كِتَابُ الصَّلاةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البغوي ، أبو محمد
- الكتاب
- شرح السنة
- المؤلف
- محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1403هـ - 1983م
- عدد الأجزاء
- 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بَابُ كَرَاهِيَةِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي وَإِبَاحَةِ دَفْعِهِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي؟ قَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ»، قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي، قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «لأَنْ يَقِفَ أَحَدُكُمْ مِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي»
544 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ آدَمَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ، كِلاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَقَالَ: «فَلْيَدْفَعْهُ فِي نَحْرِهِ، فَإِنْ أَبَى، فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ»
قَوْلُهُ: «فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ»، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ: أَنَّ الشَّيْطَانَ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَهُ شَيْطَانًا، لأَنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ الْمَارِدُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ.
قُلْتُ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى كَرَاهِيَةِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، فَمَنْ فَعَلَ فَلِلْمُصَلِّي دَفْعُهُ، وَلا يَزِيدُ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ عَلَى الدَّفْعِ، فَإِنْ أَبَى وَلَجَّ، فَحِينَئِذٍ يُعَنِّفُ فِي دَفْعِهِ عَنِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ الدَّفْعُ بِالْعُنْفِ لَا الْقَتْلُ، فَإِنَّهُ يُرْوَى فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ»، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي يُصَلِّي إِلَى سُتْرَةٍ، فَأَرَادَ الْمَارُّ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، فَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ الْمَارِّ، لأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنَ الْمُصَلِّي بِتَرْكِ السُّتْرَةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْيَسِيرَ لَا يُبْطِلُ الصَّلاةَ.
بَابُ لَا يَقْطَعُ صَلاتَهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ
545 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا قَالَتْ: " كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرِجْلايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا.
قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ
قُلْتُ: وَيَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لَا يَرَى لَمْسَ الْمَرْأَةِ مُوجِبًا لِلْوُضُوءِ.
546 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، نَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيب، نَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يُصَلِّي صَلاتَهُ مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ كَاعْتِرَاضِ الْجِنَازَةِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ
547 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، نَا أَبِي، نَا الأَعْمَشُ، نَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ الأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، ذُكِرَ عِنْدَهَا " مَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ: الْكَلْبُ، والْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ، فَقَالَتْ: شَبَّهْتُمُونَا بِالْحُمُرِ وَالْكِلابِ! وَاللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، وَإِنِّي عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مُضْطَجِعَةٌ، فَتَبْدُو لِي الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ فَأُوذِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، وَقَالَ مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: «فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ السَّرِيرِ، حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لِحَافِي»
548 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ، فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ
قَوْلُهُ: نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ، أَيْ: قَارَبْتُهُ.
549 - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ،
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ لَنَا وَمَعَهُ عَبَّاسٌ، «فَصَلَّى فِي صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، وَحِمَارَةٌ لَنَا وَكَلْبَةٌ تَعْبَثَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا بَالَى ذَلِكَ»
قُلْتُ: فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي لَا تَقْطَعُ صَلاتَهُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ، أَنْ لَا يَقْطَعُ صَلاةَ الْمُصَلِّي شَيْءٌ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ.
550 - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ شَيْءٌ، وادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ»
وَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعُرْوَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَقْطَعُ صَلاتَهُ: الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، لِمَا
551 - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ الْمُغِيرَةِ أَخْبَرَهُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَقْطَعُ صَلاةَ الرَّجُلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ قَيْدُ آخِرَةِ الرَّحْلِ:
الْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ، وَالْمَرْأَةُ "، فَقُلْتُ: مَا بَالُ الأَسْوَدِ مِنَ الأَحْمَرِ، مِنَ الأَصْفَرِ مِنَ الأَبْيَضِ؟ قَالَ: يَابْنَ أَخِي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: «الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ».
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَقْطَعُهَا الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ، وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَقْطَعُهَا إِلا الْكَلْبُ الأَسْوَدُ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: وَفِي نَفْسِي مِنَ الْحِمَارِ وَالْمَرْأَةِ شَيْءٌ.
وَزَعَمَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ، أَنَّ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ عَارَضَهُ فِي الْمَرْأَةِ وَالْحِمَارِ حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَبَقِيَ خَبَرُ أَبِي ذَرٍّ فِي الْكَلْبِ الأَسْوَدِ، وَلا مُعَارِضَ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا تُصَلُّوا خَلْفَ النَّائِمِ، وَلا الْمُتَحَدِّثِ».
وَيُرْوَى النَّهْيُ أَنْ يَتَحَدَّثَ رَجُلانِ، وَبَيْنَهُمَا أَحَدٌ يُصَلِّي.
وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَهُوَ يُصَلِّي، وَذَلِكَ إِذَا اشْتَغَلَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَغِلْ، فَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُصَلِّي وَإِنِّي لَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مُضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: مَا بَالَيْتُ إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْطَعُ صَلاةَ الرَّجُلِ.
(شرح السّنة)
ويليه الْجُزْء الثَّالِث، وأوله
بَاب صفة الصَّلَاة
تمّ بِحَمْد الله
بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ
552 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَعَلَيْكَ السَّلامُ ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ السَّلامُ ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا: عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ، فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا».
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنَا أَبُو أُسَامَةَ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: فَأَعْلِمْنِي، وَقَالَ بَعْدَ السُّجُودِ الأَخِيرِ: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ
قَوْلُهُ: «بِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» أَرَادَ بِهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ إِذَا كَانَ يُحْسِنُهَا بِبَيَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْهَدْيِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [الْبَقَرَة: 196] وَالْمُرَادُ مِنْهُ: شَاةٌ بِبَيَانِ السُّنَّةِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الطَّمَأْنِينَةِ فِي الأَرْكَانِ، لأَنَّ أَمْرَهُ لِلْوُجُوبِ.
وَفِي قَوْلِهِ: «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا» دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا، كَمَا يَجِبُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ.
قُلْتُ: أَرْكَانُ الصَّلاةِ سِتَّةَ عَشْرَةَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى: النِّيَّةُ فِي أَوَّلِهَا، وَالتَّكْبِيرَةُ الأُولَى، وَالْقِيَامُ، وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، وَالرُّكُوعُ، وَالطَّمَأْنِينَةُ فِيهِ، وَالاعْتِدَالُ عَنْهُ قَائِمًا، وَالطَّمَأْنِينَةُ فِيهِ، وَالسُّجُودُ الأَوَّلُ، وَالطَّمَأْنِينَةُ فِيهِ، وَالاعْتِدَالُ عَنْهُ جَالِسًا، وَالطَّمَأْنِينَةُ فِيهِ، وَالسُّجُودُ الثَّانِي، وَالطَّمَأْنِينَةُ فِيهِ، وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالاةُ.
وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رُكْنًا، هَذِهِ الأَرْكَانُ سِوَى النِّيَّةِ، وَالتَّكْبِيرِ.
وَفِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ الأَخِيرِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: الْقُعُودُ، وَقِرَاءَةُ التَّشَهُّدِ، وَالصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالتَّسْلِيمَةُ الأُولَى.
فَكُلُّ صَلاةٍ هِيَ ذَاتُ رَكْعَتَيْنِ فِيهَا أَرْبَعَةٌ وَثَلاثُونَ رُكْنًا، وَفِي الْمَغْرِبِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ رُكْنًا، وَفِي ذَاتِ الأَرْبَعِ اثْنَانِ وَسِتُّونَ رُكْنًا، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهَا، فَزَادُوا وَنَقَصُوا عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فِي مَوَاضِعِهَا.
ثُمَّ الْوَقْتُ، وَالطَّهَارَةُ عَنِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ مِنْ شَرَائِطِهَا.
553 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلادِ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ،
عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمًا، قَالَ رِفَاعَةُ: وَنَحْنُ مَعَهُ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ كَالْبَدَوِيِّ، فَصَلَّى وَأَخَفَّ صَلاتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَعَلَيْكَ، فَارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَفَعَلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَعَلَيْكَ، فَارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَعَافَ النَّاسُ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونَ مَنْ أَخَفَّ صَلاتَهُ لَمْ يُصَلِّ، فَقَالَ الرَّجُلُ فِي آخِرِ ذَلِكَ: فَأَرِنِي وَعَلِّمْنِي، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُصِيبُ وَأُخْطِئُ، فَقَالَ: «أَجَلْ، إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ، فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ، ثُمَّ تَشَهَّدْ، وَأَقِمْ، فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ، وَإِلا فَاحْمَدِ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ، ثُمَّ ارْكَعْ فَاطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ اعْتَدِلْ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ وَاعْتَدِلْ سَاجِدًا، ثُمَّ اجْلِسْ فَاطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ قُمْ، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ، فَقَدْ تَمَّتْ صَلاتُكَ، فَإِنِ انْتَقَصْتَ مِنْهُ شَيْئًا، انْتَقَصْتَ مِنْ صَلاتِكَ»، قَالَ: فَكَانَ هَذَا أَهْوَنَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأُولَى، أَنَّهُ مَنِ انْتَقَصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا انْتَقَصَ مِنْ صَلاتِهِ، وَلَمْ تَذْهَبْ كُلُّهَا.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رُوِيَ، عَنْ رِفَاعَةَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَقَدْ صَحَّ مِثْلُهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاةِ، فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، يَجِبُ قِرَاءَتُهَا، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْفَاتِحَةَ، وَيُحْسِنُ شَيْئًا غَيْرَهَا مِنَ الْقُرْآنِ، يَجِبُ أَنْ يَقْرَأَ
سَبْعَ آيَاتٍ مِنْ حَيْثُ يُحْسِنُ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ، يُسَبِّحِ اللَّهَ، وَيَحْمَدْهُ، وَيُهَلِّلْهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي، قَالَ: " قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ "، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لِلَّهِ، فَمَا لِي؟ قَالَ: " قُلِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي، وَعَافِنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي "، وَلَوْ صَلَّى فَنَسِيَ الْقِرَاءَةَ أَعَادَ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ، فَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قِيلَ لَهُ: مَا قَرَأْتَ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ؟ فَقَالُوا: حَسَنًّا، فَقَالَ: لَا بَأْسَ إِذًا.
554 - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بُوَيْهِ الزَّرَّادُ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ، نَا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ، نَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ الْعَسْقَلانِيُّ أَبُو أَحْمَدَ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلادٍ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَرَجُلٌ يُصَلِّي،
فَلَمَّا انْصَرَفَ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَعِدْ صَلاتَكَ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَرَجَعَ فَصَلَّى كَنَحْوٍ مِمَّا صَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعِدْ صَلاتَكَ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلِّمْنِي، قَالَ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَمَا تَيَسَّرَ، ثُمَّ ارْكَعْ، فَإِذَا رَكَعْتَ، فَاجْعَلْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ، فَامْدُدْ ظَهْرَكَ، وَمَكِّنْ لِرُكُوعِكَ، وَإِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ، فَقُمْ حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ إِلَى مَفَاصِلِهَا، ثُمَّ اسْجُدْ، فَإِذَا سَجَدْتَ، فَمَكِّنْ لِسُجُودِكَ، فَإِذَا رَفَعْتَ، فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى، ثُمَّ اصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَسَجْدَةٍ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا، كَمَا يَجِبُ الرُّكُوعُ، وَالسُّجُودُ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا، وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ التَّسْبِيحَ فِي
الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ، بَدَلا عَنِ الْقِرَاءَةِ، وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ الأَعْوَرِ: يُسَبِّحُ فِي الأُخْرَيَيْنِ، وَلا يَصِحُّ.
55 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، نَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُهُ وَهُوَ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدُهُمْ: أَبُو قَتَادَةَ بْنُ رِبْعِيٍّ يَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: مَا كُنْتَ أَقْدَمَنَا لَهُ صُحْبَةً، وَلا أَكْثَرَنَا لَهُ إِتْيَانًا؟ قَالَ: بَلَى، قَالُوا: فَاعْرِضْ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، " إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ اعْتَدَلَ قَائِمًا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَرَكَعَ، ثُمَّ اعْتَدَلَ، فَلَمْ يُصَبِّ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُقْنِعْ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ
لِمَنْ حَمِدَهُ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَاعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلا، ثُمَّ هَوَى إِلَى الأَرْضِ سَاجِدًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ إِبِطَيْهِ، وَفَتَخَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ عَلَيْهَا، ثُمَّ اعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلا، ثُمَّ هَوَى سَاجِدًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ، وَقَعَدَ، وَاعْتَدَلَ، حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عُضْوٍ فِي مَوْضِعِهِ، ثُمَّ نَهَضَ، ثُمَّ صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ، كَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، كَمَا صَنَعَ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلاةَ، ثُمَّ صَنَعَ كَذَلِكَ، حَتَّى كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي تَنْقَضِي فِيهَا صَلاتُهُ، أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ عَلَى شِقِّهِ مُتَوَرِّكًا، ثُمَّ سَلَّمَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: مَعْنَى قَوْلِهِ: «إِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ» يَعْنِي: إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ.
قُلْتُ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ نَعْلَمُهُ، أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلاتِهِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلالُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، نَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّ، فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِمَعْنَاهُ، وَزَادَ: قَالُوا: صَدَقْتَ، هَكَذَا صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَوْلُهُ: «لَمْ يُصَبِّ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُقْنِعْ» يُقَالُ: صَبَّى الرَّجُلُ رَأْسَهُ يُصَبِّيهِ، إِذَا خَفَضَهُ جِدًّا، أَخَذَ مِنْ صَبَا: إِذَا مَالَ إِلَى الصِّبَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يُوسُف: 33] أَيْ: أَمِلْ إِلَيْهِنَّ، قَالَ الأَزْهَرِيُّ: الصَّوَابُ فِيهِ يُصَوِّبُ.
وَيُقَالُ: هُوَ يُصَبِّئُ مَهْمُوزٌ، مِنْ قَوْلِهِمْ: صَبَأَ الرَّجُلُ عَنْ دِينِ
قَوْمِهِ، أَيْ: خَرَجَ فَهُوَ صَابِئٌ.
وَقَوْلُهُ: «وَلَمْ يُقْنِعْ» أَيْ: لَمْ يَرْفَعْهُ حَتَّى يَكُونَ أَعْلى مِنْ جَسَدِهِ، وَالإِقْنَاعُ: رَفْعُ الرَّأْسِ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَنْ خَفَضَ رَأْسَهُ: قَدْ أَقْنَعَ رَأْسَهُ، وَالْحَرْفُ مِنَ الأَضْدَادِ.
وَقَوْلُهُ: «جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ إِبْطَيْهِ» أَيْ: بَاعَدَ بِهِمَا، وَالْجَفَاءُ بَيْنَ النَّاسِ: التَّبَاعُدُ.
قَوْلُهُ: «وَفَتَخَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ» أَيْ: لَيَّنَهَا حَتَّى تَنْثَنِيَ فَيُوَجِهَّهَا نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَالْفَتْخُ: لِينٌ وَاسْتِرْسَالٌ فِي جَنَاحِ الطَّائِرِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعُقَابِ: فَتْخَاءُ، لأَنَّهَا إِذَا انْحَطَّتْ كَسَرَتْ جَنَاحَهَا.
557 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ.
ح، وَأَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَيَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرْنَا صَلاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَأَيْتُهُ «إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، فَإِذَا رَكَعَ، أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ، اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ إِلَى مَكَانِهِ، فَإِذَا سَجَدَ، وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ، قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
قَوْلُهُ: «هَصَرَ ظَهْرَهُ» أَيْ: ثَنَاهُ ثَنْيًا شَدِيدًا فِي اسْتِوَاءٍ بَيْنَ رَقْبَتِهِ وَظَهْرِهِ، وَالْهَصْرُ: مُبَالَغَةُ الثَّنْيِ لِلشَّيْءِ الَّذِي فِيهِ لِينٌ، حَتَّى يَنْثَنِيَ كَالْغُصْنِ الرَّطْبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْلُغَ الْكَسْرَ وَالإِبَانَةَ.
وَقَوْلُهُ: «وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ» يُرِيدُ: لَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ،
بَلْ يَرْفَعُهُمَا عَنِ الأَرْضِ.
وَقَوْلُهُ: «وَلا قَابِضِهِمَا» يُرِيدُ: لَا يَضُمُّ أَصَابِعَهُمَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ: لَا يَضُمُّ الذِّرَاعَيْنِ، وَالْعَضُدَيْنِ إِلَى الْجَنْبَيْنِ، بَلْ يُجَافِيهِمَا عَنِ الْجَنْبَيْنِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ»
بَابُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلاةِ
558 - أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح، وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا الأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الْوُضُوءُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ».
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، نَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ عُقَيْلٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: «مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الطُّهُورُ» هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
قُلْتُ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، يَقُولُونَ: لَا يُدْخَلُ فِي الصَّلاةِ إِلا بِالتَّكْبِيرِ، وَلا يُخْرَجُ إِلا بِالسَّلامِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةِ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْفَاتِحَة: 2]، وَيَخْتِمُ الصَّلاةَ بِالتَّسْلِيمِ ".
وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الرَّجُلِ يَنْسَى التَّكْبِيرَةَ الأُولَى: يُجْزِئُهُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ.
وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ الصَّلاةَ تَنْعَقِدُ بِكُلِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِلا أَنْ يَذْكُرَهُ عَلَى وَجْهِ النِّدَاءِ أَوِ الدُّعَاءِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: يَا اللَّهُ،
أَوِ اللَّهُمَّ، وَالسَّلامُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ وَاجِبٍ لِلْخُرُوجِ عَنِ الصَّلاةِ، بَلْ قَالُوا: إِذَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، ثُمَّ قَامَ فَذَهَبَ، أَوْ أَتَى بِشَيْءٍ يُضَادُ الصَّلاةَ مِنْ كَلامٍ، أَوْ حَدَثٍ، تَمَّتْ صَلاتُهُ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: إِذَا تَشَهَّدَ وَلَمْ يُسَلِّمْ، جَازَ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، قَالَ: «إِذَا قُلْتَ هَذَا، فَقَدْ قَضَيْتَ صَلاتَكَ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ».
فَقَدْ قِيلَ: هَذَا الْكَلامُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِنْ صَحَّ مَرْفُوعًا، فَالْمُرَادُ مِنْهُ: فَقَدْ قَضَيْتَ مُعْظَمَ صَلاتِكَ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْكَ إِلا الْخُرُوجُ عَنْهَا، وَالْخُرُوجُ إِنَّمَا يَكُونُ بِمَا بَيَّنَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ».
بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرِ الافْتِتَاحِ وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَالارْتِفَاعِ عَنْهُ وَالْقِيَامِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ
559 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ، رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ، وَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ ". هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَجَمَاعَةٌ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
560 - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْحُمَيْدِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجِيرَمِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلاةِ كَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى
561 - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى الْحِمْصِيُّ، نَا بَقِيَّةُ، نَا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ، رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ، وَهُمَا كَذَلِكَ، فَرَكَعَ، ثُمَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ صُلْبَهُ رَفَعَهُمَا حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَلا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي السُّجُودِ، وَيَرْفَعُهُمَا فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ يُكَبِّرُهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ، حَتَّى تَنْقَضِي صَلاتُهُ " قُلْتُ: وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الأَرْبَعِ، مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، يَرْوِيهِ جَمَاعَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْهُمْ: عُمَرُ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَوَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَمَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، وَأَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِهِ يَقُولُ
أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَجَابِرٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَغَيْرُهُمْ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مِنَ التَّابِعِينَ: الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَنَافِعٌ، وَقَتَادَةُ، وَمَكْحُولٌ، وَغَيْرُهُمْ، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ فِي آخِرِ أَمْرِهِ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
قُلْتُ: وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّافِعِيُّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، لأَنَّهُ بَنَى قَوْلَهُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَمَذْهَبُهُ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ إِذَا ثَبَتَتْ، وَثَبَتَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ بِرِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، وَسَائِرِ الرِّوَايَاتِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلا عِنْدَ الافْتِتَاحِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «أَلا أُصَلِّي بِكُمْ صَلاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى، وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلا أَوَّلَ مَرَّةٍ».
وَرُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ، رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ لَا يَعُودُ».
قُلْتُ: وَأَحَادِيثُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْمَوَاضِعِ الأَرْبَعِ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ، فَاتِّبَاعُهَا أَوْلَى.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: لَمْ يَثْبُتْ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ إِلا أَوَّلَ مَرَّةٍ.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، كَمَا قَدْ ذَهَبَ عَلَيْهِ الأَخْذُ بِالرُّكْبَةِ فِي الرُّكُوعِ، وَكَانَ يُطَبِّقُ بِيَدَيْهِ عَلَى الأَمْرِ الأَوَّلِ، وَخَالَفَهُ الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِيهِ: «ثُمَّ لَا يَعُودُ» غَيْرُ شَرِيكٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ: وَرَوَاهُ هُشَيْمٌ، وَخَالِدٌ، وَابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ «ثُمَّ لَا يَعُودُ»، وَحُكِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، أَنَّ يَزِيدَ حَدَّثَهُمْ بِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ «ثُمَّ لَا يَعُودُ»، فَلَمَّا انْصَرَفَ زَادَ فِيهِ «لَا يَعُودُ»، فَحُمِلَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ.
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي مُنْتَهَى مَا تُرْفَعُ إِلَيْهِ الْيَدُ، فَرَوَى عَلِيٌّ، وَأَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، وَابْنُ عُمَرَ، «رَفْعَ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ».
وَرَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، حَتَّى يُحَاذِيَ أُذُنَيْهِ».
وَرَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، «حَتَّى يَبْلُغَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ».
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، إِلَى أَنْ يَرْفَعَهُمَا حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ، وَذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، إِلَى أَنَّهُ يَرْفَعُهُمَا إِلَى الأُذُنَيْنِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَنَّ الشَّافِعِيَّ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَقَالَ: كَانَ يُحَاذِي بِظَهْرِ كَفَّيْهِ الْمَنْكِبَيْنِ، وَبِأَطْرَافِ أَنَامِلِهِ الأُذُنَيْنِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ مَا
562 - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ، رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا بِحِيَالِ مَنْكِبَيْهِ، وَحَاذَى إِبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ»
563 - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ،
أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا مُسَدَّدٌ، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: قُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَيْفَ يُصَلِّي، قَالَ: " فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا أُذُنَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَ رَأْسَهُ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَحَدَّ مِرْفَقَهُ الأَيْمَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ ثِنْتَيْنِ، وَحَلَّقَ حَلْقَةً، وَرَأَيْتُهُ يَقُولُ: هَكَذَا، وَحَلَّقَ بِشْرٌ الإِبْهَامَ وَالْوُسْطَى، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ "
564 - وَبِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلاةَ، رَفَعَ يَدَيْهِ حِيَالَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُمْ فَرَأَيْتُهُمْ يَرْفَعُونَ أَيْدِيهِمْ إِلَى صُدُورِهِمْ فِي افْتِتَاحِ الصَّلاةِ، وَعَلَيْهِمْ بَرَانِسُ وَأَكْسِيَةٌ»
565 - وَبِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، نَا وَكِيعٌ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّتَاءِ، فَرَأَيْتُ أَصْحَابَهُ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ فِي الصَّلاةِ»
566 - وَبِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: نَا مُسَدَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ فِطْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُ إِبْهَامَيْهِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ».
وَقَالَ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ: عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ «وَجَعَلَ مِرْفَقَهُ الأَيْمَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ قَبَضَ ثِنْتَيْنِ، فَحَلَّقَ حَلْقَةً، ثُمَّ رَفَعَ إِصْبَعَهُ، فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا».
وَشَحْمَةُ الأُذُنَيْنِ: مَا لانَ مِنْ أَسْفَلِهِمَا
567 - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَفَعَ يَدَيْهِ إِذَا كَبَّرَ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، حَتَّى يَبْلُغَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ».
قُلْتُ: وَيُسْتَحَبُّ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ لِلتَّكْبِيرِ، أَنْ يَنْشُرَ أَصَابِعَهُ.
وَرُوِيَ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلا يَصِحُّ
بَابُ وَضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلاةِ
568 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلاةِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ
569 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، نَا وَكِيعٌ، نَا مُوسَى بْنُ عُمَيْرٍ الْعَنْبَرِيُّ، 25 عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعًا يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ فِي الصَّلاةِ»
570 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا قُتَيْبَةُ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَؤُمُّنَا، فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَبِيصَةُ بْنُ هُلْبٍ الطَّائِيُّ، وَاسْمُ هُلْبٍ