شرح السنة للبغويصفحات 191-230

كِتابُ الصّيد والذّبائح

صفحات 191-230
عن هذه الطبعة
عَلَم
البغوي ، أبو محمد
الكتاب
شرح السنة
المؤلف
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
الطبعة
الثانية، 1403هـ - 1983م
عدد الأجزاء
15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بابُ مَا يجُوزُ الصّيْدُ بِهِ

قَالَ الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [الْمَائِدَة: 2]، وَالصَّيْد مَا كَانَ حَلَالا مُمْتنِعًا، لَا مالِك لهُ، وَقَالَ سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [الْمَائِدَة: 4] الْآيَة، قوْلُهُ: ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [الْمَائِدَة: 4]، يعْني: الصّوائِد، واحِدتُها: جارِحةٌ، لِأنها تجْرحُ الصّيْد، ولِأنّها تكْسِبُ.
قَالَ الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ﴾ [الْأَنْعَام: 60]، أيْ: كسبْتُمْ.
وقوْلُهُ: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [الْمَائِدَة: 4]، والمُكلِّبُ: الّذِي يُسلِّطُ الكِلاب على الصّيْدِ، والّذي يُعلِّمِهُ، يُقالُ لهُ: مُكلِّبٌ أيْضًا، والكلابُ: صاحِبُ الكِلابِ، ويُقالُ لِلصّائِدِ بِها أيْضًا: كلّابٌ.
2768 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، نَا عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ، فَأَمْسَكَ، وَقَتَلَ، فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ، فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا خَالَطَ كِلابًا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا، فَأَمْسَكْنَ، وَقَتَلْنَ، فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهَا قَتَلَ، وَإِذَا رَمَيْتَ الصَّيْدَ، فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلَّا أَثَرُ سَهْمِكَ، فَكُلْ، إِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ، فَلا تَأْكُلْ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ شُجَاعٍ السَّكُونِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ عَاصِمٍ قَالَ الإِمامُ: هَذَا الْحدِيث يتَضَمَّن فَوَائِد من أَحْكَام الصَّيْد مِنْهَا: أَن من أرسل كَلْبا على صيد، فَأَخذه وَقَتله، يكُون حَلَالا، وكذلِك جمِيع الْجَوَارِح المعلّمة من الفهد والبازي والصقر وَالْعِقَاب وَنَحْوهَا.
وَالشّرط أَن تكون الْجَارِحَة مُعلّمة، وَلَا يحلُّ قتيلُ غيْر المعلّم.
لِما رُوِي عنْ مجَالد، عنِ الشّعْبِيِّ، عنْ عدي بْن حَاتِم، أنّ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا علّمْت مِنْ كلْبٍ، أوْ بازٍ ثُمّ أرْسلْتهُ، وذكرْت اسْم اللهِ عليْهِ فكُلْ مِمّا أمْسك عليْك».

قَالَ الإِمامُ: والتعليم أَن يُوجد فِيهِ ثلاثُ شَرَائِط: إِذا أُشلي استشلى، وإِذا زُجر انزجر، وإِذا أَخذ الصَّيْد، أمسك ولمْ يَأْكُل، فإِذا فعل ذلِك مرَارًا أوْ أقلهَا ثَلَاثَة، كَانَ مُعلّمًا يحل بعد ذلِك قتيلهُ.
وقوْله: «إِذا أرْسلْت كلْبك»، دلِيل على أَن الْإِرْسَال من جِهَة الصَّائِد شرطٌ، حتّى لَو خرج الْكَلْب بِنَفسِهِ، فَأخذ صيدا وَقَتله، لَا يكُون حَلَالا، أَجمعت الْأمة عليْهِ، لقَوْله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [الْمَائِدَة: 3]، وفِيهِ بَيَان أَن ذكر اسْم الله شَرط على الذَّبِيحَة حَاله مَا يذبح، أوْ فِي الصَّيْد حَالَة مَا يُرسل الْجَارِحَة، أوِ السهْم، فَلَو ترك التَّسْمِيَة، فَاخْتلف أهْل الْعِلْمِ فِيهِ، فَذهب جمَاعَة إِلى أنّهُ حَلَال، رُوِي ذلِك عنِ ابْنِ عبّاسٍ، وإِليْهِ ذهب مالِك، والشّافِعِي، وأحْمد، وقالُوا: المُرَاد من ذكر اسْم الله عزّ وجلّ: ذكر الْقلب، وهُو أَن يكُون إرْسَاله الْكَلْب على قصد الِاصْطِيَاد بِهِ، لَا على وَجه اللّعب.
وَذهب قوْمٌ إِلى أنّهُ لَا يحل، سَوَاء ترك عَامِدًا أوْ نَاسِيا، وهُو الْأَشْبَه بِظَاهِر الْكتاب وَالسّنة، رُوِي ذلِك عنِ ابْن سِيرِين، والشّعْبِي، وبِهِ قَالَ أبُو ثَوْر، وداوُد.

وَذهب جمَاعَة إِلى أنّهُ لَو ترك التَّسْمِيَة عَامِدًا، لَا يحل، وَإِن تَركهَا نَاسِيا، يحل، وهُو قوْل الثّوْرِي، وأصْحاب الرّأْيِ، وَإِسْحَاق، وَاحْتج من شَرط التَّسْمِيَة بقوله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الْأَنْعَام: 121]، وَتَأَول من لمْ يرهَا شرطا على أَن المُرَاد من ذكر اسْم غيْر الله بِدَلِيل أنّهُ قَالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الْأَنْعَام: 121]، وَالْفِسْق فِي ذكر اسْم غيْر الله، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي آخر ال ﴿[:] قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا إِلى قوْله: أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [سُورَة الْأَنْعَام: 145]، وَاحْتج من لمْ يَجْعَل التَّسْمِيَة شرطا بِمَا.
2769 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، نَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هُنَا أَقْوَامًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِشِرْكٍ، يَأْتُونَا بِلُحْمَانٍ، لَا نَدْرِي يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِا أَمْ لَا؟ قَالَ: «اذْكُرُوا أَنْتُمُ اسْمَ اللَّهِ وَكُلُوا».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَو كَانَت التَّسْمِيَة شرطا للْإِبَاحَة، كَانَ الشَّك فِي وجودهَا مَانِعا من أكلهَا، كالشك فِي أصل الذّبْح.
وَاتَّفَقُوا على حِل ذَبِيحَة أهل الْكتاب.

وقوْله: «إِنْ أكل فَلَا تأْكُلْ»، فِيهِ دلِيلٌ على أَن الْجَارِحَة إِذا أكلت من الصَّيْد شيْئًا، كَانَ حَرَامًا، واخْتلف أهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، فَذهب أَكْثَرهم إِلى تَحْرِيمه، رُوِي ذلِك عنِ ابْنِ عبّاسٍ، وَعمر، وإِليْهِ ذهب عَطاء، وهُو قوْل الثّوْرِي، وَابْن الْمُبَارك، وأحْمد، وَإِسْحَاق، وأصْحاب الرّأْيِ، وَأَصَح قولي الشّافِعِي.
وَرخّص فِيهِ بعضُ أهْل الْعِلْمِ، وهُو قوْل مالِك.
لما رُوِي عنْ أبِي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ، عنْ أبِي ثَعْلَبَة الخُشني، قَالَ: قَالَ النّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صيد الْكَلْب: «إِذا أرْسلْت كلْبك وذكرْت اسْم اللهِ، فكُلْ وإِنْ أكل مِنْهُ»، ويُرْوى هَذَا أيْضًا عنِ ابْن عُمر، وَعَن سعْد بْن أبِي وَقاص: «كُل وإِنْ لمْ تُدْرِكْ إِلّا بِضْعةً واحِدةً».
وَفرق بعضُ أهْل الْعِلْمِ بيْن الْكَلْب والبازي، فَقَالَ: يحرمُ مَا أكل مِنْهُ الكلبُ، وَلَا يحرمُ مَا أكل مِنْهُ الْبَازِي، وهُو اختيارُ الْمُزنِيّ، لِأَن

الْكَلْب يعلّم بترك الطُّعم، والبازي يعلّم بالطُّعم، فَأَكله لَا يحرِّم الصَّيْد.
فَمن ذهب إِلى تَحْلِيله متمسكًا بِحَدِيث أبِي ثَعْلَبَة، حمل النَّهْي فِي حَدِيث عدي بْن حَاتِم على معنى التَّنْزِيه دُون التَّحْرِيم، وَمن ذهب إِلى تَحْرِيمه.
فَأول قوْله فِي حَدِيث أبِي ثَعْلَبَة: «فكُل وَإِن أكل»، يعْنِي: وَإِن أكل أكل فِيمَا مضى من الزّمان إِذا لمْ يَأْكُل فِي الْحَال.
واخْتلف الْقَائِلُونَ بِتَحْرِيمِهِ فِي الصيود الّتِي اصطادها من قبل مِمَّا لمْ يَأْكُل مِنْهَا أنّها هَل تحرم؟ فَمنهمْ من ذهب إِلى أنّهُ إِذا أكل من صيد مرّة يحرم بِهِ كُل صيد اصطاده من قبل، وَمِنْهُم من لمْ يحرِّم إِلَّا مَا أكل مِنْهُ، فَأَما إِذا شرب الدَّم، فَلَا يحرم، قَالَ عَطاء، وَالْأَكْثَرُونَ.
وقوْله: «إِذا خالط كلابًا لمْ يذكر اسْم الله عليْها وقتلن، فَلَا تَأْكُل»، دلِيل على أَن الْكَلْب إِذا خرج بِنَفسِهِ من غيْر إرْسَال صَاحب فَقتل أنّهُ لَا يحلُّ.
وفِيهِ دلِيلٌ على أنّهُ إِذا اشْترك فِي الذّبْح من تحِلُّ ذَبِيحَته، وَمن لَا تحِل ذَبِيحَته، مثل أَن أشترك مُسْلِم ومجوسي أوْ مُرْتَد فِي ذبح شَاة، أوْ أرسل مُسْلِم ومجوسي كَلْبا، أوْ سَهْما، على صيد، فَأَصَابَهُ وَقَتله، أنّهُ يكُون حَرَامًا، وَإِن أرسل كلُّ وَاحِد سَهْما، أوْ كَلْبا، فَأَصَابَهُ مَعًا فَحَرَام، إِلَّا أَن تصيب جارحةُ الْمُسلم المذبح، وجارحةُ الْمَجُوسِيّ غير المذبح، فَيكون حَلَالا، لِأَن الذّبْح قدْ حصل بجارحة الْمُسلم، فَلَا يُؤثر فعل الْمَجُوسِيّ فِي تَحْرِيمه، ويحلُّ مَا اصطاده الْمُسلم بكلب الْمَجُوسِيّ، وَلَا يحل مَا اصطاده الْمَجُوسِيّ بِكُل الْمُسلم إِلَّا أَن يُدْرِكهُ المسلمُ حيًّا، فيذبحه.

وفِي الْحدِيث دلِيل أنّهُ إِذا أرسل كَلْبا، أوْ سَهْما على صيد، فجرحه، فَغَاب عَنهُ، ثُمّ وجده مَيتا، وَلَيْسَ فِي أثرُ جرحه أنّهُ يحل.
واخْتلف أهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، فَذهب أَكْثَرهم إِلى أنّهُ حَلَال إِلَّا أَن يجد فِيهِ جِراحة غَيره، أوْ يجده فِي مَاء، فَلَا يحلِ، لِأَنَّهُ لَا يُدرى أنّهُ مَاتَ من فعله، أوْ من فعل غَيره مِمَّن لَا تحل ذَبِيحَته، أوْ غرّقه المَاء، فَأَهْلَكَهُ، وَللشَّافِعِيّ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا هَذَا، وَالْقَوْل الثَّانِي: أنّهُ حرَام، وَقَالَ عبْد الله بْن عبّاس: كلْ مَا أصميت، ودع مَا أنْميْت.
وَمَا أصميت: مَا قتلته وَأَنت ترَاهُ، وَمَا أنميت: مَا غَابَ عنْك مَقْتَله.
وَقَالَ مالِك: إِن وجده من يَوْمه، فحلال، وَإِن بَات، فَلَا.
فَأَما إِذا كَانَ سَهْمه، أوْ كَلْبه أَصَابَهُ مذبحه، فهُو حَلَال، سَوَاء وجده فِي مَاء، أوْ وجد فِيهِ سهم غَيره، لِأَن الذّبْح قدْ تمّ بِإِصَابَة المذبح، فَلَا يتَغَيَّر حكم تَحْلِيله بِمَا يحدث من بعد.
ويُروى فِي حَدِيث عدي: «فإِنْ أمْسك عليْك، فأدْركْتهُ حيًّا، فأذْبحه»، وَهَذَا قوْل أهْل الْعِلْمِ: أَن الْكَلْب إِذا أَخذ صيدا، أوْ رُمي إليْهِ، فأدركه صَاحبه حيًّا، لَا يحلُّ مَا لمْ يذبحه بِقطع الْحلق واللبة، فإِن فرّط فِيهِ ذبحه لتعذر أداةٍ، أوْ غيْر حتّى مَاتَ، فَلَا يحلُّ، وكذلِك كلُّ مَا جرحه السَّبع من الصيود، فأدركه والحياة فِيهِ مُسْتَقِرَّة فذبحه، يحلُّ وَإِن صَار بِجرح السَّبع إِلى حَالَة الْمَذْبُوح، فَلَا يحلُّ، قَالَ الله

سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [الْمَائِدَة: 3]، وأصل الذَّكَاة: تَمام الشَّيْء وبلوغه منتهاه، يُقَال: ذكيتُ النَّار: إِذا أتممت إشعالها.
2770 - أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، نَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ، فَغَابَ عَنْكَ، فَأَدْرَكْتَهُ، فَكُلْ مَا لَمْ يَنْتِنْ، وَيُرْوَى: مَا لَمْ يَصِلَّ «، يَعْنِي مَا لَمْ يَنْتِنْ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ فَهَذَا دلِيل على أنّهُ يحلُّ وَإِن غَابَ عنْ مَوته، ومنعهُ عنْ أكله بعد مَا أنتن استحبابُ، لِأَن تغير ريحِهِ لَا يُحرمُ أكله، فقدْ رُوِي أنّ النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» أكل إِهالة سنِخةً " وهِي المتغيرة الرّيح.
وقدْ يُحتمل أَن يكُون تغيره من هامّةٍ نهستهُ، فدبّ فِيها سمها، فَيكون أكله سَببا لهلاكه.

2771 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، نَا حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ " أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا، فَلا تَأْكُلُوا مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ، فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْ ”. هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ.
وَرَوَاهُ الْولِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ عَائِذِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، وَقَالَ: قُلْتُ: إِنَّا أَهْلُ سَفَرٍ نَمُرُّ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، فَلا نَجِدُ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ؟، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا بِالْمَاءِ، ثُمَّ كُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا» وعائذ الله: هُو أبُو إِدْرِيس الْخَولَانِيّ، وَأَبُو ثَعْلَبَة: اسْمه جُرثوم، وَيُقَال جُرهم بْن ناشب، وَيُقَال: ابْن ناشر.
قَالَ الإِمامُ: الْأَمر بِغسْل إِنَاء الْكفَّار فِيمَا إِذا علم نَجَاسَته يَقِينا.
فقدْ رُوِي عنْ مُسْلِم بْن مِشْكمٍ، عنْ أبِي ثَعْلَبه، أنّهُ سَأَلَ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنَّا نجاور أهل الْكتاب وهُمْ يطبخون فِي قدورهم الْخَنَازِير، وَيَشْرَبُونَ فِي آنيتهم الْخمر، فَقَالَ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ لمْ تجِدُوا غيْرها فأرْحضُوها بِالْماءِ»، يعْنِي: اغسلوها، فَأَما إِذا لمْ يتَيَقَّن نَجَاسَته، فَالْأَصْل طَهَارَته، وكذلِك مِيَاههمْ وثيابهم على الطَّهَارَة، فقدْ رُوِي أَن النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «تَوَضَّأ مِنْ مزادةِ مُشْرِكةٍ»، وتوضّأ عُمرُ مِنْ ماءٍ فِي جرّةِ

نصْرانِيّةٍ.
ورُوِي عنْ جابِر، قَالَ: «كُنّا نغْزُو مَعَ رسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فنُصِيبُ مِنْ آنِيةِ المُشْرِكِين وأسْقِيتِهِمْ، فنسْتمْتِعُ بِها، وَلَا يعِيبُ ذلِك عليْهِمْ».
وَقَالَ عُمرُ بْنُ الخطّابِ: كلوا الْجُبْن مِمَّا يصنعُ أهل الْكتاب، وقالتْ أم سَلمَة فِي الْجُبْن: كلوا واذْكُرُوا اسْم الله.
وَكَانَ الْحسن يكره طَعَام الْمَجُوس كلّه إِلَّا الْفَاكِهَة.
2772 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا قَبِيصَةُ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نُرْسِلُ الْكِلابَ الْمُعَلَّمَةَ؟ قَالَ: «كُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ»، قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَتَلْنَ»، قُلْتُ: إِنَّا نَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ؟ قَالَ: «كُلْ مَا خَرَقَ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ، فَلا تَأْكُلْ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ الْحَنْظَلِيِّ،

عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ منْصُورٍ والمِعْراض: نصلٌ عريضٌ فِيهِ رزانةٌ وثقلٌ، وَيُقَال: المِعراض سهمٌ بِلَا ريش وَلَا نصلٍ.
وفِي الْحدِيث من الْفِقْه أنّهُ إِذا رمى سَهْما إِلى صيد، فجرحه بحده، فَقتله كَانَ حَلَالا، وَإِن وقذه بثقله، أوْ خزقه بثقله، فَلَا يحل، لِأَنَّهَا موقوذة والموقوذة محرمةٌ بِنَصّ الْقُرْآن.
وروى الشّعْبِي، عنْ عدي، عنِ النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذا أصبْت بِحدِّهِ، فكُلْ، وإِذا أصَاب بِعرْضِهِ فَقتل، فإِنّهُ وقِيذٌ فَلَا تأْكُلْ»، وَأَرَادَ بالوقيذ: مَا ذكر سُبْحانهُ وَتَعَالَى فِي الْمُحرمَات: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [الْمَائِدَة: 3]، وهِي الّتِي تقتل بعصا أوْ حِجَارَة لَا حدّ لَهَا، وكذلِك الْمَقْتُول بالبُنْدُقةِ حرامٌ.
فَأَما صيد الْكَلْب وَغَيره من الْجَوَارِح، فَمَا جرحته الْجَارِحَة بِسنِّها، أوْ ظفرها، أوْ مخلبها فَقتلته، فحلال، وَإِن مَاتَ بثقلها ولمْ تجرحه، فعلى قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا هُو اخْتِيَار الْمُزنِيّ: أنّهُ حرَام كَمَا لَو قَتله بثقل السهْم، وَالثَّانِي: حَلَال، لِأَنَّهُ يشقُّ تَعْلِيم الْجَارِحَة الْجرْح، فَسقط اعْتِبَاره.
وَلَو رمى صيدا فِي الْهَوَاء فجرحه، فَسقط على الأرْض فَمَاتَ، كَانَ حَلَالا وَإِن لمْ يدرِ أنّهُ مَاتَ فِي الْهَوَاء، أوْ بَعْدَمَا صَار إِلى الأرْض، لِأَن الْوُقُوع على الأرْض من ضَرُورَته، فإِن وَقع فِي مَاء، أوْ على جبل أوْ شجرٍ، ثُمّ تردى مِنْهُ، فَلَا يحلُّ، لِأَنَّهُ من المتردية، إِلَّا أَن يكُون السهْم قدْ أصَاب مذبحه، فيحلُّ، سَوَاء وَقع فِي مَاء، أوْ تردى من جبل.
وَلَو رمى إِلى صيد، فأبان رَأسه، أوْ قدّه بنصفين، فهُو حَلَال، وَإِن

كَانَ أحد النصفين أَصْغَر من الآخر، وَذهب أصْحاب الرّأْيِ إِلى أنّهُ إِن قدّه بنصفين سَوَاء، فالكلُّ حلالٌ، وَإِن كَانَ أحد النصفين أَصْغَر، فَإِن كَانَ الرَّأْس مَعَ الْأَصْغَر، فَالْكل حَلَال، وَإِن كَانَ مَعَ الْأَكْبَر، حلّ الْأَكْبَر دُون الْأَصْغَر، وَعند الشّافِعِي يحِلُّ الكلُّ بِكُل حَال، فَأَما إِذا رمى إليْهِ فأبان عضوا مِنْهُ، أوْ قطع الْكَلْب المعلّم مِنْهُ قِطْعَة مِنْهُ، وَمَات، فَالْأَصْل حَلَال، وأمّا الْعُضْو المبان، فَذهب جمَاعَة إِلى أنّهُ حرَام، يُروى ذلِك عنِ ابْن مسْعُود، وبِهِ قَالَ الْحسن، وَإِبْرَاهِيم، وإِليْهِ ذهب أصْحاب الرّأْيِ، وَقَالَ الشّافِعِيُّ: إِن خرج الرّوح من الْكل مَعًا حلّ الكلُّ، وَإِن بَقِي الأَصْل حيًّا حتّى ذبحه بِفعل آخر، فالعضو المبان حرَام، لما رُوِي عنْ أبِي وَاقد اللَّيْثِيّ، قَالَ: قَالَ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا قُطِع مِن البهِيمةِ وهيِ حيّةٌ، فهِي ميْتةٌ»، فأمّا إِذا بِقِي الأَصْل حَيا بعد إبانة الْعُضْو مِنْهُ زَمَانا، ثُمّ مَاتَ قبل أَن يُقدر على ذبحه من الرَّمية الأولى، فَالْأَصْل حَلَال، واخْتلف أصْحاب الشّافِعِي فِي الْعُضْو المبان، فأحله بعْضهم، وَحرمه الْآخرُونَ.

بابُ ذبِيحةِ أهْلِ الشِّرْكِ وأهْلِ الْكِتابِ

قَالَ الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [الْمَائِدَة: 5].
2773 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبُو الْوَلِيدِ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: «كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبرَ، فَرَمَى إِنْسَانٌ بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْمٌ، فَنَزَوْتُ لآخُذَهُ، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ 2774 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، نَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نَا مُوسَى، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلَ بَلْدَحٍ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا»، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلا آكُلُ إِلَّا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ الإِمامُ: قدْ أَبَاحَ الله تَعَالَى ذَبَائِح أهل الْكتاب، فَذهب جمَاعَة من أهْل الْعِلْمِ إِلى أَن ذَبَائِحهم حَلَال، وَإِن ذَبَحُوا باسم الْمَسِيح، أوْ بِغَيْر اسْم الله، لِأَن الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى أَبَاحَهُ على الْإِطْلَاق، وَذهب جمَاعَة إِلى أَنهم إِذا ذَبَحُوا باسم الْمَسِيح، أوْ لغير اسْم الله، لمْ يحل، وَكره بعْضهم أيْضًا مَا يذبحون للكنائس وَالْبيع، وَإِنَّمَا أحلُّوا مَا ذَبَحُوا لأقواتهم، قَالَ الزُّهْرِي: «فإِن سمعته يُسَمِّي لغير الله، فَلَا تَأْكُل، وَإِن لمْ تسمع فقدْ أحله الله، وَعلم كفرهم»، ورُوِي عنْ علِي نَحوه، وَكره بعْضهم أَن

يولي المسلمُ الْمُشرك ذبح ذَبِيحَته، وَإِنَّمَا أحلّ مِنْهَا مَا ذبحوه من ملكهم، لِأَن الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى قَالَ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [الْمَائِدَة: 5].
وَحكي عنْ مالِك أنّهُ كَانَ لَا يرى أَن تُؤْكَل الشحومُ من ذَبَائِح الْيهُود، لِأَنَّهَا مُحرمَة عَلَيْهِم.
قَالَ الْخطّابِيُّ: وأحسبهُ ذهب إِلى قوْله عزّ وجلّ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [الْمَائِدَة: 5]، وَلَيْسَت الشحوم من طعامهم الْمُبَاح لهُمْ، وَحَدِيث عبْد الله بْن مُغفل حجَّة على إِبَاحَته، لِأَنَّهُ رُوِي أنّهُ قَالَ: " أصبتُ جرابًا من شَحم يوْم خَيْبَر، فالتزمته، فقُلْتُ: لَا أُعْطِي اليوْم أحدا مِنْ هَذَا شيْئًا، فالتفتُّ، فإِذا رسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتبسِمًا ". فَأَما ذَبِيحَة أهل الشّرك وَالْمَجُوس، فَحَرَام.
وَحَدِيث عبْد الله بْن عُمر، أَن النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِي زيْد بْن عمْرو بْن نُفيل

بِأَسْفَل بلدح، قَالَ الْخطّابِيُّ: امْتِنَاعه من أكل مَا فِي السفرة إِنّما كَانَ خوفًا من أَن يكُون ذلِك مِمَّا ذبح لأصنامهم، فَأَما مَا ذبحوه لمأكلتهم، فَكَانَ النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يتنزه عَنهُ، لِأَنَّهُ كَانَ بيْن ظهرانيهم، ويتناول أطعمتهم، ولمْ يُرْو أنّهُ تنزه عنْ شيْء من ذلِك قبل نزُول تَحْرِيم ذَبَائِح الشّرك إِلَّا مَا كَانَ من اجتنابه الميتات طبعا، أوْ تقذرًا، وَمَا ذبح لأصنامهم لِئَلَّا يكُون معظّمًا لغير الله عصمَة من الله عزّ وجلّ، ولمْ يزل عليْهِ السّلام على شَرِيعَة إِبْراهِيم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولمْ يكن يتَنَاوَل مَا لَا يحلُّ ولمّا لمْ يكن فِيمَا ذبحوه لمأكلتهم معنى الْميتَة، وَلَا معنى مَا ذبح لأصنامهم، ولمْ ينزل عليْهِ تَحْرِيمه، كَانَ الظَّاهِر مِنْهُ الْإِبَاحَة كأمر النِّكَاح، فإِنّهُ أنكح ابْنَته زَيْنَب من أبِي الْعَاصِ بْن الرّبِيع وهُو مُشْرك، وَبقيت بعد الْهِجْرَة بِمَكَّة مُدَّة، ثُمّ نزل تَحْرِيم إنكاحهم بعد ذلِك، فَكَذَلِك أَمر أطعمتهم.

بابُ اتِّخاذِ الكلْبِ للصّيْدِ

2775 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ ضَارِيًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ والضاري: الّذِي يصيد.
2776 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، نَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ، أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ»

2777 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ».
قَالَ الزُّهرِيُّ: فَذَكَرَ لابْنِ عُمَرَ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ الْخطّابِيُّ: فِي قوْل ابْن عُمر: يرحم الله أَبَا هُريْرة كَانَ صَاحب زرع، قَالَ: أَرَادَ تَصْدِيق أبِي هُريْرة، وتوكيد قوْله، وَجعل حَاجته إِلى ذلِك شَاهدا لهُ على عِلمهِ، لِأَن من صدقت حاجتُه إِلى شيْء، كثرت

مَسْأَلته عَنهُ حتّى يُحكمه، وقدْ رواهُ عبْد اللهِ بْن مُغفّلٍ المُزني، وسُفْيَان بْن أبِي زُهَيْر، عنِ النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فذكرا فِيهِ الزَّرْع كَمَا ذكره أبُو هُريْرة.
وَعبد الله بْن مغفلٍ كنيته أبُو سعِيد، وَيُقَال: أبُو زيادٍ نزل الْبَصْرَة.

بابُ قتْلِ الكِلابِ

2778 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلابِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ 2779 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ،

نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلابِ بِالْمَدِينَةِ، فَأُخْبِرَ بِامْرَأَةِ لَهَا كَلْبٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقُتِلَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَاهُ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ نَافِعٍ 2780 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنَا الْمُبَارَكُ هُوَ ابْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْلا أَنَّ الْكِلابَ أُمَّةٌ، لأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قِيلَ: الأَسْوَدُ الْبَهِيمُ: الَّذِي لَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْبَيَاضِ، قَالَ أَبُو سُليْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى هَذَا الْكَلامِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ إِفْنَاءَ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ، وَإِعْدَامَ جِيلٍ مِنَ الْخَلْقِ، لأَنَّهُ

مَا مِنْ خَلْقٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلا فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَضَرْبٌ مِنَ الْمَصْلَحَةِ.
يَقُولُ: إِذَا كَانَ الأَمْرُ عَلَى هَذَا، وَلا سَبِيلَ إِلَى قَتْلِهِنَّ كُلِّهِنَّ، فَاقْتُلُوا شِرَارَهُنَّ وَهِيَ السُّودُ الْبُهْمُ، وَأَبْقُوا مَا سِوَاهَا، لِتَنْتَفِعُوا بِهِنَّ فِي الْحِرَاسَةِ قَالَ الإِمامُ: ورُوِي فِي الْحدِيث: «إِنّ الكلْب الأسْود شيْطانٌ»، وحُكِي عنْ أحْمد وَإِسْحَاق أَنَّهُمَا قَالَا: لَا يحلُّ صيد الْكَلْب الْأسود، قَالَ الإِمامُ: قِيل: جعل الْأسود مِنْهَا شَيْطَانا لخبثها، لِأَن الْأسود البهيم أضرها وأعقرها، وَالْكَلب أسْرع إليْهِ مِنْهُ إِلى جَمِيعهَا وهِي مَعَ هَذَا أقلهَا نفعا، وأسوءها حراسة، وأبعدها من الصَّيْد، وأكثرها نعاسًا.
وقِيل فِي تَخْصِيص كلاب الْمدِينة بِالْقَتْلِ: من حَيْثُ أَن الْمدِينة كَانَت مهبط الْمَلَائِكَة بِالْوَحْي، وهُمْ لَا يدْخلُونَ بَيْتا فِيهِ كلب.
ورُوِي عنْ عمْرو بْن دِينار، عنِ ابْن عُمر: أنّ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَمر بِقتْلِ الكِلابِ إِلّا كلْب صيْدٍ، أوْ كلْب غنمٍ، أوْ ماشِيةِ».

2781 - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَاشَانِيُّ، أَنَا الشَّرِيفُ أَبُو عَمْرٍو الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ، نَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، نَا أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ ابْنِ مُغَفَّلِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلابِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا لَهُمْ وَلَهَا»، فَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ، وَفِي كَلْبِ الْغَنَمِ، وَقَالَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ، فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مِرَارٍ، وَالثَّامِنَةَ عَفِّرُوهُ بِالتُّرَابِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شُعْبَةَ

بابُ البعِيرِ إِذا ندّ

2782 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، وَأَصَبْنَا إِبِلا، وَغَنَمًا، وَكَانَ النَّبِيُّ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، فَعَجَّلُوا فَنَصَبُوا الْقُدُورَ، «فَدَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَأَمَرَ بِالْقُدُورِ، فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَّمَ، فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنَ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ»، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ بَسِيرَةٌ، فَطَلَبُوهُ، فَأَعْيَاهُمْ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٍ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ، فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا»، قَالَ: وَقَالَ جَدِّي: إِنَّا لَنَرْجُو، أَوْ نَخَافُ أَنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ فَقَالَ: " مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ، وَالظُّفْرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ ".

هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْقاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ قوْله: «أوابِد فالأوابد»، هِي الّتِي قدْ توحشت ونفرت، يُقَال: أَبَد الرجل يأبِدُ أبُودًا: إِذا توحش وتخلى، وتأبّدت الديارُ: إِذا توحشت، وهذِهِ آبدة من الأوابد، أيْ: نادرة فِي بَابهَا لَا نَظِير لَهَا وَجَاء فُلان بآبدةٍ، أيْ: بخصلة يستوحش مِنْهَا، والمُدى: جمع مُدية وهِي السكين.
وَقَول: «مَا أنْهر الدّم»، أيْ: أساله وأجراه، وَمِنْه سمي النهرُ، لِأَنَّهُ يجْرِي فِيهِ المَاء.
وفِي الْحدِيث من الْفِقْه جوازُ قسْمَة الْحَيَوَان، ومعادلة الْعدَد بِالْوَاحِدِ عِنْد تفَاوت الْقيمَة.
وأمّا أمره بإكفاء الْقُدُور، فقدْ قَالَ قوم: إِن الْقَوْم أَصَابُوا غنيمَة فذبح بعْضهم مِنْهَا شيْئًا من النعم بِغَيْر إِذن البَاقِينَ لَا يُؤْكَل، وَقَالَ طَاوس وَعِكْرِمَة فِي ذَبِيحَة السَّارِق: اطرحوه.
قَالَ الإِمامُ: وَعند

الْأَكْثَرين: اللَّحْم حَلَال مَمْلُوك للشركاء، وَلَعَلَّه أَمر بِهِ زجرا وردعًا، لأَنهم ذبحوها قبل الْقِسْمَة على سَبِيل النهب، فَلم يطِب لهُمْ.
وفِيهِ دلِيلٌ على أَن الْحَيَوَان الْإِنْسِي إِذا توحش وَنَفر، فَلم يُقدر على قطع مذبحه، يصير جمِيع بدنه فِي حكم المذبح، كالصيد الّذِي لَا يُقدر عليْهِ، وكذلِك لَو وَقع بعيرٌ فِي بئرٍ منكوسًا، فَلم يُقدر على قطع حلقهِ فطعن فِي مَوضِع من بدنه فَمَاتَ، كَانَ حَلَالا، رُوِي عنْ أبِي العُشراء، عنْ أبِيهِ، قَالَ: قلتُ: يَا رسُول اللهِ، أما تكون الذَّكَاة إِلَّا فِي الْحلق واللبّة؟، قَالَ: «لوْ طعنْت فِي فخْذها لأجْزأ عنْك»، وَأَرَادَ بِهِ فِي غيْر الْمَقْدُور عليْهِ.
قَالَ أبُو عِيسى: وَلَا يُعرف لأبي العُشراء، عنْ أبِيهِ غيرُ هَذَا الْحدِيث، وَاخْتلفُوا فِي اسْم أبِي العُشراءِ، قِيل: اسْمه أُسامة بْن مالِك بْن قِهطم الدَّارمِيّ، وَيُقَال يسَار بْن برزٍ، وقِيل: اسْمه عُطاردٌ.
وَذهب ربيعَة ومالِك إِلى أَن الْإِنْسِي إِذا توحش، فَلَا يحلُّ إِلَّا بِقطع مذبحه، وَلَا يتغيرُ حكمه بالتوحش، وأكثرُ الْعلمَاء على خِلَافه.
وعَلى عَكسه لَو استأنس الصيدُ، وَصَارَ مَقْدُورًا عليْهِ لَا يحلُّ إِلَّا بِقطع مذبحه بِاتِّفَاق أهْل الْعِلْمِ حتّى لَو رمى إِلى صيد، فأزال امْتِنَاعه بِأَن كَانَت دَابَّة، فأعجزها عنِ الْعَدو، أوْ طائرًا، فأعجزه عنِ الطيران والعدو، ملكه

بِهذا الإزمانِ، ثُمّ إِن صيّرتْهُ الْجراحَة إِلى حَالَة الْمَذْبُوح، فَمَاتَ مِنْهَا، فهُو حَلَال، وَإِن لمْ يُصيِّرهُ إِلى حَالَة الْمَذْبُوح، فَلَا يحلُّ إِلَّا بِقطع المذبح إِذا وصل إليْهِ وهُو حيُّ، وَلَو سَار إليْهِ، فَقبل أَن وصل إليْهِ، مَاتَ من جرحه، أوْ وصل إليْهِ حَيا وتهيأ لذبحه، ففارقه الرّوح قبل أَن ذبحه، فهُو حلالٌ.
وَلَو توانى فِي ذبحه، أوِ اشْتغل بِطَلَب آله الذّبْح، أوْ بتحديد السكين، أوْ تعلق سكينه بغمد، فَمَاتَ، فَحَرَام.
وفِي الْحدِيث بَيَان أَن كلّ محددٍ يجرح يحصل بِهِ الذّبْح، سَوَاء كَانَ حديدًا أوْ قصبًا، أوْ خشبًا، أوْ زجاجًا، أوْ حجرا سوي السن وَالظفر.
ورُوِي عنْ كَعْب بْن مالِك، أنّهُ كَانَت لهُمْ غنم ترعى بسلع فَأَبْصَرت جَارِيَة بِشَاة موتا، فَكسرت حجرا، فذبحتها بِهِ، فَسَأَلَ النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنْ ذلِك، «فأمرهُ بأكْلِها».
وقوْله: «ليْس السِّنّ والظّفْر»، بِمَعْنى الِاسْتِثْنَاء، وَإِعْرَابه النصب.
قَالَ رحِمهُ اللهُ: أما السنُّ وَالظفر، فَلَا يَقع بِها الذَّكَاة، وفِي تَعْلِيله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِنّ بِأَنَّهُ عظمٌ دلِيل على أَن الْقَوْم كَانَ متقررًا عِنْدهم أَن الذَّكَاة لَا تحصُل بِشَيْء من الْعِظَام، وهُو قوْل أكْثر أهْل الْعِلْمِ، سَوَاء كَانَ الْعظم والسنُّ بائنين عنِ الإِنْسان، أوْ غيْر بائنين، وإِليْهِ ذهب الشّافِعِي وَذهب بعْض أصْحابه إِلى أَن الذّبْح يحصلُ بِعظم مَا يُؤْكَل لَحْمه، وَعَامة أصْحابه، على خِلَافه.
وَقَالَ مالِك: إِن ذُكِّي بالعظم، فمرّ مرا، أَجزَأَهُ،

وَالنَّهْي عَنهُ لِما أَن الْغَالِب من أَمر الْعظم أنّهُ لَا يقطعُ المذابح، وَلَا يمور فِيها مور الْحَدِيد.
وَذهب أصْحاب الرّأْيِ إِلى أَن السِنّ والعظم إِن كَانَا بائنين عنِ الإِنْسان تحصل بهما الذَّكَاة، وَإِن كَانَ غيْر منزوعين، عنْ مكانهما، فَلَا تحصل، لِأَن ذلِك بِمَنْزِلَة مَا يعالجه الإِنْسان بِيَدِهِ وأنامله، فَأشبه الخنق، ثُمّ هَذَا الاخْتِلاف بيْن الْعلمَاء فِيمَا إِذا ذبح مَقْدُورًا عليْهِ بِعظم، أوْ رمي عظما إِلى صيدِ، فَأَما إِذا جرح الكلبُ الصَّيْد بسنِّهِ أوْ ظفره، فَقتله، فحلال بالِاتِّفَاقِ.
وَذكر الْخطابِيّ أنّهُ إِذا اتخذ الرَّامِي نصلا من عظمٍ فَأصَاب بِهِ صيدا جَازَ، قَالَ الإِمامُ: وَالْقِيَاس أَن لَا يجوز كَمَا لَو ذبح الْمَقْدُور عليْهِ بالعظم بِخِلَاف من الْجَارِحَة ومخلبها، لِأَنَّهُ لَا يُمكن الاحترازُ عَنهُ.
وقوْله: «أمّا الظُّفْرُ فمِدى الْحبشةِ»، مَعْنَاهُ: أَن الْحَبَشَة يُدمون مذابح الشَّاة بأظفارهم، ويجرحونها، فُيحِلونها مَحل المُدي الّتِي يستعملها المُسْلِمُون، وَلَا خلاف أَن المدى الّتِي يُقطع بِها يحصل بِها الذَّكَاة وَإِن كَانَ الْكفَّار يستعملونها.
قَالَ الْحسن، وَإِبْرَاهِيم: لَا بأْس بِذبِيحةِ الأقْلفِ، وهُو قوْل أهْل الْعِلْمِ وذبيحة الأمةِ حلالٌ، وَكَذَا الصّبيُّ، وفِي الْمَجْنُون اخْتِلاف.
قَالَ الحكم: إِنِّي لأذبح وَإِنِّي لجنُبٌ.

بابُ الإِحْسانِ فِي القتْلِ وتحْديدِ الشّفْرةِ

2783 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنَعَانِيِّ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا ذَبَحْتُمْ، فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَإِذَا قَتَلْتُمْ، فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُّكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ الإِمامُ: الْإِحْسَان فِي الْقَتْل وَالذّبْح مَكْتُوب على الإِنْسان كَمَا نطق بِهِ الحديثُ، فَمن ذلِك تحديدُ الشَّفْرَة، ليَكُون أيسر على الذَّبِيحَة، وقدْ رُوِي فِي حَدِيث رَافع بْن خديج، حِين قَالَ: أنّا لاقو الْعَدو غَدا وَلَيْسَت مَعنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ فَقَالَ النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أعْجِلْ وأرْنِ»، مَعْنَاهُ: خِفّ واعجل، لِأَن الذّبْح إِذا كَانَ بِغَيْر الْحَدِيد

احْتَاجَ صَاحبه إِلى خفَّة يدٍ، وَسُرْعَة فِي إمرارها على الْحلق حتّى لَا تختنق الذَّبِيحَة، بِمَا ينالها من ألم الضغط.
رُوِي أَن رجُلا أحدّ شفرته وقدْ أَخذ شَاة ليذبحها، فَضَربهُ عُمر بِالدرةِ، فَقَالَ: أتْعذِّب الرُّوح؟ أَلا فعلْت هَذَا قبْل أنْ تأْخُذها.
وَالِاخْتِيَار فِي الإِبِل النَّحْر، وهُو أَن يقطع اللبة، وفِي الْبَقر وَالْغنم الذّبْح، وهُو قطع أَعلَى الْعُنُق، لِأَن عنق الْبَعِير طَوِيل، فإِذا قُطِع

أسْفلهُ يكُون أعجل لزهوق الرّوح، فَلَو نحر الْبَقر وَالْغنم، أوْ ذبح الْبَعِير فَجَائِز، وَقَالَ مالِك: لَو ذبح الْبَعِير، أوْ نحر الشَّاة، فَلَا يحل وفِي الْبَقر يتَخَيَّر بيْن الذّبْح والنحر، وَقَالَ عُمر، وابْن عبّاس: الذَّكَاة فِي الْحلق واللبة، وَزَاد عُمر: «وَلَا تُعجِلُوا الأنْفُس أنْ تزْهق»، أَرَادَ بقوله: لَا تُعجِلوا الْأَنْفس أَن تزهق، أيْ: لَا يسلخها بعد قطع مذبحها مَا لمْ يفارقها الرّوح.
وَنهى ابْن عُمر عنِ النخع، والنخع: هُو الْقَتْل الشَّديد، وهُو أَن يُبالغ فِي قطع حلقها حتّى يبلغ النخاع وهُو خيط الرَّقَبَة، والبخع بِالْبَاء أيْضًا: الْقَتْل الشَّديد، وَمِنْه قوْله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الْكَهْف: 6]، أيْ: قاتلها ومُهْلِكُها مبالغًا فِيها حرصًا على إسْلَامهمْ، وأقلُّ الذّبْح: قطع المري والحلقوم، وكماله أَن يقطع الودجين مَعَهُمَا.

بابُ النّهيِ عنْ أنّ يصْبِر الْحيوان

2784 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيّ، نَا عَليّ بن الْجَعْد، أَنا شُعْبَة، عَن عدي بن ثَابت، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا».
هَذَا حدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شُعْبَةَ 2785 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ الْقُهُسْتَانِيُّ، نَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ «نَهَى أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوَابِّ صَبْرًا».

هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَنْهَى أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلْقتْلِ» 2786 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّحَّانُ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشٍ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا أَبُو عُبَيْدٍ، نَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الدَّوَابِّ صَبْرًا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كَامِلٍ الْجَحْدَرِيِّ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ قوْله: «أنْ تُصْبر بهِيمةٌ»، أَرَادَ بِهِ أَن يحبس الْحَيَوَان، فَيَرْمِي

إليْهِ حتّى يَمُوت، وأصل الصَّبْر: الحبسُ.
ورُوِي عنِ ابْن تِعلي، قَالَ: غزونا مَعَ عبْد الرَّحْمَن بْن خالِد بْن الْولِيد، فَأتي بأَرْبعَة أعلاج من الْعَدو، فَأمر بِهِمْ، فقُتِلوا بِالنَّبلِ صبرا، فَبلغ ذلِك أَبَا أَيُّوب الأنْصارِي، قَالَ: سمِعْتُ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ينْهي عنْ قتْلِ الصّبْرِ، فَبلغ ذلِك عبْد الرَّحْمَن بْن خالِد، فَأعتق أَربع رِقَاب.
ورُوِي عنْ عِكْرِمة، عنِ ابْنِ عبّاسٍ، أنّ النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» نهى عَن المُجثّمةِ، وعنْ لبن الجلالةِ، وَعَن الشُرْبِ مِن فِي السِّقاءِ "، وَالْمرَاد من الْمُجثمَة: المصبورة، لِأَنَّهَا قدْ جُثِّمت على الْموْت: أيْ: حُبِست عليْهِ

بابُ كراهِية ذبْحِ الحيوانِ لِغيْرِ الأكْلِ

2787 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو عَبَّاسٍ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ صُهَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، سَأَلَهُ اللَّهُ عَنْ قَتلِهِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: «أَنْ يَذْبَحَهَا، فَيَأْكُلَهَا، وَلا يَقْطَعْ رَأْسَهَا، فَيَرْمِي بِهَا»

قَالَ الإِمامُ: فِيهِ كراهيةُ ذبح الْحَيَوَان لغير الْأكل، وقدْ رُوِي عنِ ابْنِ عبّاسٍ، قَالَ: «نهى رسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنْ مُعاقرةِ الأعْرابِ»، وَأَرَادَ بمعاقرة الْأَعْرَاب: أَن يتبارى الرّجلَانِ، فيعقر هَذَا عدد من إِبِلِهِ، ويعقِر صاحبُه، فَأَيّهمَا كَانَ أَكثر عقرًا، غلب صَاحبه، كرِه لحومها لِئَلَّا يكُون مِمَّا أُهِلّ بِهِ لغير الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى.
قَالَ الْخطّابِيُّ رَحمَه الله: وفِي مَعْنَاهُ مَا جرت بِهِ عَادَة النّاس من ذبح الْحَيَوَان عِنْد قدوم الْمَمْلُوك والرؤساء، وأوانِ حُدوثِ نِعمةٍ تتجدد لهُمْ فِي نَحْو ذلِك من الْأُمُور.
2788 - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنَّ عَبْدَ الْغَافِرِ بْنَ مُحَمَّدٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُثَنًّى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ أَبِي بَزَّةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ خَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ إِلَّا مَا فِي قِرَابِ سَيْفِي، فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً فِيهَا: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا».

هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ الإِمامُ: تَغْيِير منارِ الأرْض أَن يرفع الْعَلامَة الّتِي جُعلت على حدِّ الأرْض بَينه وَبَين الجارِ ليقتطع بِهِ شيْئًا من أَرض الْجَار.
ورُوِي عنْ أنس، أنّ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا عقْر فِي الإسْلامِ».
قَالَ الْخطّابِيُّ: كَانَ أهل الْجاهِلِيّة يعقِرون الإِبِل على قبر الرجل الْجواد، يَقُولُونَ: نُجازيه على فعله ليأكلها السبَاع وَالطير، فَيكون مطعمًا فِي مماته كَمَا فِي حَيَاته.

بابُ ذكاةِ الجنِينِ

2789 - قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْخِرَقِيِّ، فَقُلْتُ: قُرِئَ عَلَى أَبِي سَهْلٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَرَفَةَ السِّجْزِيِّ، وَأَنْتَ حَاضِرٌ، فَقِيلَ لَهُ: حَدَّثَكُمْ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، نَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، نَا مُسَدَّدٌ، نَا هُشَيْمٌ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَنْحَرُ النَّاقَةَ، وَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ، وَالشَّاةَ، فَنَجِدُ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينَ: أَنُلْقِيهِ، أَمْ نَأْكُلُهُ؟ قَالَ: «كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ، فِإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَأَبُو الْوَدَّاكِ اسْمُهُ: جَبْرُ بْنُ نَوْفٍ قَالَ الإِمامُ: وفِي الْحدِيث دليلٌ على أَن السّنة فِي الإِبِل النَّحْر، وفِي الْبَقَرَة وَالشَّاة الذّبْح.
وفِيهِ أَن من ذبح حَيَوَانا فَخرج من بَطنهَا جنِينٌ ميتٌ يكُون حَلَالا، ورُوِي عنْ أبِي الزُّبيْر، عنْ جابِر، عنْ رسُول

اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «ذكاةُ الجنِينِ ذكاةُ أُمِّهِ»، وَهَذَا قوْل أكْثر أهْل الْعِلْمِ من أصْحاب النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهُو قولُ إِبْراهِيم، وإِليْهِ ذهب الثوريُّ، وَابْن الْمُبَارك، والشّافِعِي، وأحْمد، وَإِسْحَاق.
وَشرط بعْضهم الْإِشْعَار، رُوِي عنِ ابْن عُمر، قَالَ: إِذا نحرت النَّاقة، فذكاة مَا فِي بَطنهَا فِي ذكاتها إِذا تمّ خلْقُهُ، وَنبت شعْرُهُ.
ومثلهُ عنْ سعِيد بْن الْمُسيِّبِ، وبِهِ قَالَ الحكم.
وَقَالَ أبُو حنِيفة: لَا يحلُّ أكل الْجنِين إِلَّا أَن يخرج حيًّا ويُذبح، وَجعله ابْن الْمُنْذر متفردًا بِهذا القَوْل، فَأَما إِذا خرج الْجنِين حيًّا، فاتفقوا على أَن ذبحه شَرط حتّى يحلّ.

بابُ وسْمِ الدّوابِّ

2790 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، نَا الْوَلِيدُ، نَا أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ، «فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَارُونَ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنِ الْولِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الأَوْزَاعِيِّ 2791 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبُو الْوَلِيدِ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ،

جارٍ التحميل