شرح السنة للبغويصفحات 252-291

كِتَابُ الصِّيَامِ

صفحات 252-291
عن هذه الطبعة
عَلَم
البغوي ، أبو محمد
الكتاب
شرح السنة
المؤلف
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش
الناشر
المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت
الطبعة
الثانية، 1403هـ - 1983م
عدد الأجزاء
15 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
1729 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا قُتَيْبَةُ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ».

هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ: هُوَ مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ اللَّخْمِيُّ، وَأَهْلُ مِصْرَ يَقُولُونَ: مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ يَقُولُونَ: مُوسَى بْنُ عُلِيٍّ وَاسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ تَأْخِيرَ السُّحُورِ، وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: " تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلاةِ.
قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: خَمْسِينَ آيَةً ".

بَابُ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ

1730 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، اسْتَحَبُّوا تَعْجِيلَ الْفِطْرِ بَعْدَمَا تَيَقَّن غُرُوبَ الشَّمْسِ، قَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ: مِنْ عَمَلِ النُّبُوَّةِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ، وَالاسْتِينَاءُ بِالسَّحُورِ.
1731 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا هَنَّادٌ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا، وَمَسرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ،

فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤمِنِينَ، رَجُلانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلاةَ، وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلاةَ؟ قَالَتْ: «أَيَّهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلاةَ؟» قُلْنَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
قَالَتْ: «هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
وَالْآخَرُ أَبُو مُوسَى.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ.
وَأَبُو عَطِيَّةَ: اسْمُهُ مَالِكُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ، وَيُقَالُ: ابْنُ عَامِرٍ الْهَمْدَانِيُّ.
وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ كَانَا يُصَلِّيَانِ الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَا، ثُمَّ يُفْطِرَانِ بَعْدَ الصَّلاةِ.
1732 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ الْقُهُسْتَانِيُّ، نَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْبَيْرُوتِيُّ، نَا أَبِي، نَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي قُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ،

حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ أَحَبَّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا ". 1733 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ قُرَّةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا ". هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَلَوْ أَفْطَرَ رَجُلٌ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ، فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّوْمِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَشَبَّهُوهُ بِمَنْ أَكَلَ نَاسِيًا، وَالْأَوَّلُ أَولى بِخِلافِ النَّاسِي؛ لِأَنَّ النَّاسِيَ لَا يُمْكِنُهُ الاحْتِرَازُ مِنَ النِّسْيَانِ، وَهَذَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْكُثَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ غَيْبُوبَةَ الشَّمْسِ.

وَلَوْ أَكَلَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، فَبَانَ طَالِعًا، اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ، كَمَا لَوْ أَكَلَ فِي آخِرِ النَّهَارِ ظَانًّا أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ، فَبَانَ أَنَّهَا لَمْ تَغْرُبْ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَقِيلَ: لَا قَضَاءَ هُنَا؛ لأَنَّ الْأَصْلَ كَانَ بَقَاءَ اللَّيْلِ، وَفِي الْمَوْضِعَيْنِ إِنْ كَانَ قَدْ جَامَعَ، فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ كَفَّارَةَ الْجِمَاعِ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ.

بَابُ حُصُولِ الْفِطْرِ بِدُخُولِ اللَّيْلِ

1734 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ لِرَجُلٍ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي».
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمْسَيْتَ.
ثُمَّ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ».
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا.
ثُمَّ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ».
فَنَزَلَ، فَجَدَحَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ، فَشَرِبَ رَسُولُ

اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ، فَقَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ.
1735 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا الْحُمَيْدِيُّ، نَا سُفْيَانُ، نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ.
قَوْلُهُ: «فَاجْدَحْ لِي»، فَالْجَدْحُ: هُوَ أَنْ يُخَاضَ السَّوِيقُ بِالْمَاءِ، وَيُحَرَّكَ حَتَّى يَسْتَوِيَ، وَالْمُجْدَحُ: الْعُودُ الَّذِي تُخَاضُ بِهِ الْأَشْرِبَةُ لِتَرِقَّ وَتَسْتَوِيَ.
وَإِنَّمَا أَوْمَأَ إِلَى الْمَشْرِقِ؛ لِأَنَّ أَوَائِلَ الظُّلْمَةِ لَا تُقْبَلُ مِنْ ذَلِكَ الشِّقِّ إِلا وَقَدْ سَقَطَ الْقُرْصُ.

وَقَوْلُهُ: «فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»، قِيلَ: أَرَادَ قَدْ دَخَلَ فِي وَقْتِ الْفِطْرِ، كَمَا يُقَالُ: أَصْبَحَ وَأَمْسَى، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُفْطِرٌ فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ لَمْ يَطْعَمْ شَيْئًا.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ قَوْلَ الْمُوَاصِلِينَ، يَقُولُ: لَيْسَ لِلْمُوَاصِلِ فَضْلٌ عَلَى الْآكِلِ؛ لأَنَّ الصِّيَامَ لَا يَكُونُ بِاللَّيْلِ، فَهُوَ مُفْطِرٌ.

بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ

1736 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ، أَنا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ، إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ»، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ فِي ذَاكُمْ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي، فَاكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ».

هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ 1737 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ»، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: «لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ 1738 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، نَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوِصَالِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْتَ تَفْعَلُهُ؟ فَقَالَ: " إِنِّي لَسْتُ فِي ذَلِكَ

كَأَحَدٍ مِنْكُمْ، إنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي، ثُمَّ قَالَ: اكْلَفُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ " 1739 - أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ.
ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ، أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَنْجُويْهِ الثَّقَفِيُّ، نَا أَبُو الْحُسَيْنِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْعَطَّارُ، نَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى السَّيْسَرِيُّ، نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنا حُمَيْدٌ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاصَلَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَوَاصَلَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ، لَوَاصَلْتُ وِصَالا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ، إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ النَّضْرِ التَّيْمِيِّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حُمَيْدٍ، وَاتَّفَقَا عَلَى إِخْرَاجِ حَدِيثِ الْوِصَالِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَنَسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ الْوِصَالُ فِي الصَّوْمِ مِنْ خَصَائِصِ مَا أُبِيحَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَيْنِ لَا يَطْعَمُ بِاللَّيْلِ شَيْئًا.
وَهُوَ مَحْظُورٌ عَلَى الأُمَّةِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنْ طَعِمَ بِاللَّيْلِ شَيْئًا، وَإِنْ قَلَّ، خَرَجَ عَنِ الْكَرَاهِيَةِ.

وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ كَانَ يُوَاصِلُ الْأَيَّامَ وَلا يُفْطِرُ.
وَقَوْلُهُ: «إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي»، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: إِنِّي أُعَانُ عَلَى الصِّيَامِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لَكُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ يُؤْتَى عَلَى الْحَقِيقَةِ بِطَعَامٍ وَشَرَابٍ يَطْعَمُهُمَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَرَامَةً لَهُ، لَا يُشْرِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ».

بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الْفِطْرِ

1740 - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّفَّارُ، نَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، نَا يَحْيَى، نَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، أَنا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ نَا مَرْوَانُ الْمُقَفَّعُ، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَيَقْطَعُ مَا زَادَ عَلَى الْكَفِّ، قَالَ: وَكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَفْطَرَ، قَالَ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» 1741 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلالُ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَفْطَرَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ»

بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْطِرَ عَلَيْهِ

1742 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ، فَتُمَيْرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تُمَيْرَاتٌ، حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ».
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ 1743 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا شَرِيكٌ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ عَمِّهَا سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: « مَنْ وَجَدَ التَّمْرَ، فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ، فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ، فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَالرَّبَابُ: هِيَ أُمُّ الرَّائِحِ بِنْتُ صُلَيْعٍ.

بَابُ نِيَّةِ الصَّوْمِ مِنَ اللَّيْلِ

1744 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْحُمَيْدِيُّ، أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نَا بَحْرُ بْنُ نَصْرِ بْنِ سَابِقٍ الْخَوْلانِيُّ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَكَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَغَيْرُهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُجْمِعْ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلا صِيَامَ لَهُ».

قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ حَفْصَةَ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَر، قَوْلُهُ قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ: قَدِ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ فِي الْجَامِعِ بِيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ الْمِصْرِيِّ فِي مَوَاضِعَ، وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِ.
وَرَوَى مَعْمَرٌ، وَسُفْيَانُ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْقُوفًا عَلَى حَفْصَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ثِقَةٌ، وَقَدْ رَفَعَهُ، وَالزِّيَادَاتُ عَنِ الثِّقَاتِ مَقْبُولَةٌ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ، إِذَا كَانَ قَضَاءً أَوْ كَفَّارَةً أَوْ نَذْرًا مُطْلَقًا، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلا بِأَنْ يَنْوِيَ لَهُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، أَمَّا أَدَاءُ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنُ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّ تَبْيِيتَ النِّيَّةِ فِيهِ شَرْطٌ، لِأَنَّهُ صَوْمٌ مَفْرُوضٌ

كَالْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَحُكِيَ عَنْ إِسْحَاقَ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا نَوَى أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صَوْمَ جَمِيعِ الشَّهْرِ، أَجْزَأَهُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ الْعَامَّةُ، لِأَنَّ صَوْمَ كُلِّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، فَيَقْتَضِي نِيَّةً عَلَى حِدَةٍ.
وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ أَدَاءَ رَمَضَانَ، وَالنَّذْرَ الْمُعَيَّنَ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ.
أَمَّا صَوْمُ التَّطَوُّعِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ.
وَرُوِيَ أَنَّ حُذَيْفَةَ بَدَا لَهُ الصَّوْمُ بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ، فَصَامَ.
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: لَا يَجُوزُ صَوْمُ التَّطَوُّعِ إِلا بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ كَالْفَرْضِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَصُومُ تَطَوُّعًا حَتَّى يَجْمَعَ مِنَ اللَّيْلِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ مَا 1745 - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْجُوزَجَانِيُّ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ، أَنا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ الشَّاشِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، نَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِينِي،

فَيَقُولُ: «أَعِنْدَكِ غَدَاءٌ؟» فَأَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: «إِنِّي صَائِمٌ»، قَالَتْ: فَأَتَانِي يَوْمًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّهٌ، قَالَ: «وَمَا هِيَ؟» قُلْتُ: حَيْسٌ، قَالَ «أَمَا إِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِمًا»، قَالَتْ: ثُمَّ أَكَلَ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ، وَأَنَّ الْمُتَطَوِّعَ بِالصَّوْمِ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ اخْتِلافٌ، سَيَأْتِي بَعْدَهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَرُوِيَ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي.
وَفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةُ.

بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْمِ عَنِ الرَّفَثِ وَقَوْلِ الزُّورِ

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا، فَلا يَرْفُثْ، وَلا يَجْهَلْ».
1746 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَفِيفٍ الْكُلارُ الْبُوشَنْجِيُّ، بِهَا، أَنا أَبُو عَلِيٍّ مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ

الشَّيْبَانِيُّ الْحَافِظُ، أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ التَّمَّارُ، بِالْبَصْرَةِ، نَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ بْنِ إِسْحَاقَ السِّجِسْتَانِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ 1747 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخَرَقِيُّ، أَنا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، نَا عَلِيُّ

بْنُ حُجْرٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، نَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ»

بَابُ قُبْلَةِ الصَّائِمِ

1748 - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ، أَنا أَبُو نُعَيْمٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أَنا أَبُو عَوَانَةَ، نَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، نَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنْ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ 1749 - حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا هَنَّادٌ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ».

هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَغَيْرِهِ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ 1750 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُقَبِّلُ بَعْضَ نِسائِهِ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ يَضْحَكُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَوْلُهَا: وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ.
يُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ: الإِرْبُ مَكْسُورَةُ

الأَلِفِ، وَالأَرَبُ مَفْتُوحَةُ الْأَلِفِ وَالرَّاءِ، وَكِلاهُمَا مَعْنَاهُ: وَطَرُ النَّفْسِ وَحَاجَتُهَا، يُقَالُ: لِفُلانٍ عِنْدِي إِرْبٌ وَأَرَبٌ، وَإِرْبَةٌ، وَمَأْرَبَةٌ، أَيْ: بُغْيَةٌ وَحَاجَةٌ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ كَانَ غَالِبًا لِهَوَاهُ.
وَالإِرْبُ أَيْضًا: الْعُضْوُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي جَوَازِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فَرَخَّصَ فِيهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَائِشَةُ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ إِذَا لَمْ تُحَرِّكِ الْقُبْلَةُ شَهْوَتَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: لَا يُفْطِرُهُ، وَالتَّنَزُّهُ أَحَبُّ إِلَيَّ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلشَّابِّ، وَيُرَخَّصُ فِيهِ لِلشَّيْخِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ.
وَكَرِهَ قَوْمٌ الْقُبْلَةَ لِلصَّائِمِ عَلَى الإِطْلاقِ، نَهَى عَنْهَا ابْنُ عُمَرَ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَضَى يَوْمًا مَكَانَهُ.
وَمِثْلُهُ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُنْقِصُ الْأَجْرَ وَلا تُفْطِرُهُ، وَالْمُبَاشَرَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقُبْلَةِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَإِذَا أَنْزَلَ بِقُبْلَةٍ، أَوْ مُبَاشَرَةٍ، فَسَدَ صَوْمُهُ بِالاتِّفَاقِ.
وَرُوِيَ عَنْ مِصْدَعٍ أَبِي يَحْيَى، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَيَمُصُّ لِسَانَهَا.

بَابُ الصَّائِمِ يُصْبِحُ جُنُبًا

1751 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُمَا قَالَتَا: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلامٍ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ» 1751 - وَبِهَذَا الإِسْنَادِ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهُمَا قَالَتَا: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلامٍ ثُمَّ يَصُومُ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا: مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، اغْتَسَلَ وَأَتَمَّ صَوْمَهُ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ يَقْضِي ذَلِكَ الْيَوْمَ.
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: يُجْزِئُهُ التَّطَوُّعُ، وَيَقْضِي الْفَرِيضَةَ.
وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَرْوِي، «مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلا يَصُومُ»، فَبَعَثَ

مَرْوَانُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِيهِ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَقَدْ قِيلَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الإِسْلامِ حِينَ كَانَ الْجِمَاعُ مُحَرَّمًا فِي لَيَالِي الصَّوْمِ بَعْدَ النَّوْمِ كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَلَمَّا أَبَاحَ اللَّهُ الْجِمَاعَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، جَازَ الصَّوْمُ وَإِنْ وَقَعَ الْغُسْلُ بِالنَّهَارِ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُفْتِي بِمَا سَمِعَهُ مِنَ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِالنَّسْخِ، فَلَمَّا سَمِعَ حَدِيثَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَأُمِّ سَلَمَةَ، صَارَ إِلَيْهِ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَجَعَ عَنْ فُتْيَاهُ فِيمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَنَّهُ لَا يَصُومُ.
وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى أَنْ يُدْرِكَهُ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ، فَلا صَوْمَ لَهُ.

بَابُ كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ

1752 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، نَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَأَبُو عَمَّارٍ، الْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَاللَّفْظُ لَفْظُ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «اجْلِسْ»، فَجَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ الضَّخْمُ، قَالَ: «فَتَصَدَّقْ بِهِ»، قَالَ: مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَحَدٌ أَفْقَرَ مِنَّا، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، قَالَ: «خُذْهُ، فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ».

هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرُهُ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
وَرَوَى هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ: «فَأُتِيَ بِعَرَقٍ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا»، وَقَالَ فِيهِ: «كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ، وَصُمْ يَوْمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ».
وَالْعرق فَسَّرَهُ بِالْمِكْتَلِ، وَأَصْلُهُ السَّفِيفَةُ تُنْسَجُ مِنَ الْخُوصِ قَبْلَ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الزِّبْلُ، فَسُمِّيَ الزَّبِيلُ وَالْمِكْتَلُ عِرْقًا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ مَضْفُورٍ، فَهُوَ عرَقٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ جَامَعَ مُتَعَمِّدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ يَفْسَدُ صَوْمُهُ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَيُعَزَّرُ عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِ.
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ مَا يُوجِبُ تَعْزِيرًا لِلَّهِ تَعَالَى يَجُوزُ لِلإِمَامِ تَرْكُهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ بِتَعْزِيرِ الْأَعْرَابِيِّ.
وَذَهَبَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ إِذَا أَفْسَدَ صَوْمَهُ بِالْجِمَاعِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ.

وَكَفَّارَةُ الْجِمَاعِ مُرَتَّبَةٌ مِثْلُ الظِّهَارِ، فَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: كَفَّارَةُ الْجِمَاعِ مُخَيَّرَةٌ، فَيُخَيَّرُ لِلْمُجَامِعِ بَيْنَ الْعِتْقِ، وَالصَّوْمِ، وَالإِطْعَامِ.
وَفِيهِ دِلالَةٌ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ أَنَّ طَعَامَ الْكَفَّارَةِ مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، لَا يَجُوزُ أَقَلُّ مِنْهُ، وَلا يَجِبُ أَكْثَرُ؛ لأَنَّ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا إِذَا قُسِّمَتْ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُدٌّ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ.
وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ إِلا فِدْيَةُ الأَذَى يَجِبُ فِيهَا لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّانِ لِلْحَدِيثِ فِيهِ.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَجِبُ أَنْ يُطْعَمَ كُلُّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنَ الْقَمْحِ نِصْفُ صَاعٍ، وَمِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْحُبُوبِ صَاعٌ، وَقَدْ رُوِيَ فِي خَبَرِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَرُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِسَلَمَةَ: «أَطْعِمْ عَنْكَ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسَقًا مِنْ تَمْرٍ».
وَالْوَسَقُ يَكُونُ سِتِّينَ صَاعًا، فَيَكُونُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ صَاعٌ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ.
وَرَوَى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ حَدِيثَ الظِّهَارِ، وَقَالَ فِي الْعَرَقِ: هُوَ مِكْتَلٌ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ الْعَرَقَ مِكْتَلٌ يَسَعُ ثَلاثِينَ صَاعًا.
وَرُوِيَ عَنْ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَفُسِّرَ الْعَرَقُ فِيهِ بِسِتِّينَ صَاعًا.
فَخَرَجَ مِنَ اخْتِلافِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الْعَرَقَ يَخْتَلِفُ فِي السِّعَةِ وَالضِّيقِ، فَيَكُونُ بَعْضُهَا أَكْبَرَ وَبَعْضُهَا أَصْغَرَ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كَفَّارَةِ الْمُجَامِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعَارِضَ لَهُ، وَقَدْ وَقَعَ التَّعَارُضُ فِي رِوَايَاتِ الظِّهَارِ، وَلِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَجْوَدُ إِسْنَادًا وَأَحْسَنُ اتِّصَالا، غَيْرَ أَنَّ أَحْوَطَ الْأَمْرَيْنِ أَنْ يُطْعِمَ كُلَّ مِسْكِينٍ صَاعًا أَوْ نِصْفَ صَاعٍ، وَلا يَقْتَصِرْ عَلَى الْمُدِّ؛ لِأَنَّ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الْعَرَقُ الَّذِي أُتِيَ بِهِ رَسُولُ

اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُقَدَّرُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ قَاصِرًا عَنْ مَبْلَغِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ، وَيَكُونُ الْبَاقِي دَيْنًا عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَجِدَهُ.
وَقَوْلُهُ: «كُلْ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ»، اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، حُكِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ هَذَا خَاصًّا لِذَلِكَ الرَّجُلِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ، فَمَنْ فَعَلَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَلا دَلِيلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ.
وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ مَا ذَكَرَهَ الشَّافِعِيُّ: وَهُوَ أَنَّ هَذَا رَجُلٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ الرَّقَبَةَ، وَلَمْ يُطِقِ الصَّوْمَ، وَلَمْ يَجِدْ مَا يُطْعِمُ، فَأَمَرَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ لِيَتَصَدَّقَ بِهِ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْمَدِينَةِ أَحْوَجُ مِنْهُ، فَلَمْ يَرَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى غَيْرِهِ، وَيَتْرُكَ نَفْسَهُ وَعِيَالَهُ، فَأَمَرَهُ بِصَرْفِهِ إِلَى قُوتِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْوَقْتِ، وَصَارَتْ فِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَجِدَهَا كَالْمُفْلِسِ يُمْهَلُ إِلَى الْيَسَارِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْكَفَّارَاتِ بِحَالَةِ الْأَدَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَأَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ حَالَةَ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، فَلَمَّا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ، أَمَرَهُ بِأَنْ يُكَفِّرَ، فَلَمَّا ذَكَرَ حَاجَتَهُ، أَخَّرَهَا عَلَيْهِ إِلَى الْوَجْدِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإِنْ كَانَ وَاجِدًا لِلرَّقَبَةِ يَوْمَ الْوُجُوبِ، فَلَمْ يَعْتِقْ حَتَّى عَدِمَهَا، يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصُومَ، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ بَعْدَمَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالإِطْعَامِ، وَإِنْ كَانَ عَادِمًا لِلرَّقَبَةِ يَوْمَ الْوُجُوبِ، عَاجِزًا عَنِ الصَّوْمِ،

فَقَبْلَ أَنْ يُطْعِمَ، قَدَرَ عَلَى الرَّقَبَةِ، فَعَلَيْهِ التَّكْفِيرُ بِالإِعْتَاقِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الصَّوْمِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، فَيَأْتِي بِأَسْرَعَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الرّجل لَمَّا قَالَ: مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَحْوَجُ مِنَّا، قَالَ: «فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ»، فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُطْعِمَ أَهْلَهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ.
وَعِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّمَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى مَنْ لَا يُلْزِمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ، فَأَمَّا مَنْ يُلْزِمُهُ نَفَقَتُهُمْ عِنْدَ الْعُدْمِ كَالْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ، فَلَا يَجُوزُ وَضْعُ طَعَامِ الْكَفَّارَةِ فِيهِمْ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ الصَّائِمَةِ إِذَا طَاوَعَتْ فِي الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، هَلْ يُلْزِمُهَا الْكَفَّارَةُ؟ فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ يُلْزِمُهَا الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهَا؛ لِأَنَّهَا أَفْطَرَتْ بِجِمَاعِ عَمْدٍ كَالرَّجُلِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ عَلَى الرَّجُلِ دُونَهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ، إِلا أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانْتِ الْكَفَّارَةُ بِالصَّوْمِ، كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الرَّجُلَ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ فِعْلٍ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وَلَمْ يُوجِبِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا كَفَّارَةً وَاحِدَةً.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهَذَا غَيْرُ لازِمٍ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا حِكَايَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُفْطِرَةٌ بِعُذْرِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ تَكُونُ مُسْتَكْرَهَةً، أَوْ نَاهِيَةً لِصَوْمِهَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ مَا ذَكَرُوهُ حُجَّةً لِسُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهَا عِنْدَ تَعَمُّدِ الْفِطْرِ بِالْجِمَاعِ.
وَقَوْلُهُ: «صُمْ يَوْمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ»، فِيهِ بَيَانُ أَنَّ قَضَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمِ

لَا يَدْخُلُ فِي صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرِ الْأَوْزَاعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ، دَخَلَ فِيهِ صَوْمُ الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَفَّرَ بِالْعِتْقِ أَوْ بِالإِطْعَامِ، فَعَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمِ الْجِمَاعِ.
وَلَوْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ مُتَعَمِّدًا، اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقَ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالُوا: لَوِ ابْتَلَعَ حَصَاةً، أَوْ نَوَاةً لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، فَلَمَّا رُفِعَ إِلَيْهِ عَثَّرَ، فَقَالَ: عَلَى وَجْهِكَ، وَيْحَكَ وَصِبْيَانَنَا صِيَامٌ، فَضَرَبَهُ وَسَيَّرَهُ إِلَى الشَّامِ، وَكَانَ إِذَا غَضِبَ عَلَى أَحَدٍ سَيَّرَهُ إِلَى الشَّامِ.
1753 - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا بُنْدَارٌ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ

بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالا: نَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الْمُطَوِّسِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلا مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، وَإِنْ صَامَهُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: أَبُو الْمُطَوِّسِ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ الْمُطَوِّسِ، لَا أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا عَلَى طَرِيقِ الإِنْذَارِ وَالإِعْلامِ بِمَا لَحِقَهُ مِنَ الإِثْمِ، وَفَاتَهُ مِنَ الْأَجْرِ، فَالْعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ.
وَلَوْ شَرَعَ فِي صَوْمِ قَضَاءٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ، فَأَفْطَرَ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، إِنَّمَا الْكَفَّارَةُ فِي إِفْسَادِ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ.

بَابُ الصَّائِمِ إِذَا أَكَلَ نَاسِيًا

1754 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا عَبْدَانُ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نَا هِشَامٌ، نَا ابْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا نَسِيَ، فَأَكَلَ وَشَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ الْقُرْدُوسِيِّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ النِّسْيَانَ ضَرُورَةٌ، وَالْأَفْعَالُ الضَّرُورِيَّةُ غَيْرُ مُضَافَةٍ فِي الْحُكْمِ إِلَى فَاعِلِهَا، وَهُوَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهَا.

جارٍ التحميل