شرح السنة للبغويصفحات 273-290

كِتَابُ الطَّلاقِ

صفحات 273-290
عن هذه الطبعة
عَلَم
البغوي ، أبو محمد
الكتاب
شرح السنة
المؤلف
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
الطبعة
الثانية، 1403هـ - 1983م
عدد الأجزاء
15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بَاب الشَّكِّ فِي الوَلَدِ

2377 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «مَا أَلْوَانُهَا؟»، قَالَ: حُمْرٌ.
قَالَ: «فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «أَنَّى تَرَى ذَلِكَ؟»، قَالَ: أَرَاهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: «فَلَعَلَّ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ، عَنْ

مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ والأوْرَقُ: الأسمر، وَمِنْه قيل للرماد: أَوْرَق، وللحمامة: وَرْقَاء، فالأورق من الْإِبِل وَالْحمام: الَّذِي لونُه لونُ الرماد.
قَالَ الإِمَامُ: وَفِيه دَلِيل على أَن امْرَأَة الرجل إِذا أَتَت بِولد لَا يُشبههُ لوقت يُمكن أَن يكون مِنْهُ، لَا يُباحُ لَهُ قذفُها، وَلَا نفي الْوَلَد، وَإِن زنَّها بريبة، فَإِن تَيَقّن أَن الْوَلَد لَيْسَ مِنْهُ بِأَن لم يكن أَصَابَهَا، أَو أَتَت بِهِ لأقلَّ من سِتَّة أشهر من وَقت الْإِصَابَة، أَو لأكْثر من أَربع سِنِين، فَعَلَيهِ نفيُه، لِأَنَّهُ كَمَا هُوَ مَمْنُوع من نفي نسبه مَمْنُوع من استلحاق من هُوَ منفي عَنْهُ بِالْيَقِينِ.
وَلَو رأى امْرَأَته تَزني، أَو سمع مِمَّن يَثِق بقوله يُبَاح لَهُ قَذفهَا، وَاللّعان، والستر أولى إِذا لم يكن ثَمَّ نسب يلْحقهُ، وَهُوَ يعلم أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ.
وَلَو أَتَت امْرَأَة الصَّبِي بِولد، فَإِن كَانَ الصَّبِي ابْن عشر سِنِين، يلْحق بِهِ إِلا أَن يَنْفِيه بِاللّعانِ بعد تَيَقّن بُلُوغه، لِأَن الْبلُوغ بالاحتلام مُتَصَوّر بعد عشر سِنِين، وَالنّسب يثبت بالإمكان، وَإِن كَانَ دون عشر سِنِين، فمنفي عَنْهُ بِلَا لِعان.
وَفِي الْحَدِيث دَلِيل على أَنَّهُ لَا يصير قَاذِفا بالتعريض مَا لم يُصَرح بِالْقَذْفِ، وَهُوَ أَن ينْسبهُ إِلَى الزِّنَى صَرِيحًا، أَو يذكر كِنَايَة، فَيَقُول: يَا فَاسق، يَا فَاجر، وَنَحْوهمَا، ثُمَّ يقر بِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الزِّنَى، فَأَما التَّعْرِيض مثل قَوْله:

يَا ابْن الْحَلَال، أَو أما أَنا، فَمَا زَنَيْت، وَلَيْسَت أُمِّي بزانية، فَلَيْسَ بِقَذْف، وَإِن أَرَادَهُ عِنْد الْأَكْثَرين، وَقَالَ مَالِك: يجب الحدُّ بالتعريض، لما رُوِيَ عَنْ عمْرَة بنت عَبْد الرَّحْمَنِ، أَن رجلَيْنِ استبَّا فِي زمَان عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ أَحدهمَا للْآخر: وَالله مَا أَبِي بزانٍ، وَلَا أُمِّي بزانية.
فَاسْتَشَارَ عُمَر فِي ذَلِكَ، فَقَالَ قَائِل: مدح أَبَاهُ وَأمه، وَقَالَ آخَرُونَ: قَدْ كَانَ لأَبِيهِ وأمِّه مَدْحٌ سوى هَذَا، نرى أَنْ يُجْلَدَ الحدَّ، فَجَلَدَهُ عُمَرَ بْن الخَطَّابِ ثَمَانِينَ.
وَفِي الْحَدِيث إثباتُ الْقيَاس حَيْثُ أحَال اخْتِلَاف اللَّوْن بَين الْوَالِد والمولود على نزع الْعرق، بِالْقِيَاسِ على اخْتِلَاف ألوان الْإِبِل مَعَ اتِّحَاد الْفَحْل واللقاح.

بَاب الوَلدِ لِلفِراشِ

2378 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زمْعَةَ مِنِّي، فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عَامَ

الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقَالَ: إِنَّ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَليدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْوَلَدُ لِلْفِراشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: «احْتَجِبِي مِنْهُ» لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حتَّى لَقِيَ اللَّهَ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ لَيْثٍ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَالَ مُسَدَّدٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدُ»

قَالَ الإِمَامُ: كَانَت لأهل الْجَاهِلِيَّة عاداتٌ فِي الْأَنْكِحَة، وَفِي أَمر الْإِمَاء، أبطلها الشَّرْع، فَمن عَادَتهم فِي الْأَنْكِحَة مَا رُوي عَنْ عَائِشَة أَن النِّكَاح فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَ على أَرْبَعَة أنحاء: فنكاح مِنْهَا نكاحُ النَّاس الْيَوْم يخطبُ الرجل إِلَى الرجل وليتَه، أَو ابْنَته، فيصدقُها، ثُمَّ ينكِحها، ونكاحٌ آخر، كَانَ الرجل يَقُول لامْرَأَته إِذا طهرتْ من طمثها: أرسلي إِلَى فلَان، فاستبضعي مِنْهُ، ويعتزلها زَوجهَا حَتَّى يتبيَّن حملُها من ذَلِكَ الرجل، فَإِذا تبيَّن حملُها، أَصَابَهَا زَوجهَا إِذا أحبَّ، وَإِنَّمَا يفعل ذَلِكَ رَغْبَة فِي نجابة الْوَلَد، فَكَانَ هَذَا نكاحَ الاستبضاع.
وَنِكَاح آخر يجْتَمع الرَّهط دون الْعشْرَة، فَيدْخلُونَ على الْمَرْأَة كلُّهم يُصِيبهَا، فَإِذا حملت وَوضعت، ومرَّت ليالٍ بعد أَن تضع حملهَا، أرْسلت إِلَيْهِم حَتَّى يجتمعوا عِنْدهَا، تَقول لَهُم: قد ولدتُ، فَهُوَ ابنُك يَا فلَان، تسمي من أحبَّت، فيلحقُ بِهِ ولدُها لَا يَسْتَطِيع أَن يمْتَنع الرجل.
ونكاحٌ رَابِع يجْتَمع النَّاس الْكثير، فَيدْخلُونَ على الْمَرْأَة لَا تمْتَنع مِمَّن جاءها، وهُن البغايا كنَّ ينصِبنَ على أبوابهنَّ راياتٍ تكون عَلما، فَمن أرادُهنَّ دخل عليهنَّ، فَإِذا حملت إحداهُنَّ، وَوضعت حملهَا، دعوا لَهُم الْقَافة، ثُمَّ ألْحقُوا وَلَدهَا بِالَّذِي يرَوْنَ ودُعي ابْنه، لَا يمْتَنع من ذَلِكَ، فَلَمَّا بُعث مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحقِّ، هدم نِكَاح الْجَاهِلِيَّة كُله إِلا نِكَاح النَّاس الْيَوْم.

قَالَ الإِمَامُ: وَمن عاداتهم فِي الْإِمَاء أَنهم كَانُوا يقتنون الولائد، ويضربون عَلَيْهِم الضرائب، فيكتسبنَ بِالْفُجُورِ، وهنَّ البغايا اللَّاتِي ذكرهن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي قَوْله: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النُّور: 33]، وَكَانَت سادتهم يُلمون بهنَّ، وَلَا يجتنبونهن، وَكَانَ من سيرتهم إلحاقُ الْوَلَد بالزنى، فَإِذا جَاءَت الْوَاحِدَة مِنْهُنَّ بِولد، وَكَانَ سيِّدها يَطَؤُهَا، وَقد وَطئهَا غَيره بالزنى، فَرُبمَا ادَّعاه الزَّانِي وادَّعاه السَّيد، فدعوا لَهُ الْقَافة، فَحكم رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَلَدِ لسَيِّدهَا لإِقْرَاره بِوَطْئِهَا، ومصيرها فراشا لَهُ بِالْوَطْءِ، وأبطل مَا كَانَ عَلَيْهِ أهلُ الْجَاهِلِيَّة من إِثْبَات النّسَب بالزنى، كَمَا رُوي عَنْ سَعِيد بْن جُبير، عَنِ ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا مُسَاعَاة فِي الإِسلام مَنْ سَاعَى فِي الجَاهِلِيَّة، فَقَدْ لَحِقَ بِعَصَبته، ومَن ادَّعى ولدا مِنْ غير رِشْدَةٍ، فَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ».
وَالْمرَاد بالمساعاة: الزِّنَى، وَكَانَ الْأَصْمَعِي يَجْعَل المساعاة فِي الْإِمَاء دون الْحَرَائِر، لِأَنَّهُنَّ يسعين لمواليهن، فيكتسبن لَهُم بضرائب كَانَت عَلَيْهِنَّ، فَأبْطل النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المساعاة فِي الْإِسْلَام، وَلم يُلحق بهَا النّسَب، وَعَفا عَمَّا كَانَ مِنْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَأثبت بِهِ النّسَب، وَفِي هَذَا كَانَت منازعةُ عبد بْن زَمعَة، وَسَعْد بْن أَبِي وَقاص، كَانَت لزمعة أمةٌ يُلمُّ بهَا، وَكَانَت لَهُ عَلَيْهَا ضريبة، وَكَانَ قد أَصَابَهَا عتبةُ بْن أَبِي وَقاص، وَظهر بهَا حمل، وَهلك عتبَة كَافِرًا، فعهد إِلَى أَخِيه سَعْد أَن يستلحق ولد أمة زَمعَة، وادَّعى عبد بْن زَمعَة أَنَّهُ أخي ولد على فرَاش أَبِي، فَقَضَى رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْد بْن زمْعَةَ بِمَا يَدَّعيه، وأبْطَلَ دَعْوَةَ الجَاهليَّةِ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيث من الْفِقْه إِثْبَات الدَّعْوَى فِي النّسَب كَمَا فِي الْأَمْوَال، وَفِيه أَن الْأمة تصير فراشا بِالْوَطْءِ، فَإِذا أقرّ السيِّد بِوَطْئِهَا، ثُمَّ أَتَت بِولد لمُدَّة يُمكن أَن يكون مِنْهُ، يلْحقهُ، وَلم يكنه نَفْيه باللِّعان إِلا أَن يَدعِي الِاسْتِبْرَاء بعد الْوَطْء، والوضع بعده بِأَكْثَرَ من سِتَّة أشهر، فَحِينَئِذٍ يَنْتَفِي عَنْهُ الْوَلَد.
2379 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَئُونَ وَلائِدَهُمْ، ثُمَّ يَدَعُونَهُنَّ يَخْرُجْنَ، لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا، إِلا أَلْحَقتُ بِهِ وَلَدَهَا، فَأَرْسِلُوهُنَّ بَعْدُ، أَوْ أَمْسِكُوهُنَّ» وَذهب أَصْحَاب الرَّأْي إِلَى أَن الْأمة لَا تصير فراشا بِالْوَطْءِ، فَإِن أَتَت بِولد لَا يلْحق السيِّد، وَإِن أقرَّ بِوَطْئِهَا مَا لم يقر بِالْوَلَدِ، وَإِن أقرّ السَّيد بِالْوَطْءِ، وادَّعى الِاسْتِبْرَاء، فادعت الْأمة أَنَّهُ لم يَسْتَبْرِئهَا، فَالْقَوْل قَول السَّيِّد، فَإِن قَالَ السَّيد: كنت أعزل، لحقه النّسَب، لِأَن الْعلُوق مَعَ الْعَزْل مُمكن.
2380 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،

عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: «مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَئُونَ وَلائِدَهُمْ، ثُمَّ يَعْزِلُونَهُنَّ، لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا إِلا أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا، فاعْزِلُوا بَعْدُ، أَوِ اتْرُكُوا» قَالَ الإِمَامُ: وَفِي الْحَدِيث أَن من مَاتَ، فَأقر وَارثه بِابْن لَهُ، ثَبت نسبه، وَإِن كَانَ الْمقر وَاحِدًا بعد أَن كَانَ مِمَّن يحوز جَمِيع مِيرَاث الْمَيِّت، فَإِن مَاتَ عَنْ عدد من الْوَرَثَة، فَأقر بَعضهم بِنسَب، وَأنكر بَعضهم، فَلَا يثبت النّسَب، وَلَا الميراثُ، فَإِن قيل: لم يُوجد فِي قصَّة وليد زَمعَة إقرارُ جَمِيع الْوَرَثَة، لِأَنَّهُ أقرّ بِهِ عبد بْن زَمعَة وَحده، وَكَانَت أُخْته سَوْدَة تَحت النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلم يكن من جِهَتهَا إقرارٌ وَلَا دَعْوَى.
قيل: قد رُوي أَنَّهُ لم يكن لزمعة يَوْم مَاتَ وارثٌ غير ابْنه عبد زَمعَة، لِأَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا، وَأسْلمت سَوْدَة فِي حَيَاته، وَأسلم عبد بْن زَمعَة، بعده، فَكَانَ مِيرَاثه لعبد وَحده، وَقد لَا يُنكر إِن ثَبت كونُ سَوْدَة من الْوَرَثَة أَن تكون قد وكَّلت أخاها بِالدَّعْوَى، أَو أقرَّت بذلك، عَنْ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِن لم يذكر فِي الْقِصَّة، وَالِاعْتِبَار فِي هَذَا بقول من يسْتَحق التَّرِكَة بِالْإِرْثِ، سَوَاء كَانَ اسْتِحْقَاقه بِنسَب، أَو نِكَاح، أَو وَلَاء، فَلَو مَاتَ عَنِ ابْن، فَأقر بِأَخ لَهُ، لحقه، واشتركا فِي

الْمِيرَاث، وَلَو كَانَ مَعَه زَوْجَة فأنكرت لم يثبت، وَلَو مَاتَ عَنْ بنت، فأقرت بِأَخ لَهَا، لم يثبت، لِأَنَّهَا لَا ترثُ جَمِيع المَال، فَإِن كَانَت مُعتقة أَبِيهَا، ثَبت، وَلَو مَاتَ عَنِ ابْن، فَأقر بِأَخ للْمَيت، هُوَ يلْحق النّسَب بالجد، فَإِن مَاتَ جده بعد أَبِيه، يثبت إِذا كَانَ هُوَ مِمَّن ورث جَمِيع تَرِكَة الْجد، وَإِن مَاتَ جده قبل أَبِيه يشْتَرط أَن يكون هَذَا حائزا جَمِيع تَرِكَة من حَاز تَرِكَة الجدِّ حَتَّى يثبت بقوله النّسَب، وَلَو أقرَّ بوارث يحجب الْمقر، يثبت بقوله النّسَب دون الْمِيرَاث، مثل أَن مَاتَ عَنْ أَخ، فَأقر بِابْن للْمَيت، يثبت نسب الابْن بِإِقْرَار الْأَخ، وَلَا مِيرَاث للِابْن، لِأَنَّهُ لَو ورث حجب الْأَخ، وَإِقْرَار المحجوب لَا يثبت بِهِ النّسَب، فَفِي إِثْبَات الْمِيرَاث لَهُ نفي نسبه، فأثبتنا النّسَب ومنعنا الْمِيرَاث، هَذَا كُله على مَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَمعنى قَوْله.
وَذهب أَصْحَاب الرَّأْي إِلَى أَن النّسَب لَا يثبت بقول الْوَاحِد، وَلَا يشْتَرط إِقْرَار من يَرث جَمِيع المَال، بل يشْتَرط عدد الشَّهَادَة، فَإِن من مَاتَ عَنْ بَنِينَ وَبَنَات، فَأقر مِنْهُم ابْنَانِ أَو ابْن وبنتان يثبت النّسَب، وَالْمِيرَاث، وَإِن أنكر الْبَاقُونَ، والْحَدِيث حجَّة لِلْقَوْلِ الأول.
وَلَو مَاتَ عَنْ بَنِينَ، فَأقر بَعضهم بِأَخ آخر، وَأنكر الْآخرُونَ، فَلَا نسب وَلَا مِيرَاث للْمقر بِهِ، عِنْد بعض أهل الْعلم، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيّ، وَذهب قوم إِلَى أَنَّهُ يدْخل فِي الْمِيرَاث مثل أَن كَانَا أَخَوَيْنِ أقرّ أَحدهمَا بِأَخ ثَالِث، وَأنكر الآخر، لَا يثبت النّسَب بالِاتِّفَاقِ، ثُمَّ عِنْد أَبِي حنيفَة يَأْخُذ الْمقر بِهِ نصف مَا فِي يَد الْمقر، وَقَالَ ابْن أَبِي ليلى، وَأَبُو يُوسُف: يَأْخُذ ثلث مَا فِي يَد الْمقر.
وَلَو مَاتَ عَنِ ابْنَيْنِ، فَأقر أَحدهمَا بدين على الْمَيِّت، وَأنكر الآخر،

لَا يجب على الْمقر إِلا نصف الْمقر بِهِ على أظهر الْقَوْلَيْنِ.
وَقَالَ فِي الْقَدِيم: يجب عَلَيْهِ جَمِيع الدَّين إِلا أَن تكون حِصَّته من التَّرِكَة أقل من الدَّين، فَلَا يلْزمه أَكثر مِمَّا خصّه، وَلَو شهد اثْنَان من الْوَرَثَة بدَين لإِنْسَان على الْمَيِّت، فعلى القَوْل الأول يُقبل، وَيثبت فِي جَمِيع التَّرِكَة، وَهُوَ قَول الْحَسَن، وَالْحكم، وَمَالك، وعَلى القَوْل الآخر: لَا يقبل، وَيكون كَالْإِقْرَارِ، فَيكون من نصيبهما، وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَأَصْحَاب الرَّأْي.
وَأما أمره سَوْدَة بالاحتجاب عَنْهُ بعد الحكم بالإخوة، فعلى معنى الِاسْتِحْبَاب والتنزه عَنِ الشُّبْهَة، لما رأى من شبه الْغُلَام بِعتبَة، والاحتراز عَنْ مَوَاضِع الشّبَه من بَاب الدَّين، وَقَوله: «الولدُ للفِرَاشِ»، يَعْنِي: لصَاحب الْفراش وَهُوَ الزَّوْج، أَو مَالِك الْأمة، لِأَنَّهُ يفترشها بِالْحَقِّ، وَقَوله: «للعَاهِرِ الحَجَرُ».
فالعاهر: الزَّانِي، يقَالَ: عهر إِلَيْهَا يعهر: إِذا أَتَاهَا للفجور، والعهر: الزِّنَا، وَقيل: أَرَادَ بِالْحجرِ الرَّجْم بِالْحِجَارَةِ.

وَقيل: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ لَيْسَ كل زَان يُرجم، وَإِنَّمَا يُرجم بعض الزناة، وَهُوَ الْمُحصن، وَإِنَّمَا معنى الْحجر هُنَا الخيبة والحرمان، يَعْنِي: لَا حَظّ لَهُ فِي النّسَب، كَقَوْل الرجل لمن خيبه وآيسه من الشَّيْء: لَيْسَ لَك غير التُّرَاب، وَمَا فِي يدك إِلا الْحجر.
وَقد رُوي عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «إنْ جَاء يَطْلُبُ ثَمَنَ الكَلْبِ فَاملأ كَفَّهُ تُرابًا».
وَأَرَادَ بِهِ الحرمان والخيبة، وَقد كَانَ بعض السّلف يرى أَن يوضع التُّرَاب فِي كَفه جَريا على ظَاهر الْحَدِيث.

بَاب القَائِفِ

قَالَ الإِمَامُ: سُمِّيَ القائِفُ قائفًا، لأنَّهُ يَتْبَعُ الآثَارَ، ومنهُ قولهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الْإِسْرَاء: 36]، أَي: لَا تَتْبَعْ، يُقَالُ: قَفَوْتُهُ أقْفُوهُ، وقفته، أقُوفُهُ، وَقَفَّيْتُهُ: إِذا اتَّبَعْتَ أَثَرَهُ.
2381 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ

النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مَسْرُورٌ، فَقَالَ: «أَيْ عَائِشَةُ، أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا المُدْلِجيَّ دَخَلَ عَلَيَّ»، فَرَأَى أُسَامَةَ، وَزَيْدًا، وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَمُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ لَيْثٍ وَقَالَ ابْن جُرَيْج، عَنِ الزُّهْرِيّ: تبرُق أساريرُ وَجهه: وَهِي الخطوط الَّتِي فِي الْجَبْهَة، وَاحِدهَا: سِرَرٌ وسِرٌ، وَجمعه أسرار وأسِرَّة، والأسارير: جمعُ الْجمع.
قَالَ الإِمَامُ: إِذا ادّعى رجلَانِ أَو أَكثر نسب مَوْلُود مَجْهُول النّسَب، أَو اشْتَركَا فِي وَطْء امْرَأَة، فَأَتَت بِولد لمُدَّة يُمكن أَن يكون لكل

وَاحِد مِنْهُمَا، فتنازعاه، يرى الْوَلَد القائفَ مَعَهم، فَأَيهمْ ألحقهُ القائفُ، لحقه، فَإِن أَقَامَ الآخر بيِّنة، كَانَ الحكم للبينة، وَمِمَّنْ أثبت الحكم بالقافة عُمَر بْن الْخَطَّاب، وَابْن عَبَّاس، وَأنس بْن مَالِك.
قَالَ حُمَيْد: شكّ أَنَس فِي ابْن لَهُ، فَدَعَا لَهُ الْقَافة، وَهُوَ قَول عَطَاء، وَإِلَيْهِ ذهب مَالِك، وَالأَوْزَاعِيّ، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَعَامة أهل الْحَدِيث.
وَذهب أَصْحَاب الرَّأْي إِلَى أَنَّهُ لَا حكم لقَوْل الْقَائِف، بل إِذا ادّعى جمَاعَة من الرِّجَال نسب مَوْلُود يلْحق بهم جَمِيعًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: يُلحق برجلَيْن وبثلاثة، وَلَا يُلحق بِأَكْثَرَ، وَلَا يلْحق بامرأتين، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يلْحق بامرأتين.
والْحَدِيث حجَّة لمن حكم بقول الْقَائِف، وَذَلِكَ أَن النَّاس كَانُوا قد ارْتَابُوا فِي نسب أُسَامَة من زَيْد، إِذْ كَانَ زَيْد أَبيض اللَّوْن، وَجَاء أُسَامَة أسود اللَّوْن، قَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعت أَحْمَد بْن صَالِح يَقُول: كَانَ أُسَامَة أسود شَدِيد السوَاد مثل القار، وَكَانَ زَيْد أَبيض مثل الْقطن، وَكَانَ المُنَافِقُونَ يَتَكَلَّمُونَ فيهمَا بِمَا يسوء النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَاعه، فَلَمَّا سمع قَول مجزِّز فيهمَا، فَرح بِهِ، وسرِّي عَنْهُ، وَلَو لم يكن ذَلِكَ حَقًا، لَكَانَ لَا يظْهر عَلَيْهِ السرُور، بل كَانَ يُنكر عَلَيْهِ، ويمنعه عَنْهُ، وَيَقُول لَهُ: لَا تقل هَذَا، لِأَنَّك إِن أصبت فِي شَيْء، لم آمن عَلَيْك أَن تُخطئ فِي غَيره، فَيكون فِي خطئك قذف مُحصنَة، وَنفي نسب.
وَإِذا دَعَاهُ رجلَانِ، فألحقه الْقَائِف بهما، أَو لم يكن قائف، فَإِن كَانَ الْوَلَد كَبِيرا، قيل لَهُ: انتسب إِلَى أَيهمَا شِئْت، وَإِن كَانَ صَغِيرا، فَيُوقف حَتَّى يبلغ فينتسب.
رُوي أَن رجلَيْنِ تداعيا ولدا، فَدَعَا لَهُ عُمَر الْقَافة، فَقَالُوا: قد اشْتَركَا فِيهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَر: والِ أَيهمَا شِئْت،

وَهَذَا قَول الشَّافِعِيّ، فَإِن انتسب إِلَى أَحدهمَا، ثُمَّ وجد الْقَائِف، فألحقه بِالثَّانِي، كَانَ الحكم لقَوْل الْقَائِف، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِذا قَالَ الْقَائِف: هُوَ ابنهما.
يلْحق بهما يَرث مِنْهُمَا ويرثانه.
وَقد رُوي عَنْ زَيْد بْن أَرقم، قَالَ: كنتُ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجَاء رجل من الْيمن، فَقَالَ: إِن ثَلَاثَة نفر من أهل الْيمن أَتَوا عليا يختصمون فِي ولد، وَقد وَقَعُوا على امْرَأَة فِي طُهر وَاحِد، فَقَالَ: إِنِّي مُقرعٌ بَيْنكُم، فَمن قَرَعَ، فَلهُ الْوَلَد، وَعَلِيهِ لصاحبيه ثلثا الدِّيَة، فأقرع بَينهم، فَجعله لمن قرع، فَضَحِك النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَذهب إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه إِلَى ظَاهر هَذَا الْحَدِيث، وَقَالَ بِالْقُرْعَةِ، وَقَالَ: هُوَ السّنة فِي دَعْوَى الْوَلَد، وَكَانَ الشَّافِعِيّ يَقُول بِهِ فِي الْقَدِيم، وَقيل لِأَحْمَد بْن حَنْبَل فِي حَدِيث زَيْد بْن أَرقم، فَقَالَ: حَدِيث الْقَافة أحب إِلَيّ، وَقد تكلم بَعضهم فِي إِسْنَاد حَدِيث زَيْد بْن أَرقم.

بَاب نِكاحِ الزَّانيَةِ

2382 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ.
ح، وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سُفْيَانُ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبيِدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي امْرَأَةً لَا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طَلِّقْهَا».
قَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا، قَالَ: «فَأَمْسِكْهَا إِذًا» 2383 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ الْمُظَفَّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ، أَنا أَبُو

الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ، أَنا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ، نَا الْحَسَنُ بْنُ الْفَرَجِ، نَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ هُوَ الْجَزَرِيُّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَدْفَعُ يَدَ لامِسٍ، قَالَ: «طَلِّقْهَا».
قَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا وَهِيَ جَمِيلَةٌ.
قَالَ: «اسْتَمْتِعْ بِهَا».
ويُروى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ قَوْله: «لَا تَردُّ يَدُ لامِسٍ»، مَعْنَاهُ أَنَّهَا مطاوعة لمن أرادها، وَلَا ترد يَده، وَفِي قَوْله: «فأمْسِكْهَا»، دَلِيل على جَوَاز نِكَاح الْفَاجِرَة، وَإِن كَانَ الِاخْتِيَار غير ذَلِكَ، وَهُوَ قَول أهل الْعلم، وَأما قَول اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النُّور: 3]، فَإِنَّمَا نزلت فِي امْرَأَة بغي من الْكفَّار

خَاصَّة يقَالَ لَهَا: عنَاق، كَمَا رُوي عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب، عَنْ أَبِيه، عَنْ جده، قَالَ: كَانَ رجل يُقَالُ لَهُ: مَرْثَد بْن أَبِي مرْثَد الغنوي، كَانَ يحمل الْأُسَارَى من مَكَّة حَتَّى يَأْتِي بهم الْمَدِينَة، وَكَانَ بِمَكَّة بغيٌّ، يقَالَ لَهَا: عَنَاقُ، وَكَانَت صديقَة لَهُ، قَالَ: فَأتيت النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقلت: يَا رَسُول اللَّه، أنكِحُ عنَاق؟ فَأمْسك رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلم يُرد شَيْئا، فَنزلت: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النُّور: 3] فدعاني، فقرأها عَلَيَّ، وَقَالَ لي: «لَا تَنْكِحْهَا».
ورُوي عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد، عَنِ ابْن الْمُسَيِّب، فِي قَوْله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً﴾ [النُّور: 3]، قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَة نسختها ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النُّور: 32] فَهِيَ من أيامى الْمُسلمين.

ورُوي أَن عُمَر بْن الْخَطَّاب ضرب رجلا وَامْرَأَة فِي زنى، وحرص أَن يجمع بَينهمَا، فَأبى الْغُلَام، وَحكي عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود فِي الرجل يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ، ثُمَّ يَتَزَوَّجهَا، قَالَ: لَا يزَالَانِ زَانِيَيْنِ مَا اجْتمعَا.
وَعَن عَائِشَة، قَالَت: هما زانيان.
وَإِذا زنى رجل بِامْرَأَة، فَلَا عدَّة عَلَيْهَا، لِأَن الْعدة لصيانة مَاء الرجل، وَلَا حُرْمَة لماء الزَّانِي، بِدَلِيل أَنَّهُ لَا يثبُت بِهِ النسبُ، وَيجوز لَهَا أَن تنكِحَ فِي الْحَال، وَعند مَالِك لَا يجوز حَتَّى تقضي عدتهَا.
فَأَما إِذا حبِلت من الزِّنَى، فَاخْتلف أهلُ الْعلم فِي جَوَاز نِكَاحهَا، فَأَجَازَهُ بعض أهل الْعلم، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيّ، وَأَبِي حنيفَة، وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن، غير أَنَّهُ يُكره لَهُ الْوَطْء حَتَّى تضع، وَذهب جمَاعَة إِلَى أَنَّهُ لَا يجوز لَهَا أَن تنكِح حَتَّى تضع الْحمل، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْرِيّ، وَأَبِي يُوسُف، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق.
وَلَو زنى رجل بِامْرَأَة، وَهِي غير زَانِيَة بِأَن كَانَت نَائِمَة أَو مُكْرَهَة، فَلَا عدَّة، وَلَا نسب، وَلها الْمهْر، وَإِن كَانَت هِيَ زَانِيَة وَالرجل جَاهِل، فعلَيْهَا الْعدة وَيثبت النسبُ، وَلَا مهر لَهَا، لِأَن بِنَاء الْعدة وَالنّسب على حُرْمَة المَاء.
قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فِي ولد الزِّنَى: اشترها للْخدمَة، وَلَا تشترها لطلب وَلَدهَا.

18 -

جارٍ التحميل