ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، نَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ، نَا مِسْكِينُ بْنُ بُكَيْرٍ، نَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدَ بْنَ وَرْدَانَ يُحَدَّثُ، عَنْ عُرْوَةَ،
عَنْ عَائِشَةَ، " أَنَّ مَوْلًى لِرَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ، فَجَاءُوا بِمِيرَاثِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَهَهُنَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: أعْطُوهُ إيَّاهُ ".
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ويُروى هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَائِشَة، أنَّ مَوْلًى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ، وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا، وَلا حَمِيمًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أعْطُوا مِيرَاثَهُ رَجُلا مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ».
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَقَالَ: إنَّ عِنْدِي مِيرَاثَ رَجُلٍ مِنَ الأَزْدِ، وَلَسْتُ أَجِدُ أَزْدِيًّا أَدْفَعُهُ إِلَيْهِ؟ قَالَ: اذْهَبْ فَالْتَمِسْ أَزْدِيًّا حَوْلا.
قَالَ: فَأَتَاهُ بَعْدَ الْحَوْلِ، فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ.
قَالَ: فَانْظُرْ أَوَّلَ خُزَاعِيٍّ تَلْقَاهُ، فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ.
فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ: عَلَيَّ الرَّجُلَ.
فَلَمَّا جَاءَ، قَالَ: انْظُرْ كبر خُزَاعَةَ فَادْفَعْهُ إلَيْهِ "، ويُرْوَى أَكْبَرَ رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ.
قَالَ الإِمَامُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَيْسَ هَذَا عِنْد أهل الْعلم على سَبِيل تَوْرِيث أهل الْقرْيَة والقبيلة، بل مالُ من لَا وَارِث لهُ، لعامة الْمُسلمين يَضَعهُ الإِمَام
حَيْثُ يرَاهُ على وَجه الْمصلحَة، فوضعهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أهل قبيلته على هَذَا الْوَجْه، وَالله أعلم.
ورُوي عَنْ وَاثِلَة بْن الْأَسْقَع، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: المرأةُ تَحُوزُ ثَلاثَ مَوَارِيثَ، عَتِيقَهَا وَلَقِيطَها وَوَلَدَهَا الَّذِي لاعَنَتْ بِهِ، وَهَذَا حديثٌ غيرُ ثابتٍ عِنْد أهل النَّقْل.
وَاتفقَ أهلُ الْعلم على أَنَّهَا تَأْخُذ مِيرَاث عتيقها.
وَذهب عَامَّة أهل الْعلم إِلَى أنَّ الْمُلْتَقط لَا وَلَاء لَهُ على اللَّقِيط، لِأَن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يثبت الْوَلَاء إِلا للمعتِق، وَكَانَ إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه يَجْعَل وَلَاء اللَّقِيط لملتقطه، أما الولدُ الَّذِي نفاهُ الرجُل بِاللّعانِ، فَلَا خلاف أَن أَحدهمَا لَا يرثُ الآخر، لأنَّ التَّوَارُث بِسَبَب النّسَب، وَقد انْتَفَى النسبُ بِاللّعانِ، أما نسبه من جِهَة الْأُم، فثابت ويتوارثان.
وَاخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة تَوْرِيث الْأُم مِنْهُ، فَذهب قومٌ إِلَى أنَّ جَمِيع مِيرَاث الْوَلَد للْأُم إِن كَانَت حيَّة، وَإِن لم تكن حيَّة، فلورثتها، وَإِلَيْهِ ذهب النَّخعِيّ، وَالشَّعْبِيّ، وَمَكْحُول، وَهُوَ قولُ سُفْيَان الثَّوْرِيّ، قَالَ سُفْيَان: هِيَ بِمَنْزِلَة أَبِيه وأمِّه.
ورُوي عَنِ ابْن مَسْعُود، وَابْن عُمَر، أنَّ الْأُم عصبَة من لَا عصبَة لهُ، قَالَ أَحْمَد: تَرثه أمُّه وعصبتهُ أمه، وَقَالَ الْحَسَن: للْأُم الثُّلُث، وَالْبَاقِي لعصبة الْأُم، فَإِن كَانَ لهُ أَخ، فَلهُ السُّدسُ، وَهُوَ قولُ عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس، قَالَ: ترثهُ أمهُ وأخوهُ من أمِّه وعصبة أمه، فَإِن قذفهُ قاذفٌ، جلد قاذفهُ، وَقَالَ مَالِك، وَالشَّافِعِيّ: إِن كَانَت أمه حرَّة أَو عَرَبِيَّة، فلهَا الثُّلُث، وَالْبَاقِي لبيت المَال.
وَهُوَ مذهبُ زَيْد بْن ثَابِت، وَبِهِ قَالَ سُلَيْمَان بْن
يَسَار، وعروةُ بْن الزبير، وَالزُّهْرِيّ، وَإِن كَانَت مُعتَقة، فلهَا الثُّلُث وَالْبَاقِي لموَالِي الْأُم.
وَإِن كَانَ لهُ إخْوَة يَرِثُونَ مِنْهُ بأخوة الْأُم، فَإِن قيل: كَيفَ صرفتم الْبَاقِي إِلَى عصباتها من جِهَة الْوَلَاء، وَلم تصرفوا إِلَى عصبتها من جِهَة النّسَب؟ قُلْنَا: كَمَا لَو كَانَ الْأَب مَمْلُوكا، كَانَ الْفضل عَنْ فرض الْأُم لمولاها دون عصبتها من جِهَة النّسَب.
وَقَالَ عَليّ وَابْن مَسْعُود: عصبته عصبَة أمه.
وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي: مِيرَاث ابْن الْمُلَاعنَة كميراث غَيره مِمَّن يَمُوت، وَلَا عصبَة لهُ، فللأم فرضُها، وَالْبَاقِي ردٌّ عَلَيْهَا، وَإِن كَانَ مَعهَا صاحبُ فرض آخر، يرد الْفضل عَلَيْهِم على قدر سِهَامهمْ، وَهُوَ قَول عَليّ، قَالَ عَليّ، وَابْن مَسْعُود، فِي ولد مُلاعنة ترك جدَّته وَإِخْوَته لأمه، قَالا: للجدَّة الثُّلُث، وللإخوة الثُّلُثَانِ.
وَعند زَيْد: للجدة السُّدس، وللإخوة الثلثُ، وَالْبَاقِي لبيت المَال.
وَولد الزِّنا لَا يَرثُ من الزَّاني وَلَا الزَّانِي مِنْهُ، وَهُوَ مَعَ الْأُم كَوَلَد الْمُلَاعنَة عِنْد أهل الْعلم، ورُوي عَنْ عَليّ، أَنَّهُ قَالَ فِي ولد الزِّنَا لأولياء أمه: «خُذُوا ابنكم ترثونهُ وتعقلونه وَلَا يرثكم».
بَاب الأَسْباب الَّتي تَمْنَعُ الميراثَ
2231 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلا الكَافِرُ المُسْلِمَ».