شرح السنة للبغويصفحات 249-288

كِتَابُ الْجَنَائِزِ

صفحات 249-288
عن هذه الطبعة
عَلَم
البغوي ، أبو محمد
الكتاب
شرح السنة
المؤلف
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
الطبعة
الثانية، 1403هـ - 1983م
عدد الأجزاء
15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

1439 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَبْدُوسِيُّ الْمُزَكِّي بِنَيْسَابُورَ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ الْفَقِيهُ بِبَغْدَادَ، نَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزِّبْرِقَانِ، وَالْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا رَوْحٌ وَهُوَ ابْنُ عُبَادَةَ، نَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنِي مَوْلَى ابْنِ سِبَاعٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النِّسَاء: 123]، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ أَلا أُقْرِئُكَ آيَةً أُنْزِلَتْ عَلَيَّ؟»، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، فَأَقْرَأَنِيهَا، قَالَ: وَلا أَعْلَمُ إِلا أَنِّي وَجَدْتُ انْفِصَامًا فِي ظَهْرِي حَتَّى تَمَطَّيْتُ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، وَأَيُّنَا لَمْ يَفْعَلْ سُوءًا، وَإِنَّا لَمُجْزَوْنَ بِكُلِّ سُوءٍ عَمِلْنَاهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا أَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ، وَأَصْحَابُكَ الْمُؤْمِنُونَ، فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَلَيْسَتْ لَكُمْ ذُنُوبٌ، وَأَمَّا الآخَرُونَ، فَيُجْمَعُ ذَلِكَ لَهُمْ حَتَّى يُجْزَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ يُضَعَّفُ، وَمَوْلَى ابْنِ سِبَاعٍ مَجْهُولٌ 1440 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو مَنْظُورٍ , عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ عَامِرٍ الرَّامِ أَخِي الْخَضِرِ،

قَالَ: إِنِّي لَبِبِلادِنَا إِذْ رُفِعَتْ لَنَا أَلْوِيَةٌ وَرَايَاتٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا لِوَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ قَدْ بُسِطَ لَهُ تَحْتَهَا كِسَاءٌ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ، فَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأَسْقَامَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَصَابَهُ السَّقَمُ، ثُمَّ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَمَوْعِظَةً لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ، ثُمَّ عُوفِيَ، كَانَ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ، ثُمَّ أَرْسَلُوهُ، فَلَمْ يَدْرِ لِمَ عَقَلُوهُ، وَلَمْ يَدْرِ لِمَ أَرْسَلُوهُ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ حَوْلَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الأَسْقَامُ؟ وَاللَّهِ مَا مَرِضْتُ قَطُّ، قَالَ: «قُمْ عَنَّا فَلَسْتَ مِنَّا»

بَابُ الطَّاعُونِ

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ».
1441 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، نَا عَاصِمٌ، حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ، قَالَتْ: قَالَ لِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: يَحْيَى بِمَ مَاتَ؟ قُلْتُ: مِنَ الطَّاعُونِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ».

هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَامِدِ بْنِ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ 1442 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَنِي: «أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنَ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ

1443 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَعَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ: أَسَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّاعُونِ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ».
وَقَالَ أَبُو النَّضْرِ: «لَا يُخْرِجُكُمْ إِلا فِرَارٌ مِنْهُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ، قَوْلُهُ: «فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ» إِثْبَاتُ الْحَذَرِ، وَالنَّهْيُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلتَّلَفِ، وَفِي قَوْلِهِ: «لَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» إِثْبَاتُ

التَّوَكُّلِ وَالتَّسْلِيمِ لِقَضَاءِ اللَّهِ، فَأَحَدُ الأَمْرَيْنِ تَأْدِيبٌ وَتَعْلِيمٌ، وَالآخَرُ تَفْوِيضٌ وَتَسْلِيمٌ.
وَرُوِيَ عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَبْك، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْضٌ عِنْدَنَا هِيَ أَرْضُ مِيرَتِنَا، وَإِنَّهَا وَبِيئَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْهَا عَنْكَ فَإِنَّ مِنَ الْقَرَفِ التَّلَفَ».
وَالْقَرَفُ: هُوَ مُدَانَاةُ الْوَبَاءِ، وَلَيْسِ هَذَا مِنْ بَابِ الْعَدْوَى، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الطِّبِّ، فَإِنَّ اسْتِصْلاحَ الأَهْوِيَةِ مُعِينَةٌ عَلَى صِحَّةِ الأَبْدَانِ، وَفَسَادُهَا مُضِرٌّ مُسْقِمٌ كَالْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ.
وَقِيلَ: قَوْلُهُ: «فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ» رُخْصَةٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا، وَأَحَبَّ أَنْ يَنْصَرِفَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ» رُخْصَةٌ، فَلَوْ دَخَلَهَا كَانَ أَقْرَبَ إِلَى التَّوَكُّلِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا عَلَى عُمَرَ حِينَ اسْتَشَارَهُمْ فِي دُخُولِ الشَّامِ، وَقَدْ وَقَعَ بِهَا الطَّاعُونُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: تَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ.

وَرُوِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ بُعِثَ إِلَى مِصْرَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ بِهَا الطَّاعُونَ، فَقَالَ: إِنَّمَا جُبِلْنَا لِطَعْنٍ وَطَاعُونٍ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُرِيدُ بِهِ الشَّهَادَةَ.
وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَهَّزَ جَيْشًا إِلَى الشَّامِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ مَنَايَاهُمْ قَتْلا فِي سَبِيلِكَ بِطَعْنٍ وَطَاعُونٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا» فَهَذَا نَهْيٌ إِذَا كَانَ قَصْدُهُ بِالْخُرُوجِ الْفِرَارَ مِنْهُ، فَلَوْ خَرَجَ مِنْهَا لِحَاجَةٍ يُرِيدُهَا، أَوْ سَفَرٍ يَقْصِدُهُ، فَلا بَأْسَ بِهِ، بِدَلِيلِ، أَنَّهُ قَالَ: «فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ».

بَابُ كَرَاهِيَةِ تَمَنِّي الْمَوْتِ

1444 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَسْلَمَ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلا، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا دَامَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي ". هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ آدَمَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَلَفٍ، عَنْ رَوْحٍ، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ 1445 - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاهِرِيُّ، أَنا جَدِّي

عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَزَّازُ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعُذَافِرِيُّ، أَنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَتَمَنَّى أَحَدٌ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنٌ فَيَزْدَادُ إِحْسَانًا، وَإِمَّا مُسِيءٌ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ 1446 - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْحَاكِمُ الطُّوسِيُّ، بِهَا، أَنا السَّيِّدُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ الْحَسَنِيُّ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَالُويَةَ الْمُزَكِّي، نَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ، أَنا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَا يَتَمَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، وَلا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، إِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلا خَيْرًا».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: " يُكْرَهُ تَمَنِّي الْمَوْتِ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، أَمَّا مِنَ الْخَوْفِ عَلَى دِينِهِ لِفَسَادِ الزَّمَانِ، فَلا يُكْرَهُ، كَمَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ: «وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ».
وَرُوِيَ عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، قَالَ: تَمَنَّى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ لِنَفْسِهِ وَلأَهْلِهِ الْمَوْتَ، فَقِيلَ لَهُ: تَمَنَّيْتَ لأَهْلِكَ، فَلِمَ تَمَنَّى لِنَفْسِكَ؟ قَالَ: لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَسْلَمُونَ عَلَى حَالِكُمْ هَذِهِ لَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَعِيشَ فِيكُمْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَقَالَ: لأَهْلُ بَيْتِي أَهْوَنُ عَلَيَّ مَوْتًا مِنْ عِدَّتِهِمْ مِنَ الْجِعْلانِ، وَلا يَأْتِي عَلَيْكُمْ عَامٌ إِلا وَهُوَ شَرٌّ مِنَ الآخَرِ.

بَابُ ذِكْرِ الْمَوْتِ

قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص: 46] أَيْ: يُذَكِّرُونَ بِالدَّارِ الآخِرَةِ، وَيُزَهِّدُونَ فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ: يُكْثِرُونَ ذِكْرَ الآخِرَةِ 1447 - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلالُ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَقُولُ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ، الْمَوْتِ».
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِثْلَهُ

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا، وَكَفَى بِالْيَقِينِ غِنًى، وَكَفَى بِالْعِبَادَةِ شُغْلا.
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ، قَلَّ حَسَدُهُ، وَقَلَّ فَرَحُهُ.

بَابُ

مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الْفجْر: 27]، أَيِ: الْمُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ.
قَالَ الْحَسَنُ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ قَبْضَهَا، اطْمَأَنَّتْ إِلَى اللَّهِ، وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَرَضِيَ عَنِ اللَّهِ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَمَرَ بِقَبْضِ رُوحِهَا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ.
1448 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِذَا أَحَبَّ الْعَبْدُ لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ ". هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مَالِكٍ

1449 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، نَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ: إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ، بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَدَّابِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ هَمَّامٍ مُخْتَصَرًا، وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ،

عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ 1450 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، نَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، نَا زَكَرِيَّا، عَنْ عَامِرٍ هُوَ الشَّعْبِيُّ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَالْمَوْتُ قَبْلَ لِقَاءِ اللَّهِ».
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَنِيفِيُّ، نَا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، أَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ زَكَرِيَّا

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: لَيْسَ وَجْهُهُ أَنْ يَكْرَهَ شِدَّةَ الْمَوْتِ، هَذَا لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْهُ أَحَدٌ، وَبَلَغَنَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ كَرِهَهُ حِينَ نَزَلَ بِهِ، وَلَكِنَّ الْمَكْرُوهَ مِنْ ذَلِكَ الإِيثَارُ لِلدُّنْيَا، وَالرُّكُونُ إِلَيْهَا، وَالْكَرَاهِيَةُ أَنْ يَصِيرَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى الدَّارِ الآخِرَةِ، وَيُؤْثِرَ الْمُقَامَ فِي الدُّنْيَا، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ عَابَ قَوْمًا فِي كِتَابِهِ بِحُبِّ الْحَيَاةِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ [يُونُس: 7]، وَقَالَ: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [الْبَقَرَة: 96] 1451 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ، أَنا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ، قَالَ: فَلَطَمَ مُوسَى عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ، فَفَقَأَهَا، قَالَ: فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي، قَالَ: فَرَدَّ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي، فَقُلْ لَهُ: الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِنْ كُنْتَ

تُرِيدُ الْحَيَاةَ، فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَمَا وَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ، فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ، قَالَ: فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ، قَالَ: رَبِّ أَدْنِنِي مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ "، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مُوسَى، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا الْحَدِيثُ يَجِبُّ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ الإِيمَانُ بِهِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَبِرَهُ بِمَا جَرَى عَلَيْهِ عُرْفَ الْبَشَرِ، فَيَقَعُ فِي الارْتِيَابِ، لأَنَّهُ أَمْرٌ مَصْدَرُهُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَحُكْمِهِ، وَهُوَ مُجَادَلَةٌ بَيْنَ مَلَكٍ كَرِيمٍ، وَنَبِيٍّ كَلِيمٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَخْصُوصٌ بِصِفَةٍ خَرَجَ بِهَا عَنْ حُكْمِ عَوَامِّ الْبَشَرِ، وَمَجَارِي عَادَاتِهِمْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي خُصَّ

بِهِ، فَلا يُعْتَبَرُ حَالُهُمَا بِحَالِ غَيْرِهِمَا، وَقَدِ اصْطَفَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُوسَى بِرِسَالاتِهِ وَبِكَلامِهِ، وَأَيَّدَهُ بِالآيَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ، كَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ، وَالْعَصَا، وَانْفِلاقِ الْبَحْرِ، وَغَيْرِهَا مِمَّا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ الآثَارُ، وَكُلُّ ذَلِكَ إِكْرَامٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَكْرَمَهُ بِهَا، فَلَمَّا دَنَتْ وَفَاتُهُ وَهُوَ بَشَرٌ يَكْرَهُ الْمَوْتَ طَبْعًا، وَيَجِدُ أَلَمَهُ حِسًّا، لَطُفَ لَهُ بِأَنْ لَمْ يُفَاجِئْهُ بِهِ بَغْتَةً، وَلَمْ يَأْمُرِ الْمَلَكَ الْمُوَكَّلَ بِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِهِ قَهْرًا، لَكِنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ مُنْذِرًا بِالْمَوْتِ، وَأَمَرَهُ بِالتَّعَرُّضِ لَهُ عَلَى سَبِيلِ الامْتِحَانِ فِي صُورَةِ بَشَرٍ، فَلَمَّا رَآهُ مُوسَى اسْتَنْكَرَ شَأْنَهُ، وَاسْتَوْعَرَ مَكَانَهُ، فَاحْتَجَزَ مِنْهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، بِمَا كَانَ مِنْ صَكِّهِ إِيَّاهُ، فَأَتَى ذَلِكَ عَلَى عَيْنِهِ الَّتِي رُكِّبَتْ فِي الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ الَّتِي جَاءَهُ فِيهَا، دُونَ صُورَةِ الْمَلَكِيَّةِ الَّتِي هُوَ مَجْبُولٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ كَانَ فِي طَبْعِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمِيَّةٌ، وَحِدَّةٌ، عَلَى مَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ وَكْزِهِ الْقِبْطِيَّ، وَإِلْقَائِهِ الأَلْوَاحَ، وَأَخْذِهِ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا غَضِبَ اشْتَعَلَتْ قَلَنْسُوَتُهُ نَارًا، وَقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ الدِّينِ بِدَفْعِ مَنْ قَصَدَكَ بِسُوءٍ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ»،

فَلَمَّا نَظَرَ مُوسَى إِلَى شَخْصٍ فِي صُورَةِ بَشَرٍ، هَجَمَ عَلَيْهِ يُرِيدُ نَفْسَهُ، وَيَقْصِدُ هَلاكَهُ، وَهُوَ لَا يُثْبِتُهُ، وَلا يَعْرِفُهُ أَنَّهُ رَسُولُ رَبِّهِ دَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَكَانَ فِيهِ ذَهَابُ عَيْنِهِ، فَلَمَّا عَادَ الْمَلَكُ، إِلَى رَبِّهِ، رَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَأَعَادَهُ رَسُولا إِلَيْهِ، لِيُعْلِمَ نَبِيَّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إِذَا رَأَى صِحَّةَ عَيْنِهِ الْمَفْقُوءَةِ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَهُ لِقَبْضِ رُوحِهِ، فَاسْتَسْلَمَ حِينَئِذٍ لأَمْرِهِ، وَطَابَ نَفْسًا بِقَضَائِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ رِفْقٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلُطْفٌ مِنْهُ فِي تَسْهِيلِ مَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ لِقَائِهِ، وَالانْقِيَادِ لِمَوْرِدِ قَضَائِهِ، قَالَ: وَمَا أَشْبَهَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ» يَكْرَهُ الْمَوْتَ بِتَرْدِيدِهِ رَسُولَهُ مَلَكَ الْمَوْتِ إِلَى نَبِيِّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، فِيمَا كَرِهَهُ مِنْ نُزُولِ الْمَوْتِ بِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ فِي كِتَابِهِ، رَدًّا عَلَى مَنْ طَعَنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَمْثَالِهِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْمُلْحِدِينَ أَبَادَهُمُ اللَّهُ، وَكَفَى الْمُسْلِمِينَ، شَرَّهُمْ 1452 - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ

مَحْمُودٍ، أَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلالُ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ، قَالَ: قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ شِئْتُمْ أَنْبَأْتُكُمْ مَا أَوَّلُ مَا يَقُولُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا أَوَّلُ مَا يَقُولُونَ لَهُ»، قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ أَحْبَبْتُمْ لِقَائِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ يَا رَبَّنَا، فَيَقُولُ: لِمَ؟ فَيَقُولُونَ: رَجَوْنَا عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَكَ، فَيَقُولُ: قَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ مَغْفِرَتِي "

بَابُ الْمَيِّتِ مُسْتَرِيحٌ أَوْ مُسْتَرَاحٌ مِنْهُ

1453 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: «مُسْتَرِيحٌ أَوْ مُسْتَرَاحٌ مِنْهُ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ، وَمَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: " الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ: الْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ، وَالْبِلادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ". هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ

1454 - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلالُ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ» قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيُرْوَى مَرْفُوعًا «إِنَّمَا يَسْتَرِيحُ مَنْ غُفِرَ لَهُ».
وَعَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ مُصَلاهُ مِنَ الأَرْضِ، وَمَصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّمَاءِ، ثُمَّ تَلا: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدُّخان: 29]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَبْكِي الأَرْضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا.
قَالَ مَسْرُوقٌ: مَا غَبَطْتُ شَيْئًا لِشَيْءٍ كَمُؤْمِنٍ فِي لَحْدِهِ، أَمِنَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَاسْتَرَاحَ مِنَ الدُّنْيَا

بَابُ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ

1455 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ، يَقُولُ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا يُحْسَنُ بِاللَّهِ ظَنُّ مَنْ حَسُنَ عَمَلُهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَحْسِنُوا أَعْمَالَكُمْ يَحْسُنْ بِاللَّهِ ظَنَّكُمْ، فَإِنَّ مَنْ سَاءَ عَمَلُهُ سَاءَ ظَنُّهُ، وَقَدْ يَكُونُ حُسْنُ الظَّنِّ أَيْضًا مِنْ نَاحِيَةِ الرَّجَاءِ وَتَأْمِيلِ الْعَفْوِ، وَاللَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ.

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ صَحَّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ».

وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ غَرِيبٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ، وَهُوَ فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: أَرْجُو اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ».
وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ ثَابِتٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُرْسَلا 1456 - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ التُّرَابِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ الْبِسْطَامِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ، نَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، نَا جَعْفَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، قَالَ: مَرِضَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَوَافَقَهُ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: بِخَيْرٍ أَرْجُو اللَّهَ، وَأَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ بِالْمَوْتِ، فَبَشِّرُوهُ لِيَلْقَى رَبَّهُ وَهُوَ حَسَنُ الظَّنِّ بِهِ، وَإِذَا كَانَ حَيًّا فَخَوِّفُوهُ بِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ أَبِي عِنْدَ مَوْتِهِ: يَا مُعْتَمِرُ حَدِّثْنِي بِالرُّخَصِ، لَعَلِّي أَلْقَى اللَّهَ وَأَنَا حَسَنُ الظَّنِّ بِهِ.

بَابُ الْحَثِّ عَلَى الْوَصِيَّةِ

قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [الْبَقَرَة: 180]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ [الْبَقَرَة: 182]، أَيْ: مَيْلا، مُتَجَانِفٌ: مَائِلٌ.
قَوْلُهُ: «خَيْرًا»، قَالَ قَتَادَةُ: الْخَيْرُ: الْمَالُ، كَانَ يُقَالُ أَلْفًا فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ فَرْضًا، فَنُسِخَتِ الْوَصِيَّةُ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ مِنْهُمْ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ، وَبَقِيَتْ فَرِيضَةً لِلَّذِينَ لَا يَرِثُونَ مِنَ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقَارِبِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَطَاوُسٌ، وَقَتَادَةُ.

قَالَ طَاوُسٌ: مَنْ أَوْصَى لِقَوْمٍ سَمَّاهُمْ، وَتَرَكَ ذَوِي قَرَابَتِهِ مُحْتَاجِينَ انْتُزِعَتْ مِنْهُمْ، وَرُدَّتْ إِلَى ذَوِي قَرَابَتِهِ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ فَرِيضَةَ الْوَصِيَّةِ مَنْسُوخَةٌ فِي حَقِّ الْكَافَّةِ وَهِيَ مُسْتَحبَّةٌ 1457 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ الشِّيرَزِيُّ، أَنا أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ

قَوْلُهُ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ» مَعْنَاهُ: مَا حَقُّهُ مِنْ جِهَةِ الْحَزْمِ وَالاحْتِيَاطِ إِلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ، لأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ، فَرُبَّمَا يَأْتِيهِ بَغْتَةً، فَيَمْنَعُهُ عَنِ الْوَصِيَّةِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، لأَنَّهُ فَوَّضَ إِلَى إِرَادَتِهِ، فَقَالَ: «لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ» يَعنِي يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ التَّابِعِينَ إِلَى إِيجَابِهَا مِمَّنْ لَمْ يَجْعَلِ الآيَةَ مَنْسُوخَةً فِي حَقِّ الْكَافَّةِ، ثُمَّ الاسْتِحْبَابُ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ مَالٌ دُونَ مَنْ لَيْسَ لَهُ فَضْلٌ، وَهَذَا فِي الْوَصِيَّةِ الْمُتَبَرَّعِ بِهَا مِنْ صَدَقَةٍ، وَبِرٍّ وَصِلَةٍ، فَأَمَّا أَدَاءُ الدُّيُونِ وَالْمَظَالِمِ الَّتِي يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا، وَرَدُّ الأَمَانَاتِ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ بِهَا، وَأَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى أَوْلِيَائِهِ فِيهَا، لأَنَّ أَدَاءَ الْحُقُوقِ، وَالأَمَانَاتِ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا، وَلا دِرْهَمًا، وَلا بَعِيرًا، وَلا شَاةً، وَلا أَوْصَى بِشَيْءٍ».

قَوْلُهَا: «وَلا أَوْصَى بِشَيْءٍ» تُرِيدُ بِهِ وَصِيَّةَ الْمَالِ، لأَنَّ الإِنْسَانَ إِنَّمَا يُوصِي فِي مَالٍ يُورَثُ مِنْهُ، وَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا يُورَثُ مِنْهُ، فَيُوصِي فِيهِ، وَقَدْ أَوْصَى بِأُمُورٍ، فَكَانَ مِنْ وَصِيَّتِهِ: «الصَّلاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ».
وَقَالَ: «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ».
فَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ وَصِيَّةِ الصَّبِيِّ، وَالسَّفِيهِ وَتَدْبِيرِهِمَا، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ، كَمَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ الإِعْتَاقُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، أَنَّهُ قِيلَ

لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنَّ هَهُنَا غُلامًا يَفَاعًا لَمْ يَحْتَلِمْ مِنْ غَسَّانَ، وَوَرَثَتُهُ بِالشَّامِ، وَهُوَ ذُو مَالٍ، وَلَيْسَ لَهُ هَهُنَا إِلا ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: فَأَوْصِ لَهَا، فَأَوْصَى لَهَا بِمَالٍ.
وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ شُرَيْحٌ: إِذَا أَصَابَ الْغُلامُ فِي وَصِيَّتِهِ جَازَتْ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ.

بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ

1458 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، أَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، وَأَبُو نُعَيْمٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: جَاءَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ فِي الأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا،

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ بِأَيْدِيهِمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْفَعَكَ، فَيَنْتَفِعَ بِكَ أُنَاسٌ، وَيَضُرَّ بِكَ آخَرِينَ».
هذَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْحَفَرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ 1459 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ،

عَنْ أَبِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعَ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلا يَرِثُنِي إِلا ابْنَةٌ لِي، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَبِشَطْرِهِ؟ قَالَ: لَا، ثُمَّ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ فَقَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلا صَالِحًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ،

عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، نَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ مَرِضَ عَامَ الْفَتْحِ مَرَضًا أَشْفَى مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ وَهُوَ بِمَكَّةَ، فَسَاقَ مِثْلَ مَعْنَاهُ قَوْلُهُ: أَشْفَى عَلَى الْمَوْتِ، أَيْ: أَشْرَفَ عَلَيْهِ، يُقَالُ: أَشْفَى عَلَى الشَّيْءِ، وَأَشَافَ عَلَيْهِ: إِذَا قَارَبَهُ.
وَقَوْلُهُ: «وَلا يَرِثُنِي إِلا ابْنَةٌ لِي»، يُرِيدُ: لَا يَرِثُنِي ذُو سَهْمٍ إِلا ابْنَةٌ دُونَ مَنْ يَرِثُهُ بِالتَّعْصِيبِ، لأَنَّ سَعْدًا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ زُهْرَةَ، فَفِي عَصَبَتِهِ كَثْرَةٌ.
قَوْلُهُ: «عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» أَيْ: يَسْأَلُونَ الصَّدَقَةَ بِأَكُفِّهِمْ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى، أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثَ مِنْ مَالِهِ بِالْوَصِيَّةِ، وَأَنْ لَا يُجَاوِزَ الثُّلُثَ سَوَاءً كَانَ لَهُ وَارِثٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَالأَوْلَى أَنْ يَنْقُصَ عَنِ الثُّلُثِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِسَعْدٍ: «أَوْصِ بِالْعُشْرِ»، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أُنَاقِصُهُ، حَتَّى قَالَ: «أَوْصِ بِالثُّلُثِ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ».
وَقَالَ عَلِيٌّ: لأَنْ أُوصِيَ بِالْخُمُسِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالرُّبُعِ، وَلأَنْ أُوصِيَ بِالرُّبُعِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالثُّلُثِ، فَمَنْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ، فَلَمْ يَتْرُكْ.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يُوصِي بِالسُّدُسِ أَوِ الْخُمُسِ أَوِ الرُّبُعِ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِنَّمَا كَانُوا يُوصُونَ بِالْخُمُسِ وَالرُّبُعِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ حَيْفٌ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهُوَيْهِ: السُّنَّةُ الرُّبُعُ إِلا أَنْ يَعْرِفَ الرَّجُلُ فِي مَالِهِ شُبَهًا فَلَهُ اسْتِغْرَاقُ الثُّلُثِ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانَ السُّدُسُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الثُّلُثِ.
قَالَ عُمَرُ لِرَجُلٍ يَسْأَلُهُ: أَوْصِ بِالْعُشْرِ.
وَأَوْصَى زِيَادُ بْنُ مَطَرٍ، فَقَالَ: وَصِيَّتِي: مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْبَصْرَةِ، فَاتَّفَقُوا عَلَى الْخُمُسِ؟ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ تَرَكَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثَ وَإِلا فَالاخْتِيَارُ أَنْ لَا يَسْتَوْعِبَهُ.

وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، وَضَعَ مَالَهُ حَيْثُ شَاءَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ أَوِ الْمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ، فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ، فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ»، ثُمَّ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ [النِّسَاء: 11] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النِّسَاء: 12].
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هُمَا الْمُرِّيَانِ: الإِمْسَاكُ فِي الْحَيَاةِ، وَالتَّبْذِيرُ عِنْدَ الْمَوْتِ، يَقُولُ: مُرٌّ فِي الْحَيَاةِ، وَمُرٌّ عِنْدَ الْمَوْتِ، نَسَبَهُمَا إِلَى الْمَرَارَةِ لِمَا فِيهِمَا مِنَ الإِثْمِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُمَا الْمُرَّيَانِ، أَيِ: الْخَصْلَتَانِ، الْوَاحِدَةُ: الْمُرَّى مِثْلَ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى، وَلِلثِّنْتَيْنِ: الصُّغْرَيَانِ وَالْكُبْرَيَانِ.
وَقَوْلُهُ: «أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي»، قَالَهُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَمُوتَ بِمَكَّةَ، وَهِيَ دَارٌ تَرَكُوهَا لِلَّهِ، فَلَمْ يُحِبَّ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ بِهَا.
وَرُوِيَ عَنِ الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلاثًا».
وَمَنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ جَازَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، وَتَغْيِيرُهُ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ «يُحْدِثُ الرَّجُلُ فِي وَصِيَّتِهِ مَا يَشَاءُ وَمِلاكُ الْوَصِيَّةِ آخِرُهَا».
وَإِذَا أَوْصَى بِالثُّلُثِ لَيْسَ لِلْوَارِثِ رَدُّهُ، قَالَ مَكْحُولٌ: إِذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ مَحَاوِيجُ، فَلا أَرَى بَأْسًا، أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الثُّلُثِ.

بَابُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ

1460 - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، نَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ، نَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَخَذْتُ بِزِمَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ تَقْصَعُ بِجِرَّتِهَا وَلُعَابُهَا يَسِيلُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَلا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الإِثْلِبُ، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا، وَلا عَدْلا».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَوْلُهُ: «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» إِشَارَةٌ إِلَى آيَةِ الْمِيرَاثِ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْمِيرَاثِ وَاجِبَةً لِلأَقْرَبِينَ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [الْبَقَرَة: 180] ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا بَاطِلَةٌ، وَإِنْ أَجَازَهَا سَائِرُ الْوَرَثَةِ، كَمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ

جارٍ التحميل