كِتَابُ الزَّكَاةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البغوي ، أبو محمد
- الكتاب
- شرح السنة
- المؤلف
- محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1403هـ - 1983م
- عدد الأجزاء
- 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مِائَةٍ وَسِتٍّ وَتِسْعِينَ أَرْبَعُ حِقَاقٍ إِلَى الْمِائَتَيْنِ، ثُمَّ تُسْتَأْنَفُ الْفَرِيضَةُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، يَحْتَجُّونَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ حَدِيثُ الصَّدَقَةِ، وَفِيهِ: «فَإِذَا زَادَتِ الإِبِلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ تُرَدُّ الْفَرَائِضُ إِلَى أَوَّلِهَا».
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ضَعِيفَةٌ لَا تُقَاوِمُ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ.
وَرَوَى شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ حَدِيثَ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، وَوَقَفَاهُ عَلَى عَلِيٍّ، وَلَمْ يَرْفَعَاهُ.
وَفِي حَدِيثِ عَاصِمٍ مَا هُوَ مَتْرُوكٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ خَمْسُ شِيَاهٍ، وَفِي سِتٍّ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: إِذَا زَادَتِ الإِبِلُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ، إِنْ شَاءَ اسْتَأْنَفَ الْفَرِيضَةَ، وَإِنْ شَاءَ أَعْطَى عَنْ كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةً، وَعَنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتَ لَبُونٍ.
ثُمَّ مَنْ سَلَكَ الْمَسْلَكَ الْأَعَمَّ قَالَ: إِذَا زَادَتِ الإِبِلُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا
زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَاحِدَةٌ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِيهَا ثَلاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، ثُمَّ إِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَثَلاثِينَ، فَفِيهَا حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، لِأَنَّهُ قَالَ: فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَقَدْ حَصَلَتِ الزِّيَادَةُ بِالْوَاحِدَةِ، فَتَتَغَيَّرُ بِهَا الْفَرِيضَةُ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْفَرَائِضِ، فَإِنَّ زِيَادَةَ الْوَاحِدَةِ بَعْدَ مُنْتَهَى الْوَقَصِ فِيهَا تُوجِبُ تَغَيُّرَ الْفَرِيضَةِ، كَالْوَاحِدَةِ بَعْدَ الْخَامِسَةِ وَالثَّلاثِينَ، وَبَعْدَ الْخَامِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ.
ورَوَى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ نُسْخَةَ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّدَقَةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهِيَ الَّتِي انْتَسَخَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَمَرَ عُمَّالَهُ بِالْعَمَلِ بِهَا، وَفِي تِلْكَ النُّسْخَةِ: فَإِذَا كَانَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً، فَفِيهَا ثَلاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمِائَةً، فَإِذَا كَانَتْ ثَلاثِينَ وَمِائَةً، فَفِيهَا حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا تَتَغَيَّرُ الْفَرِيضَةُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ مَا لَمْ تَبْلُغْ مِائَةً وَثَلاثِينَ، فَحِينَئِذٍ تَجِبُ فِيهَا حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ إِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، أَعْطَى سِنًّا دُونَهَا مَعَ الْجُبْرَانِ، وَهُوَ شَاتَانِ أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّاتَيْنِ أَوِ الْعِشْرِينَ الدِّرْهَمُ أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ، لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِبَدَلٍ عَنِ الْآخَرِ،
لِأَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَهُمَا بِحَرْفٍ أَوْ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: أَعْطَى عَشْرَةَ دَرَاهِمَ أَوْ شَاتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يَبْتَاعَ السِّنَّ الَّتِي وَجَبَتْ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَأْخُذُ السَّاعِي قِيمَتَهَا.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَخْذَ الْقِيَمِ فِي الزَّكَوَاتِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَجَوَّزَهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَوْ جَازَتِ الْقِيمَةُ لَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ الْفَرِيضَةَ عِنْدَ عَدَمِهَا إِلَى سِنٍّ فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا مَعَ جَبْرِ النُّقْصَانِ مَعْنًى.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ بِمَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ، أَنَّهُ قَالَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ: «إِيتُونِي بِعَرْضِ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ»، وَيُرْوَى: «خَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ».
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْخَمِيسُ: الثَّوْبُ الَّذِي طُولُهُ خُمْسُ أَذْرُعٍ، وَيُقَالُ لَهُ: مَخْمُوسٌ أَيْضًا، وَقِيلَ: إِنَّمَا قِيلَ لِلثَّوْبِ خَمِيسٌ، لِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ عَمِلَهُ مَلَكٌ بِالْيَمَنِ، يُقَالُ لَهُ: الْخِمْسُ، أَمَرَ، فَعُمِلَ هَذِهِ الثِّيَابَ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَوْ لَمْ يَجِدِ السِّنَّ الْوَاجِبَةَ، وَلا الَّتِي تَلِيهَا يَنْزِلُ إِلَى سِنٍّ دُونَ مَا يَلِي الْوَاجِبَ، وَيُعْطِي جُبْرَانَيْنِ أَرْبَعَ شِيَاهٍ، أَوْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، أَوْ يَرْتَقِي إِلَى سِنٍّ فَوْقَ مَا يَلِي الْوَاجِبَ، وَيَسْتَرِدُّ جُبْرَانَيْنِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُجَاوِزُ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنَ السِّنِّ الْوَاحِدَةِ.
وَقَوْلُهُ: «وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا»، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِي الْغَنَمِ إِذَا كَانَتْ سَائِمَةً، أَمَّا الْمَعْلُوفَةُ، فَلا زَكَاةَ فِيهَا، وَكَذَلِكَ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَوَامِلِ الْبَقَرِ وَالإِبِلِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَوْجَبَ مَالِكٌ فِي عَوَامِلِ الْبَقَرِ وَنَوَاضِحِ الإِبِلِ.
وَقَوْلُهُ: «فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاثِ مِائَةٍ، فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ»، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ تَزِيدَ مِائَةً أُخْرَى، فَتَصِيرُ أَرْبَعَ مِائَةٍ، فَيَجِبُ فِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ: إِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاثِ مِائَةٍ وَاحِدَةً، فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ.
وَقَوْلُهُ: «وَلا يُخْرِجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةً وَلا ذَاتَ عُوَارٍ»، فَالْعُوَارُ: النَّقْصُ وَالْعَيْبُ، وَيَجُوزُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ كُلُّ مَالِهِ أَوْ بَعْضُ مَالِهِ سَلِيمًا، فَإِنْ كَانَ كُلُّ مَالِهِ مَعِيبًا، فَإِنَّهُ
يَأْخُذُ وَاحِدًا مِنْ أَوْسَطِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِصَحِيحَةٍ، وَلا تُؤْخَذُ مَرِيضَةً بِحَالٍ.
وَقَوْلُهُ: «وَلا تَيْسَ الْغَنَمِ»، أَرَادَ بِهِ فَحْلَ الْغَنَمِ، مَعْنَاهُ: إِذَا كَانَتْ مَاشِيَتُهُ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا إِنَاثًا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الذَّكَرُ، إِنَّمَا يُؤْخَذُ الْأُنْثَى، إِلا فِي مَوْضِعَيْنِ وَرَدَ بِهِمَا السُّنَّةُ، وَهُوَ أَخْذُ التَّبَيُّعِ مِنْ ثَلاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ، وَأَخْذُ ابْنِ اللَّبُونِ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ، بَدَلَ ابْنَةِ الْمَخَاضِ عِنْدَ عَدَمِهَا.
فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مَاشِيَتُهُ كُلُّهَا ذُكُورًا، فَيُؤْخَذُ الذَّكَرُ.
وَقَوْلُهُ: «إِلا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ»، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُ الاجْتِهَادَ، لِيَأْخُذَ مَا هُوَ الْأَنْفَعُ لِلْمَسَاكِينِ، لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُمْ بِدَلِيلِ أَنَّ أُجْرَةَ عَمَلِهِ مِنْ مَالِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: «وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ»، فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ الْخُلْطَةَ تَجْعَلُ مَالَ الرَّجُلَيْنِ كَمَالِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ فِي حَقِّ الزَّكَاةِ، وَهِيَ تَارَةً تُؤَثِّرُ فِي تَقْلِيلِ الزَّكَاةِ، وَتَارَةً فِي تَكْثِيرِهَا.
بَيَانُ التَّقْلِيلِ: إِذَا كَانَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ ثَمَانُونَ شَاةً مُخْتَلِطَةً، فَتَمَّ الْحَوْلُ عَلَيْهَا، لَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا إِلا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ تَمَيَّزَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ عَلَيْهِمَا شَاتَانِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ بَيْنَ ثَلاثَةٍ، مِائَةٌ وَعِشْرُونَ مُخْتَلَطَةً لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ إِلا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ تَمَيَّزَتِ الْأَنْصِبَاءُ، كَانَ عَلَيْهِمْ ثَلاثُ شِيَاهٍ.
وَبَيَانُ التَّكْثِيرِ: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ جَمَاعَةٍ أَرْبَعُونَ مِنَ الْغَنَمِ مُخْتَلِطَةٍ عَلَيْهِمْ فِيهَا شَاةٌ، وَلَوْ تَمَيَّزَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَقَوْلُهُ: «وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجَتْمِعٍ»، نَهْيٌ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ لِلسَّاعِي وَرَبِّ الْمَالِ جَمِيعًا، نَهَى رَبَّ الْمَالِ عَنِ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ قَصْدًا إِلَى تَقْلِيلِ الصَّدَقَةِ، وَنَهَى السَّاعِي عَنْهُمَا قَصْدًا إِلَى تَكْثِيرِ الصَّدَقَةِ، وَبَيَانُهُ: إِذَا كَانَتْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَرْبَعُونَ شَاةً مُخْتَلِطَةً، فَلَمَّا أَظَلَّهُمَا السَّاعِي، فَرَّقَاهَا، لِئَلا تَجِبَ عَلَيْهِمَا الزَّكَاةُ، أَوْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً، فَأَرَادَ السَّاعِي جَمْعَهَا لِتَجِبُ الزَّكَاةُ، أَوْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا ثَمَانُونَ مُخْتَلِطَةً، فَأَرَادَ السَّاعِي تَفْرِيقَهَا لِيَأْخُذَ شَاتَيْنِ، أَوْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً، فَأَرَادَ أَرْبَابِ الْمَالِ جَمْعَهَا، لِئَلا تَجِبَ عَلَيْهِمَا إِلا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وَأُمِرُوا بِتَقْرِيرِهَا عَلَى حَالَتِهَا.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «لَا خِلَاطَ»، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هَذَا وَهُوَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمُتَفَرِّقِ، لِيَتَغَيَّرَ حُكْمُ الزَّكَاةِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا أَوْ جَمَعُوا قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ كَانَ الْحُكْمُ لِلتَّفْرِيقِ، وَلَوْ فَعَلُوا بَعْدَ الْحَوْلِ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ حُكْمُ الزَّكَاةِ فِي الْحَوْلِ الْمَاضِي، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِ الْخُلْطَةِ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ الْخُلْطَةَ لَا تُغَيِّرُ حُكْمَ الزَّكَاةِ، بَلْ عَلَيْهِمْ زَكَاةُ الانْفِرَادِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَسُفْيَانُ: لَا حُكْمَ لِلْخُلْطَةِ حَتَّى يَكُونَ
نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْخُلَطَاءِ نِصَابًا، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعُونَ، فَإِنَّ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَرْبَعُونَ مُخْتَلَطَةً، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِمَا فِيهَا.
وَلا فَرْقَ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْخُلْطَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيُّ بَيَّنَ أَنْ لَا يَتَمَيَّزُ أَعْيَانُ الْأَمْوَالِ مِثْلُ أَنْ وَرِثَا أَوِ اشْتَرَيَا سَائِمَةً مَعًا، فَمَا مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهَا إِلا وَهِيَ مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَ أَنْ يَتَمَيَّزَ الْأَعْيَانُ، بِأَنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَائِمَةٌ، فَخَلَطَاهَا وَكُلُّ وَاحِدٍ يَعْرِفُ عَيْنَ مَالِ نَفْسِهِ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْخُلْطَةُ خُلْطَةُ الْمُجَاوَرَةِ، وَالْأُولَى خُلْطَةُ الْمُشَارَكَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، إِذَا عَرَفَ الْخَلِيطَانِ كُلُّ وَاحِدٍ أَمْوَالَهُمَا، فَلَيْسَا بِخَلِيطَيْنِ.
ثُمَّ الشَّافِعِيُّ شَرَطَ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْخُلْطَةِ فِي الْمُجَاوَرَةِ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي الْمُرَاحِ، وَالْمَسْرَحِ، وَمَوْضِعِ السَّقْيِ، وَالْحِلابِ، وَاخْتِلاطِ الْفُحُولَةِ، فَإِنْ تَفَرَّقَا فِي شَيْءٍ مِنْهَا، فَلَيْسَا بِخَلِيطَيْنِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: أَنْ يَكُونَ الرَّاعِي، وَالْفَحْلُ، وَالْمُرَاحُ وَاحِدًا، فَإِنْ فَرَّقَهُمَا الْمَبِيتُ، هَذِهِ فِي قَرْيَةٍ، وَهَذِهِ فِي قَرْيَةٍ، فَلا تَبْطُلُ الْخُلْطَةُ.
وَالْخَلِيطَانِ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ يُزَكِّيَانِ زَكَاةً وَاحِدَةً أَيْضًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، إِذَا بَلَغَ مَجْمُوعُ أَنْصَابِهِمْ نِصَابًا.
وَقَوْلُهُ: «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ»، فَهَذَا فِي خُلْطَةِ الْمُشَارَكَةِ لَا يُتَصَوَّرُ، لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ يَكُونُ مِنْ مَالِيهِمَا إِلا أَنَ لَا يَكُونُ الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِ مَالِهِ، مِثْلُ أَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا خَمْسٌ مِنَ
الإِبِلِ، فَجَاءَ السَّاعِي وَهِيَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَأَخَذَ مِنْهَ شَاةً، رَجَعَ هُوَ عَلَى شَرِيكِهِ بِقِيمَةِ حِصَّتِهِ.
وَيُتَصَوَّرُ فِي خُلْطَةِ الْمُجَاوَرَةِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ شَاةً، لِكُلِّ وَاحِدٍ عِشْرُونَ يَعْرِفُ كُلُّ وَاحِدٍ عَيْنَ مَالِهِ، فَأَخَذَ السَّاعِي شَاةً مِنْ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، رَجَعَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى شَرِيكِهِ بِقِيمَةِ نِصْفِ شَاتِهِ، وَإِنْ ظَلَمَهُ السَّاعِي، فَأَخَذَ زِيَادَةً عَلَى فَرْضِهِ، لَا يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَظْلِمْهُ.
وَقَوْلُهُ: «فِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ»، أَرَادَ بِهَا الْوَرِقَ، فَيَجِبُ فِيهَا إِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ رُبُعُ الْعُشْرِ، وَهُوَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً عَنْهَا فِي الْوَزْنِ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ لَا زَكَاةَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَجُوزُ جَوَازَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، ثُمَّ فِيهَا رُبُعُ الْعُشْرِ نِصْفُ دِينَارٍ، ثُمَّ مَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ.
وَلا تَجِبُ فِي الْمَغْشُوشِ مِنْهُمَا حَتَّى يَكُونَ فِيهَا مِنَ النُّقْرَةِ الْخَالِصَةِ، أَوِ الذَّهَبِ الْخَالِصِ هَذَا الْقَدْرُ.
قَوْلُهُ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلا تِسْعِينَ وَمِائَةً، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ»، هَذَا يُوهِمُ أَنَّهَا إِذَا زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَتِمُّ مِائَتَيْنِ كَانَتْ فِيهَا الصَّدَقَةُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ تِسْعِينَ، لِأَنَّهُ آخِرُ فَصْلٍ مِنْ فُصُولِ الْمِائَةِ، وَالْحِسَابُ إِذَا جَاوَزَ الْآحَادَ كَانَ تَرْكِيبُهُ بِالْفُصُولِ كَالْعَشَرَاتِ وَالْمِئِينِ وَالْأُلُوفِ، فَذَكَرَ التِّسْعِينَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنْ لَا صَدَقَةَ فِيمَا نَقَصَ عَنْ كَمَالِ الْمِائَتَيْنِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ».
وَابْنَةُ الْمَخَاضِ مِنَ الإِبِلِ هِيَ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا حَوْلٌ، وَطَعَنَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ سُمِّيَتِ ابْنَةَ مَخَاضٍ، لِأَنَّ أُمَّهَا تَمْخَضُ بِوَلَدٍ آخَرَ، وَالذَّكَرُ: ابْنُ مَخَاضٍ، وَالْمَخَاضُ: الْحَوَامِلُ.
وَابْنَةُ اللَّبُونِ هِيَ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا حَوْلانِ، وَطَعَنَتْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، لِأَنَّ أُمَّهَا تَصِيرُ لَبُونًا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَالذَّكَرُ ابْنُ لَبُونٍ.
وَالْحِقَّةُ هِيَ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا ثَلاثُ سِنِينَ، وَطَعَنَتْ فِي الرَّابِعَةِ، سُمِّيَتْ بِهَا، لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الْحَمْلَ وَالضِّرَابَ، وَالذَّكَرُ: حق.
وَالْجَذَعَةُ: الَّتِي تَمُتْ لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ، وَطَعَنَتْ فِي الْخَامِسَةِ، لِأَنَّهَا تُجْذِعُ السِّنَّ فِيهَا.
وَقَوْلُهُ: «طَرُوقَةُ الْجَمَلِ»، هِيَ الَّتِي قَدْ طَرَقَهَا الْفَحْلُ، أَيْ: نَزَا عَلَيْهَا، فَإِذَا طَعَنَ فِي السَّادِسَةِ، وَأَلْقَى ثَنِيَّتَهُ، فَهُوَ ثَنِيٌّ، وَالْأُنْثَى ثَنِيَّةٌ، فَإِذَا طَعَنَ فِي السَّابِعَةِ، وَأَلْقَى رباعيتهُ، فَهُوَ رَبَاعٌ، وَالْأُنْثَى رَبَاعِيَةُ، فَإِذَا طَعَنَ فِي الثَّامِنَةِ، وَأَلْقَى السِّنَّ الَّتِي بَعْدَ الرَّبَاعِيَةِ، فَهُوَ سَدِيسٌ وَسَدَسٌ، فَإِذَا طَعَنَ فِي التَّاسِعَةِ، فَطَرَّ نَابُهُ وَطَلَعَ، فَهُوَ بَازِلٌ، فَإِذَا طَعَنَ فِي الْعَاشِرَةِ، فَهُوَ مُخْلِفٌ، ثُمَّ يُقَالُ بَعْدَهُ: بَازِلُ عَامٍ، وَبَازِلُ عَامَيْنِ، وَمُخْلِفُ عَامٍ، وَمُخْلِفُ عَامَيْنِ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْجَذُوعَةُ وَقْتٌ وَلَيْسَ بِسِنٍّ، فَإِذَا لَقِحَتْ، فَهِيَ خَلِفَةٌ إِلَى عَشْرَةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ عَشْرًا فَهِيَ عُشْرَاءُ.
بَابُ صَدَقَةِ الْبَقَرِ السَّائِمَةِ
1571 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، أَنا أَبُو عِيسَى، نَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ.
فَأَمَرَهُ «أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلَّ ثَلاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ورَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سُفْيَانَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ، وَهَذَا أَصَحُّ
وَقَوْلُهُ: «وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا»، لَمْ يُرِدْ بِهِ الزَّكَاةَ، إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْجِزْيَةَ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، نَسَّقَهَا عَلَى الزَّكَاةِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
«أَوْ عَدْلُهُ مَعَافِرُ»، فَالْمَعَافِرُ: ضَرْبٌ مِنْ ثِيَابِ الْيَمَنِ، أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ بَالِغٍ دِينَارًا، أَوْ مَا يُعَادِلُ قِيمَتَهُ مِنَ الثِّيَابِ، وَيُقَالُ: الْمَعَافِرُ الْبُرُودُ.
1572 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخَذَ مِنْ ثَلاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا، وَمِنْ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً، فَأُتِي بِمَا دُونَ ذَلِكَ، فَأبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، وَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ شَيْئًا حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْهِ، فَأَسْأَلَهُ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ
فَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَزْدَادُ فِي الْبَقَرِ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ حَتَّى يَبْلُغَ سِتِّينَ، ثُمَّ يَجِبُ فِيهَا تَبِيعَانِ، وَبَعْدَهُ فِي كِلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَفِي كُلِّ ثَلاثِينَ تَبِيعٌ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ بِحِسَابِهِ إِلَى السِّتِّينَ.
وَالتَّبِيعُ: الْعِجْلُ مَا دَامَ يَتَّبِعُ الْأُمَّ إِلَى تَمَامِ السَّنَةِ، وَالْمَأْخُوذُ فِي الزَّكَاةِ: الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ حَوْلٌ، وَالْمُسِنَّةُ: الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا حَوْلانِ، وَطَعَنَتْ فِي الثَّالِثَةِ، وَهِيَ ثَنِيَّةٌ، لِأَنَّهَا تَجْذَعُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَتُثْنِي فِي الثَّالِثَةِ.
أَمَّا الْغَنَمُ، فَلا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا، فَفِيهَا شَاةٌ جَذَعَةٌ مِنَ الضَّأْنِ، أَوْ ثَنِيَّةٌ مِنَ الْمَعِزِ، وَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاتَانِ، وَفِي مِائَتَيْنِ وَشَاةٍ ثَلاثُ شِيَاهٍ، وَفِي أَرْبَعِ مِائَةٍ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، ثُمَّ فِي كِلِّ مِائَةٍ شَاةٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ الْجَذَعَةُ مِنَ الضَّأْنِ وَالْمَعِزِ جَمِيعًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ مِنْهُمَا إِلا الثَّنِيَّةُ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِساعيه: «اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ الَّتِي يَرُوحُ بِهَا الرَّاعِي عَلَى يَدِهِ، وَلا تَأْخُذْهَا، وَلا تَأْخُذِ الْأَكُولَةَ، وَلا الرُّبَّى، وَلا الْمَاخِضَ، وَلا فَحْلَ الْغَنَمِ، وَخذ الْجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ، وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ الْمَالِ وَخِيَارِهِ».
وَالرُّبَى: الَّتِي يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا، فَهِيَ تُرَبِّي وَلَدَهَا، وَالْمَاخِضُ: الْحَامِلُ، وَالْأَكُولَةُ: السَّمِينَةُ تُعَدُّ لِلذَّبْحِ، وَالْغِذَاءُ: صِغَارِ السَّخْلِ، جَمْعُ غَذِيٍّ.
بَابُ لَا زَكَاةَ فِي الْعَبْدِ وَالْفَرَسِ
1573 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ»
1574 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَلا فِي مَمْلُوكِهِ صَدَقةٌ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ
وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «لَيْسَ فِي الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلا صَدَقَةُ الْفِطْرِ».
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا: لَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ، وَلا فِي الْعَبْدِ، إِلا أَنْ تَكُونَ لِلتِّجَارَةِ، فَتَجِبُ فِي قِيمَتِهَا زَكَاةُ التِّجَارَةِ.
يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: فِي الْخَيْلِ صَدَقَةٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ الزَّكَاةَ فِي الإِنَاثِ مِنْهَا فِي كُلِّ فَرَسٍ دِيَنارٌ، وَإِنْ شِئْتَ قَوَّمْتَهَا، فَجَعَلْتَ فِي كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ.
1575 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعلَى رَجُلٍ وِزْرٌ، فأمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنَ الْمَرْجِ وَالرَّوْضَةِ، كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ، فَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا ذَلِكَ، فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، كَانَتْ آثارُهَا وَأَرْوَاثُها حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهْرٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ، فَهِيَ لِذلِكَ أَجْرٌ.
وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا، وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلا ظُهُورِهَا، فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ.
وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الإِسْلامِ، فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ».
وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحُمُرِ، فَقَالَ: " مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ {7﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿8﴾} [الزلزلة: 7 - 8] ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ، كِلاهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ
قَوْلُهُ: «أَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ»، أَيْ: شَدَّهَا فِي طِوَلِهَا، وَهُوَ حَبْلٌ طَوِيلٌ يُشَدُّ أَحَدُ طَرَفَيْهِ فِي آخِيَةٍ أَوْ وَتَدٍ، وَيُعَلَّقُ يَدُ الْفَرَسِ فِي
الطَّرفِ الْآخَرِ لِتَدُورَ فِيهِ، وَلا يَعِيرَ، فَيَذْهَبُ عَلَى وَجْهِهِ.
وَقَوْلُهُ: «فِي طِيَلِهَا»، لُغَةٌ فِي الطِّوَلِ.
وَقَوْلُهُ: «فَاسْتَنَّتْ»، هُوَ أَنْ تَمْرَحَ فِي الطُّولِ، يُقَالُ: سَنَّ الْفَرَسُ، وَاسْتَنَّ: إِذَا لَجَّ فِي عَدْوِهِ مُقْبِلا وَمُدْبِرًا، وَفَرَسُ سَنِينٌ، وَذَلِكَ مِنَ النَّشَاطِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الاسْتِنَانُ أَنْ يَحْضِرَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فَارِسٌ.
وَقَوْلُهُ: «تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا»، أَيْ: طَالِبًا بِنِتَاجِهَا الْغِنَى وَالْعِفَّةَ.
وَقَوْلُهُ: «نِوَاءً لِأَهْلِ الإِسْلامِ»، أَيْ: مُعَادَاةٌ، يُقَالُ: نَاوَأَهُ مُنَاوَأَةً وَنِوَاءً بِالْهَمْزِ، وَغَيْرِ الْهَمْزِ: إِذَا عَادَاهُ.
وَقَوْلُهُ: «فِي الْحُمُرِ هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ»، سَمَّاهَا جَامِعَةً لاشْتِمَالِ اسْمِ الْخَيْرِ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ فَرَائِضَهَا وَنَوَافِلَهَا، سَمَّاهَا فَاذَّةً
لِخُلُوِّهَا عَنْ بَيَانِ مَا تَحْتِهَا، وَتَفْصِيلِ أَنْوَاعِهَا، وَالْفَذُّ: الْوَاحِدُ الْفَرْدُ، يُقَالُ: فَذَّ الرَّجُلُ عَنْ أَصْحَابِهِ: إِذَا شَذَّ عَنْهُمْ، وَبَقِيَ فَرْدًا.
قَوْلُهُ: ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]، يَعْنِي: يَرَى جَزَاءَ مَا عَمِلَ، لَا عَيْنَ عَمَلِهِ.
بَابُ الْمُسْتَفَادِ لَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ
1576 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، نَا هَارُونُ بْنُ صَالِحٍ الطَّلْحِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتفَادَ مَالًا، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ».
وَرَوَاهُ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا زَكَاةَ فِي الْمُسْتَفَادِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعَلِيٍّ، وَابْنَ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنِ اسْتَفَادَ مَالًا زَكَاتيا، وَعِنْدَهُ مِنْ جِنْسِهِ نِصَابٌ، يَضُمُّ إِلَيْهِ الْمُسْتَفَادَ فِي الْحَوْلِ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلَ مَا عِنْدَهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْكُلِّ.
يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
أَمَّا إِذَا تَمَّ النِّصَابُ بِالْمُسْتَفَادِ، فَلا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ أَفَادَ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النِّتَاجَ يُضَمُّ إِلَى الْأَصْلِ فِي الْحَوْلِ، وَكَذَلِكَ حَوْلُ الرِّبْحِ يَبْتَنِي عَلَى حَوْلِ الْأَصْلِ فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْأَصْلِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ عَنِ الْكُلِّ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّصَابَ إِذَا انْتَقَصَ فِي خِلالِ الْحَوْلِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ، فَإِذَا تَمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُسْتَأْنَفُ الْحَوْلُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، وَالنِّصَابُ شَرْطٌ فِي طَرَفَيِ الْحَوْلِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ فِي النَّاضِّ يُشْتَرَطُ النِّصَابُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ حَتَّى لَوْ مَلَكَ دِينَارًا،
فَصَارَ فِي آخِرِ الْحَوْلِ عِشْرِينَ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، كَمَا فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ.
قُلْتُ: زَكَاةُ التِّجَارَةِ تَجِبُ فِي الْقِيمَةِ، وَلا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ، فَرُوعِيَ آخِرُ الْحَوْلِ فِيهَا.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا بَادَلَ مَالَهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ بِمَالٍ آخَرَ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ غَيْرِ جِنْسِهِ، يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، وَيُبْتَدَأُ الْحَوْلُ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ مِنْ يَوْمِ الشِّرَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ بَادَلَ بِجِنْسِهِ لَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، أَمَّا إِنْ بَادَلَ النَّقْدَ بِالنَّقْدِ، فَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَنْقَطِعُ.
وَمَنْ وَرِثَ مَالًا، فَلا يَبْتَنِي حَوْلَ الْوَارِثِ عَلَى حَوْلِ الْمُوَرِّثِ، بَلْ يُسْتَأْنَفُ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ وَرِثَهُ، فَإِذَا تَمَّ، أَخْرَجَ الزَّكَاةَ.
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّدَقَةِ
1577 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ حُجَيَّةَ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ، «أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى جَوَازِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: أُحِبُّ أَنْ لَا تَعْجَلَ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْجِيلُ، وَيُعِيدُ لَوْ عَجَّلَ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ كَمَالِ النِّصَابِ، وَلا يَجُوزُ تَعْجِيلُ صَدَقَةِ عَامَيْنِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.
1578 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنا أَبُو الْيَمَانِ، أَنا شُعَيْبٌ، نَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ
الْمُطَّلِبِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأمَّا خَالِدٌ، فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا قَدِ احْتَبَسَ أَدرَاعهُ، وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَقَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَقَالَ: «قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهُوَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا».
ثُمَّ قَالَ: «يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ».
قَوْلُهُ: «وَأَعْتُدَهُ» يُرْوَى بِالتَّاءِ، وَالْأَعْتُدُ: جَمْعُ الْعَتَادِ، وَكَذَلِكَ الْأَعْتَادُ، وَهُوَ مَا أَعَدَّهُ الرَّجُلُ مِنَ السِّلاحِ وَالدَّوَابِّ وَالْآلَةِ لِلْحَرْبِ.
ثُمَّ لَهُ تَأْوِيلانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الْآلاتِ كَانَتْ عِنْدَهُ لِلتِّجَارَةِ، فَطَلَبُوا مِنْهُ زَكَاةَ التِّجَارَةِ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ جَعَلَهَا حُبُسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ، وَجَوَازِ وَقْفِ الْمَنْقُولِ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنَّهُ اعْتَذَرَ لِخَالِدٍ، يَقُولُ: إِنَّ خَالِدًا لَمَّا حَبَسَ أَدْرَاعَهُ تَبَرُّعًا، وَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ: إِنَّهُ احْتَسَبَ لَهُ مَا حَبَسَهُ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، لِأَنَّ أَحَدَ أَصْنَافِ الْمُسْتحقين لِلصَّدَقَةِ هُمُ الْمُجَاهِدُونَ.
وَفِيهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَوَاتِ بَدَلًا عَنِ الْأَعْيَانِ، وَعَلَى جَوَازِ وَضْعِ الصَّدَقَةِ فِي صنْفٍ وَاحِدٍ.
وَقَوْلُهُ: «صِنْوُ أَبِيهِ»، أَيْ: أَصْلُهُمَا وَاحِدٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرَّعْد: 4]، وَهِيَ جَمْعُ صِنْوٍ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ وَاحِدًا، وَفِيهِ النَّخْلَتَانِ، وَالثَّلاثِ، وَالْأَرْبَعِ.
وَيُحْكَى عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: الصِّنْوُ: الْمِثْلُ، أَرَادَ مِثْلَ أَبِيهِ.
وَقَوْلُهُ فِي صَدَقَةِ الْعَبَّاسِ: «فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ»، فَإِنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَلَّ الْمُتَابِعُونَ لِشُعَيْبٍ فِيهَا، لِأَنَّ الْعَبَّاسَ مِنْ صَلِيبَةِ بَنِي هَاشِمٍ لَا تَحِلُّ
لَهُ الصَّدَقَةُ، فَكَيْفَ يَسْتَأْثِرُهُ بِهَا.
وَرَوَى غَيْرُهُ «هِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا»، وَتَأَوَّلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَ: لَعَلَّهُ أَخَّرَهَا عَلَيْهِ عَامَيْنِ لِحَاجَةٍ بِالْعَبَّاسِ إِلَيْهَا، كَمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَخَّرَ الصَّدَقَةَ عَامَ الرَّمَادَةِ، فَلَمَّا أَحْيَا النَّاسُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، أَخَذَ مِنْهُمْ صَدَقَةَ عَامَيْنِ.
قَوْلُهُ: «أَحْيَا النَّاسُ»، أَيْ: صَارُوا فِي الْحَيَا، وَهُوَ الْخِصْبُ.
وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى، أَنَّهُ قَالَ: «هِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا»، فَلَهُ تَأْوِيلانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ قَدْ تَسَلَّفَ مِنْهُ صَدَقَةَ سَنَتَيْنِ، فَصَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعْجِيلِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ مَحِلِّهَا، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ تَعْجِيلَ صَدَقَةِ عَامَيْنِ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ قَدْ قَبَضَ مِنْهُ صَدَقَةَ ذَلِكَ الْعَامِ الَّذِي شَكَاهُ فِيهِ الْعَامِلُ، وَتُعَجَّلُ صَدَقَةُ عَامٍ ثَانٍ، فَقَالَ: «هِيَ عَلَيَّ»، أَيِ: الصَّدَقَةِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ، وَأَنْتَ تُطَالِبُهُ بِهَا مَعَ مِثْلِهَا مِنْ صَدَقَةِ عَامٍ لَمْ يَحِلَّ، فَيَكُونُ قَدْ أَخَذَ صَدَقَةَ أَحَدِ الْعَامَيْنِ بَعْدَ مَحِلِّهَا، وَاسْتَعْجَلَ صَدَقَةَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ.
بَابُ زَكَاةِ الثِّمَارِ وَخَرْصِهَا
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَام: 141]. قَالَ مَالِكٌ: سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ الزَّكَاةُ.
1579 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ فِي زَكَاةِ الْكَرْمِ: «يُخْرَصُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، ثُمَّ يُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا يُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا».
1579 - وَبِإِسْنَادِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ مَنْ يَخْرُصُ عَلَى النَّاسِ كُرُومَهُمْ وَثِمَارَهُمْ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا أَبُو عَمْرٍو مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْحَذَّاءُ، أَنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، أَنَّهُ تُخْرَصُ الثِّمَارُ عَلَى أَرْبَابِهَا، فَبَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ بَعَثَ الإِمَامُ خَارِصًا يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ، وَيَقُولُ: تُحَصَّلُ مِنْ هَذَا الرُّطَبِ كَذَا مِنَ التَّمْرِ، وَمِنْ هَذَا الْعِنَبِ كَذَا مِنَ الزَّبِيبِ، فَيُحْصِي عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، ثُمَّ يُخَلِّي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا يَصْنَعُونَ بِهَا مَا شَاءُوا، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْهُمُ الْعُشْرَ بَعْدَمَا أَدْرَكَ وَجَفَّ، فَإِنِ ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ نُقْصَانًا عَمَّا خَرصَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: الْخَرْصُ بِدْعَةٌ.
وَأَنْكَرَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ الْخَرْصَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا كَانَ يَخْرُصُ ذَلِكَ تَخْوِيفًا لِلْأَكَرَةِ، لِئَلا يَخُونُوا، فَأَمَّا أَنْ يَلْزَمَ بِهِ حُكْمٌ، فَلا، لِأَنَّهُ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمِلَ بِهِ، وَالصَّحَابَةُ مِنْ بَعْدِهِ، وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَجْوِيزِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: هُوَ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ.
لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ اجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الثَّمَرِ، كَالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ أَحْصَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَهُوَ كَتَقْوِيمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَالْحُكْمُ بِالاجْتِهَادِ.
وَإِنَّمَا يُسَنُّ الْخَرْصُ فِي النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ دُونَ الْحُبُوبِ، لِأَنَّ الْحُبُوبَ لَا تُؤْكَلُ رَطِبَةً، وَثَمَرُ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تُؤْكَلُ رَطِبَةً، فَتَتْلَفُ حُقُوقَ الْمَسَاكِينِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَقُولُ: «إِذَا خَرَصْتُمْ، فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدْعُوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبُعَ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْخَارِصُ يَدَعُ الثُّلُثَ لِلْخِرَفَةِ، وَكَذَا قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الثُّلُثَ وَالرُّبُعَ مَتْرُوكٌ لَهُمْ عَنْ عُرضِ الْمَالِ تُوسِعَةً عَلَيْهِمْ، فَقَدْ يَكُونُ مِنَ السُّقَاطَةِ، وَيَنْتَابُهَا الطَّيْرُ، وَيَخْتَرِفُهَا النَّاسُ لِلْأَكْلِ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَأْمُرُ الْخُرَّاصَ بِذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ لَهُمْ شَيْئًا شَائِعًا، بَلْ يُفْرَدُ لَهُمْ نَخْلاتٌ مَعْدُودَةٌ قَدْ عُلِمَ مِقْدَارُ ثَمَرِهَا بِالْخَرْصِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الْعُشْرِ فِي النَّخِيلِ وَالْكُرُومِ، وَفِيمَا يُقْتَاتُ مِنَ الْحُبُوبِ مِمَّا يَزْرَعْهُ الْآدَمِيُّونَ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهَا مِنَ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّهُ لَا عُشْرَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ وَالْبُقُولِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ الْعُشْرِ فِي جَمِيعِهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى إِيجَابِ الْعُشْرِ فِي الزَّيْتُونِ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ
مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْأَخْذِ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُؤْخَذُ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنَ الزَّيْتِ إِذَا بَلَغَ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُؤْخَذُ مِنْ ثَمَرِهِ.
أَمَّا الْخضْرَاوَاتِ، فَلا عُشْرَ فِيهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ فِيهَا الْعُشْرُ إِلَّا الْحَطَبَ، وَالْحَشِيشَ، وَالْقَصَبَ الْفَارِسِيَّ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ، فَلَمْ يُوجِبَا فِيهِ الْعَشْرُ.
وَرُوِيَ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: عِنْدَنَا كِتَابُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ.
وَكُلُّ ثَمَرَةٍ أَوْجَبْنَا فِيهَا الزَّكَاةَ، فَإِنَّهَا تَجِبُ بِبُدُوِّ الصَّلاحِ، وَوَقْتُ الإِخْرَاجِ بَعْدَ الاجْتِنَاءِ وَالْجَفَافِ.
وَكُلُّ حَبٍّ أَوْجَبْنَا فِيهِ الْعُشْرَ، فَوَقْتُ وُجُوبِهِ اشْتِدَادُ الْحَبِّ، وَوَقْتُ الإِخْرَاجِ بَعْدَ الدِّيَاسَةِ وَالتَّنْقِيَةِ، وَلا حَوْلَ لَهَا، إِنَّمَا الْحَوْلُ لِلْمَوَاشِي وَالنُّقُودِ، لِأَنَّ نَمَاءَهَا لَا يَظْهَرُ إِلا بِمُضِيِّ الْحَوْلِ.
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ الَّذِي لَا اخْتِلافَ فِيهِ، أَنَّهُ لَا يُخْرَصُ مِنَ الثِّمَارِ إِلا النَّخِيلُ وَالْأَعْنَابُ، أَمَّا مَا لَا يُؤْكَلُ رَطِبًا إِنَّمَا يُؤْكَلُ بَعْدَ حَصَادِهِ مِثْلُ الْحُبُوبِ كُلِّهَا، فَإِنَّهُ لَا يُخْرَصُ، وَإِنَّمَا عَلَى أَهْلِهِ فِيهِ الْأَمَانَةُ.
بَابُ قَدْرِ الصَّدَقَةِ فِيمَا أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ
1580 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ.
الْعَثَرِيُّ: الْعِذْيُ وَهُوَ مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ، وَيُرْوَى: «مَا سُقِيَ مِنْهُ بَعْلًا فَفِيهِ الْعُشْرُ».
وَالْبَعْلُ: مَا شَرِبَ بِعُرُوقِهِ مِنْ غَيْرِ سَقْيِ سَمَاءٍ وَلا غَيْرِهَا،
فَإِذَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ، فَهُوَ عِذْيٌ.
وَقَوْلُهُ: «مَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ»، يُرِيدُ مَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي وَهِيَ النَّوَاضِحُ، وَاحِدَتُهَا نَاضِحَةٌ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ فِي الْمَسْقِيِّ مِنَ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ بِمَاءِ السَّمَاءِ، أَوْ مِنْ نَهْرٍ يَجْرِي الْمَاءُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَئُونَةٍ، أَوْ كَانَ بَعْلًا، وَهُوَ الَّذِي يَشْرَبُ بِعِرْقِهِ، الْعُشْرَ، وَفِيمَا سُقِيَ بِسَانِيَةٍ، أَوْ نَضْحٍ نِصْفُ الْعُشْرِ، لِأَنَّ الْمَئُونَةَ إِذَا كَثُرَتْ، قَلَّ الْوَاجِبُ نَظَرًا لِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، فَإِذَا قَلَّتَ الْمَئُونَةُ، وَعَمَّتِ الْمَنْفَعَةُ، زِيدَ فِي الْوَاجِبِ تُوسِعَةً عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِي النَّعَمِ إِذَا كَانَتْ سَائِمَةً، فَإِنْ كَانَتْ مَعْلُوفَةً، فَلا زَكَاةَ فِيهَا لِكَثْرَةِ مَئُونَتِهَا.
بَابُ زَكَاةِ الْعَسَلِ
1581 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ، نَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ التِّنِّيسِيُّ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِي الْعَسَلِ فِي كُلِّ عَشْرَةِ أَزُقٍّ زِقُّ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرُ شَيْءٍ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا صَدَقَةَ فِيهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ.
كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَامِلِهِ عَلَى دِمَشْقَ: إِنَّمَا الصَّدَقَةُ فِي الْعَيْنِ، وَالْحَرْثِ، وَالْمَاشِيَةِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى إِيجَابِهَا، وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، قَالُوا: فِيهِ الْعُشْرُ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ، قَالَ: كَلَّمْتُ قَوْمِي فِي الْعَسَلِ،
فَقُلْتُ لَهُمْ: زَكُّوهُ، فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي ثَمَرٍ لَا يُزَكَّى.
فَأَخَذْتُ مِنْهُمُ الْعُشْرَ، فَأَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَأَخَذَهُ عُمَرُ، فَبَاعَهُ، ثُمَّ جَعَلَ ثَمَنَهُ فِي صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ.
ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ فِي خَلايَا الْعَسَلِ: «فِيهَا الْعُشْرُ».
أَرَادَ بِالْخَلايَا: الْمَوَاضِعَ الَّتِي تُعَسِّلُ فِيهَا النَّحْلُ، وَاحِدَتُهَا خَلِيَّةٌ، وَهِيَ مِثْلُ الرَّاقُودِ.
بَابُ زَكَاةِ الْوَرِقِ وَالْحُلِيِّ
1582 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ عَفَوْتُ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ، مِنْ كُلِّ أَرْبَعينَ دِرْهَمًا دِرْهمٌ، وَلَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْءٌ، فَإِذَا بَلَغَ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: كِلاهُمَا عِنْدِي صَحِيحٌ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنْهُمَا جَمِيعًا.
وَرُوِيَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، وَالْحَارِثُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَتْ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ»، قَالَ: فَلا أَدْرِي أَعَلَيَّ، قَالَ: «بِحِسَابِ ذَلِكَ» أَوْ رَفَعَهُ.
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الْوَرِقِ حَتَّى يَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ نُقْرَةً خَالِصَةً، وَلا فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالا بِوَزْنِ مَكَّةَ، ثُمَّ فِيهِ رُبُعُ الْعُشْرِ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ، فَإِنْ كَانَ يَنْقُصُ عَنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا حَبَّةً، فَلا زَكَاةَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَجُوزُ جَوَازَ الْوَازِنَةِ، وَقَالَ مَالِكٌ: تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ إِذَا كَانَتْ تَجُوزُ جَوَازَ الْوَازِنَةِ.
1583 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا قُتَيْبَةُ، نَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ امْرَأَتَيْنِ أَتَتَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي أَيْدِيهِمَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُمَا: «أَتُؤَدِّيَانِ زَكَاتَهُ؟»، قَالَتَا: لَا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟»، قَالَتَا: لَا، قَالَ: «فَأَدِّيَا زَكَاتَهُ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَابْنُ لَهِيعَةَ يَضْعُفُ، وَلا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ
وَرُوِيَ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَتْ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ، فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ جَهَنَّمَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى أَنْ لَا زَكَاةَ فِيهِ، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، وَجَابِرٌ، وَأَنَسٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِلَيْهِ