كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البغوي ، أبو محمد
- الكتاب
- شرح السنة
- المؤلف
- محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1403هـ - 1983م
- عدد الأجزاء
- 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
غَيْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَتَكَلَّمَ شُعْبَةُ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَخَافُ أَنْ لَا يَكُونَ مَحْفُوظًا، وَأَبُو سَلَمَةَ حَافِظٌ، وَكَذَلِكَ أَبُو الزُّبَيْرِ، وَلا يُعَارَضُ حَدِيثُهُمَا بِحَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَيَحْتَجُّ مَنْ يُثْبِتُ الشُّفْعَةَ فِي الْمَقْسُومِ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ مُشْتَرِكًا بِهَذَا، وَبِقَوْلِهِ: «إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِفَتِ الطُّرُقِ»، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الطَّرِيقُ فِي الْمَشَاعِ، فَإِنَّ الطَّرِيقَ فِي الْمَشَاعِ يَكُونُ شَائِعًا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ يَدْخُلُ مِنْ حَيْثُ يَشَاءُ، فَإِذَا قُسِّمَ الْعَقَارُ بَيْنَهُمْ، مَنَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَطَرَّقَ شَيْئًا مِنْ حَقِّ صَاحِبِهِ، فَتَصِيرُ الطَّرِيقُ بِالْقِسْمَةِ مَصْرُوفَةً.
وَلَوْ كَانَ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ بِئْرٌ أَوْ حَمَّامٌ أَوْ طَاحُونَةٌ، لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، فَلا شُفْعَةَ لِلآخَرِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، لأَنَّ الشُّفْعَةَ لِدَفْعِ مَؤُنَةِ الْمُقَاسَمَةِ، وَلا يَلْحَقُهُ هَهُنَا مَؤُنَةُ الْمُقَاسَمَةِ، وَعِنْدَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ تَثْبُتُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ لِسُوءِ الْمُشَارَكَةِ فِيمَا يَتَأَبَّدُ ضَرَرُهُ كَمَا فِي الْمُنْقَسِمِ.
وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ لَا يَرَى الشُّفْعَةَ لِلذِّمِّيِّ.
بَابُ عَرْضِ الدَّارِ عَلَى الشَّرِيكِ قَبْلَ الْبَيْعِ
2173 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ شَرِيكًا فِي رَبْعَةٍ أَوْ نَخْلٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤذِنَ شَرِيكَهُ، فَإنْ رَضِيَ أَخَذَهُ وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَهُ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى، عَنْ زُهَيْرٍ.
الرَّبْعُ وَالرَّبْعَةُ: الْمَنْزِلُ الَّذِي يَرْبَعُ بِهِ الإِنْسَانُ وَيتوطنه.
وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ رِبْعَةٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ»، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةِ لَا تَثْبُتُ إِلا فِي الْعَقَارِ وَالأَرَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا أَشْجَارٌ وَأَبْنِيَةٌ، فَيَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ أَخْذُها تَبَعًا لِلأَرْضِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الشُّفْعَةِ تَثْبُتُ فِي جَمِيعِ الأَمْوَالِ الْمُشْتَرِكَةِ مِنَ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَغَيْرِهَا، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الشَّرِيكُ شَفِيعٌ، وَالشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ» وَهَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ مُسْنَدًا، إِنَّمَا هُوَ عَنِ ابْنِ مُلَيْكَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَحْتَالَ لإِبْطَالِ حَقِّ الشَّفِيعِ، وَإِذَا أَرَادَ الْبَيْعُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْرِضَ عَلَى الشَّرِيكِ، فَإِنْ رَغِبَ فِيهِ، لَمْ يَخْتَرْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، فَلَوْ أَخْبَرَهُ فَتَرَكَ أَوْ عَفَا عَنِ الشُّفْعَةِ، فَلا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّهُ عَنِ
الشُّفْعَةِ، لأَنَّهُ عَفْوٌ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَقِّ، فَإِذَا بِيعَ، فَلَهُ أَخْذُهُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الْحَكَمُ: إِذَا أَذِنَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَلا شُفْعَةَ لَهُ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وَهُوَ شَاهِدٌ لَا يُغَيِّرُهَا، فَلا شُفْعَةَ لَهُ، أَمَّا بَعْدَ الْبَيْعِ إِذَا عَلِمَ بِهِ الشَّفِيعُ، فَالأَخْذُ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ، فَإِنْ أَخَّرَ مَعَ الإِمْكَانِ بَطل حَقُّهُ، وَقِيلَ: لَا يُبْطُلُ مَا لَمْ يَمْضِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ أَبَدًا مَا لَمْ يَرْضَ بِهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ غَائِبًا لَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ.
بَابُ وَضْعِ الْخَشَبِ عَلَى جِدَارِ الْجَارِ
2174 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ».
قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللَّهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ،
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى.
كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا: إِذَا بَنَى الرَّجُلُ بِنَاءً، فَاحْتَاجَ فِيهِ إِلَى أَنْ يَضَعَ رَأْسَ الْخَشَبِ عَلَى جِدَارِ الْجَارِ، فَلَيْسَ لِلْجَارِ مَنْعُهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ.
وَذَهَبَ الأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ الْجَارُ عَلَيْهِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ، وَالاسْتِحْبَابِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيدِ: هَذَا كَمَا رُوِيَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَضُدٌ مِنْ نَخْلٍ فِي حَائِطِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَمَعَ الرَّجُلِ أَهْلُهُ، وَكَانَ سَمُرَةُ يَدْخُلُ إِلَى نَخْلِهِ، فَيَتَأَذَّى بِهِ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ، فَأَبَى، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُنَاقِلَهُ فَأَبَى، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعَهُ، فَأَبَى، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُنَاقِلَهُ فَأَبَى، قَالَ: «فَهَبْهُ لَهُ وَلَكَ كَذَا وَكَذَا» أَمْرًا رَغَّبَهُ فِيهِ، فَأَبَى، فَقَالَ: «أَنْتَ مُضَارُّ» وَقَالَ لِلأَنْصَارِيِّ: «اذْهَبْ فَاقْلَعْ نَخْلَهُ».
قَوْلُهُ: «عَضُدٌ» أَيْ: طَرِيقَةٌ مِنَ النَّخْلِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ عَضِيدٌ، وَالْعَضِيدُ مِنَ النَّخْلِ: مَا لَمْ يَطُلْ، قَالَ الأَصْمَعِيُّ، إِذَا صَارَ لِلنَّخْلَةِ جِذٌ يُتَنَاوَلُ مِنْهُ، فَهُوَ عَضِيدٌ، وَهَذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الرَّدْعِ عَنِ الإِضْرَارِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَتْمِ، لأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَلَعَ نَخْلَهُ، وَهَذَا كَمَا رُوِيَ أَنَّ الضَّحَّاكَ
بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ، خَلِيجًا لَهُ مِنَ الْعُرَيْضِ، فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ، فَكَلَّمَ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَدَعَا عُمَرُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُخلِّيَ سَبِيلَهُ، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُهُ وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلا وَآخِرًا، وَلا يَضُرُّكَ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ، فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ.
أَمَّا إِذَا اسْتَعْلَتْ شَجَرَتُهُ، فَخَرَجَتْ أَغْصَانُهَا إِلَى هَوَاءِ دَارِ الْجَارِ، أَوْ خَرَجَتْ عُرُوقُهَا إِلَى دَارِ الْجَارِ، أَمَرَ بِصَرْفِهَا، وَإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنِ الْجَارِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، قُطِعَ.
2175 - أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، نَا خَالِدُ الْحَذَّاءِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّريقِ جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ».
وَهَذَا أَيْضًا عَلَى مَعْنَى الإِرْفَاقِ، فَإِنْ كَانَتِ السِّكَّةُ غَيْرَ نَافِذَةٍ، فَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لأَهْلِهَا، فَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى تَضْيِيقِهَا يَجُوزُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَبْنِي فِيهَا بِنَاءً خَارِجًا إِلَى هَوَاءِ السِّكَّةِ، وَلا أَنْ يُضَيِّقَ مَنْفَذَهَا،
وَلا لِمَنْ ظَهَرَ دَارُهُ إِلَيْهَا أَنْ يَفْتَحَ فِيهَا بَابًا إِلا بِإِذْنِ جَمَاعَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَتِ السِّكَّةُ نَافِذَةً، فَحَقُّ الْمَمَرِّ فِيهَا لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ بَنَى إِلَيْهَا سَابَاطًا مِنْ مُلْكِهِ، أَوْ دِكَّةً عَلَى بَابِهِ، أَوْ غَرَسَ شَجَرَةً، فَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمَارَّةِ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِمْ مُنِعَ، كَالْقَاعِدِ فِي السُّوقِ لِلْبَيْعِ، وَيُشَبِّهُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِذَا بَنَى، أَوْ قَعَدَ لِلْبَيْعِ، بِحَيْثُ يَبْقَى لِلْمَارَّةِ مِنْ عَرْضِ الطَّرِيقِ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ، فَلا يَمْنَعُ، لأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ يُزِيلُ ضَرَرَ الْمَارَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي أَرَاضِي الْقُرَى الَّتِي تُزْرَعُ إِذَا خَرَجُوا مِنْ حُدُودِ أَرَاضِيهِمْ إِلَى سَاحَاتِهَا، لَمْ يُمْنَعُوا إِذَا تَرَكُوا لِلْمَارَّةً سَبْعَةَ أَذْرُعٍ، فَأَمَّا الطُّرُقُ إِلَى الْبُيُوتِ الَّتِي يَقْتَسِمُونَهَا فِي دَارٍ يَكُونُ مِنْهَا مَدْخَلُهُمْ إِلَيْهَا، فَيَتَقَدَّرُ بِمِقْدَارٍ لَا يَضِيقُ عَنْ مَآرِبِهِمِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهَا، كَمَمَرِّ السَّقَّاءِ، وَالْحَمَّالِ، وَمَسْلَكِ الْجَنَازَةِ وَنَحْوِهَا.
2176 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيف، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي يَقْطَعُ السّدر، قَالَ: «يُصَبُّ عَلَيْهِ العَذَابُ»، وَقَالَ: «يُصَوَّبُ رأْسُهُ فِي النَّارِ»، قَالَ: فَسَأَلْتُ بَنِي عُرْوَةَ عَنْ ذَلِكَ،
فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عُرْوَةَ قَطَعَ سِدْرَةً كَانَتْ فِي حَائِطِهِ، فَجَعَلَ مِنْهَا بَابًا لِحَائِطٍ.
قَالَ الإِمَامُ: قَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: نَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً، صَوَّبَ اللَّهُ رأْسَهُ فِي النَّارِ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ لَمَّا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فِي سُنَنِهِ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ يَعْنِي: مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً فِي فَلاةٍ يَسْتَظِلُّ بِهَا ابْنُ السَّبِيلِ وَالْبَهَائِمِ عَبَثًا وَظُلْمًا، بِغَيْرِ حَقٍّ يَكُونُ لَهُ فِيهَا، صَوَّبَ اللَّهُ رأْسَهُ فِي النَّارِ.
بَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ
2177 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ،
أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ لِيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا، وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مُحَمَّدٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ».
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، فَيَخْرُصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ يُخَيِّرُ يَهُودَ يَأْخُذُونَهُ بِذَلِكَ الْخَرَصِ، أَوْ يَدْفَعُونَهُ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ الْخَرَصِ».
قَوْلُهُ: «أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا» أَيْ: يَعْمَلُوا فِي النَّخْلِ مِنْهَا، وَيَزْرَعُوا بَيَاضَ أَرْضِهَا، وَلِذَلِكَ سَمُّوا الْمُسَاقَاةَ مُعَامَلَةً.
قَالَ الإِمَامُ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ، وَهِيَ أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ نَخِيلَهُ أَوْ كَرْمَهُ إِلَى رَجُلٍ لِيَعْمَلَ فِيهَا بِمَا فِيهِ صَلاحُهَا وَصَلاحُ ثَمَرِهَا، عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ جُزْءٌ مَعْلُومٌ مِنَ الثَّمَرِ، نِصْفٌ أَوْ ثُلُثٌ أَوْ رُبُعٌ عَلَى مَا يَتَشَارَطَانِ، وَعَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ أَبْطَلَ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالا بِقَوْلِ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا تَصِحُّ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ مِنَ الأَشْجَارِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ إِلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِلا فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ، لأَنَّ ثَمَرَهُمَا ظَاهِرٌ يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ، فَيُمْكِنُ خَرْصُهُ، وَعَلَّقَ الْقَوْلَ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الثِّمَارِ كَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَالتُّفَّاحِ، لِتَعَذُّرِ خَرْصِهَا بِتَفَرُّقِ ثِمَارِهَا فِي تَضَاعِيفِ الأَوْرَاقِ.
وَجَوَّزَ مَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ فِي جَمِيعِهَا، وَجَوَّزَ مَالِكٌ فِي الْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ، وَجَوَّزَ أَبُو ثَوْرٍ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَالرّطابِ وَالْبَاذِنْجَانِ، وَمَالَهُ ثَمَرَةٌ قَائِمَةٌ إِذَا دَفَعَ أَرْضًا وَذَلِكَ فِيهَا.
أَمَّا الْمُزَارَعَةُ: وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْبِذْرُ مِنْ مَالِكِ الأَرْضِ، وَمِنَ الزَّارِعِ الْعَمَلُ، وَشَرَطَ لَهُ جُزْأً مَعْلُومًا مِمَّا يَحْصُلُ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهَا، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى جَوَازِهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ والرُّبُعِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمِ، وَعُرْوَةَ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَطَاوُسٍ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَحُجَّتُهُمْ مُعَامَلَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْلِ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ، وَقِيَاسًا عَلَى الْمُسَاقَاةِ وَعَلَى الْمُضَارَبَةِ، الَّتِي اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِهَا.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى، أَنَّ الْمُزَارَعَةَ فَاسِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَا كُنَّا نَرَى بِالْمُزَارَعَةِ بَأْسًا حَتَّى سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، يَقُولُ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا، فَتَرَكْنَا مِنْ أَجْلِهِ».
وَجَوَّزَ الشَّافِعِيُّ الْمُزَارَعَةَ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ، إِذَا كَانَ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّخِيلِ بَيَاضٌ لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى سَقْيِ النَّخِيلِ إِلا بِسَقْيِ الْبَيَاضِ، فَإِنْ أَفْرَدَ الْمُزَارَعَةَ عَنِ الْمُسَاقَاةِ، أَوْ أُمْكِنَ سَقْيُ النَّخِيلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْقِيَ الْبَيَاضَ، لَمْ يَجُزْ، وَلَمْ يُجَوِّزِ الْمُخَابَرَةِ، لأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْمُسَاقَاةِ، لأَنَّ الْبِذْرَ فِي الْمُخَابَرَةِ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْعَامِلِ، فَالْمُزَارَعَةِ: اكْتِرَاءُ الْعَامِلِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ، وَالْمُخَابَرَةِ: اكْتِرَاءُ الْعَامِلِ الأَرْضَ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا.
قَالَ الإِمَامُ: وَذَهَب الأَكْثَرُونَ إِلَى جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ، وَضَعَّفَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، لِمَا فِيهِ مِنَ الاضْطِرَابِ: مَرَّةً يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَرَّةً يَقُولُ: حَدَّثَنِي عُمُومَتِي عَنْهُ، وَصَارَ إِلَى الْحَدِيثِ الثَّابِتِ فِي مُعَامَلَةِ أَهْلِ خَيْبَرَ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَافِعِ، حَدِيثٌ مُجْمَلٌ، وَجَاءَ تَفْسِيرُهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ عَنْ رَافِعٍ، وَعَنْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهَا مَا
2178 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، نَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، سَمِعَ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيَّ، عَنْ رَافِعٍ، قَالَ: " كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلا، وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ، لِي وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّما أَخْرَجَتْ ذِهِ، وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
2179 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ رَبيِعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ،
عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: حَدَّثني عَمَّايَ، أَنَّهُمْ «كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَنبُتُ عَلَى الأَرْبَعَاءِ، أَوْ شَيْءٌ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَانَا النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ»، فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ هِيَ بِالدِّينَارِ وَالدَّرَاهِمِ؟ فَقَالَ رَافِعٌ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: وَكَانَ الَّذِي نُهِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذُوُو الفَهْمِ بِالحَلالِ، وَالْحَرَامِ، لَم يُجِيزُوهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مَعْنَاهُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ.
الأَرْبِعَاءُ: جَمْعُ الرَّبِيعِ، وَهِيَ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، مِثْلُ الْجَدْوَلِ وَالسَّريِّ وَنَحْوِهِ.
قَالَ الإِمَامُ: فَقَدْ أَعْلَمَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مِنَ الْمُزَارَعَةِ مَا عُقِدَ عَلَى الْجَهَالَةِ أَوِ الْخَطَرِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَ لِلْعَامِلِ مَا عَلَى السَّوَاقِي وَالْجَدَاوِلِ، أَوْ يَجْعَلَ حَقَّهُ فِي قِطْعَةٍ بِعَيْنِهَا، وَفِيهِ خَطَرٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ تِلْكَ الْقِطْعَةَ رُبَّمَا لَا تُنْبِتُ شَيْئًا، أَوْ رُبَّمَا لَا تُنْبِتُ إِلا تِلْكَ الْقِطْعَةَ، فَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا كُلَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِلآخَرِ نَصِيبٌ، فَهُوَ كَمَا لَوْ شَرَطَ لِلْعَامِلِ فِي الْمُسَاقَاةِ ثَمَرَةُ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا، لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ، وَكَذَلِكَ لَو
شَرط فِي عقد الْمُضَاربَة لِلْعَامِلِ مَا يربح على الْجُزْء دون مَا يربح على غَيره لَا يَصح، وَكَذَلِكَ لَو شَرط لنَفسِهِ أَو لِلْعَامِلِ درهما من الرِّبْح، ثُمَّ الْبَاقِي بَينهمَا لَا يَصح، لِأَنَّهُ بِمَا لَا يحصُل إِلا دِرْهَم، فيستبد أَحدهمَا بِجَمِيعِهِ.
2180 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو قُلْتُ لِطَاوُسٍ: لَوْ تَرَكْتَ الْمُخَابَرَةَ، فإنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا، قَالَ: أَيْ عَمْرُو، إِنِّي أُعْطيهِمْ وأُعِينُهُمْ، وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ أَخْبَرَنِي، يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، ولَكِن قَالَ: «أَنْ يَمْنحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجًا مَعْلُومًا».
هَذَا حديثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ.
فَأَخْبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ لَيْسَ هُوَ تَحْرِيمُ الْمزَارَعَةِ، إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَتَمَانَحُوا أَرَاضِيَهُمْ، وَأَنْ يُرْفُقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا
2181 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبِرْتِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ،
عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ، فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ».
هَذَا حديثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سُفْيَانَ.
قَالَ الإِمَامُ: والمخابرةُ فِي معنى الْمُزَارعَة، قد جوَّزها كثيرٌ من العُلماء، وَمن ذهب إِلَى تَحْرِيم الْمُزَارعَة يحرمُ المخابرة أَيْضا.
2182 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ مُحَمَّدٌ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كُنَّا نُخَابِرُ، وَلا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا حَتَّى زَعَمَ رَافِعٌ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا، فَتَرَكْنَاهَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ».
هَذَا حديثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ.
وَالْمرَاد من المخابرة: الْمُزَارعَة على النّصْف وَالثلث وَنَحْوهمَا، والخبرُ والخُبرَةُ: النصيبُ، والخبير: الأكَّارُ، وتأويلُ هَذَا الْحَدِيث عِنْد من يجوزِّها مَا سبق.
ورُوي عَنْ عُمَر، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ عَامَلَ النَّاس عَلَى أَنَّهُ إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ، فَلَهُمْ كَذَا ".
وَقَالَ الْحَسَن: لَا بَأْس أَن تكون الأرضُ لأَحَدهمَا، فينُفقان جَمِيعًا فَمَا خرج فَهُوَ بينهُما، وَرَأى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْس أَن يُجتنى القطنُ على النّصْف، وَقَالَ إِبْرَاهِيم، وَابْن سِيرِينَ، وَعَطَاء، وَالْحكم، وَالزُّهْرِيّ، وَقَتَادَة: لَا بَأْس أَن يُعطيَ الثَّوْب على أَن ينسجَهُ بالثلثِ وَالرّبع وَنَحْوه، وَبِهِ قَالَ أَحْمَد.
وَقَالَ مَعمر: لَا بَأس أَنْ يُكرِيَ المَاشِيَةَ عَلَى الثُّلُثِ والرُّبُعِ، وَرُوِيَ
عَنِ ابْن نجيحٍ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: كَانَ مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ غُلَام يخدِمُه بِطَعَام بَطْنه.
قَالَ الإِمَامُ: أما القِراض وَهُوَ المُضاربة، فاتفق أهلُ الْعلم على جَوَازه، وَلَا يجوزُ إِلا على الدّنانير أَو الدَّرَاهِم، وَهُوَ أَن يُعطيَ شَيْئا مِنْهَا إِلَى رجُل ليعملَ فِيهِ ويتجر، فَمَا يحصلُ من الرِّبْح، يكون بَينهمَا مُنَاصَفَة، أَو أَثلَاثًا على مَا يتشارطان، والدليلُ عَلَيْهِ مَا
2183 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، " أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ، ابْنَيْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، خَرَجَا فِي جَيْشٍ إِلَى العِرَاقِ، فَلَمَّا قَفَلا، مَرَّا عَلَى عَامِلٍ لِعُمَرَ فَرَحَّبَ بِهِمَا وَسَهَّلَ، وَهُوَ أَمِيرُ البَصْيَرَةِ، فَقَالَ: لَوْ أَقْدِرُ لَكُمَا عَلَى أَمْرٍ أَنْفَعُكُمَا بِهِ لَفَعَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى، هَهُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، فَأُسْلِفُكُمَاهُ فَتَبْتَاعَانِ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِ العِرَاقِ، ثُمَّ تَبِيعَانِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَتُؤَدِّيَانِ رَأْسَ المَالِ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، وَيَكُونُ لَكُمَا الرِّبْحُ، فَلَمَّا قَدِمَا الْمَدِينَةَ، بَاعَا، فَرَبِحَا، فَلمَّا دَفَعَاهَا إِلَى عُمَرَ، قَالَ لَهُمَا: أَكُلِّ الْجَيْشِ قَدْ أَسْلَفَ كَمَا أَسْلَفَكُمَا؟ قَالا: لَا،
فَقَالَ عُمَرُ: ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَسْلَفْكُمَا، أَدِّيَا المَالَ وَرِبْحَهُ، فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَسَكَتَ، وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّه، فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لَكَ هَذَا يَا أَمِيرَ المُؤمِنينَ، لَوْ هَلَكَ المَالُ أَوْ نَقَصَ، لَضَمِنَّاهُ، فَقَالَ: أَدِّيَاهُ، فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ، وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ، يَا أَمِيرَ المُؤمِنينَ لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ جَعَلْتُهُ قِرَاضًا، فَأَخَذَ عُمَرُ رأْسَ المَالِ وَنِصفِ رِبْحِهِ، وَأخَذَ عَبْدُ اللَّهِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، نِصْفَ رِبحِ ذَلِكَ المَالِ ". قَالَ الإِمَامُ: وحديثُ الْمُسَاقَاة يدلُّ على جَوَاز مُسَاقَاة الْمُسلم الذِّمِّيّ، وَكَذَلِكَ المزارعةُ، واستدلَّ بِهِ بَعضُهم على جَوَاز مُضاربة الْمُسلم الْكَافِر، لِأَن المَال فيهمَا فِي أحد الشقين، وَالْعَمَل فِي الشق الآخر، وَمِنْهُم من كره مُضَارَبَة الْمُسلم الذِّميَّ بِخِلَاف الْمُسَاقَاة والمزارعة، لأنَّ الْعَمَل فيهمَا يتَّفق من الْمُسلم وَالذِّمِّيّ، وَفِي الْمُضَاربَة قد يتصرَّف الذِّمِّيّ فِي الْخمر وَالْخِنْزِير، ويُعامل بالربا، فيكرهُ معهُ لِهَذَا.
قَوْله: «وَلَهُم شطرُ مَا يخرج مِنْهَا» وروى مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْن عُمَر، قَالَ: «وَلِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَطْرَ ثَمَرِهَا»، وَفِيه دَلِيل على أنَّ ربَّ الأَرْض إِذا بيَّن حصَّة نَفسه، أَو فِي الْمُضَاربَة بَيَّنَ ربُّ المَال حصةَ نَفسه، كَانَ الْبَاقِي لِلْعَامِلِ، كَمَا لَو بيَّن حصَّة الْعَامِل كَانَ الْبَاقِي لربِّ الأَرْض وَالْمَال، وَقَالَ بعضُ أهل الْعلم: إِذا بيَّن حصَّة نَفسه، لم يكن الْبَاقِي لِلْعَامِلِ، وَلَا يصِحُّ حَتَّى يبين حِصَّة الْعَامِل.
وَاخْتلف أهلُ الْعلم فِي الْمضَارب إِذا خَالف ربَّ المَال، فرُوي عَنِ ابْن عُمَر، أَنَّهُ قَالَ: الرَّبحُ لربِّ المَال، وَعَن أَبِي قِلابَة وَنَافِع: الرِّبْح لربِّ المَال وَالْعَامِل ضَامِن لِلْمَالِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَد فِي المودَع إِذا اتَّجر فِي مَال الْوَدِيعَة بِغَيْر إِذن الْمَالِك، وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي: الرِّبْح لِلْعَامِلِ، وَيتَصَدَّق بِهِ، والوضيعة عَلَيْهِ، وَهُوَ ضَامِن لرأس المَال، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِن اشْترى بِعَين مَال الْقَرَاض، فالشراء فَاسد، وَإِن اشْترى فِي الذِّمَّة، فَهُوَ للْمُشْتَرِي، فَإِن صرف مَال الْقَرَاض إِلَيْهِ صَار ضَامِنا.
بَاب الْإِجَارَة وَجَوَاز إِجَارَة الْأَرَاضِي
قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [الْقَصَص: 26]، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ إِخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ: {
عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [الْقَصَص: 27] أَيْ: تَكُونَ أَجِيرًا لي، وَيُقَالَ: أَيْ تَجْعَلَ ثَوَابِي مِنْ تَزْوِيجِي إيَّاكَ ابْنَتِي رَعْيَ غَنَمِي هَذِهِ الْمُدَّة، مِنْ قَوْلِهِمْ، أَجرَهُ اللَّهُ يَأْجُرُهُ أَيْ: أَثَابَهُ، وَيُقَالَ لِمَهْرِ المرأَةِ: أَجْرٌ، لأنَّهُ عِوَضٌ مِنْ بَضْعِها، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الْبَقَرَة: 112] أَيْ: عِوَضُهُ.
وَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الْكَهْف: 77] أَيْ: لأَخَذْتَهُ، يَعْني أُجْرَةَ إقَامَةِ الجِدَارِ.
2184 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، أَنَّهُ سَأَلَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، فَقَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، قَالَ: أَبِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ؟ قَالَ: أمَّا بالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ فَلا بَأْسَ بِهِ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ رَبِيعَةَ.
قَالَ الإِمَامُ: فِيهِ دليلٌ على جَوَاز إِجَارَة الْأَرَاضِي، وَذهب عامةُ أهل الْعلم إِلَى جَوَازهَا بالدرهم وَالدَّنَانِير، وَغَيرهَا من صُنوف الْأَمْوَال، سَوَاء كَانَ مِمَّا تُنبت الأَرْض أَو لَا تُنبت، إِذا كَانَ مَعْلُوما بالعيان أَو بِالْوَصْفِ، كَمَا يجوز إِجَارَة غير الْأَرَاضِي من العبيد والدَّوَابِّ وَغَيرهَا، وَجُمْلَته أَن مَا جَازَ بيعُه، جَازَ أَن يُجعل أُجْرَة فِي الْإِجَارَة.
وَلَو اسْتَأْجر أَجِيرا ليتعهَّد نخيله على أَن لَهُ ثمرةَ نخلةٍ بِعَينهَا، فَإِن كَانَ قبل خُرُوج الثَّمَرَة لَا يجوزُ، كَمَا لَا يجوز بيع الْمَعْدُوم، وَإِن كَانَ بعد خُرُوج الثَّمرة، يجوز، ثُمَّ إِن كَانَ قبل بدوِّ الصّلاح، فَلَا يجوز إِلا بِشَرْط الْقطع، إِلا أَن يشْتَرط معهُ النخلةَ، كَمَا فِي البيع، وَإِن استأجرهُ على جزءٍ شَائِع من الثَّمر، ثلث وَربع، فَإِن كَانَ بعد بدوِّ الصّلاح فِي الثِّمَار، يجوزُ، وَإِن كَانَ قبله، لَا يجوز كَمَا لَا يجوز بيعُه، لِأَنَّهُ لابدَّ من شَرط الْقطع فِي بيع الثِّمَار قبل بدُوِّ الصّلاح، وَلَا يُمكن قطعُ الْجُزْء الشَّائِع إِلا بِقطع الْكل.
أما الْمُسَاقَاة، فَلَا تصحُّ إِلا قبل خُرُوج الثِّمَار، فَيكون لِلْعَامِلِ جزءٌ مِمَّا يحصُل بعد عمله، كَمَا فِي الْمُضَاربَة يكون لِلْعَامِلِ جزءٌ مِمَّا يحصل من الرِّبْح بعد عمله، وَقد جَاءَ فِي الْحَدِيث النَّهيُ عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ، قيل: هُوَ أَن يَقُول: اطحن هَذَا بِكَذَا وَزِيَادَة قفيز من نفس الطحين، فَذَلِك غير جَائِز.
بَاب استِئْجَارِ الأَحْرَارِ
قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [الْقَصَص: 27]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [الْقَصَص: 26]، وَقَالَتْ عَائِشَة: «استَأجَرَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ، رَجُلا مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا، وَهُوَ عَلى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهمَا، وَوَعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاثِ لَيَالٍ».
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَعْمَلَ لَهُ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ، جَازَ وَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا.
2185 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ، نَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ جَدِّهِ،
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلا رَعَى الْغَنَمَ، فَقَالَ أصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَى عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ ".
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
قَالَ الإِمَامُ: وَمَنِ اسْتَأْجر شَيْئا، فَمَاتَ أَحدهمَا، لَا تبطل الْإِجَارَة عِنْد أَكثر أهل الْعلم، بل إِن مَاتَ الآجِرُ يتْرك فِي يَد الْمُسْتَأْجر، وَإِن مَاتَ المستأجرُ، فَفِي يَد وَارثه إِلَى انْقِضَاء الْأَجَل، وَبِهِ قَالَ ابْن سِيرِينَ، والحسنُ، والحَكمُ، وَإيَاس بْن مُعَاوِيَة، قَالَ ابْن عُمَر: أَعْطَى النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ بالشَّطْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبيِ بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ، وَلَمْ يَذْكُر أنَّ أَبَا بَكْر، وَعُمَر جدَّدا الْإِجَارَة بعد مَا قبض النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيّ، وَذهب أَصْحَاب الرَّأْي إِلَى أَنَّهُ تنفسخُ الْإِجَارَة.
بَاب إِثْمِ مَنْ مَنَعَ أُجْرَةَ الأَجِيرِ
2186 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ،
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتأَجَرَ أَجِيرًا، فَاسْتَوْفى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ ".
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْن مُحَمَّدٍ الْعَلاءُ، نَا أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الإِسْمَاعِيلِيُّ، نَا جَدِّي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الطَّيَالِسِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ، نَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: «أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ».
بَاب أَخْذُ الأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ القُرْآنِ والرُّقْيَةِ بِهِ
2187 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا سَيْدَانُ بْنُ مُضَارِبٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيُّ، نَا أَبُو مَعْشَرٍ يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ الْبَرَاءُ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الأَخْنَسِ أَبُو مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ، أَوْ سَلِيمٌ، فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ إِنَّ فِي الْمَاءِ رَجُلا لَدِيغًا، أَوْ سَلِيمًا، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ عَلى شَاءٍ فَبَرَأَ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتابُ اللَّهِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: فِي الْحَدِيث دليلٌ على جَوَاز أخذِ الْأُجْرَة على تَعْلِيم الْقُرْآن، وَجَوَاز شَرطه، وَإِلَيْهِ ذهب عَطَاء، وَالْحكم، وَبِهِ قَالَ مَالِك، وَالشَّافِعِيّ، وَأَبُو ثَوْر، قَالَ الحكم: مَا سمعتُ فَقِيها يكرههُ.
وَفِيه دليلٌ على جَوَاز الرّقية بِالْقُرْآنِ، وبذكر اللَّه، وأخذِ الْأُجْرَة عَلَيْهِ، لِأَن الْقِرَاءَة وَالْفِقْه من الْأَفْعَال الْمُبَاحَة، وَفِيه إِبَاحَة أجر الطَّبِيب والمعالج.
وَذهب جمَاعَة من أهل الْعلم إِلَى أَن أَخذ الْأُجْرَة، والعوض، على تَعْلِيم الْقُرْآن غيرُ مُبَاح، وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ، وَأَبِي حنيفَة، وَإِسْحَاق، وَقَالَ مَنْصُور، عَنْ إِبْرَاهِيم: أَنَّهُ كره أجر الْمعلم، وَقَالَ جَابِر بْن زَيْد: لَا بَأْس بِهِ مَا لم يشْتَرط.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوي، عَنْ عُبَادَة، عَنِ ابْن الصَّامِت، قَالَ: قلتُ يَا رَسُول اللَّه رجل أهْدى إليَّ قوسًا مِمَّن كنت أعلِّمُه الكتابَ وَالْقُرْآن، وَلَيْسَت بمالِ، فأرمي عَلَيْهَا فِي سَبِيل اللَّه؟ قَالَ: «إِنْ كُنت تُحِبُّ أَنْ تُطِوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا».
وَمن أباحَهُ، تَأَول الْحَدِيث على أنهُ كَانَ تبرع بِهِ، وَنوى الاحتساب فِيهِ، وَلم يكن قصدُهُ وقتَ التَّعْلِيم إِلَى طلب عوض ونفع، فحذره النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إبطالَ أجره وحسبته، كَمَا لَو ردَّ ضَالَّة إِنْسَان حِسبة لم يكن لهُ أَن يَأْخُذ عَلَيْهِ عِوَضًا، فأمَّا إِذا لم يحْتَسب، وَطلب عَلَيْهِ الْأُجْرَة، فَجَائِز بِدَلِيل حَدِيث ابْن عَبَّاس.
وَذهب قوم إِلَى أنهُ لَا بَأْس بِأخذ المَال مَا لم يشْتَرط، وَهُوَ قَول الْحَسَن، وَابْن سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيّ.
وَقَالَ بعضُ أهل الْعلم: أخذُ الْأُجْرَة على تَعْلِيم الْقُرْآن لهُ حالان، فَإِذا كَانَ فِي الْمُسلمين غيرُهُ مِمَّن يقومُ بِهِ، حلَّ لَهُ أخذُ الْأُجْرَة على تَعْلِيم الْقُرْآن، لِأَنَّهُ غيرُ مُتَعَيّن عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ فِي حَال أَو مَوضِع لَا يقومُ بِهِ غيرُه، لم يحل لهُ أَخذ الْأُجْرَة عَلَيْهِ، وتأوَّل على هَذَا اختلافَ الْأَخْبَار فِيهِ، ويَستدل بِحَدِيث ابْن عَبَّاس مَنْ يرى بيع الْمَصَاحِف، وَأخذ الْأُجْرَة على كتبتها.
وَاخْتلف أهل الْعلم فِي بيع الْمَصَاحِف، قَالَ ابْن عُمَر: بئس التِّجَارَة بيعُ الْمَصَاحِف وكتابتُها بِالْأَجْرِ، ويُروى عَنْهُ، أنهُ كَانَ يَقُول: وَدِدْتُ أَنَّ الْأَيْدِي تُقْطَعُ فِي بَيْعِ المَصَاحِفِ، وَكره بيعهَا وشراءها عَلْقَمَة وَشُرَيْح وَابْن سِيرِين وَالنَّخَعِيّ، وكرهت طَائِفَة بيعهَا ورخصوا فِي شِرَائهَا، رُوي ذَلِكَ عَنِ ابْن عَبَّاس، وَبِهِ قَالَ سَعِيد بْن جُبَير، وَالْحكم، وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل: الأمرُ فِي شِرَائهَا أَهْون، وَمَا أعلم فِي بيعهَا رخصَة.
وَرخّص أكثرُ الْفُقَهَاء فِي بيعهَا وشرائها، وَهُوَ قَول الْحَسَن، وَالشَّعْبِيّ، وَعِكْرِمَة، وَإِلَيْهِ ذهب سُفْيَان الثَّوْرِيّ، وَمَالك، وَالشَّافِعِيّ، وَأَصْحَاب الرَّأْي.
بَاب إِحْيَاءِ المَوَاتِ
2188 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ،
عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لأَحَدٍ، فَهُوَ أَحَقُّ»، قَالَ عُرْوَةُ: قَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلافَتِهِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
2189 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
قَالَ الإِمَامُ: هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلا، وَرَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والعملُ على هَذَا
عِنْد أَكثر أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمن بعدهمْ، أَن من أَحْيَا مواتًا لم يجر عَلَيْهِ ملكُ أحد فِي الْإِسْلَام، يملكهُ، وَإِن لم يَأْذَن لهُ السُّلْطَان فِيهِ، وَهُوَ قولُ أَكثر أهل الْعلم، روى ذَلِكَ عَنْ عُمَر، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق.
وَذهب بَعضهم إِلَى أنهُ يحْتَاج إِلَى إِذن السُّلطان، وَهُوَ قولُ أَبِي حَنيفة، وخالفهُ صاحباهُ.
وَقَوله: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» هُوَ أَن يغصِب أَرض الْغَيْر، فيغرس فِيهَا أَو يزرع، فَلَا حق لهُ، ويقلعَ غراسه وزرعه.
قَالَ الإِمَامُ: وإحياءُ الْموَات يكون بالعمارة، وَذَلِكَ يخْتَلف باخْتلَاف مَقْصُود المحيي من الأَرْض، فَإِن أَرَادَ دَارا، فَلَا يملك حَتَّى يَبْنِي حواليه ويسقف، وَإِن أَرَادَ بُستانًا، فبأن يحوّط ويشق الْأَنْهَار ويغرس ويرتب لَهُ مَاء، وَإِن أَرَادَ الزِّرَاعَة، فبأن يجمع التُّرَاب محيطًا بهَا ويحرث أَو يزرع، وَيعْتَبر فِي جَمِيع مقاصده عرف النَّاس.
وَإِذا ملك أَرضًا بِالْإِحْيَاءِ يملك حواليها قدر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ العامر للمرافق، فَلَا يملكهُ غيرهُ بِالْإِحْيَاءِ، وَيملك مَا وراءَهُ، وَإِن كَانَ قَرِيبا من العامر، فَإِن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقطع لعبد اللَّه بْن مَسعود، الدورَ بِالْمَدِينَةِ وَهِي بَين ظهراني عمَارَة الْأَنْصَار من الْمنَازل والنخيل، فَقَالَ بَنو عبد بْن زهرَة: نَكِّبْ عَنَّا ابْن أم عبد، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَلِمَ ابْتَعَثَنِي اللَّهُ إِذا، إنَّ اللَّهَ لَا يُقَدِّسُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ للِضَّعيفِ فِيهمْ حَقُّهُ» قَوْله: نكب عَنَّا، أَي: نحِّهِ عنَّا، وَقَوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: إنَّهُمْ ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 74] أَي: عادلون عَنِ الْقَصْد، وَقَوله: «لَا يُقَدِّسُ أُمَّةً» أَي: لَا يطهرها.
بَاب الحِمَى
2190 - أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ، أَنا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، أَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا حِمَى إِلا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ»، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَقَدْ كَانَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِمًى بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَحْمِيهِ لإِبِلِ الصَّدَقَةِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
قَالَ الإِمَامُ: وَكَانَ الْحمى جَائِزا لرَسُول اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لخاصِّ نَفسه، لكنه لم يفعل، إِنَّمَا حمى النَّقيع لمصَالح الْمُسلمين للخيل المعدَّة لسبيل اللَّه، وَمَا فضل من سُهمان أهل الصَّدقات، وَمَا فضل من نعم الْجِزْيَة، وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْروف بِالْمَدِينَةِ: مُستنقع للْمَاء، ينبتُ فِيهِ الكلأَ عِنْد نضوبه عَنْهُ.
قَالَ الشَّافِعِيّ: وَهُوَ بلدٌ ليسَ بالواسع الَّذِي إِذا حمي ضَاقَتْ البلادُ على أهل الْمَوَاشِي حَوله، وَلَا يجوز لأحد من الْأَئِمَّة بعد رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن يحمي لخاصِّ نَفسه.
وَاخْتلفُوا فِي أنهُ هَل يحمي للْمصَالح؟ مِنْهُم من لم يجوِّز، لقَوْله عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَا حِمى إِلا لله وَلِرَسُولِه»، وَمِنْهُم من جوَّز ذَلِكَ على نَحْو مَا حَمى رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمصَالح الْمُسلمين، بِحَيْثُ لَا يبينُ ضررهُ على من حماه عَليه، وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين، وتأوَّل هَؤُلَاءِ الْحَدِيث على أَن يحمي لخاص نَفسه، فَإِن عُمَر بْن الْخَطَّاب قد حمى بعد الرَّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا
2191 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، نَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ، يُقَالُ لَهُ: هني عَلَى الْحِمَى، فَقَالَ لَهُ: " يَا هني، اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ،
وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ مُجَابَةٌ، أَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الغُنَيْمَةِ، وَإيَّايَ وَنَعَمَ بْنَ عَوْفٍ، وَابْنَ عَفَّانَ، فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا إِلَى زَرْعٍ وَنَخْلٍ، وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ والغُنَيْمَةِ، إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُ، يَأْتِينِي بِبَنِيهِ، فَيَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا؟ لَا أَبَا لَكَ، فَالْمَاءُ وَالْكَلأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَايْمُ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَنْ قَدْ ظَلَمْتُهُمْ، إِنَّهَا لَبِلادُهُمْ قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِليَّةِ وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الإِسْلامِ، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْلا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا حَمَيْتُ عَلَى المُسْلِمينَ مِنْ بِلادِهِمْ شِبْرًا ".
وَرُوِيَ أنَّ عُمَرَ حَمَى الشَّرَفَ والرَّبْذَةَ، وتأوَّل الشَّافِعِيّ قولَهُ عَلَيْهِ السَّلام: «لَا حِمى إِلا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» على إبِْطَال مَا كَانَ يفعلُه أهلُ الْجَاهِلِيَّة، قَالَ: كَانَ الرَّجل الْعَزِيز إِذا انتجعَ بَلَدا مخصِبًا، أوفى بكلب على جبل إِن كَانَ بِهِ، أَو نشْزٍ إِن لم يكن بِهِ، ثُمَّ استعوى الْكَلْب، وَوَقف لَهُ من يسمعُ مُنْتَهى صَوته بالعُواء، فَحَيْثُ انْتهى صوتهُ حماهُ من كل نَاحيَة لنَفسِهِ، ويرعى مَعَ الْعَامَّة فِيمَا سواهُ، ويمنعُ هَذَا من
غَيره لِضُعَفَاء مَاشِيَته، فنرى أَن قَول رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا حِمى إِلا لله ولِرسوله» لَا حمى على هَذَا الْمَعْنى الْخَاص، وَأَن قولَه: «لله» فَللَّه كلُّ محمي وَغَيره، ورسولُ اللَّه إِنَّمَا يحمي لصلاح عَامَّة الْمُسلمين، وَلَا لما يحمي لَهُ غَيره من خاصَّة نَفسه، هَذَا قولُ الشَّافِعِيّ ذكرهُ فِي كِتَابه.
وَحَاصِل الْمَقْصُود مِنْهُ أنهُ لَا حِمى لأحد إِلا على الْوَجْه الَّذِي حماه رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي بعض الْأَحَادِيث " لَا حِمَى إِلا فِي ثلاثٍ: ثَلةُ البِئْرِ، وطولُ الفَرَسَ، وَحلْقَهِ القَوْمِ "، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثَلة الْبِئْر: أَن يحتَقر الرجلُ بِئْرا فِي مَوضع لَيْسَ بِملك لأحد، فلهُ من حوالي الْبِئْر من الأَرْض، مَا يكونُ ملقى لثلَّة الْبِئْر، وَهُوَ مَا يخرج من ترابها لَا يدْخل فِيهِ عَلَيْهِ أحد.
وطولُ الْفرس: أَن يكون الرجل فِي الْعَسْكَر، فيربط فرسه، فَلهُ من ذَلِكَ الْمَكَان مستدار لفرسه فِي طوله يحميه من النَّاس.
وحلقة الْقَوْم يَعْنِي لَا يجلسُ فِي وسط حَلقتهم، ويقَالَ: هُوَ أَن يتخطى الْحلقَة، فَإِنَّهَا حمى لأَهْلهَا.
بَاب الإقْطاع
2192 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا سُفْيَانُ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى الْوَلِيدِ، قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأَنْصَارَ إِلَى أَنْ يُقْطَعَ لَهُمُ البَحْرَيْنِ، فَقَالُوا: لَا، إِلا أَنْ تُقْطِعَ لإخْوَانِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَهَا، قَالَ: «أَمَّا لَا، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي، فَإنَّهُ سَتُصيْبُكُمْ أَثَرَةٌ بَعْدِي».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
قَالَ الإِمَامُ: هَذَا الْحَدِيث يدل على أَنَّهُ لَا يجوز للْإِمَام أَن يُقطع للنَّاس من بِلَاد العَنوة، مَا لم يجر عَلَيْهِ ملكُ مُسْلِم، وَمن أقطعهُ السلطانُ أَرضًا مِنْهَا صَار أوْلى بهَا من غَيره، فَإِذا أَحْيَاهَا وعمرها مَلكها، وَلَا يمِلكُها قبل الْإِحْيَاء، كَمَا لَو تحجَّر أَرضًا كَانَ أولى بهَا من غَيره، وَلَا يملكُها إِلا بِالْإِحْيَاءِ، وَكَذَلِكَ لَو أفرخ طَائِر على شَجَرَة مَمْلُوكَة لرجل، كَانَ أولى بالفرخ من غَيره، وَلَا يمِلكه حَتَّى يأخذهُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلقمة بْن وَائِل، عَنْ أَبِيه، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعهُ أرْضًا بِحَضرَ مَوْتَ».
وَرُوِيَ عَنْ عُمَر، أنهُ أَقطع، وَاشْترط الْعِمَارَة ثَلَاث سِنِين، وأقطع عُثْمَان وَلم يشْتَرط ".
قَالَ الْخطابِيّ: وَيُشبه أَن يكون إقطاعهُ من الْبَحْرين، إِنَّمَا هُوَ على أحد الْوَجْهَيْنِ، إِمَّا أَن يكونَ من الْموَات الَّذِي لم يملكهُ أحد، فيُتملَّك بِالْإِحْيَاءِ، وَإِمَّا أَن يكون ذَلِكَ من الْعِمَارَة من حَقه فِي الْخمس، فقد رُوِيَ أَنَّهُ افْتتح الْبَحْرين، وَترك أرْضهَا، وَلم يقسمها، كَمَا فتح أرضَ بني النَّضِير، فَتَركهَا، وَلم يقسمها كَمَا قسم خَيْبَر.
أما الْمَعَادِن، فنوعان: نوع مِنْهَا يكون نفعهُ ظَاهرا، كالملح فِي الْجبَال، والنِّفط، والقارة، والكبريت، والمومياء، فهَذَا النَّوْع لَا يُملك بالعمارة، وَلَا يجوز للسُّلْطَان إقطاعُه، والناسُ فِيهِ شَرَعٌ سَوَاء، فَهُوَ كَالْمَاءِ والكلأ، وَالْحِجَارَة، فِي غير الْملك، فَإِن أتاهُ رجلَانِ، فَإِن وسعهما، عملا فِيهِ، وَإِن لم يَسعهما، كَانَ أسبقهما أولى بِهِ، فَيَأْخُذ قدر حَاجته، ثُمَّ يدعهُ إِلَى الثَّانِي، وَإِن جَاءَا مَعًا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا
2193 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّحَّانُ، أَنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشٍ، أَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنا أَبُو عُبَيْدٍ، أَنا صَدَقَةُ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ قَيْسٍ الْمَأْرِبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ، عَنْ سُمَيِّ بْنِ قَيْسٍ،
عَنْ شمير، عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ الْمَأْرِبِيِّ، أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَقْطَعَهُ المِلْحَ الَّذِي بِمَأْرِبَ، فَأَقْطَعَهُ إيَّاهُ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَدْرِي مَاذَا أَقْطَعْتَ؟ إِنَّمَا أَقْطَعْتَ لَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ.
قَالَ: «فَرَجَعَهُ مِنْهُ»، قَالَ: وَسَأَلَهُ مَاذَا يُحْمَى مِنَ الأَرَاكِ؟ قَالَ: «مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الإِبِلِ».
فبَيَّن بهَذَا أَن المعدِنَ الظَّاهِر لَا يجوز إقطاعُه، كَالْمَاءِ الْعد، وَهُوَ الدَّائم الَّذِي لَا يَنْقَطِع، وَقَوله: استقطع، أَي: سَأله أَن يُقطعه.
وقولُ: «مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الإِبِلِ» أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ أَنما يحمي من الْأَرَاك مَا بَعد عَنْ حَضْرَة الْعِمَارَة، وَلَا تبلغهُ الإبلُ الرَّائِحَة إِذا أرْسلت فِي الرَّعْي.
وَفِيه دليلٌ على أَن الكَلأ والرعي فِي غير الْملك لَا يمْنَع من السَّارحة، وَلَيْسَ لأحد أَن يستأثِر بِهِ دون سَائِر النَّاس، فأمّا مَا كَانَ فِي ملك
الرجل من الْكلأ والأراك فمملوك لَهُ، ولهُ منعهُ عَنْ غَيره كَسَائِر الْأَشْجَار.
وَفِي الْحَدِيث دليلٌ على أَن الْحَاكِم إِذا حكم بشيءٍ، ثُمَّ تبيَّن لهُ أَن الْحق فِي خِلَافه، عَلَيْهِ ردُّه، فَإِن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ عَنْ إقطاعه بعد مَا أخبر أَنَّهُ كَالْمَاءِ العِدّ، وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " المُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثلاثٍ: فِي المَاءِ والْكَلأ وَالنَّارِ " وَالْمرَاد مِنْهُ الْكلأ الَّذِي ينبتُ فِي الْموَات، وَأما النارُ، قيل: أَرَادَ بِهِ الْحِجَارَة الَّتِي توري النَّار لَا يُمنع أحدٌ أَن يَأْخُذ مِنْهَا حجرا إِذا كَانَ فِي مَوات، وأمَّا النَّار الَّتِي أوقدها الرَّجل، فلهُ مَنع الْغَيْر مِنْهَا، وَقيل: لهُ أَن يمْنَع من يَأْخُذ مِنْهَا جَذوة، وَلَكِن لَا يمْنَع من يستصبح مِنْهَا مصباحًا، أَو يُدني مِنْهَا ضِغثًا، لأنهُ لَا ينقصُ من عينهَا شَيْئا.
وَالنَّوْع الثَّانِي من الْمَعَادِن: مَا يكون نفعهُ بَاطِنا، لَا يُنالُ إِلا بمؤنة، مثل مَعادن الذَّهَب، وَالْفِضَّة، وَالْحَدِيد، والنُّحاس، وَسَائِر الْجَوَاهِر، يجوز للسُّلْطَان إقطاع مثل هَذِه الْمَعَادِن، والدليلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ كثير بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو بْن عَوْف الْمُزنِيّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جدِّه، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ بِلالَ بْن الْحَارثِ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّة جلسيها وغُورِيَّهَا، وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنَ قُدْسَ، وَلَمْ يُعْطِه حَقَّ مُسْلِم وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا»، وَرُوِيَ مثلهُ عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْن عَبَّاس.
وَمعادن القَبَلِيَّة: من نَاحيَة الْفَرْع.
وَقَوله: «جلسيها» يُرِيد: نجديَّها، يقَالَ لنجد: جَلسٌ.
قَالَ الْأَصْمَعِي: وكلُّ مُرْتَفع جَلسٌ، والغَورُ: مَا انخفض من الأَرْض.
وَهل تملك مثلُ هَذِه الْمَعَادِن بِالْإِحْيَاءِ؟ للشَّافِعِيّ فِيهِ قَولَانِ، أَحدهمَا تُملك، كالأرض وكما يجوز إقطاعُها، فعلى هَذَا إِذا وصل إِلَى النّيل، ملك، كَمَا لَو حفر بِئْرا فِي موَات للْملك لَا يملك حَتَّى يصل إِلَى المَاء، وَالْقَوْل الثَّانِي: لَا تملك بِالْإِحْيَاءِ بِخِلَاف الأَرْض، لِأَنَّهَا إِذا أَحييت مرَّة، ثَبت إحياؤها، والمعدِنُ يحْتَاج إِلَى أَن يعْمل فِيهِ كلَّ يَوْم حَتَّى يرتفقَ منهُ، وَقد يجوز إقطاعُ مَا لَا يملك بِالْإِحْيَاءِ، كمقاعد الْأَسْوَاق، فعلى هَذَا إِذا ابْتَدَأَ رجلٌ الْعَمَل فِي مَعْدن مِنْهَا كَانَ لهُ مَنع الْغَيْر، وَإِن كَانَ يسعُ الْكل فَإِذا عطله لم يكن لَهُ منع الْغَيْر عَنْهُ، كَمَا لَو حفر بِئْرا فِي موَات للارتفاق كَانَ أولى بهَا من غَيره، أَو نزل منزلا بالبادية كَانَ أولى بِهِ، فَإِذا تَركه
لم يكن لَهُ منعُ الْغَيْر عَنْهُ، وَقد يكون نوعٌ من الإقطاع إرفاقًا من غير تمْلِيك، كالمقاعد فِي الْأَسْوَاق يرتفق بِهِ الرجل، فَيكون أولى بِهِ، وَمَا حواليه قدر مَا يضعُ متاعهُ للْبيع، ويقفُ فِيهِ المُشْتَرِي، وَيجوز للسُّلْطَان إقطاعهُ من غير أَن يكون فِي ملك.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن مُغفَّل، عَنْ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ احْتَفَرَ بِئْرًا، فَلَيْسَ لأَحدٍ أَنْ يَحْفِرَ حَوْلَهُ أَرْبَعيِنَ ذِرَاعا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ».
قَالَ الإِمَامُ: وَكَذَلِكَ المنازلُ فِي الْأَسْفَار، والرباط الْمَوْقُوف على الْمَارَّة، إِذا نزل رجُلٌ فِي مَوضِع، أَو وضع فِيهِ متاعهُ، كَانَ أولى بِهِ من غَيره، فَإِن فارقهُ فِراقَ ترك لم يمْنَع غيرَه من نُزُوله.
رُوي عَنْ عَائِشَة، أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ».
وَعَن أسمر بْن مُضرِّس، قَالَ: أتيتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايعتهُ، فَقَالَ: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَم يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِم فَهُوَ لَهُ».
ورُوي عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَسمَاء بنت أَبِي بَكْر: «أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ نَخْلا».
قَالَ الْخطابِيّ: النّخل مَال ظَاهر الْعين، حاضرُ النَّفْع، كالمعادن الظَّاهِرَة فَيُشبه أَن يكون إِنَّمَا أعطاهُ ذَلِكَ من الْخمس الَّذِي هُوَ سَهمه، وَالله أعلم.
ورُوي: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ الْمُهَاجِرِينَ الدُّورَ بِالْمَدِينَةِ».
وَرُوِيَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَن يُورث دور الْمُهَاجِرين النِّسَاء، فَمَاتَ عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود، فورثته امْرَأَته دَارا بِالْمَدِينَةِ».
وتأوَّلوا هَذَا الإقطاعَ على وَجْهَيْن، أَحدهمَا: أَنه أقطعهم الْعَرَصَة ليبنوا فِيهَا، فعلى هَذَا الْوَجْه صَارَت الدُّورُ ملكا لَهُم بِالْبِنَاءِ، وتوريثه الدّور نسَاء الْمُهَاجِرين خُصُوصا، يشبه أَن يكون إِنَّمَا خصَّهُن بالدور من بَين سَائِر الْوَرَثَة، لِأَنَّهُنَّ غرائب بِالْمَدِينَةِ لَا عشيرة لهنَّ، فَجعل نصيبهن من الْمِيرَاث فِي الدُّور لما رأى فِي ذَلِكَ من الْمصلحَة.
والتأويل الثَّانِي: أَن إقطاع الْمُهَاجِرين الدّور كَانَ على سَبِيل الْعَارِية، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو إِسْحَاق المرزوي، فعلى هَذَا الْوَجْه لَا يجْرِي فِيهَا الإرثُ، لِأَن الإرثَ إِنَّمَا يجْرِي فِيمَا يكون مَمْلُوكا للموروث منهُ، غير أَنَّهَا تُركت