شرح السنة للبغويصفحات 163-202

كِتَابُ الْحَجِّ

صفحات 163-202
عن هذه الطبعة
عَلَم
البغوي ، أبو محمد
الكتاب
شرح السنة
المؤلف
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
الطبعة
الثانية، 1403هـ - 1983م
عدد الأجزاء
15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، كِلاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، وَقَالَ: «فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ».
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: الْعَنَقُ: السَّيْرُ الْوَسِيعُ، وَالنَّصُّ: أَرْفَعُ السَّيْرِ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَصَصْتُ الْحَدِيثَ: إِذَا رَفَعْتُهُ إِلَى قَائِلِهِ، وَنَسَبْتُهُ إِلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: النَّصُّ: التَّحْرِيكُ حَتَّى يَسْتَخْرِجَ مِنَ النَّاقَةِ أَقْصَى سَيْرِهَا، وَالنَّصُّ أَصْلُهُ: مُنْتَهَى الْأَشْيَاءِ وَغَايَتِهَا، وَمَبْلَغُ أَقْصَاهَا.
وَالْفَجْوَةُ: الْفُرْجَةُ بَيْنَ الْمَكَانَيْنِ.
وَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ السَّكِينَةَ وَالتُّؤَدَةَ الْمَأْمُورُ بِهَا إِنَّمَا هِيَ مِنْ أَجْلِ الرِّفْقِ بِالنَّاسِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زِحَامٌ وَفِي الْمَوْضِعِ سِعَةٌ، سَارَ كَيْفَ شَاءَ.
1934 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، مَوْلَى الْمُطَّلِبِ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، مَوْلَى وَالِبَةَ الْكُوفِيِّ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وَضَرْبًا لِلْإِبلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ».

هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَالإِيضَاعُ: حَمْلُ الركاب عَلَى الْعَدْوِ السَّرِيعِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ [التَّوْبَة: 47].
وَيُقَالُ: الإِيضَاعُ سَيْرٌ مِثْلُ الْخَبَبِ، وَمِثْلُهُ الإِيجَافُ.
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ، فِيمَا.
1935 - أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: " وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّها النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، كُلَّمَا أَتَى حَبْلا مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ، وَكَبَّرَهُ، وَهَلَّلَهُ، وَوَحَدَّهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أسْفَرَ جدا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ".

هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: شَنَّقَ لِلْقَصْوَاءِ، أَيْ: كَفَّهَا بِزِمَامِهَا، وَالْحِبَالُ: مَا كَانَ دُونَ الْجِبَالِ فِي الارْتِفَاعِ، وَاحِدُهَا: حَبْلٌ.
وَالْقَصْوَاءُ: اسْمُ نَاقَتِهِ، وَكَانَتْ مَقْصُوَّةَ الْأُذُنِ، وَهُوَ أَنْ يُقْطَعُ طَرَفٌ مِنَ الْأُذُنِ، وَلا يُقَالُ: جَمَلٌ أَقْصَى.

بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ

سُمِّيَتْ مُزْدَلِفَةَ لِلاجْتِمَاعِ، وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: 64]، أَيْ: جَمَعْنَاهُمْ.
1936 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْخَطْمِيَّ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ، أَخْبَرَهُ «أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.
1937 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ،

عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: " دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ، نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الصَّلاةُ أَمَامَكَ.
فَرَكِبْتُ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ، نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلَّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ، فَصَلاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهَا شَيْئًا ". هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: «الصَّلاةُ أَمَامَكَ»، يُرِيدُ أَنَّ مَوْضِعَ هَذِهِ الصَّلاةِ الْمُزْدَلِفَةُ، وَهِيَ أَمَامَكَ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَاجَّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ بَعْدَ مَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ صَلاةٍ فَاتَ وَقْتُهَا يُقِيمُ لَهَا، وَلا يُؤَذِّنُ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَلِيلَ الْعَمَلِ إِذَا تَخَلَّلَ مِنْ صَلاتَيِ الْجَمْعِ لَا يَقْطَعُ نَظْمَ الْجَمْعِ، لِأَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ.

وَفِيهِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ مُسْتَصْحِبًا لِلطَّهَارَةِ فِي مَسِيرِهِ، إِلَى أَنْ يَبْلُغَ جَمْعًا، ثُمَّ لَمَّا أَرَادَ الصَّلاةَ، أَسْبَغَ الْوُضُوءَ، وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَوَخَّى أَنْ يَكُونَ عَلَى طُهْرٍ فِي كِلِّ حَالٍ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ نَفْسَهُ عِبَادَةٌ وَقُرْبَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُرِدِ الصَّلاةَ.
1938 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا آدَمُ، نَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ، كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحُ بَيْنَهُمَا، وَلا عَلَى أَثَرِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُمَا».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِلظُّهْرِ، وَلا يُؤَذِّنُ لِلْعَصْرِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ يُقِيمُ لِلْعَصْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُقِيمُ لَهَا.
أَمَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَتَيْنِ، وَلا يُؤَذِّنُ، لِحَدِيثِ أُسَامَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِلْأُولَى، وَيُقِيمُ لِلثَّانِيَةِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَجْمَعُ

بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ، يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، كَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: أَيُّهَا فَعَلْتَ أَجْزَاكَ، وَكَذَلِكَ الاخْتِلافُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ بِعُذْرِ السَّفَرِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُهُ.

بَابُ التَّغْلِيسِ بِالْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْمُزْدَلِفَةِ

1939 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، نَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ قَدِمْنَا جَمْعًا، فَصَلَّى الصَّلاتَيْنِ، كُلَّ صَلاةٍ وَحْدَهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَالْعَشَاءُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: طَلَعَ الْفَجرُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا فِي هَذَا الْمَكَانِ الْمَغْرِبَ وَالْعشَاءَ، فَلا يَقْدَمُ النَّاسُ جَمِيعًا حَتَّى يُعْتِمُوا، وَصَلاةُ الْفَجْرِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ»، ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى أَسْفَرَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَفَاضَ الْآنَ، أَصَابَ السُّنَّةَ، فَمَا أَدْرِي أَقَوْلُهُ كَانَ أَسْرَعَ، أَوْ دَفْعُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمَرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، عَن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ، مُخْتَصِرًا.

بَابُ الدَّفْعِ مِنْ جَمْعٍ

1940 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ، يَقُولُ: شَهِدْتُ عُمَرَ يُصَلِّي بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ، فَقَالَ «إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطلُعَ الشَّمْسُ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا هُوَ سُنَّةُ الإِسْلامِ، أَنْ يَدْفَعَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ حِينَ أَسْفَرَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
قَالَ طَاوُسٌ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلَيَّةِ يَدْفَعُونَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، وَمِنَ الْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نغير، فَأَخَّرَ اللَّهُ هَذِهِ، وَقَدَّمَ هَذِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَعْنِي قَدِمَ الْمُزْدَلِفَةَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَخَّرَ عَرَفَةَ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ.

قَوْلُهُ: «أَشْرِقْ ثَبِيرُ»، يُقَالُ: ادْخُلْ أَيُّهَا الْجَبَلُ فِي الشُّرُوقِ، كَمَا يُقَالُ أَجْنَبَ: دَخَلَ فِي الْجَنُوبِ، وَأَشْمَلَ: دَخَلَ فِي الشِّمَالِ.
وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: 60]، أَيْ: لَحِقُوهُمْ وَقْتَ دُخُولِهِمْ فِي شُرُوقِ الشَّمْسِ، وَهُوَ طُلُوعُهَا.
وَقَوْلُهُ: «كَيْمَا نُغِيرَ»، أَيْ: نَدْفَعُ لِلنَّحْرِ، يُقَالُ: أَغَارَ إِغَارَةَ الثَّعْلَبِ، أَيْ: أَسْرَعَ وَدَفَعَ فِي عَدْوِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ، قَالَ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَمْعٍ، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ، وَأَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذَفِ، وَقَالَ: «لَعَلِّي لَا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا».
وَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُحَرِّكُ رَاحِلَتَهُ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ.

بَابُ تَقْدِيمِ الضَّعَفَةِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ

1941 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ.
حَ وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سُفْيَانُ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي يَزِيدَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: «كُنْتُ فِيمَنْ قَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ضَعَفَةِ أَهْلِهِ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَصَحَّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الثَّقَلِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ.
وَرُوِيَ عَنْ سَالِمٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ أَبَاهُمَا كَانَ يُقَدِّمُ

نِسَاءَهُ وَصِبْيَانَهُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، حَتَّى يُصَلُّوا الصُّبْحَ بِمِنًى، وَيَرْمُوا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ.
1942 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِيرَبَنْدَكُشَائِيُّ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سِرَاجٍ الطَّحَّانُ، أَنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ، أَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ، أَنا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ، ثُمَّ جَعَلَ يَلْطَحُ أَفْخَاذَنَا، وَيَقُولُ: «أُبَيْنِيَّ لَا تَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ».
1943 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِيرَبَنْدَكُشَائِيُّ، أَنا أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَرَفَةَ السِّجْزِيُّ، أَنا أَبُو سُلَيْمَانَ حَمْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَطَّابِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ دَاسَةَ التَّمَّارُ، أَنا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ،

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ أُغَيْلِمَةَ بَنِي الْمُطَّلِبِ عَلَى حُمُرَاتٍ، وَجَعَلَ يَلْطَحُ أَفْخَاذَنَا، وَيَقُولُ: «أُبَيْنِيَّ لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمْسُ».
اللَّطْحُ: الضَّرْبُ الْخَفِيفُ بِبَطْنِ الْكَفِّ وَنَحْوُهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: اللَّطْحُ: الضَّرْبُ، يُقَالُ مِنْهُ: لَطَحْتُ الرَّجُلَ بِالْأَرْضِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: «أُبَيْنِيَّ» تَصْغِيرٌ، يُرِيدُ يَا بُنَيَّ.
وَالْأُغَيْلِمَةُ تَصْغِيرُ الْغِلْمَةِ، كَمَا قَالُوا: أُصَيْبِيَةُ فِي تَصْغِيرِ الصِّبْيَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنِّسْوَانِ، وَالضَّعَفَةُ أَنْ يَدْفَعُوا مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ بَعْدَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ، وَمَنْ دَفَعَ قَبْلَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، فَأَمَّا مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقِفَ بِهَا حَتَّى يَدْفَعَ مَعَ الإِمَامِ بَعْدَ الإِسْفَارِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَلَوْ دَفَعَ بَعْدَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، فَأَجَازَهُ

قَوْمٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي النَّقْلِ، وَهُوَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الضَّعَفَةِ، وَلَمْ يُجَوِّزْ قَوْمٌ لِمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إِلا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ دَفَعَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ رَمَى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى جَوَازِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بَعْدَ انْتِصَافِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَكَذَلِكَ طَوَافُ الإِفَاضَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَعْنِي: عِنْدَهَا.
وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْ قَالَ: كَانَ ذَلِكَ رُخْصَةً خَاصَّةً لَهَا دُونَ غَيْرِهَا.
وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ ذَلِكَ لِلضَّعَفَةِ الَّذِينَ رُخِّصَ لَهُمْ فِي الدَّفْعِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، رُوِيَ أَنَّ أَسْمَاءَ رَمَتِ الْجَمْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَصَلَّتِ الصُّبْحَ، وَقَالَتْ: أَذِنَ لِلظُّعُنِ، يَعْنِي: النِّسَاءَ، وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ، وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ بَعْدَ

طُلُوعِ الشَّمْسِ ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ.
فَأَمَّا رَمْيُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَبَعْدَ الزَّوَالِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ، فَبَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ.

بَابُ الرَّمْيِ عَلَى الرَّاحِلَةِ

1944 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ.
حَ وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، نَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ، عَنْ أَيْمَنَ بْنِ نَابِلٍ، أَخْبَرَني قُدَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْكِلابِيُّ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَرْمِي الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى نَاقَةٍ صَهْبَاءَ، لَيْسَ ضَرْبٌ وَلا طَرْدٌ، وَلَيْسَ قِيلَ: إِلَيْكَ إِلَيْكَ ". أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ بَامُوَيْهِ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ، هُوَ الْأَصَمُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، سَمِعَ أَبَا عِمْرَانَ، وَهُوَ أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَ مَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ: إِلَيْكَ إِلَيْكَ، كَمَا يُقَالُ: الطَّرِيقَ الطَّرِيقَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ حَدِيثِ أَيْمَنَ بْنِ نَابِلٍ وَهُوَ ثِقَةٌ.
1945 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، نَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا أَبُو

عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أُنَيْسَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أُمِّ الْحُصَيْن، قَالَتْ: «حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ، وَبِلالا، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْآخَرُ بِثَوْبِهِ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَالٍ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ الرَّمْيِ رَاكِبًا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ، فَاخْتَارَ قَوْمٌ الرُّكُوبَ، اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاخْتَارَ قَوْمٌ أَنْ يَمْشِيَ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُقْتَدَى بِهِ فِي فِعْلِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ 1946 - مَا أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَقَالَ قَوْمٌ: يَرْمِي يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا، وَيَمْشِي إِلَيْهِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الْجِمَارَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلاثَةِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ مَاشِيًا، ذَاهِبًا، وَرَاجِعًا، يُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا إِذَا رَمَوُا الْجِمَارَ، مَشَوْا ذَاهِبِينَ رَاجِعِينَ، وَأَوَّلُ مَنْ رَكِبَ مُعَاوِيَةُ.

بَابُ حَصَى الرَّمْيِ

1947 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «رَمَى الْجِمَارَ مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
1948 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، نَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ الْأَزْدِيِّ، عَنْ أُمِّهِ، قَالَتْ: سَمِعتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْوَادِي وَهُوَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ، وَهُوَ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ، فَارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ».

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَصَى الرَّمْيِ: وَمِنْ حَيْثُ أَخَذَ، أَجْزَأَهُ إِذَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ حَجَرٍ: مَرْمَرٍ، أَوْ بِرَامٍ، أَوْ كَذَّانٍ، أَوْ فِهْرٍ، وَإِنْ كَانَ كُحْلا، أَوْ زِرْنِيحًا، وَمَا أَشْبَهُ، لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ رَمَى مَا قَدْ رُمِيَ بِهِ مَرَّةً، كَرِهْتُهُ، وَأَجْزَأَ عَنْهُ، وَلَوْ رَمَى فَوَقَعَتْ حَصَاةٌ عَلَى مَحْمَلٍ فَاسْتَنَتْ، فَوَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ الْحَصَى، أَجْزَاهُ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي ثَوْبِ رَجُلٍ، فَنَفَضَهَا، لَمْ يُجْزِهِ.

بَابُ مِنْ أَيْنَ يَرْمِي

1949 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُسَدَّدٌ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، نَا الْأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ، يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِي حَتَّى إِذَا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ اعْتَرَضَهَا، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ قَالَ: «مِنْ هَا هُنا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، قَامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ».

هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مِنْجَابِ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ.
وَهُوَ الاخْتِيَارُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَرْمِيَ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلا يَجُوزُ أَقَلُّ مِنْ سَبْعِ حَصَيَاتٍ.
قَوْلُهُ: قَامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ.
إِنَّمَا ذَكَرَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ لِأَنَّ مُعْظَمَ الْمَنَاسِكِ مَذْكُورَةٌ فِيهَا، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، فَتَوَلَّى بَيَانَهَا بِفِعْلِهِ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ: هَلْ يُرْمَى عَنِ الصَّبِيِّ، أَوِ الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الرَّمْيَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ يُرْمَى عَنْهُمَا، وَيَتَحَرَّى الْمَرِيضُ حِينَ يُرْمَى عَنْهُ، وَيُكَبِّرُ وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ، وَيُهْرِيقُ دَمًا، فَإِنْ صَحَّ الْمَرِيضُ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ رَمَى الَّذِي رُمِيَ عَنْهُ.

بَابُ الْحَاجِّ مَتَى يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ

1950 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ.
حَ وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَخَبَرَنِي الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَرْدَفَهُ مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى، فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مَخْلَدٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ الْحَاجَّ لَا يَزَالُ يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ

يَقْطَعُهَا، غَيْرَ أَنَّهُمُ اختَلَفُوا، فَقَالَ بَعَضْهُمْ: يَقْطَعُهَا مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ، ثُمَّ يَقْطَعَهَا، وَقَالَ مَالِكٌ: يُلَبِّي حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِذَا زَالَتْ قَطَعَهَا، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَتْرُكُ التَّلْبِيَةَ إِذَا رَاحَتْ إِلَى الْمَوْقِفِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا صَلَّى الصَّبْحَ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ قَطَعَهَا.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ التَّلْبِيَةَ إِذَا غَدَا مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ.
فَأَمَّا الْمُعْتَمَرُ، فَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا افْتَتَحَ الطَّوَافَ، لِأَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ مُسْتَلِمًا وَغَيْرُ مُسْتَلِمٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا انْتَهَى إِلَى بُيُوتِ مَكَّةَ، قَطَعَهَا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ التَّلْبِيَةَ فِي الْعُمْرَةِ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ بَعْضِ الْمَوَاقِيتِ: فَإِنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا انْتَهَى إِلَى الْحَرَمِ، وَمَنْ أَحْرَمَ مِنَ التَّنْعِيمِ، يَقْطَعُهَا حِينَ يَرَى الْبَيْتَ.

بَابُ الْهَدْيِ وَقِسْمَةِ لُحُومِهَا وَجُلُودِهَا

قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [الْبَقَرَة: 196]، قَالَ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شَاةٌ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ: بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ.
وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الْحَج: 36]، قِيلَ: الْقَانِعُ: الَّذِي يَسْأَلُ، يُقَالُ: قَنَعَ قُنُوعًا إِذَا سَأَلَ، وَقَنَعَ قَنَاعَةً: إِذَا عَفَّ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، وَالْمُعَتَرُّ: الَّذِي يُعَرِّضُ وَلا يَسْأَلُ، وَالْهَدْيُ وَالْهدي: مَا يُهْدَى إِلَى بَيْتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بَدَنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، الْوَاحِدَةُ: هَدْيَةٌ وَهَدِيَّةٌ، أَهْلُ الْحِجَازِ يُخَفِّفُونَ الْهَدْيَ، وَتَمِيمٌ يثَقِّلُونَ الْيَاءَ.
1951 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبُو نُعَيْمٍ، نَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يَقُولُ: حَدَّثَني ابْنُ أَبِي لَيْلَى، أَنَّ عَلِيًّا، حَدَّثَهُ قالَ: «أَهْدَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةَ بَدَنَةٍ، فَأَمَرَنِي بِلُحُومِهَا، فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ أَمَرَني بِجِلالِهَا، فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ بِجُلُودِهَا، فَقَسَمْتُهَا».
رَوَاهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيّ عَنْ مُجَاهِدٍ، بِإِسْنَادِهِ، وَزَادَ: «وَأَنْ لَا أَعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا»، قَالَ: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ.
قَالَ الإِمَامُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا ذَبَحَهُ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهُ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُجَوِّزْ أَنْ يُعْطِيَ الْجَزَّارَ شَيْئًا مِنْ لَحْمِ هَدْيِهِ، لِأَنَّهُ يُعْطِيهِ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا ذَبَحَهُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ أُضْحِيَةٍ، وَعَقِيقَةٍ، وَنَحْوِهَا.
وَهَذَا إِذَا أَعْطَاهُ عَلَى مَعْنَى الْأُجْرَةِ، فَأَمَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهُ، فَلا بَأْسَ بِهِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الْجَازِرَ الْجَلْدَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَشُقُّ مِنَ الْجِلالِ إِلا مَوْضِعَ السَّنَامِ، وَإِذَا نَحَرَهَا، نَزَعَ جِلالَهَا مَخَافَةَ أَنْ يُفْسِدَهَا الدَّمُ، ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، إِنَّهُ كَانَ يُجَلِّلُ بُدْنَهُ الْقَبَاطِيَّ، وَالْأَنْمَاطَ، وَالْحِلَلَ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْكَعْبَةِ، فَيَكْسُوهَا.
وَسَأَلَ مَالِكٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ: مَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَصْنَعُ بِجِلالِ بُدْنِهِ حِينَ كُسِيَتِ الْكَعْبَةُ هَذِهِ الْكِسْوَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يَتَصَدَّقُ بِهَا.

بَابُ أَكْلِ لَحْمِ الْهَدْيِ

قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الْحَج: 36]، قَوْلُهُ: «وَجَبَتْ»، أَيْ: سَقَطَتْ إِلَى الْأَرْضِ، وَالْوُجُوبُ: السُّقُوطُ، يُقَالُ دَفَعْتُهُ، فَوَجَبَ، وَوَجَبَتِ الشَّمْسُ، أَيْ: سَقَطَتْ فِي الْمَغِيبِ.
1952 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي عَطَاءٌ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدُنِنَا فَوْقَ ثَلاثِ مِنًى، فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا»، فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: قَالَ: حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: لَا.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.

قَالَ الإِمَامُ: إِذَا كَانَ الْهَدْيُ تَطَوُّعًا يَجُوزُ لِلْمُهْدِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ أُضْحِيَةُ التَّطَوُّعِ، فَأَمَّا مَا كَانَ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ مِنَ الْهَدْيِ، مِثْلُ دَمِ التَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، وَالْوَاجِبِ بِإِفْسَادِ الْحَجِّ، وَفَوَاتِهِ، وَجَزَاءِ الصَّيْدِ، فَلا يَجُوزُ لِلْمُهْدِي

أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ شَيْئًا، بَلْ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِالْكُلِّ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَكَذَلِكَ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالنَّذْرِ.
وَقَالَ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالنَّذْرِ، وَيُؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: يُؤْكَلُ مِنَ الْمُتْعَةِ، وَقَالَ الْحَكَمُ: يَأْكُلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ، وَمِنْ كُلِّ هَدْيٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إِلا مِنْ فِدْيَةِ الْأَذَى، وَجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَالْمَنْذُورِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْكُلِّ إِلا مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَالْمُنْذُورِ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ دَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَلا يَأْكُلُ مِنْ وَاجِبٍ سِوَاهُمَا.

بَابُ إِذَا عُطِبَ الْهَدْيُ

1953 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ صَاحِبَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنَ الْهَدْيِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْحَرْهَا، ثُمَّ أَلْقِ قِلادَتَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا يَأْكُلُونَهَا».
هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلا، وَرَوَاه عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ نَاجِيَةَ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنَ الْبُدْنِ؟ قَالَ: «انْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا فَيَأْكُلُونَهَا».

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُلانًا الْأَسْلَمِيَّ، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَمَانِي عَشْرَةَ بَدَنَةً، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ أُزْحِفَ عَلَيَّ مِنْهَا شَيْءٌ! قَالَ: «تَنْحَرَهَا ثُمَّ تَصْبِغُ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْهَا عَلَى صَفْحَتِهَا، وَلا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ».
قَالَ الإِمَامُ: إِذَا سَاقَ هَدْيًا، فَعَطِبَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ بُلُوغِ الْمَنْسَكِ يَذْبَحُهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ إِنْ كَانَ أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ بِنَذْرٍ لَا يَحِلُّ لَهُ، وَلا لِأَهْلِ رُفْقَتِهِ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ، فُقَرَاءَ كَانُوا أَوْ أَغْنِيَاءَ، بَلْ يَغْمِسُ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ، فَيَضْرِبُ صَفْحَةَ سَنَامِهِ، وَيُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ.
وَذَلِكَ لِيَعْلَمَ مَنْ مَرَّ بِهِ أَنَّهُ هَدْيٌ، فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا أَكَلَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُحَلَّ لِأَهْلِ رُفْقَتِهِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَنْحَرَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِذَا قَرِمَ إِلَى اللَّحْمِ، وَيَعْتَلُّ بِعَلَّةِ الْعَطَبِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ عَيَّنَهُ عَنْ وَاجِبٍ فِي ذِمَّتِهِ بِنَذْرٍ، أَوْ هَدْيٍ لَزِمَهُ بِتَمَتُّعٍ، أَوْ قِرَانٍ، أَوْ وَاجِبٍ فِي الْحَجِّ، فَلَهُ أَنْ يَتَمَوَّلَهُ وَأَكَلَهُ إِذَا عَطِبَ، وَالْأَصْلُ فِي ذِمَّتِهِ.

وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، فَذَهَبَ بَضْعُهُمْ إِلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَمَوَّلَهُ وَيَأْكُلَهُ، وَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ كَالإِيجَابِ، فَيَذْبَحُهُ وَلا يَحِلُّ لَهُ وَلا لِأَهْلِ رُفْقَتِهِ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَمَنْ أَكَلَ مِنْهُ شَيْئًا، غَرِمَهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَهُوَ قَوْلُ أحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَهْدَى بَدَنَةً، فَضَلَّتْ، أَوْ مَاتَتْ، فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ نَذْرًا أَبْدَلَهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا، فَإِنْ شَاءَ أَبْدَلَهَا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا.
قَالَ الإِمَامُ: أَرَادَ بِالنَّذْرِ إِذَا كَانَ قَدْ عَيَّنَ عَنْ وَاجِبٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِذَا ضَلَّتْ، أَوْ مَاتَتْ، فَالْأَصْلُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ أَوْجَبَهَا ابْتِدَاءًا، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ وَجَدَهَا بَعْدَ الضَّلالِ ذَبَحَهَا.

بَابُ رُكُوبِ الْهَدْيِ

1954 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ لَهُ: «ارْكَبْهَا»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا وَيْلَكَ» فِي الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.
1955 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبَّهٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَدَنَةً مُقَلَّدَةً،

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ارْكَبْهَا»، فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «وَيْلَكَ ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ ارْكَبْهَا».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ سَاقَ بَدَنَةً هَدْيًا، جَازَ لَهُ رُكُوبُهَا غَيْرَ مُضِرٍّ بِهَا، وَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَرْكَبُهَا إِلا أَنْ يَضْطَرَّ إِلَيْهِ، لِمَا 1956 - أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عبْدِ اللَّهِ، سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَرْكَبُهَا، فَإِنْ فَعَلَ لِضَرُورَةٍ، وَنَقَصَهَا الرُّكُوبُ، ضِمْنَ النُّقْصَانِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ.
وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: إِذَا اضْطَرَرْتَ إِلَى بَدَنَتِكَ، فَارْكَبْهَا رُكُوبًا غَيْرَ فَادِحٍ، وَإِنِ اضْطَرَرْتَ إِلَى لَبَنِهَا، فَاشْرَبْ مَا بَعْدَ ري فَصِيلِهَا، فَإِذَا

نَحَرْتَهَا، فَانْحَرْ فَصِيلَهَا مَعَهَا.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِذَا أَنَتَجَتِ الْبَدَنَةُ، فَلْيَحْمِلْ وَلَدَهَا حَتَّى يُنْحَرَ مَعَهَا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَحْمَلٌ، فَلْيَحْمِلْ عَلَى أُمِّهِ حَتَّى يُنْحَرَ مَعَهَا.
قَالَ الإِمَامُ: وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ الْهَدْيَ إِذَا وَلَدَتْ، يُذْبَحُ الْوَلَدُ مَعَهَا، وَيَجُوزُ شُرْبُ لَبَنِهَا بَعْدَ الْفَضْلِ عَنْ رَيِّ الْوَلَدِ.
قَالَ الإِمَامُ: وَالْهَدْيُ الْوَاجِبُ بِالشَّرْعِ، أَوْ بِالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ مُخْتَصٌّ بِالنَّعَمِ، وَهِيَ الإِبِلُ، وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، فَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَهْدِيَ شَيْئًا آخَرَ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ مَتَاعٍ يَلْزَمُ، وَعَلَيْهِ حَمْلُهُ إِلَى مَكَّةَ، وَالتَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِهَا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ نَقْلُهُ، بَاعَهُ، وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُهْدِيَ بِالذُّكُورِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَهْدَى عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي هَدَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَلا كَانَ لِأَبِي جَهْلٍ، فِي رَأْسِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، يَغِيظُ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ».

وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الذُّكُورَ مِنَ الإِبِلِ.
وَتَجُوزُ الْبَدَنَةُ وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَلا تَجُوزُ الشَّاةُ إِلا عَنْ وَاحِدٍ، رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ذَبَحَ عَمَّنِ اعْتَمَرَ مِنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً بَيْنَهُنَّ».
وَالسُّنَّةُ أَنْ تُنْحَرَ الإِبِلُ قِيَامًا، لِمَا 1957 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ، أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَةً يَنْحَرُهَا، قَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ.

هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَالسُّنَّةُ أَنْ يَذْبَحَهَا الْمُهْدِي بِيَدِهِ إِنْ قَدِرَ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَيْنَا عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَاقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةَ بَدَنَةً، فَنَحَرَ مِنْهَا ثَلاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ.
1958 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّحَّانُ، أَنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشٍ، أَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نَا أَبُو عُبَيْدٍ، حَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لُحَيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ أَفْضَلَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ»، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِبَدَنَاتٍ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ، فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرْطٍ: فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفيَّةٍ، فَلَمْ أَفْهَمْهَا، فَسَأَلْتُ الَّذِي يَلِيهِ، فَقَالَ: قَالَ: «مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ».
قَوْلُهُ: «الْقِرُّ»، هُوَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، سُمِّيَ بِهِ، لِأَنَّهُ أَهْلُ الْمَوْسِمِ

يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَعَرَفَةَ، وَالنَّحْرِ فِي تَعَبٍ مِنَ الْحَجِّ، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ قَرُّوا بِمِنًى.
وَقَوْلُهُ: «يَزْدَلِفْنَ»، أَيْ: يَقْتَرِبْنَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: 90].
وَفِي قَوْلِهِ: «مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ»، دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ هِبَةِ الْمُشَاعِ، وَفِيهِ دِلالَةٌ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ النُّثَارِ فِي عَقْدِ الإِمْلاكِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النُّهْبَى الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَكَرِهَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ خَوْفًا أَنْ يَدْخُلَ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ النُّهْبَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
1959 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَهْدَى هَدْيًا مِنَ الْمَدِينَةِ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، يُقَلِّدُهُ قَبْلَ أَنْ يُشْعِرَهُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُوَجِّهُهُ لِلْقِبْلَةِ يُقَلِّدُهُ نَعْلَيْنِ، وَيُشْعِرُهُ مِنَ الشِّقِّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ يُسَاقُ مَعَهُ حَتَّى يُوقَفَ بِعَرَفَةَ مَعَ النَّاسِ، ثُمَّ يَدْفَعَ بِهِ، فَإِذَا قَدِمَ مِنًى غَدَاةَ النَّحْرِ، نَحَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، وَكَانَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ، يَصُفُّهُنَّ قِيَامًا، وَيُوَجِّهُهُنَّ لِلْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ».
وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ إِذَا وَخَزَ فِي سَنَامِ بَدَنِهِ، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
قَالَ مَالِكٌ: مَنِ اشْتَرَى الْهَدْيَ بِمَكَّةَ يُخْرِجُهُ إِلَى الْحِلِّ، ثُمَّ يَسُوقُهُ إِلَى مَكَّةَ، فَيُنْحَرُ بِهَا.

بَابُ الْحَلْقِ وَالْتَقْصِيرِ

قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الْحَج: 29]، قِيلَ: مَعْنَاهُ: لِيُزِيلُوا أَدْرَانَهُمْ، قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِآخَرَ: مَا أَتْفَثَكَ، أَيْ: مَا أَدْرَنَكَ، وَقِيلَ التَّفَثُ: الْأَخْذُ مِنَ الشَّارِبِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ.
وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: التَّفَثُ فِي كَلامِ الْعَرَبِ: إِذْهَابُ الشَّعَثِ.
1960 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرَبْرِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، نَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَخْبَرَهُ ابْنُ عُمَرَ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «حَلَقَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ

إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
1961 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.
وَإِنَّمَا قَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحَلِّقِينَ فِي الدُّعَاءِ، مَعَ أَنَّ التَّقْصِيرَ جَائِزٌ، لِمُبَادَرَتِهِمْ إِلَى طَاعَتِهِ حِينَ أَمَرَ مِنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ بِالإِحْلالِ، وَالْمُقْصِرُونَ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَأَحَبُّوا أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي الْمَقَامِ عَلَى إِحْرَامِهِمْ، فَلَمَّا لَمْ يَرَوْا بُدًّا مِنَ الإِحْلالِ

جارٍ التحميل