كِتَابُ الْقِصَاصِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البغوي ، أبو محمد
- الكتاب
- شرح السنة
- المؤلف
- محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1403هـ - 1983م
- عدد الأجزاء
- 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ: إِنَّمَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، إِذَا وُجِدَ فِعْلُ الْكُلِّ فِي قَطْعِ جَمِيعِ الْيَدِ، بِأَنْ وَضَعُوا السِّكِّينَ عَلَيْهَا، وَتَحَامَلُوا عَلَيْهِ حَتَّى أَبَانُوا الْيَدَ، فَأَمَّا إِذَا قَطَعَ وَاحِدٌ مِنْ جَانِبٍ، وَالآخَرُ مِنْ جَانِبٍ حَتَّى الْتَقَى السِّكِّينَانِ، فَلا تُقْطَعُ أَيْدِيهِمَا بِهِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الأَطْرَافَ لَا تُقْطَعُ بِطَرَفِ وَاحِدٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَوْ قَتَلَ وَاحِدٌ جَمَاعَةً، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، يُقْتَلُ الْقَاتِلُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ دِيَةُ الْبَاقِينَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ وَاحِدٌ أَيْدِيَ جَمَاعَةٍ، تُقْطَعُ يَدُهُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمْ، وَعَلَيْهِ دِيَةُ الْبَاقِينَ، وَعِنْدَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ يُقْتَلُ الْوَاحِدُ بِالْجَمَاعَةِ، وَلا يَجِبُ شَيْءٌ مِنَ الدِّيَةِ، كَمَا يُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ.
وَلَوْ قَطَعَ أَيْدِيَ جَمَاعَةٍ، تُقْطَعُ يَدُهُ بِهِمْ جَمِيعًا، وَيُكَمِّلُ حُقُوقَهُمْ بِالدِّيَةِ، وَإِذَا اشْتَرَكَ رَجُلانِ فِي قَتْلِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَأَحَدُهُمَا مُخْطِئٌ، فَلا قِصَاصَ عَلَى الْعَامِدِ فِي النَّفْسِ بِالاتِّفَاقِ.
وَلَوْ شَارَكَ الأَبُ أَجْنَبِيًّا فِي قَتْلِ الْوَلَدِ، فَلا قِصَاصَ عَلَى الأَبِ، وَيُقْتَلُ بِهِ الأَجْنَبِيُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا قِصَاصَ عَلَى شَرِيكِ الأَبِ، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى شَرِيكِ الْخَاطِئِ، وَفَرَّقَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ شُبْهَةَ الأُبُوَّةِ فِي ذَاتِ الأَبِ، وَذَاتُهُ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ ذَاتِ شَرِيكِهِ، فَلَمْ تَصِرْ شُبْهَةً فِي حَقِّ الشَّرِيكِ، وَشُبْهَةُ نَفْسِ الْخَطَإِ فِي الْفِعْلِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُوصَفُ الْفِعْلُ بِالْخَطَإِ، وَفِعْلُ الْخَاطِئِ وَالْعَامِدِ مُجْتَمِعَانِ فِي مَحَلِّ الْقَتْلِ، فَانْتَصَبَ شَبَهةً فِي مَنْعِ الْقَوَدِ فِي النَّفْسِ.
وَلَوْ أَمْسَكَ رَجُلا حَتَّى قَتَلَهُ الآخَرُ، فَلا قَوَدَ عَلَى الْمُمْسِكِ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ أَمْسَكَ امْرَأَةً حَتَّى زَنَى بِهَا آخَرُ، لَا حَدَّ عَلَى الْمُمْسِكِ، وَقَالَ مَالِكٌ:
إِذَا أَمْسَكَهُ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ، قُتِلا جَمِيعًا، وَإِنْ أَمْسَكَهُ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ الضَّرْبَ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الضَّارِبُ، وَيُعَاقَبُ الْمُمْسِكُ أَشَدَّ الْعُقُوبَةِ، وَيُسْجَنُ سَنَةً.
بَابُ الدِّيَةِ
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النِّسَاء: 92].
2536 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح، وَأَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَلا إِنَّ فِي قَتِيلِ الْعَمْدِ الْخَطَإِ بِالسَّوْطِ أَوِ الْعَصَا مِائَةً مِنَ الإِبِلِ مُغَلَّظَةً، مِنْهَا أَربَعُونَ خلفة فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا»
قَالَ الإِمَامُ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ ثُمَّ هِيَ فِي الْعَمْدِ الْمَحْضِ مُغَلَّظَةٌ فِي مَالِ الْقَاتِلِ حَالَّةٌ، وَفِي شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةٌ، وَفِي الْخَطَإِ مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةٌ، وَالتَّغْلِيظُ وَالتَّخْفِيفُ يَكُونُ فِي أَسْنَانِ الإِبِلِ، فَالدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ أَثْلاثٌ، مِنْهَا ثَلاثُونَ حِقَّةً، وَثَلاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خِلْفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ أَرْبَاعٌ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَهُوَ قَوْلُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
أَمَّا دِيَةُ الْخَطَإِ، فَأَخْمَاسٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَقْسِيمِهَا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً.
حُكِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبْدَلَ قَوْمٌ بَنِي اللَّبُونِ بِبَنِي الْمَخَاضِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ خِشْفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دِيَةِ الْخَطَإِ عِشْرِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرِينَ بَنِي مَخَاضٍ ذُكُورٍ، وَعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرِينَ جَذَعَةً، وَعِشْرِينَ حِقَّةً».
وَعَدَلَ الشَّافِعِيُّ عَنْ هَذَا، لأَنَّ خِشْفَ بْنَ مَالِكٍ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ إِلا بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَدَى قَتِيلَ خَيْبَرَ بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ».
وَلَيْسَ فِي أَسْنَانِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ابْنُ مَخَاضٍ، إِنَّمَا فِيهَا ابْنُ لَبُونٍ، عِنْدَ عَدَمِ بِنْتِ الْمَخَاضِ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ أَرْبَاعٌ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ أَثْلاثًا: ثَلاثٌ وَثَلاثُونَ حِقَّةً، وَثَلاثٌ وَثَلاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلاثُونَ ثَنِيَّةً إِلَى بَازِلِ عَامِهَا كُلِّهَا خِلْفَةٌ.
قَالَ الإِمَامُ: وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ فِي الْقَتْلِ، وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْقَتْلَ لَا يَكُونُ إِلا عَمْدًا مَحْضًا، أَوْ خَطَأً مَحْضًا، فَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ، فَلا يُعْرَفُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَيَسْتَدِلُّ أَبُو حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ بِالْمُثَقَّلِ شِبْهُ عَمْدٍ، لَا يُوجِبُ
الْقِصَاصَ، وَلا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ، لأَنَّ الْحَدِيثَ فِي السَّوْطِ وَالْعَصَا الْخَفِيفِ الَّذِي لَا يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ، وَذَلِكَ الْغَالِبُ مِنْ أَمْرِ السِّيَاطِ وَالْعِصِيِّ أَنَّهَا تَكُونُ خَفِيفَةً، وَالْقَتْلُ الْحَاصِلُ بِهِ يَكُونُ قَتْلا بِطَرِيقِ شِبْهِ الْعَمْدِ، فَأَمَّا الْمُثَقَّلُ الْكَبِيرُ، فَمُلْحَقٌ بِالْمُحَدَّدِ الَّذِي هُوَ مُعَدُّ لِلْقَتْلِ.
2537 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح، وَأَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا مُسْلِمٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَعَنْ مَكْحُولٍ، وَعَطَاءٍ، قَالُوا: «أَدْرَكْنَا النَّاسَ عَلَى أَنّ دِيَةَ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، فَقَوَّمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ تِلْكَ الدِّيةَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى أَلْفَ دِينَارٍ، أَوِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
وَدِيَةُ الْحُرَّةِ المُسْلِمَةِ إِذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى خَمْسُ مِائَةِ دِينَارٍ، أَوْ سِتَّةُ آلافِ دِرْهَمٍ، فَإِذَا كَانَ الَّذِي أَصَابَهَا مِنَ الأَعْرَابِ، فَدِيَتُهَا خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ لَا يُكَلَّفُ الأَعْرَابِيُّ الذَّهَبَ وَلا الْوَرِقَ»
قَالَ الإِمَامُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الدِّيَةِ، وَفِي قَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهَا
مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الأَصْلَ فِيهَا الإِبِلُ، فَإِذَا أَعْوَزَتْ تَجِبُ قِيمَتُهَا مَا بَلَغَتْ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يُقِيمُ الإِبِلَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى أَرْبَع مِائَةِ دِينَارٍ، أَوْ عِدْلَهَا مِنَ الْوَرِقِ، وَيُقَسِّمُهَا عَلَى أَثْمَانِ الإِبِلِ، فَإِذَا غَلَتْ، رَفَعَ فِي قِيمَتِهَا، وَإِذَا هَانَتْ نَقَصَ، وَبَلَغَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَيْنَ أَرْبَعِ مِائَةِ دِينَارٍ إِلَى ثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَعِدْلِهَا مِنَ الْوَرِقِ ثَمَانِيَةِ آلافِ دِرْهَمٍ».
وَتَأَوَّلَ الشَّافِعِيُّ حَدِيثَ عُمَرَ عَلَى أَنَّ قِيمَةَ الإِبِلِ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ فِي زَمَانِهِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَلْفَ دِينَارٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ «كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِ مِائَةِ دِينَارٍ، وَثَمَانِيَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَئِذٍ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ»، قَالَ: " فَكَانَ كَذَلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: إِنَّ الإِبِلَ قَدْ غَلَتْ، قَالَ: فَفَرَضَهَا عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاةِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ ".
وَقَالَ: «وَتَرَكَ دِيَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَرْفَعْهَا فِيمَا رَفَعَ مِنَ الدِّيَةِ».
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى التَّقْدِيرِ بِالَّذِي قَدَّرَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ إِعْوَازِ الإِبِلِ، فَأَوْجَبَ أَلْفَ دِينَارٍ، أَوِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلا مِنْ بَنِي عَدِيٍّ قُتِلَ، «فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا».
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الدِّيَةِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ، أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا مِائَةٌ
مِنَ الإِبِلِ، أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ، أَوْ عَشَرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ: عَلَى أَهْلِ الإِبِلِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ أَلْفُ دِينَارٍ، أَوْ عَشَرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَا بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَا شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَةُ حُلَّةٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي الْبَقَرِ، وَالْغَنَمُ، وَلَمْ يُوجِبِ الآخَرُونَ الْبَقَرَ، وَالْغَنَمَ وَالْحُلَلَ فِي الدِّيَةِ.
وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَكَذَلِكَ فِي دِيَةِ الأَعْضَاءِ، وَدِيَةُ الْخَطَإِ تُغَلَّظُ فِي ثَلاثِ مَوَاضِعَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ: إِذَا قَتَلَ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ، أَوْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، أَوْ قَتَلَ ذَا رَحِمٍ مُحْرِمٍ، فَيَجِبُ فِيهِ مَا يَجِبُ فِي قَتْلِ شِبْهِ الْعَمْدِ.
وَكَذَلِكَ فِي بَدَلِ الطَّرَفِ، وَإِذَا أَوْجَبَ الْبَدَلَ الْمُقَدَّرَ مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَوِ الدَّنَانِيرِ زَادَ عَلَيْهِ الثُّلُثَ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ قَضَى فِي امْرَأَةٍ، وُطِئَتْ بِمَكَّةَ بِدِيَةٍ وَثُلُثٍ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا لَا تُغَلَّظُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُمَا سُئِلا: أَتُغَلَّظُ الدِّيَةُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ؟ فَقَالا: لَا، وَلَكِنْ تُزَادُ لِلْحُرْمَةِ.
فَقِيلَ لِسَعِيدٍ: " هَلْ تُزَادُ فِي الْجِرَاحِ كَمَا تُزَادُ فِي النَّفْسِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
بَابُ دِيةِ الأَعضَاءِ
2538 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ،
عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الْعُقُولِ: «أَنَّ فِي النَّفسِ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الأَنْفِ إِذَا أُوعِيَ جَدْعًا مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ النَّفْسِ، وَفِي الْجَائِفَةِ مِثْلُهَا، وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ، وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ ممَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ»
قَوْلُهُ: «أُوعِيَ جَدْعًا»، وَيُرْوَى «أُوعِبَ جَدْعًا» أَيِ: اسْتَؤْصِلَ جَدْعًا.
2539 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ» وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصَرِ وَالإِبْهَامِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ
وَيُرْوَى عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الأَصَابِعُ سَوَاءٌ، وَالأَسْنَانُ سَوَاءٌ، الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ»، وَعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابِعَ الْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءً»
2540 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا شُعْبَةُ، عَنْ غَالِبٍ التَّمَّارِ، سَمِعْتُ أَوْسَ بْنَ مَسْرُوقٍ، أَوْ مَسْرُوقَ بْنَ أَوْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ، عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الأَصَابِعُ سَوَاءٌ» قُلْتُ: عَشْرٌ عَشْرٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ».
وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ، عَنْ شُعْبَةَ: مَسْرُوق بْنُ أَوْسٍ
2541 - وَرُوِيَ عَنْ حُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «فِي الْمَوَاضِحِ خَمسٌ خَمْسٌ، وَفِي الأَسْنَانِ خَمْسٌ خَمْسٌ، وَفِي الأَصَابِعِ عَشْرٌ عَشْرٌ»
قَالَ الإِمَامُ: ثَلاثَةُ عَشَرَ عُضْوًا فِي الْبَدَنِ يَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا كَمَالُ دِيَةِ النَّفْسِ، أَحَدُهَا: مَارِنُ الأَنْفِ: وَهُوَ مَا لانَ مِنْهَا إِذَا قُطِعَ كُلُّهَا، فَفِيهَا كَمَالُ بَدَلِ النَّفْسِ، وَهُوَ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ،
وَفِي رَوْثَةِ الأَنْفِ بِقَدْرِهَا مِنَ الدِّيَةِ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي رَوْثَةِ الأَنْفِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَمَكْحُولٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي الرَّوْثَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَرُوِيَ عَنْ زَيْدٍ، قَالَ: فِي الْوَتَرَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهِيَ الْحَاجِزُ بَيْنَ الْمِنْخَرَيْنِ.
الثَّانِي: أَجْفَانُ الْعَيْنَيْنِ: وَهِيَ الْجُلُودُ الَّتِي تَنْطَبِقُ عَلَى الْحَدَقَةِ يَجِبُ فِيهَا كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي جَفْنَيْ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي وَاحِدٍ مِنْهَا رُبْعُ الدِّيَةِ.
الثَّالِثُ: الأُذُنَانِ فِيهِمَا كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُهَا.
الرَّابِعُ: الشَّفَتَانِ، وَهِيَ الْمُتَجَافِي مِمَّا يَسْتُرُ اللَّثَةَ مِنْ أَعْلَى وَأَسْفَلَ مُسْتَدِيرًا بِالْفَمِ، فَفِيهِمَا كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُهَا، يَسْتَوِي فِيهِ الْعُلْيَا وَالسُّفْلَى، وَإِنْ كَانَ الشَّيْنُ فِي قَطْعِ بَعْضِهَا أَكْثَرَ، كَالْيَدَيْنِ، يَسْتَوِيَانِ فِي الدِّيَةِ مَعَ تَفَاوُتِهمَا فِي الْمَنْفَعَةِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: فِي الشِّفَةِ السُّفْلَى ثُلُثَا الدِّيَةِ.
الْخَامِسُ: اللِّسَانُ.
وَالسَّادِسُ: الأَسْنَانُ يَجِبُ فِيهَا كَمَالُ الدِّيَةِ، فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ.
وَالسَّابِعُ: اللَّحْيَانِ، وَهُمَا الْعَظْمَانِ الْمُتَقَابِلانِ عَلَيْهِمَا نَبَاتُ الأَسْنَانِ السُّفْلِي، وَمُلْتَقَاهُمَا الذَّقَنُ، فَفِيهِمَا كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَلَوْ قَلَعَهُمَا وَعَلَيْهِمَا الأَسْنَانُ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُمَا، وَلِكُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ.
وَالثَّامِنُ: الْيَدَانِ، يَجِبُ فِيهِمَا كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفَهَا، وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ يَقْطَعُهَا عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ، وَكَذَلِكَ أَصَابِعُ الرِّجلِ، وَإِذَا قَطَعَ أُنْمُلَةً مِنْ أَنَامِلِهِ، فَفِيهَا ثُلُثُ دِيَةِ أُصْبُعٍ، إِلا أُنْمَلَةَ الإِبْهَامِ، فَفِيهَا نِصْفُ دِيَةِ إِصْبَعٍ، لأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا إِلا أُنْمُلَتَانِ، وَلا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنَامِلِ الْيَدِ أَوِ الرِّجْلِ.
وَالتَّاسِعُ: الرِّجْلانِ، فِيهِمَا كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُهَا.
وَالْعَاشِرُ: الأَلْيَتَانِ: وَهُمَا مَا أَشْرَفَ عَلَى الظَّهْرِ مِنَ الْمَأْكَمَتَيْنِ إِلَى اسْتِوَاءِ الْفَخْذَيْنِ، فَإِذَا قَطَعَ مَا أَشْرَفَ مِنْهَا يَجِبُ فِيهَا كَمَالُ الدِّيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى الْعَظْمِ، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُهَا.
وَالْحَادِي عَشَرَ: الْحَشْفَةُ مِنَ الرَّجُلِ، إِذَا قَطَعَهَا يَجِبُ فِيهَا كَمَالُ الدِّيَةِ، وَإِذَا قَطَعَ بَعْضَهَا، فَفِيهَا بِقَدْرِهَا.
وَالثَّانِي عَشَرَ: الأُنْثَيَانِ يَجِبُ فِيهِمَا كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُهَا، سَوَاءُ قَطَعَ الْيُمْنَى أَوِ الْيُسْرَى، كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لَا يُفَضَّلُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى.
وَالثَّالِثَ عَشَرَ: إِذَا كَسَرَ صُلْبَهُ، بِحَيْثُ لَمْ يُطِقِ الْمَشْيَ، فَفِيهَا كَمَالُ الدِّيَةِ، وَلَوْ ضَرَبَ عَلَى يَدِهِ، أَوْ رِجْلِهِ، أَوْ ذَكَرِهِ، أَوْ أُذُنِهِ، أَوْ أَجْفَانِهِ، أَوْ لِسَانِهِ، أَوْ شَفَتَيْهِ، فَأَشَلَّهَا، فَهُوَ كَقَطْعِهَا فِي وُجُوبِ دِيَتِهَا.
وَلَوْ ضَرَبَهُ، فَأَذْهَبَ عَقْلَهُ، يَجِبُ فِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَذْهَبَ بَصَرَهُ، أَوْ سَمْعَهُ، أَوْ شَمَّهُ، أَوْ ذَوْقَهُ، أَوْ كَلامَهُ بِجَمِيعِ حُرُوفِهِ يَجِبُ فِيهَا كَمَالُ الدِّيَةِ.
وَفِي بَصَرِ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ، أَوْ سَمْعِ إِحْدَى الأُذُنَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الأُخْرَى مِنَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ صَحِيحَةً أَوْ عَمْيَاءَ.
وَقَالَ
مَالِكٌ: إِذَا فُقِئَتْ مِنَ الأَعْوَرِ عَيْنُهُ الصَّحِيحَةُ يَجِبُ فِيهَا كَمَالُ الدِّيَةِ.
وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ.
وَفِي شُفْرَيِ الْمَرْأَةِ دِيَتُهَا، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُهَا، وَفِي حَلمَتَيْ ثَدْيِهَا دِيَتُهَا، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُهَا، وَفِي حَلَمَتَيْ ثَدْيِ الرَّجُلِ قَوْلانِ، أَحَدُهُمَا: يجَبُ كَمَالُ دِيَتِهِ كَمَا فِي حَلَمَتَيِ الْمَرْأَةِ.
وَالثَّانِي: لَا تَجِبُ إِلا الْحُكُومَةُ، لأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا مِنَ الرَّجُلِ، وَفِيهَا مَنْفَعَةُ الرِّضَاعَةِ مِنَ الْمَرْأَةِ.
وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْحَدِيثَ يُفَاوِتُ بَيْنَ دِيَاتِ الأَصَابِعِ لِتَفَاوُتِ مَنَافِعِهَا، فَيَجْعَلُ فِي الإِبْهَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ عَشْرًا، وَفِي الْبِنْصرِ تِسْعًا، وَفِي الْخِنْصَرِ سِتًّا، إِلَى أَنْ وَجَدَ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرًا مِنَ الإِبِلِ» فَأَخَذَ بِهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَجْعَلُ فِيمَا أَقْبَلَ مِنَ الأَسْنَانِ فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسًا، وَفِي الأَضْرَاسِ بَعِيرًا بَعِيرًا.
وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَالأَسْنَانِ، وَأَنَّ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرًا مِنَ الإِبِلِ، وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، كَمَا جَعَلُوا دِيَةَ الصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ، وَالضَّعِيفِ وَالْقَوِيِّ سَوَاءً.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيُتَصَوَّرُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ عَشْرُ جُرَاحَاتٍ: الْحَارِصَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ، وَتَخْدِشُهُ، يُقال: حَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ: إِذَا شَقَّهُ.
وَالدَّامِيَةُ: وَهِيَ الَّتِي تُدْمِي.
وَالْبَاضِعَةُ: وَهِيَ الَّتِي تُبْضَعُ الْجِلْدَ وَتَقْطَعُهُ.
وَالْمُتَلاحِمَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَغُورُ فِي اللَّحْمِ.
وَالْمِلْطَاةُ: وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إِلَى جِلْدَةٍ رَقِيقَةٍ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ، وَتُسَمَّى سمحاقا، فَيَجِبُ فِي هَذِهِ الْخُمْسُ الْحُكُومَةُ.
وَالْمُوضِحَةُ: وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ، فَيَجِبُ فِيهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْمُوضِحَةُ صَغِيرَةً، أَوْ كَبِيرَةً، وَلَوْ أَوْضَحَهُ مَوَاضِحَ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ وَجْهِهِ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ مُنْفَصِلَةٍ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ، يَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى اللَّحْيَ الأَسْفَلَ، وَالأَنْفَ مِنَ الرَّأْسِ فِي جِرَاحِهِمَا، لأَنَّهُمَا عَظْمَانِ مُنْفَرِدَانِ.
وَالسَّابِعَةُ: الْهَاشِمَةُ وَهِيَ الَّتِي تُهَشِّمُ الْعَظْمِ وَتَكْسِرُهُ، فَيَجِبُ فِيهَا عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ، فَإِنْ هَشَّمَ مِنْ غَيْرِ إِيضَاحٍ، فَفِيهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ.
وَالْمُنَقَّلَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَنْقِلُ الْعظم، فَفِيهَا خَمْسَةُ عَشَرَ مِنَ الإِبِلِ.
وَالْمَأْمُومَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إِلَى خَرِيطَةِ الدِّمَاغِ، وَتُسَمَّى آمَّةً، لأَنَّهَا بَلَغَتْ أُمَّ الرَّأْسِ، فَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وَالْعَاشِرَةُ: الدَّامِغَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَخْرِقُ الْخَرِيطَةَ، فَتَصِلُ إِلَى الدِّمَاغِ، فَلا تُتَصَوَّرُ الْحَيَاةُ بَعْدَهُ، فَيَجِبُ فِيهَا كَمَالُ دِيَةُ النَّفْسِ، وَتَجِبُ فِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهِيَ أَنْ يَضْرِبَ فِي ظَهْرِهِ، أَوْ بَطْنِهِ، أَوْ صَدْرِهِ، فَتَنْفُذُ إِلَى جَوْفِهِ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنَ الْجَانِبِ الآخَرِ، فَهِيَ جَائِفَتَانِ، فَفِيهِمَا ثُلُثَا الدِّيَةِ، فَأَمَّا الْمُوضِحَةُ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ، فَتُوجِبُ الْحُكُومَةَ،
وَكَذَلِكَ لَوْ كَسَرَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ سِوَى السِّنِّ مِنْ ضِلْعٍ أَوْ تُرْقُوَةٍ، أَوْ قَطَعَ يَدًا شَلاءَ، أَوْ لِسَانًا أَخْرَسَ، أَوْ قَلَعَ حَدَقَةَ أَعْمَى، أَوْ قَطَعَ أُصْبُعًا زَائِدَةً، أَوْ سِنًّا شَاغِيَةً، يجَبُ فِيهَا الْحُكُومَةُ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى فِي التُّرْقُوَةِ بِجَمَلٍ، وَفِي الضِّلْعِ بِجَمَلٍ، وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَقُولُ: فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ مِائَةُ دِينَارٍ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى طَرِيقِ الْحُكُومَةِ، وَالْحُكُومَةُ هِيَ أَنْ يُقَالَ: لَو كَانَ هَذَا الْمَجْرُوحُ عَبْدًا كَمْ كَانَ يَنْتَقِصُ بِهَذِهِ الْجِرَاحَةِ مِنْ قِيمَتِهِ، فَيَجِبُ مِنْ دِيَتِهِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ.
وَحُكُومَةُ كُلِّ عُضْوٍ لَا تَبْلُغُ بَدَلَهُ الْمُقَدَّرَ حَتَّى لَوْ جَرَحَ رَأْسَهُ جِرَاحَةً
دُونَ الْمُوضِحَةِ، لَا تَبْلُغُ حُكُومَتُهَا أَرْشَ الْمُوضِحَةِ، وَإِنْ قَبِحَ شِينُهَا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: كُلُّ نَافِذَةٍ فِي عُضْوٍ مِنَ الأَعْضَاءِ، فَفِيهَا ثُلُثُ دِيَةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ.
وَلَوْ قَطَعَ كَفًّا لَا أُصْبُعَ عَلَيْهَا، فَفِيهَا الْحُكُومَةُ، وَلَوْ قَطَعَ يَدًا صَحِيحَةً مِنَ الْكُوعِ، فَتَدْخُلُ حُكُومَةُ الْكَفِّ فِي دِيَةِ الأَصَابِعِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ حَرْبٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا تَجِبُ فِي الْيَدِ نِصْفُ الدِّيَةِ مَا لَمْ يَقْطَعْهَا مِنَ الْمَنْكِبِ، وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلافِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ قَدَمًا لَا أَصَابِعَ عَلَيْهَا، فَفِيهَا الْحُكُومَةُ، فَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً، فَفِيهَا الدِّيَةُ وَحُكُومَةُ الْقَدَمِ تَتْبَعُهَا، فَإِنْ قَطْعَ الْيَدَ مِنَ الْمِرْفَقِ، أَوِ الرِّجْلِ مِنَ الرُّكْبَةِ، فَفِيهَا الدِّيَةُ مَعَ حُكُومَةٍ لِلسَّاعِدِ وَالسَّاقِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْيَدِ الشَّلاءِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا، أَنَّهُ قَالَ: «فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ»، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ «قَضَى فِي التَّرْقُوةِ بِجَمَلٍ، وَفِي الضِّلْعِ بِجَمَلٍ».
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عُمَرَ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْحُكُومَةِ، لَا أَنَّ فِيهَا بَدَلا مُقَدَّرًا.
وَدِيَةُ أَطْرَافِ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ أَطْرَافِ الرَّجُلِ عِنْدَ أَكْثَرِ
أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: الْمَرْأَةُ تُعَاقِلُ الرَّجُلَ إِلَى ثُلُثِ دِيَتِهَا، وَمِثْلُهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ الدِّيَةِ، كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِيهَا عَلَى النِّصْفِ مِنَ الرَّجُلِ حَتَّى قَالُوا: فِي ثَلاثِ أَصَابِعَ مِنْهَا ثَلاثُونَ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي أَرْبَعِ أَصَابِعَ عِشْرُونَ.
وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الثُّلُثِ، فَإِذَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، فَعَلَى النِّصْفِ.
وَبَدَلُ أَطْرَافِ الْعَبْدِ يُعْتَبَرُ بِقِيمَةِ نَفْسِهِ، حَتَّى لَوْ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ يَجِبُ فِيهَا نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَإِنْ قَطَعَ يَدَيْهِ، فَفِيهَا كَمَالُ قِيمَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ فِيهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ كَمَا فِي الْبَهَائِمِ، وَقَالَ مَالِكٌ: فِي مُوضِحَةِ الْعَبْدِ نِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِهِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ عُشْرٌ وَنِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ، وَالْجَائِفَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ ثَمَنِهِ، وَفِيمَا سِوَى هَذِهِ الأَرْبَعِ مِمَّا يُصَابُ مِنَ الْعَبْدِ قَدْرَ مَا نقص مِنْ ثَمَنِهِ.
بَابُ دِيَةِ أَهلِ الْكِتَابِ
2542 - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، أَنا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ بِلالٍ، نَا أَبُو الأَزْهَرِ أَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ بْنِ مَنِيعٍ الْعَبْدِيِّ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، نَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ عَامَ الْفَتْحِ، ثمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا حِلْفَ فِي الإِسْلامِ، وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّ الإِسْلامَ لَا يَزِيدُهُ إِلا شِدَّةً، الْمُؤْمِنُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقصَاهُمْ، يَرُدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعِيدَتِهِمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، دِيَةُ الْكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، لَا جَلَبَ وَلا جَنَبَ، وَلا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلا فِي دُورِهِمْ»
قَوْلُهُ: «لَا حِلْفَ فِي الإِسْلامِ» قَدْ صَحَّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا حِلْفَ فِي الإِسْلامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِليَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإِسْلامُ إِلا شِدَّةً».
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: «لَا حِلْفَ فِي الإِسْلامِ» يُرِيدُ عَلَى مَا كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَانُوا يَتَوَاضَعُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِآرَائِهِمْ.
قَالَ الإِمَامُ: كَانَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِمَعْنَى الأُخُوَّةِ يَبْنُونَ عَلَيْهَا أَشْيَاءَ جَاءَ الشَّرْعُ بِإِبْطَالِهَا، وَالأُخُوَّةُ فِي الإِسْلامِ
ثَابِتَةٌ عَلَى حُكْمِ الشَّرْعِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «حَالَفَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِي».
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَعْنَى حَالَفَ، أَيْ: آخَى، وَإِلا فَلا حِلْفَ فِي الإِسْلامِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ الإِمَامُ: يَعْنِي عَلَى مَا كَانَ مِنْ حُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي دِيَةِ الْيَهُودِيِّ، وَالنَّصْرَانِيِّ إِذَا كَانَ ذِمِّيًّا أَوْ مُعَاهِدًا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ دِيَتَهُ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ دِيَتَهُ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَحْمَدُ، غَيْرَ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إِذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا لَمْ يُقَدْ بِهِ، وَيُضَاعَفُ عَلَيْهِ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ دِيَتَهُ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَهُوَ قَوْلُ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: دِيَةُ الْيَهُودِيِّ، وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةُ آلافِ، وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِ مِائَةِ.
وَهَذَا قَوْلُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، إِنَّ دِيَةَ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ.
قَالَ الإِمَامُ: وَدِيَةُ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ إِذَا دَخَلُوا إِلَيْنَا بِأَمَانٍ مِثْلُ دِيَةِ الْمَجُوسِيِّ.
وَقَوْلُهُ: «لَا جَلَبَ وَلا جَنَبَ»، فَالْجَلَبُ يَكُونُ فِي شَيْئَيْنِ: يَكُونُ فِي سِبَاقِ الْخَيْلِ، وَهُوَ أَنْ يَتْبَعَ الرَّجُلَ فَرَسَهُ، وَيَجْلبُ عَلَيْهِ، وَيَزْجُرُهُ الزَّجْرَ الَّذِي يَزِيدُ فِي شَأْوِهِ، فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُرْكِضَا فَرَسَيْهِمَا بِتَحْرِيكِ اللِّجَامِ، وَالاسْتِحْثَاثَ بِالضَّرْبِ بِالسَّوْطِ مِنْ غَيْرِ إِجْلابٍ بِالصَّوْتِ.
وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنْ يَجْتَمِعَ قَوْمٌ، فَيَصْطَفُّوا وُقُوفًا مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَيَجْلِبُوا فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْجَلَبِ فِي الصَّدَقَاتِ، وَهُوَ أَنْ يَقْدَمَ السَّاعِي، فَيَنْزِلَ مَوْضِعًا، ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَى أَرْبَابِ الْمَوَاشِي لِيَجْلِبُوا إِلَيْهِ مَوَاشِيهِمْ، فَيَأْخُذُ صَدَقَتَهَا، فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ، بَلْ يَحْضُرُ السَّاعِي دُورَهُمْ، فَإِذَا أَوْرَدُوا الْمَاشِيَةَ الْمَاءَ، أَخَذَ صَدَقَتَهَا عَلَى مِيَاهِهَا، وَإِذَا جَزَأَتِ الْمَاشِيةُ عَنِ الْمَاءِ حَضَرَ بُيُوتَهُمْ، فَأَخَذَهَا فِي أَفْنِيَتِهِمْ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «وَلا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلا فِي دُورِهِمْ».
وَأَمَّا الْجَنَبُ، فَيُفَسَّرُ أَيْضًا عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: هُوَ أَنْ يَجْنُبَ فَرَسًا
عُرْيًا إِلَى فَرَسِهِ الَّذِي يُسَابِقُ عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا فَتَرَ الْمَرْكُوبُ، تَحَوَّلَ مِنْهُ إِلَى الْمَجْنُوبِ، يُقَالُ: جَنُبْتُ الْفَرَسَ أَجْنُبُهُ: إِذَا قُدْتُهُ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الصَّدَقَةِ وَهُوَ أَنَّ أَرْبَابَ الأَمْوَالِ لَا يَجْنُبُونَ، أَيْ: لَا يَبْعُدُونَ عَنْ مَوَاضِعِهِمْ، فَيَشُقُّ عَلَى الْمُصَدِّقِ اتِّبَاعُهُمْ وَطَلَبُهُمْ.
بَابُ دِيَةِ الجَنِينِ
2543 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ " قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لحْيَان سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، ثمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَالْعَقْلُ عَلَى عَصَبَتِهَا ". هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ
2544 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، " أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغُرَّةٍ: عَبدٍ، أَوْ وَلِيدٍ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ
وَالْغُرَّةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: أَنْفَسُهُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ: النَّسَمَةُ مِنَ الرَّقِيقِ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى يَكُونُ ثَمَنُهَا نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلاءِ: الْغُرَّةُ: عَبْدٌ أَبْيَضُ، أَوْ أَمَةٌ بَيْضَاءُ، وَسُمِّيَ غُرَّةٌ لِبَيَاضِهِ، وَذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ الْعَبْدُ الأَسْوَدُ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ إِمْلاصِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: قَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغُرَّةٍ.
وَأَرَادَ بِالإِمْلاصِ: الْجَنِينَ، سُمِّيَ
إِمْلاصًا، لأَنَّ الْمَرْأَةَ تُزْلِقُهُ قَبْلَ وَقْتِ الْوِلادَةِ، وَكُلُّ مَا زُلِقَ مِنَ الْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا، فَقَدْ مَلِصَ يَمْلَصُ.
وَالْعَقْلُ: هُوَ الدِّيَةُ، قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ مِنَ الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الشَّدِّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاتِلَ كَانَ يَأْتِي بِالإِبِلِ فَيَعْقِلُهَا، أَيْ: يَشُدُّهَا بِالْعِقَالِ فِي فِنَاءِ الْمَقْتُولِ، وَبِهِ سُمِّيَتِ الْعَصَبَةُ الَّتِي تَحْمِلُ الْعَقْلَ عَاقِلَةً.
وَقِيلَ: سُمِّيَتْ عَاقِلَةٌ مِنَ الْمَنْعِ، وَالْعَقْلُ: هُوَ الْمَنْعُ، وَبِهِ سُمِّيَ الْعَقْلُ الْمُرَكَّبُ فِي الإِنْسَانِ، لأَنَّهُ يَمْنَعُهُ عَمَّا لَا يَحْسُنُ، وَلا يَجْمُلُ، فَكَأَنَّ أَهْلَ الْقَاتِلِ يَقُومُونَ بِنُصْرَتِهِ، فَيَمْنَعُونَ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ عَنْهُ بِالسَّيْفِ، فَجَعَلَ الشَّرْعُ ذَلِكَ الْمَنْعَ وَالنُّصْرَةَ بِأَدَاءِ الدِّيَةِ.
قَالَ الإِمَامُ: إِذَا جُنِيَ عَلَى امْرَأَةٍ حَامِلٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا يَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الضَّارِبِ غُرَّةٌ: عَبْدٌ، أَوْ أَمَةٌ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِنَ الأَرِقَّاءِ، سَوَاءٌ كَانَ الْجَنِينُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَإِنْ سَقَطَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ، فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَإِنْ أَلْقَتِ جَنِينَيْنِ مَيِّتَيْنِ، فَعَلَيْهِ غُرَّتَانِ، وَلِمُسْتَحِقِّهَا أَنْ لَا يَقْبَلَهَا مَعِيبَةً كَالإِبِلِ فِي الدِّيَةِ، وَلَهُ أَنْ لَا يَقْبَلَ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ، أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ قَبُولُ الطفلِ إِذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا خَمْسَ مِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَإِذَا عُدِمَتِ الْغُرَّةُ، فَفِيهِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَهِيَ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ: سُتُّ مِائَةِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ رَبِيعَةُ: الْغُرَّةُ خَمْسُونَ دِينَارًا، أَوْ سِتُّ مِائَةِ دِرْهَمٍ، عُشْرُ دِيَةِ الأُمِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةِ: عَلَيْهِ غُرَّةٌ أَوْ خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ، أَوْ خَمْسُونَ دِينَارًا.
وَالأَقَاوِيلَ مُتَقَارِبَةٌ مِنَ حَيْثُ إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ أَوْجَبَ نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرَ: إِنَّ الْغُرَّةَ إِذَا عُدِمَتْ يَجِبُ قِيمَتُهَا، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ غُرَّةُ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، أَوْ فَرَسٍ، أَوْ بَغْلٍ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ " قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ:
عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، أَوْ فَرَسٍ، أَوْ بَغْلٍ ".
وَرَوَاهُ حَمَّادٌ، وَخَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَمْ يَذْكُرَا الْفَرَسَ، وَالْبَغْلَ، فَقَدْ قِيلَ: هَذَا وَهْمٌ مِنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ.
وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُمْ قَالُوا: الْغُرَّةُ: عَبْدٌ، أَوْ أَمَةٌ، أَوْ فَرَسٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَبْدٌ، أَوْ أَمَةٌ، أَوْ فَرَسٌ، أَوْ بَغْلٌ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ فِي جَنِينِ النَّصْرَانِيَّةِ ثُلُثُ الْغُرَّةِ، فَإِنْ كَانَ الأَب ُ مُسْلِمًا، فَفِيهِ كَمَالُ الْغُرَّةِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ نَصْرَانِيًّا لأَنَّهُ مُسْلِمٌ بِإِسْلامِ الأَبِ.
وَفِي جَنِينِ الْمَجُوسِيَّةِ خُمسُ ثُلُثِ الْغُرَّةِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ نَصْرَانِيًّا، وَالآخَرُ مَجُوسِيًّا، فَيُعْتَبَرُ بِأَكْثَرِهِمَا دِيَةً.
وَفِي جَنِينِ الأَمَةِ إِنْ كَانَ رَقِيقًا عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ قِيمَتَهُ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا، فَفِيهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَعُشْرِ قِيمَتِهَا.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ضَمَانَ الْجَنِينِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى ابْنِ الْجَانِي شَيْءٌ مِنَ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ، أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى الْجَانِي، وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ آبَاءِ الْجَانِي إِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الإِخْوَةِ وَبَنِيهِمْ، وَالأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ وَفَاءٌ،
فَيَجِبُ عَلَى الْمُعْتِقِ إِنْ كَانَ عَلَى الْجَانِي وَلاءٌ، وَعَلَى عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ، وَلا يَجِبُ عَلَى أَبِ الْمُعْتِقِ، وَلا يَجِبُ عَلَى ابْنِهِ كَمَا فِي النَّسَبِ.
رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً أَعْتَقَتْ عَبْدًا لَهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ، فَتَرَكَتِ ابْنَهَا وَأَخَاهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَ مَوْلاهَا، «فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيرَاثَهُ لابْنِ الْمَرْأَةِ»، فَقَالَ أَخُوهَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّهُ جَرَّ جَرِيرَةً عَلَى مَنْ كَانَتْ؟ قَالَ: «عَلَيْكَ».
وَقَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَعْقِلَ عَنْ مَوَالِي صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقَضَى لِلزُّبَيْرِ بِمِيرَاثِهِمْ، لأَنَّهُ ابْنُهَا، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَاقِلا، بَالِغًا، وَاجِدًا.
وَلا يُحْمَلُ امْرَأَةٌ، وَلا صَبِيٌّ، وَلا مَجْنُونٌ، وَلا عَبْدٌ، وَلا يُعْقَلُ الْكَافِرُ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَلا الْمُسْلِمُ مِنَ الْكَافِرِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلاثِ سِنِينَ، كَذَلِكَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَلا يَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُوسِرًا فِي كُلِّ عَامٍ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ دِينَارٍ، وَعَلَى كُلِّ مُتَوَسِّطٍ أَكْثَرُ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ، وَالاعْتِبَارُ فِي الْيَسَارِ بِآخِرِ الْحَوْلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَاقِلَةِ وَفَاءٌ يُكْمَلُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ الْخَطَإِ عَاقِلَةٌ، فَالدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، لأَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُتْرَكُ فِي الإِسْلامِ مُفْرَجٌ».
يَرْوِي هَذَا بِالْجِيمِ، وَالْحَاءِ، أَمَّا بِالْجِيمِ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: هُوَ الْقَتِيلُ يُوجَدُ بِأَرْضٍ فَلاةٍ يُودَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلا يَبْطُلُ دَمُهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ أَنْ يُسْلِمَ الرَّجُلُ، وَلا يُوَالِيَ أَحَدًا، فَإِذَا جَنَى جِنَايَةً
كَانَتْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، لأَنَّهُ لَا عَاقِلَةَ لَهُ، وَقَالَ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ: الْمُفْرَجُ: الَّذِي لَا عَشِيرَةَ لَهُ، وَأَمَّا بِالْحَاءِ، فَهُوَ الَّذِي أَثْقَلَهُ الدَّيْنُ، يُقَالُ: أَفْرَحَهُ، أَيْ: أَثْقَلَهُ، وَيُرْوَى: «مَفْدُوحٌ» بِالدَّالِ، وَمَعْنَاهُ هَذَا، يُقَالُ: فَدَحَهُ الدَّيْنُ، أَيْ: أَثْقَلَهُ.
وَدِيَةُ الطَّرَفِ إِنْ بَلَغَتْ دِيَةَ النَّفْسِ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ فِي ثَلاثِ سِنِينَ، وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ، فَفِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلا يُضْرَبُ لَهُ أَقَلُّ مِنْ سَنَةٍ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا قَلِيلا، وَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إِلَى الثُّلُثَيْنِ، فَفِي سَنَتَيْنِ، الثُّلُثُ فِي سَنَةٍ، وَالْبَاقِي فِي سَنَةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ مَا دُونَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ.
وَبَدَلُ الْعَبْدُ إِذَا قُتِلَ خَطَأً، أَوْ قُطِعَ طَرَفٌ مِنْهُ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: يَكُونُ فِي مَالِهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ كَقِيمَةِ الْبَهَائِمِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ بَدَلَ نَفْسِ الْعَبْدِ، وَلا تَحْمِلُ بَدَلَ طَرَفِهِ.
بَابُ القِسَامَةِ
2545 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح، وَأَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيرَ بْنِ يَسَارٍ،
عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقَا لِحَاجَتِهِمَا، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَانْطَلَقَ هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ أَخُو الْمَقْتُولِ وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرُوا لَهُ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ، أَوْ قَاتِلِكُمْ»، فقالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَحْضُرْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟! فَزَعَمَ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَلَهُ مِنْ عِنْدِهِ.
قَالَ بَشِيرُ بْنُ يَسَارٍ: قَالَ سَهلٌ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي فَرِيضَةٌ مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ فِي مِرْبَدٍ لَنَا.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ
2546 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى الأَنْصَارِ،
عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّهُمَا حَدَّثَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَحُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَبِّرِ الْكُبْرَ»، قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي لِيَلِ الْكَلامَ الأَكْبَرُ.
فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَتِسْتَحِقُّونَ قَتِيلَكُمْ، أَوْ قَالَ: صَاحِبَكُم بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ "، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ، قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ فِي أَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ! فَفَدَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِبَلِهِ، قَالَ سَهْلٌ: فَأَدْرَكْتُ نَاقَةً مِنْ تِلْكَ الإِبِلِ فَدَخَلَتْ مِربَدًا لَهُمْ، فَرَكَضَتْنِي بِرِجْلِهَا.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُبيدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
الْقَوَارِيرِيُّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَالَ: فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَابْنَا عَمِّهِ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَاقَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيَدْفَعُ بِرُمَّتِهِ» 2547 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّه أَخْبَرَهُ هُوَ وَرِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمَا، فَأُتِيَ مُحَيِّصَةُ، فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ، أَوْ عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَدْ قَتلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَأَقْبَلَ حتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ، ثمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ أَخُو الْمَقْتُولِ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُحَيِّصَةَ: «كَبِّرْ كَبِّرْ» يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ» فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ» قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ! فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِائَةَ نَاقَةٍ حتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمْ فِي الدَّارِ، قَالَ سَهْلٌ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ.
حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ
قَوْلُهُ: «وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ»، أَيْ: بِئْرٍ، وَفَقِيرُ النَّخْلِ: حُفْرَةٌ تُحْفَرُ لِلْفَسِيلَةِ إِذَا حُوِّلَتْ لِتُغْرَسَ فِيهَا، وَالْفَقِيرُ: فَمُ الْقَنَاةِ،
وَقِيلَ: سُمِّيَ سَيْفُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَا الْفَقَارِ، لأَنَّهُ كَانَتْ فِيهِ حُفَرٌ صِغَارٌ حِسَانٌ.
وَقَوْلُهُ: «كَبِّرْ كَبِّرْ» فِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى أَنَّ الأَكْبَرَ أَحَقُّ بِالإِكْرَامِ وَالْبِدَايَةِ بِالْكَلامِ.
قَالَ الإِمَامُ: صُورَةُ قَتِيلِ الْقَسَامَةِ أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ، وَادَّعَى وَلِيُّهُ عَلَى رَجُلٍ، أَوْ عَلَى جَمَاعَةٍ وَعَلَيْهِمْ لَوَثٌ ظَاهِرٌ، وَاللَّوَثُ: مَا يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ صِدْقُ الْمُدَّعِي بِأَنَّهُ وُجِدَ فِيمَا بَيْنَ قَوْمٍ أَعْدَاء لَهُمْ لَا يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ، كَقِتَيلِ خَيْبَرَ وُجِدَ بَيْنَهُمْ، وَالْعَدَاوَةُ بَيْنَ الأَنْصَارِ وَبَيْنَ وَأهَلِ خَيْبَرَ ظَاهِرَةٌ، أَوِ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ فِي بَيْتٍ، أَوْ صَحْرَاءَ، وَتَفَرَّقُوا عَنْ قَتِيلٍ، أَوْ وُجِدَ فِي نَاحِيَةٍ قَتِيلٌ، وَثَمَّ رَجُلٌ مُخْتَضِبٌ بِدَمِهِ، أَوْ شَهِدَ عَدْلٌ وَاحِدٌ عَلَى أَنَّ فُلانًا قَتَلَهُ، أَوْ قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَبِيدِ وَالنِّسْوَانِ، جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ اللَّوَثِ، فَيَبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي، فَيَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَيَسْتَحِقُّ دَعْوَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ لَوَثٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ، كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، ثُمَّ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدًا، أَمْ خَمْسِينَ يَمِينًا؟ فِيهِ قَوْلانِ، أَقْيَسُهُمَا: يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدًا.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى الْبِدَايَةِ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ قَوْلا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَإِذَا بَدَأْنَا بِيَمِينِ الْمُدَّعِي وَهُمْ جَمَاعَةٌ، تُوَزَّعُ الأَيْمَانُ الْخَمْسُونَ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَيُجْبَرُ الْكَسْرَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا، فَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي عَنِ الْيَمِينِ، رُدَّتْ إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى نَفْيِ الْقَتْلِ، فَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً تُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ.
وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي، بَلْ يُحلَّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَقَالُوا: إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةٍ يَخْتَارُ الإِمَامُ خَمْسِينَ رَجُلا مِنْ صُلَحَاءِ أَهْلِهَا، وَيُحَلِّفُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ: مَا قَتَلُوهُ، وَلا عَرَفُوا لَهُ قَاتِلا، ثُمَّ يَأْخُذُ الدِّيَةَ مِنْ أَصْحَابِ الْخِطَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا، فَمِنْ سُكَّانِهَا، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الأُصُولِ الْيَمِينُ مَعَ الْغَرَامَةِ، وَإِنَّمَا جَاءَتِ الْيَمِينُ فِي الْبَرَاءَةِ أَوِ الاسْتِحْقَاقِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي، أَوْ يَحْكُمُ فِي الْمَالِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِالْقَسَامَةِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيهَا، لِقَوْلِهِ: «تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ».
رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ، هَذَا كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ لَوَثٌ، وَنَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي، وَيَسْتَحِقُّ الْقَوَدَ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ الْقَوَدُ، بَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ فِي مَالِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَإِسْحَاقَ، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ: «دَمَ صَاحِبِكُمْ» أَيْ: دِيَتُهُ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ: «إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ»، أَمَّا إِذَا ادَّعَى قَتْلَ خَطَإٍ، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، وَحَلَفَ، فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَكَانَ الْحَكَمُ لَا يَرَى الْقَسَامَةَ شَيْئًا.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ رَدِّ الْيَمِينِ إِذَا نَكَلَ مَنْ تُوجِّهَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ حَتَّى لَوِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ حَقًّا، فَأَنْكَرَ وَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ، لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، بَلْ يُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ حَلَفَ، اسْتَحَقَّ دَعْوَاهُ، وَهُوَ قَوْلٌ الشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ الْيَمِينَ لَا تُرَدُّ، بَلْ يُقْضَى بِالنُّكُولِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَفِيهِ أَنَّ الْحُكْمَ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَالْحُكْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ إِذَا تَوَجَّهَ عَلَيْهِمُ الْيَمِينُ، وَإِذَا حَلَفُوا، بَرِئُوا، وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ أَيْمَانَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا تُقْبَلُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، كَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ.
وَفِيهِ أَنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يَرْضَوْا بِأَيْمَانِ الْكُفَّارِ، وَدَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ إِذْ كَانَ مِنْ سُنَنِهِ أَنْ لَا يَتْرُكَ دَمًا حَرَامًا هَدَرًا، وَهُوَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَوَلِيُّ أَمْرِهِمْ.
وَتَثْبُتِ الْقَسامَةُ فِي قَتْلِ الْعَبِيدِ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ الأَصَحُّ، فَيَحْلِفُ سَيِّدُهُ خَمْسِينَ يَمِينًا إِذَا كَانَ ثَمَّ لَوَثٌ، وَتُسْتَحُقُّ قِيمَتُهُ عَلَى مَنْ يَدَّعِي عَلَيْهِ، وَلا قَسَامَةَ فِي الأَطْرَافِ، بَلِ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ثَمَّ لَوَثٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّائِيِّ، عَنْ بشيرِ بْنِ يَسَارٍ فِي قَتِيلِ خَيْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ: «تَأْتُونِي بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَ» قَالُوا: مَا لَنَا بَيِّنَةٌ، قَالَ: «فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ».
وَعَنْ رَافِعَ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
قَالَ: «لَكُمْ شَاهِدَانِ؟»، قَالُوا: لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: «فَاخْتَارُوا مِنْهُمْ خَمْسِينَ فَاسْتَحْلفهُمْ»، وَالرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ مَا سَبَقَ مِنَ الْبِدَايَةِ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ.
2548 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الكِسَائيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح، وَأَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ عميةً تَكُونُ بَيْنَهُمْ بِحِجَارَةٍ، أَوْ جَلْدٍ بِالسَّوْطِ، أَوْ ضَرْبٍ بِعَصَا، فَهُوَ خَطَأٌ، عَقْلُهُ عَقْلُ الْخَطَإِ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا، فَهُوَ قَوَدُ يَدِهِ، فَمَنْ حَالَ دُونَهُ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلا عَدْلٌ».
هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، وَرُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ
وَقَوْلُهُ: «عِمِّيَّةٌ» فِعِّيلَةٌ مِنَ الْعَمَى، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَتَرَامَى الْقَوْمُ، فَيُوجَدُ بَيْنَهُمْ قَتِيلٌ لَا يُدْرَى مَنْ قَاتِلُهُ، وَيَعْمَى أَمْرُهُ، فَفِيهِ الدِّيَةُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ يَلْزَمُهُ دِيَةُ هَذَا الْقَتِيلِ، قَالَ مَالِكٌ: دِيَتُهُ عَلَى الَّذِينَ نَازَعُوهُمْ، وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: دِيَتُهُ عَلَى عَوَاقِلِ الآخَرِينَ، وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: عَقْلُهُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا إِلا أَنْ تَقُومَ بَيِّنةٌ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيقَيْنِ أَنَّ فُلانًا قَتَلَهُ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو يُوسُفَ: دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْفَرِيقَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَى عَاقِلَةِ الْقَبِيلَةِ الَّتِي وُجِدَ فِيهِمْ إِذَا لَمْ يَدَّعِ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ عَلَى غَيْرِهِمْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ قَسَامَةٌ إِنِ ادَّعُوهُ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ عَلَى طَائِفَةٍ بِعَيْنِهَا، وَإِلا فَلا عَقْلَ وَلا قَوَدَ، وَكَانَ عَلِيٌّ إِذَا أُتِيَ بِالْقَتِيلِ قُتِلَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، حَمَلَهُ عَلَى أَصْقَبِ الْقَرْيَتَيْنِ إِلَيْهِ، يَعْنِي: عَلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْهُ.
2549 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، نَا أَيُّوبُ، وَيُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ، فَقَالَ: أَيْنَ تُريدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا
الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كَامِلٍ الْجحدري، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ
2550 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرَكٍ، سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَدِّهِ جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ»، ثُمَّ قَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شُعْبَةَ
وَيَتَأَوَّلُ الْخَوَارِجُ الْحَدِيثَ عَلَى الْكُفْرِ الَّذِي هُوَ الْخُرُوجُ عَنِ الدِّينِ، وَيُكَفِّرُونَ مُرْتَكِبَ الْكَبَائِرِ، وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمَعْنَى الزَّجْرِ، أَيْ: لَا تَتَشَبَّهُوا بِالْكُفَّارِ فِي قَتْلِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا، وَقِيلَ: هَؤُلاءِ أَهْلُ الرِّدَّةِ قَتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِذَا تَقَاتَلَ رَجُلانِ، فَقَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَهُمَا عَاصِيَانِ، وَدَمُهُمَا هَدَرٌ، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاصِدٌ وَدَافِعٌ، فَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَاصِدٌ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ دَافِعٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ.
2551 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، نَا حَيْوَةُ، وَغَيْرُهُ، قَالا: نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الأَسْوَدِ، قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ، فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ:
أَخْبَرَنِي ابْنُ عبَّاسٍ: " أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرونُ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي السَّهْمُ يُرْمَى بِهِ، فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النِّسَاء: 97] الآيَةَ ". هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
23 -