شرح السنة للبغويصفحات 83-122

كِتَابُ الْحَجِّ

صفحات 83-122
عن هذه الطبعة
عَلَم
البغوي ، أبو محمد
الكتاب
شرح السنة
المؤلف
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
الطبعة
الثانية، 1403هـ - 1983م
عدد الأجزاء
15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَطَاوُسٍ، أَنَّ الْقَارِنَ يَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لَهَا: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ».
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْوُقُوفِ عَنِ الْعُمْرَةِ، وَالثَّانِي بَعْدَهُ عَنِ الْحَجِّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ تَوٌّ، وَإِذَا اسْتَجْمَرَ فَلْيَسْتَجْمِرْ بِتَوٍّ»، وَمَعْنَى التَّوِّ: الْوِتْرُ، وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ تَوٌّ»، أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ سَبْعٌ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ السَّعْيُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُحْرِمُ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا.

قَالَ الإِمَامُ: وَيَجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ شَاةٌ، وَيَذْبَحُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَلَوْ ذَبَحَ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، جَازَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَلَوْ ذَبَحَ مَكَانَ الشَّاةِ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً، جَازَ، وَهُوَ بِالْفَضْلِ مُتَطَوِّعٌ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ، فَعَلَيْهِ صَوْمُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ يَصُومُهَا بَعَد مَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مَتَى شَاءَ، قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَصُومَهَا قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمَ عَرَفَةَ مُفْطِرًا، وَيَصُومَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى

أَهْلِهِ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [الْبَقَرَة: 196]. وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ السَّبْعَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الرُّجُوعِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، كَمَا رَوِينَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [الْبَقَرَة: 196]، إِلَى أَمْصَارِكُمْ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: عَلَى الْقَارِنِ بَدَنَةٌ، وَزَعَمَ دَاوُدُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْقَارِنِ، لأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَاسُوا الْقَارِنَ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ.
وَلا يَجِبُ دَمُ الْمُتَمَتِّعِ حَتَّى يَكُونَ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ يَحُجَّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ بِإِحْرَامٍ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ، فَإِنِ اعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، فَلا دَمَ عَلَيْهِ.
وَلَوِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِيقَاتِ لِإِحْرَامِ الْحَجِّ، أَوْ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ، فَلا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ دَمُ التَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الْبَقَرَة: 196]. فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ، فَلا دَمَ عَلَيْهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُمْ أَهْلُ

مَكَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَهْلُ الْحَرَمِ، وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ.
وَقَالَ قَوْمٌ: مَنْ كَانَ أَهْلُهُ عَلَى أَقَلِّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ عَنِ الْحَرَمِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ قَوْمٌ: مَنْ كَانَ أَهْلُهُ بِالْمِيقَاتِ، أَوْ دُونَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَالْعِبْرَةُ بِالْمَقَامِ، لَا بِالْمَوْلِدِ وَالْمَنْشَأِ، حَتَّى إِنَّ الْمَكِّيَّ إِذَا كَانَ مُقِيمًا بِالْعِرَاقِ، فَخَرَجَ وَتَمَتَّعَ، فَعَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ، وَلَوْ أَقَامَ عِرَاقِيٌّ بِمَكَّةَ، فَلا دَمَ عَلَيْهِ، وَلَوْ خَرَجَ الْمَكِّيُّ مُسَافِرًا، فَلَمَّا رَجَعَ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، فَلا دَمَ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ مِنَ الْحَاضِرِينَ.
قَالَ الإِمَامُ: قَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي إِحْرَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَقَدْ طَعَنَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ، وَنَفَرٌ مِنَ الْمُلْحِدِينَ فِي أَحَادِيثِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَطَالُوا لِسَانَ الْجَهْلِ فِي أَهْلِ الرِّوَايَةِ وَالنَّقْلِ، وَقَالُوا: لَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الإِسْلامِ إِلا حَجَّةً وَاحِدَةً، وَكَانَ عَامَّةُ الصَّحَابَةِ فِيهَا مَعَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي إِحْرَامِهِ هَذَا الاخْتِلافَ الْفَاحِشَ، فَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ

كَانَ مُفْرَدًا، وَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، وَأَسَانِيدُ الْكُلِّ عِنْدَ أَهْلِ الرِّوَايَةِ، وَنَقَلَةُ الْأَخْبَارِ جِيَادٌ صِحَاحٌ، ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا هَذَا التَّنَاقُضَ! يُرِيدُونَ بِذَلِكَ تَوْهِينَ أَمْرِ الْحَدِيثِ، وَتَصْغِيرِ شَأْنِ النَّقْلِ.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ أَنْعَمَ الشَّافِعِيُّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَيَانَ هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ اخْتِلافِ الْأَحَادِيثِ، وَجَوَّدَ الْكَلامَ فِيهِ.
وَالْوَجِيزُ الْمُخْتَصَرُ مِنْ جَوَامِعِ مَا قَالَ فِيهِ: أَنَّ مَعْلُومًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ جَوَازُ إِضَافَةِ الْفِعْلِ إِلَى الْآمِرِ بِهِ، كَجَوَازِ إِضَافَتِهِ إِلَى الْفَاعِلِ لَهُ، كَقَوْلِهِ: بَنَى فُلانٌ دَارًا: إِذَا أَمَرَ بِبِنَائِهَا، وَضَرَبَ الْأَمِيرُ فُلانًا: إِذَا أَمَرَ بِضَرْبِهِ، وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ مَاعِزًا، وَقَطَعَ سَارِقَ رِدَاءِ صَفْوَانَ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِرَجْمِهِ وَلَمْ يَشْهَدْهُ، وَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْكَلامِ.
وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمُ الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ، وَالْمُتَمَتِّعُ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَأْخُذُ عَنْهُ أَمْرَ نُسُكِهِ، وَيَصْدُرُ عَنْ تَعْلِيمِهِ، فَجَازَ أَنْ تُضَافَ كُلَّهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ أَمَرَ بِهَا، وَأَذِنَ فِيهَا، وكل قَالَ صِدْقًا، وَرَوَى حَقًّا، لَا يُنْكِرُهُ إِلا مَنْ جَهِلَ، أَوْ عَانَدَ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
قَالَ الإِمَامُ: وَمَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلافِ الْحَدِيثِ إِلَى التَّمَتُّعِ، وَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الاخْتِلافِ أَيْسَرَ مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ الْغَلَطُ فِيهِ قَبِيحًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ، لأَنَّ الْكِتَابَ، ثُمَّ السُّنَّةَ، ثُمَّ مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلافًا، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَإِفْرَادَ الْحَجِّ، وَالْقِرَانِ، وَاسِعٌ كُلَّهُ، وَقَالَ: وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ، يُشْبِهُ أَنْ

يَكُونَ قَالَهُ عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ أَدْرَكُوا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَكُونُ مُقِيمًا عَلَى الْحَجِّ، إِلا وَقَدِ ابْتَدَأَ إِحْرَامَهُ بِحَجٍّ.
قَالَ الإِمَامُ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ مُتَعَارِضَةٌ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدَ الْحَجَّ، وَرَوَيْنَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ أَيْضًا عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَ سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ، حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ! وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا»، وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمُتْعَةِ: صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ.
قَالَ الإِمَامُ: وَمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا لَا نَنْوِي إِلا الْحَجَّ، لَا يُنَافِي التَّمَتُّعَ، لأَنَّ خُرُوجَهُمْ كَانَ لِقَصْدِ الْحَجِّ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَدَّمَ الْعُمْرَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إِلَى أَنْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَهُ مُتْعَةً.
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا أَهْدَيْتُ»، لَا يَقْطَعُ بِأَنَّهُ كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ، بَلْ يَحْتَمِلُ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ، أَنَّهُ كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ، فَاسْتَحَبَّ اسْتِدَامَةَ حُكْمِ إِحْرَامِهِ لِمَكَانِ هَدْيِهِ إِلَى أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَيَخْرُجَ مِنْهُ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُتَمَتِّعِ إِذَا كَانَ قَدْ سَاقَ الْهَدْيَ، هَلْ يَسْتَبِيحُ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُهَا حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الْحَجِّ، وَإِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ يَصِيرُ قَارِنًا، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ».
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَسْتَبِيحُهَا، وَقَدْ حَلَّ بِالْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ عَنْهَا، كَمَنْ لَمْ يسق الْهَدْيَ، وَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِحْبَابٌ وَسُنَّةٌ، غَيْرُ حَتْمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
1889 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْمِي بِالْيَمَنِ، فَجِئْتُ وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟»، قُلْتُ: أَهْلَلْتُ كَإِهْلالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ؟»، قُلْتُ: لَا، فَأَمَرَنِي، فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْتُ فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي، فَمَشَّطَتْنِي، أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي.

هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ قَيْسٍ، وَزَادَ: «ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ» هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، يَتَحَلَّلُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ، وَيَسْتَبِيحُ مَحْظُورَاتَ الإِحْرَامِ إِلَى أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَأَمَرَ عَلِيًّا بِأَنْ يَمْكُثَ عَلَى إِحْرَامِهِ لِمَكَانِ هَدْيِهِ.

بَابُ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ

1890 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، نَا أَفْلَحُ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «فَتَلْتُ قَلائِدَ بُدْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا، وَأَشْعَرَهَا، وَأَهْدَاهَا، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ أُحِلَّ لَهُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمةِ بْنِ قَعْنَبٍ، عَنْ أَفْلَحَ.
وَرَوَى ابْنُ عَوْن عَنِ الْقَاسِمِ عَن أُمِّ الْمِؤْمِنِينَ، قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلائِدَهَا مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدِي 1891 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ،

عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَنَّهَا أخْبَرَتْهُ، أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا، حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ حَتَّى يَنْحَرَ الْهَدْيَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ، «أَنَا فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ الإِمَامُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْفِقْهِ، مِنْهَا: اسْتِحْبَابُ الإِهْدَاءِ إِلَى مَكَّةَ، وَمِنْهَا اسْتِحْبَابُ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الْغَنَمَ تُقَلَّدُ كَالإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا تُقَلَّدُ الْغَنَمُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِمَا

1892 - أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، نَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «أَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمًا، فَقَلَّدَهَا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ كَانَ الْهَدْيُ بَدَنَةً، أَوْ بَقَرَةً، قَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، وَأَشْعَرَهَا، وَإِنْ كَانَتْ شَاةً، قَلَّدَهَا خرب الْقِرَبِ، وَلا يُشْعِرُهَا.
وَمِنْهَا أَنَّ إِشْعَارَ الْهَدْيِ سُنَّةٌ، إِنْ كَانَ مِنَ الإِبِلِ، فَيُقَلِّدُهَا، ثُمَّ يُشْعِرُهَا، وَهُو أَنْ يَطْعَنَ فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا بِمِبْضَعٍ، أَوْ حَدِيدَةٍ حَتَّى يَسِيلَ دَمُهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلامَةً أَنَّهَا هَدْيٌ، وَالشِّعَارُ: الْعَلامَةُ، وَيُشْعِرُهَا بَارِكَةً مُسْتَقْبِلَةً الْقِبْلَةَ، وَقَاسَ الشَّافِعِيُّ الْبَقَرَ عَلَى الإِبِلِ فِي الإِشْعَارِ، وَقَالَ مَالِكٌ: تُشْعَرُ الْبَقَرُ إِنْ كَانَتْ لَهَا أَسْنِمَةٌ وَإِلا فَلا، فَأَمَّا الْغَنَمُ، فَإِنَّهَا لَا تُشْعَرُ، لأَنَّ السُّنَّةَ لَمْ تَرِدْ بِهِ، وَلأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ الْجَرْحَ، لِضَعْفِهَا، وَلا يَظْهَرُ عَلَيْهَا الدَّمُ، فَتُعْرَفُ بِهِ، لِكَثْرَةِ شَعْرِهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الإِشْعَارُ بِدْعَةٌ، لأَنَّهُ مُثْلَةٌ.
وَيُقَالُ: هُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ، وَقَالا بِقَوْلِ

عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّهَا سُنَّةٌ.
وَالْمُثْلَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا، أَنْ يُقْطَعَ عُضْوًا مِنَ الْحَيَوَانِ تَعْذِيبًا، وَأَمَّا الإِشْعَارُ، فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ مَا أُبِيحَ مِنَ الْكَيِّ، وَالتَّبْزِيغِ، وَالتَّوْدِيجِ فِي الْبَهَائِمِ، وَالْفَصْدِ، وَالْحِجَامَةِ فِي الْآدَمِيِّينَ، أَوْ سَبِيلُ مَا شَرَعَ فِي الْآدَمِيِّينَ مِنَ الْخِتَانِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ الإِشْعَارِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، إِلَى أَنَّهُ فِي الشِّقِّ الْأَيْمَنِ مِنَ السَّنَامِ، وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الشِّقِّ الْأَيْسَرِ، يُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ هَذَا مِنَ الْمُبَاحِ، قَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُبَالِي فِي أَيِّ الشِّقَّيْنِ أَشْعَرَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِمَا 1893 - أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «صَلَّى رسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ، فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وَسلت الدَّمَ، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ، أَهَلَّ بِالْحَجِّ».

هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَهَبَ قَوْمُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ الإِحْرَامَ، فَقَلَّدَ الْهَدْيَ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا، حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا قَلَّدَ هَدْيَهُ، فَقَدْ أَحْرَمَ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ.

بَابُ الاغْتِسَالِ لِدُخُولِ مَكَّةَ

1894 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا ابْنُ عُلَيَّةَ، نَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ، أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ، وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَقَالَ حَمَّاد، عَنْ أَيُّوبَ: ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيِّ، عَنْ حَمَّادٍ.
قَالَ الإِمَامُ: الاغْتِسَالُ سُنَّةٌ لِدُخُولِ مَكَّةَ، وَدُخُولُهَا نَهَارًا أَفْضَلُ، اسْتِنَانًا بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ دَخَلَ لَيْلا فَجَائِزٌ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ دَخَلَهَا لَيْلا عَامَ اعْتَمَرَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ.

بَابُ مِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ مَكَّةَ

1895 - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، وَأَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقَلٍ الْمَيْدَانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ مُسَدَّدٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى، كِلاهُمَا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ.
1896 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا الْحُمَيْدِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ، دَخَلَهَا مِنْ أَعْلاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى

بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ

1897 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ.
حَ وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثْتُ عَنْ مِقْسَمٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «تُرْفَعُ الْأَيْدِي فِي الصَّلاةِ، وَإِذَا رُئِيَ الْبَيْتُ، وَعَلى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَعَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَبِجَمْعٍ، وَعِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ، وَعَلَى الْمَيِّتِ» قَالَ الإِمَامُ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ تُرْفَعُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَكَرِهَهُ

قَوْمٌ، لِمَا رُوِيَ عَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيِّ، قَالَ: سُئِلَ جَابِرٌ، عَنِ الرَّجُلِ يَرَى الْبَيْتَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَخَلَ مَكَّةَ، فَأَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ أَتَى الصَّفَا، فَعَلاهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْبَيْتِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ اللَّهَ مَا شَاءَ أَنْ يَذْكُرَهُ وَيَدْعُو.
وَقَالَ: وَالْأَنْصَارُ تَحْتَهُ.

بَابُ طَوَافِ الْقُدُومِ

1898 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَحْمَدُ، هُوَ ابْنُ عِيسَى، أَنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ «أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ، فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ مُعَاوِيةُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ يَفعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرةً، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةٌ، وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ، فَلا يَسْأَلُونَهُ؟ وَلا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالَتِي حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْتَدِئَانِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ الْبَيْتِ، تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ لَا تَحِلانِ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا، وَالزُّبَيْرُ، وَفُلانٌ، وَفُلانٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا».

هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ الْأَيْلِيِّ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ وَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ مُرَاهِقًا، خَرَجَ إِلَى عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ بَعْدَ أَنْ يَرْجِعَ.
وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى.

بَابُ كَيْفَ الطَّوَافُ

1899 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ.
حَ وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا الْأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «أَنَّهُ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، سَعَى ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ يُصلِّي سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِي ضَمْرَةَ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
1900 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ،

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَرْمُلُ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حتَّى انْتَهَى إلَيْهِ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ».
صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ الإِمَامُ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الطَّوَافِ، أَنْ يَرْمُلَ ثَلاثًا مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَيْهِ، وَيَمْشِي أَرْبَعًا، فَلَوْ تَرَكَ الرَّمْلَ عَمْدًا، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَقَدْ أَسَاءَ، وَلا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إِلا سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي الطَّوَافِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَالرَّمَلُ سُنَّةٌ فِي طَوَافِ الدُّخُولِ، فَأَمَّا طَوَافُ الإِفَاضَةِ وَالْوَدَاعِ، فَلا رَمْلَ فِيهِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ».
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ، فَلا رَمَلَ عَلَيْهِ فِي الطَّوَافِ، عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: إِنَّهُ يَرْمُلُ فِي كُلِّ طَوَافٍ يَعْقُبُهُ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
وَيَجِبُ أَنْ يَبْتَدِئَ الطَّوَافَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَيَجْعَلَ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ، وَيَمْشِي عَلَى وَجْهِهِ.

1901 - أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَنْ يَميِنِهِ، فَرَمَلَ ثَلاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا ". هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَكَّسَ الطَّوَافَ، بِأَنْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَلَى يَمِينِهِ، وَيَمْشِي عَلَى وَجْهِهِ لَا يُحْسَبُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُعِيدُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ فَارَقَ مَكَّةَ، أَجْزَأَهُ دَمٌ.
وَالاضْطِبَاعُ سُنَّةٌ فِي الطَّوَافِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَمِلَ بِرِدَائِهِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ مِنْ تَحْتِ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ، فَيَكُونُ مَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ مَكْشُوفًا، فَلا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
رُوِيَ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَبِعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ.

بَابُ اسْتِلامِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ وَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ

1902 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَخْلَدِيُّ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ مِنَ الْبَيْتِ إِلا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، كِلاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ.
1903 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ، اقْتَصَرُوا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟»، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: «لَوْلا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ»،

قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أُرَى يَعْني، رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَرَكَ اسْتِلامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ إِلا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ بَعْضِ الاخْتِيَارِ، مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ عَنْهُ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ، فَيَقَعُوا فِي فِتْنَةٍ.
1904 - أَنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو الْأَحْوَصِ، نَا الْأَشْعَثُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ الْجَدْرِ، أَمِنَ

الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ».
قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: «إنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ».
قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: «فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِليَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجدر فِي الْبَيْتِ، وَأَنْ ألْصِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ.
وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ خَالَتِه عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلا أَنَّ قَوْمَكَ حَدِيثُوا عَهْدٍ بِشِرْكٍ، لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ، فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ، بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحَجَرِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حَيْثُ بَنَتِ الْكَعْبَةَ».

أَرَادَ بِالْجَدْرِ: الْحَجَرَ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ بَعْضَ مَا هُوَ الْأَوْلَى، إِذَا لَمْ يَكُنْ فَرِيضَةً، عِنْدَ خَوْفِ الْفَسَادِ مِنْ فِعْلِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: «وَأَنْ أَلْصَقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ»، بَيَانٌ أَنَّ النَّاسَ غَيْرُ مَحْجُوبِينَ فِي حَقِّ الدِّينِ مِنْ دُخُولِ الْبَيْتِ أَيَّ وَقْتٍ شَاءُوا، كَمَا أَنَّ الْحَجَرَ جُزْءٌ مِنَ الْبَيْتِ، وَلا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَحْجُبَ النَّاسَ عَنْهُ، وَمَا يَأْخُذُهُ السَّدَنَةُ مِنَ النَّاسِ عَلَى دُخُولِ الْبَيْتِ لَا يَطِيبُ لَهُمْ، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَجْرُهُمْ عَلَى مَا يَتَوَلَّوْنَهُ مِنَ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيُّ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الْأَنْفَال: 41]، قَالَ: السَّهْمُ الْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، إِنَّمَا هُوَ لِلْكَعْبَةِ، بَيْتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ أَضَافَ الْخُمُسَ إِلَى نَفْسِهِ لِشَرَفِهِ، وَسَهْمُ اللَّهِ وَسَهْمُ رَسُولِهِ وَاحِدٌ.
وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ أَمْرُ الْمَسَاجِدِ، وَالْمَشَاهِدِ الرِّبَاطَاتِ، وَالْمَنَازِلِ الَّتِي يَنْتَابُهَا النَّاسُ لِإِقَامَةِ عِبَادَةٍ، أَوْ لِنَفْعٍ وَارْتِفَاقٍ، وَالْآبَارِ، وَالْحِيَاضِ الْمُسْبَلَةِ فِي الْمَفَاوِزِ، وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّنْ يَأْتِيهَا شَيْئًا إِلا أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ رَجُلٌ، أَوْ يُعْطِيهِ شَيْئًا عَلَى قِيَامِهِ بِمَصَالِحِهِ مِنْ سَقْيِ مَاءٍ، أَوْ تَنْظِيفِ مَكَانٍ، أَوْ نَحْوِهِ.
قَالَ الإِمَامُ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّهُ لَا يَسْتَلِمُ إِلا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ، وَرُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا، وَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُورًا، وَكَذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَانَ يَمْسَحُ

الْأَرْكَانَ كُلَّهَا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِلسُّنَّةِ.
وَرُوِيَ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ أُخْبِرَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ: إِنَّ الْحَجَرَ بَعْضَهُ مِنَ الْبَيْتِ.
فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّ إِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمْ يَتْرُكِ اسْتِلامَهُمَا إِلا أَنَّهُمَا لَيْسَا عَلَى قَوَاعِدِ الْبَيْتِ، وَلا طَافَ النَّاسُ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ إِلا لِذَلِكَ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَجَرِ: مِنَ الْبَيْتِ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الْحَج: 29].
وَقَدْ طَافَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ.
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الطَّوَافَ فِي الْحَجَرِ لَا يُحْسَبُ.
وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنَيْنِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنْ مَسَحَهُمَا كَفَّارَةً لِلْخَطَايَا»، وَمَعْنَى الاسْتِلامِ: هُوَ التَّمَسُّحُ بِالسَّلِمَةِ، وهِيَ الْحِجَارَةُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنَ السَّلامِ، وَهُوَ التَّحِيَّةُ، كَأَنَّهُ إِذَا اسْتَلَمَهُ اقْتَرَأَ مِنْهُ السَّلامَ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ الْمُحَيَّا، أَيِ: النَّاسُ يُحَيُّونَهُ.
1905 - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدٍ بَامُوَيْهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى الزُّهْرِيُّ، بِمَكَّةَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، نَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،

عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَبَّلَهُ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، كِلاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ.
وَقَالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفْلَةَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَ حَفِيًّا، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، يَسْتَحِبُّونَ تَقْبِيلَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، اسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ، وَقَبَّلَ يَدَهُ، وَيَفْعَلُهُ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ، فَفِي كِلِّ وَتْرٍ، فَإِنْ لَمْ تَصِلْ يَدُهُ إِلَيْهِ اسْتَقْبَلَهُ إِذَا حَاذَاهُ وَكَبَّرَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ نَافِعٌ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ يُقَبِّلُ يَدَهُ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ.
قَالَ عَطَاءٌ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنَ عُمَرَ، وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ إِذَا اسْتَلَمُوا قَبَّلُوا أَيْدِيَهُمْ.

قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ: فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّ مُتَابَعَةَ السُّنَنِ وَاجِبَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُوقَفْ لَهَا عَلَى عِلَلٍ مَعْلُومَةٍ، وَأَسْبَابٍ مَعْقُولَةٍ، وَأَنَّ أَعْيَانَهَا حُجَّةٌ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْقَهْ مَعَانِيهَا، إِلا أَنَّ مَعْلُومًا فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ تَقْبِيلَ الْحَجَرِ، إِنَّمَا هُوَ إِكْرَامٌ لَهُ، وَإِعْظَامٌ لِحَقِّهِ، وَتَبَرُّكٌ بِهِ، وَقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَ الْأَحْجَارِ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا فَضَّلَ بَعْضَ الْبِقَاعِ وَالْبُلْدَانِ، وَكَمَا فَضَّلَ بَعْضَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ، وَبَابُ هَذَا كُلُّهُ التَّسْلِيمُ.
وَرُوِيَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ «أَنَّ الْحَجَرَ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ»، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ صَافَحَهُ فِي الْأَرْضِ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، فَكَانَ كَالْعَهْدِ تَعْقِدُهُ الْمُلُوكُ بِالْمُصَافَحَةِ لِمَنْ يُرِيدُ مُوَالاتَهُ، وَكَمَا يُصْفَقُ عَلَى أَيْدِي الْمُلُوكِ لِلْبَيْعَةِ.
1906 - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الدَّارَبَجِرْدِيُّ، نَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ،

عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَرَ، فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ طَوِيلا يَبْكِي، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ يَبْكِي، فَقَالَ: «يَا عُمَرُ هَا هُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ».
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ».

بَابُ الطَّوَافِ رَاكِبًا

1907 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ.
حَ وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: نَا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «طَافَ بِالْبَيْتِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ، وَيَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى، كُلٌّ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
1908 - وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرْزَةَ، أَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَنا مَعْرُوفٌ، هُوَ ابْنُ خَرَّبُوذَ،

عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَطُوفُ حَوْلَ الْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، وَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ.
وَالْمِحْجَنُ: عُودٌ مُعَقَّفُ الرَّأْسِ، يُحَرِّكُ الرَّاكِبُ بِهِ بَعِيرَهُ، يُقَالُ: حَجَنْتُ الشَّيْءَ وَاحْتَجَنْتُهُ: إِذَا أَخَذْتُهُ، وَضَمَمْتُهُ إِلَى نَفْسِكَ.
1909 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، نَا خَالِدٌ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «طَافَ بِالْبَيْتِ وَهُوَ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ، أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ اسْتِلامِ الْحَجَرِ، فَقَالَ: كَانَ أَحَدُنَا إِذَا لَمْ يَخْلُصْ إِلَيْهِ، قَرَعَهُ بِعَصَا.

1910 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سَعِيدٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ الْمَكِّيُّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: «طَافَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيُشْرِفَ لَهُمْ أَنَّ النَّاسَ غَشَوْهُ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ، حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْبُيُوتِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَضْرِبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ رَكِبَ، وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الطَّوَافِ عَلَى الْمَحْمُولِ وَإِنْ كَانَ مُطِيقًا، وَكَرِهَهُ قَوْمٌ إِلا مِنْ عُذْرٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّاكِبِ، هَلْ يَرْمُلُ فِي الطَّوَافِ أَمْ لَا؟.

بَابُ طَوَافِ النِّسَاءِ وَرَاءَ الرِّجَالِ

1911 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ»، فَقَالَتْ: فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِـ الطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ". هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ

وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ: إِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ.
يُرِيدُ نَاحِيَةً مُنْتَبِذَةً مُنْهُمْ.
وَرَوَى نَافِعُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ سَعْيٌ بِالْبَيْتِ، وَلا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
قَالَ الإِمَامُ: وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا رَمَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي الطَّوَافِ، وَلا اضْطِبَاعَ، وَلا سَعْيَ فِي الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِنَّمَا عَلَيْهَا الْمَشْيُ عَلَى الْعَادَةِ.

بَابُ النَّهْيِ عَنِ الطَّوَافِ عُرْيَانًا

1912 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدٌ إِسْمَاعِيلُ، نَا أَبُو الْيَمَانِ، أَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: " بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِيمَنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمنًى: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ، وَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا قِيلَ: الْأَكْبَرُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ: الْحَجُّ الْأَصْغَرُ، فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشْرِكٌ ".

هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ، فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ، قَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ النَّحْرِ، قَالَ: «هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ».

جارٍ التحميل