كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البغوي ، أبو محمد
- الكتاب
- شرح السنة
- المؤلف
- محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1403هـ - 1983م
- عدد الأجزاء
- 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قَوْلُهُ: «وَلا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ» فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْحَضَرِيَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ لِلْبَدَوِيِّ شَيْئًا، وَلا يَشْتَرِيَ لَهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، لأَنَّ اسْمَ الْبَيْعِ يَقَعُ عَلَى الْبَيْعِ وَالابْتِيَاعِ، يُقَالُ: بِعْتُ الشَّيْءَ وَشَرَيْتُهُ بِمَعْنَى اشْتَرَيْتُهُ، وَالْكَلِمَتَانِ مِنَ الأَضْدَادِ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَبِيعُ لِلْبَدَوِيِّ وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ.
وَمَعْنَى النَّهْيِ: هُوَ التَّرَبُّصُ لَهُ بِسِلْعَتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ كَانُوا يَحْمِلُونَ إِلَى الْبَلَدِ أَمْتَعِتَهُمْ، فَيَبِيعُونَهَا بِسِعْرِ الْيَوْمِ، وَيَرْجِعُونَ لِكَثْرَةِ الْمَئُونَةِ فِي الْبَلَدِ، فَيَكُونُ مِنْ بَيْعِهِمْ رِفْقٌ لأَهْلِ الْبَلَدِ وَسَعَةٌ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ يَأْتِي الْبَدَوِيَّ وَيَقُولُ لَهُ: ضَعْ مَتَاعَكَ عِنْدِي حَتَّى أَتَرَبَّصَ لَكَ، وَأَبِيعَهُ عَلَى مَرِّ الأَيَّامِ بِأَغْلَى، وَارْجِعْ أَنْتَ إِلَى بَادِيَتِكَ.
فَيَفُوتُ بِفِعْلِهِ رِفْقُ أَهْلِ الْبَلَدِ، فَنَهَى الشَّرْعُ عَنْ ذَلِكَ.
فَمَنْ فَعَلَهُ وَهُوَ بِالنَّهْيِ عَالِمٌ يَعْصِي، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلا يَعْصِي، فَإِنْ كَانَ لَا يَدْخُلُ بِهِ ضيقٌ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ لِرُخْصِ الأَسْعَارِ، أَوْ قِلَّةِ ذَلِكَ الْمَتَاعِ، وَسَعَةِ الْبَلَدِ، فَهَلْ يَحْرُمُ أَنْ يَبِيعَ لَهُ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، مِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَهُ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَهُ لِعَدَمِ الضَّرَرِ.
وَإِذَا الْتَمَسَ الْبَدَوِيُّ مِنْهُ أَنْ يَتَرَبَّصَ لَهُ، فَقَدْ قِيلَ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَلا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ.
2099 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَدَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ زُهَيْرٍ.
وَيُرْوَى فِيهِ عَنْ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: فَقِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَوْلُهُ: لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا.
وَقَالَ أَنَسٌ: نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَضَرِيَّ إِذَا بَاعَ لِلْبَدَوِيِّ لَا يَكُونُ الْعَقْدُ فَاسِدًا، وَلَوْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْعٌ مِنَ ارْتِفَاقِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَدَوِيِّ، بِمَعْنَى الإِرْشَادِ دُونَ الإِيجَابِ.
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ: لَا بَأْسَ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَوْلُهُ: «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ» التَّصْرِيَةُ فَسَّرَهَا الشَّافِعِيُّ بِأَنْ يَرْبِطَ أَخْلافَ النَّاقَةِ أَوِ الشَّاةِ، وَيُتُرَكَ حَلْبَهَا الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاثَةَ حَتَّى يَجْتَمِعَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهَا، ثُمَّ تُبَاعَ، فَيَظُنَّهَا الْمُشْتَرِيَ كَثِيرَةَ اللَّبَنِ، فَيَزِيدَ فِي ثَمَنِهَا، فَإِذَا حَلَبَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، وَقَفَ عَلَى التَّصْرِيَةِ وَالْغُرُورِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ مَنْ صَرَّيْتُ الْمَاءَ، وَهُوَ حَبْسُ الْمَاءِ وَجَمْعُهُ، وَلَوْ كَانَ مِنَ الرَّبْطِ، لَكَانَ مَصْرُورَةً، أَوْ مُصَرَّرَةً.
وَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ صَحِيحٌ فِي الْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَصُرُّ ضُرُوعَ الْحَلُوبَاتِ إِذَا أَرْسَلَتْهَا تَسْرَحُ، وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ الرِّبَاطَ إِصْرَارًا، فَإِذَا أَرَاحَتْ، حُلَّتْ تِلْكَ الأَصِرَّةُ وَحُلِبَتْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ المُصِرَّةِ مُصْرَرَةً، أُبْدِلَتْ إِحْدَى الرَّائَيْنِ يَاءً، كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْس: 10] وَأَصْلُهُ: دسسها، أَيْ أَخْمَلَهَا بِمَنْعِ الْخَيِر.
وَتُسَمَّى الْمُصَرَّاةُ مُحَفَّلَةً، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا، فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا، سُمِّيَتْ مُحَفَّلَةً لِحُفُولِ اللَّبَنِ وَاجْتِمَاعِهِ فِي ضَرْعِهَا، وَالْحَفْلُ: الْجَمْعُ الْكَثِيرُ.
ثُمَّ حُكْمُ الْمُصَرَّاةِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا عَلِمَ بِهَا بَعْدَ مَا حَلَبَهَا، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِعَيْبِ التَّصْرِيَةِ، وَيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ مَكَانَ مَا حَلَبَ مِنَ اللَّبَنِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا خِيَارَ لَهُ بِسَبَبِ التَّصْرِيَةِ، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ بَعْدَ
مَا حَلَبَهَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو يُوسُفَ: يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا قِيمَةَ اللَّبَنِ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ.
وَالْمَعْنَى فِي إِيجَابِ صَاعٍ مِنَ التَّمْرِ بَعْدَ الْحَلْبِ، أَنَّ اللَّبَنَ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ لِنُقْصَانِهِ بِالْحَلْبِ، وَقَدْ حَدَثَ بَعْدَ الْبَيْعِ بَعْضُهُ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَلا يَجِبُ رَدُّهُ، فَيَتَنَازَعَانِ فِي الْقَدْرِ الْمَوْجُودِ يَوْمَ الْعَقْدِ، فَالشَّرْعُ قَطْعُ الْخُصُومَةِ بَيْنَهُمَا بِإِيجَابِ بَدَلٍ مُقَدَّرٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى قِلَّةِ اللَّبَنِ أَوْ كَثْرَتِهِ، كَمَا جَعَلَ دِيَةَ النَّفْسِ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، مَعَ اخْتِلافِ أَحْوَالِ النُّفُوسِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَالْجَمَالِ وَالْقُبْحِ، وَسَوَّى بَيْنَ الأَصَابِعِ فِي الدِّيَةِ مَعَ اخْتِلافِهَا، وَهَذَا كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى امْرَأَةٍ حَامِلٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا مَيِّتًا أَوْجَبَ الشَّرْعُ عَلَى الْجَانِي غُرَّةً عَبْدًا أَوْ أَمَةً، عَلَى خِلافِ الْقِيَاسِ، لأَنَّهُمَا يَتَنَازَعَانِ فِي حَيَاتِهِ، فَيَدَّعِي الْجَانِي أَنَّهُ مَيِّتٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَيَقُولُ الْوَلِيُّ: كَانَ حَيًّا قَتَلْتَهُ فَعَلَيْكَ الدِّيَةُ.
فَقَطَعَ الشَّرْعُ مَادَةَ النِّزَاعِ بَيْنَهُمَا بِإِيجَابِ الغُرَّةِ، كَذَلِكَ هَهُنَا.
2100 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَا أَحَدُكُمُ اشْتَرَى لِقْحَةً مُصَرَّاةً، أَوْ شَاةً مُصَرَّاةً، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا إِمَّا هِيَ، وَإِلا فَلْيَرُدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
وَرَوَى أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً، فَهُوَ بِالخِيَارِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ طَعَامٍ لَا سَمْرَاءَ» أَرَادَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ لَا حِنْطَةٍ، وَالتَّمْرُ مِنْ طَعَامِ الْعَرَبِ.
قَالَ الإِمَامُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَقْدِيرِ خِيَارِ التَّصْرِيَةِ بِالثَّلاثَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَتَقَدَّرُ بِالثَّلاثِ، حَتَّى لَوْ عَلِمَ قَبْلَ مُضِيِّ الثَّلاثِ فَلَهُ الْخِيَارُ إِلَى تَمَامِ الثَّلاثِ، لأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا قَلَّمَا يُمْكِنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةٍ، فَإِنَّ النُّقْصَانَ الَّذِي يَجِدُهُ الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الثَّلاثِ، قَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى اخْتِلافِ الْيَدِ وَتَبَدُّلِ الْمَكَانِ، فَجَعَلَ الشَّرْعُ الثَّلاثَ حَدًّا لَا يُجَاوَزُ، كَمَا فِي خِيَارِ الشَّرْطِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا تَأْخِيرَ لهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالتّصرية، فَإِنْ أَخَّرَ سَقَطَ حَقُّهُ مِنَ الرَّدِّ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، لأَنَّهُ خِيَارُ عَيْبٍ.
وَالتَّقْدِيرُ بِالثَّلاثِ بِنَاءٌ لِلأَمْرِ عَلَى الْغَالِبِ، لأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَقِفُ عَلَيْهَا قَبْلَ الثَّلاثِ، لَا أَنَّ زَمَانَ الرَّدِّ يَتَقَدَّرُ بِهَا.
وَقَوْلُهُ: «لَا سَمْرَاءَ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْطِي غَيْرَ التَّمْرِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُ التَّمْرِ وَإِنْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِنْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ التَّمْرُ، وَلا يَجُوزُ إِعْطَاءُ غَيْرِهِ إِلا بِرِضَا الْبَائِعِ، فَإِنْ رَضِيَ بِجِنْسٍ آخَرَ فَكَأَنَّهُ اسْتَبْدَلَ عَنْ حَقِّهِ، فَيَجُوزُ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ، وَهُوَ أَصَحُّ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ،
أَنَّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ صَاعًا مِمَّا يُقْتَاتُ، حِنْطَة كَانَ، أَوْ شَعِيرًا، أَوْ تَمْرًا، أَوْ زَبِيبًا، كَمَا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَأَوَّلَ هَذَا الْقَائِلُ قَوْلَهُ «لَا سَمْرَاءَ» أَيْ: لَا تَجِبُ السَّمْرَاءُ، وَهِيَ الْحِنْطَةُ.
وَلا فَرْقَ فِي ثُبُوتِ حَقِّ الرَّدِّ بِعَيْبِ التَّصْرِيَةِ بَيْنَ النَّعَمِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي يَحِلُّ شُرْبُ لَبَنُهَا، حَتَّى لَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً ذَاتَ لَبَنٍ، فَوَجَدَهَا مُصَرَّاةً، فَلَهُ الرَّدُّ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ رَدُّ شَيْءٍ فِي مُقَابَلَةِ مَا حُلِبَ مِنَ اللَّبَنِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، لأنَّ لَبَنَ الآدَمِيَّةِ مِمَّا لَا يُعْتَاضُ عَنْهُ فِي الْعَادَةِ.
وَلَوِ اشْتَرَى أَتَانًا لَبُونًا أَوْ حَيَوَانًا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَوَجَدَهَا مُصَرَّاةً، فَلَهُ الرَّدُّ عَلَى الأَصَحِّ، لأَنَّ لَبَنَهَا مَقْصُودٌ لِتَرْبِيَةِ الْوَلَدِ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ رَدُّ شَيْءٍ فِي مُقَابَلَةِ مَا حَلَبَ مِنَ اللَّبَنِ، لأَنَّ لَبَنَهَا نَجِسٌ لَا يُعْتَاضُ عَنْهُ.
وَفِي حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَاةٍ لَبُونٍ بِلَبَنِ شَاةٍ، وَلا بِشَاةٍ لَبُونٍ فِي ضِرْعِهَا لَبَنٌ، لأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ للَّبَنَ فِي الضَّرْعِ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ، فَهُوَ كَبَيْعِ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ وَمَعَهُمَا أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ آخَرُ، بِخِلافِ مَا لَوْ بَاعَ السِّمْسِمَ بِالسِّمْسِمِ يَجُوزُ، وَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِخْرَاجَ الدُّهْنِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لأَنَّ عَيْنَ الدُّهْنِ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيهِمَا، وَاللَّبَنُ هَهُنَا مَوْجُودٌ فِي الضِّرْعِ حَتَّى لَوْ حَلَبَ اللَّبُونَ، ثُمَّ فِي الْحَالِ قَبْلَ اجْتِمَاعِ اللَّبَنِ فِي ضِرْعِهَا بَاعَهَا بِاللَّبَنِ، يَجُوزُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ النَّهْيِ عَنِ المُلامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ
2101 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَن الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنِ المُلامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ».
قَالَ: وَالْمُلامَسَةُ: أَنْ يَلمَسَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ، وَلا يَنْشُرَهُ وَلا يَتَبَيَّنَ مَا فِيهِ، أَوْ أَنْ يَبْتَاعَهُ لَيْلا، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَا فِيهِ.
وَالْمُنَابَذةُ: أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ ثَوْبَهُ، وَيَنْبِذَ إِلَيْهِ الآخَرُ ثَوْبَهُ عَلَى غَيْرِ تَأَمُّلٍ مِنْهُمَا، يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: هَذَا بِهَذَا.
فَهَذَا الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْمُلامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، وَغَيْرِهِ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى.
كُلٌّ عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ الإِمَامُ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنْ يَجْعَلا لَمْسَ الشَّيْءِ أَوِ النَّبْذَ إِلَيْهِ بَيْعًا بَيْنَهُمَا، مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ وَتَأَمُّلٍ، ثُمَّ لَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ خِيَارٌ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بِيُوعِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَنَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُعَاطَاةِ، فَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ بَيْعًا، إِجْرَاءً لِلأَمْرِ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَهُ بَيْنَهُمْ.
وَاكْتَرَى الْحَسَنُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِرْدَاسَ، حِمَارًا، فَقَالَ: بِكَمْ؟ فَقَالَ: بِدَانِقَيْنِ.
فَرَكِبَهُ، ثُمَّ جَاءَ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: الْحِمَارَ.
فَرَكِبَهُ وَلَمْ يُشَارِطْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ.
وَفِي النَّهْيِ عَنِ الْمُلامَسَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شِرَاءَ الأَعْمَى وَبَيْعَهُ بَاطِلٌ، لأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ إِلَى رُؤْيَتِهِ، فَأَمَّا الْبَصِيرُ إِذًا اشْتَرَى عَيْنًا غَائِبَةً لَمْ يَرَهَا، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي جَوَازِهِ.
2102 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ».
قَالَ الإِمَامُ: هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلا، وَقَدْ صَحَّ مَوْصُولا.
2103 - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَمَعْنَى بَيْعِ الْحَصَاةِ: أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: إِذَا نَبَذْتُ إِلَيْكَ الْحَصَاةُ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِيمَا نَبِيعُهُ.
وَهُوَ شَبِيهٌ بِالْمُنَابَذَةِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُنَابَذَةُ أَنْ يَقُولَ: انْبِذِ الْحَجَرَ، فَإِذَا وَقَعَ الْحَجَرُ، فَهَذَا لَكَ بَيْعًا، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْحَصَاةِ.
وَقِيلَ: الْحَصَاةُ أَنْ يَرْمِيَ بِحَصَاةٍ
فِي قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَيَقُولُ: أَيُّ شَاةٍ أَصَابَتْهَا الْحَصَاةُ كَانَتْ مَبِيعَةً مِنْكَ.
وَأَمَّا الْغَرَرُ، فَهُوَ مَا خَفِيَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: طَوَيْتُ الثَّوْبَ عَلَى غَرِّهِ أَيْ: عَلَى كَسْرِهِ الأَوَّلُ.
وَقِيلَ: سُمِّيَ غَرَرًا مِنَ الْغُرُورِ، لأَنَّ ظَاهِرَهُ بَيْعٌ يَسُرُّ وَبَاطِنَهُ مَجْهُولٌ يَغُرُّ.
وَسُمِّيَ الشَّيْطَانُ غَرُورًا لِهَذَا، لأَنَّهُ يَحْمِلُ الإِنْسَانَ عَلَى مَا تُحِبُّهُ نَفْسُهُ وَوَرَاءَهُ مَا يَسُوءُهُ.
فَكُلُّ بَيْعٍ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِيهِ مَجْهُولا أَوْ مَعْجُوزًا عَنْهُ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَهُوَ غَرَرٌ.
مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ الطَّيْرَ فِي الْهَوَاءِ، وَالسَّمَكَ فِي الْمَاءِ، أَوِ الْعَبْدَ الآبِقَ، أَوِ الْجَمَلَ الشَّارِدَ، أَوِ الْحَمَلَ فِي الْبَطْنِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَهُوَ فَاسِدٌ لِلْجَهْلِ بِالْمَبِيعِ، وَالْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِهِ.
وَمِنْ جُمْلَةِ الْغَرَرِ بَيْعُ تُرَابِ الْمَعْدَنِ، وَتُرَابُ الصَّاغَةِ لَا يَجُوزُ، لأَنَّ الْمَقْصُودَ مَا فِيهِ مِنَ النَّقْدِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ: عَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَدْ مَنَعَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْمُعَامَلَةَ بِالدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، لِلْجَهْلِ بِمَا فِيهَا مِنَ النُّقْرَةِ.
2104 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الزَّغْرِتَانِيُّ، نَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ، ثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نَا هُشَيْمٌ، نَا أَبُو عَامِرٍ، نَا شَيْخٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: «نَهَى رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ المُضْطَرِّينَ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ، وَبَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ».
قَالَ الإِمَامُ: وَإِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ ضَعِيفٌ، وَأَبُو عَامِرٍ هُوَ صَالِحُ بْنُ عَارِمٍ.
وَبَيْعُ الْمُضْطَرِّ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يُكْرَهَ الرَّجُلُ بِالْبَاطِلِ عَلَى بَيْعِ مَا لَهُ فَفَعَلَ، فَلا يَصِحُّ بَيْعُهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَرْكَبَهُ الدُّيُونُ، فَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِبَيْعِ مَا لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَبِعْ يَبِيعُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِثَمَنِ الْمِثلِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، فَيَكُونُ جَائِزًا.
وَإِذَا اضْطَرَّ الرَّجُلُ إِلَى بَيْعِ مَا لَهُ بِالْوَكْسِ لِمَؤُنةٍ رَهِقَتْهُ، فَسَبِيلُ هَذَا فِي حَقِّ الدِّينِ وَالْمُرُوءَةُ أَنْ لَا يُفْتَاتَ عَلَيْهِ بِمَالِهِ، وَلَكِنْ يُعَانُ بِالاقْتِرَاضِ، وَالإِمْهَالِ، إِلَى أَنْ يُوسِرَ، أَوْ يَجِدَ السَّبِيلَ إِلَى بَيْعِ مَا لَهُ مِنْ غَيْرِ بَخْسٍ يَلْحَقُهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، بَاعَ مَا لَهُ مَعَ الضَّرُورَةِ، فَبَيْعُهُ جَائِزٌ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي جَوَازِ شِرَاءِ مَا لَمْ يَرَهُ، فَأَجَازَهُ جَمَاعَةٌ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ الْمُشْتَرِي، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَإِجَازَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَصَحُّ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ، وَبِهِ قَالَ الْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: السَّاجُ وَالْمُدْرَجُ فِي جِرَابِهِ، وَالثَّوْبُ
الْمُدْرَجُ فِي طَيِّهِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا حَتَّى يُنْشَرَا، وَيُنْظَرُ إِلَى مَا فِي أَجْوَافِهِمَا.
وَجَوَّزَ بَيْعَ الأَعْدَالِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْشَرَ، وَإِذَا نَشَرَهُ لَا خِيَارَ لَهُ، وَقَالَ: لأَنَّهُ لَا يُرَادُ بِهِ الْغَرَرُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مِنْ بُيُوعِ النَّاسِ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمُ الَّتِي لَا يَرَوْنَ بِهَا بَأْسًا.
وَرُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ بَيْعَ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ، وَاللَّبَنَ فِي ضُرُوعِ الْغَنَمِ، إِلا بِكَيْلٍ.
قَالَ الإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: بَيْعُ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ لَا يَجُوزُ، كَبَيْعِ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُ، وَلا بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضِّرْعِ، لأَنَّهُ مَجْهُولٌ.
وَقَوْلُهُ: إِلا بِكَيْلٍ، مَعْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنْ يُسَلّمَ فِي لَبَنِ الْغَنَمِ كَيْلا، فَجَائِزٌ.
2105 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَّ أبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: نَهَى عَنِ الْمُلامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ فِي البَيْعِ.
وَالْمُلامَسَةُ: لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ وَلا يَقْلِبُهُ إِلا بِذَلِكَ، وَالمُنَابَذَةُ: أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ، وَينْبِذَ الآخَرُ ثَوْبَهُ، وَيَكُونَ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا عَنْ غَيْرِ
نَظَرٍ وَلا تَرَاضٍ.
وَاللّبْسَتَانِ: اشْتِمَالُ الصَّمَاءِ، وَالصَّمَاءُ: أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ، وَأَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، واللّبْسَةُ الأُخْرَى: احْتِبَاؤُهُ بِثَوْبِهِ وَهُوَ جَالِسٌ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ منْهُ شَيْءٌ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ.
2106 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ العُرْبَانِ».
قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ فِيمَا نَرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ، أَوْ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ، ثُمَّ يَقُولُ لِلَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ أَوْ تَكَارَى مِنْهُ: أَنَا أُعْطِيكَ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا، أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، عَلَى أَنِّي أَخَذْتُ السِّلْعَةَ،
أَوْ رَكِبْتُ مَا تَكَارَيْتُ مِنْكَ، فَالَّذِي أَعْطَيْتُكَ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ، أَوْ كِرَاءِ الدَّابَّةِ، وَإِنْ تَرَكْتُ ابْتِيَاعَ السِّلْعَةِ أَوِ الْكِرَاءَ، فَهُوَ لَكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
فَهَذَا تَفْسِيرُ الْعُرْبَانِ.
وَفِيهِ لُغَتَانِ عُرْبَانٌ وَأُرْبَانٌ، وَيُقَالُ: عَرْبُونٌ وَأَرْبُونٌ.
وَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَجَازَ هَذَا الْبَيْعَ، وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ أَيْضًا.
وَمَالَ أَحْمَدُ إِلَى الْقَوْلِ بِإِجَازَتِهِ، وَضَعَّفَ الْحَدِيثَ فِيهِ، لأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ فَقَالَ: رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ بَلاغٍ.
بَابُ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَثَمَنِ عَسْبِ الفَحْلِ
2107 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهلُ الجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الجزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ،
عَنْ مَالِكٍ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ اللَّيْثِ.
كِلاهُمَا عَنْ نَافِعٍ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ بَيْعَ نِتَاجِ النَّتَاجِ لَا يَجُوزُ، لأَنَّهُ مَعْدُومٌ مَجْهُولٌ، وَكَانَ مِنْ بُيُوعِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ.
وَلَوْ بَاعَ شَيْئًا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ إِلَى نَتَاجِ الدَّابَّةِ، فَبَاطِلٌ أَيْضًا لِلأَجَلِ الْمَجْهُولِ.
وَرَوَى مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: لَا رِبَا فِي الْحَيَوَانِ، وَإِنَّمَا نُهِيَ مِنَ الْحَيَوَانِ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنِ الْمَضَامِينِ، وَالْمَلاقِيحِ، وَعَنْ حَبَلِ الْحَبَلَةِ.
وَالْمَضَامِينُ: بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ إنَاثِ الإِبِلِ.
والْمَلاقِيحُ: بَيْعُ مَا فِي ظُهُورِ الْجِمَالِ.
وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ: بَيْعٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَهُ، كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمَلاقِيحُ: الْمَحْمُولاتُ فِي الْبَطْنِ، وَهِيَ الأَجِنَّةُ، وَالْوَاحِدَةُ مِنْهَا مَلْقُوحَةٌ، وَالْمَضَامِينُ: مَا فِي أَصْلابِ الْفُحُولِ.
2108 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْميربند كُشَائِيُّ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِرَاجٍ، نَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ، أَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ، أَنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمَجْرِ».
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْمَجْرُ: أَنْ يُبَاعَ الْبَعِيرُ أَوْ غَيْرُهُ بِمَا فِي بَطْنِ النَّاقَةِ.
2109 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَسْبِ الْفَحلِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الجَمَلِ».
قَالَ الإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْعَسْبُ هُوَ ضِرَابُ الْفَحْلِ، وَيُرْوَى: «نَهَى عَنْ شَبْرِ الْجَمَلِ»، وَهُوَ الضِّرَابُ أَيْضًا.
وَالْمُرَادُ مِنَ النَّهْيِ هُوَ الْكِرَاءُ الَّذِي يُؤْخَذُ عَلَى ضِرَابِهِ، كَمَا صَرَّحَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ»، فَعَبَّرَ بِالْعسْبِ عَنِ الْكِرَاءِ، لأَنَّهُ سَبَبٌ فِيهِ، إِذْ نَفْسُ الضِّرَابِ وَالإِنْزَاءِ غَيْرُ حَرَامٍ، لأَنَّ بَقَاءَ النَّسْلِ فِيهِ.
وَقِيلَ: الْعَسْبُ هُوَ الْكِرَاءُ الَّذِي يُؤْخَذُ عَلَى الضِّرَابِ، يُقَالُ: عَسَبْتُ الرَّجُلَ أَعْسِبُهُ عَسْبًا، إِذَا أَعْطَيْتُهُ الْكِرَاءَ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَوِ اسْتَأْجَرَ فَحْلا لِلإِنْزَاءِ لَا يَجُوزُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، لأَنَّ الْفَحْلَ قَدْ يَضْرِبُ وَقَدْ لَا يَضْرِبُ، وَقَدْ تُلَقَّحُ الأُنْثَى وَقَدْ لَا تُلَقَّحُ.
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى تَحْرِيمِهِ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ.
وَرَخَّصَ فِيهِ
الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، قَالَ: لأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَصْلَحَةِ، وَلَوْ مُنِعَ مِنْهُ لانْقَطَعَ النَّسْلُ، وَهُوَ كَالاسْتِئْجَارِ للإِرْضَاعِ، وَتَأْبِيرِ النَّخْلِ.
وَمَا نَهَتِ السُّنَّةُ عَنْهُ، فَلا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ.
أَمَّا إِعَارَةُ الْفَحْلِ لِلإِنْزَاءِ وَإِطْرَاقُهُ، فَلا بَأْسَ بِهِ، ثُمَّ لَوْ أَكْرَمَهُ الْمُسْتَعِيرُ بِشَيْءٍ يَجُوزُ لَهُ قَبُولَ كَرَامَتِهِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ، مَا حَقُّ الإِبِلِ؟ قَالَ: «حَلْبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا».
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُطْرِقُ الْفَحْلَ، فَنُكْرَمُ «فَرَخَّصَ لَهُ فِي الْكَرَامَةِ».
قَالَ مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: إِنَّهُ كُرِهَ عَسْبُ الْفَحْلِ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا لِمَنْ أَعْطَاهُ.
بَابُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ
2110 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، ح.
وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَارِفِ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا الثِّقَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ يُوسُفَ بْنَ مَاهَكَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: «نَهَانِي رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرَوَاهُ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْن مَاهكَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ، وَلَيْسَ عِنْدِي، فَأَبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السُّوقِ؟ قَالَ: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ».
قَالَ الإِمَامُ: هَذَا فِي بُيُوعِ الأَعْيَانِ دُونَ بُيُوعِ الصِّفَاتِ، فَلَوْ قَبِلَ
السَّلَمَ فِي شَيْءٍ مَوْصُوفٍ عَامِّ الْوُجُودِ عِنْدَ الْمَحِلِّ الْمَشْرُوطِ، يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ حَالَةَ الْعَقْدِ.
وَفِي مَعْنَى بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ فِي النِّسَاءِ، وَبَيْعِ الْعَبْدِ الآبِقِ، وَالطَّيْرِ الْمُنْفَلِتِ، وَبَيْعِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَفِي مَعْنَاهُ بَيْعُ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَا يَصِحُّ لأَنَّهُ غَرَرٌ، لأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يُجِيزُهُ مَالِكُهُ أَوْ لَا يُجِيزُهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: يَكُونُ الْعَقْدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ، فَإِنْ أَجَازَهُ نَفَذَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ قَالَ: دَفَعَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا لأَشْتَرِي شَاةً، فَاشْتَرَيْتُ لَهُ شَاتَيْنِ، فَبِعْتُ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجِئْتُ بِالشَّاةِ وَالدِّينَارِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي صَفْقَةِ يَمِينِكَ».
فَكَانَ يَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى كُنَاسَةِ الْكُوفَةِ، فَيَرْبَحُ الرِّبْحَ الْعَظِيمَ.
وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْ وَقْفَ الْبَيْعَ، تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ وَكَالَتَهُ كَانَتْ وَكَالَةَ تَفْوِيضٍ وَإِطْلاقٍ، وَالْوَكِيلُ الْمُطْلَقُ يَتَصَرَّفُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَيَصِحُّ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَيْضًا فِي إِعْتَاقِ عَبْدِ الْغَيْرِ، وَتَطْلِيقِ زَوْجَتِهِ دُونَ إِذْنِهِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ السَّيِّدِ وَالزَّوْجِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ زُوِّجَ امْرَأَةً مَالِكَةً لأَمْرِهَا دُونَ إِذْنِهَا، يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَتِهَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَبْطَلَهُ جَمَاعَةٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَرُويَ
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُمَا كَانَ لَا يَرَيَانِ بِبَيْعِ القُطُوطِ بَأْسًا إِذَا خَرَجَتْ.
قَالَ الأَزْهَرِيُّ: الْقُطُوطُ: الْجَوَائِزُ وَالأَرْزَاقُ، سُمِّيَتْ قُطُوطًا، لأَنَّهَا كَانَتْ تَخْرُجُ مَكْتُوبَةً فِي رِقَاعٍ وَصِكَاكٍ مَقْطُوعَةٍ.
وَبَيْعُهَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَجُوزُ حَتَّى تَصِلَ إِلَى مَنْ كُتِبَتْ لَهُ فَيَمْلِكُ.
وَأَصْلُ «القِطِّ» الْكِتَابُ، يُكْتَبُ لِلإِنْسَانِ فِيهِ شَيْءٌ يَصِلُ إِلَيْهِ، وَمِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ [ص: 16] أَيْ: نَصِيبَنَا مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي تُنْذِرُنَا بِهِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْقِطُّ: الْحِسَابُ.
بَابُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَعَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ
2111 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَعَنْ لبْسَتَيْنِ: أَنْ يَخْتَبِيَ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ لَيْسَ بَيْنَ فَرْجِهِ وَبَيْنَ السَّمَاءِ شَيْءٌ، وَعَنِ الصَّمَّاءِ اشْتِمالِ الْيَهُودِ ".
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَفَسَّرُوا الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشْرَةٍ نَقْدًا، أَوْ بِعِشْرِينَ نَسِيئَةً إِلَى شَهْرٍ.
فَهُوَ فَاسِدٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَيُّهُمَا الثَّمَنُ، وَجَهَالَةُ الثَّمَنِ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ.
وَقَالَ طَاوُسٌ: لَا بَأْسَ بِهِ، فَيَذْهَبُ بِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا.
وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ.
وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَكِنْ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يُبَاتَّهُ بِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ فَارَقَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهُوَ لهُ بِأَقَلِّ الثَّمَنَيْنِ إِلَى أَبْعَدِ الأَجَلَيْنِ، أَمَّا إِذَا بَاتَّهُ عَلَى أَحَدِ الأَمْرَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ، فَهُوَ صَحِيحٌ بِهِ لَا خِلافَ فِيهِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ لَغْوٌ.
وَالْوَجْهُ الآخَرُ مِنْ تَفْسِيرِ الْبَيْعَتَيْنِ فِي الْبَيْعَةِ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ عَبْدِي هَذَا بِعِشْرِينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي جَارِيَتَكَ.
فَهَذَا فَاسِدٌ، لأَنَّهُ جَعَلَ ثَمَنَ الْعَبْدِ عِشْرِينَ دِينَارًا، وَشَرْطَ بَيْعِ الْجَارِيَةِ، وَذَلِكَ شَرْطٌ لَا يَلْزَمُ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ بَطَلَ بَعْضُ الثَّمَنِ، فَيَصِيرُ مَا يَبْقى مِنَ الْمَبِيعِ فِي مُقَابَلَةِ الْبَاقِي مَجْهُولا.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارٍ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي بِهِ دَرَاهِمَ لَا يَصِحُّ.
أَمَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، بِأَنْ بَاعَ دَارًا وَعَبْدًا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ، فَهُوَ جَائِزٌ.
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، إِنَّمَا هِيَ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ، جَمَعَتْ شَيْئَيْنِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ.
2112 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ الْفَرَّاءُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَنْ شِفِّ مَا لَمْ يُضْمَنُ، وَعَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ».
قَوْلُهُ: «عَنْ شِفِّ مَا لَمْ يُضْمَنْ»، الشِّفُّ: الرِّبْحُ، أَيْ: عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ.
وَرَوَى أَيُّوبُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ».
قَالَ الإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَمَّا نَهْيُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ شِفِّ مَا لَمْ يُضْمَنْ، أَوْ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ: هُوَ أَنْ يَبِيعَ مَا اشْتَرَاهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، فَلا يَصِحُّ، لأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِالْقَبْضِ فِي ضَمَانِهِ.
وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ:
هُوَ أَنْ يَقُولَ أَبِيعَكَ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ تُقْرِضَنِي عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، وَالْمُرَادُ بِالسَّلَفِ الْقَرْضُ، فَهَذَا فَاسِدٌ، لأَنَّهُ جَعَلَ الْعَشْرَةَ وَرِفْقَ الْقَرْضِ ثَمَنًا لِلثَّوْبِ، فَإِذَا بَطَلَ الشَّرْطُ، سَقَطَ بَعْضُ الثَّمَنِ، فَيَكُونُ مَا يَبْقَى مِنَ الْمَبِيعِ بِمُقَابَلَةِ الْبَاقِي مَجْهُولا.
وَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ أَنْ يُقْرِضَهُ قَرْضًا، ثُمَّ يُبَايِعَهُ عَلَيْهِ بَيْعًا يَزْدَادُ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: أَقْرَضْتُكَ هَذِهِ الْعَشْرَةَ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي عَبْدَكَ.
فَفَاسِدٌ، لأَنَّ كُلَّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا.
وَقَدْ يَكُونُ السَّلَفُ بِمَعْنَى السَّلَمُ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَ عَبْدِي هَذَا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تُسْلِفَنِي مِائَةً فِي كَذَا.
أَوْ يُسْلِمَ إِلَيْهِ فِي شَيْءٍ، وَيَقُولُ: فَإِنْ لَمْ يَتَهَيَّأْ عِنْدَكَ، فَهُوَ بَيْعٌ عَلَيْكَ.
وَقَوْلُهُ: «وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ»، فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ نَقْدًا، أَوْ بِأَلْفَيْنِ نَسِيئَةً.
فَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْ
يَقُولَ: أَبِيعُكَ ثَوْبِي بِكَذَا وَعَلَيَّ قِصَارَتُهُ وَخِيَاطَتُهُ، فَهَذَا أَيْضًا فَاسِدٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ حِنْطَةً عَلَى أَنْ يَطْحَنَهَا الْبَائِعُ، أَوْ حِمْلَ حَطَبٍ عَلَى أَنْ يَحْمِلَهُ إِلَى مَنْزِلِ الْمُشْتَرِي، أَوْ زَرْعًا عَلَى أَنْ يَحْصُدَهُ، فَهَذَا كُلُّهُ فَاسِدٌ.
وَلا فَرْقَ فِي مِثْلِ هَذَا بَيْنَ شَرْطَيْنِ أَوْ شَرْطٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْكُلِّ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ تَقْصُرَهُ.
فَإِنَّ الْعَشْرَةَ الَّتِي هِيَ الثَّمَنُ تَنْقَسِمُ عَلَى ثَمَنِ الثَّوْبِ وَعَلَى أُجْرَةِ الْقِصَارَةِ، وَإِذَا فَسَدَ الشَّرْطُ لَا يُدْرَى كَمْ يَبْقَى ثَمَنَ الثَّوْبِ، وَإِذَا صَارَ الثَّمَنُ مَجْهُولا بَطَلَ الْبَيْعُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: إِنْ شَرَطَ شَرْطًا وَاحِدًا فَالْعَقْدُ يَصِحُّ، مِثْلَ إِنْ بَاعَ ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَقْصُرَهُ، وَإِنْ شَرَطَ شَرْطَيْنِ بِأَنْ شَرَطَ الْخِيَاطَةَ مَعَ الْقِصَارَةِ، يَفْسِدُ الْبَيْعُ.
وَالصَّحِيحُ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّرْطِ الْوَاحِدِ وَالشَّرْطَيْنِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ بَيْعِ وَشَرْطٍ».
ثُمَّ هَذَا النَّهْيُ لَا يَعُمُّ جَمِيعَ الشُّرُوطِ، فَإِنَّ مِنَ الشُّرُوطِ مَا لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إِلا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ، وَمَنْ بَاعَ نَخْلا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلبَائِعِ إِلا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ».
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ شَرْطٍ هُوَ مِنْ مُقْتَضَى الْبَيْعِ أَوْ مِنْ مَصْلَحَةِ الْبَيْعِ، فَهُوَ جَائِزٌ.
أَمَّا مُقْتَضَاهُ هُوَ أَنْ يَبِيعَهُ عَبْدًا عَلَى أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِ، أَوْ دَارًا عَلَى أَنْ يَسْكُنَهَا إِنْ شَاءَ، أَوْ يَسْكُنَهَا غَيْرُهُ.
وَأَمَّا مَصْلَحَةُ الْعَقْدِ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنٍ ضَرَبَ لَهُ أَجَلا مَعْلُومًا، أَوْ شَرَطَ أَنْ يَرْهَنَ بِالثَّمَنِ دَارَهُ، أَوْ يُقِيمَ فُلانًا كَفِيلا بِالثَّمَنِ.
فَأَمَّا مَا لَا يَقْتَضِيهِ مُطْلَقُ الْبَيْعِ مِن الشُّرُوطِ، وَلا هُوَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الْبَيْعَ، إِلا شَرْطَ الْعِتْقِ.
وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَحْمِلَهَا الْبَائِعُ إِلَى بَيْتِهِ، أَوْ ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَخِيطَهُ، أَوْ دَابَّةً عَلَى أَنْ
يُسَلِّمَهَا فِي بَلَدِ كَذَا، أَوْ فِي وَقْتِ كَذَا، وَعَلَى أَنْ لَا خِسَارَةَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِ الْبَيْعِ، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ، لأَنَّهُ شَرْطٌ يَصِيرُ بِهِ الثَّمَنُ مَجْهُولا.
وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ دَارَهُ وَشَرَطَ فِيهِ رِضَا الْجِيرَانِ، أَوْ رِضَا فُلانٍ، فَفَاسِدٌ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، لأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يَرْضَى فُلانٌ أَوْ لَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ مَتَى رَدَّ الثَّمَنَ، عَادَ الْمَبِيعُ إِلَيْهِ، أَوْ يَرُدُّهُ الْمُشْتَرِي إِلَيْهِ، فَفَاسِدٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهُ الْمُشْتَرِي، أَوْ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ، أَوْ عَلَى أَنْ يَهِبَهُ، فَلا يَصِحُّ، لأَنَّهُ حَجَرَ عَلَيْهِ فِيمَا هُوَ مَقْصُودُ الْمِلْكِ مِنْ إِطْلاقِ التَّصَرُّفِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو ثَوْرٍ: الشَّرْطُ بَاطِلٌ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ.
وَاحْتَجَّا بِحَدِيثِ بَرِيرَةَ، أَنْ عَائِشَةَ اشْتَرَتْهَا، وَشَرَطَ قَوْمُهَا الْوَلاءَ لأَنْفُسِهِمْ، فَحَكَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبُطْلانِ الشَّرْطِ، وَأَجَازَ الْبَيْعَ.
وَشَرْطُ الْوَلاءِ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ مِمَّا لَمْ يَنْقُلْهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ.
وَشَرْطُ الْعِتْقِ مَخْصُوصٌ بِالسّنةِ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي فَسَادِ الْبَيْعِ، لأَنَّ لَهُ مِنَ الْغَلَبَةِ وَالسّرَايَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، أَلا تَرَى أَنَّهُ يَسْرِي إِلَى مِلْكِ الْغَيْرِ؟ فَإِنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إِذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَكَ، يُعْتَقُ كُلُّهُ، وَلا تَنْفَذُ سَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ.
وَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ عَنِ الْعَيْبِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي أَظْهَرِ أَقْوَالِهِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْعُيُوبِ، عَلِمَ بِهِ فَكَتَمَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَأَمَّا فِي الْحَيَوَانِ، فَيَبْرَأُ عَنْ كُلِّ دَاءٍ بِبَاطِنِهِ لَا يَعْلَمُهُ، وَلا يَبْرَأُ عَنْ دَاءٍ بِظَاهِرِهِ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَلا عَمَّا بِبَاطِنِهِ وَهُوَ بِهِ عَالِمٌ، لِمَا رَوَى مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَاعَ غُلامًا بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ بِالْبَرَاءَةِ، فَقَالَ الَّذِي ابْتَاعَهُ: بِالْعَبْدِ دَاءٌ لَمْ تُسَمِّهِ لِي.
فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ، فَقَضَى عُثْمَانُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ لَقَدْ بَاعَهُ بِالْبَرَاءَةِ وَمَا بِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ، فَأَبَى عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَحْلِفَ،
وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ، فَبَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَلْفٍ وَخُمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَبْرَأَ عَنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ، عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، فِي الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
أَمَّا إِذَا بَاعَ مُطْلَقًا لَا بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ، فَحَدَثَ بِهِ عَيْبٌ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَلَهُ الرَّدُّ، وَإِنْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ بَعْدَ الْقَبْضِ، فَمِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، فَإِنِ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْبَائِعُ: حَدَثَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي.
وَقَالَ الْمُشْتَرِي: كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّقِيقِ خَاصَّةً: يَرُّدُهُ إِلَى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ بِلا بَيِّنَةٍ، وَفِي الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ إِلَى سَنَةٍ، فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ فَقَدْ بَرِئَ الْبَائِعُ مِنَ الْعُهْدَةِ.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى عُهْدَةِ السَّنَةِ: ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالزُّهْرِيُّ فِي كُلِّ دَاءٍ عُضَالٍ.
وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِمَا رَوَى الْحَسَنُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ».
وَضَعَّفَ أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ: لَمْ يَسْمَعِ الْحَسَنُ مِنْ عُقْبَةَ، وَلا يَثْبُتُ فِي الْعُهْدَةِ حَدِيثٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ شِرَاءِ الْعَبْدِ بِشَرْطِ الإِعْتَاقِ
2113 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيةً تُعْتِقُهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُهَا عَلَى أَنَّ وَلاءَهَا لَنَا.
فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ، إنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
هَذَا حديثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى.
كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.
2114 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةَ فَقَالَتْ: إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي.
فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، عَدَدْتُهَا لَهُمْ، وَيَكُونُ لِي وَلاؤُكِ.
قَالَتْ: فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ ذَلِكَ، فَأبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ عَلَيْهِم ذَلِكَ فَأَبَوْا إِلا أَنْ يَكُونَ الْوَلاءُ لَهُمْ.
فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهَا فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خُذِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّه أَوْثَقُ، وإنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ،
عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كريبٍ.
كِلاهُمَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.
وَقَوْلُهَا: إِنَّ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، إِنَّمَا ذُكِرَتْ بِلَفْظِ الْعَدِّ، لأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِالدَّرَاهِمِ عَدَدًا، وَقْتَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنْ أَرْشَدَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْوَزْنِ، وَجَعَلَ الْعِيَارَ وَزْنَ أَهْلِ مَكَّةَ.
قَالَ الإِمَامُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِنْهَا: جَوَازُ بَيْعِ رَقَبَةِ الْمُكَاتِبِ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ رَقَبَتِهِ، لأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ بِالْكِتَابَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَمَالِيكِ فِي الشَّهَادَاتِ وَالْحُدُودِ وَالْجِنَايَاتِ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ إِذَا حَضَرَ الْقِتَالَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا بِيعَ لَا يَنْفَسِخُ عَقْدُ الْكِتَابَةِ، حَتَّى لَوْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ النُّجُومَ إِلَى الْمُشْتَرِي، عَتَقَ، وَوَلاؤُهُ لِلْبَائِعِ الَّذِي كَاتَبَهُ.
وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: يُكْرَهُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ الْعَجْزِ لِلْخِدْمَةِ، وَلا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ لِلْعِتْقِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَتَأَوَّلَ الشَّافِعِيُّ حَدِيثَ بَرِيرَةَ عَلَى أَنَّهَا بِيعَتْ بِرِضَاهَا فَكَانَ ذَلِكَ فَسْخًا لِلْكِتَابَةِ مِنْهَا.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُمْ بَاعُوا نُجُومَ كِتَابَتِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ، فَأَجَازَهُ قَوْمٌ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ عَائِشَةَ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ
أَعُدَّهَا لَهُمْ.
وَفِي رِوَايَةٍ: إِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ.
وَذَهَبَ الأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ بَيْعَ نُجُومِ الْكِتَابَةِ لَا يَجُوزُ، لأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُعَجِّزَ نَفْسَهُ، فَيُسْقِطُهَا عَنْ نَفْسِهِ، فَهُوَ كَبَيْعِ الْمُسلم فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ.
وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهَا: أَعُدُّهَا لَهُمْ أَوْ أَقْضِي عَنْكِ: هُوَ الثَّمَنُ الَّذِي تُعْطِيهِمْ عَلَى الْبَيْعِ عِوَضًا عَنِ الرَّقَبَةِ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى الْقَاسِمُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا».
وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الرَّقَبَةِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، وَمَوْضِعُ هَذَا الدَّلِيلِ لَيْسَ بِالْبَيِّنِ فِي صَرِيحِ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَنْبَطٌ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ لَا يَشْتَرِطُونَ الْوَلاءَ إِلا وَقَدْ تَقَدَّمَهُ شَرْطُ الْعِتْقِ.
وَفِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَى: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا»، وَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ «ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي» بَيَانُ هَذَا الْمَعْنَى.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي شِرَاءِ الْعَبْدِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ الْجَدِيدُ: إِلَى أَنَّ الشِّرَاءَ صَحِيحٌ، وَالشَّرْطُ لازِمٌ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: كُلُّ شَرْطٍ فِي الْبَيْعِ يَهْدِمُهُ الْبَيْعُ إِلا شَرْطَ الْعِتَاقِ، وَكُلُّ شَرْطٍ فِي النِّكَاحِ يَهْدِمُهُ النِّكَاحُ إِلا الطَّلاقَ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ، وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ، قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُهُمْ فِي سَائِرِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ حَكَمُوا
بِالْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ إِذَا اتَّصَلَ بِهَا الْقَبْضُ، وَأَوْجَبُوا عَلَى الْمُشْتَرِي الْقِيمَةَ إِذَا هَلَكَ الْمَقْبُوضُ فِي يَدِهِ أَوْ أَعْتَقَهُ، إِلا فِيمَا اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، قَالَ: إِذَا قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَأَعْتَقَهُ، عَتَقَ، وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ، وَعِنْدَ صَاحِبَيْهِ تَجِبُ الْقِيمَةُ، وَهُوَ الأَقْيَسُ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ.
فَأَمَّا إِذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، وَشَرَطَ الْوَلاءَ لِنَفْسِهِ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ عِنْدَ الأَكْثَرِينَ، وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: الْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِحَدِيثِ بَرِيرَةَ، أَنَّ أَهْلَهَا بَاعُوهَا وَشَرَطُوا لأَنْفُسِهِمِ الْوَلاءَ، ثُمَّ أَجَازَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْعَ، وَحَكَمَ بِبُطْلانِ الشَّرْطِ، وَقَاسُوا عَلَيْهِ سَائِرَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي أَنَّهَا لَا تَمْنُعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ شَرْطَ الْوَلاءِ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْعِ، لَكِنَّ الْقَوْمَ رَغِبُوا فِي بَيْعِهَا لِلْعِتْقِ، وَطَمُعُوا فِي وَلائِهَا لِجَهْلِهِمْ بِالْحُكْمِ فِي أَنَّ الْوَلاءَ لَا يَكُونُ إِلا لِلْمُعْتِقِ، فَلَمَّا عُقِدَ الْبَيْعُ، وَزَالَ مِلْكُهُمْ عَنْهَا، وَأَعْتَقَتْهَا عَائِشَةُ، بَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمَ الشَّرْعِ، أَنَّ الْوَلاءَ لَا يَكُونُ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ وَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: «خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ» قُلْنَا: هَذِهِ اللَّفْظَةُ تَفَرَّدَ بِهَا هِشَامٌ، لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ الرُّوَاةِ، فَإِنَّ ابْنَ شِهَابٍ، رَوَى عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لَهَا: «ابْتَاعِي وَأَعْتِقي، فَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، وَقَالَتْ عَمْرَةُ، عَنْ عَائِشَةَ: «ابْتَاعِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَقَالَ الْقَاسِمُ، عَنْ عَائِشَةَ: «اشْتَرِيهَا وأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ «اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ».
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا أَوْلَى بِهِ، لأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي مَكَانِهِ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى النَّاسِ شَرْطًا بَاطِلا، وَيَأْمُرُ أَهْلَهُ بِإِجَابَتِهِمْ إِلَى بَاطِلٍ، وَهُوَ عَلَى أَهْلِهِ فِي اللَّهِ أَشَدُّ، وَعَلَيْهِمْ أَغْلَظُ.
وَقِيلَ: لَوْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ، كَانَتْ مُتَأَوَّلَةً عَلَى مَعْنَى: لَا تُبَالِي وَلا تَعْبَئِي بِمَا يَقُولُونَ، فَإِنَّ الْوَلاءَ لَا يَكُونُ إِلا لِمُعْتِقٍ، لَا أَنَّهُ أَطْلَقَ لَهَا الإِذْنَ فِي اشْتِرَاطِ الْوَلاءِ.
بِدَلِيلِ مَا رَوَى عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «اشْتَرِيهَا وأَعْتِقِيهَا وَدَعِيهِم يَشْتَرِطُوا مَا شَاءُوا» فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْكَلامَ لَغْوٌ مِنْ جِهَتِهِمْ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ إِلَى أَن يُبَيِّنَ لَهُمُ الْحُكْمَ بَعْدَهُ.
وَتَأَوَّلَ الْمُزَنِيُّ قَوْلَهُ: «اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ» فَقَالَ: مَعْنَاهُ اشْتَرِطِي عَلَيْهِمُ الْوَلاءَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرَّعْد: 25] أَيْ: عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الْإِسْرَاء: 7] أَيْ: عَلَيْهَا.
وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ: «اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ» عَلَى مَعْنَى الْوَعِيدِ الَّذِي ظَاهِرُهُ الأَمْرُ وَبَاطِنُهُ النَّهْيُ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: 40].
وَقَوْلُهُ: «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتابِ اللَّهِ» يُرِيدُ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى حُكْمِ كِتَابِ اللَّهِ، وَعَلَى مُوجَبِ قَضَايَاهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَيْسَ
فِي كِتَابِ اللَّهِ مَذْكُورًا نَصًّا، فَإِنَّ ذِكْرَ الْوَلاءِ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ نَصًّا، وَلَكِنَّ الْكِتَابَ أَمَرَ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَعْلَمَ أَنَّ سُنَّتَهُ بَيَانٌ لَهُ، وَقَدْ جَعَلَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَلاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَكَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ مُضَافًا إِلَى الْكِتَابِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ مَنْ بَاعَ دَابَّةً وَاسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ ظَهْرَهَا
2115 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الأَبِيوَرْدِيُّ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: " كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، وَكُنْتُ عَلى بَعِيرٍ لِي، فَاعْتَلَّ، فَلَحِقَنِي رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ النَّاسِ، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا جَابِرُ؟ فَقُلْتُ: اعْتَلَّ بَعِيرِي.
فَأَخَذَ بِيَدِي، ثُمَّ زَجَرَهُ، فَمَا زِلْتُ فِي أَوْلِ النَّاسُ يَهْتَزُ رَأْسُهُ حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْذَنَ لِي، إنِّي حَدِيثُ عَهَدٍ بِعُرْسٍ، أَنْ أَعْجَلَ إِلَى أَهْلِي.
قَالَ: وَتَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا؟ قُلْتُ: لَا بَلْ ثيِّبٌ.
قَالَ: فَهَلا بِكْرًا تُلاعِبُكَ وَتُلاعِبُهَا.
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ هَلَكَ، وَتَرَكَ عَلَيَّ جِوَارِيَ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَضُمَّ إلَيْهِنَّ مِثْلَهُنَّ.
قَالَ: لَا تَأْتِ أَهْلَكَ طَرُوقًا، قَالَ: مَا فَعَلَ جَمَلُكَ؟ قُلْتُ: هُوَ ذَا.
قَالَ: بِعْنِيهِ؟ قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ.
قَالَ: بَلْ بِعْنِيهِ.
قُلْتُ: فَاشْتَرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: أَخَذْتُهُ مِنْكَ بِوُقِيَّةٍ، ارْكَبْهُ، فإذَا جِئْتَ الْمَدِينَةَ فَأْتِنَا بِهِ.
فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، قَالَ لِبِلالٍ: زِنْ لَهُ أُوقِيَّةً، وَزِدْهُ قِيرَاطًا.
قُلْتُ: هَذَا الْقِيرَاطُ الَّذِي زَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُفَارِقُنِي أَبَدًا، فَجَعَلْتُهُ فِي كِيسٍ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدِي حَتَّى جَاءَ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الحَرَّةِ، فَأَخَذُوهُ فِيمَا أَخَذُوا ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، مِنْ أَوْجُهٍ، عَنْ جَابِرٍ،
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ.
قَالَ الإِمَامُ: وَفِي قَوْلِهِ: «زِنْ لَهُ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا يَكُونُ وَزْنُ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي، لأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ، قِيَاسُ هَذَا أَنَّ مَنْ بَاعَ مَكِيلا، أَوْ مَوْزُونًا، فَالْكَيْلُ وَالْوَزْنُ يَكُونُ عَلَى الْبَائِعِ، وَكَذَلِكَ ذَرْعُ الْمَذْرُوعِ، أَمَّا إِذَا اشْتَرَى زَرْعًا، أَوْ ثَمَرًا عَلَى شَجَرٍ، فَالْجَدَادُ وَالْحَصَادُ يَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي، لأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْقَبْضِ.
قَالَ الإِمَامُ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَخَذْتُ هَذَا مِنْكَ بِكَذَا، فَقَالَ الآخَرُ: دَفَعْتُ، أَوْ أَعْطَيْتُ، أَوْ هُوَ لَكَ بِكَذَا، فَقَالَ: قَبِلْتُ.
كَانَ بَيْعًا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ هِبَةِ الْمَشَاعِ، لأَنَّ زِيَادَةَ الْقِيرَاطِ هِبَةٌ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَنِ.
2116 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّد بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبُو نُعَيْمٍ، نَا زَكَرِيَّا، قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرًا، يَقُولُ: حَدَّثَني جَابِرٌ، " أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَمَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَضَرَبَهُ، فَدَعَا لَهُ، فَسَارَ بِسَيْرٍ لَيْسَ يَسِيرُ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: بِعْنِيهِ بِوقيّة.
قُلْتُ: لَا.
ثُمَّ قَالَ: بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ.
فَبِعْتَهُ، فَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلانَهُ إِلَى أَهْلِي، فَلمَّا قَدِمنَا، أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، وَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَأرْسَلَ عَلَى أَثَرِي، قَالَ: مَا كُنْتُ لآخُذَ جَمَلَكَ فَخُذْ جَمَلَكَ ذَلِكَ، فَهُوَ مَالُكَ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَكَرِيَّا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ بَاعَ دَابَّتَهُ، وَاسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ ظَهْرَهَا مُدَّةً، أَوْ دَارًا وَاسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ سُكْنَاهَا مُدَّةً، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ لازِمٌ، وَهُوَ قَوْلُ الأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنِ اسْتَثْنَى مُدَّةً قَرِيبَةً يَجُوزُ.
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الثُّنْيَا.
وَأَمَّا قِصَّةُ جَابِرٍ، وَبَيْعُهُ الْجَمَلِ، فَلَهُ تَأْوِيلانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ اسْتَثْنَى ظَهْرَهُ فِي الْبَيْعِ شَرْطًا، بَلْ أَعَارَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْبَيْعِ، كَمَا رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّهُ قَالَ: «أَخَذْتُهُ مِنْكَ بِوُقِيَّةٍ، ارْكَبْهُ» وَرَوَى شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «بِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَلا، وَأَفْقَرَنِي ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ».
وَالإِفْقَارُ فِي كَلامِ الْعَرَبِ: إِعَارَةُ الظَّهْرِ
لِلرُّكُوبِ، وَمِنْهُ اشتق فِقَار الظَّهْرِ.
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «قَدْ أَخَذْتُهُ، وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ»، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا رَوَاهُ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ الشَّرْطِ، لأَنَّهُ إِذَا وَعَدَهُ الإِفْقَارَ وَالإِعَارَةَ، كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا لَا يُشَكُّ فِي الْوَفَاءِ بِهِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالشَّرْطِ الَّذِي لَا خَلَفَ فِيهِ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَكْنُ جَرَى بَيْنَهُمَا حَقِيقَةُ بَيْعٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ تَسْلِيمٌ وَلا قَبْضٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْفَعَهُ بِشَيْءٍ، فَاتَّخَذَ بَيْعَ الْجَمَلِ ذَرِيعَةً إِلَى ذَلِكَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ حِينَ أَعْطَاهُ الثَّمَنَ: «مَا كُنْتُ لآخُذَ جَمَلَكَ، فَخُذْ جَمَلَكَ فَهُوَ مَالُكَ».
قَالَ الإِمَامُ: وَلَوْ أَكْرَى دَابَّةً، أَوْ دَارًا مِنْ إِنْسَانٍ، ثُمَّ بَاعَهَا يَصِحُّ الْبَيْعُ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْفَعَتُهَا مُدَّةَ الإِجَارَةِ لِلْمُكْتَرِي، لأَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً لَهُ، فَلا يَتَنَاوَلَهَا الْبَيْعُ بِخِلافِ مَا لَوِ اسْتَثْنَاهَا لِنَفْسِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ جَارِيَةً، وَاسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةَ بُضْعِهَا لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَلَوْ بَاعَ
جَارِيَةً قَدْ زَوَّجَهَا مِنْ رَجُلٍ آخَرَ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَمَنْفَعَةُ بُضْعِهَا لِلزَّوْجِ.
وَيُرْوَى فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَتَيْتُهُ بِهِ، فَزَادَنِي وُقِيَّةً، ثُمَّ وَهَبَهُ لِي.
وَيَحْتَجُّ بِهَذَا مَنْ يُجَوِّزُ هِبَةَ الْمَبِيعِ مِنَ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِخِلافِ الْبَيْعِ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْقَبْضِ
بَابُ الإِقَالَةِ
2117 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمْعَانِيُّ، أَنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، نَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، ثَنَا شَرِيكٌ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَشِيرٍ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ شُرَيْحٍ الشَّامِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَقَالَ أَخَاهُ المُسْلِمَ صَفْقَةً كَرِهَهَا، أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ.
وَيُرْوَى عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا، أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ».
قَالَ الإِمَامُ: الإِقَالَةُ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ جَائِزَةٌ، قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ، وَهِيَ فَسْخٌ لِلْبَيْعِ الأَوَّلِ حَتَّى لَوْ تَبَايَعَا وَتَقَابَضَا ثُمَّ تَقَايَلا، فَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ فِيمَا عَادَ إِلَيْهِ بِالإِقَالَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ، وَلَوْ تَقَايَلا فِي السَّلَمِ، فَيَجُوزُ لِلْمُسَلَّمِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَرَدَّ، وَلَوْ كَانَ رَأَسُ الْمَالِ هَالِكًا فِي يَدِ الْمُسَلَّمِ إِلَيْهِ، فَعَلَيْهِ رَدُّ بَدَلِهِ، فَلَوِ اسْتَبْدَلَ الْمُسَلَّمُ عَنْهُ شَيْئًا آخَرَ وَقَبَضَهُ، يَجُوزُ، لأَنَّ السَّلَمَ قَدِ ارْتَفَعَ بِالإِقَالَةِ، وَلَوْ أَقَالَ بَعْضَ السَّلَمِ، وَاسْتَرَدَّ بِقَدْرِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَقَبَضَ بَعْضًا، فَجَائِزٌ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذَلِكَ الْمَعْرُوفُ، وَأَجَازَهُ عَطَاءٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ النَّخَعِيُّ، وَلَمْ يُجَوِّزْ مَالِكٌ الاسْتِبْدَالَ عَنْ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ بَعْدَ الإِقَالَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلا الإِقَالَةِ فِي بَعْضِ السَّلَمِ وَقَبْضِ الْبَعْضِ.
بَابُ فِيمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَاسْتَغَلَّهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا
2118 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،