كِتَابُ الصَّلاةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البغوي ، أبو محمد
- الكتاب
- شرح السنة
- المؤلف
- محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1403هـ - 1983م
- عدد الأجزاء
- 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النَّمْل: 10] أَيْ: لَمْ يَرْجِعْ، قَالَ شِمْرٌ: كُلُّ رَاجِعٍ مُعَقَّبٌ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرَّعْد: 11] أَيْ: لِلإِنْسَانِ مَلائِكَةٌ يُعَقِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يُقَالُ: مَلَكٌ مُعَقِّبٌ، وَمَلائِكَةٌ مُعَقِّبَةٌ، ثُمَّ مُعَقِّبَاتٌ جَمْعُ الْجَمْعِ، وَقِيلَ: مَلائِكَةُ اللَّيْلِ تُعَقِّبُ مَلائِكَةَ النَّهَارِ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالا: كَانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ، كَمَا يُعَلِّمُ الْمُكْتِبُ الْغِلْمَانَ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الْقَبْرِ».
بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلامِ فِي الصَّلاةِ
722 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: " كُنَّا نَتَكَلَّمُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ مِنَّا صَاحِبَهُ إِلَى جَنْبِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [الْبَقَرَة: 238] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلامِ ". هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَحْيَى، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ هُشَيْمٍ، كِلاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قِيلَ: لِلْقُنُوتِ أَرْبَعَةُ مَعَانٍ: الصَّلاةُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {
أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا} [الزمر: 9].
وَيَكُونُ بِمَعْنَى طُولِ الْقِيَامِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ الْقُنُوتِ».
وَيَكُونُ بِمَعْنَى الطَّاعَةِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النَّحْل: 120] أَيْ: مُطِيعًا لِلَّهِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى السُّكُوتِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [الْبَقَرَة: 238]، وَقِيلَ: الْقَانِتُ: الذَّاكِرُ، وَلَيْسَ السُّكُوتُ تَفْسِيرًا لِلْقُنُوتِ، فَيَكُونُ السَّاكِتُ قَانِتًا، وَلَكِنْ أُمِرُوا بِالذِّكْرِ وَتَرْكِ الْكَلامِ، فَقِيلَ: أُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ.
وَذَكَرَ مَعْنَاهُ الْخَطَّابِيُّ.
723 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ قَبْلَ أَنْ نَأْتِيَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا وَهُوَ فِي الصَّلاةِ، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ أَتَيْتُهُ لأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ، فَجَلَسْتُ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلاتَهُ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلاةِ»
وَيُرْوَى «فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ».
قَوْلُهُ: «فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ»، وَيُرْوَى: «مَا قَدُمَ وَمَا حدث»، تَقُولُ الْعَرَبُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لِلرَّجُلِ إِذَا أَقْلَقَهُ الشَّيْءُ وَأَزْعَجَهُ وَغَمَّهُ، وَتَقُولُ أَيْضًا: أَخَذَهُ الْمُقِيمُ وَالْمُقْعِدُ، كَأَنَّهُ يَهْتَمُّ لِمَا نَأَى مِنْ أَمْرِهِ وَلِمَا دَنَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ: الْحُزْنُ، وَالْكَآبَةُ، يُرِيدُ: أَنَّهُ قَدْ عَاوَدَهُ قَدِيمُ الأَحْزَانِ، وَاتَّصَلَ بِحَدِيثِهَا.
724 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُرَيْمٍ وَهُوَ ابْنُ سُفْيَانَ الْبَجَلِيُّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا، فَلَمْ يَرُدُّ، فَقِيلَ لَهُ: فَقَالَ: «إِنَّ فِي الصَّلاةِ لَشُغْلا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَاهُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنِ
ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ السَّلُولِيِّ
قَلْتُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي رَدِّ السَّلامِ فِي الصَّلاةِ، رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُلِّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ، رَدَّهُ حَتَّى يُسْمِعَ، وَعَنْ جَابِرٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا.
وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرُدُّ، فَلَوْ رَدَّ بِاللِّسَانِ بَطَلَ صَلاتُهُ، وَيُشِيرُ بِيَدِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: «مَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ إِلَيَّ إِشَارَةً بِأَصْبُعِهِ».
725 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، نَا وَكِيعٌ، نَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قُلْتُ لِبِلالٍ: " كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ؟ قَالَ:
كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ ".
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِنَّهُ يَرُدُّ إِشَارَةً»، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَرُدُّ السَّلامَ وَلا يُشِيرُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلاةِ رَدَّ السَّلامَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَرَدُّ السَّلامِ بَعْدَ الْخُرُوجِ سُنَّةٌ، وَقَدْ رَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلاتِهِ، السَّلامَ، وَالإِشَارَةُ حَسَنَةٌ.
قُلْتُ: وَلا يَجُوزُ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ فِي الصَّلاةِ، فَمَنْ فَعَلَ، فَهُوَ كَلامٌ تَبْطُلُ بِهِ صَلاتُهُ، فَإِنْ فَعَلَ أَوْ تَكَلَّمَ نَاسِيًا لِصَلاتِهِ، أَوْ كَانَ جَاهِلا لِحُكْمِهِ، وَهُوَ قَرِيبُ الْعَهْدِ بِالإِسْلامِ، أَوْ كَانَ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ يَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ مِثْلُ هَذِهِ الأَحْكَامِ، لَا يُبْطِلُ صَلاتَهُ، لِمَا
726 - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمَّاهُ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا ضَرَبَنِي، وَلا كَهَرَنِي، وَلا سَبَّنِي، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لَا يَحِلُّ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ»، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَوْمٌ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِالإِسْلامِ، وَمِنَّا رِجَالٌ يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: «فَلا تَأْتِهِمْ»، قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ؟ قَالَ: «ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلا يَصُدُّهُمْ»، قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ، قَالَ: «كَانَ نَبِيُّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ»، قَالَ: قُلْتُ: جَارِيَةٌ لِي كَانَتْ تَرْعَى غُنَيْمَاتٍ قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، إِذِ اطَّلَعْتُ عَلَيْهَا اطِّلاعَةً، فَإِذَا الذِّئْبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْهَا، وَأَنَا مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي
صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَعَظُمَ ذَاكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَفَلا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: «ائْتِنِي بِهَا» فَجِئْتُ بِهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ اللَّهُ»؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا»؟، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَجَّاجٍ
شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي الطِّيَرَةِ، وَالْخَطِّ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الطِّبِّ وَالرُّقَى.
وَقَوْلُهُ: مَا كَهَرَنِي، أَيْ: مَا انْتَهَرَنِي، وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَكْهَرْ.
قُلْتُ: فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كَلامَ الْجَاهِلِ بِالْحُكْمِ لَا يُبْطِلُ الصَّلاةَ، لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُ حُكْمَ الصَّلاةِ، وَتَحْرِيمَ الْكَلامِ فِيهَا، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ الصَّلاةِ.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ كَلامَ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ لَا يُبْطِلُ الصَّلاةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَزَادَ الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: إِذَا تَكَلَّمَ فِي الصَّلاةِ عَامِدًا بِشَيْءٍ مِنْ مَصْلَحَةِ الصَّلاةِ، مِثْلَ أَنْ قَامَ الإِمَامُ فِي مَحَلِّ الْقُعُودِ، فَقَالَ لَهُ: اقْعُدْ، أَوْ جَهَرَ فِي مَوْضِعِ السِّرِّ، فَأَخْبَرَهُ، لَا يُبْطِلُ صَلاتَهُ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: كَلامُ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ يُبْطِلُ الصَّلاةَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إِذَا سَلَّمَ نَاسِيًا لَا يُبْطِلُ صَلاتَهُ.
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ حُجَّةٌ لِمَنْ لَمْ يَرَ كَلامَ النَّاسِي مُبْطِلا لِلصَّلاةِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: وَمَنْ عَطَسَ فِي صَلاتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُخْفِي.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الْفَاتِحَة: 2]، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ.
وَرُوِيَ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَطَسْتُ، فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكًا عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ، فَقَالَ: " مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلاةِ؟ فَقَالَ رِفَاعَةُ: أَنَا.
قَالَ: «لَقَدِ ابْتَدَرَهَا
بِضْعَةٌ وَثَلاثُونَ مَلَكًا أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا».
فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ كَانَ فِي التَّطَوُّعِ، أَمَّا فِي الْمَكْتُوبَةِ، فَيَحْمَدُ فِي نَفْسِهِ.
727 - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عَطَسَ شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ حَتَّى يَرْضَى رَبُّنَا، وَبَعْدَ مَا يَرْضَى مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «
مَنِ الْقَائِلُ الْكَلِمَةَ»؟ قَالَ: فَسَكَتَ الشَّابُّ، ثُمَّ قَالَ: «مَنِ الْقَائِلُ الْكَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا»؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتُهَا وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلا خَيْرًا، قَالَ: «مَا تَنَاهَتْ دُونَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ».
قُلْتُ: وَلَوْ أَعْلَمُ رَجُلا بِكَلامٍ يُوَافِقُ نَظْمَ الْقُرْآنِ، وَقَصَدَ بِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، فَجَائِزٌ، رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ، فَنَادَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]، فَأَجَابَهُ عَلِيٌّ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الرّوم: 60]
بَابُ التَّثَاؤُبِ فِي الصَّلاةِ
728 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنِّي لأَرُدُّ التَّثَاؤُبَ بِالتَّنَحْنُحِ
بَابُ الْبُكَاءِ فِي الصَّلاةِ
قَالَتْ عَائِشَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ.
729 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الدَّارَابَجِرْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْجَوْزَجَانِيُّ، نَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ، أَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، نَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ الْكُشْمِيهَنِيُّ، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلالُ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ مُطَرِّفٍ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ،
عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي، وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ»، يَعْنِي: يَبْكِي
وَقَالَ أَبُو عِيسَى: كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ.
أَزِيزُ الْمِرْجَلِ: صَوْتُهُ، يُرِيدُ غَلَيَانَ جَوْفِهِ بِالْبُكَاءِ.
وَيُرْوَى: «كَأَزِيزِ الرَّحَى»، وَهُوَ صَوْتُهَا وَجَرْجَرَتُهَا، وَالأَزِيزُ وَالْهَزِيزُ: الصَّوْتُ، وَأَصْلُ الْهَزِّ وَالأَزِّ: التَّحْرِيكُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مَرْيَم: 83]، أَيْ: تُزْعِجُهُمْ، وَيُقَالُ: أَزَّ قِدْرَكَ، أَيْ: أَلْهِبِ النَّارَ تَحْتَهَا.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ يَقْرَأُ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يُوسُف: 86]، وَالنَّشِيجُ: صَوْتٌ مَعَهُ تَوَجُّعٌ، كَمَا يُرَدِّدُ الصَّبِيُّ بُكَاءَهُ فِي صَدْرِهِ.
قُلْتُ: وَلَوْ نَفَخَ فِي صَلاتِهِ، فَظَهَرَ حَرْفَانِ، أَوْ قَالَ: أُفٍّ، فَسَدَتْ صَلاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ حَرْفَانِ، فَلا تفْسد، هَذَا قَوْلُ الأَكْثَرِينَ، وَسُئِلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنِ الرَّجُلِ يَقُولُ فِي الصَّلاةِ: آهْ؟ قَالَ: يُعِيدُ، وَمِثْلُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الْكَرَاهِيَةِ.
رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى غُلامًا لَنَا، يُقَالُ لَهُ: أَفْلَحُ، إِذَا سَجَدَ نَفَخَ، فَقَالَ: «يَا أَفْلَحُ تَرِّبْ وَجْهَكَ»، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ نَفَخَ لَا تَبْطُلُ صَلاتُهُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِذَا قَالَ: أُفٍّ لَا تَبْطُلُ، وَلَوْ ضَحِكَ فَظَهَرَ حَرْفًا بَطَلَتْ صَلاتُهُ، قَالَ جَابِرٌ: «إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلاةِ، أَعَادَ الصَّلاةَ، وَلَمْ يُعِدِ الْوُضُوءَ».
وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ الْقَهْقَهَةَ فِي الصَّلاةِ، تَبْطُلُ الْوُضُوءَ وَالصَّلاةَ جَمِيعًا.
بَابُ كَرَاهِيَةِ الاخْتِصَارِ فِي الصَّلاةِ
730 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا أَبُو كُرَيْبٍ، نَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ
وَالاخْتِصَارُ: هُوَ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ فِي الصَّلاةِ، وَيُقَالُ: إِنَّ
ذَلِكَ فِعْلُ الْيَهُودِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ.
وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَمْشِيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا، وَيُرْوَى أَنَّ إِبْلِيسَ إِذَا مَشَى مَشَى مُخْتَصِرًا، وَيُقَالُ: إِنَّ إِبْلِيسَ أُهْبِطَ إِلَى الأَرْضِ كَذَلِكَ، وَهُوَ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ الْمَصَائِبِ.
وَفِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ «الاخْتِصَارُ فِي الصَّلاةِ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ».
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الاخْتِصَارَ: هُوَ أَنْ يُمْسِكَ بِيَدِهِ مِخْصَرَةً، أَيْ: عَصَا يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا، قُلْتُ: وَالأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَدْ
731 - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَابِصِيُّ، نَا أَبِي، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
عَنْ هِلالِ بْنِ يَسَافٍ، قَالَ: قَدِمْتُ الرَّقَّةَ، فَقَالَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِي: هَلْ لَكَ فِي رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قُلْتُ: غَنِيمَةً، فَدُفِعْنَا إِلَى وَابِصَةَ، فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: نَبْدَأُ فَنَنْظُرُ إِلَى زِيِّهِ، فَإِذَا عَلَيْهِ قَلَنْسُوَةٌ لاطِئَةٌ ذَاتُ أُذُنَيْنِ وَبُرْنُسُ خَزٍّ أَغْبَرُ، فَإِذَا هُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى عَصًا فِي صَلاتِهِ، فَقُلْنَا بَعْدَ أَنْ سَلَّمْنَا، فَقَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مِحْصِنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَمَّا أَسَنَّ، وَحَمَلَ اللَّحْمَ، اتَّخَذَ عَمُودًا فِي مُصَلاهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ».
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَاب النَّبِي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يتوكؤون على
العصي فِي الصَّلَاة.
وَقِيلَ: مَعْنَى الاخْتِصَارِ: أَنْ يَقْرَأَ مِنْ آخِرِ السُّورَةِ آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ لَا يَقْرَأُ السُّورَةَ بِكَمَالِهَا.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الصَّفِّ بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ وَالْمُرَاوَحَةِ بَيْنَهُمَا، وَالْمُرَاوَحَةُ: أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى إِحْدَى رِجْلَيْهِ مَرَّةً، ثُمَّ يَعْتَمِدُ عَلَى الأُخْرَى مَرَّةً.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، " أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَأَى رَجُلا قَدْ صَفَّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: خَالَفْتَ السُّنَّةَ، لَوْ رَاوَحْتَ بيَنْهُمَا كَانَ أَفْضَلَ ".
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: «صَفُّ الْقَدَمَيْنِ، وَوَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْيَدِ مِنَ السُّنَّةِ».
وَحَدِيثُ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَوْصُولٌ، وَحَدِيثُ أَبِي عُبَيْدَةَ مُرْسَلٌ.
رَوَى شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي صَافًّا قَدَمَيْهِ، وَأَنَا غُلامٌ شَابٌّ».
بَابُ كَرَاهِيَةِ الالْتِفَاتِ فِي الصَّلاةِ
732 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو الأَحْوَصِ، نَا الأَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الالْتِفَاتِ فِي الصَّلاةِ؟ فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلاسٌ يخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاةِ الْعَبْدِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
733 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَزِيُّ، نَا أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْقَاسِمُ بْنُ بَكْرٍ الطَّيَالِسِيُّ،
بِبَغْدَادَ فِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَثَلاثِ مِائَةٍ، نَا أَبُو أُمَيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الطَّرَسُوسِيُّ، نَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْكُرَيْزِيُّ، نَا صَالِحُ بْنُ أَبِي الأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا يَزَالُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُقْبِلا عَلَى الْعَبْدِ مَا كَانَ فِي صَلاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ أَعْرَضَ عَنْهُ».
صَالِحُ بْنُ أَبِي الأَخْضَرِ ضَعِيفٌ، يَرْوِي عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَغَيْرِهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ
وَقَالَ أَبُو الْخَيْرِ: سَأَلْنَا عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: 23] أَهُمُ الَّذِينَ
يُصَلُّونَ أَبَدًا؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ إِذَا صَلَّى لَمْ يَلْتَفِتْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلا عَنْ شِمَالِهِ، وَلا خَلْفِهِ.
734 - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأَحْوَصِ، يُحَدِّثُنَا فِي مَجْلِسِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزَالُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُقْبِلا عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ فِي صَلاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ».
وَأَبُو الأَحْوَصِ هَذَا مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ، وَلَيْسَ هُوَ بِأَبِي الأَحْوَصِ صَاحِبِ ابْنِ مَسْعُودٍ
735 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا مُسْلِمُ بْنُ حَاتِمٍ الْبَصْرِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَالالْتِفَاتَ فِي الصَّلاةِ، فَإِنَّ الالْتِفَاتَ فِي الصَّلاةِ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ، فَفِي التَّطَوُّعِ لَا فِي الْفَرِيضَةِ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ
قُلْتُ: الالْتِفَاتُ فِي الصَّلاةِ مَكْرُوهٌ، فَإِنْ كَانَ لأَمْرٍ يَحْدُثُ، فَلا بَأْسَ.
736 - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، نَا مُعَاوِيَةُ يَعْنِي: ابْنُ سَلامٍ، عَنْ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي السَّلُولِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ، قَالَ: ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ، يَعْنِي: صَلاةَ الصُّبْحِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَانَ أَرْسَلَ فَارِسًا إِلَى الشِّعْبِ مِنَ اللَّيْلِ يَحْرُسُ.
وَقَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: الْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
737 - قُلْتُ: أَمَّا النَّظَرُ إِلَى الشَّيْءِ، فَلا بَأْسَ بِهِ فِي الصَّلاةِ، وَالأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ نَظَرُهُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ «يَلْحَظُ فِي الصَّلاةِ يَمِينًا وَشِمَالا، وَلا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ».
أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ
738 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاتِي».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
قُلْتُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ تَنْقِيشِ مَوَاضِعِ الصَّلاةِ، وَالصَّلاةِ عَلَى الْمُصَلَّى الْمَنْقُوشِ، وَفِيهِ أَنِ مَنِ اسْتَثْبَتَ خَطًّا مَكْتُوبًا وَهُوَ فِي الصَّلاةِ، لَمْ تَفْسُدْ صَلاتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَشْغَلُهُ عَلَمُ الْخَمِيصَةِ عَنْ صَلاتِهِ حَتَّى يَتَأَمَّلَهُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَفِيهِ أَنَّ التَّفَكُّرَ فِي الشَّيْءِ لَا يُبْطِلُ الصَّلاةَ.
رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ مُسْرِعًا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: «ذَكَرْتُ وَأَنَا فِي الصَّلاةِ تِبْرًا عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِيَ أَوْ يَبِيتَ عِنْدَنَا، فَأَمَرْتُ بِقَسْمِهِ».
قَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأُجَهِّزُ جَيْشِي، وَأَنَا فِي الصَّلاةِ.
قَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنِّي لأَضْطَجِعُ عَلَى فِرَاشِي، فَمَا يَأْتِينِي النَّوْمُ، وَأَقُومُ إِلَى الصَّلاةِ، فَمَا تَتَوَجَّهُ إِلَيَّ الْقِرَاءَةُ مِنَ اهْتِمَامِي بِأَمْرِ النَّاسِ.
قَالَ مَالِكٌ: يُرِيدُ أَنْ يُطَاعَ اللَّهُ وَلا يُعْصَى اللَّهُ.
بَابُ كَرَاهِيَةِ رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلاةِ
739 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، نَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاتِهِمْ»، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ: «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، بِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ
بَابُ الْخُشُوعِ فِي الصَّلاةِ
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ {1﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿2﴾} [الْمُؤْمِنُونَ: 1 - 2]، قَالَ مُجَاهِدٌ: السُّكُونُ فِيهَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الْفَتْح: 29]، قَالَ: هُوَ الْخُشُوعِ وَالتَّوَاضُعِ.
وَالْخُشُوعُ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِنَ الْخُضُوعِ، إِلا أَنَّ الْخُضُوعَ فِي الْبَدَنِ، وَالْخُشُوعَ فِي الْبَدَنِ وَالْبَصَرِ وَالصَّوْتِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: 108]، أَيِ: انْخَفَضَتْ.
740 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلال، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ،
حَدَّثَنِي عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعِ بْنِ الْعَمْيَاءِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الصَّلاةُ مَثْنَى مَثْنَى، تَشَهَّدْ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَتَضَرَّعْ، وَتَخَشَّعْ، وَتَمَسْكَنْ، ثُمَّ تُقْنِعْ يَدَيْكَ، يَقُولُ: " تَرْفَعْهُمَا إِلَى رَبِّكَ مُسْتَقْبِلا بِبُطُونِهِمَا وَجْهَكَ، وَتَقُولُ: يَا رَبِّ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَهِيَ خِدَاجٌ "
قَوْلُهُ: «تَمَسْكَنْ»، أَيْ: تَذِلَّ وَتَخْضَعْ، مَفْعَلَةٌ مِنَ السُّكُونِ، وَالْقِيَاسُ فِي فِعْلِهِ: تَسَكَّنْ، إِلا أَنَّهُ جَاءَ هَذَا كَذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ: تَمَدْرَعَ مِنَ الْمِدْرَعَةِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «رَكْعَتَانِ مُقْتَصِدَتَانِ فِي تَفَكُّرٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ وَالْقَلْبُ سَاهٍ».
قَالَ سَلْمَانُ: الصَّلاةُ مِكْيَالٌ، فَمْنَ أَوْفَى أُوفِيَ لَهُ، وَمَنْ طَفَّفَ، فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا قَالَ اللَّهُ لِلْمُطَفِّفِينَ.
وَرَأَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ رَجُلا يَعْبَثُ فِي صَلاتِهِ، فَقَالَ: لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا، خَشَعَتْ جَوَارِحُهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشَّرْح: 7]، قَالَ:
إِذَا فَرَغْتَ مِنْ دُنْيَاكَ، فَانْصَبْ فِي صَلاتِكَ ﴿، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشَّرْح: 8] اجْعَلْ نِيَّتَكَ وَرَغْبَتَكَ إِلَى رَبِّكَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [الْبَقَرَة: 238]، قَالَ: مِنَ الْقُنُوتِ: الرُّكُودُ، وَالْخُشُوعُ، وَغَضُّ الْبَصَرِ، وَخَفْضُ الْجَنَاحِ مِنْ رَهْبَةِ اللَّهِ.
بَابُ حَمْلِ الصَّبِيِّ فِي الصَّلاةِ
741 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ السُّلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ «يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كُلٌّ عَنْ مَالِكٍ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ، أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَفَّافُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: «وَإِذَا قَامَ رَفَعَهَا»
قُلْتُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ، مِنْهَا حُسْنُ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ الأَهْلِ وَالصِّغَارِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْعَمَلَ الْيَسِيرَ لَا يُبْطِلُ الصَّلاةَ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى وَفِي كُمِّهِ أَوْ عَلَى عُنُقِهِ مَتَاعٌ جَازَ مَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي إِمْسَاكِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ ثِيَابَ الأَطْفَالِ وَأَبْدَانِهِمْ عَلَى الطَّهَارَةِ مَا لَمْ يُعْلَمْ بِهَا نَجَاسَةٌ.
وَكَرِهَ الْحَسَنُ الصَّلاةَ فِي ثِيَابِ الصِّبْيَانِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ حَمَلَ حَيَوَانًا فِي الصَّلاةِ، فَنَجَاسَةُ دَاخِلِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلاةِ إِذَا كَانَ ظَاهِرُهُ طَاهِرًا، لأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِمُرَاعَاةِ طَهَارَةِ الظَّاهِرِ، كَمَا فِي حَقِّ
نَفْسِهِ، بِخِلافِ مَا لَوْ حَمَلَ قَارُورَةً مَسْدُودَةَ الرَّأْسِ، وَفِي بَاطِنِهَا نَجَاسَةٌ، لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ لَمْسَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ، لأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْملابسة لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُصِيبَهُ بَعْضُ أَعْضَائِهَا.
743 - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُئِيُّ، نَا أَبُو دَاوُدَ، نَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، نَا عَبْدُ الأَعْلَى، نَا مُحَمَّدٌ، يَعْنِي: ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّلاةِ فِي الظُّهْرِ، أَوِ الْعَصْرِ، وَقَدْ دَعَاهُ بِلالٌ لِلصَّلاةِ، " إِذْ خَرَجَ إِلَيْنَا، وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ بِنْتُ ابْنَتِهِ عَلَى عُنُقِهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُصَلاهُ، وَقُمْنَا
خَلْفَهُ وَهِيَ فِي مَكَانِهَا الَّذِي هِيَ فِيهِ، قَالَ: فَكَبَّرَ فَكَبَّرْنَا، قَالَ: حَتَّى إِذَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْكَعَ أَخَذَهَا فَوَضَعَهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِهِ وَقَامَ، أَخَذَهَا وَرَدَّهَا فِي مَكَانِهَا، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ بِهَا ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ "
بَابُ قَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي الصَّلاةِ
744 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِيرَبَنْدَكُشَائِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، أَنَا أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ طُرْفَةَ السِّجْزِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ حَمْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَطَّابِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ دَاسَةَ التَّمَّارُ، أَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ، نَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلاةِ: الْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ " قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلاةِ، وَأَنَّ مُوَالاةَ الْفِعْلِ مَرَّتَيْنِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ لَا يُفْسِدُ الصَّلاةَ، وَذَلِكَ أَنَّ قَتْلَ الْعَقْرَبِ غَالِبًا يَكُونُ بِالضَّرْبَةِ وَالضَّرْبَتَيْنِ، فَأَمَّا إِذَا تَتَابَعَ الْعَمَلُ وَصَارَ
فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ بَطَلَتِ الصَّلاةُ.
وَفِي مَعْنَى الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ كُلُّ ضَرَّارٍ مُبَاحِ الْقَتْلِ كَالزَّنَابِيرِ، وَالشِّبْثَانِ، وَنَحْوِهَا، وَرَخَّصَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي قَتْلِ الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلاةِ، إِلا إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرَخِّصْ، وَقَالَ: إِنَّ فِي الصَّلاةِ لَشُغْلا، وَالسُّنَّةُ أَوْلَى بِالاتِّبَاعِ.
745 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ ضَمْضَمٍ هُوَ ابْنُ جَوْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلاةِ: الْحَيَّةِ، وَالْعَقْرَبِ "
وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ، وَأَنَسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ الْقَمْلَ، وَالْبَرَاغِيثَ فِي الصَّلاةِ.
وَفِي الْمُرْسَلِ: فِي الْقَمْلَةِ يَصُرُّهَا حَتَّى يُصَلِّيَ، وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: يَدْفِنُهَا كَالنُّخَامَةِ.
بَابُ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ لَا يُبْطِلُ الصَّلاةَ
746 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ، لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلاتِي، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ عَلَى سَارِيَةِ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: 35] فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا ". هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ
قَوْلُهُ: «تَفَلَّتَ» أَيْ: تَعَرَّضَ لِي فَلْتَةً، أَيْ: فَجْأَةً، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رُؤْيَةَ الْجِنِّ غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ، فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الْأَعْرَاف: 27] فَإِنَّهُ حُكْمُ الأَعَمِّ وَالأَغْلَبِ مِنَ الآدَمِيِّينَ امْتَحَنَهُمْ بِذَلِكَ، لَيَفْزَعُوا إِلَيْهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهِمْ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ سُلَيْمَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَرَوْنَ الْجِنَّ وَتَصَرُّفَهُمْ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ عَيْنُهُ غَيْرُ نَجِسَةٍ، وَلا تَبْطُلُ الصَّلاةُ بِمَسِّهِ.
747 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، نَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «جِئْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي الْبَيْتِ، وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ، فَمَشَى حَتَّى فَتَحَ لِي، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَانِهِ، وَوَصَفَتِ الْبَابَ فِي الْقِبْلَةِ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ
بَابُ التَّسْبِيحِ إِذَا نَابَهُ شَيْءٌ فِي الصَّلاةِ
748 - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، نَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَامُوَيْهِ الأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الأَعْرَابِيِّ، نَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «التَّسْبِيحُ فِي الصَّلاةِ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرِهِ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ