كتاب النِّكَاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البغوي ، أبو محمد
- الكتاب
- شرح السنة
- المؤلف
- محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1403هـ - 1983م
- عدد الأجزاء
- 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بَاب التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ
قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرَّعْد: 38].
2236 - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الطُّوسِيُّ، بِهَا، نَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الإِسْفَرَايِينِيُّ، نَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَزْدَادَ بْنِ مَسْعُودٍ، نَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الْبَجَلِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ، فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، كُلٍّ عَنِ الأَعْمَشِ
والباءة: كِنَايَة عَنِ النِّكَاح، وَيُقَالُ للجماع أَيْضا: الباءَة، وَأَصلهَا الْمَكَان، وَالَّذِي يأوي إِلَيْهِ الْإِنْسَان، وَمِنْه اشتق مباءَة الْغنم، وَهِي الْموضع الَّذِي تأوي إِلَيْهِ بِاللَّيْلِ، سمي النِّكَاح بهَا، لِأَن من تزوج امْرَأَة بوأها منزلا.
والوجاء: دق الْأُنْثَيَيْنِ، والخِصاء: نزعهما، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يقطع النِّكَاح، فَإِن الموجوءَ لَا يَضربُ.
وَفِي بعض الْأَحَادِيث «صُوموا وَوَفِّرُوا أَشْعَارَكُمْ فَإنَّهَا مَجَفَرة».
يَعْنِي: مقطعَة للنِّكَاح، وَنقص للْمَاء، يقَالَ للبعير إِذا أَكثر الضِّرابَ حَتَّى ينقطعَ: قد جَفَرَ يَجفُرُ جُفُورًا، فَهُوَ جافرٌ.
وَفِي الْحَدِيث دَلِيل على اسْتِحْبَاب النِّكَاح لمن تاقت نَفسه إِلَيْهِ، وَوجد أهبته، وَيكرهُ لَهُ أَن لَا ينْكح، وَذهب بعض أهل الظَّاهِر إِلَى أَنَّهُ يجب أَن ينكِح، والعامةُ على اسْتِحْبَابه.
رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوب، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِينَ: الحَيَاء، والتَّعَطُّرُ، والسِّوَاكُ، وَالنِّكَاحُ ".
2237 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَنا ابْنُ شِهَابٍ، سَمِعَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، يَقُولُ: «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ»، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لاخْتَصَيْنَا.
هَذَا حَدِيث مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أخرجهُ مُسْلِم، عَنْ أَبِي كُريب، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَك، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضا عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن زِيَاد، عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد
وَأَرَادَ بالتبتل: الانقطاعَ عَنِ النِّسَاء، ثُمَّ يُستعملُ فِي الِانْقِطَاع إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: 8].
أَي: انْفَرد لَهُ فِي الطَّاعَة، والبتُول: الْمَرْأَة المنقطعة عَنِ الرِّجَال، ويقَالَ: سُميت فَاطِمَة البتول، لانقطاعها عَنْ نسَاء الْأمة فضلا ودينًا وحسبًا،
ويقَالَ: صَدَقَة بَتَّةٌ بَتلة، أَي: مُنقطة عَنِ الإملاك، وَكَانَ التبتل من شَرِيعَة النَّصَارَى، فَنهى النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته عَنْهُ، ليكْثر النسلُ، ويدومَ الجهادُ.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس لسَعِيد بْن جُبَير: «تَزَوَّجْ، فإنَّ خَيْرَ هَذه الأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِساءً».
2238 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ الْمُظَفَّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ، نَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، نَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، نَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْذَنُ لِي أَخْتَصِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خِصَاءُ أُمَّتِي الصِّيَامُ وَالْقِيَامُ»
وَفِي الْحَدِيث دَلِيل على أَن مَنْ لَا يجد أهبة النِّكَاح يجوز لَهُ المعالجة، لقطع الْبَاءَة بالأدوية، لأمر النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمعالجة لقطعها بِالصَّوْمِ، فَأَما
من لَا تتوقُ نَفسه إِلَى النِّكَاح وَهُوَ قَادر عَلَيْهِ، فالتخلي لِلْعِبَادَةِ لَهُ أفضل من النِّكَاح عِنْد الشَّافِعِيّ، وَذهب أَصْحَاب الرَّأْي إِلَى أَن النِّكَاح أفضل.
2239 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَرِيكٍ الشَّافِعِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ أَبُو بَكْرٍ الْجُورَبَذِيُّ، نَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أَنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ: الْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ يُرِيدُ الْعَفَافَ، وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ "
بَاب اخْتِيَار ذَاتِ الدِّينِ
قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الْفرْقَان: 74].
2240 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ".
هَذَا حَدِيث مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، وَغَيْرُهُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ
قَوْله: لحسبها.
قيل: الحسبُ: الفعال الْحَسَن للرجل، وآبائه، مَأْخُوذ من الْحساب، وَذَلِكَ أَنهم إِذا تفاخروا، عدَّ كلُّ وَاحِد مِنْهُم مَناقبه، ومآثر آبَائِهِ، وحَسبها، فالحسبُ بِالْجَزْمِ، الْعد، والمعدُودُ «حَسب» بِالنّصب كالعدّ وَالْعدَد، وَقيل: الحسبُ: عَدَدُ ذَوي قرَابَته.
وَقَوله: «تَرِبَتْ يَدَاكَ»، مَعناه: الْحَث والتحريض، وَأَصله الدُّعَاء بالافتقار، ويقَالَ: تَرِبَ الرجلُ: إِذا افْتقر، وأترب: إِذا أيسر وَلم يكن قصدُهُ بِهِ وقوعَ الْأَمر، بل هِيَ كلمة جَارِيَة على أَلْسِنَة الْعَرَب، كَقَوْلِهِم: لَا أَرض لَك، وَلَا أمَّ لَك، وكما قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لصفية حِين حَاضَت: «عقرى حلقي أَحَابِسَتُنا هِيَ».
معناهُ: عقر اللَّه جَسدَها، وأصابها وَجع الْحلق، وَلم يُرد بِهِ وُقُوع الْأَمر، وَقيل: قصد بِهِ وُقُوع الْأَمر، لِأَنَّهُ رأى فِيهِ أَن الْفقر خير لَهُ من الْغنى، وَقيل: أَرَادَ وُقُوع الْأَمر لتعديه ذَوَات الدَّين إِلَى ذَوَات الْجمال وَالْمَال، مَعْنَاهُ: تربت يداك إِن لم تفعل مَا أَمرتك بِهِ، وَالْأول أولى.
وَفِيه من الْفِقْه مُرَاعَاة الْكَفَاءَة فِي المناكح، وَأَن الدَّين أولى مَا اعْتبر مِنْهَا.
وَاخْتلف العلماءُ فِي تَحْدِيد الْكَفَاءَة، فَذهب أَكْثَرهم إِلَى أَنَّهَا بأَرْبعَة أَشْيَاء: الدَّين، وَالْحريَّة، وَالنّسب، والصنعة، وَالْمرَاد بِالدّينِ: الْإِسْلَام وَالْعَدَالَة، فَلَا يكون الْفَاسِق كفءًا للعفيفة، كَمَا لَا يكون الْكَافِر كفءًا للمسلمة، وَلَا العَبْد للْحرَّة، وَلَا الْمُعْتق للْحرَّة الْأَصْلِيَّة، وَلَا دنيء الحرفة لمن فَوْقه.
وَمِنْهُم من اعْتبر فِيهَا السَّلامَة من الْعُيُوب: وَهِي الْجُنُون، والجذام، والبرص، والجَبّ، وَإِن كَانَ فِي الرجل أحدُ هَذِه الْعُيُوب، فَلَا يكون كفءًا للْمَرْأَة البريئة مِنْهَا، وَمِنْهُم من يعْتَبر الْيَسَار أَيْضا، فَيكون جِمَاعهَا سِتّ خِصَال.
فَإِذا زُوِّجت امْرَأَة دون رِضَاهَا مِمَّن لَا يكون كفءًا لَهَا، لَا يَصح النِّكَاح، سَوَاء كَانَ المزوج أَبَا أَو غيرهُ، وَسَوَاء كَانَت الْمَرْأَة بَالِغَة أَو صَغِيرَة، وَإِن زَوجهَا وليُّها بِرِضَاهَا، صَحَّ النِّكَاح إِلا أَن تزوج مُسلمةٌ من كَافِر، فَلَا يَصح بِحَال.
أما الرجل إِذا نكح امْرَأَة دونه فِي الْكَفَاءَة، فَيصح، وَإِن كَانَ صَغِيرا، فَقبل لَهُ الْأَب نِكَاح أمة، لَا يَصح، وَكَذَلِكَ لَو قبل لَهُ نِكَاح مَعِيبَة بجنون، أَو جُذام، أَو برص، أَو رَتَق، لَا يَصح، وَإِن قبل لَهُ نِكَاح كِتَابِيَّة، أَو دَنيئة فِي النّسَب، فقد اخْتلف فِيهِ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ.
وَذهب مَالِك إِلَى أَن الْكَفَاءَة فِي الدَّين وَحده، وأهلُ الْإِسْلَام كلهم بَعضهم أكفاء لبَعض، ويُروى مَعْنَاهُ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب، وَعَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ، وعُبيد بْن عُمَيْر، وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ، وَابْن عون، وَحَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان، وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ: الْكَفَاءَة فِي الدَّين وَالنّسب، وَكَانَ يَقُول: إِذا نكح المَولى عَرَبِيَّة يفرّق بَينهمَا، وَهُوَ قَول أَحْمَد، ويُروى عَنِ ابْن عَبَّاس، وسَلمان، أَن المَولى لَا يكون
كفءًا للعربية، وَذهب قوم إِلَى أَن قُريْشًا بَعضهم أكفاء بعض، وَالْعرب بَعضهم أكفاء بعض، وَمن كَانَ من الموَالِي لَهُ أَبَوَانِ، أَو ثَلَاثَة فِي الْإِسْلَام، فبعضهم أكفاءُ بعض، فأمَّا مَنْ كَانَ عبدا فَعتق، أَو ذِمِّيا فَأسلم، فَلَا يكون كفءًا لامْرَأَة من الموَالِي لَهَا أَبَوَانِ، أَو ثَلَاثَة فِي الْإِسْلَام، وَهُوَ قَول أَصْحَاب الرَّأْي.
ويحتج من يعتبرُ مجردَ الدَّين بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَاتِم الْمُزنِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقُهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ»، قَالُوا: يَا رَسُول اللَّه وَإِن كَانَ فِيهِ! قَالَ: «إِذَا جَاءَكُم من تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأنْكِحُوه» ثَلَاث مراتٍ.
وَأَبُو حَاتِم الْمُزنِيّ لَهُ صُحْبَة، وَلَا يُعرف لَهُ عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غيرُ هَذَا الْحَدِيث.
2241 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنِيفِيُّ، نَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطُّوسِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلادٍ، نَا الْحَارِثُ
بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، نَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، نَا حَيْوَةُ، وَابْنُ لَهِيعَةَ، قَالا: نَا شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِيَّ يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ حَيْوَةَ
قَالَ الْحَسَن: هَب لنا من أَزوَاجنَا فِي طَاعَة اللَّه، وَمَا شَيْء أقرّ لعين مُؤمن من أَن يرى حَبِيبه فِي طَاعَة اللَّه، وَعَن الْحَسَن أَتَاهُ رجل، فَقَالَ: إِن لي بِنْتا أحبها وَقد خطبهَا غيرُ وَاحِد، فَمن تُشِير عَليّ أَن أزوجها؟ قَالَ: زوّجها رجلا يَتَّقِي اللَّه، فَإِنَّهُ إِن أَحبها أكرمها، وَإِن أبغضها لم يظلمها.
بَاب مَا يُتَّقَى مِنْ فِتْنَةِ النِّساءِ
2242 - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، نَا السَّيِّدُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ الْعَلَوِيُّ، أَنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَنا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، نَا الْغَزَارِيُّ،
وَجَرِيرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي عَلَى أُمَّتِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، كِلاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ
2243 - حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ زِيَادُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْحَنَفِيُّ الْهَرَوِيُّ، أَنا أَبو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُقَيْلِ بْنِ الأَزْهَرِ بْنِ عُقَيْلٍ الْبَلْخِيُّ، أَنا أَبُو قِلابَةَ الرَّقَاشِيُّ، نَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا فِتْنَةَ النِّسَاءِ، فَإِنَّ فِتْنَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ
2244 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ
الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ، وَسَالِمٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ
وَقيل: إِن شؤمَ الدَّار ضيقُها، وسوءُ جوارها، وشؤمُ الْفرس: أَلا يُغزي عَلَيْهَا، وشؤم الْمَرْأَة: أَن لَا تَلد، وَقيل: شُؤْم الْفرس صعوبتُه، وَسُوء خلقه، وشؤم الْمَرْأَة: غلاء مهرهَا، وسوءُ خلقهَا، وَقيل: هَذَا مِنْهُ إرشاد لمن كَانَت لَهُ دَار يكره سكناهَا، أَو امْرَأَة يكره صحبتهَا، أَو فرس لَا يُعجبهُ بِأَن يفارقها بالانتقَالَ عَنِ الدَّار، وتطليق الْمَرْأَة، وَبيع الْفرس، وَلَا يكون ذَلِكَ من بَاب الطِّيرة الْمنْهِي عَنْهَا، كَمَا رُوِيَ أَن امْرَأَة، قَالَت: يَا رسولَ اللَّه، سكنا دارَنا هَذِه وَنحن كثير، فهلكنا، وحسنٌ ذاتُ بَيْننَا، فَسَاءَتْ أخلاقُنا، وكثيرة أَمْوَالنَا، فافتقرنا، قَالَ: «أَفَلا تَنْتَقِلُونَ عَنْهَا ذَمِيمَةً».
قَالَت: كَيفَ نصْنَع؟ قَالَ: «تَبِيعُونَهَا أَوْ تَهَبُونَهَا».
قَالَ الْخطابِيّ: فاليُمن والشؤم اسمان لما يُصيب الإنسانَ من الْخَيْر وَالشَّر، وَهَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة مَحالّ لَيْسَ لَهَا بأنفسها وطباعها فعل، وَلَا تَأْثِير، إِنَّمَا ذَلِكَ كُله بِمَشِيئَة اللَّه وقضائه، وخصت هَذِه الأشياءُ بِالذكر، لِأَنَّهَا أَعم الْأَشْيَاء الَّتِي يقتنيها الْإِنْسَان، وَلما كَانَ الْإِنْسَان لَا يَخْلُو عَنِ الْعَارِض فِيهَا، أضيف إِلَيْهَا اليمنُ والشؤم إِضَافَة مكانٍ وَمحل، وهما صادران عَنْ مَشِيئَته عَزَّ وَجَلَّ.
بَاب نِكَاحِ الأَبْكَارِ
2245 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا آدَمُ، نَا شُعْبَةُ، نَا مُحَارِبٌ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: تَزَوَّجْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَزَوَّجتَ؟» فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا، فَقَالَ: «مَا لَكَ وَلِلْعَذَارَى ولِعَابِهَا».
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرِو
بْنِ دِينَارٍ، فَقَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابرَ بْنَ عَبدِ اللَّهِ، يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلا جَارِيَةً تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِم، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَبِيبٍ الْحَارِثِيِّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ
2246 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو عُمَرَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ، نَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الإِسْمَاعِيلِيُّ، أَنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِالأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وأَرْضَى بِالْيَسِيرِ»
عبد الرَّحْمَن بْن سَالم هُوَ ابْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عويم بْن سَاعِدَة، وَعبد الرَّحْمَن بْن عويم لَيست لَهُ صُحْبَة.
وَقَوله: أنتق أرحامًا.
قيل: أَكثر أَوْلَادًا، يقَالَ: امْرَأَة نَافق ومنتاق: كَثِيرَة الْأَوْلَاد، وَقيل: هُوَ من النتق والقلع، وَمِنْه قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ [الْأَعْرَاف: 171].
وَرُوِيَ عَنْ معقل بْن يَسَار، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ فإنِّي مُكَاثِر بِكُمُ الأمَمَ».
بَاب النَّظَرِ إلَى المَخْطُوبَةِ
2247 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَرِيكٍ الشَّافِعِيّ الْخُذَاشَاهِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَبُو بَكْرٍ الْجُورَبَذِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، نَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَاصِمٍ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: خَطَبْتُ امْرَأَةً، فَقَالَ لِي
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟» قُلْتُ: لَا.
قَالَ: «فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
قَوْله: «يُؤدَمَ بَيْنَكُمَا».
أَي: يكون بَيْنكُمَا المحبةُ والموافقة، يُقَال: أَدَمَ اللَّه بَينهمَا على مِثَال فعل، يأدِمُ أَدْمًا، وَأَصله من أَدَم الطَّعَام، لِأَن طيبَهُ يكون بِهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَفِي لُغَة أُخْرَى، يقَالَ: آدم اللَّه بَينهمَا يُؤدِمُ إيدامًا، فَهُوَ مُؤدَمٌ بَينهمَا.
ورُوي عَنْ جَابِر، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ المَرأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا، فَلْيَفْعَلْ».
والعملُ على هَذَا عِنْد بعض أهل الْعلم، قَالُوا: إِذا أَرَادَ الرجل أَن ينكِحَ امْرَأَة، فَلهُ أَن ينظر إِلَيْهَا، وَهُوَ قولُ الثَّوْرِيّ، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، سَوَاء أَذِنت الْمَرْأَة، أَو لم تأذَن، وَإِنَّمَا ينظر مِنْهَا إِلَى الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ
فَقَط، وَلَا يجوز أَن ينظر إِلَيْهَا حاسِرة، وَأَن ينظر إِلَى شَيْء من عورتها.
وَقَالَ الأَوْزَاعِيّ: لَا ينظر إِلا إِلَى وَجههَا.
وَقَالَ مَالِك: لَا ينظر إِلَيْهِ إِلا بِإِذْنِهَا.
قَالَ الإِمَامُ: وَفِي قَوْله للْمُغِيرَة: «هَلْ نَظَرْتَ؟» دَلِيل على أَن الْمُسْتَحبّ أَن يكون نظره إِلَيْهَا قبل الْخطْبَة حَتَّى لَا يشق عَلَيْهَا تركُ الْخطْبَة إِذا لم تعجبه.
ورُوي عَنْ أَبِي الزبير، عَنْ جَابِر، أَن رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ المَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطانٍ، فَإِذَا أبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرأَةً، فَأَعْجَبَتْهُ، فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ».
بَاب إرْسَالِ الرَّسُول
2248 - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَنا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلالُ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ،
عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدٍ: «اذْكُرْهَا عَلَيَّ».
قَالَ زَيْدٌ: فَانْطَلَقْتُ، فَقَلْتُ: يَا زَيْنَبُ أَبْشِرِي، أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُكِ، فَقَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُوَامِرَ رَبِّي، فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ
بَاب النَّهْيِ عَنْ مُبَاشَرَةِ المَرْأَةِ المَرأةَ ثُمَّ تَنْعَتها لِزَوْجِهَا
2249 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُبَاشِرُ الْمَرأَةُ الْمَرْأَةَ حَتَّى تَصِفَهَا لِزَوْجِهَا، كَأَنَّمَا يَنْظُرُ إلِيهَا».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقٍ
قَالَ الإِمَامُ: يُستدل بهَذَا الْحَدِيث على جَوَاز السَّلم فِي الْحَيَوَان، إِذْ أخبر النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ وصف الشَّيْء يَجعله كالمعاينة.
2250 - أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنا عَبْدُ الْغَافِرِ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الجُلُودِيُّ، أَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيُّ، قَالَ: نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، نَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
قَالَ الإِمَامُ: لَا يجوز للرجل أَن ينظر إِلَى عَورَة الرجل، وعورتهُ مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة، وَكَذَلِكَ المرأةُ مَعَ الْمَرْأَة، وَلَا بَأْس بِالنّظرِ إِلَى سَائِر الْبدن إِذا لم يكن خوفُ فتْنَة أَو شَهْوَة.
وَقَالَ مَالِك، وَابْن أَبِي ذِئْب: الْفَخْذ لَيست بِعَوْرَة، لما رُوِيَ عَنْ
عَبْد الْعَزِيزِ بْن صُهيب، عَنْ أَنَس، قَالَ: أَجْرَى نَبِيُّ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ " حَسَرَ الإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأكثرُ أهل الْعلم على أَن الْفَخْذ عَورَة لما 2251 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَعْمَرٍ وَفَخِذَاهُ مَكْشُوفَتَانِ، قَالَ: «يَا مَعْمَرُ، غَطِّ فَخِذَيْكَ، فَإِنَّ الْفَخِذَيْنِ عَوْرَةٌ».
وَمُحَمَّدُ بْنُ جَحْشٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَلابْنِهِ مُحَمَّدٍ صُحْبَةٌ
ويُروى عَنِ ابْن عَبَّاس، وجرهد، أَن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الفَخِذُ عَوْرَةٌ».
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدِيث أَنَس أسْند، وَحَدِيث جرهد، أحوط حَتَّى يُخرج من اخْتلَافهمْ.
وَلَا يجوز مضاجعةُ الرجل الرجلَ، وَلَا مضاجعةُ الْمَرْأَة المرأةَ، وَإِن كَانَ من مَحَارمه، ويُفرق بَين الصّبيان فِي المضجع بعد مَا بلغُوا عشر سِنِين، لِأَنَّهَا سنّ يحْتَمل فِيهَا الْبلُوغ، رُوي أَن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مُرُوا صِبْيَانَكُمْ بالصَّلاةِ فِي سَبْعِ سِنينَ، واضْرِبُوهُم عَلَيْهَا فِي عَشْرٍ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ».
ورُوي عَنْ أَبِي رَيحانة، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مُكَامَعَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ بِغَيْرِ شِعَارٍ، وَمُكَامَعَةِ المرأةِ المرأةَ بِغَيْرِ شِعَارٍ»، وَالْمرَاد بالمكامعة المضاجعة، يقَالَ لزوج الْمَرْأَة: هُوَ كميعها، أَي: ضجيعها، وَرُوِيَ فِي الْحَدِيث أَنَّهُ «نهى عَنِ المكاعمة وَهُوَ تَقْبِيل فَم الْغَيْر»، أَخذ من كِعام الْبَعِير، وَهُوَ أَن يُشد فمُه إِذا هاج حَتَّى لَا يعَض، يقَالَ كعمتُه: أكعمُه، فَهُوَ مكعوم.
وَأما المرأةُ مَعَ الرجل، فَإِن كَانَت أَجْنَبِيَّة حرَّة، فجميعُ بدنهَا عَورَة فِي حق الرجل، لَا يجوز لَهُ أَن ينظر إِلَى شَيْء مِنْهَا إِلا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ إِلَى الكوعين، لقَوْله عز وَجل: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النُّور: 31] قيل فِي التَّفْسِير: هُوَ الْوَجْه والكفان، وَعَلِيهِ غض الْبَصَر عَنِ النّظر إِلَى وَجههَا ويديها أَيْضا عِنْد خوف الْفِتْنَة، لقَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النُّور: 30].
قَالَ قَتَادَة: عَمَّا لَا يحل لَهُم، وَقَالَ: خَائِنة الأعُين: النّظر إِلَى مَا نهي عَنْهُ.
قَالَ الإِمَامُ: وَإِذا اتّفقت نظرة، فَلَا يُعِيدهَا قصدا، لما رُوي عَنْ جرير بْن عَبْد اللَّهِ، قَالَ: سألتُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نظر الفُجاءةِ، قَالَ: «اصرِفْ بَصَرَكَ».
وَرُوِيَ عَنْ بُريدة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعَلي: «يَا عَليُّ لَا تُتْبعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأُولَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَة».
قَالَ الإِمَامُ: والْحَدِيث الأول يدل على أَن النظرة الأولى إِنَّمَا تكون لَهُ لَا عَلَيْهِ إِذا كَانَت فُجاءة من غير قصدة، فَأَما القصدُ إِلَى النّظر فَلَا يجوز لغير غَرَض، وَهُوَ أَن يُريد نِكَاح امْرَأَة، أَو شِرَاء جَارِيَة، أَو تحمل شَهَادَة عَلَيْهَا، فيتأملها.
وَإِذا كَانَ بِعَوْرَة الْمَرْأَة دَاء، فَلَا بَأْس للطبيب الْأمين أَن ينظر إِلَيْهَا كَمَا ينظر الخَتَّان إِلَى الْفرج عِنْد الخِتان.
قَالَ الحسنُ، وَالشَّعْبِيّ، فِي الْمَرْأَة بهَا الْجرْح وَنَحْوه: يُخرق الثَّوْب على الْجرْح، ثُمَّ ينظر إِلَيْهِ، يَعْنِي: الطَّبِيب.
وَالْمَرْأَة فِي النّظر إِلَى الرجل الْأَجْنَبِيّ، كَهُوَ مَعهَا، لما رُوِيَ عَنْ أم سَلمة، أَنَّهَا كَانَت عِنْد رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومَيمونة إِذْ أقبل ابْن أم مَكْتُوم، فَدخل عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بعد مَا أمرنَا بالحجاب، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «احْتَجِبَا مِنْهُ» فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّه، أَلَيْسَ هُوَ أعمى لَا يُبِصرنا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفَعَمْيَاوَان أَنْتُمَا أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ؟».
وَالْأمة عورتها مثلُ عَورَة الرجل مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة، وَكَذَلِكَ المحارمُ بَعضهم مَعَ بعض، ويغض الْبَصَر إِلا لغَرَض، كره عَطَاء النّظر إِلَى الْجَوَارِي يبُعن إِلا أَن يُرِيد أَن يَشْتَرِي.
وَيجوز للزَّوْج أَن ينظر إِلَى جَمِيع بدن امْرَأَته، وأمَته الَّتِي تحل لَهُ، وَكَذَلِكَ هِيَ مِنْهُ إِلا نفس الْفرج، فَإِن النّظر إِلَيْهِ مَكْرُوه، وَكَذَلِكَ فرج نَفسه، فَإِذا زوج أمَته، حرم النّظر إِلَى عورتها، رُوِيَ عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب، عَنْ أَبِيه، عَنْ جده، أَن رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُم أَمَتَهُ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ، فَلا يَنْظُرُ إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ، وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ»، ويُروى: «فَلا يَنْظُرُ إِلَى عَوْرَتِهَا».
وَيكرهُ للرجل كشفُ عَوْرَته لغير حَاجَة، وَإِن كَانَ خَالِيا، قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يَسْتَحْيَا مِنْهُ».
ويُروى عَنِ ابْن عُمَر بِإِسْنَاد غَرِيب أَن رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّي، فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إِلا عِنْدَ الغَائِطِ، وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ».
قَالَ الزُّهْرِيّ فِي النّظر إِلَى الَّتِي لم تَحض من النِّسَاء: لَا يصلح النّظر إِلَى شَيْء مِنْهُنَّ، وَإِن كَانَت صَغِيرَة، ورُوي عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ [النُّور: 60]، قَالَ: هُوَ الجلباب.
بَاب النَّهي عَنْ أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بالمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ
قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الْأَحْزَاب: 32].
أَي: لَا تَلِنَّ بالْقَوْل، يُقَالُ: خَاضَعَ الرَّجُلُ المرأةَ: إِذا خَضَعَ لَهَا بِكَلامِهِ، أَيّ: لَيَّنَ.
2252 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، وَمُحَمَّد بْن رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ
الحمو: جمعه الأحماء، وهم الأصهار من قِبَل الزَّوْج، والأختان من قِبل الْمَرْأَة، والأصهار تجمع الْفَرِيقَيْنِ أَيْضا، وَأَرَادَ هَهُنَا أَخا الزَّوْج، فَإِنَّهُ لَا يكون محرما للْمَرْأَة، وَإِن كَانَ أَرَادَ أَبَا الزَّوْج وَهُوَ محرم، فَكيف بِمن لَيْسَ بِمحرم؟!.
وَقَوله: «الحمو الْمَوْت».
قَالَ أَبُو عُبَيْد: يَقُول: فليمت، وَلَا يفعلنَّ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْن الأَعْرَابِيّ: هَذِه كلمة تَقُولهَا الْعَرَب، كَمَا تَقول الأسدُ الْمَوْت.
أَي: لقاؤه مثل الْمَوْت، وكما يَقُولُونَ: السُّلْطَان نَار.
فَمَعْنَى هَذَا الْكَلَام: إِن خلْوَة الحمو مَعهَا أَشد خلْوَة غَيره من الْبعدَاء.
قَالَ الإِمَامُ: وَأَرَادَ احذر الحمو، كَمَا تحذر الْمَوْت.
2253 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنِ ابْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَامَ بِالْجَابِيَةِ خَطِيبًا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَامَ فِينَا كَقِيَامِي فِيكُمْ، فَقَالَ: «أَكْرِمُوا أَصْحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ الْكَذِبَ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَحْلِفُ وَلا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدُ وَلا يُسْتَشْهَدُ، أَلا فَمَنْ سَرَّهُ بُحْبُحَةُ الجَنَّةِ، فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْفَذِّ، وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، وَلا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامْرَأَةٍ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمْ، وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ، فَهُوَ مُؤمِنٌ».
وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَنا أَبُو عَلِيٍّ الصَّفَّارُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَامَ بِالْجَابِيَةِ خَطِيبًا فَذَكَرَ مِثْلَ مَعْنَاهُ، قَالَ: " أَكْرِمُوا أَصْحَابِي، فَإِنَّهُمْ خِيَارُكُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَقَالَ: فَمَنْ سَرَّهُ بُحْبُوحَةُ الجَنَّةِ فَعَلَيْهِ بِالجَمَاعَةِ "
قَالَ الإِمَامُ رَحمَه اللَّه: بَحبحة الْجنَّة، وبُحْبُوحَةُ الجَنَّةِ: وَسطُها، وبُحبوحة كل شَيْء: وَسطه وخياره، وَفِي حَدِيث خُزَيْمَة «وتَبَحْبَحَ الحَيَا» أَي: اتَّسع الْغَيْث.
ورُوي عَنْ جَابِر، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا تَلِجُوا عَلَى المُغيباتِ، فإنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ أَحَدِكُمْ مَجْرى الدَّمِ».
والمغيبةُ: الْمَرْأَة الَّتِي غَابَ عَنْهَا زَوجهَا، والمغيباتُ جمعهَا.
قَالَ الإِمَامُ: خلوةُ الرجل بِالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّة، والمسافرَةُ بهَا حرَام، فَإِن كَانَت من الْمَحَارِم، فَلَا بَأْس بالمسافرة بهَا، والدخولِ عَلَيْهَا، ويَستأذِن خُصُوصا فِي الْأَوْقَات الثَّلَاثَة الَّتِي تضع فِيهَا ثِيَابهَا: قبل صَلَاة الْفجْر،
وَبعد صَلَاة الْعشَاء، وَوقت الظهيرة، وَكَذَلِكَ الْمُرَاهق الْأَجْنَبِيّ، وَلَا يجوز لَهَا أَن تنكشف لَهُم، قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النُّور: 58] الْآيَة.
قَالَ الزُّهْرِيّ: كَانَ المملوكون، وَمن لم يبلغ الْحلم يستأذنون فِي هَذِه الْأَوْقَات الثَّلَاثَة، فَإِذا بلغ الأطفالُ الْحلم، فَإِنَّهُم يستأذنون على كل حَال، وَلَا يدْخل الرجل على والدته إِلا بِإِذن، وَذَلِكَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النُّور: 59].
وَسُئِلَ حُذَيْفَة: أيستأذن الرجل على والدته؟ قَالَ: نعم، وَقَالَ: إِن لم تفعل رأيتَ مِنْهَا مَا تكره.
قَالَ الإِمَامُ: وَعبد الْمَرْأَة محرم لَهَا بِمَنْزِلَة الْأَقَارِب عِنْد أَكثر أهل الْعلم، لقَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النُّور: 31].
ورُوي عَنْ أَبِي جُمَيْع سَالم بْن دِينَار، عَنْ ثَابِت، عَنْ أَنَس أَن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ قَدْ وَهَبَهُ لَهَا، وَعلَى فَاطِمَةَ ثَوْبٌ إِذا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا، وَإِذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغَ رَأْسَهَا، فَلمَّا رأى رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَلْقَى، قَالَ: «إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ، إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلامُكِ».
بَاب استِئْذَانِ المَرْأَةِ البَالِغَةِ فِي النِّكَاحِ
2254 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نَا أَبُو
إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَوْله: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا»، أَرَادَ بهَا الثّيّب، بِدَلِيل أَنَّهُ ذكر حكم الْبكر بعْدهَا، وَقد روى زِيَاد بْن سَعْد، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن الْفضل «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا»، ويُروى «الثَّيِّبُ يُعْرِبُ عَنْهَا لِسَانُهَا، وَالبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا».
قَوْله: يُعرب.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يُروى بِالتَّخْفِيفِ، قَالَ الفرَّاء: هُوَ يُعرِّب بِالتَّشْدِيدِ، يُقَالُ: عرَّبْتُ عَنِ الْقَوْم إِذا تَكَلَّمت عَنْهُم، وَأكْثر أهل اللُّغَة على أَنَّهُمَا لُغَتَانِ صحيحتان، يجوز أعربت وعرَّب.
2255 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ» قُلْتُ: إِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحْيِي؟ قَالَ: «إِذْنُهَا صُمَاتُهَا».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
قَالَ الإِمَامُ: اتّفق أهلُ الْعلم على أَن تَزْوِيج الثّيّب الْبَالِغَة الْعَاقِلَة لَا يجوز دون إِذْنهَا، فَإِن زوَّجها وَليهَا دون إِذْنهَا، فَالنِّكَاح مَرْدُود، فَأَما البِكر الْبَالِغَة إِذا زَوجهَا وليُّها قبل الاسْتِئْذَان، فَاخْتلف أهل الْعلم فِيهِ، فَذهب قوم إِلَى أَن النِّكَاح مَرْدُود، لقَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ» وَإِلَيْهِ ذهب الأَوْزَاعِيّ، وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ، وَأَصْحَاب الرَّأْي.
وَذهب جمَاعَة إِلَى أَنَّهُ إِن زَوجهَا أَبوهَا، أَو جدُّها من غير اسْتِئْذَان، فَجَائِز، يُروى ذَلِكَ عَنِ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد، وَسليمَان بْن يَسَار، وَسَالم بْن عَبْد اللَّهِ، وَإِلَيْهِ ذهب مَالِك، وَابْن أَبِي ليلى، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَقَالُوا: معنى قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ» هُوَ على استطابة النَّفس،
كَمَا أَمر تبَارك وَتَعَالَى رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمشاورة الْأَصْحَاب، فَقَالَ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمرَان: 159] وَذَلِكَ على استطابة نُفُوسهم.
وَرُوِيَ عَنِ ابْن عُمَر، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «آمِرُوا النِّسَاء فِي بَنَاتِهِنَّ».
ورُوي أَن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمر نعيمًا، أَن يُؤامر أم ابْنَته فِيهَا، وَكَانَ ذَلِكَ على استطابة نفوس الْأُمَّهَات، لِأَن جَوَاز العقد على الْبَنَات مُتَوَقف على رضى الْأُمَّهَات.
وَاتَّفَقُوا على أَن الْبكر إِذا استُؤذنت فِي النِّكَاح، يُكتفى بسكوتها، وَيشْتَرط صريحُ نطق الثّيّب، وَقيل: السُّكُوت من الْبكر إِذن فِي حق الْأَب وَالْجد، فَأَما فِي حق غَيرهمَا من الْأَوْلِيَاء فَيشْتَرط النُّطْق، وَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّهُ إِذن فِي حق جَمِيع الْأَوْلِيَاء.
ويحتج من يجوز إِجْبَار الْبكر الْبَالِغَة على النِّكَاح بقوله: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا»، قَالُوا: مَفْهُومه يدل على أَن الْوَلِيّ أحقُّ بالبكر مِنْهَا بِنَفسِهَا، وَذكر كل وَاحِدَة على الِانْفِرَاد دَلِيل على اخْتِلَافهمَا فِي الحكم، وَمعنى قَوْله «أَحَق بِنَفسِهَا».
أَرَادَ فِي اخْتِيَار الزَّوْج لَا فِي العقد، فَإِن مُبَاشرَة العقد عَلَيْهَا إِلَى وَليهَا.
2256 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُجَمِّعٍ ابْنَيْ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الأَنْصَارِيَّةِ، أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «فَرَدَّ نِكَاحَهَا».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مَالِكٍ
قَالَ الإِمَامُ: فِيهِ دَلِيل أَن تزويجَ الثّيّب لَا يجوز إِلا بِإِذْنِهَا، وذكرُ الثيابة فِي الْحَدِيث يدلُّ على أَن حكم الْبكر بِخِلَاف ذَلِكَ، لِأَن تَقْيِيد الشَّيْء بأخص أَوْصَافه يدل على أَن مَا عداهُ بِخِلَافِهِ، وَلَيْسَ المُرَاد من رد النِّكَاح رفعا بعد الِانْعِقَاد، وَإِنَّمَا هُوَ حكم بِأَنَّهُ مَرْدُود غيرُ مُنْعَقد.
وَقد رُوي عَنْ عِكْرِمَة أَنَّ جَارِيةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، «فَخَيَّرهَا النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، وَهَذَا حَدِيث مُرسل لَا تقوم بِهِ الحجةُ، وَرَوَاهُ بَعضهم عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْن عَبَّاس مُتَّصِلا وَلَا يَصح.
وَاخْتلف أهل الْعلم فِيهِ، فَذهب قوم إِلَى أَن النِّكَاح بَاطِل، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ، وَقَالَ قوم: مَوْقُوف على إجازتها، فَإِن أجازت، جَازَ، وَهُوَ قَول أَصْحَاب الرَّأْي.
بَاب تَزْوِيجِ الصَّغِيرةِ
2257 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ أَحْمَدَ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح، وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، قَالَ: نَا
أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ، وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعٍ، وَكُنْتُ أَلْعَبُ بِالبَنَاتِ، وَكُنَّ جَوَارِي يَأْتِينَنِي، فَإِذَا رَأَيْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْقَمِعْنَ مِنْهُ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ».
هَذَا حَدِيث مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ هِشَامٍ
قَوْلهَا: ينقمِعن: يتغيبن، والانقماع: الدُّخُول فِي بَيت أَو ستر.
يُسَرِّبُهُنَّ، أَي: يرسلهن إليَّ.
2258 - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، أَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ، وَزُفَّتْ إِلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ وَلُعَبُهَا مَعَهَا، وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانِي عَشْرَةَ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
2259 - وبهَذَا الإِسْنَادِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، نَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نَا وَكِيعٌ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَن عَائِشَةَ، قَالَتْ: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي».
قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تَدْخُلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
2260 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، أَنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَزَوَّجَ بِنْتَ خَالِهِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، قَالَ: فَذَهَبَتْ أُمُّهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: إنَّ ابْنَتِي تَكْرَهُ ذَلِكَ.
فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفَارِقَهَا، وَقَالَ: «لَا تَنْكِحُوا الْيَتَامَى حَتَّى تَسْتَأْمِرُوهُنَّ، فَإِذَا سَكَتْنَ، فَهُوَ إِذْنُهُنَّ».
فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَتيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ صَمَتَتْ، فَهُوَ إِذْنُهَا، وَإنْ أَبَتْ، فَلا جَوَازَ عَلَيْهَا»
قَالَ الإِمَامُ: اتّفق أهل الْعلم على أَنَّهُ يجوز للْأَب وَالْجد تزويجُ الْبكر الصَّغِيرَة، لحَدِيث عَائِشَة أَن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزَوجهَا وَهِي بنتُ سبع.
وَاخْتلفُوا فِي الْيَتِيمَة إِذا زَوجهَا غيرُ الْأَب وَالْجد، فَذهب جمَاعَة إِلَى أَن النِّكَاح صَحِيح، وَلها الْخِيَار إِذا بلغت فِي فسخ النِّكَاح، أَو إِجَازَته، وَهُوَ قَول أَصْحَاب الرَّأْي، وَذهب قوم إِلَى أَن النِّكَاح مَرْدُود، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيّ، وَاحْتج بِأَن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما قَالَ: «الْيَتِيمَة تُستأمر»، واليتيمة اسْم للصغيرة الَّتِي لَا أَب لَهَا، وَهِي قبل الْبلُوغ لَا معنى لإذنها، وَلَا عِبْرَة لإبائها، فَكَأَنَّهُ شَرط بُلوغها، وَمَعْنَاهُ: لَا تُنكح حَتَّى تبلغ فتستأمر، وَذهب أَحْمَد، إِلَى أَن الْيَتِيمَة إِذا بلغت تسع سِنِين، جَازَ لغير الْأَب وَالْجد تَزْوِيجهَا بِرِضَاهَا، وَلَا خِيَار لَهَا، وَلَعَلَّه قَالَ ذَلِكَ لما علم أَن كثيرا من نسَاء الْعَرَب يدركن إِذا بلغن هَذَا السن، قَالَت عَائِشَة: «وَإِذا بلغت الْجَارِيَة تسع سِنِين، فَهِيَ امْرَأَة».
وَاخْتلفُوا فِي الْوَصِيّ هَل يُزوج بَنَات الْمُوصي؟ فَذهب أَكْثَرهم أَنَّهُ لَا ولَايَة لَهُ، وَإِن فوض إِلَيْهِ، قَالَ الشَّعْبِيّ: لَيْسَ إِلَى الأوصياء من النِّكَاح شَيْء،
إِنَّمَا ذَاك إِلَى الْأَوْلِيَاء.
وَقَالَ حَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان: للْوَصِيّ أَن يُزوج الْيَتِيمَة قبل الْبلُوغ، وحُكي ذَلِكَ عَنْ شُرَيْح أَنَّهُ أجَاز نِكَاح الْوَصِيّ مَعَ كَرَاهِيَة الْأَوْلِيَاء، وَأَجَازَ مَالِك إِذا فوَّض إِلَيْهِ الْأَب.
بَاب رَدِّ النِّكَاحِ بِغَيْرِ الوَلِيِّ
قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النُّور: 32] الْآيَة، وَقَالَ: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النِّسَاء: 25]، والأَيِّمُ: المرأةُ الَّتِي ماتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، أَوْ طَلَّقَهَا، وَتُسَمَّى البِكْرُ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا أَيِّمًا أَيْضا، ويقَالَ لِلرَّجُلِ إِذا لَمْ تَكُنْ لَهُ امرأَةٌ: أَيِّمٌ أَيْضا، ويُقَالُ للمرأةِ: أَيِّمٌ وَأَيِّمَةٌ، وإنَّمَا قيل لَهَا: أَيِّمٌ، لأنَّ أَكْثَرَ مَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ، فَهو كالمُستَعَارِ لِلرِّجَالِ.
2261 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَخْلَدِيُّ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّقَفِيُّ السَّرَّاجُ، نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا نِكاحَ إِلا بِوَلِيٍّ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهَكَذَا رَوَاهُ إِسْرَائِيلُ وَشَرِيكٌ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَقَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، وَرَوَى
بَعْضُهُمْ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، وَرَوَى شُعْبَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلا، وَرِوَايَةُ مَنْ أَسْنَدَهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى أَصَحُّ 2262 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «أيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، ثَلاثًا، فَإِنْ أَصَابَهَا، فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَ هَذَا، وَرَوَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، ورُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيُرْوَى: «أيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا»، وَالْمَوْلَى وَالْوَلِيُّ وَاحِدٌ، وَالْمَوَالِي: بَنُو الأَعْمَامِ وَالْعُصْبَةُ أَيْضًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مَرْيَم: 5]، وَالْمَوْلَى: الْمُعْتِقُ وَالْعَتِيقُ أَيْضًا، وَالْمَوْلَى: النَّاصِرُ أَيْضًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [مُحَمَّد: 11]، أَيْ: نَاصِرُهُمْ
قَوْله: اشتجروا، أَي: اخْتلفُوا وَتَنَازَعُوا، وَمِنْه قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النِّسَاء: 65]، أَي: فِيمَا أوقع خلافًا بَينهم.
وَضعف بَعضهم هَذَا الْحَدِيث، لِأَن ابْن جُرَيْج، قَالَ: ثُمَّ لقِيت الزُّهْرِيّ، فَسَأَلته، فَأنكرهُ، قَالَ يَحْيَى بْن معِين: لم يذكر هَذَا الْحَرْف عَنِ ابْن جُرَيْج إِلا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم، وَسَمَاع إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم عَنِ ابْن جُرَيْج لَيْسَ بِذَاكَ.
وَالْعَمَل على حَدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيٍّ» عِنْد عَامَّة أهل
الْعلم من أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمن بعدهمْ، وَهُوَ قولُ عُمَر، وَعلي، وَعَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود، وَعَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَة، وَغَيرهم، وَبِهِ قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب، والحسنُ الْبَصْرِيّ، وشُريح، وَإِبْرَاهِيم النخَعي، وَقَتَادَة، وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ، وَغَيرهم، إِلَيْهِ ذهب ابْن أَبِي ليلى، وَابْن شُبرمة، وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ، وَالأَوْزَاعِيّ، وَعَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَك، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق.
قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لَا تُنكح الْمَرْأَة إِلا بِإِذن وَليهَا، أَو ذِي الرَّأْي من أَهلهَا، أَو السُّلْطَان».
ورُوي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: «كَانَت عَائِشَة تخْطب إِلَيْهَا الْمَرْأَة من أَهلهَا فتشهدُها، فَإِذا بقيت عُقدةُ النِّكَاح، قَالَت لبَعض أَهلهَا زوِّجْ، فَإِن الْمَرْأَة لَا تلِي عقد النِّكَاح».
وَقد أجَاز بَعضهم للْمَرْأَة تَزْوِيج نَفسهَا، وَهُوَ قَول أَصْحَاب الرَّأْي، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِن زوجت نَفسهَا بِإِذن الْوَلِيّ، صَحَّ النِّكَاح، وَإِن تزوجت بِغَيْر إِذْنه لَا يَصح، لقَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أيُّما امْرَأَة نكحت بِغَيْر إِذن وَليهَا».
وَمَعْنَاهُ عِنْد الْعَامَّة: أَن يَلِي الْوَلِيّ العقد عَلَيْهَا، أَو يَأْذَن لَهَا فِي تَوْكِيل من يَلِي العقد عَلَيْهَا من الرِّجَال، فَإِن وكلت دون إِذن الْوَلِيّ، فَبَاطِل.
وَقَالَ مَالِك: إِن كَانَت الْمَرْأَة دنيئة فلهَا أَن تُزوِّج نَفسهَا، أَو تَأمر مَنْ يُزوجها، وَإِن كَانَت شريفة فَلَا، وَلَفظ الْحَدِيث عَام فِي سلب الْولَايَة عَنْهُن من غير تَخْصِيص.
قَالَ الإِمَامُ: وَفِي قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» دَلِيل على أَن العقد لَا يكون مَوْقُوفا على إجَازَة الْوَلِيّ، وَفِي قَوْله: «فَإِن أَصَابَهَا فلهَا الْمهْر» دَلِيل على أَن وَطْء الشُّبْهَة يُوجب مهرَ الْمثل، وَلَا يجب بِهِ الحدُّ، ويثبتُ النّسَب.
قَالَ الإِمَامُ رَحمَه اللَّه: فَمن فعله عَالما عزّر، لما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة بْن خَالِد، قَالَ: جمعتِ الطريقَ رفْقَة فيهم امرأَةٌ ثيِّب، فولَّت رجلا مِنْهُم أمرهَا، فَزَوجهَا رجلا، فجلد عُمَر بْن الْخَطَّاب الناكحَ والمنكِحَ، ورد نِكَاحهَا.