شرح السنة للبغويصفحات 3-42

كِتَابُ الْحَجِّ

صفحات 3-42
عن هذه الطبعة
عَلَم
البغوي ، أبو محمد
الكتاب
شرح السنة
المؤلف
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
الطبعة
الثانية، 1403هـ - 1983م
عدد الأجزاء
15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بَابُ وُجُوبِ الْحَجِّ وَفَضْلِهِ

قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمرَان: 97] الْآيَةَ.
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ».
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا».
1840 - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْحُمَيْدِيُّ، أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الْعَنَزِيُّ، نَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ»، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: « الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي مُزَاحِمٍ وَغَيْرِهِ، كُلٌّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ 1841 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، أَنا النَّضْرُ، أَنا شُعْبَةُ، عَنْ سَيَّارٍ أَبِي الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ آدَمَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ قَوْلُهُ: «فَلَمْ يَرْفُثْ»، قِيلَ: الرَّفَثُ: التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ الْجِمَاعِ، وَقَالَ الأَزْهَرِيُّ: الرَّفَثُ: كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يُرِيدُهُ الرَّجُلُ مِنَ الْمَرْأَةِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَنْشَدَ شِعْرًا فِيهِ ذِكْرُ الْجِمَاعِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَقُولُ

الرَّفَثَ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ! فَقَالَ: إِنَّمَا الرَّفَثُ مَا رُوجِعَ بِهِ النِّسَاءُ.
وَكَانَ يَرَى الرَّفَثَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ ﴿فَلا رَفَثَ﴾ [الْبَقَرَة: 197] مَا خُوطِبَ بِهِ الْمَرْأَةُ دُونَ مَا يُتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْمَعَ امْرَأَةٌ، وَالرَّفَثُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [الْبَقَرَة: 187]: الْجِمَاعُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الرَّفَثُ: إِتْيَانُ النِّسَاءِ، وَالْفُسُوقُ: السِّبَابُ، وَالْجِدَالُ: الْمِرَاءُ.

1842 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ قِيلَ: الْحَجُّ الْمَبْرُورُ: هُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَأْثَمِ، وَالْبَيْعُ الْمَبْرُورُ: الَّذِي لَا خِيَانَةَ فِيهِ وَلا شُبْهَةَ.
1843 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، أَنا الْقَاضِي أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ، بِالْكُوفَةِ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، بِالْمَوْصِلِ، نَا أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ.
حَ وَأَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمْعَانِيُّ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ،

نَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ».
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى: «وَلَيْسَ لِحَجَّةٍ مَبْرُورَةٍ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ 1844 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ الْمُظَفَّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ الْجُرْجَانِيُّ، نَا أَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ، أَنا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ، أَنا الْحَسَنُ بْنُ الْفَرَجِ الْغَزِّيُّ، نَا أَبُو الْحَسَنِ عُمَرُ بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ.
حَ وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ هُوَ الْجَزَرِيُّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً».

صَحِيحٌ، أَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَصَحَّ عَنْ أُمِّ مَعْقِلٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تُعَدُّ حَجَّةً»

بَابُ تَقْدِيمِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ

1845 - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْحُمَيْدِيِّ، أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، أَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الْحَجِّ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخَرْجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَدْ صَحَّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ».
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ

الْحَجِّ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَإِنْ ثَبَتَ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ الاخْتِيَارِ أَمَرَ بِتَقْدِيمِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الأَمْرَيْنِ وَأَهَمُّهُمَا، وَوَقْتُهُ مَحْصُورٌ، وَأَيَّامُ السَّنَةِ كُلُّهَا وَقْتٌ لِلْعُمْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابُ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ

1846 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسًا، أَخْبَرَهُ قَالَ: " اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةً مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مِنَ الْجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ ". هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: عَنْ هَدَّابِ بْنِ خَالِدٍ

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ عمر إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَأُخْبِرَتْ عَائِشَةُ بِذَلِكَ، قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا وَهُوَ مَعَهُ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ.
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: فِي كُلِّ شَهْرٍ عُمْرَةٌ، وَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا حَمَّمَ رَأْسَهُ، خَرَجَ فَاعْتَمَرَ.

بَابُ وُجُوبِ الْحَجِّ إِذَا وَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ، سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [الْبَقَرَة: 197].

1847 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ.
حَ وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: قَعَدْنَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا الْحَاجُّ؟ قَالَ: «الشَّعِثُ التَّفِلُ»، فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْعَجُّ وَالثَّجُّ»، فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: «زَادٌ وَرَاحِلَةٌ» الْعَجُّ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجُّ: نَحْرُ الْبُدْنِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحُرَّ الْمُكَلَّفَ الْقَادِرَ إِذَا وَجَدَ الزَّادَ، وَالرَّاحِلَةَ، وَأَمِنَ الطَّرِيقَ، يَلْزَمُهُ الْحَجُّ.
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ رُكُوبِ الْبَحْرِ إِذَا لَمْ

يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ غَيْرُهُ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَرْكَبِ الْبَحْرَ إِلا حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا».
وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ تَهْوِيلَ أَمْرِ الْبَحْرِ، وَخَوْفَ الْهَلاكِ مِنْهُ، كَمَا يَخَافُ مِنْ مُلامَسَةِ النَّارِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلا يُبَيِّنُ لِي أَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ رُكُوبَ الْبَحْرِ لِلْحَجِّ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ الْعُمْرَةِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى وُجُوبِهَا كَوُجُوبِ الْحَجِّ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [الْبَقَرَة: 196]، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

بَابُ حَجِّ النِّسَاءِ

1848 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُسَدَّدٌ، نَا خَالِدٌ، نَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «وَلَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ إِسْحَاقَ: عَن عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ،.
. .، قَالَ: «جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ»

بَابُ الْمَرْأَةِ لَا تَخْرُجُ إِلا مَعَ مَحْرَمٍ

1849 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
حَ وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ»، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوةِ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّ امْرَأَتِي انْطَلَقَتْ حَاجَّةً؟ فَقَالَ: «انْطَلِقْ فَاحْجُجْ بِامْرَأَتِكَ».

هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ 1850 - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ الزِّيَادِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ، أَنا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ سَفَرًا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَصَاعِدًا إِلا مَعَ ابْنِهَا، أَوْ أَبِيهَا، أَوْ أَخِيهَا، أَوْ زَوْجِهَا، أَوْ ذِي مَحْرَمٍ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ 1851 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ،

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، هَكَذَا عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ آدَمَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَلْزَمُهَا الْحَجُّ إِذَا لَمْ تَجِدْ رَجُلا ذَا مَحْرَمٍ يَخْرُجُ مَعَهَا، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهَا الْخُرُوجُ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ النِّسَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ.

وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَذِنَ لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ.
أَمَّا الْكَافِرَةُ إِذَا أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوِ الأَسِيرَةُ الْمُسْلِمَةُ إِذَا تَخَلَّصَتْ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ، فَيَلْزَمُهَا الْخُرُوجُ مِنْ بَيْنِهِمْ بِلا مَحْرَمٍ، وَإِنْ كَانَتْ وَحْدَهَا إِذَا اجْتَرَأَتْ، وَلَمْ تَخَفِ الْوِحْدَةَ.

بَابُ حَجِّ الصَّبِيِّ

قَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: حَجِّ بِي أَبِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ.
1852 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
حَ وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَفَلَ، فَلَمَّا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ، لَقِيَ رَكْبًا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟»، فَقَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَمَنِ الْقَوْمُ؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا مِنْ مَحَفَّةٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ

1853 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهِيَ فِي مَحِفَّتِهَا، فَقِيلَ لَهَا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَتْ بِعَضُدِ صَبِيٍّ كَانَ مَعَهَا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ لَهُ حَجٌّ مِنْ نَاحِيَةِ الْفَضِيلَةِ، وَإِنْ لَمْ يُحْسَبْ عَنِ الْفَرْضِ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى أَنَّهُ لَا حَجَّ لِلصَّبِيِّ، وَالسُّنَّةُ أَوْلَى مَا اتُّبِعَ.
وَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: حُجَّ بِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ الصَّبِيُّ يَعْقِلُ عَقْلَ مِثْلِهِ يُحْرِمُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْقِلُ عَقْلَ مثْلِهِ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَيُجَرَّدُ، وَيُمْنَعُ الطِّيبُ، وَمَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْكَبِيرُ.
ثُمَّ إِنْ لَمْ يَطِقِ الْمَشْيَ يُطَافُ بِهِ مَحْمُولا، وَكَذَلِكَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَيَرْمِي عَنْهُ وَلِيُّهُ إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ بِنَفْسِهِ.
وَحُكْمُ الْمَجْنُونِ حُكْمُ الصَّبِيِّ.
وَإِذَا ارْتَكَبَ الصَّبِيُّ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ، تَجِبُ الْفِدْيَةُ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ أَحْرَمَ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ وَلِيُّهُ،

فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّهَا تَجِبُ فِي مَالِ الْوَلِيِّ، أَوْ فِي مَالِ الصَّبِيِّ.
وَلَوْ حَجَّ صَبِيٌّ، ثُمَّ بَلَغَ، لَا يَكُونُ حَجُّهُ مَحْسُوبًا عَنْ فَرْضِ الإِسْلامِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إِذَا حَجَّ، ثُمَّ عُتِقَ، فَلَوْ بَلَغَ، أَوْ عُتِقَ بَعْدَ الإِحْرَامِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ، يُحْسَبُ عَنْ فَرْضِ الإِسْلامِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّمَا مَمْلُوكٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ، فَقَدْ قَضَى حَجَّهُ، وَإِنْ عُتِقَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، فَلْيَحُجَّ، وَأَيُّمَا غُلامٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ، فَقَدْ قَضَى حَجَّهُ، وَإِنْ بَلَغَ فَلْيَحْجُجْ ".

بَابُ النِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ عَنِ الْحَيِّ الْعَاجِزِ وَعَنِ الْمَيِّتِ

1854 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصَعْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمٍ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ، أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، وذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ مِنْ فَرَائِضِ الإِسْلامِ كَالصَّلاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالأُمَّةُ مُجْمِعُونَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمرَان: 97].
وَالْحَجُّ فَرْضُ الْعُمْرِ، لَا يَجِبُ فِي الْعُمْرِ إِلا مَرَّةً وَاحِدَةً، إِلا أَنْ يَنْذِرَ، فَيُلْزَمُ بِالنَّذْرِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ»، فَقَامَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا، وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا، الْحَجُّ مَرَّةً، فَمَنْ زَادَ فَتَطَوُّعٌ».
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ إِذَا كَانَ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ عَاجِزًا عَنْ أَدَائِهِ بِنَفْسِهِ، بِأَنْ كَانَ مَيِّتًا، أَوْ حَيًّا بِهِ عِلَّةٌ لَا يُرْجَى زَوَالُهَا مِنْ زَمَانَةٍ، أَوْ كِبَرٍ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الْحَجَّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَجَّ عَنِ الْحَيِّ الْعَاجِزِ، وَيَجُوزُ عَنِ الْمَيِّتِ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّمَا

يُحَجُّ عَنِ الْمَيِّتِ إِذَا أَوْصَى بِهِ، وَإذَا أَوْصَى يُقْضَى مِنَ الثُّلُثِ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَيُرْوَى عَنِ النَّخَعِيِّ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزَّمِنَ يَلْزَمُهُ فَرْضُ الْحَجِّ.
لأَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا.
تُرِيدُ أَسْلَمَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: إِذَا كَانَ لِلزَّمِنِ مَالٌ يَسْتَأْجِرُ بِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَبَذَلَ لَهُ بَعْضُ أَوْلادُهُ الطَّاعَةَ لِلْحَجِّ عَنْهُ، لَزِمَهُ فَرْضُ الْحَجِّ؛ لأَنَّ الْمَرْأَةَ أَخْبَرَتْ بِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى أَبِيهَا، وَوُجُوبُهُ يَكُونُ بِأَحَدِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ إِمَّا بِالْمَالِ، أَوْ بِقُوَّةِ الْبَدَنِ، أَوْ بِبَذْلِ طَاعَةٍ مِنْ ذِي قُوَّةٍ، فَعَجْزُهُ بِالْبَدَنِ كَانَ ظَاهِرًا، وَلَمْ يَجْرِ لِلْمَالِ ذِكْرٌ، إِنَّمَا جَرَى ذِكْرُ طَاعَتِهَا، وبَذْلُهَا نَفْسَهَا، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ تَعَلَّقَ بِهَا، وَحَصَلَ بِهَا الاسْتِطَاعَةُ كَمَا يُقَالُ فِي عُرْفِ اللِّسَانِ: فُلانٌ مُسْتَطِيعٌ لأَنْ يَبْنِيَ دَارَهُ إِذَا كَانَ يَجِدُ مَنْ يُطِيعُهُ فِي بِنَائِهَا، أَوْ يَقْدِرُ عَلَى مَالٍ يُنْفَقُ فِيهِ، كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الزَّمِنِ ابْتِدَاءً، وَعِنْدَ مَالِكٍ إِذَا زَمِنَ بَعْدَ الْوُجُوبِ يَسْقُطُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَسْقُطُ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى الْوُجُوبِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَجَّ الْمَرْأَةِ عَنِ الرَّجُلِ يَجُوزُ، وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لأَنَّ الْمَرْأَةَ تَلْبَسُ فِي الإِحْرَامِ مَا لَا يَلْبَسُهُ الرَّجُلُ، فَلا يَحُجُّ عَنْهُ إِلا رَجُلٌ مِثْلُهُ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَلا الظَّعْنَ، قَالَ: «حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ».
1855 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا آدَمُ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ كانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاقْضِ اللَّهَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ

قَالَ الإِمَامُ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَفِي ذِمَّتِهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ حَجٍّ، أَوْ كَفَّارَةٍ، أَوْ نَذْرِ صَدَقَةٍ، أَوْ زَكَاةٍ، أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاؤُهَا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْوَصَايَا، وَالْمِيرَاثِ، سَوَاءٌ أَوْصَى بِهِ، أَوْ لَمْ يُوصِ، كَمَا يَقْضِي عَنْهُ دُيُونَ الْعِبَادِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَقْضِي إِلا بِوَصِيَّةٍ، فَإِذَا أَوْصَى يَقْضِي مِنْ ثُلُثِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْوَصَايَا.

بَابٌ: الصَّرُورَةُ لَا يَحُجُّ عَنِ الْغَيْرِ

1856 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
حَ وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: " سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَجُلا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَا شُبْرُمَةُ؟ قَالَ: فَذَكَرَ قَرَابَةً لَهُ، فَقَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاحْجُجْ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ احْجُجْ عَنْ شُبْرُمَةَ ". وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ 9، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ، وَخَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: «فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ احْجُجْ عَنْ شُبْرُمَةَ».
وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: عَزْرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُزَاعِيُّ يَرْوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ سَمِعَ مِنْهُ قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلا، يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟»، قَالَ: أَخٌ لِي: أَوْ قَرِيبٌ لِي،

فَقَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» قَالَ الإِمَامُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّرُورَةَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى عَنِ الرَّجُلِ لَمْ يَحُجَّ، أَيَسْتَقْرِضُ الْحَجَّ؟ فَقَالَ: لَا، وَهُوَ قَوْلُ الأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
وَفِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِحْرَامَ الصَّرُورَةَ عَنْ غَيْرِهِ يَنْقَلِبُ عَنْ فَرْضِ نَفْسِهِ، وَهُوَ قَوْلُ هَؤُلاءِ.

وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلصَّرُورَةِ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْغَيْرِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَلَوْ أَحْرَمَ بِحَجِّ التَّطَوُّعِ، وَعَلَيْهِ فَرْضُ الْحَجِّ، يَقَعُ عَنْ فَرْضِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الإِسْلامِ وَقَدْ نَذَرَ حَجًّا، فَأَحْرَمَ عَنِ النَّذْرِ، يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الإِسْلامِ، ثُمَّ بَعْدَهُ لَوْ أَحْرَمَ عَنِ التَّطَوُّعِ، يَقَعُ عَنِ النَّذْرِ.
قَالَ زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي نَذَرْتُ الْحَجَّ إِلَى الْبَيْتِ، وَلَمْ أَحُجَّ حَجَّةَ الإِسْلامِ، فَقَالَ: هَذِهِ حَجَّةُ الإِسْلامِ وَفِّي بِنَذْرِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَصِحُّ التَّطَوُّعُ بِالْحَجِّ، وَالْفَرْضُ فِي ذِمَّتِهِ، وَقَالُوا: حَجُّهُ عَلَى مَا نَوَى، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَالنَّخَعِيِّ.

بَابُ أَشْهُرِ الْحَجِّ

قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [الْبَقَرَة: 197] الْآيَةَ.
1857 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
حَ وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: نَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: " أَسَمِعْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يُسَمِّي أَشْهُرَ الْحَجِّ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كَانَ يُسَمِّي شَوَّالا، وَذَا الْقَعْدَةِ، وَذَا الْحِجَّةِ، قُلْتُ لِنَافِعٍ: فَإِنْ أَهَلَّ إِنْسَانٌ بِالْحَجِّ قَبْلَهُنَّ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا " وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحجَّةِ.

قَالَ الإِمَامُ: أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَتِسْعٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ دُخُولِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا يَنْعَقِدُ حَجًّا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ جَابِرٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ: يَكُونُ عُمْرَةً، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرَمَ بِالْحَجِّ إِلا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ.
أَمَّا الْعُمْرَةُ، فَجَمِيعُ أَيَّامِ السَّنَةِ وَقْتٌ لَهَا إِلا أَنْ يَكُونَ مُتَلَبِّسًا بِالْحَجِّ، وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا حَمَّمَ رَأْسَهُ، خَرَجَ فَاعْتَمَرَ.
يُقَالُ: حَمَّمَ رَأْسُ فُلانٍ بَعْدَ الْحَلْقِ، إِذَا اسْوَدَّ، وَحَمَّمَ الْفَرْخُ: إِذَا شَوَّكَ، وَهُوَ بَعْدُ التَّزْغِيبِ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: فِي كُلِّ شَهْرٍ عُمْرَةٌ.

بَابُ الْمَوَاقِيتِ

1858 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ»، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ

1859 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُسَدَّدٌ، نَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَهْلِ الْمَدينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ، فَمهله مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا».

هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَغَيْرِهِمَا، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَالْمُرَادُ مِنَ الإِهْلالِ: التَّلْبِيَةُ وَالإِحْرَامُ، وَأَصْلُ الإِهْلالِ: رَفْعُ الصَّوْتِ، وَكُلُّ رَافِعٍ صَوْتَهُ: مُهِلٌّ.
1860 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبَوُ الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
حَ وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، نَا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا مُسْلِمٌ، وَسَعِيدٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنِ الْمَهَلِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُهُ، ثُمَّ انْتَهَى أَرَاهُ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ».

هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنِ الْمَهَلِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ، أَحْسَبُهُ رُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ.

وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ.
قَالَ الإِمَامُ: الْعَقِيقُ مَوْضِعٌ يُقَالُ قُبَيْلَ ذَاتِ عِرْقٍ، فَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُحْرِمَ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنَ الْعَقِيقِ، فَإِنْ أَحْرَمُوا مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، أَجْزَأَهُمْ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَلْ بَيَّنَ لأَهْلِ الْمَشْرِقِ مِيقَاتًا أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَدَّ لَهُمْ كَمَا رَوَيْنَا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَقِّتْ لَهُمْ شَيْئًا، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، لأَنَّ فَتْحَ الْعِرَاقِ كَانَ بَعْدَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ ذَاتَ عِرْقٍ مِيقَاتًا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَدَّهَا لَهُمْ عَلَى مُوَازَاةِ قَرْنٍ لأَهْلِ نَجْدٍ.
1861 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ

النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ، وَهُو جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنَ، شَقَّ عَلَيْنَا، قَالَ: «فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ»، فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ قَالَ الإِمَامُ: هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ حَدٌّ، لِئَلا يَتَعَدَّاهَا مَنْ أَتَى عَلَيْهَا مُرِيدًا لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، إِلا مُحْرِمًا، فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمِيقَاتَ، جَازَ، بِخِلافِ مَا لَوْ قَدَّمَ الصَّلاةَ عَلَى مِيقَاتِ الزَّمَانِ لَا يَصِحُّ.
وَلَوْ أَتَى عَلَيْهَا يُرِيدُ النُّسُكَ، فَلَمْ يُحْرِمْ حَتَّى جَاوَزَ، ثُمَّ أَحْرَمَ، يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ، وَيَصِحُّ نُسُكُهُ، وَعَلَيْهِ دَمُ شَاةٍ، فَلَوْ عَادَ إِلَى الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا، يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ.
وَلَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُرِيدٍ لِلنُّسُكِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُحْرِمَ، فَلْيُحْرِمْ مِنْ حَيْثُ بَدَا لَهُ، وَلا دَمَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.
وَذَهَبَ الأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ إِلَى أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا إِلا أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمِيقَاتِ، وَلَوْ جَاءَ الْمَدَنِيُّ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ، فَمِيقَاتُهُ الْجُحْفَةُ، وَكَذَلِكَ الْيَمَانِيُّ إِذَا أَتَى مِنْ نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ، فَمِيقَاتُهُ

مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، لِقَوْلِهِ: «فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ».
وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ، فَيُحْرِمُ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَإِذَا أَرَادَ الْمَكِّيُّ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ، فَيُحْرِمُ فِي عُمْرَانَاتِ مَكَّةَ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَرَادَ الْقِرَانَ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ، فَخَرَجَ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ، فَيُحْرِمُ، وَهُوَ مِيقَاتُهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأُحِبُّ أَنْ يَعْتَمِرَ مِنَ الْجُعْرَانَةِ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ مِنْهَا، يَعْنِي: عَامَ حُنَيْنٍ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ فَمِنَ التَّنْعِيمِ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ أَخْطَأَهُ فَمِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ الْمَدْخَلَ لِعُمْرَتِهِ مِنْهَا.
قَالَ الإِمَامُ: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي كَرَاهِيَةِ تَقْدِيمِ الإِحْرَامِ عَلَى الْمِيقَاتِ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى جَوَازِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكْرَهْهُ، بَلِ اسْتَحَبَّهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ»،

وَقَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ أَهَلَّ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَسُئِلَ عَلِيٌّ، عَنْ تَمَامِ الْعُمْرَةِ، قَالَ: أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ.
وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ: الْحَسَنُ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَمَالِكٌ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنْكَرَ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ إِحْرَامَهُ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مَنْ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ مَا يُفْسَدُ بِهِ إِحْرَامُهُ، أَوْ يحرجه لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: وَجْهُ الْعَمَلِ الْمَوَاقِيتُ، وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ.

جارٍ التحميل