كتاب العتق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البغوي ، أبو محمد
- الكتاب
- شرح السنة
- المؤلف
- محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
- الناشر
- المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
- الطبعة
- الثانية، 1403هـ - 1983م
- عدد الأجزاء
- 15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ثَوَابُ العِتْقِ
قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [الْبَلَد: 13] وَقَوله: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [الْبَلَد: 11] يَعْنِي: لَمْ يَقْتَحِمَ العَقَبَةَ فِي الدُّنيا، أَي: لَمْ يَتَحَمَّلَ الأَمْرَ العظيمَ فِي طاعةِ اللَّه، ثُمَّ فَسَّرَ اقْتِحَامَ العَقَبَة بقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ {13﴾ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴿14﴾} [الْبَلَد: 13 - 14]، وَقَالَ الأَزْهَريُّ: لَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ الشَّاقَّةَ، أَي: لَمْ يَقْطَعْهَا، واقْتِحَامُهَا: فَكُّ رَقَبَةٍ، أَي: الجوازُ عَلَيْهَا يَكُونُ بِفَكِّ الرَّقَبَةِ.
2416 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ.
ح وَأَخْبَرَنِي أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، نَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، أَنا أَبِي، وَشُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُرْجَانَةَ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ حَتَّى يُعْتِقَ فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ لَيْثٍ، وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مَرْجَانَةَ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمَرْجَانَةُ أُمُّهُ
وَكَانَ بعض أهل الْعلم يستحِبُّ أَن لَا يكون العَبْد الَّذِي يعتقهُ خصيَّا، لينال بِعِتْقِهِ الموعودَ فِي الْحَدِيث.
2417 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجوَيْهِ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا بِأَرِيحَا، فَمَرَّ بِي وَاثِلَةُ بْنُ الأَسْقَعِ مُتَوَكِّئًا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، فَأَجْلَسَهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيَّ، فَقَالَ: عَجَبٌ مَا حَدَّثَنِي الشَّيْخُ يَعْنِي: وَاثِلَةَ، قُلْتُ: مَا حَدَّثَكَ؟ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَأتَاهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَاحِبَنَا قَدْ أَوْجَبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً يُعْتِقِ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ»
قَوْله: «أَوْجَبَ»، أَي: ركب خَطِيئَة مُوجبَة، يسْتَوْجب بهَا النَّار، يُقَالُ فِي ذَلِكَ للرجل، قد أوجب، ويقَالَ للحسنة والسيئة: قد أوجبت.
وَهِي مُوجبَة يَعْنِي: توجب الْجنَّة أَو النَّار
2418 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، نَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَنا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ»، قَالَ: قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَغْلاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا»، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تُعِينُ صَانِعًا، أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ».
هَذَا حَدِيث مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّد، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن مُوسَى، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم، عَنْ خَلَفِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، كِلاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: «أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ».
فَالأَخْرَقُ: الَّذِي لَيْسَ فِي يَدِهِ صَنْعَةٌ
2419 - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ التَّاجِرُ، نَا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نَا أَبُو نُعَيْمٍ، نَا عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
ح وَأَنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ، أَنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ، نَا عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ الْيَامِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي عَمَلا يُدْخِلُني الْجَنَّةَ.
قَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ، لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسْمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ».
قَالَ: أَوَ لَيْسَتَا وَاحِدَةً؟ قَالَ: لَا، عِتْقُ النَّسْمَةِ: أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ: أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا وَالْمِنْحَةُ الْوَكُوفُ، وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ، فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ، فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلا مِنْ خَيْرٍ "
قَوْله: «لَئِنْ أَقْصَرْتَ الخُطبَةَ».
أَي: جِئْت بهَا قَصِيرَة، «لَقَدْ أَعْرَضْتَ المسألَةَ».
أَي: جِئْت بهَا عريضة، أَي: وَاسِعَة، قَوْله: «أعتِقِ النَّسمَةَ»، النسم: الرّوح، أَي: أعتق ذَا نسمَة، وكل دَابَّة فِيهَا روح، فَهِيَ نسمَة: «والمِنْحَةُ الوَكُوفُ»، أَي: غزيرة اللَّبن، وَمِنْه وكف البيتُ والدمعُ.
2420 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ، نَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ، نَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، نَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، قَالا: نَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِيُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ فِيهِ، بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَعْتَقَ نَفْسًا مُسْلِمَةً، كَانَتْ فِدْيَتَهُ مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْحِمْصِيُّ
بَاب مَنْ أَعْتَقَ شِرْكا لَهُ مِنْ عَبْدٍ
2421 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَكانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ، وَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلا عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ
قَالَ الإِمَامُ: فِي الْحَدِيث دليلٌ على أَن من أعتق نصِيبه من عبد مُشْتَرك بَينه، وَبَين غَيره وَهُوَ موسِر بِقِيمَة نصيب الشَّرِيك، يُعتق كلُّه عَلَيْهِ بِنَفس الْإِعْتَاق، وَلَا يتَوَقَّف على أَدَاء الْقيمَة، وَلَا على الِاسْتِسْعَاء،
وَيكون وَلَاؤُه كُله للْمُعْتق، وَإِن كَانَ مُعسرًا عتق نصيبُه، وَنصِيب الشَّرِيك رَقِيق لَا يُكَلف إِعْتَاقه، وَلَا يُستسعى العبدُ فِي فكه، وَهُوَ قَول ابْن أَبِي ليلى، وَابْن شُبرُمَة، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد.
وَقَالَ ربيعَة، وَمَالك: لَا يُعتق نصيبُ الشَّرِيك بِنَفس اللَّفْظ مَا لم يؤد إِلَيْهِ قِيمَته، وَقَالَهُ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم، لِأَنَّهُ رُوي عَنْ سَالم، عَنْ أَبِيه، يبلُغ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إذَا كَانَ العَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصيبَهُ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا يُقوَّمُ عَلَيْهِ لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، ثُمَّ يُعْتَقُ».
وَذهب جمَاعَة إِلَى أَنَّهُ لَا يعْتق نصيب الشَّرِيك، بل يستسعى العَبْد، فَإِذا أدّى قيمَة النّصْف الآخر إِلَى الشَّرِيك، عتق كلُّه، وَالْوَلَاء بَينهمَا، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْرِيّ، وَأَصْحَاب الرَّأْي، وَإِسْحَاق، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَ الشريكُ المعتِق مُوسِرًا، فَالَّذِي لم يُعتِق بِالْخِيَارِ، إِن شَاءَ أعتق نصيب نَفسه، وَإِن شَاءَ استسعى العَبْد فِي قيمَة نصِيبه، فَإِذا أدّى، عتق، وَكَانَ الْوَلَاء بَينهمَا نِصْفَيْنِ، وَإِن شَاءَ ضمن الْمُعْتق قيمَة نصِيبه، ثُمَّ شَرِيكه بعد مَا يضمن، رَجَعَ على العَبْد، فاستسعاه فِيهِ، فَإِذا أَدَّاهُ عتق، وَوَلَاؤُهُ كُله لَهُ.
وَذهب قَتَادَة إِلَى أَن الْمُعْتق إِن لم يكن لَهُ مَال يستسعى العَبْد وَإِن كَانَ لَهُ مَاله، قُوِّم عَلَيْهِ، وَاحْتج من قَالَ بالسعاية بِمَا.
2422 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا أَبُو النُّعْمَانِ، نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ،
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا فِي عَبْدٍ، أُعْتِقَ كُلُّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلا يُسْتَسْعَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْن أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ
قَوْله: «غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ»، قَالَ بَعضهم: أَي لَا يُستغلى عَلَيْهِ فِي الثّمن.
وروى شُعْبَة، وَهِشَام هَذَا الْحَدِيث، عَنْ قَتَادَة، وهما أثبت مَنْ روى عَنْ قَتَادَة، وَلم يذكرَا فِيهِ السّعَايَة وَرَوَاهُ همَّام، عَنْ قَتَادَة، وَجعل ذكر السّعَايَة من كَلَام قَتَادَة، وَلم يَجعله من متن الْحَدِيث.
وتأوَّل بعضُ النَّاس معنى السّعَايَة على أَنَّهُ يستسعى العَبْد، أَي: يستخدم لسَيِّده الَّذِي لم يعتِق إِن كَانَ المعتِق مُعسرا، وَقَوله: «غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ»، أَي: لَا يُحمل من الْخدمَة فَوق مَا يلْزمه، إِنَّمَا يُطَالِبهُ بِقدر مَاله فِيهِ من الرّقّ، وَقَوله: «شِقْصًا»، أَي: نَصِيبا، والشقص والشقيص: النَّصِيب.
قَالَ الإِمَامُ: فِي حكم النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعِتْق نصيب الشَّرِيك بِإِعْتَاق الآخر نصِيبه دَلِيل على أَن لِلْعِتْقِ من السَّرَايَة، وَالْغَلَبَة مَا لَيْسَ لغيره، حَتَّى لَو أعتق
رجل جُزْءا شَائِعا من عبد كُله ملك لَهُ يُعتق، كلُّه، وَكَذَلِكَ لَو طلَّق الرجل جُزْءا شَائِعا من زَوجته، بِأَن قَالَ: نصفك، أَو ثلثك طَالِق، تطُلق كلُّها، وَاتفقَ أهلُ الْعلم على الطَّلَاق، وَقَالَ أَكْثَرهم فِي الْعتْق كَذَلِك.
وَذهب الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ لَو أعتق جُزْءا معينا من عَبده، بِأَن قَالَ: يدك حر، أَو رجلك، أَو شعرك حر، أعتق كُله، وَكَذَلِكَ لَو طلق جُزْءا معينا من امْرَأَته، كَمَا لَو يُسمى جُزْءا شَائِعا، وكما لَو خص بعض الزَّمَان، فَقَالَ: أَنْت طَالِق شهرا، يعم، أَو ذكر بعض الطَّلَاق، فَقَالَ: أَنْت طَالِق نصف طَلْقَة تتمّ، وَلَو أعتق بعض عَبده بعد مَوته لَا يسري، لِأَن ملكه قد زَالَ بِالْمَوْتِ، وَإِن أعتق بعضه فِي مرض مَوته، سرى إِلَى الْبَاقِي إِن خرج كُله من الثُّلُث.
بَاب مَنْ أَعْتَقَ مَمَالِيكَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلا مَالَ لَهُ غَيْرَهُمْ
2423 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ، فَأَعْتَقَ سِتَّةَ مَمَالِيكَ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، أَوْ
قَالَ: أَعْتَقَ عِنْدَ مَوْتِهِ سِتَّةَ مَمَالِيكَ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ غَيْرُهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ فِيهِ قَوْلا شَدِيدًا، ثُمَّ دَعَاهُمْ، فَجَزَّأَهُمْ ثَلاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً ".
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرِهِ، وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، وَقَالَ: أَعْتَقَ ستَّةَ مَمْلُوكينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ
وَأَبُو الْمُهلب اسْمه عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَمْرو، ويقَالَ: مُعَاوِيَة بْن عَمْرو وَهُوَ عمُّ أَبِي قِلابَة، وَأَبُو قِلابَة اسْمه عَبْد اللَّهِ بْن زَيْد الجَرْمي.
قَالَ الإِمَامُ: فِي هَذَا دَلِيل على أَن الْعتْق الْمُنجز فِي مرض الْمَوْت، وَكَذَلِكَ التَّبَرُّع الْمُنجز فِي مرض الْمَوْت، كالمعلق بِالْمَوْتِ فِي الِاعْتِبَار من الثُّلُث، وَفِي أَن من لَا يَصح لَهُ الْوَصِيَّة لَا يصحُّ التَّبَرُّع مَعَه فِي مرض الْمَوْت، ويفترقان فِي حكمين، أَحدهمَا: أَنَّهُ يجوز لَهُ الرُّجُوع عَنِ الْمُعَلق بِالْمَوْتِ، لِأَن الْملك لم يحصل للمتبرع عَلَيْهِ قبل الْمَوْت، وَلَا يملك الرُّجُوع عَنِ الْمُنجز بِحُصُول الْملك لَهُ.
وَالثَّانِي: أَن فِي الْمُنجز يُقدم الأسبق، فالأسبق وَفِي الْمُعَلق بِالْمَوْتِ لَا يُقدم مَا لم يُقيد بَيَانه، وَلَو قَالَ فِي مرض مَوته
لثَلَاثَة أعبد لَهُ: سَالم حر، وغانم حر، وَزِيَاد حر، وَلم يخرج من الثُّلُث إِلا وَاحِد مِنْهُم، عتق الأول، وَإِن خرج اثْنَان من الثُّلُث عتق الْأَوَّلَانِ، وَفِي الْمُعَلق بِالْمَوْتِ، وَلَو قَالَ: إِذا مت، فسالم حر، وغانم حر، وَزِيَاد حر، وَلم يخرج إِلا وَاحِد مِنْهُم من الثُّلُث يُقرع بَينهم، فَإِن قيد بِالتَّأْخِيرِ، فَقَالَ: إِذا مت، فسالم حر، ثُمَّ غَانِم حر، ثُمَّ زِيَاد حر، أَو قَالَ: سَالم حر، وأعتقوا غانما، وَلم يخرج إِلا وَاحِد من الثُّلُث، عتق الأول.
وَفِي الْحَدِيث إِثْبَات القُرعة بَينهم إِذا أعتقهم مَعًا فِي مرض مَوته، أَو بعد مَوته، ليتميز الْعَتِيق عَنْ غَيره، فَإِن كَانُوا ثَلَاثَة قيمُهم سَوَاء، أَقرع بَينهم بسهمي رق، وَسَهْم حريَّة، فَمن خرج لَهُ سهم لحرية، كَانَ حرا من وَقت إنْشَاء الْعتْق، وَمَا اكْتسب من ذَلِكَ الْوَقْت فَلَهُ، ورق الْآخرَانِ.
وَإِن كَانُوا سِتَّة، جزأهم ثَلَاثَة أَجزَاء على اعْتِبَار الْقيمَة، فَإِن كَانَت قيمهم سَوَاء، جعل كل اثْنَيْنِ جُزْءا، وَإِن تفاوتت قيمهم، بِأَن كَانَ ثَلَاث مِنْهُم قيمةُ كل وَاحِد مائَة، وَثلث قيمَة كل وَاحِد خَمْسُونَ، ضم كل وَاحِد مِمَّن قلَّت قِيمَته إِلَى وَاحِد مِمَّن كثرت قِيمَته، ثُمَّ أَقرع بَينهم بسهمي رق، وَسَهْم حريَّة، وَإِن لم يُمكن التَّسْوِيَة بَين الْأَجْزَاء فِي الْعدَد بِأَن كَانَت قيمَة وَاحِد مائَة، وَقِيمَة اثْنَيْنِ مائَة، وَقِيمَة ثَلَاثَة مائَة، جعل الْوَاحِد جُزْءا، والاثنين جُزْءا، وَالثَّلَاثَة جُزْءا، وَإِن كَانُوا ثَلَاثَة، قيمَة وَاحِد مائَة وَخَمْسُونَ، وَقِيمَة الآخر مائَة، وَقِيمَة الثَّالِث خَمْسُونَ، أَقرع بَينهم بسهمي رق، وَسَهْم حريَّة، فَإِن خرجت الْقرعَة للَّذي قِيمَته مائَة وَخَمْسُونَ، عتق ثُلُثَاهُ، وَتمّ الثُّلُث، وَإِن خرجت الْقرعَة للَّذي قِيمَته مائَة، عتق كُله، وَهُوَ ثلث مَاله، وَإِن خرجت الْقرعَة للَّذي قِيمَته خَمْسُونَ، عتق كُله، ثُمَّ تُعَاد الْقرعَة بَين الآخرين، فيقرع بَينهمَا بِسَهْم رق، وَسَهْم حريَّة، فَإِن
خرج سهم الْحُرِّيَّة للَّذي قِيمَته مائَة، عتق نصفه، وَإِن خرج للَّذي قِيمَته مائَة وَخَمْسُونَ، عتق ثلثه.
وَذهب إِلَى الإقراع جمَاعَة من أهل الْعلم، وَهُوَ قَول عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ، وَبِهِ قَالَ مَالِك، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق.
وَذهب قوم إِلَى أَنَّهُ لَا يُقرع، بل يُعتق من كل عبد ثُلثُه، ويُستسعى فِي ثُلثَيْهِ للْوَرَثَة حَتَّى يُعتق كُله، رُوي ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيّ، وَالنَّخَعِيّ، وَهُوَ قَول أَصْحَاب الرَّأْي، كَمَا لَو وهبهم، أَو أوصى بِهِ لإِنْسَان وَلَا مَال لَهُ غَيرهم، لَا يجمع الْهِبَة وَالْوَصِيَّة فِي وَاحِد مِنْهُم بِالْقُرْعَةِ، بل ينفذ فِي ثلث كل وَاحِد مِنْهُم، كَذَلِك الْعتْق، وَهَذَا قِيَاس لَا ترد بِهِ السّنة، وَلِأَن الْعتْق مبناه على التغليب، والتكميل، إِذا وجد إِلَيْهِ السَّبِيل، وعَلى هَذَا لَو أعتق عبدا فِي مرض مَوته لَا مَال لَهُ سواهُ، عتق ثلثه عِنْد مَالِك، وَالشَّافِعِيّ، وثلثاه يكون رَقِيقا للْوَرَثَة، وَعند أَصْحَاب الرَّأْي يستسعي فِي الثُّلثَيْنِ.
بَاب العِتْقِ عَنِ الْمَيِّت
2424 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الأنْصَارِيِّ، أَنَّ أُمَّهُ أَرَادَتْ أَنْ تُوصِيَ، ثُمَّ أَخَّرَتْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ تُصْبِحَ، فَهَلَكَتْ، وَقَدْ كَانَتْ هَمَّتْ بِأَنْ تُعْتِقَ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ
بْنِ مُحَمَّدٍ: أَيَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إِنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ: إنَّ أُمِّي هَلَكَتْ، فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ».
قَالَ الإِمَامُ: هَذَا مُنْقَطِعٌ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، مُتَّصِلٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا نَذْرٌ
وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي نَوْمٍ نَامَهُ، فَأَعْتَقَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رِقَابًا.
بَاب مَنْ يُعْتِقَ بالمُلْكِ
2425 - أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيِّ، أَنا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الفارِسِيُّ، أَنا مُحَمَّد بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ،
نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا، فَيَشْتَريَهُ، فَيُعْتِقَهُ».
هَذَا حَدِيث صَحِيح
وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد أهل الْعلم، قَالُوا: إِذا اشْترى الرجل أحدا من آبَائِهِ، أَو أمهاته، أَو وَاحِدًا من أَوْلَاده، أَو أَوْلَاد أَوْلَاده، أَو ملكه بِسَبَب آخر، يُعتق عَلَيْهِ من غير أَن يُنشئ فِيهِ عتقا، وَقَوله: فيعتقه.
لم يرد بِهِ أَن إنْشَاء الْإِعْتَاق شَرط، بل أَرَادَ بِهِ أَن الشِّرَاء يخلصه عَنِ الرّقّ.
وَاخْتلف أهل الْعلم فِي غير الْوَالِدين والمولودين من الْمَحَارِم، فَذهب أكثرُ أهل الْعلم إِلَى أَن من ملك ذَا رحم محرم كالأخ، وَابْن الْأَخ، وَالْعم، والعمة، وَالْخَال، وَالْخَالَة، يُعتق عَلَيْهِ، يُروى ذَلِكَ عَنْ عُمَر، وَعَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود، وَلَا يُعرف لَهما مُخَالف فِي الصَّحَابَة، وَهُوَ قَول الْحَسَن، وَجَابِر بْن زَيْد، وَعَطَاء، وَالشَّعْبِيّ، وَالزُّهْرِيّ، وَالْحكم، وَحَمَّاد، وَإِلَيْهِ ذهب سُفْيَان الثَّوْرِيّ، وَأَصْحَاب الرَّأْي، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ حَمَّاد بْن سَلمَة، عَنْ قَتَادَة، عَنِ الْحَسَن، عَنْ سَمُرَة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحمٍ مُحَرَّمٍ، فَهُوَ حُرٌّ».
وَقَالَ مَالِك: لَا يعْتق إِلا الْوَالِد، وَالْولد، وَالإِخْوَة.
وَقَالَ قوم: لَا يُعتق إِلا الوالدون، والمولودون.
وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِيّ، وَذهب بعض أهل الظَّاهِر إِلَى أَن الْأَب لَا يُعتق على الابْن، لِأَن فِي الْحَدِيث: «فَيَشْتَرَيه فَيُعْتِقُهُ».
وَإِذا صَحَّ الشِّرَاء، ثَبت الْملك، وَالْملك يُفِيد التَّصَرُّف، وَحَدِيث سَمُرَة لَا يُعرف مُسْندًا إِلا من حَدِيث حَمَّاد بْن سَلمَة، وَرَوَاهُ بَعضهم عَنْ قَتَادَة، عَنِ الْحَسَن، عَنْ عُمَر، وَرَوَاهُ بَعضهم عَنِ الْحَسَن مُرْسلا.
بَاب بَيْعِ المُدَبِّرِ
2426 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الخلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح وَأَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ
الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، سَمِعَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَّا غُلامًا لَهُ، لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعيْمٌ النَّخَّامُ»، قَالَ عَمْرٌو: فَسَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
وَزَادَ أَبُو الزُّبَيْرِ يُقَالُ لَهُ: يَعْقُوبُ.
هَذَا حَدِيث مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّد عَنْ قُتَيْبَة، عَنْ سُفْيَان عَنْ عَمْرو، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ
2427 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَبو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ ابْنُ بِنْتِ مَنِيعٍ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ
مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْتَقْتَ غُلامَكَ عَنْ دُبُرٍ مِنْكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ، أَوْ مَنْ يَبْتَاعُهُ مِنِّي؟» فَابْتَاعَهُ النَّخَّامُ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ «أَنْفِقْ عَلَى نَفْسِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْكَ شَيْءٌ، فَعَلَى أَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ، فَعَلَى ذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ، فَهَكَذَا، وَهَكَذَا».
وَلَمْ يَحْفَظْ زُهَيْرٌ كَيْفَ صَنَعَ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَقَالَ: فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ، وَقَالَ: فَهَكَذَا وَهَكَذَا.
يَقُولُ: فَبَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ
قَالَ الإِمَامُ: اخْتلف أهل الْعلم فِي بيع المدبَّر، فَأجَاز جمَاعَة بَيْعه على الْإِطْلَاق، يُروى ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِد، وَطَاوُس، وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، رُوي عَنْ عَائِشَة «أَنَّهَا بَاعَتْ مُدَبَّرَةً لَهَا سَحَرَتْها، فأَمَرَتِ ابْن أَخيها أَن يَبِيعهَا مِنَ الأعْرَابِ مِمَّنْ يسيءُ مَلَكَتَها».
وَذهب جمَاعَة إِلَى أَن بيع المدبَّر لَا يجوز إِذا كَانَ التَّدْبِير مُطلقًا، وَهُوَ أَن يَقُول: إِذا مُت، فَأَنت حر من.
غير أَن يُقيد بِشَرْط أَو زمَان، وَهُوَ قَول سَعِيد بْن الْمُسَيِّب، وَالشَّعْبِيّ، وَالنَّخَعِيّ، وَالزُّهْرِيّ، وَإِلَيْهِ ذهب سُفْيَان الثَّوْرِيّ، وَالأَوْزَاعِيّ، وَأَصْحَاب الرَّأْي، وقاسوا المدبَّر على أم الْوَلَد، لتَعلق عتق كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَوْت الْمولي على الْإِطْلَاق.
وتأوَّل بَعضهم الْحَدِيث على التَّدْبِير المقيَّد، وَهُوَ أَن يَقُول: إِن مُت من مرضِي هَذَا، أَو فِي شهر كَذَا، فَأَنت حر.
وَالْأول أولى، لِأَن الْحَدِيث جَاءَ فِي بيع المدبَّر، وَاسم التَّدْبِير إِذا أطلق يُفهم مِنْهُ التَّدْبِير الْمُطلق لَا غَيره، وَلَيْسَ كأمِّ الْوَلَد، لِأَن سَبَب الْعتْق فِي أمِّ الْوَلَد أَشد تَأْكِيدًا مِنْهُ فِي المدبَّر، بِدَلِيل أَن استغراق تَرِكَة الْمَيِّت بِالدّينِ لَا يمْنَع عتق أمِّ الْوَلَد، وَيمْنَع عتق المدبَّر، وَعتق أم الْوَلَد يكون من رَأس المَال، وَعتق المدبَّر يكون من الثُّلُث، فَظهر الْفرق بَينهمَا، وَقَالَ ابْن سِيرِينَ: لَا يُباع المدبَّر إِلا من نَفسه.
وَقَالَ اللَّيْث بْن سَعْد: يُكره بيعُه إِلا أَن يَبِيعهُ مِمَّن يعتقهُ، وَأَجَازَ مَالِك بيعهُ إِذا كَانَ على الْمَيِّت دين يُحِيط بِتركَتِهِ، فَأَما فِي الْحَيَاة، فَلَا يجوز بَيْعه بِحَال.
ويُروي هَذَا عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ، وَقضى فِي المدبَّر إِذا جنى أَنَّهُ يسلم إِلَى الْمَجْنِي عَلَيْهِ، يخدِمهُ من دِيَة جرحه، فَإِن أدّى، رَجَعَ إِلَى سَيّده، وَعند من أجَاز بَيْعه يُبَاع فِي الْجِنَايَة، وَأَجَازَ الْحَسَن بيع المدبَّر إِذا احْتَاجَ إِلَيْهِ صَاحبه، وَاتَّفَقُوا على جَوَاز وَطْء المدبَّرة كَمَا يجوز وَطْء أم الْوَلَد، رُوِيَ نَافِع أَنَّ ابْن عُمَرَ دَبَّرَ جَارِيَتَيْنِ لَهُ، فكانَ يَطَأُهُمَا.
وَاخْتلف قَول الشَّافِعِيّ فِي جَوَاز الرُّجُوع عَنِ التَّدْبِير بالْقَوْل، فَأجَاز الرُّجُوع فِي قَول كَمَا جَازَ بَيْعه،
وَهُوَ قَول مُجَاهِد، وَطَاوُس، وَاخْتَارَهُ الْمُزنِيّ، لِأَن التَّدْبِير بِمَنْزِلَة الْوَصِيَّة بِدَلِيل اعْتِبَاره من الثُّلُث، وَمن أوصى لإِنْسَان بِشَيْء، جَازَ لَهُ الرجوعُ فِيهِ، وَالْقَوْل الثَّانِي: لَا يجوز لَهُ إِبْطَاله بالْقَوْل، وَيجوز بَيْعه قبل وجود الصّفة المعَّلق بهَا العِتقُ، وَالله أعلم، وَعتق المدبَّر يكون من الثُّلُث عِنْد عَامَّة أهل الْعلم، حُكيَ عَنْ إِبْرَاهِيم، وَسَعِيد بْن جُبَير، ومسروق أَن الْمُدبر يُعتق من جَمِيع المَال.
بَاب عِتْقِ أُمِّ الْوَلَدِ
2428 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «أَيُّمَا وَلِيدَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهَا، وَلا يَهَبُهَا، وَلا يُوَرِّثُهَا، وَهُوَ يَسْتَمْتِعُ مِنْهَا مَا عَاشَ، فَإِذَا مَاتَ، فَهِيَ حُرَّةٌ»
وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ أُمُّ الْوَلَدِ أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا وَإِنْ كَانَ سَقْطًا، وَيُرْوَى عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا وَلَدَتْ أَمَةُ الرَّجُلِ مِنْهُ، فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ أَوْ بَعْدَهُ».
قَالَ الإِمَامُ: فَذهب عَامَّة أهل الْعلم إِلَى أَن بيع أمِّ الْوَلَد لَا يجوز، وَإِذا مَاتَ الْمولى تعْتق بِمَوْتِهِ من رَأس المَال مُقدمًا على الدُّيُون، والوصايا، وَقد رُوي عَنْ عَطَاء، عَنْ جَابِر، قَالَ: بعنا أُمَّهَات الْأَوْلَاد على عهد رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْر، فَلَمَّا كَانَ عُمَر نَهَانَا، فَانْتَهَيْنَا، فَقَالَ بعض أهل الْعلم: يحتِمل أَن يكون ذَلِكَ مُبَاحا فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام، ثُمَّ نهي عَنْهُ.
وَلم يظْهر النَّهْي لمن بَاعهَا، وَلم يعلم أَبُو بَكْر بِبيع من بَاعهَا مِنْهُم فِي زَمَانه، لقصر مُدَّة أَيَّامه، واشتغاله بِأُمُور الدَّين، ومحاربة أهل الرِّدَّة، وَظهر ذَلِكَ فِي زمن عُمَر، فَنهى عَنْ ذَلِكَ، وَمنع مِنْهُ، ورُوي فِيهِ عَنْ عَليّ خلاف، وَعَن ابْن الزبير أَنَّهُ كَانَ يَبِيعهَا، وَعَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا تعْتق فِي نصيب وَلَدهَا، ورُوي عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ لي عُبَيْدَة: بعث إِلَى عَليّ والى شُرَيْح، يَقُول: إِنِّي أبْغض الِاخْتِلَاف، فاقضوا كَمَا كُنْتُم تقضون، يَعْنِي: فِي أمِّ الْوَلَد حَتَّى يكون النَّاس جمَاعَة، أَو أَمُوت كَمَا مَاتَ صَاحِبَايَ.
فهَذَا يدل على أَنَّهُ وَافق الْجَمَاعَة على أَنَّهَا لَا تبَاع، وَاخْتِلَاف الصَّحَابَة إِذا ختم بِاتِّفَاق، وانقرض الْعَصْر عَلَيْهِ، كَانَ إِجْمَاعًا.
وَتجوز الْوَصِيَّة لأم الْوَلَد، ثُمَّ عتقُها يكون من رَأس المَال، والوصيةُ من الثُّلُث، أوصى عُمَر لأمهات أَوْلَاده بأَرْبعَة آلَاف أَرْبَعَة آلَاف لكل امْرَأَة
مِنْهُنَّ.
وَبيع الْمكَاتب غيرُ جَائِز عِنْد أَكثر أهل الْعلم.
وَإِذا أَتَت أمُّ الْوَلَد بِولد من زوج أَو زنى، فَحكم الْوَلَد حكمُ الْأُم، يكون رَقِيقا لمولى الأمِّ يستخدمه، ويؤاجره، وَلَا يجوز بيعُه، ويُعتق بِمَوْتِهِ من رَأس المَال، هَذَا إِذا كَانَ الِاسْتِيلَاد بِملك الْيَمين، أما إِذا نكح رجل أمة الْغَيْر، واستولدها، فَالْوَلَد رَقِيق لمَالِك الْأُم، وَإِذا اشْترى الْوَالِد وَلَده بعد ذَلِكَ يُعتق عَلَيْهِ بِحكم الْملك، وَله عَلَيْهِ الْوَلَاء، وَإِذا اشْترى أمة لَا يثبت لَهَا حكم الِاسْتِيلَاد عِنْد بعض أهل الْعلم، وَهُوَ قَول مَالِك، وَالشَّافِعِيّ، لِأَنَّهَا علقت برقيق، وَعند أَصْحَاب الرَّأْي يثبت لَهَا حكم الِاسْتِيلَاد، وَاخْتلف قَول الشَّافِعِيّ فِيمَا لَو استولد جَارِيَة الْغَيْر بِالشُّبْهَةِ، ثُمَّ ملكهَا، هَل يثبت لَهَا حكم الِاسْتِيلَاد أم لَا؟ وَجْهَان: أَحدهمَا: لَا يثبت لَهَا حكم الِاسْتِيلَاد، لِأَنَّهُ لم يستولد فِي الْملك، وَالثَّانِي: يثبت، لِأَنَّهَا علقت بَحر، وَهُوَ قَول أَصْحَاب الرَّأْي.
وَاخْتلف قَول الشَّافِعِيّ فِي ولد المدبَّرة، وَالْمُعَلّق عتقهَا بِالصّفةِ، وَولد الْمُكَاتبَة، هَل يكون بِمَنْزِلَة الْأُم حَتَّى يعْتق الْأُم أم لَا؟ فأصح قوليه أَن حكم التَّدْبِير، وَالتَّعْلِيق لَا يثبت فِي الْوَلَد، وَثَبت حكم الْكِتَابَة، لِأَنَّهَا أقوى بِدَلِيل أَنَّهَا تمنع البيع.
وَقد قَالَ: يثبت للْوَلَد حكم الْأُم.
وكل ذَات رحم، فولدها بمنزلتها فِي التَّدْبِير، وَالْكِتَابَة، وَتَعْلِيق الْعتْق، ويعتقون بِعتْقِهَا، ويرقون برقها.
بَاب الْمكَاتب
قَالَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النُّور: 33].
قَالَ مُجاهدٌ وَعَطَاء: مَالا.
وَقَالَ ابْن جُرَيْج: قُلْتُ لعَطَاء: أَوَاجِبٌ عليَّ إِذا عَلِمْتُ لَهُ مَالا أَنْ أُكاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أَرَاهُ إِلا وَاجِبًا.
وَقَالَهُ عُمَر بْن دِينَار.
قُلْتُ لِعَطَاء: تَأْثُرُهُ عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لَا.
ثُمَّ أَخبرني أَنَّ مُوسَى بْن أَنسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سِيرِينَ سأَلَ أَنَسًا الْمُكَاتبَة، وكانَ كثير المَال، فَأبى، فانطَلَقَ إِلَى عُمَرَ،
فَقَالَ عُمَرَ: كَاتِبْهُ.
فَأَبَى، فَضَرَبَهُ بالدِّرَّةِ ويتلوا عُمَرُ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النُّور: 33] فكاتَبَهُ.
قَالَ الشَّافِعِيّ: وأَظْهَرُ مَعَاني الْخَيْر فِي العَبْد بدلالةِ الكتابِ الاكْتِسَابُ، مَعَ الأمانةِ، فَأُحِبُّ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ مِنْ كِتَابَتِهِ إِذَا كَانَ هَكَذَا.
2429 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاق الهاشميُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ»
ويُروى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ عَبْدٌ إِنْ عَاشَ، وَإِنْ مَاتَ، وَإِنْ جَنَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
قَالَ الإِمَامُ: ويُروى عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب، عَنْ أَبِيه، عَنْ جده، أَن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بقيِ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبتِهِ دِرْهَمٌ».
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد، أَن زَيْد بْن ثَابِت، قَالَ: المُكَاتَبُ هُوَ عبدٌ مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَمٌ.
وَمثله عَنْ عَائِشَة، وَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا سُلَيْمَان بْن يَسَار، فعرفته بالصوت، فَقَالَت سُلَيْمَان، ادخل فَإنَّك مَمْلُوك مَا بَقِي عَلَيْك شَيْء.
قَالَ رَحمَه اللَّه: الْكِتَابَة جَائِزَة بِاتِّفَاق أهل الْعلم، وَهُوَ أَن يُكاتب عَبده على مَال مَعْلُوم، فَإِذا أَدَّاهُ، عتق، فَيصير العَبْد بِالْكِتَابَةِ أَحَق بمكاسبه، وَإِذا أدّى، عتق، وَمَا فضل من النُّجُوم من مَاله يكون لَهُ، ويتبعه أَوْلَاده فِي الْعتْق، وَلَا يجوز عِنْد الشَّافِعِيّ على أقل من نجمين، وجوَّز أَبُو حنيفَة الْكِتَابَة على نجم وَاحِد وَحَالَة، وَإِذا عجز الْمكَاتب عَنْ أَدَاء بعض مَا عَلَيْهِ عِنْد الْمحل، وَإِن قل، فللسيِّد فسخ كِتَابَته، وردُّه إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الرّقّ، وَإِذا مَاتَ قبل أَدَاء النُّجُوم، اخْتلف أهل الْعلم، فَذهب كثير مِنْهُم إِلَى أَنَّهُ يَمُوت رَقِيقا، وترتفع الْكِتَابَة، سَوَاء ترك وَفَاء، أَو لم يتْرك، كَمَا لَو تلِف الْمَبِيع قبل الْقَبْض يَنْفَسِخ البيع، وَهُوَ قَول عُمَر، وَابْن عُمَر، وَزَيْد بْن ثَابِت، وَبِهِ قَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيّ، وَقَتَادَة، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَذهب قوم إِلَى أَنَّهُ إِن ترك وَفَاء بِمَا بَقِي عَلَيْهِ من الْكِتَابَة، كَانَ حرا، وَإِن كَانَ فِيهِ فضل، فَالزِّيَادَة لأولاده الْأَحْرَار، رُوي ذَلِكَ عَنْ عَليّ، وَابْن مَسْعُود، وَهُوَ قَول عَطَاء، وَطَاوُس، وَالنَّخَعِيّ، وَالْحَسَن، وَشُرَيْح، وَبِهِ قَالَ مَالِك، وَالثَّوْرِيّ، وَأَصْحَاب الرَّأْي، وَإِذا أدّى الْمكَاتب بعض كِتَابَته فِي حَيَاته، فَلَا يعْتق شَيْء مِنْهُ مَا لم يؤدِّ آخر النُّجُوم عِنْد أَكثر أهل الْعلم، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيّ، وَالشَّافِعِيّ، وَأَصْحَاب الرَّأْي، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق.
وَقَالَ بَعضهم: يُعتق بِقدر مَا يُؤَدِّي.
يُروى ذَلِكَ عَنْ عَليّ، وَقَالَهُ النَّخعِيّ، وَقد رُوِيَ يَزِيد بْن هَارُون، عَنْ حَمَّاد بْن سَلمَة، عَنْ أَيُّوب، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْن عَبَّاس، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا أَصَابَ المُكَاتَبُ حَدًّا أَوْ مِيرَاثًا، وَرِثَ بِحسابِ مَا عَتَقَ منهُ».
قَالَ: وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُؤَدِّي المكاتَبُ بِحِصَّةِ مَا أَدَّى دِيَّةَ حُرٍّ، وَمَا بقيَ دِيَّةَ عَبْدٍ».
وَهَكَذَا روى يَحْيَى بْن أَبِي كثير، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ ابْن عَبَّاس، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وروى خَالِد الحذَّاء، عَنْ عِكْرِمَة، عَنْ عَليّ قَوْله.
وَعَامة أهل الْعلم على أَن الْمكَاتب إِذا قُتِل، وَقد بَقِي شَيْء من النُّجُوم يجب على قَاتله قِيمَته كَالْعَبْدِ، إِلا إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ بِظَاهِر هَذَا الْحَدِيث، وَالْآخرُونَ لَعَلَّهُم ذَهَبُوا إِلَى أَن الْحَدِيث غير ثَابِت وَلَو ثَبت، وَجب القَوْل بِهِ إِذا لم يكن مَنْسُوخا، أَو مُعَارضا بِمَا هُوَ أولى مِنْهُ.
وروى الزُّهْرِيّ عَنْ نَبهَان، مُكاتب لأم سَلمَة، عَنْ أمِّ سَلمَة، قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كانَ عِنْدَ مُكَاتَبِ إِحْدَاكُنَّ مَا يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ».
وَهَذَا عِنْد أهل الْعلم على التورع، وَالِاحْتِيَاط، لِأَنَّهُ بِعرْض أَن يعْتق فِي كل سَاعَة، بِأَن يُؤَدِّي نجومه، لَا أَنَّهُ يعْتق قبل أَدَاء النُّجُوم، قَالَ الشَّافِعِيّ: وَيجْبر السَّيِّد على أَن يضع من كِتَابَته شَيْئا، لقَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النُّور: 33] وَاحْتج بِأَن ابْن عُمَر كَاتَبَ عبدا لَهُ على خَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، ثُمَّ وضع عَنْهُ خَمْسَة آلَاف من أخر كِتَابَته، وَلم يُوجب قوم ذَلِكَ.
وَإِذا كَاتب الرجل عَبده كِتَابَة فَاسِدَة، يعْتق بأَدَاء المَال، ويتبعه الْأَوْلَاد والأكساب كَمَا فِي
الْكِتَابَة الصَّحِيحَة، ويفترقان فِي بعض الْأَحْكَام، وَهِي أَن الْكِتَابَة الصَّحِيحَة لَا يملك الْمولى فَسخهَا مَا لم يعجز الْمكَاتب عَنْ أَدَاء النُّجُوم، وَلَا يبطل بِمَوْت الْمولى، وَيعتق بِالْإِبْرَاءِ عَنِ النُّجُوم، وَالْكِتَابَة الْفَاسِدَة يملك الْمولى فَسخهَا قبل أَدَاء المَال، وَإِذا فسخ، ثُمَّ أدّى لَا يعْتق، وَيبْطل بِمَوْت الْمولى، وَلَا يعْتق بِالْإِبْرَاءِ عَنِ النُّجُوم، وَإِذا عتق بِالْأَدَاءِ لَا يثبت التراجع فِي الْكِتَابَة الصَّحِيحَة، وَيثبت فِي الْكِتَابَة الْفَاسِدَة، فَيرجع الْمولى عَلَيْهِ بِقِيمَة رقبته، وَهُوَ يرجع على الْمولى بِمَا دفع إِلَيْهِ إِن كَانَ مَالا.
بَاب العِتْقِ على الخِدْمَةِ
2430 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ، عَنْ سَفِينَةَ، قَالَ: «أَعْتَقَتْنِي أمُّ سَلَمَةَ، وَاشْتَرَطَتْ عَلَيَّ أَنْ أخْدِمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا عَاشَ» قَالَ الإِمَامُ: لَو قَالَ رجل لعبد: أعتِقُكَ على أَن تخدمني شهرا.
فَقبل، عتق فِي الْحَال، وَعَلِيهِ خدمَة شهر، وَلَو قَالَ: على أَن تخدمني أبدا، أَو قَالَ مُطلقًا، فَقبل، عتق فِي الْحَال، وَعَلِيهِ قيمَة رَقَبَة للْمولى، ورُوي عَنْ سفينة، قَالَ: كنت مَمْلُوكا لأمِّ سَلمَة، فَقَالَت: " أعتقك وَأَشْتَرِط عَلَيْك أَن تخْدم رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا عشتَ، فَقلت: إِن لم تشترطي عليَّ مَا فَارَقت رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا عشتَ، فأعتقتني واشترطت عليَّ ".
قَالَ الإِمَامُ: هَذَا الشَّرْط إِن كَانَ مَقْرُونا بِالْعِتْقِ، فعلى العَبْد الْقيمَة، وَلَا قيمَة عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ بعد الْعتْق، فَلَا يلْزم الشَّرْط، وَلَا شَيْء على العَبْد عِنْد أَكثر الْفُقَهَاء، وَكَانَ ابْن سِيرِينَ يثبت الشَّرْط فِي هَذَا.
وَقَالَ أَحْمَد: يَشْتَرِي هَذِه الْخدمَة من الَّذِي شَرط لَهُ، قيل لَهُ: يَشْتَرِي بِالدَّرَاهِمِ؟ قَالَ: نعم.
بعونه تَعَالَى وتوفيقه تمّ الْجُزْء التَّاسِع من شرح السّنة ويليه الْجُزْء الْعَاشِر وأوله
20 -