كِتابُ الصّيد والذّبائح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البغوي ، أبو محمد
- الكتاب
- شرح السنة
- المؤلف
- محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1403هـ - 1983م
- عدد الأجزاء
- 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَخٍ لِي يُحَنِّكُهُ وَهُوَ فِي مِرْبَدٍ لَهُ، " فَرَأَيْتُهُ يَسِمُ شَاءً، حَسِبْتُهُ قَالَ: فِي آذَانِهَا ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ
والمربد: الْموضع الّذِي يُحبس فِيهِ الإبلُ وَالْغنم، والربدُ: الحبسُ.
وفِي الْحدِيثِ دلِيلٌ على إِبَاحَة وسم الدَّوَابّ، وهُو مسنون فِي نعمِ الصَّدَقَة، والجزية حتّى لَا تختلط بغَيْرهَا، وتتميز إِحْداهُما عنِ الْأُخْرَى، فإِن مُستحق الْمَالَيْنِ مختلفٌ، وفِي وسم نعمِ الصَّدَقَة معنى آخر، وهُو أَن لَا يَشْتَرِيهَا مالِكُها على توهم أنّها غيرُ صدقته، فإِنّهُ يُكره للرجل أَن يتَصَدَّق بِشَيْء ثُمّ يَشْتَرِيهِ.
وميسم الْغنم يكُون ألطف من ميسم الإِبِل وَالْبَقر، ويسم الإِبِل وَالْبَقر على أفخاذها، ويسمُ الْغنم فِي أصُول آذانها، وَلَا يجوز وسم الْوَجْه لِما.
2792 - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ، وَعَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
وفيْما رُوِي عنْ أنس دلِيل على أَن الْأذن ليْس من الْوَجْه، لِأَنَّهُ كَانَ يسمُ الْغنم فِي آذانها، وقدْ نهى عنْ وسم الْوَجْه.
ورُوِي عنِ ابْنِ عبّاسٍ أنّ رسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «رأى حِمارًا موْسُوم الوجْهِ، فأنْكر ذلِك».
وَعَن إِبْراهِيم النّخعِي، قَالَ: نهي عنْ إخصاء الْخيْل، ورُوِي عنْ أنس فِي قوْلِهِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النِّسَاء: 119]، قَالَ: الإخصاء ".
بابُ النّهْيِ عنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِن السِّباعِ
2793 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ
2794 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ الْحَضْرَمِيِّ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ
2795 - أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، نَا أَبِي، نَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
قَالَ رحِمهُ اللهُ: أَرَادَ بِذِي الناب: مَا يعدو بنابه على النّاس وَأَمْوَالهمْ، مثل الذِّئْب، والأسد، وَالْكَلب والفهد، والنمر، والببرِ، والدب والقرد، وَنَحْوهَا، فَهِيَ وأمثالُها حرامٌ، وكذلِك كلُّ ذِي مخلبٍ من الطير: كالنسر، والصقْر، والبازي، وَنَحْوهَا.
وَسمي مخلب الطَّائِر مخلبًا، لِأَنَّهُ يخْلِبُ، أيْ: يشق وَيقطع، وَمِنْه قِيل: للمنجل: مِخلب.
ويُرْوى: «يُؤْكلُ مَا دفّ وَلَا يُؤْكلُ مَا صفّ»، يعْنِي: مَا حرك جنَاحه فِي الطيران كالحمام وَنَحْوه يُؤْكَل.
وَمَا صفّ جنَاحه كالنسور، والصقور لَا يؤكلْ.
واخْتلف أهْلُ الْعِلْمِ فِي إِبَاحَة الضبع، فحرمه جمَاعَة لظَاهِر الْحدِيث، وأباحه جمَاعَة، لما رُوِي عنْ جابِر أنّهُ " سُئِلَ عنِ الضبع أصيد هِي؟ قَالَ: نعم، قِيل: سمعته من رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نعم ".
وقدْ ذَكرْنَاهُ فِي كتاب الْحَج.
وَاخْتلفُوا فِي الثَّعْلَب، فأباحه قومٌ، وإِليْهِ ذهب الشّافِعِي، وَحرمه آخَرُونَ.
بابُ أكْل الضّبِّ
2796 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَخْلَدِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، نَا قُتَيْبَةُ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " عَنْ أَكْلِ الضَّبِّ، فَقَالَ: لَا آكُلُهُ، وَلا أُحَرِّمُهُ ". هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْماعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ 2797 - وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَخْلَدِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ، أَنَا قُتَيْبَةُ، نَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " سُئِلَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ عَنِ الضَّبِّ، قَالَ: لَا آكُلُهُ، وَلا أُحَرِّمُهُ " 2798 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو
إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَنَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلا نَادَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، " مَا تَرَى فِي الضَّبِّ؟ فَقَالَ: لَسْتُ بِآكِلِهِ، وَلا مُحَرِّمِهِ " هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ
2799 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، فَأُتِيَ بِضَّبِّ مَحْنُوذٍ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ الَّتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ».
قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: فَاجْتَرَرْتُهُ، فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ
والمحنوذ: المشوي بالرضف، وهِي الْحِجَارَة المحماة، وَمِنْه قوْله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69]، أَي: مشوي بالرضف حتّى يقْطُر عرقًا، وَيُقَال أَصله من حِناذ الْخيْل، وهُو أَن يُظاهر عليْها جُلٌّ فَوق جُلّ لتعرق تحتهَا.
وقوْله: «أعافُهُ» أَي: أقذرُهُ، يُقَال: عِفتُ الشَّيْء، أعافُهُ عيافًا: إِذا كرههُ، وَمن زجر الطير عِفتُها أعيفها عِيافة، وَيُقَال فِي غَيره: عافتِ الطير، تعيفُ عيفًا: إِذا كَانَت تحومُ على المَاء.
2800 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَيِ أَبُو بِشْرٍ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمْنًا، وَأَقِطًا، وَأَضُبًّا، «فَأَكَل النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ السَّمْنِ، وَالأَقِطِ، وَتَرَكَ الضَّبَّ تَقَذُّرًا»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَتِهِ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ آدَمَ، وَأَخْرَجَهُ
مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ
وَأَبُو بشرٍ اليشْكُريُّ، هُو جَعْفَر بْن إِيَاس بْن أبِي وحشية يُعدُّ فِي الْبَصرِيين، مَاتَ سنة أربعٍ، أَو ثلاثٍ وعِشْرِين وَمِائَة، وأمُّ حُفيد بنت الْحارِث بْن حزنٍ خَالَة عبْد الله بْن عبّاس.
وفِي الْحدِيثِ دلِيلٌ على أَن ترك النكير من النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكُون دلِيل الْإِبَاحَة، واخْتلف أهلُ الْعلم من أصْحاب النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمن بعدهمْ فِي أكل الضّبِّ، فَذهب جمَاعَة إِلى إِبَاحَته، رُوِي ذلِك عنْ عُمر، وَابْن عبّاس، وإِليْهِ ذهب مالِك، وَالْأَوْزَاعِيّ، والشّافِعِي، وكرههُ قومٌ، رُوِي ذلِك عنْ علِي، وإِليْهِ ذهب أصْحاب الرّأْيِ، ورُوِي فِي النَّهْي عنْ لحم الضَّب حديثٌ ليْس إِسْنَاده بِذَاكَ، رُوِي عنْ عبْد الرّحْمنِ بْن شبْل، أنّ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نهى عنْ أكْلِ لحْمِ الضّبِّ».
واخْتلف أهْلُ الْعِلْمِ فِي اليربوع، فأباح أكله جمَاعَة، مِنْهُم: عُرْوَة، وَعَطَاء، وبِهِ قَالَ الشّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْر، وَكَرِهَهُ ابْن سِيرِين، وَالْحكم، وحمّادٌ، وأصْحاب الرّأْيِ، وَكره هؤُلاءِ أيْضًا الوبْر، وأباحهُ جمَاعَة،
رُوِي ذلِك عنْ عَطاء، وَمُجاهد، وَطَاوُس، وإِليْهِ ذهب مالِك، والشّافِعِي.
وقدْ رُوِي فِي تَحْرِيم الْقُنْفُذ حَدِيث ليْس إِسْنَاده بِذَاكَ.
قَالَ الشّافِعِيُّ: إِن ثَبت الْحدِيث، قلتُ بتحريمهِ، وأباحهُ ابْن عُمر، وهُو قوْل أبِي ثَوْر، وَحَكَاهُ عنِ الشّافِعِي، وحرّمه أصْحاب الرّأْيِ، وسُئل عَنهُ مالِك، فَقَالَ: لَا أَدْرِي.
ورُوِي عنْ عِيسى بْن نُميلة، عنْ أبِيهِ، قَالَ: كنت عِنْد ابْن عُمر، فسُئِل عَن الْقُنْفُذ، فَتلا قوْله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الْأَنْعَام: 145]، قَالَ شيخ عِنْده: سمِعْتُ أَبَا هُريْرة، يقُول: ذُكِر عِنْد النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «خبيثةٌ من الْخَبَائِث»، فَقَالَ ابْن عُمر: إِن كَانَ قَالَ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا، فهُو كَمَا قَالَ.
وَالْأَصْل عِنْد الشّافِعِي: أَن مَا لمْ يرِد فِيهِ نصُّ تَحْرِيم، وَلَا تَحْلِيل، وَلَا أمرٌ بقتْله، وَلَا نهيٌ عنْ قتلِه، فالمرجع إِلى الْأَغْلَب من عادات الْعَرَب، لِأَن الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى خاطبهم بقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [الْمَائِدَة: 4]، فَثَبت أَن مَا استطابوه فهُو حَلَال، وَمَا تَرَكُوهُ، فَمن الْخَبَائِث.
أما مَا أَمر الشَّرْع بقتلِهِ، أوْ نهى عنْ قَتله، فَلَا يكُون حَلَالا، كَمَا قَالَ: عليْهِ السّلام: «خمْسٌ فواسقٌ يُقْتلْن فِي الْحِلِّ وَالْحرم».
ورُوِي أنّهُ عليْهِ السّلام «أَمر بِقتْلِ الأوْزاغِ».
ورُوِي أنّهُ عليْهِ السّلام «نهى عنْ قتْلِ الضِّفْدع».
وَعَن عبْد الله بْن عبّاس، قَالَ: " نهى رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنْ قتْلِ أرْبعةٍ مِن الدّوابِ: النّمْلةُ، والنّحْلةُ، والهُدْهُدُ، والصُّردُ "، وَاخْتلفُوا فِي السُّلحفاة، فَكَانَ الْحسن لَا يرى بِها بَأْسا.
بابُ أكْلِ الأرْنبِ
2801 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: " أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعَى النَّاسُ، فَلَغَبُوا، فَأَدْرَكْتُهَا، فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا، وَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَرِكِهَا، أَوْ فَخِذَيْهَا، قَالَ: فَخِذَيْها لَا شَكَّ فِيهِ، فَقَبِلَهُ.
قُلْتُ: وَأَكَلَ مِنْهُ؟ ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: قَبِلَهُ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ
قوْله: أنْفجْنا، أَي: أثرنا، يُقالُ: أنفجتُ الأرنب من جُحرهِ، فنفج، أَي: أثرته فثار، وانتفجت الأرنبُ: وَثَبت: وفِي حَدِيث الفِتنةِ: «مَا الأُولى فِي الآخِرةِ إِلّا كنفْجةِ أرْنبٍ»، أَي: كوثبتِهِ من مجثمِهِ، يُرِيد فِي تقليل الْمدَّة.
وقوْله: «فلغبوا»، أَي: أعيوا، يُقَال: لغب يلغبُ، ولغِب بِكَسْر الْغَيْن لُغَة ضَعِيفَة، قَالَ الله سُبْحانهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: 38]، أَي: إعياء.
واخْتلف أهْلُ الْعِلْمِ فِي الأرنب، فَذهب أَكْثَرهم إِلى إِبَاحَته، وَكَرِهَهُ جمَاعَة، وقالُوا: إِنَّهَا تدمي.
بابُ أكْلِ الجرادِ
2802 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، وَقَالَ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، أَوْ سِتًّا، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَأَبِي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ سَبْعَ غَزَوَاتٍ
وَأَبُو يَعْفُور: اسْمه وَاقد، وَيُقَال: وقدان، وَأَبُو يَعْفُور الآخر: اسْم عبْد الرَّحْمَن بْن عُبيْد بْن نسطاس.
قَالَ: عبْد اللهِ بْن عُمر: سُئل عُمر
بْن الخطّاب عنِ الجرادِ، فَقَالَ: ودِدتُ أنّ عندنَا مِنْهُ قفعةً نأْكُلُ مِنْهَا.
قَالَ أبُو عُبيد: القفعةُ شبيهٌ بالزبيل، يُعمل من الخوص، ليْس بالكبير، ليْس لهُ عُرى، وقِيل: مِثلُ القُفةِ تتّخذُ وَاسِعَة الْأَسْفَل، ضيقَة الْأَعْلَى، وقِيل: هِي الجُلةُ بلغَة أهل الْيمن.
ورُوِي عنْ سعِيد بْن الْمُسيِّبِ، أنّهُ كره مَا مَاتَ قبل أَن يُؤْخَذ من الْجَرَاد، وَقَالَ: مَا أُخِذ حَيا ثُمّ مَاتَ، فَلَا بَأْس بِهِ.
2803 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلال، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ: الْمَيْتَتَانِ: الْحُوتُ، وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَانِ: أَحْسَبُهُ قَالَ: الْكَبِدُ، وَالطُّحَالُ "
قَالَ الإِمامُ: هَذَا يدل على إِبَاحَة أكل السّمك على أَي وَجه مَاتَ.
ورُوِي عنْ إِسْماعِيل بْن أُمِّيّه، عنْ أبِي الزُّبيْر، عنْ جابِر، قَالَ: قَالَ: رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا ألْقاهُ البحْرُ، أوْ جزر عنْهُ فكُلُوهُ، وَمَا مَاتَ فِيهِ وطفا، فَلَا تأْكُلُوهُ».
ورواهُ سُفْيان الثّوْرِي، وَأَيوب، وَحَمَّاد، عنْ أَبى الزُّبيْر، وأوقفوه على جابِر.
واخْتلف أهْلُ الْعِلْمِ فِي السّمك الطافي، فأباحه جمَاعَة، رُوِي ذلِك عنْ أبِي بكْر الصِّديق، وَأبي أَيُّوب الأنْصارِي، وبِهِ قَالَ عَطاء بْن أبِي رَبَاح، وَمَكْحُول، وَإِبْرَاهِيم النّخعِي، وإِليْهِ ذهب مالِك، والشّافِعِي، وَأَبُو ثَوْر وكرههُ جمَاعَة، رُوِي ذلِك عنْ جابِر، وَابْن عبّاس، وبِهِ قَالَ جابِر بْن زيْد، وَطَاوُس، وإِليْهِ ذهب أصْحاب الرّأْيِ.
بابُ حيواناتِ الْبحْرِ
قَالَ الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [الْمَائِدَة: 96].
2804 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: غَزَوْتُ جَيْشَ الْخَبَطِ، وَأُمِّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا، فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا مَيْتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ، يُقَالُ لَهُ: الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ، فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ، وَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُوا، فَلَمَّا قَدِمْنَا، ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «كُلُوا، رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ، أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ»، فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ فَأَكَلَهُ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتّفقٌ عَلَى صِحَّتِهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلاءِ
عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبيْرِ، عَنْ جَابِرٍ
والخبط، بِفَتْح الْبَاء: ورق الشّجر يُضرب بالعصا، فيسقطُ، سُمُّوا جَيش الْخبط، لأَنهم اضطروا إِلى أكله.
2805 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، نَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «خَرَجْنَا، وَنَحْنُ ثَلاثُ مِائَةٍ نَحْمِلُ زَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا، فَفَنِيَ زَادُنَا حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا يَأْكُلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَةً»، قَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَأَيْنَ كَانَتِ التَّمْرَةُ تَقَعُ مِنَ الرَّجُلِ؟، قَالَ: «لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَقَدْنَاهَا حَتَّى أَتَيْنَا الْبَحْرَ، فَإِذَا حُوتٌ قَدْ قَذَفَهُ الْبَحْرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَا أَحْبَبْنَا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ
2806 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ،
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَهُمْ ثَلاثُ مِائَةٍ، قَالَ: وَأَنَا فِيهِمْ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، فَنِيَ الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ، فَجُمِعَ كُلُّهُ، فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، قَالَ: فَكَانَ يَقُوتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى فَنِيَ، وَلَمْ يُصِبْنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فَقُلْتُ: وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ؟ فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ، قَالَ: ثُمَّ انْتَهَى إِلَى الْبَحْرِ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ، فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلْعَيْنِ مِنْ أَضْلاعِهِ، فَنُصِبَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ، فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا، فَلَمْ يُصِبْهُمَا " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ الظِّربُ: الْجَبَل الصَّغِير قَالَ الإِمامُ: وفِيهِ دلِيلٌ على إِبَاحَة جمِيع ميتات الْبَحْر وهُو ظَاهر الْقُرْآن والْحَدِيث، قَالَ الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [الْمَائِدَة: 96]، قَالَ عُمر رضِي اللهُ عنْهُ:
صيدُه مَا اصطيد، وَطَعَامه مَا رمي بِهِ.
وَقَالَ ابْن عبّاس: طعامهُ ميتَته إِلَّا مَا قذرت مِنْهَا، والجِرِّيُّ لَا تَأْكُله الْيهُود وَنحن نأكله، والجِريُّ: هُو الجرِّيث وهِي المارماهي، وَقَالَ النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَحْر: «هُو الطّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ ميْتتهُ».
وَقَالَ ابْن عبّاس: كُل من صيد الْبَحْر من نصرانيٍّ، أوْ يهوديٍّ، أوْ مجوسيٍّ.
وَمِمَّنْ ذهب إِلَى إِبَاحَة جمِيع ميتات الْبَحْر: أبُو بكْر، وَعمر، وَابْن عبّاس، وَابْن عُمر، وَزيد بْن ثَابت، وَأَبُو هُريْرة، وبِهِ قَالَ
شُرَيْح، وَالْحسن، وَعَطَاء، والشّعْبِي، وإِليْهِ ذهب مالِك.
قَالَ الشعبيُّ: لَو أَن أَهلِي أكلُوا الضفادع لأطعمتهم.
وَقَالَ عَطاء: أما الطير فَأرى أَن يذبحه، وَقَالَ الأوْزاعِي: كلُّ شيْء كَانَ عيشه المَاء، فهُو حَلَال.
قِيل: فالتمساح؟ قَالَ: نعم.
وَركب الْحسن على سرج من جُلُود كلاب المَاء، ولمْ ير الْحسن بالسلحفاة بَأْسا.
وغالب مَذْهَب الشّافِعِي إباحةُ دَوَاب الْبَحْر كلهَا إِلَّا الضفدع، لما جَاءَ من النَّهْي عنْ قَتلهَا، وأخذُها ذكاتُها لَا يحْتَاج إِلى ذبح شيْء مِنْهَا.
وَكَانَ أبُو ثَوْر يقُول: جمِيع مَا يأوي إِلى المَاء حلالٌ، فَمَا كَانَ مِنْهُ يُذكّى، لمْ يحِلّ إِلَّا بِذَكَاة، وَمَا كَانَ مِنْهُ لَا يُذكّى مثل السّمك، فميته حَلَال.
وَذهب قوْمٌ إِلى أَن مَاله فِي البرِّ نظيرٌ لَا يُؤكل مثل كلب المَاء، وخنزير المَاء، وَالْحمار وَنَحْوهَا فَحَرَام، وَمَا لهُ نظيرٌ يُؤكل، فميته من حيوانات الْبَحْر حَلَال.
وسُئل اللَّيْث بْن سعدٍ عنْ دوابِّ المَاء؟ فَقَالَ: إِنْسان المَاء، وخنزير المَاء فَلَا يُؤْكَل، فَأَما الْكلاب، فليْس بِها بَأْس فِي البرِّ وَالْبَحْر.
وَقَالَ سُفْيان الثّوْرِي: أَرْجُو أَن لَا يكُون بالسرطان بَأْسا.
وحرّم أبُو حنِيفة جَمِيع حيوانات الْبَحْر إِلَّا السّمك، وَالْأول أولاها بِالصَّوَابِ، وهُو أَن الْكل حَلَال، لِأَنَّهَا كلهَا سمك وَإِن اخْتلفت صورها كالجِرِّيث، يُقَال لهُ: حَيَّة المَاء، وهُو على شكل الْحَيَّة، وَأكله حَلَال بالِاتِّفَاقِ، وهُو الْأَشْبَه بِظَاهِر الْقُرْآن والْحَدِيث.
بابُ أكْلُ الدّجاجِ والْحُبارى
2807 - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْجَوْزَجَانِيُّ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ، أَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ الشَّاشِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، نَا هَنَّادٌ، نَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، فَأَتَى بِلَحْمِ دَجَاجٍ، فَتَنَحَّى رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهَا تَأْكُلُ نَتْنًا، فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهَا، فَقَالَ: ادْنُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَأْكُلُ لَحْمَ دَجَاجٍ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتّفقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ عَنْ يَحْيَى، عَنْ وَكِيعٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الْعَتَكِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ
2808 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْجَوْزَجَانِيُّ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ، أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الأَعْرَجُ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَفِينَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «أَكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَحْمَ حُبَارَى».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
بابُ أكْلِ الْجلّالةِ
2809 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِيرْبَنْدُ كُشَائِيُّ، أَنَا أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَرَفَةَ السِّجْزِيُّ، أَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ، نَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، نَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ، وَأَلْبَانِهَا».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَالْجَلّالةُ: هِي الّتِي تَأْكُلُ الْجُلَّةَ، وَهِيَ الْعذرَةُ، وَأَصْلُ الْجُلَّةِ: الْبَعْرُ، فَكَنَى بِهَا عَنِ الْعذرَةِ، يُقَالُ مِنْهُ: خَرَجَ الإِمَاءُ يَجَتَلِلْنَ: إِذَا خَرَجْنَ يَلْتَقِطْنَ الْبَعْرِ
ثُمّ الحكم فِي الدَّابَّة الَّتِي تأكلُ العذِرة أَن يُنظر فِيها، فإِن كَانَت تأكلها أَحْيَانًا، فَلَيْسَتْ بجلّالةٌ، وَلَا يحرم بِذلِك أكلهَا كالدجاج وَنَحْوهَا، وَإِن كَانَ غالبٌ عَلفهَا مِنْهَا حتّى ظهر ذلِك على لَحمهَا ولبنها، فَاخْتلف أهْل الْعِلْمِ فِي أكلهَا، فَذهب قومٌ إِلى أنّهُ لَا يحل أكلهَا إِلَّا أَن تُحبس أَيَّامًا، وتُعلف من غَيرهَا حتّى يطيب لحمُها، فَحِينَئِذٍ يحلُّ أكلهَا، وهُو قوْل أصْحاب الرّأْيِ، والشّافِعِي، وأحْمد.
ورُوِي فِي حَدِيث أَن الْبَقر يُعلفُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمّ يُؤْكَل لَحمهَا.
وَكَانَ ابْن عُمر يحبِسُ الدَّجَاج ثَلَاثًا.
وَكَانَ الْحسن لَا يرى بَأْسا
بِأَكْل لُحُوم الجلّالة وهُو قوْل مالِك.
وَقَالَ إِسْحاق: لَا بَأْس بأكلها بعد أَن تغسل غسلا جيدا، وروى نَافِع، عنِ ابْن عُمر، قَالَ: نُهي عنْ ركُوب الْجَلالَة.
وَإِنَّمَا كره ركُوبهَا، لِأَنَّهَا إِذا عرقِت ينتُنُ رائحتها كَمَا ينتُنُ لحمُها.
بابُ إِباحةِ لحْمِ الْخيْلِ وتحْرِيمِ لحْمِ الْحُمُرِ الأهْلِيَّةِ
2810 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، وَرَخَّصَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ
وَأَرَادَ بالحُمُر: الْأَهْلِيَّة مِنْهَا، فَأَما الْحمار الوحشي، فاتفقوا على إِبَاحَته، ورواهُ مُسْلِم، عنْ يحْيى، عنْ حَمَّاد بْن زيْد، بِهذا الْإِسْنَاد، أَن رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نهى يوْم خَيْبَر عنْ لُحُوم الحُمُر الْأَهْلِيَّة، وأذِن فِي لُحُوم الْخيْل».
وروى هَذَا الْحدِيث
سُفْيان بْن عُيينة، عنْ عمْرو بْن دِينار، عنْ جابِر، قَالَ أبُو عِيسى: رِوَايَة ابْن عُييْنة أصحُّ.
وَقَالَ مُحمّد بْن إِسْماعِيل: سُفْيان بْن عُيينة أحفظ من حَمَّاد بْن زيْد.
وقالتْ أَسمَاء: «ذبحْنا على عهْدِ رسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرسا ونحْنُ بالْمدِينةِ فأكلْناهُ».
ورُوِي عنِ الْمِقْدَام بْن معديكرب، عنْ خالِد بْن الْولِيد، أنّ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نهى عنْ أكْلِ لحُومِ الْخيْلِ، والبِغالِ، والْحمِيرِ»، وَإِسْنَاده ضَعِيف.
واخْتلف النّاس فِي إِبَاحَة لُحُوم الْخيْل، فَذهب جمَاعَة إِلى إِبَاحَته، رُوِي ذلِك عنْ شُرَيْح، وَالْحسن، وَعَطَاء بْن أبِي رَبَاح، وَسَعِيد بْن جُبير، وَحَمَّاد بْن أبِي سُليْمان، وبِهِ قَالَ الشّافِعِيُّ، وأحْمد، وَإِسْحَاق،
وَذهب جمَاعَة إِلى تَحْرِيمه، رُوِي ذلِك عنِ ابْنِ عبّاسٍ، وبِهِ قَالَ الحكم، وهُو قوْل مالِك، وأصْحاب الرّأْيِ.
2811 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ الْمُظَفَّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ الْجُرْجَانِيُّ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ الْحَافِظُ، نَا الْحَسَنُ بْنُ الْفَرَجِ، نَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُمْ كَانُوا «يَأْكُلُونَ لُحُومَ الْخَيْلِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَهَى عَنْ لُحُومِ الْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ».
أَمَّا لُحُومُ الْحَمِيرِ الأَهْلِيَّةِ، فَذَهَبَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى تَحْرِيمِهَا، وَكَذَلِكَ الْبِغَالُ.
وَقَرَأَ مَالِكٌ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النَّحْل: 8]، وَقَالَ فِي الأَنْعَامِ: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غَافِر: 79]، فَذَكَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ للرُّكُوبِ، وَالزِّينَةِ، وَذَكَرَ الأَنْعَامَ للرُّكُوبِ وَالأَكْلِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا
أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ
وكل حَيَوَان لَا يحِلُّ أكلُ لَحْمه، فَلَا يحلُّ شُربُ لبنه، إِلَّا الآدميات.
سُئِلَ الحكم، وَحَمَّاد عنْ ألبان الأُتُن، فكرهاها، وَقَالا: مَا كُره لحومها، كُره أَلْبَانهَا، وَمثله عنْ مُجَاهِد، وَالْحسن.
وَقَالَ سعِيد بْن جُبير فِي الأُتُن: لحومها حرامٌ، وَأَلْبَانهَا حرامٌ، وَقَالَ إِبْراهِيم: لَا بَأْس بألبان الْخيْل، فَأَما الحمُر، فَلَا يصلح أَلْبَانهَا.
وَكَانَ طاوسٌ لَا يرى بألبان الأُتُن بَأْسا، وَمثله عنْ جعْفر بْن مُحمّد.
وكلُّ طيرٍ لَا يحِلُ لَحْمه، لَا تحِلُّ بيضتُهُ.
بابُ الفأْرةِ تمُوتُ فِي السّمْنِ
2812 - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، وَأَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ قَالا: أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ، قَالَ: «إِنْ كَانَ جَامِدًا، فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلا تَقْرَبُوهُ».
ورواهُ سُفْيان، عنِ الزُّهْرِي، عنْ عُبيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْن عُتْبَةَ، عنِ ابْنِ عبّاسٍ، عنْ مَيْمُونَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: الصَّحِيحُ رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ
قَالَ الإِمامُ: فِي الْحدِيث دلِيل على أَن غيْر المَاء من الْمَائِعَات إِذا وَقعت فِيها نَجَاسَة ينجسُ، قلّ ذلِك الْمَائِع، أوْ كثر بِخِلَاف المَاء حَيْثُ لَا ينجس عِنْد الْكَثْرَة مَا لمْ يتَغَيَّر بِالنَّجَاسَةِ.
وَاتفقَ أهْل الْعِلْمِ على أَن الزَّيْت إِذا مَاتَت فِيهِ فأرةٌ، أوْ وَقعت فِيهِ نَجَاسَة أُخْرَى أنّهُ ينجس، وَلَا يجوز أكله، وَلَا يجوز بَيْعه عِنْد أكْثر أهْل الْعِلْمِ، وجوّز أبُو حنِيفة بَيْعه.
وَاخْتلفُوا فِي الِانْتِفَاع بِهِ، فَذهب جمَاعَة إِلى أنّهُ لَا يجوز الِانْتِفَاع بِهِ، لقَوْله عليْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: «فَلَا تقْربُوهُ»، وهُو أحد قولي الشّافِعِي، وَذهب قومٌ إِلى أنّهُ يجوز الِانْتِفَاع بِهِ بالاستصباح، وتدهين السفن وَنَحْوه، وهُو قوْل أبِي حنِيفة، وَأظْهر قولي الشّافِعِي، وَالْمرَاد من قوْله: «لَا تقْربُوهُ»، يعْنِي: أكلا وطعمًا لَا انتفاعًا.
بابُ الذُبابِ يقعُ فِي الشّرابِ
2813 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الكُشْمِيهَنِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ مَوْلَى بَنِي زُرَيْقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً، وَفِي الآخَرِ دَاءً».
هَذَا حدِيثٌ صحِيحٌ أخْرجهُ مُحمّد، عنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ
2814 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، نَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ التَّمَّامُ الضَّبِّيُّ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا سَقَطَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي الآخَرِ شِفَاءً».
صَحِيحٌ
وفِي الْحدِيثِ دلِيلٌ على أَن الذُّبَاب طاهرٌ، وكذلِك أجسام جمِيع الْحَيَوَان إِلَّا مَا دلّت عليْهِ السُّنة من الْكَلْب وَالْخِنْزِير.
وفِيهِ دلِيلٌ على أَن مَا لَا نفس لهُ سَائِلَة، إِذا مَاتَ فِي مَاء قَلِيل، أوْ شرابٍ لَا ينجِّسه، وذلِك مثلُ الذُّبَاب، والنمل وَالْعَقْرَب، والخنفساء، والزنبور، وَنَحْوهَا، لِأَنَّهُ غمس الذُّبَاب فِي الْإِنَاء قدْ يَأْتِي عليْهِ، فَلَو كَانَ ينجِّسه إِذا مَاتَ فِيهِ، لمْ يَأْمُرهُ بالغمس للخوف من تنجيس الطَّعَام، وَهَذَا قوْل عَامَّة الْفُقَهَاء، إِلَّا أَن الشّافِعِي علق القَوْل فِيهِ.
رُوِي عنْ يحْيى بْن أبِي كثير، أنّهُ قَالَ فِي الْعَقْرَب تَمُوت فِي المَاء: أنّها تنجِّسه، وَعَامة أهْل الْعِلْمِ على خِلَافه.
فَأَما إِذا مَاتَ فِي شيْء نشوءُه مِنْهُ مثل دود الْخلّ يَمُوت فِيهِ،
فاتفقوا على أنّهُ لَا ينجِّسه.
ورُوِي عنْ سعِيد الْمقْبُرِي، عنْ أبِي هُريْرة، قَالَ: قَالَ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذا وَقع الذُّبابُ فِي إِناءِ أحدِكُمْ، فإِنّ فِي أحدِ جناحيْهِ دَاء، وفِي الآخرِ شِفاءً، وإِنّهُ يتّقِي بِجناحِهِ الّذِي فِيهِ الدّاءُ، فلْيغْمِسْهُ كُلُّهُ».
2815 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّحَّانُ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشٍ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ، حَدَّثَنِيهِ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ ِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي الطَّعَامِ، فَامْقُلُوهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سُمًّا، وَفِي الآخَرِ شِفَاءً، وَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ، وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ».
قوْله: «فامْقلُوهُ»، أَيْ: اغْمِسُوهُ لِيُخْرِجَ الشِّفَاءَ كَمَا أَخْرَجَ الدَّاءَ
قَالَ أبُو سُليْمان الْخطابِيّ: قدْ تكلم على هَذَا الْحدِيث بعضُ من لَا خلاق لهُ، وَقَالَ كَيفَ يجْتَمع الدَّاء والشفاء فِي جناحي الذبابة، وَكَيف
تعلم حتّى تقدم جنَاح الدَّاء، وتؤخر جنَاح الشِّفَاء؟ قَالَ: وَهَذَا سُؤال جَاهِل، أوْ متجاهل، فإِن الّذِي يجد نَفسه ونفوس عَامَّة الْحَيَوَان قدْ جمع فِيها بيْن الْحَرَارَة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، وهِي أَشْيَاء متضادة إِذا تلاقت تفاسدت، ثُمّ يرى أَن الله عزّ وجلّ قدْ ألف بَينهَا، وَجعل مِنْهَا قوى الْحَيَوَان الّتِي بِها بَقَاؤُهَا، لجدير أَن لَا يُنكر اجْتِمَاع الدَّوَاء والداء فِي جزأين من حَيَوَان وَاحِد، وَإِن الّذِي ألهم النحلة أَن تتَّخذ الْبيْت العجيب الصَّنْعَة، وتعسِل فِيهِ، وألهم الذّرّة أَن تكتسب قوتها، تدخره لِأَوَانِ حَاجَتهَا إليْهِ، هُو الّذِي خلق الذبابة وَجعل لَهَا الْهِدَايَة إِلى أَن تقدم جنَاحا، وتؤخر جنَاحا، لما أَرَادَ من الِابْتِلَاء الّذِي هُو مدرجة التَّعَبُّد والامتحان الّذِي هُو مضمار التَّكْلِيف، وفِي كُل شيْء حكمةٌ وعبرةٌ، وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب.
بابُ العقِيقةِ
2816 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبُو النُّعْمَانِ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: «مَعَ الْغُلامِ عَقِيقَةٌ» 2817 - وَقَالَ أَصْبَغُ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ،
عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، نَا سَلْمَانُ بْنُ عَامِرٍ الضَّبِّيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَعَ الْغُلامِ عَقِيقَةٌ، فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
قَالَ الإِمامُ: الْعَقِيقَة اسْم للشاة الّتِي تُذبح على ولادَة الْوَلَد، وَاخْتلفُوا فِي اشتقاقها، فَقَالَ بعْضهم: هِي اسْم للشعر الّذِي يحلق من رَأس الصبيِّ عِنْد وِلَادَته، فسميت الشَّاة عقيقة على الْمجَاز، إِذْ كَانَت إِنّما تُذبح عِنْد حِلاق الشّعْر، وقِيل: هِي اسْم للشاة حَقِيقَة، سميت بِها، لِأَنَّهَا تُعقُّ مذابحها، أَي: تُشقُّ وتقطع، والعقُّ: الشقُّ، وَمِنْه عقوق الْوَلَد أَبَاهُ، وهُو جفوته وقطيعته، وَأَرَادَ بإماطة الْأَذَى عَنهُ: حلق رَأسه.
والعقيقة سُنةٌ عِنْد أكْثر أهْل الْعِلْمِ إِلَّا أصْحاب الرّأْيِ، فَإِنَّهُم قالُوا: لَيست بسنةٍ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِي عنْ عمْرو بْن شُعيْب، عنْ أبِيهِ، عنْ جده، قَالَ: سُئِلَ النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنِ الْعَقِيقَة، فَقَالَ: «لَا يُحِبُّ اللهُ العُقُوق»، وَلَيْسَ هَذَا الْحدِيث عِنْد الْعَامَّة على توهين أَمر الْعَقِيقَة،
وَلكنه كره تَسْمِيَتهَا بِهذا الِاسْم على مذْهبه فِي تغير الِاسْم الْقَبِيح إِلى مَا هُو أحْسن مِنْهُ، فَأحب أَن يسميها بِأَحْسَن مِنْهُ من نسيكة، أوْ ذَبِيحَة، أوْ نَحْوهَا.
وقدْ رُوِي فِي هَذَا الْحدِيث: «لَا أُحِبُّ العُقُوق، ولكِنْ منْ وُلِد لهُ ولدٌ، فأحبّ أنْ ينْسك عنْهُ فلْيفْعلُ»، وَقَالَ الْحسن: إِذا علمت أنّهُ لمْ يعق عنْك، فعق عنْ نَفسك، وَقَالَ ابْن سِيرِين: عققت عنْ نَفسِي ببُختيةٍ بعد أَن كنت رجُلا، وَكَانَ أنسٌ يعقٌ عنْ وَلَده الجُزر.
وَاخْتلفُوا فِي التَّسْوِيَة بيْن الْغُلَام وَالْجَارِيَة، فَكَانَ الْحسن وَقَتَادَة لَا يريان عنِ الْجَارِيَة عقيقة، وَذهب قوْمٌ إِلى التَّسْوِيَة بيْنهُما عنْ كُل واحدةٍ بشاةٍ واحدةٍ، لما رُوِي أنّ النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «عقّ عنِ الحسنِ بِشاةٍ».
وَعَن ابْن عُمر
كَانَ يعقُّ عنْ وَلَده بشاةِ شاةٍ للذكور وَالْإِنَاث.
وَمثله عنْ عُرْوَة بْن الزُّبيْر، وهُو قوْل مالِك.
ورُوِي عنْ أَسمَاء بنت أبِي بكْر أنّها كَانَت تعقُّ عنْ بنيها وَبني بنيها شَاة شَاة الذكرِ وَالْأُنْثَى، ثُمّ تصنع أطيب مَا تقدر عليْهِ من الطَّعَام، وَتَدْعُو إليْهِ.
وَذهب جمَاعَة إِلى أَن يذبح عنِ الْغُلَام شَاتين، وَعَن الْجَارِيَة شَاة وَاحِدَة، وهُو قوْل عَائِشَة، وبِهِ قَالَ عَطاء، وإِليْهِ ذهب الشّافِعِي، لما.
2818 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِيرْبَنْدُ كُشَائِيُّ، أَنَا أَبُو سَهْلٍ السِّجْزِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانُ الْخَطَّابِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ دَاسَةَ، نَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، نَا مُسَدَّدٌ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سِبَاعِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أُمُّ كُرْزٍ، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا»، قَالَتْ: وَسَمِعْتُهُ، يَقُولُ: «عَنِ الْغُلامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، وَلا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَانًا كُنَّ، أَوْ إِنَاثًا».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
قوْله: «أقِرُّوا الطّير على مكِناتِها»، قَالَ أبُو زِيَاد الكِلابي: لَا يُعرف للطير مكِناتٌ، وَإِنَّمَا هِي الوُكُناتُ، وهِي مَوضِع عُشِّ الطَّائِر، وَقَالَ أبُو عُبيد: المكنات بيض الضِّباب، وَاحِدهَا: مكِنةٌ، فَجعل للطير على وَجه الِاسْتِعَارَة، وقِيل على مكناتها، أَي: أمكنتها، وَقَالَ شِمرٌ: هِي جمع المكنة وهِي التَّمَكُّن، وَهَذَا مثل التّبعة للتبع، والطلِبة للتطلب.
ثُمّ اخْتلفُوا فِي المُرَاد من إِقْرَار الطير على مكناتها، فَقَالَ بعْضهم: مَعْنَاهُ: كَرَاهِيَة صيد الطير بِاللَّيْلِ، وقِيل: فِيهِ النَّهْي عنْ زجر الطير، مَعْنَاهُ: أقروها على موَاضعهَا الّتِي جعلهَا الله بِها من أنّها لَا تضر وَلَا تَنْفَع.
ويُحكى عنِ الشّافِعِي رضِي اللهُ عنْهُ أنّهُ حمله على النَّهْي عنْ زجر الطير، وذلِك أَن الْعَرَب كَانَت تُولع بالعيافة، وزجر الطير، فَكَانَ الْوَاحِد مِنْهُم إِذا خرج من بَيته لسفر أوْ حَاجَة، نظر هَل يرى طائرًا يطير، فإِن لمْ ير، هيج طائرًا عنْ مَكَانَهُ، فإِن طَار من جَانب يسَاره إِلى يَمِينه، سَمَّاهُ سائحًا وتفاءل بِهِ، وَمضى لأَمره، وَإِن طَار من جَانب يَمِينه إِلى يسَاره، سَمَّاهُ بارحًا وتطيّر بِهِ، ولمْ يمضِ لأَمره، لِأَنَّهُ فِي هَذِه الصُّورَة يكُون يسَار الطَّائِر إليْهِ، «فأمرهُم النّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقِرُّوا الطّيْر على أمْكِنتها، وَلَا يُطيِّرُوها وَلَا يزْجرُوها».
وقوْله فِي الْحدِيث: «وَلَا يضُرُّكُمْ ذُكْرانًا كُنّ أوْ إِناثًا»، أَرَادَ شَاة الْعَقِيقَة يجوز، ذكرا كَانَ أوْ أُنْثَى، وَيخْتَص بِمَا يجوز أضْحِية، ورُوِي عنْ أمِّ كُرزٍ، قالتْ: سمِعْت النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقُول: «عنِ الغُلامِ شَاتَان مُكافِئتانِ، وعنِ الْجارِيةِ شاةٌ»، قَالَ أحْمد بْن حَنْبَل: مُكافِئتانِ مستويتان، أوْ مقاربتان، يُرِيد أَلا تكون إِحْداهُما مِمَّا يجوز أضْحِية، وَالْأُخْرَى دونهَا فِي السن.
وَقَالَ مالِك: لَيست الْعَقِيقَة بواجبة، وَلَكِن يسْتَحبّ الْعَمَل بِها، فَمن عق عنْ وَلَده، فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَة النّسك والضحايا، لَا يجوز فِيها عرجاء، وَلَا مَكْسُورَة، وَلَا عجفاء، وَلَا مَرِيضَة، وَلَا عوراء، وَلَا يُبَاع من لَحمهَا شيْء، وَلَا من جلدهَا، وَلَا يكسر عظامها، وَيَأْكُل أَهلهَا من لَحمهَا، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَلَا يُمسُّ الصبيُّ بِشَيْء من دَمهَا.
وَقَالَ عَطاء: العقيقةُ تُقطع أعضاؤها، وتطبخ بماءٍ وملح.
وَقَالَ الْحسن، وَابْن سِيرِين: الْأُضْحِية تُجزئ من الْعَقِيقَة، وسُئل عنِ الْعَقِيقَة، فَقَالَ: هِي مثل الْأُضْحِية، كُلْ مِنْهَا وأطعِم.
وَقَالَ مُحمّد بْن إِبْراهِيم بْن الْحارِث
التّيميُّ: سمِعْت أبِي يسْتَحبّ الْعَقِيقَة وَلَو بعصفور.
وَعَن ربيعَة أنّهُ كَانَ يستحبُّ أَن يعقُّ عنِ الصّبِي وَلَو بعصفور، أوْ دجاجةٍ، ورُوِي فِي الْعَقِيقَة الإِبِل، وَالْبَقر، وَالْغنم.
وقدْ رُوِي فِي وَقت ذبح الْعَقِيقَة عنِ الْحسن، عنْ سَمُرَة، قَالَ: قَالَ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الغُلامُ مُرْتهنٌ بِعقِيقتِهِ تُذْبحُ عنْهُ يوْم السّابِع، ويُسمّى، ويُحْلقُ رأْسُهُ»، وقدْ تكلم النّاس فِي معنى قوْله: «مُرْتهنٌ بِعقِيقتِهِ»، أجودُها مَا قَالَ أحْمد بْن حَنْبَل: أَن مَعْنَاهُ أنّهُ إِن مَاتَ طفْلا ولمْ يُعقّ عَنهُ لمْ يشفّع فِي وَالِديهِ، ويُرْوى عنْ قَتَادَة أيْضًا أنّهُ يُحرمُ شفاعتهم.
وقِيل: «مُرْتهنٌ بِعقِيقتِهِ»، أَي: بأذى شعره، وهُو معنى قوْله: «أمِيطُوا عنْهُ الْأَذَى».
واستحبُّ أهلُ الْعلم ذبح الْعَقِيقَة يوْم السَّابِع من ولادَة الْمَوْلُود، فإِن لمْ يتهيأ، فَيوم الرَّابِع عشر، فإِن لمْ يتهيأ فَيوم إِحْدَى وعِشْرِين، ثُمّ بعد الذّبْح يحلق رَأسه.
ويُرْوى عنْ عائِشة: «شَاتَان عنِ الْغُلَام، وشاةٌ عنِ الْجَارِيَة تطبخ جُدولا لَا يُكسر لَهَا عظمٌ، فتأكل وَتطعم، وَتَتَصَدَّق وَيكون ذلِك فِي الْيَوْم السَّابِع، فإِن لمْ يكن، فَفِي أَربع عشرَة، فإِن لمْ تفعل، فَفِي إِحْدَى وعِشْرِين».
قوْله: «جُدُولا»، أَي: أَعْضَاء، والجدْل: الْعُضْو بِفَتْح الْجِيم.
وَاسْتحبَّ غيرُ وَاحِد من أهْل الْعِلْمِ أَن لَا يُسمى الصبيُّ قبل السَّابِعَة، رُوِي ذلِك عنِ الْحسن، وبِهِ قَالَ مالِك، ويُرْوى فِي الْحدِيث: «ويْدمى»، مَكَان قوْله: «ويُسمّى»، ورُوِي عنِ الْحسن، أنّهُ قَالَ: يطلى رَأس الْمَوْلُود بِدَم الْعَقِيقَة، وَكَانَ قَتَادَة يصف الدَّم، فيقُول: إِذا ذبحت الْعَقِيقَة تُؤْخَذ صوفةٌ مِنْهَا، فيُستقبل بِها أوداجُ الذَّبِيحَة، ثُمّ تُوضَع على يافوخ الصبيِّ حتّى إِذا سَالَ شبه الْخَيط، غسل رَأسه ثُمّ حلق بعدُ.
وَكره أكْثر أهْل الْعِلْمِ لطخ رَأسه بِدَم الْعَقِيقَة، وقالُوا: كَانَ ذلِك من عمل الْجاهِلِيّة، وضعّفوا رِوَايَة من رواهُ «ويدْمى»، وقالُوا: إِنّما هِي: «ويُسمّى»، ويُرْوى لطخ الرَّأْس بالخلوقِ والزعفران مَكَان الدَّم.
قَالَ الإِمامُ: وَصَحَّ عنْ ثَابت، عنْ أنسٍ، قَالَ: قَالَ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وُلِد لِي اللّيْلة غُلامٌ، فسمّيْتُهُ بِاسْمِ أبِي إِبْراهِيم»، فَفِيهِ تعجيلُ تَسْمِيَة الْمَوْلُود حَالَة مَا يُولد.
2819 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: «وَزَنَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَعْرِ حَسَنٍ، وَحُسَيْنٍ، وَزَيْنَبَ، وَأُمِّ كُلْثُومٍ، فَتَصَدَّقَتْ بِزِنَتِهِ فِضَّةً»
وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «عَقَّ عَنْ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ شَاةً، وَأَمَرَ فَاطِمَةَ يَوْمَ سَابِعِهِ حِينَ يُحْلَقُ شَعْرُهُ أَنْ يُتَصَدَّقَ بِزِنَةِ شَعْرِهِ»، فَوَزَنَ شَعْرَهُ، فَوَجَدَ دِرْهَمًا وَشَيئًا، أَوْ دِرْهَمًا إِلا شَيْئًا، فَتُصُدِّقَ بِهِ ورُوِي وزن شعر الْحسن وَالْحُسَيْن رطبا حِين حُلِقا.
ورُوِي عنْ علِي بْن الْحُسيْن، عنْ أبِي رَافع، قَالَ: لما ولدت فَاطِمَة حسنا، قالتْ: يَا رسُول اللهِ، أَلا أعقُّ عنِ ابْني بدمٍ؟ قَالَ: «لَا، ولكِن احْلِقِي شعْرهُ، فتصدّقِي بِوزْنِهِ مِن الورقِ على الأوْفاضِ، أوْ على المساكِينِ»، فَفعلت ذلِك، فلمّا ولدت حُسَيْنًا، فعلت مثل ذلِك.
قَالَ شريك: الأوفاض: أهل الصّفة، قَالَ أبُو عُبيد: هُم الفِرقُ