كتاب البر والصلة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البغوي ، أبو محمد
- الكتاب
- شرح السنة
- المؤلف
- محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1403هـ - 1983م
- عدد الأجزاء
- 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ كُرَيْزٍ، قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، وَمَعَالِيَ الأَخْلاقِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا».
هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ.
وسفساف الْأُمُور: مداقها وملايمها، شبهت بِمَا دق مِن سفساف التُّرَاب، وَهُوَ مَا تهبى مِنْهُ، وسفساف الدَّقِيق: مَا ارْتَفع مِن غباره عِنْد النّخل، وسفساف الشّعْر: رديئه.
بَاب طلاقة الْوَجْه
3504 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنِي سَلامٌ هُوَ ابْنُ مِسْكِينٍ، حَدَّثَنِي عَقِيلُ بْنُ طَلْحَةَ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ شَهِدَ عَامَّةَ الْمَشَاهِدِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ أَبِي جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيِّ، قَالَ: قُلْنَا: " يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَنُحِبُّ أَنْ تُعَلِّمَنَا عَمَلا لَعَلَ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنَا بِهِ، قَالَ: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي، وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ، وَوَجْهُكَ إِلَيْهِ مُنْبَسِطٌ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الإِزَارِ، فَإِنَّهَا مِنَ الْخُيَلاءِ، وَلا يُحِبُّ اللَّهُ الْخُيَلاءَ، وَإِنْ سَبَّكَ رَجُلٌ بِمَا يَعْلَمُ مِنْكَ، فَلا تَسُبَّهُ بِمَا تَعْلَمُ مِنْهُ، فَيَكُونُ لَكَ أَجْرُ ذَلِكَ، وَوَبَالُهُ عَلَيْهِ»
مَاتَ سَلام بْن مِسْكين وَحَمَّاد بْن سَلمَة سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، وكنية سَلام أَبُو رَافع.
وَصَحَّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلْوَ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»
بَاب حَسَن الْمُعَامَلَة مَعَ النَّاس
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: 215]، أَي: ليكن جناحك لَهُم لينًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الْإِسْرَاء: 24] الْآيَة، وَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [
الْأَعْرَاف: 199]، قَالَ مُجَاهِد: مِن أَخْلَاق النّاس وأعمالهم بِغَيْر تجسس.
وَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي صفة أهل الْإِيمَان: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْمَائِدَة: 54]، أَي: جانبهم لين مَعَ الْمُؤمنِينَ، وَلم يرد بِهِ الهوان، وَقَوله عز وَجل: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الْمَائِدَة: 54]، أَي: جانبهم غليظ عَلَيْهِم.
وَقَوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل: 159]، أَي: تفَرقُوا مِن حولك، والفظ: الغليظ السَّيئ الْخلق، وأصل الْفظ: مَاء الكرش يعتصر، فيشرب عِنْد عوز المَاء، سمي فظا لغلظ مشربه.
3505 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَزاِنَ الْقُشَيْرِيُّ، أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ نَظِيفٍ الْمِصْرِيُّ، بِمَكَّةَ، نَا الْحَسَنُ بْنُ الْخَضِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّيُوطِيُّ، نَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ، نَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الأَوْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يُحَرَّمُ عَلَى النَّارِ، وَبِمَنْ تُحَرَّمُ النَّارُ عَلَيْهِ: عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ قَرِيبٍ سَهْلٍ ".
هَذَا حَدِيث حسنٌ غريبٌ
وَرُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ، مُرْسَلا، قَالَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ، إِنْ قِيدَ انْقَادَ، وَإِنْ أُنِيخَ عَلَى صَخْرَةٍ اسْتَنَاخَ» قَوْله: «هَينُونَ لَينُونَ»، الأَصْل فِيهَا التثقيل، فَخفف.
الْأنف: الَّذِي قد عقره الخطام أَو الْبرة، فَلَا يمْتَنع على قائده فِي شَيْء للوجع الَّذِي بِهِ، وَقيل: الْجمل الْأنف: الذلول.
3506 - أَخْبَرَنَا
أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، نَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَامَوَيْهِ الأَصْفَهَانِيُّ، أَنا أَبُو يَحْيَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، بِمَكَّةَ، نَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، نَا عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ فُرَافِصَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبيِ هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، وَالْفَاجِرُ خَبٌّ لَئِيمٌ».
هَذَا حَدِيث غريبٌ
والغر: هُوَ الَّذِي ينخدع لانقياده وَلينه، وضده الخب، يَقُول: إِن الْمُؤمن الْمَحْمُود من كَانَ طبعه وشيمته الغباوة، وَقلة الفطنة للشر، وَترك الْبَحْث عَنهُ، وَلَا يكون ذَلِك مِنْهُ جهلا، وَلكنه كرم وَحسن خلق.
والفاجر: من كَانَت عَادَته الدهاء، والبحث عَن الشَّرّ، وَلَا يكون ذَلِك عقلا، وَلكنه خبث ولؤم.
وقَالَ صعصعة بْن صوحان لِابْنِ أَخِيه: خَالص الْمُؤمن، وخالق الْفَاجِر، فَإِن الْفَاجِر يرضى مِنْك بالخلق الْحسن، وَأما الْمُؤمن فَحق عَلَيْك أَن تخالطه.
بَاب الحذر
3507 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا قُتَيْبَةُ، نَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ،
عَنْ أَبيِ هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ».
هَذَا حَدِيث مُتَّفق على صِحَّته، أخرجه مُسلم، أَيْضا عَن قُتَيْبَة
وَمعنى الحَدِيث: أَن الْمُؤمن الممدوح هُوَ الْكيس الحازم الَّذِي لَا يُؤْتى من نَاحيَة الْغَفْلَة مرّة بعد أُخْرَى، وَهُوَ لَا يشْعر، وَقيل: أَرَادَ بِهِ الخداع فِي أَمر الْآخِرَة دون أَمر الدُّنْيَا، وَهُوَ بِالرَّفْع على معنى الْخَبَر.
ويروى بِكَسْر الْغَيْن على معنى النَّهْي: لَا يخدعن الْمُؤمن، وَليكن متيقظا حذرا حَتَّى لَا يَقع فِي مَكْرُوه، وَهُوَ لَا يشْعر.
وقَالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا تأمن عَدوك، وَاحْذَرْ صديقك إِلَّا الْأمين، والأمين إِلَّا مِن خشِي اللَّه عز وَجل.
بَاب لَا يَتَنَاجَى اثْنَان دون الثَّالِث
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: 9].
3508 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا كَانَ ثَلاثَةٌ، فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ».
هَذَا حَدِيث مُتَّفق على صِحَّته، أَخْرَجَهُ مُحَمَّد، عَن عَبْد اللَّه بْن يُوسُفَ، وَأخرجه مُسْلِم، عَن يَحْيَى بْن يَحْيَى، كِلَاهُمَا عَن مَالك
3509 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشَِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ دَارِ خَالِدِ بْنِ عُقْبَةَ الَّتِي بِالسُّوقِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يُريدُ أنْ يُنَاجِيَهُ، وَلَيْسَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَحَدٌ غيَرْيِ وغَيْرُ الرَّجُلِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ، فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَجُلا حَتَّى كُنَّا أَرْبَعَةً، فَقَالَ لِي وَلِلرَّجُلِ الَّذِي دَعَا: اسْتَرْخِيَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ»
3510 - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الطَّاهِرِيُّ، أَنا جَدِّي عَبْدُ الصَّمَدِ الْبَزَّازُ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعَذَافِرِيُّ، نَا إِسْحَاقُ الدَّبَرِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلاثَةًَ، فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ إِلا بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ ذلِكَ يُحْزِنُهُ».
هَذَا حَدِيث مُتَّفق على صِحَّته، واتفقا عَلَى إِخْرَاجه، عَن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذا كُنْتُم ثَلَاثَة، فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَان دون الآخر حَتَّى يختلطوا بِالنَّاسِ مِن أجل أَن يحزنهُ»
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: إِنَّمَا يحزنهُ ذَلِكَ لأحد مَعْنيين، أَحدهمَا: أَنَّهُ رُبمَا يتَوَهَّم أَن نجواهما لتبييت رَأْي فِيهِ، أَو دسيس غائلة لَهُ.
وَالْآخر: أَن ذَلِكَ مِن أجل الِاخْتِصَاص بالكرامة، وَهُوَ يحزن صَاحبه.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْد بْن حَرْب: هَذَا فِي السّفر، وَفِي الْموضع الَّذِي لَا يَأْمَن الرجل فِيهِ صَاحبه عَلَى نَفسه، فَأَما فِي الْحَضَر، وَبَين ظهراني الْعِمَارَة، فَلَا بَأْس بِهِ، وَالله أعلم.
قلت: وَقد صَحَّ عَن عَائِشَة: إِنَّا كُنَّا أَزوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْده، فَأَقْبَلت فَاطِمَة، فَلَمَّا رَآهَا، رحب، ثُمَّ سَارهَا.
فَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَن المسارة فِي الْجمع، وَحَيْثُ لَا رِيبَة جَائِزَة، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب.
بَاب النَّصِيحَة
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التَّوْبَة: 91]، وَقَالَ جلّ ذكره إِخْبَارًا عَن نوح عَلَيْهِ السَّلَام: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الْأَعْرَاف: 62]، وَعَن هود: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الْأَعْرَاف: 68]، وَعَن صَالح وَشُعَيْب: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ [الْأَعْرَاف: 79].
3511 - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْعَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ حَفَدَةُ الْعَطَّارِيُّ، أَدَامَ اللَّهُ ظِلَّهُ، نَا الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْبَغَوِيُّ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ، أَنا أَبُو نُعَيْمٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أَنا أَبُو عَوَانَةَ، نَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، وَزَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَسَدٍ، وَعَبْدُ السَّلامِ بْنُ أَبِي فَرْوَةَ النصيبيني، قَالُوا: أَنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَلاقَةَ،
سَمِعَ جَرِيرًا، يَقُولُ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ»
3512 - وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاقَةَ، سَمِعَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: «بَايَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ».
هَذَا حَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته، أَخْرَجَهُ مُحَمَّد، عَن أَبِي نعيم، وَأخرجه مُسْلِم، عَن أَبِي بَكْر بْن أَبِي شيبَة، وَزُهَيْر بْن حربٍ، كلّ عَن سُفْيَان
3513 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّاوُدِيُّ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الصَّلْتِ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ، نَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هَرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ مِرْآةٌ لأَخِيهِ، فَإِذَا رَأَى بِهِ شَيْئًا، فَلْيُمِطْهُ عَنْهُ»
3514 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَارِفِ، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ، لِلَّهِ وَلِكُتُبِهِ وَلِنَبِيِّهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ».
هَذَا حَدِيث صَحِيح، أَخْرَجَهُ مُسْلِم، عَن مُحَمَّد بْن عباد الْمَكِّيّ، عَن سُفْيَان بْن عُيَيْنَة
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: النَّصِيحَة كلمة جَامِعَة يعبر بهَا عَن جملَة
هِيَ إِرَادَة الْخَيْر، وَلَيْسَ يُمكن أَن يعبر عَن هَذَا الْمَعْنى بِكَلِمَة وَاحِدَة تحصرها، وَتجمع مَعْنَاهَا غَيرهَا، كَمَال قَالُوا فِي الْفَلاح: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كلمة أجمع لخير الدّنيا وَالْآخِرَة مِنْهُ، وَلذَلِك قَالُوا: أَفْلح الرجل: إِذا فَازَ بِالْخَيرِ الدَّائِم الَّذِي لَا انْقِطَاع لَهُ، وأصل النصح فِي اللُّغَة: الخلوص، يقَالَ: نصحت الْعَسَل: إِذا خلصته مِن الشمع، ويقَالَ: هُوَ مَأْخُوذ مِن: نصح الرجل ثَوْبه، أَي: خاطه، شبهوا فعل الناصح فِيمَا يتحراه مِن صَلَاح المنصوح لَهُ بِفعل الْخياط فِيمَا يسد مِن خلل الثَّوْب.
وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: «الدّين النَّصِيحَة»، يُرِيد عماد أَمر الدّين إِنَّمَا هُوَ النَّصِيحَة، وَبهَا ثباته، كَقَوْلِه عَلَيْهِ السَّلَام: «الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ»، أَي: صِحَّتهَا وثباتها بِالنِّيَّةِ.
فَمَعْنَى نصيحة اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: الْإِيمَان بِهِ، وَصِحَّة الِاعْتِقَاد فِي وحدانيته، وَترك الْإِلْحَاد فِي صِفَاته، وإخلاص النِّيَّة فِي عِبَادَته، وبذل الطَّاعَة فِيمَا أَمر بِهِ، وَنهى عَنْهُ، وموالاة مِن أطاعه، ومعاداة مِن عَصَاهُ، وَالِاعْتِرَاف بنعمه، وَالشُّكْر لَهُ عَلَيْهَا، وَحَقِيقَة هَذِه الْإِضَافَة رَاجِعَة إِلَى العَبْد فِي نصيحة نَفسه لله، وَالله غَنِي عَن نصح كل نَاصح.
أما النَّصِيحَة لكتاب اللَّه، فالإيمان بِهِ، وَبِأَنَّهُ كَلَام اللَّه ووحيه وتنزيله، لَا يقدر عَلَى مثله أحد مِن المخلوقين، وَإِقَامَة حُرُوفه فِي التِّلَاوَة، والتصديق بوعده ووعيده، وَالِاعْتِبَار بمواعظه، والتفكر فِي عجائبه، وَالْعَمَل بمحكمه، وَالتَّسْلِيم لمتشابهه.
وَأما النَّصِيحَة لرَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهِيَ التَّصْدِيق بنبوته، وَقبُول مَا جَاءَ بِهِ، ودعا إِلَيْهِ، وبذل الطَّاعَة لَهُ فِيمَا أَمر وَنهى، والانقياد لَهُ فِيمَا حكم
وأمضى، وَترك التَّقْدِيم بَين يَدَيْهِ، وإعظام حَقه، وتعزيزه وتوقيره ومؤازرته ونصرته وإحياء طَرِيقَته فِي بَث الدعْوَة، وإشاعة السّنة، وَنفي التُّهْمَة فِي جَمِيع مَا قَالَه ونطق بِهِ، كَمَا قَالَ جلّ ذكره: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النِّسَاء: 65]، وَقَالَ عز اسْمه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النَّجْم: 3].
وَأما النَّصِيحَة لأئمة الْمُسلمين، فالأئمة هُم الْوُلَاة مِن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فَمن بعدهمْ مِمَّن يَلِي أَمر هَذِه الْأمة، وَيقوم بِهِ، فَمن نصيحتهم بذل الطَّاعَة لَهُم فِي الْمَعْرُوف، وَالصَّلَاة خَلفهم، وَجِهَاد الْكفَّار مَعَهم، وَأَدَاء الصَّدقَات إِلَيْهِم، وَترك الْخُرُوج عَلَيْهِم بِالسَّيْفِ إِذا ظهر مِنْهُم حيف، أَو سوء سيرة، وتنبيههم عِنْد الْغَفْلَة، وَألا يغروا بالثناء الْكَاذِب عَلَيْهِم، وَأَن يدعى بالصلاح لَهُم.
وَقد يتَأَوَّل ذَلِكَ أَيْضا فِي الْأَئِمَّة الَّذين هُم عُلَمَاء الدّين، فَمن نصيحتهم قبُول مَا رَوَوْهُ إِذا انفردوا، وتقليدهم ومتابعتهم عَلَى مَا رَوَوْهُ إِذا اجْتَمعُوا.
وَأما نصيحة الْمُسلمين، فجماعها إرشادهم إِلَى مصالحهم مِن تَعْلِيم مَا يجهلونه مِن أَمر الدّين، وَأمرهمْ بِالْمَعْرُوفِ، ونهيهم عَن الْمُنكر، والشفقة عَلَيْهِم، وتوقير كَبِيرهمْ، والترحم عَلَى صَغِيرهمْ، وتخولهم بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة، كَمَا أرشد اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ فِي قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النَّحْل: 125]، قِيلَ: إِن المجادلة بِالَّتِي هِيَ أحسن: مَا كَانَ نَحْو قَوْله عز وَجل حِكَايَة عَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مَرْيَم: 42]، وَقَوله
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [الشُّعَرَاء: 72]، فَإِن مثل هَذِه المجادلة يُقيم الحجّة، وَلَا يُورث الوحشة، وَهُوَ معنى الدُّعَاء إِلَى سَبِيل رَبك بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَن.
وَالله أعلم
3515 - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلالُ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " قَالَ اللَّهُ: أَحَبُّ مَا تَعَبَّدَنِي بِهِ عَبْدِي إِلَيَّ النُّصْحُ لِي "
قَالَ الْحَسَن: لن تبلغ حق نصيحتك لأخيك حَتَّى تَأمره بِمَا يعجز عَنْهُ
بَاب نصْرَة الإخوان
3516 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ مِلاسٍ النُّمَيْرِيُّ، نَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، نَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ،
عَنْ أَنَسٍِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَصَرْتُهُ مَظًلُومًا، فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَذَلِكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ "
هَذَا حَدِيث مُتَّفق على صِحَّته، أَخْرَجَهُ مُحَمَّد، مِن رِوَايَة أنس.
أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه الصَّالِحِيّ، أَنَا أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن الْحَسَن الْحِيرِي، أَنَا حَاجِب بْن أَحْمَد الطوسي، نَا عَبْد الرَّحِيم بْن منيب، نَا يزِيد بْن هَارُون، أَنَا حميد، بِهَذَا الْإِسْنَاد مثله، وَلم يقل: «فَذَلِك نصرك إِيَّاه»
3517 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: " اقْتَتَلَ غُلامَانِ: غُلامٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَغُلامٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَنَادَى الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، وَنَادَى الأَنْصَاريُّ: يَا لَلأَنْصَارِ، فَخَرجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ أَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلا أَنَّ غُلامَيْنِ اقْتَتَلا، فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ، فَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، إِنْ كَانَ ظَالِمًا، فلينهه، فَإِنَّهُ لَهُ نُصْرَةً، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا، فَلْيَنْصُرْهُ ".
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِم، عَن أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن يُونُسَ، عَن زُهَيْرٍ.
بَاب
السّتْر
3518 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَخْلَدِيُّ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّرَّاجُ، نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلا يَشْتِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّد، عَن يَحْيَى بْن بُكَيْر، عَنِ اللَّيْثِ، وَقَالَ: «لَا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ»، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْن سَعِيدٍ.
3519 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمَةَ، نَا خَالِدُ بْنُ إِلْيَاسَ، عَنْ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَرَى الْمُؤْمِنُ مِنْ أَخِيهِ عَوْرَةً فَسَتَرَهَا عَلَيْهِ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ» 3520 - أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ، أَنا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: نَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رَأَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ رَجُلا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: سَرَقْتَ؟ فَقَالَ: كَلا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَكَذَّبْتُ عَيْنَيَّ ". هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
بَاب النَّهْي عَن هجران الإخوان
3521 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.
3522 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّد، عَن عَبْد اللَّه بْن يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم، عَن يَحْيَى بْن يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.
قَوْله: «لَا تدابروا»، مَعْنَاهُ: التهاجر والتصارم مَأْخُوذ مِن تَوْلِيَة الرجل دبره إِذا رَأَى أَخَاهُ، وإعراضه عَنْهُ.
وَقَالَ المورج: قَوْله: «لَا تدابروا»، مَعْنَاهُ: آسوا، وَلَا تستأثروا، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا قِيلَ للمستأثر مستدبر.
لِأَنَّهُ يولي عَن أَصْحَابه، إِذا اسْتَأْثر بِشَيْء دونهم.
فَأَما النَّهْي عَن الهجران أَكثر مِن ثَلَاث، إِنَّمَا جَاءَ فِي هجران الرجل أَخَاهُ لعتب وموجدة، أَو لنبوة تكون مِنْهُ، فَرخص لَهُ فِي مُدَّة الثَّلَاث لقلتهَا، وَحرم مَا وَرَاءَهَا.
فَأَما هجران الْوَالِد الْوَلَد، وَالزَّوْج الزَّوْجَة، وَمن كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا، فَلَا يضيق أَكثر مِن ثَلَاث، وَقد هجر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ شهرا.
هَذَا قَول الْخطابِيّ فِي كِتَابه.
قلت: فَأَما هجران أهل الْعِصْيَان، وَأهل الريب فِي الدّين، فشرع إِلَى أَن تَزُول الرِّيبَة عَن حَالهم، وَتظهر تَوْبَتهمْ، قَالَ كَعْب بْن مَالك حِين تخلف عَن غَزْوَة تَبُوك: وَنهى النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن كلامنا، وَذكر خمسين لَيْلَة.
وَجعل مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل، رَحمَه اللَّه، الْخمسين حدا لتبين تَوْبَة العَاصِي.
وَقَالَ
عَبْد اللَّه بْن عُمَر: لَا تسلموا عَلَى شربة الْخمر.
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء: لن تفقه كل الْفِقْه حَتَّى تمقت النّاس فِي ذَات اللَّه، ثُمَّ تقبل عَلَى نَفسك، فَتكون لَهَا أَشد مقتا مِنْك للنَّاس.
بَاب وَعِيد المتهاجرين والمتشاحنين
3523 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلا رَجُلٌ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: اتْرُكُوا، أَوِ ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ". هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ عَن أَبِي الطَّاهِرِ، عَن ابْنِ وَهْبٍ، عَن مَالِكٍ، عَنْ مُسْلِم بْن أَبِي مَرْيَم،
عَن أَبِي صَالِحٍ، وَقَالَ: «تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ»
والشحناء: الْعَدَاوَة، والمشاحن: المعادي.
وَقَوله: «اركوا»، أَي: أخروا، يقَالَ: ركاه يركوه: إِذا أَخّرهُ.
«حَتَّى يفيئا»، أَي: حَتَّى يرجعا إِلَى الصُّلْح
3524 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنِي أَبُو غَسَّانَ مُطَرِّفٌ، سَمِعْتُ دَاوُدَ بْنَ فَرَاهِيجَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةَ كُلَّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، وَيُغْفَرُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلا رَجُلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيَقُولُ: اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا "
3525 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِم، عَن أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قُلْتُ: التَّحْرِيشُ: إِيقَاعُ الْخُصُومَةِ وَالْخُشُونَةِ بَيْنَهُمْ.
بَاب النَّهْي عَن تتبع عورات الْمُسلمين
3526 - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الطُّوسِيُّ، بِهَا، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الإِسْمَاعِيلِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَاجِيَةَ، نَا يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ، نَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَوْفَى بْنِ دَلْهَمٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ: لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، فَيَفْضَحَهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ "، قَالَ: وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: مَا أَعْظَمَكِ، وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْن بْنِ وَاقِدٍ.
قُلْتُ: وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَغَهُ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَنَالُونَ نَاسًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَرَفَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَهُ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يُخْلِصِ الْإِيمَانَ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُؤْمِنِينَ، وَلا تَتَّبِعُوا عَوَرَاتِهِمْ»، فَذَكَرَ مِثْلَ مَعْنَاهُ.
3527 - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَنا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلالُ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ يَحْيَى الْمَعَافِرِيَّ أَخْبَرَنَا، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُنَافِقٍ يَعِيبُهُ، بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَمَنْ قفى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ شَيْنَهُ بِهِ، حَبَسَهُ اللَّهُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ»
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ الأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ» وَعَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّكَ إِذَا اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ»
بَاب الذب عَن الْمُسلمين
3528 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، نَا أَبُو شَيْخٍ الْحَرَّانِيُّ، نَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ إِلا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الرّوم: 47] "
3529 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو عَاصِمٍ، وَالْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ ذَبَّ عَنْ لَحْمِ أَخِيهِ بِالْمَعِيبَةِ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ»
3530 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، نَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَنِ اغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ، وَهُوَ يقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ، فَنَصَرَهُ، نَصَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ».
وَأَخْبَرَنَا الصَّالِحِيُّ، أَنا ابْنُ بِشْرَانَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل الصفَّار، نَا الرَّمادي، نَا عَبْد الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، وَالثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبَانٍ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
3532 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمِ بْنِ زَيْدٍ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ سَمِعَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ بَشِيرٍ، مَوْلَى بَنِي مَغَالَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبَا طَلْحَةَ بْنَ سَهْلٍ الأَنْصَارِيَّيْنِ، يَقُولانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنَ امْرِئٍ يَخْذُلُ مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنَ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ» قَالَ طَارق: كَانَ بَين خَالِد بْن الْوَلِيد وَبَين سعد بْن أَبِي وَقاص كَلَام، فَتَنَاول رَجُل خَالِدا عِنْد سعد، فَقَالَ: إِن الَّذِي بَيْننَا لم يبلغ ديننَا.
بَاب مَا لَا يجوز مِن الظَّن وَالنَّهْي عَن التحاسد والتجسس
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12].
وَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النِّسَاء: 54]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية: 17]، وَالْبَغي: الْحَسَد، وَسمي الظُّلم بغيا، لِأَن الْحَاسِد ظَالِم، وَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يُونُس: 23].
3533 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَنَافَسُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا».
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَسَّان بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعيُّ، أَنا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْن الْقَطَّانُ، نَا أَحْمَد بْن يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، نَا عَبْد الرَّزَّاقِ، أَنا مَعمر، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَقَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ»، ذَكَرَهُ ثَلاثًا، قَالَ: «وَلَا تَنَاجَشُوا»، بَدَلَ قَوْلِهِ: «وَلا تَجَسَّسُوا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.
وَزَادَ: «وَلا تَحَسَّسُوا وَلا تَجَسَّسُوا»
قَوْله: «إيَّاكُمْ وَالظَّن»، أَرَادَ بِهِ سوء الظَّن، وتحقيقه دون مبادي الظنون الّتي لَا تملك.
لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]، وَلم يَجْعَل كُله إِثْمًا.
وَحكي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، أَنَّهُ قَالَ: الظَّن ظنان: ظن إِثْم، وَظن لَيْسَ بإثم، فَأَما الَّذِي هُوَ إِثْم، فَالَّذِي يظنّ ظنا، وَيتَكَلَّم بِهِ.
وَالَّذِي لَيْسَ بإثم، فَالَّذِي يظنّ، وَلَا يتَكَلَّم بِهِ.
قلت: فَأَما اسْتِعْمَال سوء الظَّن إِذا كَانَ عَلَى وَجه الحذر وَطلب السَّلامَة مِن شَرّ النّاس، فَلَا يَأْثَم بِهِ الرجل، فَإِن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لعَمْرو بْن الفغواء الْخُزَاعِيّ: «التمس صاحبا»، وَأَرَادَ أَن يبْعَث بِمَال إِلَى أَبِي سُفْيَان يقسمهُ فِي قُرَيْش بِمَكَّة بعد الْفَتْح، فجَاء إِلَيْهِ عَمْرو بْن أُميَّة الضمرِي، وَقَالَ: «أَنَا لَك صَاحب»، قَالَ: فَأخْبرت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِذا هَبَطت بلاط قومه، فاحذره، فَإِنَّهُ قد قَالَ الْقَائِل: «أَخُوك الْبكْرِيّ وَلَا تأمنه»، وَذَلِكَ مثل شهير للْعَرَب فِي الحذر.
وَرُوِيَ عَن عُمَر بْن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: «احتجزوا مِن النّاس بِسوء الظَّن، وَلَا تثقوا بِكُل أحد، فَإِنَّهُ أسلم لكم».
وَقَالَ سلمَان: «إِنِّي لأعد هراق الْقدر عَلَى خادمي مَخَافَة الظَّن».
قَالَ أَبُو خلدَة: «كُنَّا نؤمر بالختم عَلَى الْخَادِم والكيل وَالْعدَد، خشيَة أَن يُصِيب أَحَدنَا إِثْمًا فِي الظَّن، أَو يتعود الْخَادِم خلق سوء».
وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود: «مَا يزَال الَّذِي يسرق يسيء الظَّن حَتَّى يكون أعظم إِثْمًا مِن السَّارِق».
والتجسس بِالْجِيم: الْبَحْث عَن عُيُوب النّاس، والتحسس بِالْحَاء: طلب الْخَيْر، وَمِنْه قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يُوسُف: 87]، فالتجسس فِي الشَّرّ، وَبِالْحَاءِ فِي الْخَيْر.
قلت: نهى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن تتبع أَخْبَار النّاس لِئَلَّا يَقع فِي حسده إِن كَانَ خيرا، وَلَا يظْهر عَلَى عَوْرَته إِن كَانَ شرا.
وَقيل: التحسس بِالْحَاء: أَن يَطْلُبهُ لنَفسِهِ، والتجسس بِالْجِيم: أَن يَطْلُبهُ لغيره، وَمِنْه الجاسوس.
وَقيل: التَّجَسُّس، بِالْجِيم: الْبَحْث عَن العورات، والتحسس: الِاسْتِمَاع لحَدِيث الْقَوْم، وَأَصله مِن الْحس.
لِأَنَّهُ يتتبعه بحسه، وَقيل: هما سَوَاء، وَقَرَأَ الْحَسَن «وَلَا تحسسوا» بِالْحَاء.
3535 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ، أَنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ مِنْ هَذَا الْفَجِّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَالَ: فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وَضُوئِهِ قَدْ عَلَّقَ نَعْلَهُ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَسَلَّمَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ: فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ مَرَّتِهِ الأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا: فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الأُولَى،
فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: إِنِّي لاحَيْتُ أَبِي، فَأَقْسَمْتُ أَلا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أنْ تُئْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الثَّلاثَةُ، فَعَلْتَ، قَالَ: نَعَمْ "، قَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ ثَلاثَ لَيَالٍ، قَال: فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ، ذَكَرَ اللَّهَ، وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلاةِ الْفَجْرِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلا خَيْرًا.
قَالَ: فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلاثُ لَيَالٍ، وَكِدْتُ أَحْتَقِرُ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ وَالِدِي غَضَبٌ، وَلا هَجْرٌ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلاثَ مَرَّاتٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلا مَا رَأَيْتَ.
قَالَ: فَانْصَرَفْتُ عَنْهُ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ، دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلا مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلا أَحْسُدُهُ عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَهَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي
لَا تُطَاقُ.
وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاثَةٌ لَا يُعْجِزُهُنَّ ابْنُ آدَمَ: الطِّيَرَةُ، وَسُوءُ الظَّنِّ، وَالْحَسَدُ، فَيُنْجِيكَ مِنَ الطِّيَرَةِ أَلا تَعْمَلَ بِهَا، وَيُنْجِيكَ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ أَلا تَتَكَلَّمَ، وَيُنْجِيكَ مِنَ الْحَسَدِ أَلا تَبْغِيَ أَخَاكَ سُوءًا "
3536 - نَا
الإِمَامُ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ التُّرَابِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ الْبِسْطَامِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ الْقُرَشِيُّ، نَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " فِي الْمُؤْمِنِ ثَلاثُ خِصَالٍ، لَيْسَ مِنْهَا خَصْلَةٌ إِلا لَهُ مِنْهَا مَخْرَجٌ: الطِّيَرَةُ وَالْحَسَدُ وَالظَّنُّ، فَمَخْرَجُهُ مِنَ الطِّيَرَةِ أَنْ لَا يَرُدَّهُ، وَمَخْرَجُهُ مِنَ الظَّنِّ أَلا يُحَقِّقَ، وَمَخْرَجُهُ مِنَ الْحَسَدِ أَلا يَبْغِيَ "، مُرْسَلٌ.
بَاب
مَا يجوز مِن الِاغْتِبَاط فِي الْخَيْر 3537 - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْهَيْثَمِ، أَنا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَدَّادِيُّ، أَنا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، أَنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " لَا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا، فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرِهِ، كُلٌّ عَنْ سُفْيَانَ، وَأَخْرَجَاهِ مِنْ طُرُقٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود.
بَاب إصْلَاح ذَات الْبَين وَإِبَاحَة الْكَذِب فِيهِ
3538 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمٍ، هُوَ ابْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّلاةِ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى، قَال: إِصْلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ ".
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
أَرَادَ بِفساد ذَات الْبَين: الْعَدَاوَة والبغضاء.
وَمعنى الحالقة: أَنَّهَا تحلق الدّين، فقد رُوِيَ عَن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «دب إِلَيْكُم دَاء الْأُمَم قبلكُمْ الْحَسَد والبغضاء هِيَ الحالقة، لَا أَقُول تحلق الشّعْر، وَلَكِن تحلق الدّين».
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ»
3539 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ، أَنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّهِ، أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ عُقْبَةَ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «لَيْسَ بِالْكَذَّابِ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ خَيْرًا، أَوْ نَمَى خَيْرًا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم، عَن عَمْرٍو الزَّاهِدِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَزَادَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: " وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخِّصْ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذب إِلا فِي ثَلاثٍ: الْحَرْبِ، وَالإِصْلاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا ".
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم، عَن عَمْرو النَّاقِدِ، عَن يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَن أَبِيهِ، عَن صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِ، وَقَالَتْ يَعْنِي أُمَّ كُلْثُومٍ: «وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النّاسُ إِلا فِي ثَلاثٍ»
قَوْله: «نمى خيرا»، أَي: أبلغ وَرفع، وكل شَيْء رفعته، فقد نميته، يقَالَ: نميت الحَدِيث: إِذا بلغته عَلَى وَجه الْإِصْلَاح، أنميه، فَإِذا بلغته عَلَى وَجه النميمة وإفساد ذَات الْبَين، قلت: نميته بتَشْديد الْمِيم.
3540 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ تَمْتَامٌ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، نَا الْفَضْلُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنِي ابْنُ خُثَيْمٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَصْلُحُ
الْكَذِبُ إِلا فِي ثَلاثٍ: الرَّجُلُ يَكْذِبُ فِي الْحَرْبِ، وَالْحَرْبُ خُدْعَةٌ، وَالرَّجُلُ يَكْذِبُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمَا، وَالرَّجُلُ يَكْذِبُ لِلْمَرْأَةِ لِيُرْضِيَهَا بِذَلِكَ ".
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: هَذِه أُمُور قد يضْطَر الْإِنْسَان فِيهَا إِلَى زِيَادَة القَوْل، ومجاوزة الصدْق، طلبا للسلامة ورفعا للضَّرَر، وَقد رخص فِي بعض الْأَحْوَال فِي الْيَسِير مِن الْفساد، لما يؤمل فِيهِ مِن الصّلاح، فالكذب فِي الْإِصْلَاح بَين اثْنَيْنِ: هُوَ أَن ينمي مِن أَحدهمَا إِلَى صَاحبه خيرا، ويبلغه جميلا، وَإِن لم يكن سَمعه مِنْهُ، يُرِيد بذلك الْإِصْلَاح، وَالْكذب فِي الْحَرْب: هُوَ أَن يظْهر مِن نَفسه قُوَّة، ويتحدث بِمَا يُقَوي أَصْحَابه، ويكيد بِهِ عدوه، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «الْحَرْب خدعة»، وَأما كذب الرجل زَوجته: فَهُوَ أَن يعدها ويمنيها، وَيظْهر لَهَا مِن الْمحبَّة أَكثر مِمَّا فِي نَفسه، يستديم بذلك صحبتهَا، ويستصلح بِهِ خلقهَا، وَالله أعلم.
وَقَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة: لَو أَن رجلا اعتذر إِلَى رَجُل، فحرف الْكَلَام وَحسنه ليرضيه بذلك، لم يكن كَاذِبًا يتَأَوَّل الحَدِيث: «لَيْسَ بالكاذب مِن أصلح بَين النّاس»، قَالَ: فإصلاحه مَا بَينه وَبَين صَاحبه أفضل مِن إِصْلَاحه مَا بَين النّاس.
وَرُوِيَ أَن رجلا قَالَ فِي عهد عُمَر لامْرَأَته: نشدتك بِاللَّه هَل تحبيني؟ فقَالَت: أما إِذْ نشدتني بِاللَّه، فَلَا، فَخرج حَتَّى أَتَى عُمَر، فَأرْسل إِلَيْهَا، فَقَالَ: أَنْت الّتي تَقُولِينَ لزوجك: لَا أحبك؟ فقَالَت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ نشدني بِاللَّه، أفأكذب؟ قَالَ: نعم، فاكذبيه، لَيْسَ كل الْبيُوت تبنى عَلَى الْحبّ، وَلَكِن النّاس يتعاشرون بِالْإِسْلَامِ والأحساب.
بَاب التعزي بعزاء الْجَاهِلِيَّة
3541 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِيرَبَنْدَكُشَائِيُّ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِرَاجٍ الطَّحَّانُ، أَنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ، أَنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ، حَدَّثَنَاهُ مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عتي بْنِ ضَمْرَةَ السَّعْدِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلا، قَالَ: يَا لَفُلانٍ، وَيَا لَبَنِي فُلانٍ، فَقَالَ لَهُ: اعْضَضْ بِهَنِ أَبِيكَ، وَلَمْ يُكْنِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، مَا كُنْتَ فَحَّاشًا، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَنْ تَعزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَعِضُّوهُ بِهَنِ أَبِيهِ وَلا تَكْنُوا»
قَوْله: «مِن تعزى بعزاء الْجَاهِلِيَّة»، أَي: انتسب وانتمى، كَقَوْلِهِم: يَا لفُلَان، وَيَا لبني فلَان، يقَالَ: عزوت الرجل وعزيته: إِذا نسبته، وَكَذَلِكَ كل شَيْء تنسبه إِلَى شَيْء.
وَقيل لعطاء فِي حَدِيث حدّثه، إِلَى مِن تعزيه؟ أَي: إِلَى مِن تسنده.
ويروى فِي حَدِيث آخر «مِن لم يتعز بعزاء اللَّه، فَلَيْسَ منا»، وَله وَجْهَان: أَحدهمَا أَن لَا يتعزى بعزاء الْجَاهِلِيَّة وَدَعوى الْقَبَائِل، وَلَكِن يَقُولُ: يَا للْمُسلمين، فَهَذَا عزاء الْإِسْلَام، وَالْوَجْه الآخر: أَن معنى التعزي فِي هَذَا الحَدِيث، التأسي والتصبر عِنْد الْمُصِيبَة، فَيَقُول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [الْبَقَرَة: 156]، كَمَا أَمر اللَّه عز وَجل.
وَقَوله: بعزاء اللَّه، أَي: بتعزية اللَّه إِيَّاه، فأقيم الِاسْم مقَام الْمصدر.
قَوْله: «بِهن أَبِيهِ»، يَعْنِي: ذكره، قلت: يُرِيد يَقُولُ لَهُ: اعضض بأير أَبِيك، يجاهره بِمثل هَذَا اللَّفْظ الشنيع ردا لما أَتَى بِهِ مِن الانتماء إِلَى قبيلته، والافتخار بهم.
وكنيت الرجل، وكنوته لُغَتَانِ.
بَاب العصبية
3542 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، نَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، أَنا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، نَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «خَيْرُكُمُ الْمُدَافِعُ عَنْ عَشِيرَتِهِ مَا لَمْ يَأْثَمْ» 3543 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ الْمُظَفَّرِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ، نَا عَمْرَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ، نَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ، نَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَمَانٍ الْغَافِقِيُّ، نَا رَوْحُ بْنُ شَبَابَةَ أَبُو الْحَارِثِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ».