كِتَابُ الْحَجِّ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البغوي ، أبو محمد
- الكتاب
- شرح السنة
- المؤلف
- محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1403هـ - 1983م
- عدد الأجزاء
- 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُ الْخِمَارِ، وَالْقَمِيصِ، وَالسَّرَاوِيلِ، وَالْخُفِّ، وَلا شَيْءَ عَلَيْهَا، سُئِلَتْ عَائِشَةُ: مَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ فِي إِحْرَامِهَا؟ قَالَتْ: تَلْبَسُ مِنْ خِزِّهَا، وَقَزِّهَا، وَأَصْبَاغِهَا، وَحُلِيِّهَا.
وَلا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الْمُحْرِمِ لُبْسُ الْخُفِّ، بَلْ يَلْبَسُ النَّعْلَيْنِ، فَلَوْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ وَمَعَهُ خُفَّانِ يَقْطَعُهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، فَيَجْعَلُهُمَا كَالْمُكَعَّبِ، ثُمَّ يَلْبَسُهُمَا، فَلَوْ لَبِسَ قَبْلَ الْقَطْعِ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ لَوْ لَبِسَ الْخُفَّ الْمَقْطُوعَ، أَوِ الْمُكَعَّبِ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِ الْفِدْيَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ إِلا عِنْدَ عُدْمِ النَّعْلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّعْلِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِقَطْعِ الْخُفِّ عِنْدَ عُدْمِ النَّعْلِ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ يَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ، وَلا يَقْطَعُهُمَا، لِأَنَّ فِي قَطْعِهِمَا فَسَادًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ قَطْعِ الْخُفَّيْنِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ
صَحِيحٌ، وَفِيهِ أَمْرٌ بِقَطْعِ الْخُفَّيْنِ، وَلا فَسَادَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ، أَوْ أَذِنَ فِيهِ، إِنَّمَا الْفَسَادُ فِيمَا نَهَتْ عَنْهُ الشَّرِيعَةُ، وَلَيْسَ عَلَى الْعِبَادِ فِي أَمْرِ الشَّرِيعَةِ إِلا الاتِّبَاعُ.
وَلا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُ السَّرَاوِيلَ مَعَ وُجُودِ الإِزَارِ، فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ يَجُوزُ لَهُ لُبْسُ السَّرَاوِيلَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، لِأَنَّ مُطْلَقَ الإِذْنِ فِي لِبْسِ السَّرَاوِيلِ يُوجِبُ الإِبَاحَةِ بِلا فِدْيَةٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَيُحْكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَفْتِقُ السَّرَاوِيلَ، وَيَتَزَرُّ بِهِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ مُطْلَقَ لُبْسِ السَّرَاوِيلِ يُحْمَلُ عَلَى اللُّبْسِ الْمَعْهُودِ دُونَ الاتِّزَارِ بِهِ.
قَالَ الإِمَامُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «وَلا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ»، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ عَنِ الطِّيبِ فِي بَدَنِهِ، وَثِيَابِهِ، رَجُلا كَانَ أَوِ امْرَأَةً، وَلا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ طَعَامٍ فِيهِ طِيبٌ ظَاهِرٌ، فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
وَلَوْ شَمَّ شَيْئًا مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ مِمَّا يُعَدُّ طِيبًا، كَالْوَرْدِ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَالْوَرْسِ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَلا شَيْءَ فِي الثِّمَارِ الَّتِي لَهَا رَائِحَةٌ كَالسَّفَرْجَلِ، وَالتُّفَّاحِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْأُتْرُجِّ، شَمَّهَا أَوْ أَكَلَهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّيْحَانِ، سُئِلَ عُثْمَانُ عَنِ الْمُحْرِمِ، هَلْ يَدْخُلُ الْبُسْتَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَشُمُّ الرَّيْحَانَ، وَقَالَ جَابِرٌ: لَا يَشُمُّ.
وَالْعُصْفُرُ لَيْسَ بِطِيبٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ.
وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ الثِّيَابَ
الْمُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: هُوَ طِيبٌ تَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ.
وَلَوْ دَهَنَ الْمُحْرِمُ شَعْرَ رَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ بِأَيِّ دُهْنٍ كَانَ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، فَإِنْ دَهَنَ جَسَدَهُ، فَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إِلا أَنْ يَكُونَ فِيهِ طِيبٌ
1977 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّحَّانُ، أَنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشٍ، أَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنا أَبُو عُبَيْدٍ، حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، أَوْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «أَنَّهُ ادَّهَنَ بِزَيْتٍ غَيْرِ مُقَتَّتٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ».
وَالْمُقَتَّتُ: الْمُطَيَّبُ.
وَرَوَاهُ أَبُو عِيسَى، عَنْ هَنَّادِ بْنِ السُّرِّيِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ حَمَّاد، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَر، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَشُمُّ الْمُحْرِمُ الرَّيْحَانَ، وَيَنْظُرُ فِي الْمَرْآةِ، وَيَتَدَاوَى
بِمَا يَأْكُلُ الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ إِذَا ادَّهَنَ جَسَدَهُ.
وَلا بَأْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَكْتَحِلَ بِكُحْلٍ لَا طِيبَ فِيهِ مِنْ رَمَدٍ وَغَيْرِهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَإِنِ اكْتَحَلَ بِمَا فِيهِ طِيبٌ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَكَرِهَ الإِثْمِدَ لِلْمُحْرِمِ سُفْيَانُ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَرَوَى أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّجُلِ إِذَا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، ضَمَدَهُمَا بِالصَّبْرِ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَمِدَ وَهُوَ مُحْرِمٌ أَقْطَرَ فِي عَيْنَيْهِ الصَّبْرَ إِقْطَارًا
بَابُ مَنْ أَحْرَمَ فِي ثِيَابِهِ
1978 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ.
حَ وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، وَعَلَيْهِ مُقَطَّعَةٌ يَعْنِي: جُبَّةً، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ وَهَذِهِ عَلَيَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا كُنْتُ تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ؟»، قَالَ: كُنْتُ أَنْزَعُ هَذِهِ الْمُقَطَّعَةَ، وَأَغْسِلُ هَذَا الْخَلُوقَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَمَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ، فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ
سُفْيَانَ، وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَطَاءٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَحْرَمَ فِي قَمِيصٍ، أَوْجَبَهُ، لَا يُمَزَّقُ عَلَيْهِ، بَلْ إِنْ نَزَعَهُ فِي الْحَالِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَحُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: يَشُقُّهُ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ يُمَزَّقُ عَلَيْهِ، وَالسُّنَّةُ بِخِلافِهِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا لَبِسَ، أَوْ تَطَيَّبَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلا، فَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الرَّجُلَ السَّائِلَ كَانَ جَاهِلا بِالْحُكْمِ، قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالإِسْلامِ، وَلَمْ يَأْمُرُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفِدْيَةِ، وَالنَّاسِي فِي مَعْنَى الْجَاهِلِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، أَمَّا مَا كَانَ مِنْ بَابِ الإِتْلافَاتِ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ كَالْحَلْقِ، وَالْقَلْمِ، وَقَتْلِ الصَّيْدِ، فَلا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الْعَامِدِ، وَالنَّاسِي، وَالْجَاهِلِ، فِي لُزُومِ الْفِدْيَةِ، وَاخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِي جِمَاعِ النَّاسِي هَلْ يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَهَلْ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ أَمْ لَا؟.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ نَاسِيًا، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالنَّاسِي فِي شَيْءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ، أَنَّهُ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ.
وَلَوْ لَبِسَ الْمَخِيطَ، أَوِ الْخُفِّ لِشِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، أَوْ لَبِسَ السِّلاحَ لِخَوْفٍ، فَجَائِزٌ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَقَدْ يُحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لَا يُجَوِّزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَطَيَّبَ قَبْلَ الإِحْرَامِ بِمَا يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ الإِحْرَامِ، فَإِنَّهُ لَمَّا أُخْبِرَ بِغَسْلِ
الْخَلُوقِ، لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «انْزَعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ عَنْكَ الصُّفْرَةَ»، وَمَنْ أَبَاحَ التَّطَيُّبَ لِلْإِحْرَامِ، قَالَ: لَمْ يَأْمُرْهُ بِغَسْلِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اسْتِدَامَةَ الطِّيبِ بَعْدَ الإِحْرَامِ حَرَامٌ، لَكِنْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ التَّضَمُّخَ بِالزَّعْفَرَانِ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ فِي حَالَتَيْ حُرْمِهِ وَحِلِّهِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ.
وَقَوْلُهُ: «فَمَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ»، يُرِيدُ اجْتِنَابَ النِّسَاءِ، وَالطِّيبِ، وَاللِّبَاسَ دُونَ أَعْمَالِ النُّسُكِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعُمْرَةِ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ مَعَ تَوَابِعِهِ.
وَمَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ مِثْلَ أَنْ لَبِسَ، وَتَطَيَّبَ، وَحَلَقَ، وَقَلَّمَ، تَتَعَدَّدُ الْفِدْيَةُ عَلَيْهِ، وَإِنِ اتَّفَقَ الْجِنْسُ مِثْلَ أَنْ لَبِسَ عِمَامَةً، وَقَمِيصًا، وَخُفًّا، أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ وَشَعْرَ بَدَنِهِ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ تَتَعَدَّدُ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ فَعَلَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ عِكْرِمَةُ: إِذَا خَشِيَ الْعَدُوَّ لَبِسَ السِّلاحَ، وَافْتَدَى، وَلَمْ يُتَابِعْ عَلَيْهِ فِي الْفِدْيَةِ.
بَابُ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ
1979 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، أَخِي بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَأَبَانُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْحَاجِّ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ: إِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُنْكِحَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ ابْنَةَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَرَدْتُ أَنْ تَحْصُرَ ذَلِكَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَقَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلا يَخْطِبُ، وَلا يُنْكَحُ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ الإِمَامُ: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي نِكَاحِ الْمُحْرِمِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ نِكَاحَ الْمُحْرِمِ فَاسِدٌ، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ مُحْرِمًا، أَوِ الْمَرْأَةِ، أَوِ الْوَلِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ،
وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إِذَا نَكَحَ الْمُحْرِمُ يُفْسَخُ بِطَلْقَةٍ.
وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ نِكَاحَ الْمُحْرِمِ صَحِيحٌ، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا
1980 - أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نَا الْمُغِيرَةُ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ».
أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ عَبْدِ الْقُدُّوسِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَأَخْرَجَهُ جَمِيعًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ عِكْرِمَةُ أَيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَزَوُّجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَيْمُونَةَ، لِأَنَّهُ نَكَحَهَا فِي طَرِيقِ مَكَّةَ عَامَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، فَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ نَكَحَهَا مُحْرِمًا، حُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ: وَهِمَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا حَلالا، فَظَهَرَ أَمْرُ تَزْوِيجِهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ،
ثُمَّ بَنَى بِهَا وَهُوَ حَلالٌ بِسَرِفَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَمَاتَتْ مَيْمُونَةُ بِسَرِفَ حَيْثُ بَنَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدُفِنَتْ بِسَرِفَ.
وَالَّذِي يُؤَكِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: تَزَّوَجَهَا حَلالا، مَا
1981 - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ الزِّيَادِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الدَّارَابَجُرْدِيُّ، نَا أَبُو نُعَيْمٍ، نَا حَمَّادٌ، هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَيْمُونَةَ حَلالا، وَبَنَى بِهَا حَلالا، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولُ بَيْنَهُمَا».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ، مُرْسَلا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «بَعَثَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلاهُ، وَرَجُلا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَزَوَّجَاهُ مَيْمُونَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ».
وَصَحَّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ ابْنِ أُخْتِ مَيْمُونَةَ، عَنْ مَيْمُونَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلالٌ، وَبَنَى بِهَا حَلالًا، وَمَاتَتْ بِسَرِفَ، وَدَفَنَّاهَا فِي الظُّلَّةِ الَّتِي بَنَى بِهَا فِيهَا.
وَأَمَّا الْمُرَاجَعَةُ لِلْمُحْرِمِ، فَجَوَّزُوا جَمِيعًا.
بَابُ اغْتِسَالِ الْمُحْرِمِ
1982 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، " أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، فَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ، وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ قَالَ: فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأَسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ: يُرِيدُ الْعَمُودَيْنِ اللَّذَيْنِ فِيهِمَا الْخَشَبَةُ الَّتِي يُعَلِّقُ عَلَيْهَا الْبَكَرَةَ، وَيُقَالُ: قَرْنَا الْبِئْرِ: مَنَارَتَانِ تَبْنِيَانِ مِنْ حِجَارَةٍ، أَوْ مَدَرٍ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ مِنْ جَانِبَيْهَا، فَإِنْ كَانَتَا مِنْ خَشَبٍ، فَهُمَا زُرْنُوقَانِ.
قَالَ الإِمَامُ: يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ الاغْتِسَالُ، وَدُخُولُ الْحَمَّامِ، وَدُخُولِ الْمَاءِ، وَتَغْيِيبُ رَأْسِهِ فِيهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، رَوَى عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رُبَّمَا قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: تَعَالَ أُبَاقِيكَ فِي الْمَاءِ أَيُّنَا أَطْوَلُ نَفَسًا، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ.
وَدَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ حَمَّامًا بِالْجُحْفَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَقَالَ: مَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِأَوْسَاخِنَا شَيْئًا.
وَقَالَ جَابِرٌ: الْمُحْرِمُ يَغْتَسِلُ وَيَغْسِلُ ثَوْبَهُ إِنْ شَاءَ، حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُغَيِّبَ رَأْسَهُ فِي الْمَاءِ، لَعَلَّهُ شَبَّهَهُ بِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ بِالثِّيَابِ، وَالْعَامَّةُ عَلَى خِلافِهِ.
وَلَوْ حَلَقَ الْمُحْرِمُ ثَلاثَ شُعُورٍ مِنْ جَسَدِهِ، أَوْ رَأْسِهِ، أَوْ نَتَفَ، فَعَلَيْهِ دَمُ شَاةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَلَّمَ ثَلاثَةَ أَظَافِيرَ، فَفِي وَاحِدٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَفِي اثْنَيْنِ مُدَّانِ، وَقِيلَ: فِي وَاحِدٍ ثُلُثُ شَاةٍ، وَفِي اثْنَيْنِ ثُلُثَا شَاةٍ، وَقِيلَ: فِي وَاحِدٍ دِرْهَمٌ، وَفِي اثْنَيْنِ دِرْهَمَانِ، ثُمَّ فِي الثَّلاثَةِ شَاةٌ عَلَى مَا وَصَفْنَا فِي تَرْكِ الرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى.
وَلَوْ حَلَقَ مُحْرِمٌ شَعْرَ حَلالٍ، فَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ، فَأَوْجَبَهَا بَعْضُهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَمْ يُوجِبْهَا بَعْضُهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ خُصَيْفٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدٍ، فِي الْمُحْرِمِ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِ الْحَلالِ: قَالَ أَحَدُهُمَا: لَيْسَ شَيْءٌ، وَقَالَ الْأَخَرُ: يَهْدِي.
فَأَمَّا الْحَلالُ إِذَا حَلَقَ شَعْرَ مُحْرِمٍ تَجِبُ الْفِدْيَةُ، ثُمَّ إِنْ فَعَلَ بِأَمْرِ الْمُحْرِمِ، فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ أَمْرِهِ، فَعَلَى الْحَالِقِ، وَقِيلَ: فَدَى الْمُحْرِمُ، ثُمَّ رَجَعَ عَلَى الْحَالِقِ.
قَالَ مَالِكٌ: الْمُحْرِمُ لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ، وَلا يَقْتُلَ قَمْلَةً، وَلا يَطْرَحَهَا مِنْ رَأْسِهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَلا مِنْ جِلْدِهِ، وَلا مِنْ ثَوْبِهِ، فَإِنْ طَرَحَهَا، فَلْيُطْعِمْ حِفْنَةً مِنْ طَعَامٍ.
بَابُ حِجَامَةِ الْمُحْرِمِ
1983 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ مُسَدَّدٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرُهُ جَمِيعًا، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
1984 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُحَيْنَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «احْتَجَمَ بِلَحْيِ جَمَلٍ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلالٍ.
وَرَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: مِنْ شُقَيْقَةٍ كَانَتْ بِهِ.
قَالَ الإِمَامُ: قَدْ رَخَّصَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْطَعَ شَعْرًا، فَإِنْ قَطَعَ شَعْرًا، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْتَجِمُ الْمُحْرِمُ إِلا مِنْ ضَرُورَةٍ، وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَبُطَّ الْجَرْحَ، وَيَفْقَأَ الدُّمَّلَ، وَيَقْطَعَ الْعِرْقَ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: عَلَى الْمُحْتَجِمِ دَمٌ.
1985 - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُلْقَابَاذِيُّ، نَا السَّيِّدُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحُسَنِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ دِلَّوَيْهِ الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ أَحْمَدُ الْأَزْهَرُ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ»
وَسُئِلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ ظُفْرٍ انْكَسَرَ لِمُحْرِمٍ؟ قَالَ: اقْطَعْهُ.
وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ فِي الْمَرْآةِ لِشَكْوًى كَانَتْ بِعَيْنَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنِ الْمُحْرِمِ أَيَحُكُّ جَسَدَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَلْيَحْكُكْ وَلْيَشْدُدْ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِالْحَكِّ بَأْسًا.
بَابُ الْمُحْرِمِ يَجْتَنِبُ الصَّيْدَ
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [الْمَائِدَة: 95] الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: حُرُمٌ جَمْعُ حَرَامٍ، يُقَالُ: رَجُلٌ مُحْرِمٌ وَحَرَامٌ وَحُرُمٌ، وَمُحِلٌّ وَحَلالٌ وَحِلٌّ، وَأَحْرَمَ الرَّجُلُ: إِذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَحْرَمَ: إِذَا دَخَلَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَكَذَلِكَ إِذَا دَخَلَ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ.
1986 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ، أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فِي وَجْهِهِ، قَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلا أَنَّا حُرُمٌ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ الصَّيْدِ إِذَا كَانَ حَيًّا، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ لَحْمِهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ شِرَاءُ الصَّيْدِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَجَوَّزَ أَبُو ثَوْرٍ شِرَاءَهُ.
بَابُ جَوَازِ أَكْلِ لَحْمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يُصَدْ لِأَجْلِهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ
1987 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ، تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ، فَأَبَوْا، فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ، فَأَبَوْا، فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ، فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَتَى بَعْضُهُمْ، فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا طُعْمَةٌ أَطْعَمَكَمُوهَا اللَّهُ».
وَبِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ فِي الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ، إِلا أَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَ مُحَمَّدٌ الْحَدِيثَيْنِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَأَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ: فَبَصُرَ أَصْحَابِي بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إِلَى بَعْضٍ، فَنَظَرْتُ، فَرَأَيْتُهُ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ الْفَرَسَ، فَطَعَنْتُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟»، قُلْنَا: مَعَنَا رِجْلُهُ، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَكَلَهَا.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا ضَحِكَ لِرُؤْيَةِ الصَّيْدِ، فَفَطِنَ الْحَلالُ، فَأَخَذَهُ وَذَبَحَهُ، يُحِلُّ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ.
1989 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ.
حَ وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ،
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ فِي الإِحْرَامِ حَلالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوا، أَوْ يُصَادَ لَكُمْ».
قَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَالْمُطَّلِبُ لَا نَعْرِفُ لَهُ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا: يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُ لَحْمِ الصَّيْدِ إِذَا لَمْ يَصْطَدْ لِنَفْسِهِ، وَلا اصْطِيدَ لِأَجْلِهِ، أَوْ بِأَمْرِهِ وَبِإِشَارَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنِ اصْطِيدَ لِأَجْلِهِ أَوْ بِإِشَارَتِهِ، فَلا يَحِلُّ لَهُ، وَيَحِلُّ لِغَيْرِهِ، رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْعَرْجِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، فَقَالُوا: أَوَلا تَأْكُلُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي.
وَإِلَيْهِ
ذَهَبَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ كَانَ يَتَزَوَّدُ صَفِيفَ الظِّبَاءِ فِي الإِحْرَامِ، وَأَرَادَ بِصَفِيفِ الظِّبَاءِ قَدِيدَهَا، يُقَالُ صَفَفْتُ اللَّحْمَ، أَصُفُّهُ صَفًّا.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ لَحْمَ الصَّيْدِ حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ بِكُلِّ حَالٍ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ، وَقَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ صَعْبِ بْنِ جُثَامَةَ، وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَ مَنْ أَبَاحَهُ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ إِنَّمَا رَدَّهُ عَلَيْهِ لِمَا ظَنَّ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ، فَتَرَكَهُ عَلَى التَّنَزُّهِ كَمَا رَوَيْنَا عَنْ عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَوْ أَنَّ مُحْرِمًا دَلَّ عَلَى صَيْدٍ، فَقَتَلَهُ الْمَدْلُولُ، لَا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِّ، وَقَدْ أَسَاءَ بِالدِّلالَةِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ عَلَى الدَّالِّ الْجَزَاءُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
بَابُ مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ مِنَ الْوَحْشِ
1990 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، والْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.
وَبِهَذَا الإِسْنَادِ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " خَمْسٌ قَتْلُهُنَّ حَلالٌ فِي الْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ ".
1991 - أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا ".
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِي».
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ فِي الْحَرَمِ.
قَالَ الإِمَامُ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ هَذِهِ الْأَعْيَانِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْخَبَرِ، وَلا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهَا إِلا مَا حُكِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ، أَنَّهُ
قَالَ: لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْفَأْرَةَ، وَلَمْ يُذْكرْ عَنْهُ فِيهِ فِدْيَةٌ، وَهُوَ خِلافُ النَّصِّ، وَأَقَاوِيلِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَاسَ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ كُلَّ سَبُعٍ ضَارٍّ، أَوْ عَادٍ يَعْدُو عَلَى النَّاسِ، وَعَلَى دَوَابِّهِمْ مِثْلَ الذِّئْبِ، وَالْأَسَدِ، وَالْفَهْدِ، وَالنَّمِرِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَنَحْوَهَا، وَقَاسَ عَلَيْهَا كُلَّ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَقَالَ: لَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ قَتَلَهَا فِي الإِحْرَامِ أَوِ الْحَرَمِ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَعْيَانٍ بَعْضُهَا سِبَاعٌ ضَارِيَةٌ، وَبَعْضُهَا هَوَامٌّ قَاتِلَةٌ، وَبَعْضُهَا طَيْرٌ لَا تَدْخُلُ فِي مَعْنَى السِّبَاعِ، وَلا هِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْهَوَامِّ، وَإِنَّمَا هُوَ حَيَوَانٌ مُسْتَخْبَثُ اللَّحْمِ، وَتَحْرِيمُ الْأَكْلِ يَجْمَعُ الْكُلِّ، فَاعْتَبَرَهُ، وَرَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ إِلا الْمُتَوَلِّدَ بَيْنَ الْمَأْكُولِ مِنَ الصَّيْدِ، وَغَيْرُ الْمَأْكُولِ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَيَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ، لِأَنَّ فِيهِ جُزْءًا مِنَ الْمَأْكُولِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَا عَقَرَ النَّاسَ، وَعَدَا عَلَيْهِمْ مِثْلَ الْأَسَدِ، وَالْفَهْدِ، وَالنَّمِرِ، وَالذِّئْبِ، فَهُوَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ السِّبَاعِ لَا يَعْدُو مِثْلَ الضَّبُعِ، وَالثَّعْلَبِ، وَالْهِرِّ، وَمَا أَشْبَهُهَا مِنَ السِّبَاعِ، فَلا يَقْتُلُهُنَّ الْمُحْرِمُ.
وَقَالَ: مَا ضَرَّ مِنَ الطَّيْرِ، فَلا يَقْتُلُهُ الْمُحْرِمُ إِلا مَا سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغُرَابَ، وَالْحِدَأَةَ، وَإِنْ قَتَلَ شَيْئًا سِوَاهُ مِنَ النُّسُورِ، وَالْعِقْبَانِ، وَالرَّخْمِ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَقَالَ لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْغُرَابَ الصَّغِيرَ، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ كُلُّ سَبُعٍ يَعْقِرُ، وَقَدْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلابِكَ»، فَافْتَرَسَهُ الْأَسَدُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ؟ فَذَكَرَ هَذِهِ الْخَمْسَةَ، قَالَ: «وَيَرْمِي الْغُرَابَ وَلا يَقْتُلُهُ»، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ
أَرَادَ بِهِ الْغُرَابَ الصَّغِيرَ الَّذِي يَأْكُلُ الْحَبَّ، وَكَانَ عَطَاءٌ يَرَى فِيهِ الْفِدْيَةُ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَلَمْ يُتَابِعُهُ عَلَى قَوْلِهِ أَحَدٌ.
وقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا جَزَاءَ بِقَتْلِ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَقَاسُوا عَلَيْهِ الذِّئْبَ، وَقَالُوا فِي غَيْرِهَا مِنَ الْفَهْدِ، وَالنَّمِرِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَجَمِيعِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهَا، إِلا أَنْ يَبْتَدِئَهُ شَيْءٌ مِنْهَا، فَدَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَتَلَهُ، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْزَعَ الْمُحْرِمُ حَلَمَةً، أَوْ قُرَادًا مِنْ بَعِيرِهِ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُقَرِّدُ بَعِيرًا وَهُوَ مُحْرِمٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَعْجَبُ إِلَيَّ.
وَرَوَى الْحُرُّ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ فِي الْقَمْلَةِ يَقْتُلُهَا الْمُحْرِمُ: يَتَصَدَّقُ بِكَسْرَةٍ أَوْ قَبْضَةٍ مِنْ طَعَامٍ.
وَلَوْ صَالَ صَيْدٌ عَلَى مُحْرِمٍ، فَقَتَلَهُ فِي الدَّفْعِ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ، قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ: مَنْ حَلَّ بِكَ، فَاحْلِلْ بِهِ، يَعْنِي: مَنْ عَرَضَ لَكَ، فَحَلَّ بِكَ، فَكُنْ أَنْتَ أَيْضًا بِهِ حَلالا.
بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [الْمَائِدَة: 95].
1992 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ.
حَ وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: " سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الضَّبُعِ: أَصَيْدٌ هِيَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: أَيُؤْكَلُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَابْنُ أَبِي عَمَّارٍ، هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْد، عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمَّار، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الضَّبُعِ؟ فَقَالَ: «هُوَ صَيْدٌ، وَيَجْعَلُ فِيهِ كَبْشًا إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ».
قَالَ الإِمَامُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي إِبَاحَةِ لَحْمِ الضَّبُعِ، فَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ الضَّبُعَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِبَاحَةُ لَحْمِ الضَّبُعِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ»، وَهَذَا عِنْدَ الْآخَرِينَ عَامٌّ خَصَّهُ حَدِيثُ جَابِرٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَرَاهِيَةِ لَحْمِ السَّبُعِ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ.
1993 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ «قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ، وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ، وَفِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ، وَفِي الْجَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ».
الْعَنَاقُ: الْأُنْثَى مِنْ أَوْلادِ الْمَعِزِ، وَالْجَفْرَةُ: الْأُنْثَى مِنْ أَوْلادِ الْمَعِزِ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، أَنَّهُ قَضَى فِي أُمِّ حُبَيْنِ بِحُلانٍ مِنَ الْغَنَمِ.
وَأُمُّ حُبَيْنِ: دُوَيْبَةٌ عَلَى خِلْقَةِ الْحَرْبَاءِ عَرِيضَةُ الْبَطْنِ، وَالْحَبَنُ: عِظَمُ الْبَطْنِ، وَالحُلانُ وَالحُلامُ: وَلَدُ الْمِعْزَى، وَيُقَالُ: الْحَلامُ: الْحَمَلُ.
وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ قَالَ: فِي بَقَرَةِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ، وَفِي الشَّاةِ مِنَ الظِّبَاءِ شَاةٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ فِي النَّعَامَةِ إِذَا قَتَلَهَا الْمُحْرِمُ بَدَنَةٌ، وَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَثَلَ الْمَجْهُولَ فِي الصَّيْدِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ، لَا مِنْ طَرِيقِ الْقِيمَةِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَعْيَانَ مِنَ الْغَنَمِ جَزَاءٌ لِمَا أَصَابَهُ مِنْ هَذِهِ الصُّيُودِ، سَوَاءٌ وَفَتْ بِقِيمَتِهَا، أَوْ لَمْ تَفِ بِهَا، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ مَوْكُولا إِلَى الاجْتِهَادِ، لِأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ بَدَلَهُ مُقَدَّرًا.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ الْمَثَلِ مِنَ النَّعَمِ: عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ حَكَمُوا فِي بُلْدَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَزْمَانٍ شَتَى بِالْمَثَلِ مِنَ النَّعَمِ، فَحَكَمَ حَاكِمُهُمْ فِي النَّعَامَةِ بِبَدَنَةٍ وَهِيَ لَا تُسَاوِي بَدَنَةً، وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ بِبَقَرَةٍ وَهِيَ لَا تُسَاوِي بَقَرَةً، وَفِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ وَهِيَ لَا تُسَاوِي كَبْشًا، فَدَلَّ أَنَّهُمْ نَظَرُوا إِلَى مَا يَقْرُبُ مِنَ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ شَبَهًا مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَفِي صِغَارِ أَوْلادِهَا صِغَارُ أَوْلادِ هَذِهِ.
وَإِذَا أَصَابَ صَيْدًا أَعْوَرَ، أَوْ مَكْسُورًا، فَدَاهُ مِثْلَهُ، وَالصَّحِيحُ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ شَيْءٍ فُدِيَ، فَفِي أَوْلادِهِ مِثْلَ مَا يَكُونُ فِي كِبَارِهِ، كَمَا أَنَّ دِيَةَ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ سَوَاءٌ.
وَلَوِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحْرِمِينَ فِي قَتْلِ صَيْدٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ إِلَى جَزَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ، كَمَا لَوْ قَتَلُوا رَجُلا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ هُوَ فِي الْجَزَاءِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ الْمِثْلَ مِنَ النَّعَمِ، فَيَتَصَدَّقُ بِلَحْمِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَوِّمَ الْمِثْلَ دَرَاهِمَ وَالدَّرَاهِمَ طَعَامًا، فَيَتَصَدَّقَ بِالطَّعَامِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، أَوْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنَ الطَّعَامِ يَوْمًا.
وَلَهُ أَنْ يَصُومَ حَيْثُ يَشَاءُ، لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ لِلْمَسَاكِينِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ لَمْ يُخْرِجِ الْمِثْلَ يُقَوِّمِ الصَّيْدَ، ثُمَّ يَجْعَلَ الْقِيمَةَ طَعَامًا، فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، أَوْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقَوِّمَ الصَّيْدَ، فَإِنْ شَاءَ، صَرَفَ قِيمَتَهَا إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعَمِ، وَإِنْ شَاءَ إِلَى الطَّعَامِ، فَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ بِنِصْفِ صَاعٍ مِنْ بِرٍّ، أَوْ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ شَاءَ، صَامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعِ بُرٍّ، أَوْ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ يَوْمًا، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ يُقَوِّمُ الصَّيْدَ دَرَاهِمَ، وَالدَّرَاهِمَ طَعَامًا، فَيَصُومُ بِكُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا.
رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ يُصِيبُهَا الْمُحْرِمُ: صَوْمُ يَوْمٍ، أَوْ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ، وَمِثْلُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ غُلامًا مِنْ قُرَيْشٍ قَتَلَ حَمَامَةً مِنْ حَمَامِ مَكَّةَ، فَأَمَرَ أَنْ يُفْدَى عَنْهُ بِشَاةٍ، وَمِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ فِي حَمَامِ مَكَّةَ.
وَالْحَمَامُ: كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْحَمَامِ مِنْ صَيْدِ الطَّيْرِ إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ، أَوْ فِي الْحَرَمِ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ يُصْرِفُهَا إِلَى الطَّعَامِ، فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَقِيلَ فِيمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الْحَمَامِ مِنْ عِظَامِ الطَّيْرِ كَالْكُرْكِيِّ، وَالْبَطِّ، وَالْحُبَارَى: شَاةٌ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ.
وَأَمَّا صَيْدُ الْبَحْرِ، فَحَلالٌ لِلْمُحْرِمِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [الْمَائِدَة: 96] الْآيَةَ.
وَكَذَلِكَ ذَبْحُ مَا لَيْسَ بِصَيْدٍ كَالنَّعَمِ، وَالدَّجَاجِ، وَالْخَيْلِ حَلالٌ لِلْمُحْرِمِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَرَادِ، فَرَخَّصَ فِيهِ قَوْمٌ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَصِيدَهَا وَيَأْكُلَهَا، وَقَالُوا: هِيَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَقَالَ: إِنْ هُوَ إِلا نَثْرَةَ حُوتٍ يَنْثُرُ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّتَيْنِ أَرَادَ بِنَثْرَةِ الْحُوتِ: عَطْسَتَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ غَرِيبٍ مَرْفُوعًا «الْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ».
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى تَحْرِيمِهَا عَلَى الْمُحْرِمِ، فَإِنْ أَصَابَهَا، فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ، رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي أَصَبْتُ جَرَادَاتٍ بِسَوْطِي وَأَنَا مُحْرِمٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَطْعِمْ قَبْضَةً مِنْ طَعَامٍ.
وَسَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ جَرَادَةٍ قَتَلَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ عُمَرُ لِكَعْبٍ: تَعَالَ نَحْكُمُ، فَقَالَ كَعْبٌ: دِرْهَمٌ، وَقَالَ عُمَرُ: إِنَّكَ لَتَجِدُ الدَّرَاهِمَ، لَتَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ.
بَابُ الْمُحْرِمِ إِذَا كَانَ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ يَحْلِقُ وَيَفْدِي
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [الْبَقَرَة: 196].
أَرَادَ بِالنُّسُكِ: ذَبْحَ الشَّاةِ، يُقَالُ: نَسَكَ يَنْسُكُ نُسُكًا، أَيْ: ذَبَحَ، وَالذَّبِيحَةُ نَسِيكَةٌ، وَجَمْعُهَا نُسُكٌ.
وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الْحَج: 67].
قِيلَ مَذْبَحًا، وَقِيلَ أَيْ: مَذْهَبًا مِنَ الطَّاعَةِ، يُقَالُ: نَسَكَ نُسْكَ قَوْمِهِ، أَيْ: ذَهَبَ مَذْهَبَهُمْ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [الْبَقَرَة: 128]، أَيْ: عَرِّفْنَا مُتَعَبَّدَاتِنَا، وَكُلُّ مُتَعَبَّدٍ مَنْسَكٌ.
ثُمَّ سُمِّيَ أُمُورُ الْحَجِّ مَنَاسِكَ، وَالنُّسُكُ: الطَّاعَةُ وَالْعِبَادَةُ.
1994 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، نَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: نَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لَهُ: «لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟»، قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ بِشاةٍ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَأَيُّوبَ، وَحُمَيْدٍ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ، وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ، وَالْقَمْلُ يَتَهَافَتُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " فَاحْلِقْ رَأْسَكَ، وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ وَالْفَرَقُ: ثَلاثَةُ آصُعٍ أَوْ صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً "، وَأَرَادَ بِالْهَوَامِّ: الْقَمْلَ سَمَّاهَا هَوَامَّ، لِأَنَّهَا تَهِمُ فِي الرَّأْسِ وَتَدُبُّ.
1995 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا آدَمُ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ:
سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ، قَالَ: قَعَدْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ يَعْنِي: مَسْجِدَ الْكُوفَةِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ فِدْيَةٍ مِنْ صِيَامٍ، فَقَالَ: حُمِلْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ هَذَا، أَمَا تَجِدُ شَاةً؟»، قُلْتُ: لَا، قَالَ: «صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ، وَاحْلِقْ رَأْسَكَ»، فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةٌ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ
قَالَ الإِمَامُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ إِذَا اخْتَارَ الإِطْعَامَ، يُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ، سَوَاءٌ أَطْعَمَ حِنْطَةً، أَوْ شَعِيرًا، أَوْ تَمْرًا، أَوْ زَبِيبًا.
وَذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّهُ، إِنْ تَصَدَّقَ بِالْبُرِّ أَطْعَمَ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِتَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ، أَطْعَمَ كُلَّ وَاحِدٍ صَاعًا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «أَوْ أَطْعَمَ ثَلاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ».
وَرُوِيَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «أَوُ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ زَبِيبٍ»، فَثَبَتَ بِاخْتِلافِ الرِّوَايَاتِ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْوَاعِ الطَّعَامِ فِي الْقِدْرِ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِدْيَةَ الْأَذَى مُخَيَّرَةٌ، يَتَخَيَّرُ الرَّجُلُ فِيهَا بَيْنَ الْهَدْيِ، وَالإِطْعَامِ، وَالصِّيَامِ، عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَلا فَرْقَ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ بِعُذْرٍ، أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ، إِنْ حَلَقَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَعَلَيْهِ دَمٌ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَا غَيْرَ، وَكَذَلِكَ فِدْيَةُ قَلْمِ الْأَظْفَارِ عَلَى التَّخْيِيرِ وَالتَّقْدِيرِ كَفِدْيَةِ الْحَلْقِ، وَجَزَاءُ الصَّيْدِ عَلَى التَّخْيِيرِ وَالتَّعْدِيلِ، فَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ الْمِثْلَ، أَوْ قَوَّمَ الْمِثْلَ دَرَاهِمَ، وَالدَّرَاهِمَ طَعَامًا، فَتَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
أَمَّا فِدْيَةُ الاسْتِمْتَاعَاتِ، فَعَلَى التَّرْتِيبِ وَالتَّعْدِيلِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ سَتَرَ رَأْسَهُ، أَوْ لَبِسَ مَا لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ، أَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ، أَوْ تَطَيَّبَ، أَوْ بَاشَرَ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، فَعَلَيْهِ دَمُ شَاةٍ يَتَصَدَّقُ بِلَحْمِهَا عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الشَّاةِ، قَوَّمَ الشَّاةَ دَرَاهِمَ، وَالدَّرَاهِمَ طَعَامًا، فَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإِطْعَامِ، صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
وَكَذَلِكَ الْجِمَاعُ فِدْيَتُهُ عَلَى التَّرْتِيبِ وَالتَّعْدِيلِ، غَيْرَ أَنَّ حُكْمَهُ أَغْلَظُ مِنْ سَائِرِ الاسْتَمْتَاعَاتِ، فَإِنْ جَامَعَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ، فَسَدَ حَجُّهُ، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَوْ قَبْلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَدَنَةِ فَبَقَرَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَقَرَةً فَسَبْعٌ مِنَ الْغَنَمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، قَوَّمَ الْبَدَنَةَ دَرَاهِمَ وَالدَّرَاهِمَ طَعَامًا، فَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنَ الطَّعَامِ يَوْمًا.
وَإِنْ جَامَعَ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ لَا يَفْسَدُ حَجُّهُ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَاخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِي أَنَّهَا بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ، وَهِيَ أَيْضًا عَلَى التَّرْتِيبِ وَالتَّعْدِيلِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ فِدْيَةٍ تَجِبُ بِتَرْكِ مَأْمُورٍ مِثْلَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ مِنْ غَيْرِ إِحْرَامٍ، مَعَ إِرَادَةِ النُّسُكِ، وَتَرْكِ الرَّمْيِ، وَالْبَيْتُوتَةِ بِالْمُزْدَلِفَةِ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَبِمِنًى لَيَالِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَالدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَتَرْكِ طَوَافِ الْوَدَاعِ، فِدْيَتُهَا عَلَى التَّرْتِيبِ وَالتَّعْدِيلِ، كَفِدْيَةِ اللُّبْسِ وَالطِّيبِ.
وَأَمَّا دَمُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَكَذَلِكَ دَمُ الْفَوَاتِ، فَعَلَى التَّرْتِيبِ وَالتَّقْدِيرِ، فَعَلَيْهِ دَمُ شَاةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ يَصُومُ عَشْرَةَ أَيَّامٍ: ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي التَّمَتُّعِ.
وَيَجِبُ التَّصَدُّقُ بِاللَّحْمِ وَالطَّعَامِ فِي هَذِهِ الْفِدْيَاتِ كُلِّهَا عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، أَمَّا الصَّوْمُ فَحَيْثُ يَشَاءُ، لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ لِلْمَسَاكِينِ، وَقَالَ مَالِكٌ: الْهَدْيُ بِمَكَّةَ، وَأَمَّا الصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ حَيْثُ أَحَبَّ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [الْمَائِدَة: 95].
بَابُ الْمُحْرِمِ يَأْتِي امْرَأَتَهُ
1996 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ كَانَ فِي حَلَقَةٍ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَذَكَرَ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ أَتَيْتَ عَظِيمًا، قَالَ: وَالرَّجُلُ يَبْكِي، فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ تَوْبَتِي أَنْ آمُرَ بِنَارٍ، فَأُؤَجِّجَهَا، ثُمَّ أُلْقِيَ نَفْسِي فِيهَا فَعَلْتُ، فَقَالَ: «إِنَّ تَوْبَتَكَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ، اقْضِيَا نُسُكَكُمَا، ثُمَّ ارْجِعَا إِلَى بَلَدِكُمَا، فَإِذَا كَانَ عَامُ قَابِلٍ، فَاخْرُجَا حَاجَّيْنِ، فَإِذَا أَحْرَمْتُمَا فَتَفَرَّقَا، فَلا تَلْتَقِيَا حَتَّى تَقْضِيَا نُسُكَكُمَا وَاهْدِيَا هَدْيًا».
وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ أَنَّهُمَا يَمْضِيَانِ فِي حَجِّهِمَا، ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجُّ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ.
قَالَ الإِمَامُ: إِذَا جَامَعَ الْمُحْرِمُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ التَّحَلُّلِ، فَسَدَ حَجُّهُ سَوَاءٌ أَكَانَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، أَوْ بَعْدَهُ، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي الْفَاسِدِ، ثُمَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ قَابِلٍ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُحْرِمَةٌ، وَطَاوَعَتْ، فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ أَيْضًا، وَعَلَيْهَا الْهَدْيُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَمَا عَلَى الرَّجُلِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلا هَدْيٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ عَلَى الرَّجُلِ، كَمَا قَالَ فِي كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ.
وَإِذَا خَرَجَا فِي الْقَضَاءِ يَفْتَرِقَانِ حَذَرًا عَنْ مِثْلِ مَا وَقَعَ فِي الْأَدَاءِ.
وَلَوْ جَامَعَ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ لَا يَفْسَدُ حَجُّهُ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، ثُمَّ تِلْكَ الْفِدْيَةُ بَدَنَةٌ أَمْ شَاةٌ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ أَمَرَ بِنَحْرِ بَدَنَةً، وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَذَهَبَ